يقول الإمام ابن القيم يرحمه الله: «ولا يزال يضرب هذا القلب السليم على صاحبه، حتى ينيب إلى ربه، ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المضطر، الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه، والأنس به، فبه يطمئن، وإليه يسكن ويأوي، وبه يفرح وعليه يتوكل، فإذا حصل له هذا سكن وزال اضطرابه، وانسدت تلك الفاقة.
إن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله أبدًا. وفيه شعث لا يلمُّه غير الإقبال عليه، وفيه مرضٌ لا يشفيه غير الإخلاص له، فحينئذ يباشر روح الحياة، وإذا تعلق القلب بالله استغنى به عن كل ما سواه فيستغني عن المخلوقين ويعطي ربه» (١).
يا أخا الإيمان! إذا أردت أن تمتحن قلبَك أسليمٌ هو أم مريض فانظر مدى تعظيمك لخالقك وقدره عندك، والله يقول: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جميعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢).
وتأمل خشوعك في صلاتك، فهي من علائم الإيمان ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣).
قال العارفون: وإذا كبرت أيها المصلي فلا يكذبن قلبُك لسانك، لأنه لو كان في قلبك شيء أكبر من الله تعالى فقد كذبت، فاحذر أن يكون الهوى عندك أكبر، بدليل إيثارك موافقته على طاعة الله تعالى، فإذا استعذت فاعلم أن الاستعاذة هي ملجأ إلى الله سبحانه، فإذا لم تلجأ بقلبك كان كلامك لغوًا، وإذا ركعت فاستشعر التواضع، وإذا سجدت فاستشعر الذل بين يدي الله، لأنك
стр. 877
وضعت النفس موضعها، ورددت الفرع إلى أصله بالسجود في التراب الذي خلقت له، واعلم أن أداء الصلاة بهذه الكيفية سبب لجلاء القلب من الصدأ .. (١).
стр. 878
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، أحمده حمد الشاكرين الذاكرين، وأتوب إليه وأستغفره وأسأله المزيد من فضله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
إخوة الإسلام ..
أما تعظيم الرسول ﷺ ومحبته فتكون بطاعته فيما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.
ولابد أن يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه وأهله وماله وولده والناس أجمعين: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».
ولكن هذه المحبة مضبوطةٌ بضوابط الشرع، لا ينبغي أن يتجاوز المحبُّ فيها حدود الله، ولا يصرفه شيئًا من أنواع العبادة: كالدعاء والاستغاثة والنذر والتوكل ونحوها لغير الله.
وتلك مزلة غلط فيها قوم، فغلوا في حبهم، وتجاوزوا المشروع في تقدير النبي ﷺ ، وقال قائلهم ظلمًا وعدوانًا.
стр. 879
يا أكرمَ الخلقِ مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادثِ العممِ
ولن يضيق رسول الله جافك بي ... إذا الكريم تحلى باسم منتقمِ
فإن لي ذمةً منه بتسميتي ... محمدًا وهو أوفى الخلفي بالذممِ
إن لم يكن في معادي آخذًا بيدي ... فضلًا وإلا فقل يازلة القدمِ
وجرى آخر في شركه حتى قال:
وحُلذَ عقدةَ كربي يا محمدُ مِنْ ... هَمٍّ على خَطَراتِ القلبِ مُطَّردِ
أرجوك في سكرات الموتِ تشهدُني ... كيما يهون إذ الأنفاس في صُعُدِ
وإن نزلت ضريحًا لا أنيس به ... فكن أنيسَ وحيدٍ فيه منفردِ
وقال بعضُهم زورًا وبهتانًا:
يا سيدي يا صفي الدين يا سندي ... يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري
أنت الملاذُ لما أخشى ضرورته ... وأنت لي ملجأٌ من حادثِ الدهرِ
إلى قوله:
وامنن عليَّ بتوفيق وعافية ... وخير خاتمةٍ مهما انقضى عمري
وكفَّ عنَّا أكفَّ الظالمين إذا امتدت ... بسوءٍ لأمرٍ مؤلمٍ نكري
فإنني عبدُك الراجي بودك ما ... أمَّلتُه يا صفي السادة الغرر
قال بعض العلماء: فلا ندري أيَّ معنى اختصر به الخالقُ تعالى بعد هذه المنزلة، وماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث لخالقه من الأمر؟ (١).
معاشر المسلمين! هذه نماذجُ من شركيات وغلو في جانب الرسول ﷺ ، كانت ولا تزال تتكرر في مناسبات المولد المزعوم؟
ويتجاوز المادحون فيها حدود الشرع والعقل، وما هي إلا بدعٌ ابتدعوها
стр. 880
وسَنَّها أصحاب المللِ والنحلِ والطرق الصوفية، فراج سوقُها عند طوائفَ من المسلمين، ظنها البعضُ منهم عبادةً وقربة، وهي منكرات وشركيات مبتدئة. ومن عجب أن هؤلاء المادحين وأصحاب الأعياد البدعية لا يكاد بعضُهم يعرف النبى ﷺ إلا بهذه المناسبة، وهم أجهل الناس بسنته، وأزهدهم في هديه، فصار حظُّهم منه ﷺ وهم أجهل بالأشعار والقصائد والغلو الزائد، مع عصيانهم له في أمره ونهيه .. وذلك نوعٌ من تلاعب الشيطانِ بالإنسان، نسأل الله السلامةَ والعافية لنا ولإخواننا المسلمين.
أيها المسلمون لقد حَمى المصطفى ﷺ حمى التوحيد، وسدَّ طرق الشرك، وهو القائل للوفدِ الذين وفدوا عليه، وقالوا له: أنت سيدُنا، فقال: «السيدُ اللهُ ﵎»، قالوا: وأفضلنُا فضلًا وأعظمُنا طَوْلًا، فقال ﵊، «قولوا: بقوِلكم أو بعضِ قولِكم ولا يستجرينكم الشيطان» (١).
ونهى وحذر ﵊ أمتَه قبل موتِه من إطرائه والغلو فيه فقال: «لا تطووني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا عبد الله ورسوله».
ومستقرٌ عند العلماء أن: «من الشرك أن يستغيث المرءُ بغير الله أو يدعو غيره، قال الله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ
стр. 881
لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١).
قال شيخ الإسلام: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، ويدعوهم ويسألهم كَفَر إجماعًا. ونقله عنه غير واحد من أهل العلم مقرين له.
وقال ابن القيم: ومن أنواع الشرك طلبُ الحوائجِ من الموتى والاستغاثةُ بهم، والتوجهُ إليهم، وهذا أصل شركِ العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فضلًا لمن استغاث به، أو سأله أن يشفع إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوعِ عنده، فإن الله سبحانه لا يشفع عنده أحدٌ إلا بإذنه، والله سبحانه لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمالُ التوحيد .. » (٢).
عباد الله إن صحةَ المعتقد شرط في المغفرةِ ودخول الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (٣)، ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٤).
