كيف لا يثير الشكر كوامن النفوس، وفينا ما يبيتون على أنعم الله، ويستيقظون على معاصي الله، تمتلئ بطوننا من رزق الله، وننام ملء جفوننا بنعمة الله، لا يعكر ذلك مرضٌ ولا خوفٌ، ولا قلق، يعسعس الليل، ويتنفس النهار، فلا صعدت المؤذن يحرك فينا ساكنًا، ولا انشقاق الفجر أو ظلمة الليل تذكرنا بعظمة الباري، فنزداد لله ذكرًا وتعظيمًا، ولأنعمه علينا شكرًا كما أراد الله لنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (١).
إخوة الإسلام! نحتاج لمزيد الحديث عن الشكر، لأنه صمام الأمان لبقاء النعم وزيادتها، وأمانٌ من العذاب إذا توفر الإيمان كما قال ربنا ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (٢).
قال العارفون: ويا عجبًا أي مقام أرفعُ من الشكر، الذي يندرج فيه جميعُ مقامات الإيمان، حتى المحبة والرضا، والتوكل وغيرها، فإن الشكر لا يصح إلا بعد حصولها (٣).
أيها المسلمون! إذا علم حقيقة الشكر ومنزلتهُ، وحاجتنا جميعًا إليه، فما هي الأسباب المعينة على الشكر، وما هي المعوقات عنه؟
إن مما يعين على الشكر رضاك بما قدر الله لك، واعتقادك الخير فيما أصابك، فلستَ تدري الخيرُ فيما أوتيتَ أو منعت، قال ﵊: «عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره له كله خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له!
стр. 912
وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن».
٢ - والنظرُ في الدنيا لمن هو دونك يزيد من قناعتك وشكرك. والنظر في أمور الدين لما هو فوقك يزيد في همتك، ويدعوك للمسارعة في الخيرات، يقول ﵊: «انظروا إلى من هو أسفلُ منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» (١).
٣ - ومما يعينك على الشكر أن يمتدَ بصَرك إلى نعيم الآخرة، وألاَّ تكون الدنيا محط رحالك ونهايةَ آمالك، وهناك في الجنان ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لمن آمن وعمل صالحًا، هذا الشعور يجعلك تقنعُ بأي نعيم في هذه الحياة الفانية، متطلعًا إلى النعيم الباقي، متأملًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (٢).
٤ - وكيف لا تشكر يا ابن آدم وقد سخر لك من الدواب والأنعام ما تركب وتأكل، وهيأ لك من المسكن ما تكن إليه وتأوي وأفاء عليك من نعم الأموال والأولاد والأزواج ما تأنس به، وتتزين وإليه تسكن، وكم من نعمةٍ أنعم الله بها عليك وقد تعلم بها وقد لا تعلم، أفلا تستحق هذه وتلك منك الشكر للمنعم، ودونك تذكير القرآن بواحدة من هذه النعم ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ (٣).
٥ - والإكثارُ من تلاوة كتاب الله وتدبر آياته، يزيد في إيمانك وشكرك، وهو
стр. 913
خيرٌ مذكرٍ لك بأنعمِ الله عليك، كيف لا وفيه سورة تدعى سورة (النِّعم) بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده .. هي سورة (النحل) (١).
٦ - ومما يعينك على الشكر أن تتذكر أحوال الضعف التي مرت بك، وكيف صيرك الله إلى حال قوة وغنى، فلا يطغيك الغنى، ولا تنسيك النعمُ الشكر، وتذكر حالتك الأولى، ومن فقه أبي هريرة وشكره أنه رُئِيَ في الليل يُكبِّر، فلحقه رجلٌ ببعيره، وقال: من هذا؟ قال: أبو هريرة، قلت: وما التكبير؟ قال: شكرٌ. قلتُ: على مه؟ قال: كنتُ أجيرًا لبسرة بنت غروان بعُقبةِ رجلي وطعام بطني، وكانوا إذا ركبوا سُقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم، فزوجنيها الله، فهي امرأتي (٢).
٧ - والنظر في سير الشاكرين يعينك بإذن الله على الشكر، فآلُ داود الذين امتدحهم الله بالشكر بقوله ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ ورد أنهم لم يأت عليهم ساعة إلا وفيهم مصلٍّ (٣).
