تخلصًا من الفتنة والاستهزاء فحسب، بل كانت تعاونًا على إقامة مجتمع جديد في بلد آمن.
وأصبح فرضًا على كل مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد، وأن يبذل جهده في تحصينه، ورفع شأنه، وأصبح ترك المدينة بعد الهجرة إليها نكوصًا عن تكاليف الحق، وعن نصرة الرسول، ﷺ ، فالحياة فيها دين، والاجتماع بها مطلب، وكذلك ينبغي أن يعيش المسلم لدينه، وأن يضحى بالغالي والرخيص في سبيل عقيدته .. وألا تكون محبة المسلم لوطنه لذات التراب والطين، وإنما لأجل العقيدة والدين (١).
стр. 842
الثبات في المحن ودروس من غزوة أحد (١)
الخطبة الأولى
إخوة الإيمان، ونحن نقف على نهاية أيام عام هجري يؤذن بالانصرام حريٌّ بنا أن نتأمّل ونتفكَّر في أحداثه، وعِبري، وقد اشتمل على مسراتٍ وأحزان، وتوفّرت فيه الصحة لأقوام، وأقعد المرض آخرين، وفيه من شارف على الهلكة ثم متعه الله إلى حين، وفيه من فاجأته المنية، واحترمه ريب المنون، فيه قدّر ربّك الغنى لقوم، وأقنى الآخرين، وفيه أضحك ربّك وأبكى، وأمات وأحيى، وعليه النشأة الأخرى، كما اشتمل العام على قتل فئام من الناس، وتشريد آخرين، وإيذاء طوائف من المسلمين، لا ذنب لهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (٢).
أيها المسلمون، لا غرابة أن يقع هذا وغيره، فما هذه الدار بدار قرار، وليست خلوًا من المنغصات والأكدار، ويعلم العارفون أن هذه الدنيا لا يدوم على حال لها شأن، وأنها متاع الغرور، وأنها دار امتحان وابتلاء، ويخطئ الذين يغترّون بزينتها، فيفرحون بما أُوتوا وإن كان من حتفهم، ويأسون على ما فاتهم وإن كان خيرًا لهم، وكذلك يوجه القرآن، وما أسعد من يفقه توجيه القرآن: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا
стр. 843
آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١).
إن المصائب والمحن في هذه الحياة الدنيا ليست قصرًا على جيلٍ دون آخر، وليست خاصةً بأمةٍ دون أُخرى، بل هي عامةٌ في الأولين والآخرين من بني الإنسان، وتشمل الصالحين والطالحين، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٣). ولكن الذي يختلف فيه الناس أسلوب التعامل مع مصائب الدنيا، ونكدها فإذا امتاز المؤمنون بالصبر والمصابرة، والرضى والتسليم بأقدار الله الجارية، مع بذل الجهد في تحصيل الخير وتحقيق العدل، ودفع المكروه والشر، ورفع الظلم في الأرض، فإن سواهم يضيق به الصدر، وتنقطع أوصاله من الحزن والقلق، ويُصاب بالضيق والإحباط، وربما ارتكب من الفواحش والآثام ما زاد في ألمه، وضاعف مصائبه، وربما أودى بحياته تخلصًا مما هو فيه، فانتقل إلى نكدٍ مؤبَّد، وإنما عذاب دائم ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (٤).
إخوة الإيمان، واقرؤوا سيرة النبي ﷺ ، والمؤمنين معه، وستجدون أنهم نالوا من المصائب والمحن ما نالهم، ومنهم أزكى البشرية وأتقاها، وجيلهم خير أجيال المسلمين، وأنقاها، وكل ذلك حتى يمتحَن المؤمنون، ويعلمَ الله الصابرين، ويكشف زيف المنافقين، وحتى يعلمَ هؤلاء، وتعلم الأمةُ من ورائهم قيمة الثبات على الحق، والصبر على الشدائد، حتى يأذن الله بالنصر والفرج. وإذا كان الناس في حال الرخاء يتظاهرون بالصلاح والتقى ففي زمن الشدائد
стр. 844
يميز الله الخبيث من الطيب، ويثبت الله المؤمنين، ويلقي الروع في قلوب آخرين.
قفوا، معاشر المسلمين، عند غزوة أُحد، واقرؤوا بشأنها قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). وقوله ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). وقوله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ... الآية﴾ (٣).
ولقد كانت أم المؤمنين عائشةٍ، ﵂، تدرك هول المعركة وشدتها على الرسول، ﷺ والمسلمين وهي تقول للنبي ﷺ : هل مرّ عليكَ يومٌ كان أشدَّ عليك من يوم أُحد؟
والواقع يشهد أن المسلمين حين خالفوا أمر رسول الله، ﷺ ، واختل ميزان المعركة، أُسقط في أيديهم، وتساقط الشهداء منهم في ميدان المعركة، وفقدوا اتصالهم بالنبي، ﷺ ، وشاع أنه قُتل، وفرَّ مَن فرَّ منهم، وأصابت الحيرة عددًا منهم، وآثر آخرون الموت على الحياة، وخلص المشركون إلى النبي، ﷺ ، فجرحوا وجهه، وكسروا رباعيته، وهشّمت البيضة على رأسه، وكانت
стр. 845
فاطمة، ﵂ تغسل الدم عن وجهه، وكان علىٌّ، ﵁، يسكب عليها الماء بالمجن، ولم يستمسك الدم حتى أحرقوا حصيرًا فلمّا كان رمادًا ألصقوه بالجرح فاستمسك الدم، كما في الحديث المتفق على صحته (١).
وفي هذه الأجواء الصعبة، يثبت الرسول، ﷺ ، وينادي في المسلمين: إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله، قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (٢).
وفي ظل هذه الظروف العصيبة، يتنادى المسلمون، وتثبت طائفةٌ من شجعان المؤمنين، وتقاتل قتال الأبطال دفاعًا عن الرسول، ﷺ ، ويخلص بعض المشركين إلى النبي ﷺ ، وهو في سبعةٍ من الأنصار ورجلين من قريش، فيقول ﵊: «مَن يردهم عنّا وهو رفيقي في الجنة؟ فقاتلوا عنه واحدًا واحدًا حتى استشهد الأنصار السبعة (٣) ثم قاتل عنه طلحة بن عبيد الله قتالاً مشهورًا حتى شلت يده بسهم أصابها (٤) وقاتل سعد بن أبي وقاص، ﵁ وهو من مشاهير الرماة - بين يدي رسول الله، ﷺ ، وهو يقول له: ارم، فداك أبي وأمي. وأبو طلحة الأنصاري الذي قال للنبي، ﷺ : (بأبي أنت وأمي، لا تشرفْ على القوم يصبك سهم من سهامهم، نحري دون نحرك) (٥).