وإن فساد المعتقد وانتشار البدع في مجتمعات المسلمين معوِّق من أهم معوقات النهوض ببلاد المسلمين، ولن يستكمل المسلمون أسباب النصر حتى تصفو عقائدهم، ويصدقوا في إخلاصِ العبادة لله وحده لا شريك له. تلك خلاصة دعوة الرسل ﵈ وما أوحى الله به إليهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥).
стр. 882
الخير المكروه (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله، فتقوى الله أمانٌ من كلِّ خوف، وبها المخرجُ عند كل فتنة، بها تُكَفر السيئاتُ، وتُعظَّم الأجورُ، وتتوفر الأرزاق، وتُيسر الأمور.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٣).
أيها المسلمون وكثيرةٌ هي توجيهات القرآن وحقائقهُ التي تسترعي الانتباه، وتستحق التوقفَ عندها، وأخذ العبرةِ منها، وكلنا- لغفلتِنا وتقصيرنا- نمرُّ عليها مرَّ الكرام، فلا تُحدِثُ في أنفسنا الأثرَ المطلوب، ولا تهذبُ سلوكياتنا، ولا تكسرُ حِدةَ الشهوةِ والطمع في نفوسنا، وهي كفيلةٌ لو آمنا بها- حق الإيمان- وصدقنا- بتوفيرِ السعادة وتحقيق الرضا، وتثبيتِ اليقين.
стр. 883
ومن هذه الحقائق: أن الخيرَ قد يكونُ فيما تكرهه النفس ابتداءً لجهلها بما يؤول إليه، وقد يكون الشرُّ فيما تحبه النفس وتهواه .. إن الخير المكروه، والشرَّ المحبوب حقيقة وقدرٌ إلهي، أشار إليهما القرآن وكشف فيهما عن علم الله، وجهل الإنسان، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
وهذه الآيةُ وإن نزلت في إيجابِ جهادِ الأعداء، حتى قال الزهري يرحمه الله: الجهادُ واجبٌ على كل أحدٍ غزا أو قعد. القاعدُ عليه إذا استُعينَ أن يُعينَ، وإذا استُغيث أن يُغيثَ، وإذا استُنفر أن ينفرَ، وإن لم يُحتجْ إليه قعد. ودعا الله أن ينصر المسلمين.
وفي الصحيح قال ﵊: «من مات ولم يغزُ ولم يُحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية» (٢).
فمعنى الآية أعمُّ، وأن الخير يكون فيما تكرهه النفسُ أحيانًا، وأن الشرَّ يكون فيما تهواه النفسُ أحيانًا وتحبه، والله وحده يعلم والناس لا يعلمون.
ومن عجب أن يقضي الله قضاء لابن آدم، يبيت بسببه غضبانَ أسفًا، وقد اختار الله له الخيرَ وهو لا يدرك، ولربما بات فرحًا جذلًا جراء مسرةٍ ظاهرةٍ واتته، وقد يكون فيها حتفه، ولذا جاء توجيهُ القرآن بلسمًا شافيًا ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣).
معاشر المسلمين إن هذه الحقيقة القرآنية تبدو واضحة على مستوى الفردِ
стр. 884
والمجتمع والأمة، وهي حقيقة يشهد بها الماضي ويؤكدها الحاضر، وستظل ماثلةً في المستقبل تشهد بإعجاز القرآن، وتؤكد علمَ وتقديرَ الرحمن.
أما على مستوى الفرد فقد كتب الله على كل إنسان حظَّه من الفقر والغنى، والمرضِ والشفا، ومحبوباتِ النفسِ ومكروهاتها، والمهمُّ أن المرض ربما كان فتحًا للمريضِ تحول به من حال إلى حال، وكذا الفقر ونحوهما من مصائب الدنيا، ولربما كان الغنى سببًا للطغيان والفجور، ولربما كانت الصِّحةُ سبيلًا للغفلةِ والفسوق، ولا يعني ذلك بحال أن يتمنى المرءُ المرضَ أو الفقر، وإنما القصد أن يشكرَ المسلمُ ربَّه حال السراء، ويصبرَ نفسه ويَرضى بقضاء الله وقدره له حال الضراء، وهو في كل أحواله ينتقل من عبودية إلى عبودية أخرى.
أما على مستوى المجتمع فقد يُبتلى الناس بالشرِّ والخيرِ فتنة، وحينها يميز الله الخبيثَ من الطيب، ويتبين الصادقون من الكاذبين، وتتحول الضراءُ والفتنُ عند بعضهم إلى سراءَ ومنح لا يعلم مداها إلا الله، وتنقلب السراء الظاهرةُ عند البعض منهم إلى بلايا ومحن يتمنون المخرج منها. ولرب نازلة يضيق بها الفرد أو الملأ، تحولت إلى خير ونعمة مع الصبر والإيمان والتقى، وشواهدُ ذلك كثيرة تفوق العد والإحصاء.
إخوة الإسلام! ومن شواهد الماضي أسوق لكم نموذجًا وقع في خير القرون مؤكدًا حقيقة: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١).
فقد عقد رسول الهدى ﷺ مع مشركي مكة (صلح الحديبية) وكانت شروطُه- فيما يبدو ظاهرًا- مجحفة بحق المسلمين، فالمسلمون المُحرمون يحلون إحرامِهم دون عمرة، ويقضونها في العام المقبل، ومن جاء إلى المسلمين من
стр. 885
قريش بغير إذن وليه، يُرد، ولو كان مسلمًا فارًا بدينه. ومن جاء قريشًا من المسلمين يُقبل ولا يُرد - إلى غير ذلك من بنود الصلح، الأمر الذي تذمَّر منه المسلمون وتألموا له، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب ﵁ الذي لم يتمالك نفسه حتى جاء إلى النبي ﷺ يقول: ألسنا على الحقِّ وهم على الباطل؟ فقال: «بلى»، فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: «بلى»، قال (عمر) فعلامَ نُعطي الدنيةَ في ديننا؟ فأجابه الرسول ﷺ : «يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا» .. ثم ذهب إلى أبي بكر، وقال له نحوًا من ذلك (١).
أما رواية ابنِ إسحاق فقد جاء فيها: أن المسلمين حين رأوا ما رأوا من الصلح، وما تحمَّل رسول الله ﷺ على نفسه دخل الناسُ من ذلك أمرٌ عظيم حتى كادوا أن يهلكوا .. (٢).
ومع ذلك فقد انجلت هذه الشدةُ التي كرهها المسلمون في البداية وتحولت- بقضاء الله وتقديره- إلى فتح مبين، ونزلت البشارة للنبي ﷺ بذلك قبل أن يصل المدينة قافلًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، وقرأ رسول الله ﷺ سورة (الفتح) إلى آخرِها على عمر، فقال: يا رسول الله: أو فتح هو؟ قال: «نعم» (٣).