وإبراهيم الخليل الأمةُ القانت كان شاكرًا لأنعمه اجتباه. ولم ينس يوسفُ ﵇ بعد خروجه من السجن وتبوئه خزائن الأرض أن يذكر نعمة الله، ويقول: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٤).
وموسى ﵇ يأمره ربُّه أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر
стр. 914
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١).
ويطول ذكر سير الشاكرين .. ولكنه خُلقُ الأنبياء والتابعين لهم بإحسان، قال رجلٌ لابن تيمية يرحمه الله: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بين نعمتين، لا أدري أيتهُما أفضل، ذنوبٌ سترها الله فلا يستطيع أن يعيرني بها أحد، ومودة قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغها عملي» (٢).
بل كان الصالحون يتجاوزون بشكرهم خاصة أنفسهم، ويفرحون بالنعمة يهبها الله لإخوانهم المسلمين؛ نصرةً للدين، وإعلاءً لشأن المسلمين. وفي هذا ذكر عبد الله بن المبارك يرحمه الله أن (النجاشي) يرحمه الله أرسل ذات يومٍ إلى جعفر وأصحابه، فدخلوا عليه، وهو في بيتٍ، عليه خلقان، جالسٌ على التراب، قال جعفر: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما رأى ما في وجوهنا قال: إني أُبشركم بما يسركم، إنه جاءني من نحو أرضكم عينٌ لي، فأخبرني أن الله قد نصر نبيه ﷺ ، وأهلك عدوه، وأسر فلان وفلان، وقتل فلانٌ وفلان بواد يقال له (بدر) .. حتى قال له جعفر: ما بالك جالسًا على التراب، ليس تحتك بساط، وعليك هذه الأخلاق؟ قال: إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى ﵇: أن حقًا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعًا عندما أحدث الله لهم من نعمه، فلما أحدث الله لي نصر نبيه أحدثت لله هذا التواضع (٣).
يا أخا الإسلام! العلم نافذة تفتح لك آفاقًا واسعةً في الشكر، ويدرك العالمون الربانيون من آلاء الله ونعمه، مما يستوجب الشكر ما يفوق غيرهم، بل
стр. 915
إن فعل الشكرِ وترك الكفر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله، ومعرفة ما يكرهه، ولهذا ميز الله الذين يعلمون عن الذين لا يعلمون ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
والأصل كلما ازداد علم الإنسان زاد شكره وخشيته لله، ومن يضلل الله فما له من هاد، وصلاح القلب وقوة الإيمان مكملات للعلم وبهما يتحقق الشكر، وبالجهل والفجور والطغيان يحل الهلاك والدمار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (١).
стр. 916
الخطبة الثانية:
الحمد لله، يشهد بآلائه الإنس والجن، خيرُه للناس نازل وشرهم إليه صاعد، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ (١).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس العطاء منه دليل الرضى، وليس المنعُ منه علامةَ سخطٍ وعذاب، يبلو بالسراء ليرى مدى الشكر، والضراء ليعلم- وهو أعلم- بالصابرين .. وهو العليم الحكيم.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أصابته الضراء فصبر، وحين أفاء الله عليه من النعم شكر واستغفر، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
أيها المسلمون أما معوقات الشكر فكثيرةٌ، ومنها:
الجهل والكبْرُ، والغفلة، فالجاهلُ لا يعرفُ نعمَ الله عليه، وأنَّى له أن يشكر ما لا يعرف، والكبْر داءٌ يتعالى به الفرد وينسى فضل المنعم، ويخيل إليه أن ما حوله من نعم بحوله وقوته، كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾.
والغفلة آفة تُنسي النعم، ويظل صاحبها يرمق نعمة الله على الآخرين، غافلًا عما أنعم اللهُ به عليه، وإذا لم يتنبه الغافل في العلم، فسبيله للشكر أن يشهد المرضى تارةً، ويشهد أصحاب الحدود تارة أخرى، ليستيقن فضلَ الله بالعفو والعافية فيشكر اللهَ.
ويلحق بذلك عائقُ الشحِّ والطمع والحسد، فمن ابتلي بذلك قل شكرهُ وكثرت شكواه، وأصبح كالعطشان يرد البحر فلا هو ارتوى منه، ولا البحر سقا
стр. 917
ظمأه، وفي التنزيل ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
واختر لنفسك ما تشاء من مراتب الإجابة، فكلُّ عبدٍ سئل عن حال فهو بين أن يشكر، أو يشكو، أو يسكت.