وهكذا يكون حال المؤمنين، حين تعصف بهم المحن، الصبرَ والثباتَ، والجهاد والتضحية حتى يأذن الله بالنصر أو يفوزوا بالشهادة، فينالوا المغنم في
стр. 846
الدنيا، ويحظوا بالدرجات العلى في الأخرى.
وهاك- فوق ما سبق- نموذجًا واعيًا للثبات على الإسلام حتى آخر لحظة، والوصية بالدفاع عن الرسول، ﷺ ، حتى آخر رمق، يمثِّله الصحابي الجليل أنس بن النضر، ﵁، الذي كان يحث المسلمين على الجهاد ويقول: (الجنة، ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أُحد) وعندما انجلت المعركة وُجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة ورمية وطعنة، ولم يعرفه أحد إلا أخته (الرّبيّع) عرفته ببنانه، وحين أرسل النبي، ﷺ ، زيد بن ثابت ليتفّقدَه، وجده وبه رمق، فرد سلام الرسول، ﷺ ، ثم قال: أجد ريح الجنة، وقل لقومي من الأنصار، لا عذر لكم عند الله أن يُخْلَص إلى الرسول، ﷺ ، وفيكم شفر يطرف، ودمعت عيناه) (١).
وهاكم نموذجًا آخر، تمثِّله النساء، وليست البطولات قصرًا على الرجال، فالسُّميراء بنت قيس، يُصاب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله، ﷺ ، في أُحد، فلما نُعوا لها قالت: فما فعل رسول الله، ﷺ ، قالوا: خيرًا يا أمم فلان، هو- بحمد الله- كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، حتى إذا رأته واطمأنت على حياته قالت كلمتها العظيمة: كلّ مصيبة بعدك جلل (٢) (أي صغيرة). ألا إنه الوعي ...
стр. 847
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، يحكم ما يشاء ويختار، لا معقّب لحكمه ولا راد لقضائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فهذه إطلالةٌ على نموذج من المحن والشدائد التي نزلت يومًا من الدهر بالمسلمين، وهذه لمحة خاطفةٌ عن بعض أحداث غزوة أحد، ما أحرانا بتأملها، والاستفادة من عبرها، ألا ما أحوجنا في هذه الظروف إلى قراءة كتاب الله، بشكل عام، وإلى قراءة ما نزل تعقيبًا على هذه الغزوة الكبيرة في تاريخ المسلمين، بشكل خاص، وقد نزل حول أحداث غزوة أحد ثَمَان وخمسون آية من سورة آل عمران، ابتدأت بذكر أوّل مرحلة من مراحل الإعداد لهذه المعركة ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ (١) وتركت في نهايتها تعليقًا جامعًا على نتائج المعركة، وحكمتها، والله يقول: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ (٢).
أجل، لقد تميز الناس على حقيقتهم في غزوة أحد، فكانوا ثلاث طوائف سوى الكفار، وإذا كان مر معنا طائفة من المؤمنين، ثبتت حول النبي، ﷺ ، تحوطه، وتدافع عنه حتى استشهد من استشهد منهم، وجرح من جرح، فثمة طائفة أخرى من المؤمنين، حصل منهم ما حصل من توَلٍّ وفرار، واستزلهم
стр. 848
الشيطان ببعض ما كسبوا .. لكن الله عفا عنهم لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق ولا شك، وإنما كان عارضًا، عفا الله عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١).
فعادت شجاعة الإيمان إلى مركزها ونصابها (٢) وكذلك ينبغي أن يكون سلوك المؤمنين إذا وقعوا في الخطأ، وذكروا وتذكروا فإذا هم مبصرون، واستغفروا لذنوبهم، وعادوا إلى قافلة المؤمنين، أما الذين يستمرئون الخطأ، ويصرون على المعاندة، وإيذاء المؤمنين، مع علمهم بالحق وأهله وبالباطل وجنده، فأولئك في قلوبهم مرض، وسيكشف الله أضغانهم، وسيفضحهم في جوف بيوتهم.
إخوة الإيمان، أما الطائفة الثالثة التي أراد الله لها أن تتكشف على حقيقتها في غزوة أُحد، فهي طائفة المنافقين.
وللإمام ابن القيّم، ﵀، كلام جميل في الفصل الذي عقده للحِكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد، ومما قاله بشأن المنافقين: ومنها أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهرًا من ليس معهم فيه باطنًا، فاقتضت حكمة الله أن سبب لعباده محنةً ميَّزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلَّموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخبآتهم، وعاد تلويحهم تصريحًا، وانقسم الناس إلى كافر، ومؤمن، ومنافق، انقسامًا ظاهرًا، وعرف المؤمنون أن لهم عدوًّا في نفس
стр. 849
دورهم، وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم، وتحرزوا منهم، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾ (١) إي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين، حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق- كما ميزهم بالمحنة يوم أحد- وما كان الله ليطلعكم على الغيب الذي يميز به بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في غيبه وعلمه، وهو سبحانه يريد أن يميزهم تميزًا مشهودًا، فيقع معلومه الذي هو غيب شهادةً .. وإن كان من يجتبي من رسله يطلعهم على ذلك (٢).
إخوة الإسلام، وكذلك ينبغي أن تكون الشدائد والمحن في كل زمان فضلاً لتمييز المؤمنين، وفضح المنافقين.
ومن الحكم الجليلة التي ذكرها ابن القيم، ﵀، لهذه الغزوة، وهي صالحة للاستفادة منها في كل نازلة ومحنة تقع بالمسلمين:
استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء، وفيما يحبون ويكرهون، وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقًا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والعافية (٣).
ومن هذه الحكم: (إن الله، سبحانه، إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم، قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها، بعد
стр. 850
كفرهم، بغيهم وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه ومحاربتهم، وقتالهم، والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد ذكر ذلك في قوله: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١٣٩) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
ألا ما أعظم هذه الحكم، وما أحوج المسلمين إلى تذكر هذه العبر، وقد وردت روايات تفيد الصلاة على شهداء أحد لكنها لا تقوى على معارضة أحاديث نفي الصلاة عليهم، فكلها متكلم فيها، وقد دفق الاثنان والثلاثة في قبر واحد، وحمل بعضَ الشهداء أهلوهم ليدفنوهم في المدينة فأمرهم الرسول، ﷺ ، بدفنهم في أماكن استشهادهم بأحد.
ولما انتهى من دفن الشهداء صف أصحابه، وأثنى على ربه فقال: «اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا مانع لما أعطيتَ، ولا مقرب لما باعدتَ، ولا مباعد لما قربتَ، اللهم ابسط علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، ورزقك، اللهم إني أسألك النّعيم المقيم لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة (أي الفاقة)، والأمن يوم الخوف، اللهم عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفَّنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا
стр. 851
ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسولك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أُوتوا الكتاب، إله الخلق» ثم ركب فرسه ورجع إلى المدينة.