إخوة الإيمان! وإذا كان هذا فيما تكرهه النفسُ وفيه الخير لها، ففي ما تحبه النفوس وإن كان فيه ضيرٌ عليها، يحدثنا الإمام القرطبيُ يرحمه الله عن واقع مُرٍّ ابتلي به المسلمون في بلاد الأندلُس، ويقول هو يُفسر قوله تعالى: ﴿كُتِبَ
стр. 886
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ الآية- قال: والمعنى: عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقةِ وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتُؤجرون، ومن مات مات شهيدًا، وعسى أن تحبوا الدعةَ وترك القتال، وهو شرٌّ لكم في أنكم تُغلبون، وتُذلون ويذهب أمرُكم، قلتُ (القرطبي): وهذا صحيحٌ لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهادَ، وجبنوا عن القتال، وأكثروا من الفرار، فاستولى العدوُّ على البلاد، وأيَّ بلاد؟ وأسر وقتل، وسبى، واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته (١).
إخوة الإسلام! أما النموذج الثالث فيجليه لنا الإمام ابن تيمية ﵀، وهو يشهد في عصره اجتماعَ الأحزاب على إبادة المسلمين، فيسلي المسلمين ويشحذ هممَهم، ويتفاءلُ بالشرِّ يعقبه الخير، وبالشدة يتلوها الفرج، ويقول مقارنًا بين غزوة الأحزاب في زمن النبوة، وغزو التتر والفرس والنصارى للمسلمين في زمنه: « .. كذلك- إن شاء الله- هؤلاء الأحزاب من المغول، وأصنافِ الترك، ومن الفرس والمستعربة، والنصارى ونحوهم من أصناف الخارجين عن شريعة الإسلام، الآن نغزوهم ولا يغزونا، ويتوب اللهُ على من يشاءُ من المسلمين، الذين خالط قلوبهم مرضٌ أو نفاق بأن ينيبوا إلى ربِّهم، ويَحْسنُ ظنُّهم بالإسلام، وتقوى عزيمتهُم على جهاد عدوِّهم ..
بل وينظر الشيخُ للحادثات الكونية التي يبدو فيها الضرُّ نظرةَ خيرٍ وإن كرهها غيره فيقول: «وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التي وقعت في هذا العام، حتى طلبوا الاستصحاءَ غير مرةٍ، وكنا نقول لهم: هذا فيه خيرةٌ عظيمة، وفيه لله حكمةٌ وسرٌّ، فلا تكرهوه، فكان من حكمته: أنه فيما قيل: أصاب قازان
стр. 887
وجنودَه حتى أهلكهُم، وهو كان فيما قيل سببَ رحيلهم، وابتلي به المسلمون ليتبين من يصبر على أمر الله وحكمه ممن يفرُّ عن طاعتِه وجهاد عدوه» (١).
وكذلك ينظر أهلُ القرآن بنور الله، وما أحوج الأمة إلى رجال كهؤلاء يعيدون الثقةَ إلى النفوس، ويبعدون الناس عن اليأس والإحباط، مهما ادلهمت الخطوب وكثر المكروه وتجمعت الأحزاب، وساءت الظنون ولف الكون خيوطُ الظلام- فالعسرُ معه اليسر، والصبر معه النصر، والغبارُ سيتجلى، والعاقبة للمتقين .. وصدق الله وهو أصدق القائلين.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (٢).
وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ (٣).
стр. 888
الخطبة الثانية:
الحمد لله العليم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يَحكم ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة من أمرهم.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسولهُ عاش حياته راضيًا مرضيًا رغم ضيقِ العيش حينًا، وكيد الأعداءِ حينًا، ولم تكن حياته ﵊ من الأكدار والمنغصات صفوًا.
اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المسلمون ومن صفحة الماضي إلى ظروف الحاضر نتأمل حقيقة القرآن ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فبالأمس القريب تنمرت الشيوعية الحمراء وحكمت الشعوبَ المسلمة المحيطة بها بالنار والحديد، وبات المسلمون حينًا من الدهر يُصلون ويتلون القرآن في السراديب المظلمة والخلوات، وامتدت هذه الأفعى لتغزو أجزاءَ من عالمنا الإسلامي بقوةِ السلاح، بل امتد أثرها الفكري ليغزو العقولَ النخرة، ونبتت في العالم الإسلامي نابتةٌ يسارية الفكر والمعتقد، لغرضٍ أو لآخر. وحين بلغ السيلُ الزبى، وبلغ الكرهُ والتأففُ للواقع الإلحادي مداه .. كانت النهايةُ قاب قوسين أو أدنى، وأخيرًا تحطمت الدولة الشيوعية الكبرى على مرأى الناسِ ومسمع، وأصيب الأتباعُ بالذهول، وكانت البشرى للذين آمنوا وضاقوا من قبلُ بها ذرعًا، وتنفس المسلمون الصُّعداء، وعسى أن يكره الناس شيئًا ويجعل الله من بعده خيرا كثيرًا.
واليوم نشهدُ بأمِّ أعيننا غطرسةَ اليهودِ وتطرفَهم، وهم يسيئون إلى الأنبياء
стр. 889
عليهم الصلاة والسلام، ويستفزون مشاعرَ أكثر من مليار مسلم، ويصل بهم التطرفُ والغطرسة إلى تصوير الرسول ﷺ على هيئة خنزير - قاتلهم الله أنى ينفكون- وتنشر هذه الصورُ المزريةُ على مرأى من العالم ومسمع؟ !
ثم لا يقف التحدي العقديُّ عند هذا الحد، بل يُستخرج القرآن ويمزقُ أمام أعين المسلمين؟
لقد ضاق المسلمون ذرعًا بهذه التصرفات الرعناء، ومن قبلُ كره المسلمون وصول المتطرفين من اليهود لحكم إسرائيل.، ولكن ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أجل إن المتأملَ في الأحداث الجارية على الساحة يرى أن في هذا الشرِّ الظاهر خيرًا كثيرًا في الباطن.
فالأحداثُ تكشف أولًا حقيقة اليهودِ لمن به غبشٌ في الرؤية أو خداعٌ في النظرة، ويتولى اليهود بأنفسهم رسمَ الصورةِ الحقةِ لنفسياتهم ومعتقداتهم وأخلاقهم وطبيعة نظرتهم للأديان والشعوب، وهذه حقيقة لو مكث العلماءُ، والدعاةُ وأهلُ الاختصاص والخطباء حينًا من الدهر لكشفِها وبيانها للناسِ لم تصل أثرُ كلماتِهم وخطَبِهم إلى ما وصلت إليه أفعال اليهودِ أنفسِهم، فهل أبصرتم هذا الخير من وراء هذا الشر؟
وتكشف أحداثُ اليهودِ الراهنة ثانيًا عن حقيقة التطرف، وأصنافِ المتطرفين، ويتهاوى المصطلحُ العالمي الحائر بوصف المسلمين بالتطرف على أصداءِ التطرفِ الحقِّ لبني صهيون؟ .
وثالثُ جوانبِ الخيرِ الذي نرجو أن يتحقق عاجلًا من وراء هذا الشر المستطير أن تستفزَّ هذه التصرفات المشينةُ مشاعرَ المسلمين، ويستيقظ أصحاب
стр. 890
السُّبات منهم على ضربات اليهودِ الموجعة، فيهبوا مدافعين عن عقيدتهم، وكأن اليهود بتصرفاتهم يقولون للمسلمين: هكذا نفعل بنبيكم وكتابكم، فأين أنتم؟ وماذا تفعلون؟ !