стр. 852
غرور الأماني وظاهرة الإرجاء (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الآل والأصحاب أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فأما بعد، فأوصي نفسي وإياكم بوصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً﴾ (٢).
أيها المسلمون، ولابد للمسلم في هذه الحياة أن تكون عبادته لله بين الخوف والرجاء، ولابد أن يفقه ونصوص الوعد، ونصوص الوعيد، فما أفرط في الرجاء أصبح من المرجئة القائلين: لا يضر مع الإيمان شيء، ومن أفرط في الخوف كان من الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة في النار، بل يكون وسطًا بينهما، كما قال تعالي: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (٣).
والخوف والرجاء- كما قال أهل العلم- كجناحَي طائر للإنسان يطير بهما فإذا اعترى أحدَهما نقص أثّر على الآخر.
стр. 853
إخوة الإسلام، من سبر أحوال المسلمين اليوم وجد تغليبًا لجانب الرجاء على الخوف، ووجد معه فهمًا خاطئًا للرجاء، وانحرافًا عظيمًا أو يسيرًا عن مفهوم السلف لحقيقة الرجاء، وتأويلاً متعسفًا لبعض نصوص القرآن والسنة التي أبانت عن سعة رحمة الله، ومغفرة الذنوب.
وحتى تتضح الصورة أضرب لكم نماذج هذه المفاهيم الخاطئة.
فبعض الناس لا يشهدون الصلاة إلا من الجمعة إلى الجمعة، ويظن أنهما مكفرات لما بينهما، أو يتعبَّد من رمضان إلى رمضان، ويسيء فيما بينهما، بل وينقطع عمّا سواهما، ويفهم النص فهمًا خاطئًا: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه) وكاغترار بعضهم بالاعتماد على صوم يوم عاشوراء أو يوم عرفة حتى يقول هذا المغترُّ: صوم يوم عاشوراء يكُفِّر ذنوب العام كلَّها، ويبقى صوم عرفة زيادةً في الأجر.
يقول الإمام ابن القيم، ﵀: (ولم يدر هذا المغتر أن صوم رمضان والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، وهي إنما تكفِّر ما بينهما إذا اجُتنِبت الكبائر، فرمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة، لا يقويان على تكفير الصغائر إلا مع انضمام ترك الكبائر إليها، فيقوى مجموع الأمرين على تكفير الصغائر) (١).
إخوة الإسلام، وكذلك يتضح لكم أن القضية ليست تغليبًا لجانب الرجاء على جانب الخوف، فهذه مع ما فيها من تأثير على جانب الخوف من الله، واختلال للميزان الحق، فالمصيبة أعظم حين تكون إخلالاً لمفهوم الرجاء نفسه، ويظهر أن مفهومنا للرجاء يختلف عن مفهوم السلف له، فنحن كلما غلبتنا
стр. 854
أنفسنا الأمارة بالسوء على المعاصي قلنا: (إن الله غفورٌ رحيمٌ) وكلما ضعفت عزائمنا عن أداء الواجبات المفروضة قلنا: (إن رحمة الله واسعة)، وهكذا حتى نألفَ المنكراتِ، وتصعب علينا الطاعات، أما السلَف فإليكم شيئًا من فهمهم لمعنى الرجاء:
يقول الإمام البيهقي، ﵀: وأفضل الرجاء ما تولد من مجاهدة النفوس، ومجانبة الهوى، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١)﴾ (٢)
فتأمَّل مقولة هذا الإمام، وكيف يربط الرجاء بمجاهدة النفس، ومجانبة الهوى .. وليس مجرّد أمان لا رصيد لها في دنيا الواقع، بل وتأمْل قبل ذلك قولَ الحقّ في الآية السابقة، فهؤلاء الذين يرجون رحمة الله: قدموا لذلك بالإيمان، وللإيمان حقيقته وتبعاته، وهاجروا- والهجرة عن الأهل والولد أو المال والبلد- كلّ ذلك ضربٌ من ضروب الجهاد، ولا تطيقه كثير من النفوس الضعيفة، فإذا أُضيف إلى ذلك المجاهدة في سبيل الله، دعوةً إلى دينه، ومجاهدةً للذين يقفون دون الناس في معرفة الحق، وما يتطلبه هذا الجهاد من بذل المال أو بذل الأنفس أو كليهما .. علمتَ أنّ الرجاء الشرعي هو المتولِّد من مجاهدة النفس، ومجانبة الهوى .. وما سواه غرور الأماني، ومخادعةٌ للنفس، ليس إلا.
يقول الإمام ابن القيّم، ﵀: فتأمّلْ هذا الموضع، وتأمّل شدة الحاجة إليه، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقُّنه بأنه ملاقي الله، وأنّ الله يسمع كلامه، ويرى
стр. 855
مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عليه خافيةٌ من أمره، فإنه موقوفٌ بين يديه، ومسؤول عن كل ما عمل، وهو مقيمٌ على مساخطِه، مضيِّعٌ لأوامره، معطلٌ لحقوقه، وهو مع ذلك يحسن الظنّ بِه، وهل هذا إلا من خداع النفوس، وغرور الأماني (١)؟
يا أخا الإسلام، ولابدّ أن تفهم الفرق بين حسن الظنّ بالله، وبين الغرور، فحسن الظن هو حسن العمل، والغرور تقصير وتهاونٌ، وضعف وعجزٌ وتواكل، قال الحسن البصري، ﵀: (إنّ المؤمن أحسنَ الظنّ بربه فأحسن العملَ، وإنّ الفاجر أساء الظنّ بربّه فأساء العمل) (٢).
وويلٌ لمن أرداه ظنّه السيء بربه فكان من الخاسرين قال الله تعالي: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣).
أتدرون مَن هؤلاء؟ أولئك الذين يستترون لأعمالهم السيئة، ويظنون أنّ الله لا يعلم سرَّهم ونجواهم، وأولئك يفضحهم الله يوم القيامة، وزيادةً في فضيحتهم تكون الشهود عليهم جوارحهم التي لا يستطيعون الاستتار عنها .. وحق للنبي، ﷺ ، أن يضحك عجبًا من صنيعهم، وقد أخرج الإمام مسلمٌ وغيره عن أنس بن مالك، ﵁، قال: (ضحك رسولُ الله، ﷺ ، ذات يوم، وتبسَّم فقال: ألا تسألوني عن أيّ شيءٍ ضحكتُ؟ قالوا: يا رسولَ الله، من أيّ شيءٍ ضحكت؟ قال: عجبتُ من مجادلة العبد ربّه يوم القيامة، يقول: أي ربي، أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى، فيقول: فإني لا أقبلُ عليّ شاهدًا إلا من نفسي، فيقول الله، ﵎: أوليس كفى بي شهيدًا، وبالملائكة الكرام
стр. 856
الكاتبين؟ قال: فيردد هذا الكلام مرارًا، قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول بعدًا لكنَّ وسُحْقًا، عنكنَّ كنتُ أجادلُ) (١).