إن هذا التحدي السافرَ حريٌّ بأن يوحدَ كلمة المسلمين، ويجمع شتاتهم، وينسيَهم أضغانهم، ويضيِّق هوةَ الخلافِ في اجتهاداتهم، فالخطرُ يهددهم جميعًا، والعدو يُكشر لهم عن أنيابه، وخطوة اليوم من إخوان القردة والخنازير سيتبعها خطوات أكثر جرأة، إذا لم يعِ المسلمون دورهم، ويستعدوا لمنازلة عدوِّهم.
أما الرابعة من جوانب الخير المتوقعة من وراء هذا الشر، أن تكون هذه الكبرياء وذلك السوءُ في المعتقد والخلق من يهود مؤشرًا لنهاية هذا الجسم الغريبِ في الأمة المسلمة، ومعجلًا بالمنازلة المحتومةِ النتائج مع اليهود «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهوديُّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله هذا يهوديٌّ خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقدَ، فإنه من شجر اليهود» (١).
إن سلبيات واقعنِا المعاصر كثيرةٌ ومتنوعة، وإن رعودَ الشرِّ تبرق هنا وهناك، وإن الغصصَ والمآسي التي يراها المسلمُ أو يسمعها تدمي الفؤاد وتبكي العيون .. ومع ذلك فبإمكان المسلمين أن يحيلوا هذه السلبيات إلى إيجابيات حين يعودون إلى دينهم، ويعرفوا حقيقة أعدائهم وطبيعة المعركة معهم، ويأخذوا بأسباب العدة والنصر التي أمروا بها، ولا يركنوا إلى الذين ظلموا، ولا ينتظروا النصفَ والنصرةَ من أعدائهم فالكفرُ ملةٌ واحدة، ولن يرضى اليهود ولا النصارى عن المسلمين إلا باتباع ملتهم، وما النصر إلا من عند الله.
стр. 891
خير القرون (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه.
اتقوا الله عباد الله- ومن يتق الله يجعل له مخرجًا.
واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفسه بما كسبت وهم لا يظلمون.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٢).
إخوة الإسلام وما أحوج الأمة إلى مُثُلٍ ونماذج صادقةٍ تحذو حذوها، ورجالاتٍ ذات هممٍ صادقةٍ وعاليةٍ يقتدى بها، ويُستضاء بتاريخها.
وفي أمةِ الإسلام نجومٌ ومصابيحُ دجى أشرق نورها فترة من الزمن في هذا الوجود، ولئن ماتوا بأجسادهم فلا زال تاريخُهم ولن يزال غضًا طريًا يستنهض الهمم ويجلو الريب، ويبعث على الجهاد والتضحية في سبيل الله، إنهم صحابة رسول الله ﷺ خير القرون، وأولئك القومُ الذين اختارهم الله لصحبة رسوله ﷺ ، وخصهم بفضل الصحبة- دون سواهم- وما كان اختيارهم على غيرهم فُرُطًا، بل كان قدرًا- من عند الله- مقدورًا.
стр. 892
قال ابن مسعودٍ ﵁: إن الله نظرَ في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد، بعد قلب محمدٍ ﷺ فوجد قلوب أصحابه خيرَ قلوبِ العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيء» (١).
هم القوم أعلى شأنهم القرآن، وأثنى الله على المهاجرين والأنصار، ورضي الله عن أصحاب البيعة تحت الشجرة، وتاب على الذين اتبعوه في جيش العسرة من بعد ما كاد يزيغُ قلوبُ فريق منهم، ولئن فضل الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا على من أسلم بعدهم، فكلًا وعد الله الحسنى وكفاهم فخرًا- أن يقول الله فيهم ومن اتبعهم بإحسان- ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢).
صحابة رسول الله ﷺ أمنةٌ للأمةِ، وبذهابهم أتى الأمةَ ما كانوا يوعدون، قال ﵊: «النجوُم أمنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماءَ ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (٣).
قال صاحب النهاية: والأمنة في الحديث جمعُ أمين وهو الحافظ، وفي الحديث إشارةٌ بالجملة إلى مجيء الشر عند ذهاب أهل الخير (٤).
стр. 893
أمةَ الإسلام، لقد أخبر الصادقُ المصدوقُ عن فضلهم وحكم بعلو منزلتهم فقال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال عمران بن حصين ﵁ الراوي- فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة- «ثم إن بعدَهم قومًا يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (١).
ونهى ﵊ وكرر النهي عن سبهم حين قال: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثلَ أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفه» (٢).
وأجمع أهل السنة والجماعة على عدالتهم، حتى قال الخطيب في الكفاية: «والأخبار في هذا المعنى تتسعُ، وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميعُ ذلك يقتضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحدٌ منهم مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحدٍ من الخلقِ لهم، فهم على هذه الصفة إلى أن يثبتَ على أحدٍ ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصدَ المعصية، والخروج من باب التأويل، فيُحكم بسقوط العدالة، وقد برأهم الله من ذلك، ورفع أقدارهم عنده- إلى أن قال الخطيب:
على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرنا لأوجبتِ الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد والمناصحةِ في الدين، وقوة الإيمانِ واليقين، القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتِهم، وأنهم أفضلُ من المعُدِّلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبدُ الآبدين» (٣).
стр. 894
أيها المسلمون! ولفضل الصحابة يُفتح للمسلمين إذا كانوا فيهم، ويفتح لمن صحبهم، أو صحب من صحبهم، وتلك كانت هي فترات القوة للبعوثِ الإسلامية، والجهاد إلى بلاد الكفار، أخرج الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمانٌ يغزو فيه فئامٌ من الناس، فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئامٌ من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فئامٌ من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحبَ من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم» (١).
وفي لفظ: «هل من فيكم من رأى رسول الله ﷺ ».
وهذا الحديث يستفاد منه عدةُ أمور ومنها:
أن النبي ﷺ علق الحكمَ بصحبته وعلق برؤيته، وجعل فتحَ اللهِ على المسلمين بسبب من رآه مؤمنًا به، وهذه الخاصيةُ لا تثبت لأحدٍ غير الصحابة، ولو كانت أعمالهم أكثر من أعمال الواحد من أصحابه ﷺ (٢).
٢ - قال الحافظ ابن حجر: ويستفاد من الحديث بطلان قول من ادعى في هذه الأعصار المتأخرة الصحبةَ، لأن الخبرَ يتضمن استمرارَ الجهاد والبعوث إلى بلاد الكفار، وأنهم يسألون: هل فيكم أحدٌ من أصحابه؟ .. وكذلك في التابعين، وفي أتباع التابعين. وقد وقع كلُّ ذلك فيما مضى، وانقطعت البعوث عن بلاد الكفار في هذه الأعصار، بل انعكس الحال في ذلك على ما هو معلومٌ
стр. 895
مشاهدٌ من مدةٍ متطاولة ولا سيما في بلاد الأندلس» (١).
وإذا كان هذا في زمن ابن حجر، فكيف لو أبصر حال المسلمين اليوم؟ وقد أصبحت بعوثهم التنصيرية تغزو بلاد المسلمين، وتدرس في السياسات الخارجية للدول الكبرى مشروعات تنصير المسلمين، ومحاولة الضغط عليهم بالمنح والقروض، ولكن ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٢).
اللهم انفعنا بالقرآن، وهدي محمد ﵊ ...
стр. 896
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، يختص برحمته من يشاء، وهو العليم الحكيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فضَّل هذه الأمة بالتراحم فيما بينها، فيستغفر اللاحقون للسابقين، على-حين كانت الأممُ الجاهلية قبلهم يلعن بعضُهم بعضًا؟ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أوحى إليه ربُّه أفضليةَ قرنِه، وشهد لصحابته بالخيرية على من سواهم، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
أيها المسلمون! ويقول القاضي رياض يرحمه الله عن ميزة الصحابة:
«وفضيلةُ الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عملٌ، ولا تنال درجتُها بشيء، والفضائل لا تؤخذُ بالقياس» (١).
أما عمَّا شجر بينهم، فيقول الذهبي يرحمه الله: «كما تقرر الكف عن كثير مما شجر بينهم، وقتالهم ﵃ أجمعين، وما زال يمرُّ بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثَر ذلك منقطع وضعيف، وبعضُه كذبٌ .. فينبغي طيُّه وإخفاؤه، بل إعدامُه، لتصفوا القلوب، وتتوفرَ على حبِّ الصحابة والترضي عنهم، وكتمانُ ذلك متعينٌ عن العامة وآحاد العلماء ..
إلى أن يقول: فأما ما تنقله الرافضةُ وأهل البدع في كتبهم من ذلك فلا نُعرِّج عليه، ولا كرامة، فأكثره باطلٌ وكذبٌ وافتراء، فدأب الروافض روايةُ الأباطيل، أوردُّ ما في الصحاح والمسانيد، ومتى إفاقةُ من به سُكران» (٢).
стр. 897
هذه معاشر المسلمين مقتطفات عاجلةٌ من معتقد أهل السنة والجماعة في الصحابة، وتلك قناعات ومنطلقات شرعية لا تهتز بإرجاف المرجفين، ولا تتأثر بتشكيك المشككين.! !
وإذا كانت أعراض المسلمين- بشكل عام- مصونةً في الإسلام، فأعراض الصحابة وهم أهل الفضل والسابقةِ والجهاد أولى بالصيانة والدفاع قُربة لله ، وتقديرًا لمآثرهم وجهادهم. وقد نص العلماء قديمًا على تحريم سبِّ الصحابة، وأرشدوا إلى عقوبات تعزيريةٍ لمن فعل ذلك معهم.
قال الإمام النووي يرحمه الله: واعلم أن سبَّ الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات، سواءٌ من لابس الفتن منهم وغيره» (١).
وقال الإمام أحمد: إنه يجب على السلطانِ تأديبه وعقوبته، وليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه» (٢).
واعتبر القاضي عياض تعزيرَ من سب الصحابة مذهبَ الجمهور» (٣).
بل نقل عن بعض المالكية؛ أنه يُقتل. وحكم الإمام أحمدُ يرحمه الله على نوعية الطاعنين في الصحابة فقال: فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدًا منهم، أو تنقصه أو طعن عليه أو عرض بعيبهم أو عاب أحدً منهم فهو مبتدع رافضي.
أيها المسلمون! لماذا هذه العناية بأعراض الصحابة؟ ولماذا الدفاع عنهم؟ لأن هناك مكمنَ خطرٍ في سبِّهم أو التعريض بهم وعدالتهم، فهم نقلةُ الدين،
стр. 898
والطعن فيهم وسيلة للطعن في الدين.
وهذا ما نبه إليه الإمام أبو زرعة الرازي يرحمه الله حين قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسننَ أصحابُ رسول الله ﷺ . وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى وهم زنادقة (١).
عباد الله! لابد من التنبه لمثل هذه الأفكار المتسللة، التي تحاول بين الفينة والأخرى الطعنَ في أحدٍ من صحابة رسول الله ﷺ ، سواء كانت بعبارات صريحة أو ملفوفة، أو استخدمت أسلوب التشكيك في وجود هذا الصحابي وأسطوريته، فتلك رغم ما فيها من جُرأةٍ تحطم الحجبِ الواقيةَ لهذا التاريخ المجيد، الذي أجمعت عليه الأمة، هو كذلك إشغالٌ للأمة بقضايا جانبية، لا يحتمله تاريخُ الأمة المثقلُ بكثير من القضايا والهموم، ليس اجتماع الكيد الصليبي مع التطرف اليهودي على العبث بمقدسات المسلمين ومحاصرةِ وتجويع أبنائهم إلا واحدةً من هذه القضايا المؤلمة، التي تحتاج من المسلمين إلى عملٍ دؤوب وصدق في اللقاء، يدفع الله به كيدَ الكائدين.
وإذا قُدر لهذه القضايا أن تبحث فينبغي أن يوسدَ الأمر إلى أهله، وأن يتوفرَ على ذلك علماءٌ متمكنون في علمهم صادقون في توجههم، برآءُ من أي تهمةٍ في سلامة معتقدِهم، وأن يكون على مستوى الخاصة، وألا تفتنَ به العامةُ، وألا تكون قضيةً مطروحةً للمزاد، يعرف فيها من لا يعرف، ويظن الجاهل أن من حقه أن يوافق أو يخالف .. وليت شعري كم تنطق الرويبضةُ! ويتصدر السفهاء
стр. 899
إذا غاب عن الساحة صوتُ العلماء، أو توارى خلفَ الحجبِ رأيُ النبلاء .. ومع ذلك فالزبد سيذهبُ جفاء، ويمكث في الأرض ما ينفع الناس، وكذلك اقتضت حكمةُ الله في الصراع بينَ الحق والباطل قديمًا وحديثًا، ليميز الله الخبيث من الطيب، وينحاز الصادقون، وينكشف- ولو بعد حين- الكاذبون، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
стр. 900
المسلمون والإعلام (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فأما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون لعلكم ترحمون، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
أيها المسلمون! تحتاج أي أمة من الأمم إلى وسيلة تنشر بها تراثها، وتوصل- عن طريقها- للآخرين أساليب حضارتها، ومقومات فكرها، أيًا كانت هذه الحضارة، وأيًا ما كان نوعُ هذه الأفكارِ المصدرة.
وتتشكل هذه الوسيلة- لنقل الحضارة والأفكار- حسب ظروفِ الزمانِ والمكان، وتتطور وفق تطورِ الحضارات وتفوقِ الأمم.
هذه الوسيلةُ اصطلح عليها مؤخرًا باسم «وسائل الإعلام» وحين يعرفه الغربيون بأنه «التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير وروحها وميولها واتجاهاتها في نفس الوقت» (٢).