يا بن آدم تذكر هذا المشهد العظيم: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢).
وأحضر للسؤال جوابًا .. وأتِّق الفضيحة غدًا، واعلم أنّ الله أقرب إليك من جوارحك، بل وأقرب إليك من حبل الوريد: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣).
معاشر المسلمين، قال العارفون: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق (٤). أين نحن من قوم كلما زادت طاعاتهم لربهم زاد خوفهم وطال بكاؤهم.
قيل للحسن: نراك طويل البكاء؟ فقال: أخاف أن يطرحني في النار، ولا يبالي!
وكان يقول: إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة، يقول أحدهم: لأني أُحسن الظنّ بربي، وكذب، لو أحسن الظنّ لأحسن العمل!
وسأله رجل فقال: يا أبا سعيد، كيف نصنع بمجالسة أقوامٍ يُخوّفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله لأن تصحب أقوامًا يخوفونك حتى تدرك أمنًا،
стр. 857
خيرٌ من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف (١).
نعوذ الله من سوء الخاتمة، ونسأل الله ألا يميتَ قلوبنا، ويشغلها بالدنيا عن الآخرة، ونسأله تعالى ألا يجعلنا من ميتي الأحياء، أتدرون من ميت الأحياء؟
سُئل ابن مسعود: مَن ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا (٢).
أعوذ الله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٣).
стр. 858
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وفق الصالحين لطاعته، وملأ قلوبهم خوفًا منه ورجاءً له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يمهل ولا يهمل، وإذا أخذ فإن أخذه أليمٌ شديد: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان أعلم الناس بالله، وأخوفهم لله، وأتقاهم له. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
أيها المسلمون، وإذا أردتم أن تعلموا الفرق بين أمننا وخوف السلف من قبلنا، فانظروا في الفرق بين طاعتنا وطاعتهم، وانظروا كذلك في تغليب الخوف عندهم، وتغليب الرجاء عندنا.
فهذا عمر، ﵁، وهو الرجل الثاني في الإسلام بعد أبي بكر، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ومواقفه الإيمانية لا تكاد تخفى على مطلع، ويكفيه فخرًا أنه ما سلك فجًّا إلا وسلك الشيطان فجًّا آخر .. إلى آخر مناقبه العظيمة .. ومع ذلك يلازمه الخوف، ويخشى على نفسه، ليس من التقصير في الطاعات فحسب، بل ويخشى أن يكون في زمرة المنافقين الذين غيّب الرسول، ﷺ ، أسماءهم، وأودع سرهم عند حذيفة، ﵁، ومع ذلك يناشد حذيفةَ- صاحبَ سر رسول الله ﷺ ويقول: نشدتك الله يا حذيفة هل عدّني رسول الله، ﷺ ، من المنافقين؟ فيجيبه حذيفة، ﵁، لا، ولا أزكي أحدًا بعدك (٢).
إيه يا بن الخطاب، إذا كنتَ وأنتَ من أنتَ إيمانًا وتقىً وجهادًا وتضحيةً
стр. 859
وعدلاً تخشى على نفسك النفاق، فكيف يرجو النجاة أمثالُنا؟
ترجو النَّجاة ولم تسلكْ مسالكَها ... إن السفينةَ لا تجري على اليبسِ
وهذا أبو الدرداء، ﵁، يدخل عليه جُبَير بن نُفير منزله بحمص فإذا هو قائم يصلي في مسجده، فلمّا جلس يتشهد جعل يتعوذ من النفاق، فلما انصرف قلت له: غفر الله لك يا أبا الدرداء، ما أنت والنفاق؟ قال: اللهم غفرًا- ثلاثًا- من يأمن البلاء؟ من يأمن البلاء؟ والله إن الرجل لَيُفتن في ساعة فينقلب عن دينه (١).
وأخرج البخاري- تعليقًا- عن ابن أبي مليكة، ﵀، قال: (أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي، ﷺ ، كلُّهم يخاف النفاق على نفسه) (٢).
إذا كانت تلك نماذج لخوف المؤمنين من عباد الله الصالحين، أفلا يدعوك إلى الخوف- مما خافوا منه- وأنت وأنا في عداد المخطئين المقصرين؟
أيها المسلمون، ولم تكن ظاهرة الإرجاء في عالمنا الإسلامي لتمضي دون أن تترك لها أثرًا أو ظلاً، والمتأمّل في واقعنا يلاحظ كثيرًا من مظاهر الضعف والتخلّي عن الواجبات، ولاشك أن لظاهرة الإرجاء أثرًا عليها، فكلُّ خطأٍ يبرّر بأن رحمة الله واسعة، وكل ذنبٍ يقع يقال عنه: إن الله يغفر الذنوب جميعًا .. وهكذا حتى أثّر تناسي الخوف من الله على كثير من العبادات، ونتج عن ذلك فتور في أداء الطاعات والواجبات، وربما صاحبتها منّةٌ ومماراة، وولّد هذا الشعور المتراخي هتكًا لأستار الحلال، وولوجًا إلى منطقة الحرام، وسرى الغش في البيع والشراء، وعدد من المعاملات بين الناس، وربما أباح بعض الناس لأنفسهم الربا، ولو كان فيه حربٌ على الله ورسوله، والزنا ولو كان
стр. 860
فاحشةً وساء سبيلاً، إلى غير ذلك من أنواع الفواحش التي جاءت نصوص الوعيد محذّرةً عنها.
أيها المؤمنون، ولم يسلم الخاصّة من عقابيل الإرجاء وآثاره السلبية، فضعُف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطائفة من أهل الدعوة يؤثرون العافية، ويغلبون نصوص الرجاء والوعد على نصوص الخوف والوعيد.
وتوسّع الخيرون تبعًا لغيرهم في ملاذّ الحياة الدنيا، وفتنوا بها، وربما ضنوا بزينتها والخوف من ضدها، فلم ينشطوا في قول كلمة الحق للناس، وعدم كتمانه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (١).