стр. 901
فهو في نظرة المسلمين أداةٌ هامة؛ لنقل الخير والدعوة إليه، والتعريف بالشر والتحذير منه، أو هو باختصار كما قال أحدُ المختصين المسلمين بالإعلام: هو إعلاءُ كلمة الله في كل عصر بكافةِ وسائل الاتصال المناسب لكل عصر، والتي لا تتناقض مع مقاصد الشريعة الإسلامية» (١).
أجل لقد استخدم الأنبياء ﵈ وسيلة البلاغ للناس أسلوبًا من أساليب الدعوة إلى دين الله، والتعريف بخالق الكون والحكمة من الوجود في هذه الحياة، وذلك بالأسلوب واللغة التي تناسبهم، كل ذلك ليتحقق البلاغ، ويصل البيان، وتقوم الحجة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).
وقيل لخاتمهم محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣).
فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وأشهدهم على البلاغ، أشهد ربَّه- وهو به أعلم- أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ » قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت، ونصحت، فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء، وينكثها إلى الناس: «اللهم اشهد» ثلاث مرات.
إخوة الإيمان! ومنذ القدم عرف الناسُ البلاغ ووسائل التأثير، فهذا موسى ﵇ في سبيل دعوته لفرعون وقومه- رغب أن يكون إحقاقُ الحقِّ
стр. 902
وإبطالُ الباطل على ملأ من الناس، وفي يوم اجتماعهم: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ (١).
وفرعون في المقابل يبعث في المدائن حاشرين مثيرًا ومُضللًا: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (٢).
وينقلب السحر على الساحر، ويعلو الحقُّ الأصيل، وينكشف الباطل المزيف!
وسليمان ﵇ يستخدم الكتاب أسلوبًا من أساليب الدعوة لملكة سبأ التي قالت: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
وكانت النتيجة ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
والعرب قبل الإسلام انتشرت لديهم وسائل كثيرةٌ للاتصال تتلاءم مع طبيعة تلك المرحلة، فعن طريق التجارة كانوا ينقلون الأخبار ويطلعون على الأحوال، وأسهمت البعثات اليهودية والنصرانية المتتابعة لأرض الجزيرة العربية في نقل أفكار الأمم المجاورة ومعتقداتها، وكانت إمارتا الحيرة والغساسنة على تخوم الفرس والروم صلة الوصل بين العرب والأمم التي تجاورها، وبين العرب أنفسهم كانت توجد وسائل اتصال فيما بينهم عن طريق الشعر والخطابة، والأعياد والأسواق وإشعال النار على رؤوس الجبال، وعقد الندوات والمشاورات (٤).
стр. 903
وحين جاء الإسلام استبقى ما هو صالح للبقاء من هذه الوسائل وزاد عليها، فكان المسجدُ قاعدة ينطلق منها المسلمون إثر تجمعهم وتشاورهم، وكانت خطبة الجمعة بلاغًا للحاضر والباد، ونافح الشعراءُ والخطباء المسلمون عن الإسلام ونبي الإسلام، مؤيدين بملائكة السماء «اهجهم وروح القدس يؤيدك».
وكتب ﵊ إلى ملوك الأرض، وأرسل الرسلَ يدعوهم إلى الإسلام، وكانت البعثات التعليمية والدعوية الموجهة من الرسول ﷺ تجوب جزيرة العرب وسطها وأطرافها، فبلغت الدعوة اليمن والبحرين والحبشة، وأرض فارس والروم، ومقوقس مصر .. وغيرهم.
ثم جاءت حركة الفتوح الإسلامية والجهاد في سبيل الله لتنشر دين الله في الآفاق، ولم يبق بيت وبر ولا مدر، ولا أحمرَ ولا أسود إلا بلغتهم الدعوة. ووقف المجاهد الشهم في سبيل الله على ساحل البحر ليقول كلمته: والله لو أعلم أن خلف هذا البحر بشرًا لم تبلغهم دعوة الإسلام لخضت البحر إليهم .. الله أكبر، ويفوح شذى الذكريات، وإن كانت مؤرقة.
إني تذكرت والذكر مؤرقة ... مجدًا تليدًا بأيدينا أضعناه
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد ... تجده كالطير مقصوصًا جناحاه؟
واستمر المسلمون، والعالم الآخر من حولهم يعنون بوسائل الإعلام وأساليب التأثير- ولكلٍّ وجهة هو موليها- حتى إذا كان العصر الحاضر تطورت وسائل الإعلام، وبلغت في تنوعها وتقنيتها وأساليب تأثيرها شأوًا بعيدًا، وأصبح العالم الكبير يعيش وكأنه في قرية واحدة - كما يقال- ولا تخفى أحداث الغرب على من هو في الشرق، ولا من هو في الشمال على من هو في الجنوب، والعكس. ولكن المؤلم والمؤسف أن مراكز القيادة الإعلامية، وقنوات التأثير الكبرى، ووكالات الأنباء العالمية من نصيب غير المسلمين، ويمتلكها مناوئون
стр. 904
للإسلام وقومٌ خصمون للمسلمين، يكفي- دليلًا على ذلك- أن تعترف الصحف الغربية نفسها بسيطرة اليهود على الصحافة العالمية- وخاصة في أوربا وأمريكا- ومنذ أمد بعيد (١).
وليس يخفى سيطرة اليهود كذلك على أغلب وكالات الأنباء، وهذا يفسر التعتيم الإعلامي على كثير من قضايا المسلمين من جانب، وإشغال الناس بقضايا تافهة وفرضها على الإعلام العالمي، لأنها تخدم أغراضًا معينة يريد تصديرُها أولئك المنتقدون من جانب آخر- والله المستعان-.
أيها المسلمون! ومكمنُ الخطر أن وسائل الإعلام باتت وجهة للرأي العام- بشكل عام- والمتفوق في هذا الميدان يفرض حضارته، ويصدر أفكاره، ويحشر الآخرين معه في اهتماماته ولو كانت ساذجة، ويؤثر في مشاعر الناس في أحداثه ولو كانت ساقطة.
أجل أن من أبرز الآثار التي خلفها الإعلام المعادي على مجتمعات المسلمين زعزعة المعتقد عند بعضهم، ونشر الأفكار الهدامة عند بعضهم الآخر، كما أثرت في تصدير العوائد والأخلاق الرديئة، وساهمت في خلخلة بناء الأسرة المسلمة، وروجت للاقتصاد الحرِّ بزعمهم- وهو عين الربا والاحتكار، وشوهت صورة الإسلام، واختارت أبشع الصور لإلصاقها بالمسلمين، كما اختارت أسوأ المصطلحات المنفرة لترمي بها- زورًا وبهتانًا- أبناء المسلمين- ولو كانوا يُدافعون عن حقوقٍ مغتصبة- ولو حوصروا في معاشهم وضيق عليهم المستعمر أوطانهم، وأساءَ إلى مقدساتهم!
مصيبة عُظمى حين تُؤَثِّر وسائل الإعلام المعادية في مجتمعات المسلمين،
стр. 905
فيستوردون من عوائدهم القبيحة ما يستوردون، وينقلون من زبالة أفكارهم ما يجعلهم في ذيل القافلة وهم مؤهلون للقيادة.
مصيبة أن يحزن المسلمون أو يتأثروا لمن يحزن أو يتأثر له الآخرون وهزيمةٌ فكرية حين تصبح قضاياهم النكدة قضايا مطروحة في بلاد المسلمين دون أن يتضح الفرق في طرحها باختلاف القيم والموازين، وتباين المعتقدات واختلاف قيم الحضارات؟ !
إذا كان خبر المسلم الفاسق لابد من أن يتبين ويمحص، فكيف بأخبار الكفار المعاندين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
стр. 906
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، يديل الأممَ والأيام بعلمه وحكمته، ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، وهو العليم الخبير.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ترك الأمة على محجةٍ بيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
إخوة الإسلام: بين إشراقة الصورة في نماذج الإعلام الإسلامي فيما مضى، ونتائجه المثمرة في الوجود أمنًا وإيمانًا، وسلامًا وإسلامًا، وعملًا وصدقًا، وبين قتامة الصورة ونتائجها المرةِ، وظلمةِ الواقع وجور الإعلام العالمي المعاصر، لابد للإعلام الإسلامي المعاصر من دورٍ بناء، وموقعٍ متميز، وتحمل المسؤولية بكل صدق وأمانة .. وعلى كاهل رجالهِ الأوفياء تقوم المسؤوليات التالية:
١ - رعاية التنميةِ، والتنميةُ بمفهومها الشامل، وبجوانبها المختلفة، الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفكرية ونحوها، وما يتفرعَ عنها- كما لا يتسع الوقت لتفصيلها.
٢ - حمايةُ مكتسبات الأمةِ- عبر تاريخها الطويل- والتنبهُ لكل من يريد العبثَ بها، أو بترَ حاضرِ الأمةِ عن ماضيها، أو صياغة مستقبلها خارج إطار الشريعة الإسلامية ونُظمِ الإسلام الكاملة المتفوقة.
٣ - فضحُ أتونِ الحضارةِ المعادية ومنعُ تسرب أخلاقها وعوائدها الموبوءةِ
стр. 907
النكدةِ! ، وحمايةُ الأمةِ من مخاطرها الآنية والمستقبلية، مع الاستفادة من الضَّالةِ المنشودة. فالحكمة مطلوبة أيًا كان موقعها، وفرق بين هذا وذاك!
٤ - كشف تحيزِ الإعلام العالمي، لقضاياه الخاصة، ووفق سياساته التسلطية المستعمرة، وتجهيل العالم بقضايا العالم الإسلامي أو رسمها بالصورة المشوهة، وقيام الإعلام الإسلامي بالدور الغائب تجاه قضايا الشعوب المظلومة والمطالبةُ بحقوقهم المستباحة.
إخوة الإيمان من المفارقات العجيبة أن تجدَ هذا الإعلام المتحيز يُعنى بأخبار القططِ والكلاب، ويعرضه صورًا للكاسيات العاريات، ويبلغ الاهتمام بخصوصيات الفرد هناك إلى درجة تقتل معه عدسات التصوير مشاهير القوم- كما زعموا- وإنما قتلهم زيادة نسبة الكحول عقول المخمورين وقادة السيارات!
والحقُّ أنهم في عدادِ الموتى قبل أن يقتلوا، يوم أن وأدوا الفضيلة والحياء، وليسوا بمشاهير- في نظر الإسلام- والقضية باختصار: كفرٌ وعهر وخلاعة ومجون، عقول مخمورة، وقلوب خربة واهتمامات ساقطة، ونهايةٌ مؤلمة!
عباد الله! ليس غريبًا أن يحدث هذا في مثل هذه البيئات الموبوءة، التي تنكرت لشرائع السماء، وأفاء الله عليها من النعم ما شاء، فكفرت بأنعم الله .. ليس بعد الكفر ذنب .. وليس مع العلمنة وتقديس المادة ما يؤسف عليه بالبقاء .. إنها لوحة معبرة عن حضارة الرجل الأبيض - شاء المنهزمون والمعجبون بهم أم أبوا- وهي مؤشر للصيرورة إلى الزوال- طالت المدة أم قصر الزمان- فتلك سنةٌ إلهيةٌ، جاء بيانها في القرآن ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن
стр. 908
بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (١).
ولكن الغريب- يا عباد الله- أن تُصدَّر هذه المخازي إلى بلاد المسلمين، وأن يفرض الإعلام المتفوق على من دونه حتمية الصورة، وتناقل الخبر بنوع من الشراهةِ، يُضلل العامة، وربما فتن الحدث والمرأة، ودون تعليق يوضح الحقيقة، ويكشف المأساة، ويبعد شُبهة التقليد وفتنة المحاكاة!
أيها المسلمون! لابد أن نفهم الصورة في أحداث الإعلام المعادي بهذه الصورة، ومن رام غير ذلك فقد جعل الأسود أبيض، والظلمة نورًا، والكذب المزيف صدقًا وعدلًا!
والصورة باختصار: إعلامٌ متورم، وشعبٌ مغرور متفوق، وحضارة غارقة في المادية، وبلغت الوحلَ في الشهوانية، تريد تصديرَ هذه الزبالات بقناة الإعلام عبر الصورة المخرجة، والأخبار المتتابعة وتحت رقابة وكالات أنبائهم الخسيسة.
والهدفُ من ذلك حتى تدخل الأمة المسلمة حجر الضب الخرب وتسير في النفق المظلم ولا تدري نهايته.
ونحن أمة لها تأريخها وقيمها، وحضارتها المتميزة، نخبر أول الطريق وندرك ما ينتهي إليه، ونميز بين ما يضر وما ينفع، وما أعظم مسؤولية رجال الإعلام المسلمين، وهم المؤتمنون على توضيح الصورة، وإعادة الثقة للأمة، هم مسؤولون عما ينقلون وعما يكتبون وما يشاهدون .. ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا عظيمًا. ومن غشَّ فليس منا، وظلم النفس جريمة، ولكن ظلم الآخرين واستلاب عقولهم أشد جرمًا، وليس
стр. 909
من الوفاء للأمة التابع لها جرها إلى ذيل قافلة الأمم الأخرى .. إن معركة اليوم انتقلت من حرب السلاح إلى حرب الفكر، ووسائل الإعلام بكافة وسائلها وميادينها ورجالُ الفكر والإعلام حراسُها .. فالله الله أن يؤتى الإسلامُ من قبل أي ثغرة نقف حراسًا لها .. ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، والله غني عن العالمين، اللهم انصر وسدد.
стр. 910
عبودية السراء (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فأوصي نفسي وإياكم أيها الناسُ بتقوى الله، ألا إن تقوى الله أمانٌ من الزلل، وبها المخرجُ عند الشدائد والكرب، وبها يتوفرُ سعادة الدنيا ونعيم الآخرة ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾.
﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢).
أيها المسلمون! ابتدأتُ معكم- في الجمعة الماضية- حديثًا عن الشكر، وأستكمل الحديث عنه في هذه الخطبة.