وتذرّع بعضهم بالهروب من الفتنة، وربما كانت الفتنة بالذي منه هربوا، واسمعوا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، وهو يصنّف الناس إلى ثلاثة أصناف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويقول: «ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن، وما يُعرض به المرء للفتنة، صار في الناس من يتعلل في الترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة» ... إلى أن يقول:
فتدبّر هذا، فإنه مقام خطر، فإن الناس هنا ثلاثة أقسام، قسمٌ يأمرون وينهون ويقاتلون طلبًا لإزالة الفتنة التي زعموا ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الأمة، وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كلّه، وتكون كلمة الله هي العليا لئلا يُفتَنوا، وهم قد سقطوا في الفتنة ... وهذه حال كثير من المتدينين، يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهيٍ
стр. 861
وجهاد يكون به الدين كلّه لله، وتكون كلمة الله هي العليا لئلا يُفتَنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فرّوا منها، وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب، وتركُ المحظور، وهما متلازمان، وإنما تركوا ذلك لأن نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعًا، أو تركهما جميعًا مثل كثير ممن يحب الرئاسة والمال ... إلى أن يقول:
فالواجب عليه أن ينظر في أغلب الأمرين، فإن كان المأمور أعظمَ أجرًا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه من المفاسد، وإن كان ترك المحظور أعظم أجرًا لم يفوّت ذلك برجاء ثوابٍ بفعل واجبٍ يكون دون ذلك (١).
اللهم ألهمنا رشدنا، وعلِّمنا ما ينفعنا، وأنفعنا بما علَّمتنا، وارزقنا خوفك ورجاءك، وأعذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن ..
стр. 862
شعاع من المحراب
الجزء الرابع
إعداد
د. سليمان بن حمد العودة
стр. 863
المرأة والهمة والوقت (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
اتقوا الله- عباد الله- حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا مضلاتِ الفتن فإن أجسامكم على النار لا تقوى.
إخوة الإيمان وسبق لي حديث عن الإجازةِ والوقت، وكان الحديثُ في أصله موجهًا للشباب، وإن جاءت الإشارةُ عرضًا للنساء .. ولقد رأيت أنهنَّ أهل للتخصيص بالحديث .. لماذا؟ لأن النساءَ محصوراتٌ مقصورات، وبالإفساد والمخططاتِ الرهيبةِ مقصودات، وما مؤتمر المرأةِ في بكين فيما مضى وما يُحاك للمرأة حاضرًا ومستقبلًا .. إلا نماذجُ صارخةٌ تشهدُ بالتركيز على المرأةِ بالإفساد، وإذا أفسدت المرأة فقل على المجتمع السلام .. ولا يغيبُ هذا الهدفُ عن اللئام!
لم لا يكون الحديث- بكثرة- عن المرأة، ونحن نسمع بين الحين والآخر عن قانون جديد يُصْدر للمرأة ظاهرُه فيه الدفاعُ عن حقوقِها المنتهكة- فيما يزعمون- وباطنه فيه الهلكة والضياعُ للمرأة لو يعلمون؟ ! والمصيبةُ حين تصدر هذه القوانينُ في بلاد المسلمين ويعجز البشرُ أن يأتوا بتشريع أعدل وأوفى من تشريع الإسلام للمرأةِ، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون.
الحديث للمرأة يكون لأن النساءَ قادراتٌ على العطاءِ والإسهام لفاعل الخير في المجتمع إذا عُلم الدورُ، واستثمر الزمن.
стр. 864
لم لا يكون الحديث خاصًا للمرأة وعددهن في المجتمع كثير ودورهن في الإصلاح كبير.
ويتأكد الحديثُ للمرأة، لأن هناك مَنْ يخاطبها بلهجةِ المصلح المتباكي، والمحرر والمنقذ، والله أعلمُ بما يكتمون؟ !
ويكون الحديثُ للمرأة لأن ثمة هدرًا في وقتها، وتقطيعًا لأيامها وسني عمرها سُدي، واشتغالًا بالتوافه ومحقرات الأمور، ونسيانًا أو تناسيًا للقيم الكبرى والهدف من الوجود.
أختاه أنت محل اهتمام الإسلام وتقديره منذ أيامه الأولى، ولا تزال آياتُ القرآنِ النازلة بشأنكن تُتلى، وأنت محل اهتمام رسول الله ﷺ ووصيته، وهو القائل: «استوصوا بالنساء خيرًا»، ولقد خصَّص للمرأة يومًا للحديث والفتيا- وجاء خلفاؤه الراشدون من بعده يؤكدون العناية بالنساء، وفي سير أعلام النبلاء (١) أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر عمروَ بنَ حريثٍ ﵁ أن يؤم النساء في رمضان.
أختاه أنت مستودع للخير بما تملكين، ولئن عذرت عن حمل السيف ونكاية العدوِّ، فسلاحُ القلب وقوة التأثير في مجالاتٍ كثيرةٍ تستطيعين، ولقد أبكيت الأئمة، وأنت بالتأثير على غيرهم حرية، وهاك أنموذجًا فاعقليه.
دخل سفيان الثوري ﵀ على امرأة زاهدةٍ عابدة تُدعى أمُّ حسان فلم ير في بيتها غير قطعة حصير. فقال لها: لو كتبت رقعةً إلى بعض بني أعمامك ليغيروا من سوء حالك. فقالت: يا سفيان؛ لقد كنت في عيني أعظم، وفي قلبي أكبر. يا سفيان من ساعتك هذه أما إني لم أسأل الدنيا من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها. يا سفيان، والله ما أحبُّ أن يأتي عليَّ وقتٌ وأنا متشاغلةٌ فيه عن الله
стр. 865
بغير الله. فبكى سفيان (وحُقَّ له البكاء) (١).
ويعترف العدوُّ- مع الصديق- بأثرك المشهود في نشر الإسلام والدعوة إليه، ويقول (توماس- و- آرنولد): ومما يثير اهتمامنا ما نلاحظه من أن نشرَ الإسلام لم يكن من عمل الرجالِ وحدهم، بل لقد قام النساءُ المسلماتُ أيضًا بنصيبهن في هذه المهمة الدينية (٢).
أختاه .. لقد ذل لك الجبابرة المستكبرون وأذعنوا، وفاق أثرُ إيمانك جبروت الطغاة وإن ظلموا. لم يستجب فرعونُ الطاغيةُ لآسيةَ المؤمنة في شأن إبقاءِ موسى- ﵇ وهو مطلبهُ الأوحد، ومن أجله كان يقتلُ ويستحيي! قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٣).
ويحدثنا التأريخ أن المغولَ مع همجيتهم وشدتِهم على الإسلام والمسلمين تأثروا بالنساء، ويُقال: أن الفضل في إسلام كثير من أمراء المغول- يرجع بعد الله- إلى تأثير زوجة مسلمة.
ويُقال أيضًا: ولا يبعدُ أن يكون مثلُ هذا التأثير سببًا في إسلام كثير من الأتراك الوثنيين حين أغاروا على الأقطار الإسلامية (٤).