عباد الله! لماذا لا يكون الحديث عن الشكر، ونعم الله علينا كثيرٌ لا تعد ولا تحصى، ونحن في المقابل نبارزه بالمعاصي صباح مساء؟ ولِمَ لا نُكثر الحديث عن الشكر ونحن نخشى قوارع السماء، وقد أهلك الله من قبلنا أممًا كانوا أشد منا قوة وأكثر جمعًا؟
стр. 911
كيف لا يثير الشكر كوامن النفوس، وفينا ما يبيتون على أنعم الله، ويستيقظون على معاصي الله، تمتلئ بطوننا من رزق الله، وننام ملء جفوننا بنعمة الله، لا يعكر ذلك مرضٌ ولا خوفٌ، ولا قلق، يعسعس الليل، ويتنفس النهار، فلا صعدت المؤذن يحرك فينا ساكنًا، ولا انشقاق الفجر أو ظلمة الليل تذكرنا بعظمة الباري، فنزداد لله ذكرًا وتعظيمًا، ولأنعمه علينا شكرًا كما أراد الله لنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (١).
إخوة الإسلام! نحتاج لمزيد الحديث عن الشكر، لأنه صمام الأمان لبقاء النعم وزيادتها، وأمانٌ من العذاب إذا توفر الإيمان كما قال ربنا ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (٢).
قال العارفون: ويا عجبًا أي مقام أرفعُ من الشكر، الذي يندرج فيه جميعُ مقامات الإيمان، حتى المحبة والرضا، والتوكل وغيرها، فإن الشكر لا يصح إلا بعد حصولها (٣).
أيها المسلمون! إذا علم حقيقة الشكر ومنزلتهُ، وحاجتنا جميعًا إليه، فما هي الأسباب المعينة على الشكر، وما هي المعوقات عنه؟
إن مما يعين على الشكر رضاك بما قدر الله لك، واعتقادك الخير فيما أصابك، فلستَ تدري الخيرُ فيما أوتيتَ أو منعت، قال ﵊: «عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره له كله خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له!
стр. 912
وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن».
٢ - والنظرُ في الدنيا لمن هو دونك يزيد من قناعتك وشكرك. والنظر في أمور الدين لما هو فوقك يزيد في همتك، ويدعوك للمسارعة في الخيرات، يقول ﵊: «انظروا إلى من هو أسفلُ منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» (١).
٣ - ومما يعينك على الشكر أن يمتدَ بصَرك إلى نعيم الآخرة، وألاَّ تكون الدنيا محط رحالك ونهايةَ آمالك، وهناك في الجنان ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لمن آمن وعمل صالحًا، هذا الشعور يجعلك تقنعُ بأي نعيم في هذه الحياة الفانية، متطلعًا إلى النعيم الباقي، متأملًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (٢).
٤ - وكيف لا تشكر يا ابن آدم وقد سخر لك من الدواب والأنعام ما تركب وتأكل، وهيأ لك من المسكن ما تكن إليه وتأوي وأفاء عليك من نعم الأموال والأولاد والأزواج ما تأنس به، وتتزين وإليه تسكن، وكم من نعمةٍ أنعم الله بها عليك وقد تعلم بها وقد لا تعلم، أفلا تستحق هذه وتلك منك الشكر للمنعم، ودونك تذكير القرآن بواحدة من هذه النعم ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ (٣).
٥ - والإكثارُ من تلاوة كتاب الله وتدبر آياته، يزيد في إيمانك وشكرك، وهو
стр. 913
خيرٌ مذكرٍ لك بأنعمِ الله عليك، كيف لا وفيه سورة تدعى سورة (النِّعم) بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده .. هي سورة (النحل) (١).
٦ - ومما يعينك على الشكر أن تتذكر أحوال الضعف التي مرت بك، وكيف صيرك الله إلى حال قوة وغنى، فلا يطغيك الغنى، ولا تنسيك النعمُ الشكر، وتذكر حالتك الأولى، ومن فقه أبي هريرة وشكره أنه رُئِيَ في الليل يُكبِّر، فلحقه رجلٌ ببعيره، وقال: من هذا؟ قال: أبو هريرة، قلت: وما التكبير؟ قال: شكرٌ. قلتُ: على مه؟ قال: كنتُ أجيرًا لبسرة بنت غروان بعُقبةِ رجلي وطعام بطني، وكانوا إذا ركبوا سُقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم، فزوجنيها الله، فهي امرأتي (٢).
٧ - والنظر في سير الشاكرين يعينك بإذن الله على الشكر، فآلُ داود الذين امتدحهم الله بالشكر بقوله ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ ورد أنهم لم يأت عليهم ساعة إلا وفيهم مصلٍّ (٣).
وإبراهيم الخليل الأمةُ القانت كان شاكرًا لأنعمه اجتباه. ولم ينس يوسفُ ﵇ بعد خروجه من السجن وتبوئه خزائن الأرض أن يذكر نعمة الله، ويقول: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٤).
وموسى ﵇ يأمره ربُّه أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر
стр. 914
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١).
ويطول ذكر سير الشاكرين .. ولكنه خُلقُ الأنبياء والتابعين لهم بإحسان، قال رجلٌ لابن تيمية يرحمه الله: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بين نعمتين، لا أدري أيتهُما أفضل، ذنوبٌ سترها الله فلا يستطيع أن يعيرني بها أحد، ومودة قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغها عملي» (٢).
بل كان الصالحون يتجاوزون بشكرهم خاصة أنفسهم، ويفرحون بالنعمة يهبها الله لإخوانهم المسلمين؛ نصرةً للدين، وإعلاءً لشأن المسلمين. وفي هذا ذكر عبد الله بن المبارك يرحمه الله أن (النجاشي) يرحمه الله أرسل ذات يومٍ إلى جعفر وأصحابه، فدخلوا عليه، وهو في بيتٍ، عليه خلقان، جالسٌ على التراب، قال جعفر: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما رأى ما في وجوهنا قال: إني أُبشركم بما يسركم، إنه جاءني من نحو أرضكم عينٌ لي، فأخبرني أن الله قد نصر نبيه ﷺ ، وأهلك عدوه، وأسر فلان وفلان، وقتل فلانٌ وفلان بواد يقال له (بدر) .. حتى قال له جعفر: ما بالك جالسًا على التراب، ليس تحتك بساط، وعليك هذه الأخلاق؟ قال: إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى ﵇: أن حقًا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعًا عندما أحدث الله لهم من نعمه، فلما أحدث الله لي نصر نبيه أحدثت لله هذا التواضع (٣).
يا أخا الإسلام! العلم نافذة تفتح لك آفاقًا واسعةً في الشكر، ويدرك العالمون الربانيون من آلاء الله ونعمه، مما يستوجب الشكر ما يفوق غيرهم، بل
стр. 915
إن فعل الشكرِ وترك الكفر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله، ومعرفة ما يكرهه، ولهذا ميز الله الذين يعلمون عن الذين لا يعلمون ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
والأصل كلما ازداد علم الإنسان زاد شكره وخشيته لله، ومن يضلل الله فما له من هاد، وصلاح القلب وقوة الإيمان مكملات للعلم وبهما يتحقق الشكر، وبالجهل والفجور والطغيان يحل الهلاك والدمار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (١).