أيتها المسلمات .. لا يُستكثر هذا ومثلُه على نساءٍ خالط الإيمانُ قلوبهن، واستشعرن قيمة الحياة، وقدر الزمن. وكم هو البون شاسعٌ بين هذه النماذج
стр. 866
ونماذج أخرى من النساء، الهدفُ الأسمى عندهن غائب، والوقت يضيع هدرًا، الاهتماماتُ عندهن بسيطة، وهممُهن لتقديم الخيرِ لهن ولغيرهن ضعيفة، فتتثاقلُ إحداهُن أداء الواجبات المشروعة، ولربما كانت خطواتها المثيرة للفتنة سريعة.
ولهذا الصنف من النساء يُقال: لابد من التحرير من الوهم، لابد من الاستيقاظ من النوم، لابد من الخلاص من عقدة الشعور بالنقص والرغبة في مجاراة الآخرين أن لم تُحمد سلوكياتُهم، لابد أن يمتلئ قلب المرأة المسلمة ثقة ويقينًا بأنها قادرة على تقديم الخيرِ في مجتمعها الصغير والكبير، وأن بإمكانها أن تدفع الشر عن نفسها وبنات جنسها.
أيتها المؤمنات، وحين يكون الحديث عن وقت المرأة وهِمَّتِها ولا يتسع المجال للتفصيل في المجالات التي يمكن للمرأة أن تستثمر وقتها فيه، فحسبي أن أثير تساؤلات أدع للمرأة فرصة الإجابة عليها، واختيار ما تراه الأنسب منها، وأقول: أيتها المرأة المثقفة ماذا تقرئين؟ وما الهدف مما تقرئين؟ وما الخطوة الأخرى بعدما تقرئين؟ وهل بغير سهم الإسلام تضربين؟ أن الثقافة قد تكون نعمة، وقد تكون نقمة فمن أي الفريقين تكونين؟
أيتها المرأة العاملة: لماذا تعملين؟ وما أثرك في الإصلاح مع زميلات العمل؟ وهل يلازمك الحياء والبعد عن الخلطة بالرجال قدر ما تستطيعين؟
أيتها المعلمة: هل تشعرين بشرف المهمة، وتقدرين الأمانة وحجم المسؤولية؟ ما موقعك في المدرسة؟ وأيَّ أثرٍ خلفت على الزميلة والطالبة؟
أيتها الطالبة: لماذا تتعلمين؟ وبأي نوع من الأدب تتجملين؟ وهل تطبقين ما تتعلمين؟ كيف العلاقةُ مع الزميلات وما نوع الاحترام للمعلمات؟
ربة البيت: هل تتذكرين عظيمَ الأجر فيما تعملين؟ وهل تُديرين شؤون
стр. 867
المنزل، وترعين حقوق الزوج، وتقدرين مسؤولية التربية، ومع هذا يعطر المنزل بالذكر، وتفوح في جوانبه التقوى، ويكون لله قدوةٌ بمن قيل فيها:
فمها يرتل آي ربِّك بينما ... يذهب تُدير على الشعير رحاها
بلت وسادتها لآلئ دمعها ... من طول خشيتها ومن تقواها
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
стр. 868
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخيرَ كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
أعود للمرأة قائلًا:
أيتها الفتاة البكر: بم تُفكرين؟ وما مواصفات شريك الحياة الذي ترغبين؟ وما نوع الحياة الزوجية التي تأملين؟ وإلام بعد الزواج تتطلعين؟ هل قرأت عن حقوق الزوج؟ وهل لديك عزمٌ وحزمٌ على تربية جيلٍ يسعد أمته ولا يشقيها، ويبني ما تهدم من أركانها؟
أيتها النساء عمومًا، بل أيها المسلمون جميعًا أن الوقت ثروةٌ عظيمة والمغبون حقًا من فرَّط فيها، وإن الحياة تمضي سريعًا. والعاجزون هم أصحاب التمني والتسويف فيها، واسمعوا إلى كلام الحسنِ البصري يرحمه الله وهو يُحذر من التسويف، ويقول: «إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غد لك فكس فيه (أي اجتهد فيه) كما كست في اليوم، وإلا يكن الغد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم» (١).
ويقول ابن الجوزي: إياك والتسويف، فإنه أكبر جنود إبليس (٢).
أما ابن القيم فيشير إلى صوارف الخير بـ «لعل» و «عسى» محذرًا حين يقول: كلما جاء طارقُ الخير صَرَفه بوَّابُ: (لعل) و (عسى) (٣).
стр. 869
إخوة الإسلام أن الكسلَ والتسويف بضاعةُ الحمقى والمفاليس ولذا قيل: تزوج التواني الكسلَ فتولد منهما الخسران (١).
وليس يخفى أن العمل، والعام، والشهر، واليومَ مضبوطٌ بساعات ودقائق وثوان لا تزيد، ولكنك مع ذلك تلحظ البون شاسعًا بين الناس في استثمارها، وكم بنى بها المشمرون قصورًا عالية في الجنان، وكم كانت سببًا لهلكة أقوامٍ ومعبرًا لهم إلى النار، كم شيد فيها أولو هممٍ وأصحابُ عزائم من بيوتٍ للعلم، أصبحت منابر تضيء للسالكين، وكم خمل فيها ذكرُ آخرين، ومرت عليهم السنون، وهم في ظلمات الجهل يتقلبون، كم أشاد فيها عاملون نشطون من صروح الحضارة ما بقي ذكره في العالمين .. وكم ثرب التاريخ على أمم عاشوا على فُتات حضارات الآخرين؟ !
إنه الزمن لك أو عليك، ومن لم يستثمر حياته بالخير وعملِ الصالحات قادته نفسه الأمارةُ بالسوء إلى مهاوي الردى وعمل السيئات، ولا ينفع الندم حين كشف الحساب عند أهل الغوايةِ والجهل، وبطول مُكثِهم وعدم استثمارِ أوقاتهم في الخير يشهد عليهم أهل العلم والإيمان ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (٢).
إنه مشهد غائب حاضر لا يستبعده إلا الغافلون ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَأن أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَن جَاهَدَ فَأنمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ أن اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
стр. 870
﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١).
أختاه في الإسلام حنانيك أن يضيع وقتك سدى عبر جلسات مطولة لا فائدة فيها، بل ربما حملت نفسك أوزارًا من خلال الحديث المحرم فيها. ووقتك أغلى من أن يضيع في العكوف على سماع أو رؤية أصوات أو مشاهد الفجور والخنا وعمرك أنفس من إضاعته بكثرة النوم. وربما لم تصل الفجر حتى تعالى الضحى، ولربما كان النوم سببًا للخصام مع الزوج للتقصير في الأداء، وضياع الوقت هدرًا، وغدا الأطفال يسرحون ويفسدون، وأنت غائبةٌ لطول موتتك الصغرى.
أختاه! ومن الخطأ أن تعتقدي أن في الذهاب للأسواق بكثرة ما يقطع الوقت، ويجلب السرور والسلوى .. والبيت نِعمَ المستقرُّ لك، وقد قيل لمن قبلك من خيرة النساء: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢).
كما أن من الخطأ أن تظني أن رفع سماعة الهاتف وقتًا طويلًا دونما فائدة تُرتَجى، يجلب السعادة ويمضي به الوقت سريعًا؟ !
أختاه! ليس ذلك حصرًا لمواطن هدر الوقت سدى عند بعض النساء. أنت بذلك وغيره أدرى، فاحذري وحذري غيرك من النساء من إضاعة الوقت سدى.
كما أنت أدرى بمواطن استثمار الوقت، وهي من الكثرة بحيث أوصلها بعضهم إلى (مائة وخمس وعشرين طريقةً لحفظ الوقت) (٣) يمكن أن يزاد عليها.
стр. 871
إن الخطوة الأولى- لنا معاشر الرجال، ولكن معاشر النساء- نحو استثمار الوقت هي الشعور بأهميته، يتبع ذلك خطوة أخرى بالهمة والعزيمة الصادقة، ثم تكون الخطوة الثالثة بالعمل والتنفيذ، مع مراعاة القصد حتى تبلغوا، وطاقة النفس حتى لا تملوا «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا».
أيها الرجال- هذه كلمات وتوجيهات، وإن كانت في أصلها موجهة للنساء، فنحن شركاء في المسؤولية، والمرأة ليست جسمًا غريبًا عنا، فهي (أمٌّ) أو «زوجة» أو «أخت» أو «بنتٌ» أو «قريبة» لنا، والله أمرنا بالتعاودن على البر والتقوى، ونهانا عن التعاون على الإثم والعدوان. وعليكم كفلٌ من مسؤولية البلاغ والنصح والمتابعة، فكلكم راعٍ ومسؤولًا عن رعيته.
هذا فضلًا عن كون بعض ما جاء فيها يصلح أن يكون خطابًا يوجه للرجل والمرأة على حدٍّ سواء.
اللهم وفقنا لاستثمار أعمارنا بعمل الصالحات، اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة واتباع الهوى والشهوات ..
стр. 872
العقيدة الحقة .. وما يناقضها (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، خلق فسوى، وقدَّر فهدى، وله الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يفعل ما يشاء، يخفض ويرفع ويقبض ويبسط، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو الحكيم الخبير بشؤون أهل الأرض والسماء.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، والمؤتمن على وحيه، والنموذج الأمثل للرضا بما كتب الله وقدر.
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بلزوم تقوى الله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٤).
أيها المسلمون متقرر عند العقلاء أن الله خلق هذا الوجود لحكمة بالغة، وأن
стр. 873
ما يقع فيه من الخير والشر بمشيئته وإرادته، كونًا وقدرًا، أو شرعًا ودينًا، ومتقررٌ عند العلماء أن معنى التوحيد: «أن يشهد صاحبه قيومية الرب تعالى فوق عرشه، يُدبر أمر عباده وحده، فلا خالق ولا رازق، ولا معطي ولا مانع، ولا مميت ولا محيي، ولا مدبر لأمر الملك- ظاهرًا وباطنًا- غيره، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يجري حادث إلا بمشيئته، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها علمه وأحاطت بها قدرته، ونفذت بها مشيئته واقتضتها حكمته» (١).
أيها الناس أن امتلاء القلب بهذه الحقيقة الكبرى لا يدعو إلى الكسل والتواكل والتراخي والتقصير في آداء الطاعات والواجبات .. اعتمادًا على التقدير الأزلي، والربوبية الشاملة لحركة هذا الكون ومن فيه، فذلك فهمٌ سلبي لمعنى التوحيد. وإنما يدعو التوحيد الحق إلى العبودية الحقة المشتملة على الطاعة والتسليم، والقيام بحقوق الخالق من المحبة والتعظيم وإفراده بالألوهية والعبادة الخالصة، وانشراح الصدر لفعل المأمور والبعد عن المحظور.
إن التوحيد الحق دعامة الإيمان، والإيمان الحق قول القلب، وهو اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح ..
وبالإيمان والتوحيد يستشعر المؤمن السعادة الحقة في الدنيا، قبل أن يصل إلى السعادة الكبرى حين يلقى الله، وهو راضٍ عنه. يعمل المسلم جهده في سبيل الخير، وإن كانت الأمور مقدرةً في علم الله من قبل، فهو لا يعلم قدر الله من جانب، وهو من جانب آخر يعمل بوصاية المصطفى ﷺ : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له .. ».
стр. 874
وهو يتلو كتاب ربه، وفيه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
عباد الله! هناك نوع من الإيمان تجرى عليه الأحكام، وتقسم به المواريث، ولكنه لا يمنح صاحبه سعادة في الدنيا، ولا ينفعه في الآخرة، ذلكم هو إيمان المنافقين والمرائين الذين يظهرون للناس خلاف ما يبطنون.
أما الإيمان الذي يحقق لأصحابه السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة، فهو الإيمان الحق، الذي يتفق الظاهر فيه مع الباطن، وهذه علمها وحكمها عند علام الغيوب، وسوف يكشف المخبوء، يقول سفيان الثوري، وابن المبارك رحمهما الله: «الناسخ عندنا مؤمنون في المواريث والأحكام، ولا ندري كيف هم عند الله » (١).
فإياك إياك يا عبد الله! أن تغتر بستر الله عليك، وإياك أن تتخذ من غفلة الناس عن حقيقتك مزيدًا من التمادي في المخادعة والنفاق والسير في طريق الضلال؟
إخوة الإسلام! وفي حال غُربة الإسلام تتغير المفاهيم، وتختل الموازين، ويظن أقوامٌ أن مجرد تصدىق اللساني يكفي للإيمان حتى وإن كان القلب شاكًا فاسدًا، وحتى لو كانت الجوارح تعبُّ من الفساد عبًا، وحتى وإن ضيعت الواجبات، وانتهكت المحرمات.
ذلكم فكر الإرجاء، ومعتقد المرجئة: أنه لا يضر مع الإيمان معصية. وعكسهم الخوارج الذين يكفِّرون بالكبيرة.
стр. 875
وأما أهل السنة والجماعة فوسط بين الغالي والجافي. يقول أئمتهم: إن الإيمان عمل الجوارح. فكما يجب على الخلق أن يصدقوا الرسل ﵈ فيما أخبروا، فعليهم أن يطيعوهم فيما أمروا، فلا يتحقق الإيمان بالرسول مع ترك الطاعة بالكلية.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١).
ويقولون: إن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب ولازمةٌ لها، فالقلب إذا كان فيه معرفةٌ وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يختلف البدن عما يريده القلب، كما قال ﵊: «ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب .. » (٢).
إن الإيمان الحق يحدث خشية في القلب، تسري على الجوارح؛ فتصلحها فتنشط لعمل الصالحات .. وتتورع قدر الطاقة من فعل المحرمات، وإن ضعفت ووقعت في شيء من المحظورات ندمت، واستغفر صاحبها ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٣). أو زاد من فعل الحسنات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤).
وإذا صح الإيمان وحيا القلب تعلق العبد بالله تعلق المضطر المنيب المنكسر المسكين، وأحدث له من الأثر ما تحمد عقباه عاجلًا وآجلًا.
стр. 876
يقول الإمام ابن القيم يرحمه الله: «ولا يزال يضرب هذا القلب السليم على صاحبه، حتى ينيب إلى ربه، ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المضطر، الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه، والأنس به، فبه يطمئن، وإليه يسكن ويأوي، وبه يفرح وعليه يتوكل، فإذا حصل له هذا سكن وزال اضطرابه، وانسدت تلك الفاقة.
إن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله أبدًا. وفيه شعث لا يلمُّه غير الإقبال عليه، وفيه مرضٌ لا يشفيه غير الإخلاص له، فحينئذ يباشر روح الحياة، وإذا تعلق القلب بالله استغنى به عن كل ما سواه فيستغني عن المخلوقين ويعطي ربه» (١).
يا أخا الإيمان! إذا أردت أن تمتحن قلبَك أسليمٌ هو أم مريض فانظر مدى تعظيمك لخالقك وقدره عندك، والله يقول: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جميعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢).
وتأمل خشوعك في صلاتك، فهي من علائم الإيمان ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣).
قال العارفون: وإذا كبرت أيها المصلي فلا يكذبن قلبُك لسانك، لأنه لو كان في قلبك شيء أكبر من الله تعالى فقد كذبت، فاحذر أن يكون الهوى عندك أكبر، بدليل إيثارك موافقته على طاعة الله تعالى، فإذا استعذت فاعلم أن الاستعاذة هي ملجأ إلى الله سبحانه، فإذا لم تلجأ بقلبك كان كلامك لغوًا، وإذا ركعت فاستشعر التواضع، وإذا سجدت فاستشعر الذل بين يدي الله، لأنك
стр. 877
وضعت النفس موضعها، ورددت الفرع إلى أصله بالسجود في التراب الذي خلقت له، واعلم أن أداء الصلاة بهذه الكيفية سبب لجلاء القلب من الصدأ .. (١).
стр. 878
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، أحمده حمد الشاكرين الذاكرين، وأتوب إليه وأستغفره وأسأله المزيد من فضله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
إخوة الإسلام ..
أما تعظيم الرسول ﷺ ومحبته فتكون بطاعته فيما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.
ولابد أن يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه وأهله وماله وولده والناس أجمعين: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».
ولكن هذه المحبة مضبوطةٌ بضوابط الشرع، لا ينبغي أن يتجاوز المحبُّ فيها حدود الله، ولا يصرفه شيئًا من أنواع العبادة: كالدعاء والاستغاثة والنذر والتوكل ونحوها لغير الله.
وتلك مزلة غلط فيها قوم، فغلوا في حبهم، وتجاوزوا المشروع في تقدير النبي ﷺ ، وقال قائلهم ظلمًا وعدوانًا.
стр. 879
يا أكرمَ الخلقِ مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادثِ العممِ
ولن يضيق رسول الله جافك بي ... إذا الكريم تحلى باسم منتقمِ
فإن لي ذمةً منه بتسميتي ... محمدًا وهو أوفى الخلفي بالذممِ
إن لم يكن في معادي آخذًا بيدي ... فضلًا وإلا فقل يازلة القدمِ
وجرى آخر في شركه حتى قال:
وحُلذَ عقدةَ كربي يا محمدُ مِنْ ... هَمٍّ على خَطَراتِ القلبِ مُطَّردِ
أرجوك في سكرات الموتِ تشهدُني ... كيما يهون إذ الأنفاس في صُعُدِ
وإن نزلت ضريحًا لا أنيس به ... فكن أنيسَ وحيدٍ فيه منفردِ
وقال بعضُهم زورًا وبهتانًا:
يا سيدي يا صفي الدين يا سندي ... يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري
أنت الملاذُ لما أخشى ضرورته ... وأنت لي ملجأٌ من حادثِ الدهرِ
إلى قوله:
وامنن عليَّ بتوفيق وعافية ... وخير خاتمةٍ مهما انقضى عمري
وكفَّ عنَّا أكفَّ الظالمين إذا امتدت ... بسوءٍ لأمرٍ مؤلمٍ نكري
فإنني عبدُك الراجي بودك ما ... أمَّلتُه يا صفي السادة الغرر
قال بعض العلماء: فلا ندري أيَّ معنى اختصر به الخالقُ تعالى بعد هذه المنزلة، وماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث لخالقه من الأمر؟ (١).
معاشر المسلمين! هذه نماذجُ من شركيات وغلو في جانب الرسول ﷺ ، كانت ولا تزال تتكرر في مناسبات المولد المزعوم؟
ويتجاوز المادحون فيها حدود الشرع والعقل، وما هي إلا بدعٌ ابتدعوها
стр. 880
وسَنَّها أصحاب المللِ والنحلِ والطرق الصوفية، فراج سوقُها عند طوائفَ من المسلمين، ظنها البعضُ منهم عبادةً وقربة، وهي منكرات وشركيات مبتدئة. ومن عجب أن هؤلاء المادحين وأصحاب الأعياد البدعية لا يكاد بعضُهم يعرف النبى ﷺ إلا بهذه المناسبة، وهم أجهل الناس بسنته، وأزهدهم في هديه، فصار حظُّهم منه ﷺ وهم أجهل بالأشعار والقصائد والغلو الزائد، مع عصيانهم له في أمره ونهيه .. وذلك نوعٌ من تلاعب الشيطانِ بالإنسان، نسأل الله السلامةَ والعافية لنا ولإخواننا المسلمين.
أيها المسلمون لقد حَمى المصطفى ﷺ حمى التوحيد، وسدَّ طرق الشرك، وهو القائل للوفدِ الذين وفدوا عليه، وقالوا له: أنت سيدُنا، فقال: «السيدُ اللهُ ﵎»، قالوا: وأفضلنُا فضلًا وأعظمُنا طَوْلًا، فقال ﵊، «قولوا: بقوِلكم أو بعضِ قولِكم ولا يستجرينكم الشيطان» (١).
ونهى وحذر ﵊ أمتَه قبل موتِه من إطرائه والغلو فيه فقال: «لا تطووني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا عبد الله ورسوله».
ومستقرٌ عند العلماء أن: «من الشرك أن يستغيث المرءُ بغير الله أو يدعو غيره، قال الله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