يا أخا الإيمان! لا يغب عن بالك أن الشيطان بوسوسته وإغوائه معوق عن الشكر، كيف لا وقد أخذ العهد على نفسه بذلك.
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٢).
وهاك نموذجًا لإعاقة الشيطانِ للإنسان عن الشكر، قال بكرُ بن عبد الله المزني: «ينزل بالعبد الأمرُ فيدعو الله فيصرفُ عنه، فيأتيه الشيطان فيضعفُ شكره، يقول: إن الأمر كان أيسرَ مما أذهب إليه قال: أو لا يقول العبد كان الأمر أشدَّ مما أذهب إليه ولكن الله صرفه عني» (٣).
يا أخا الإيمان!
ومن المعوقات عن الشكر احتقارك نعمةً وهبها الله لك، فتظل تنظر إلى ما أوتيت على أنه شيء قليل، وتنسى أن المعافاة من البلايا نعمة، وأن السلامة من الأمراض نعمة، وهكذا مما صرف الله عنك، فكيف إذا أضيف إليها ما وهبك الله من نعم، ولا تنس أن النعمَ قد تكون مادية وقد تكون معنوية.
يُحكى أن بعض القراء اشتد به الفقرُ، حتى ضاق به ذرعًا، فرأى في المنام كأن قائلًا يقول له: أتودُ أنا أنسيناك من القرآن سورة الأنعام وأن لك ألفتَ
стр. 918
دينار؟ قال: لا، قال فسورة هود؟ قال: لا، قال فسورة يوسف؟ قال: لا، فعدد عليه سورًا، ثم قال: فمعك قيمة مائةِ ألف دينار، وأنت تشكو، فأصبح وقد سري عنه (١).
أجل لقد كان العارفون يشكرون الله على كلِّ نعمة وهبهم الله إياها.
وهذا الإمام المزني- تلميذ الشافعي- يرحمهما الله، كان مجابَ الدعوة، وذا زهد وتأله، أخذ عنه خلق من العلماء، وبه انتشر مذهب الإمام الشافعي في الآفاق، وألف مختصرًا في الفقه امتلأت البلادُ به، حتى قيل: كانت البكرُ يكون في جهازها نسخةٌ من مختصر المزني، هذا الإمامُ بلغ من شكره كما قال الذهبي: إنه كان إذا فرغ من تبييضِ مسألة، وأودعها مختصره صلى لله ركعتين (٢).
أيها المسلمون! وإذا زادتكم سيرُ الشاكرين شكرًا، فإن نهاية الجاحدين للنعم تنهاكم وتخوفكم من الكفرِ بالنعم، وقصصُ القرآنِ للذكرى والعبر، لا لمجرد السلوةِ والنظر، وهاكم نموذجين لعدم الشكر وعاقبةِ الجحود في القرآن، يمثل الأول (سبأ) الذين كانوا في نعمةِ وغبطة، وعيش هنيء رغيد، بلادهم رخيَّة، وأماكنهم آمنة، وقراهم بالخيرات متواصلة، حتى أن مسافرهم لا يحتاج لحملِ زادٍ ولا ماء بل يجد ذلك أنَّى نزل، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى، فلما أعرضوا ولم يشكروا أنزل الله بهم بأسه، وخرب ديارهم، وفرق جمعهم وجعلهم أحاديث للناس، حتى أن العربَ لتقول في القوم إذا تفرقوا (تفرقوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ، وتفرقوا شهر مذر).
стр. 919
وصدق الله ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ (١).
أما النموذج الثاني فيمثله أصحاب القرية الذين قال الله فيهم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٢).
عباد الله! ليس من الشكر لله تضييع الواجبات كإقامة الصلوات وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحوها من شعائر الدين. وليس من الشكر فعلُ المحرمات كالزنا وتناول المسكرات والمخدرات، وتعاطي الربا وقطع ما أمر الله به أن يوصل ونحوها من المحرمات .. ليس من الشكر فشو العداوةِ والبغضاء والتنافر بين المسلمين، والمودة والموالاة للكافرين ..
لابد أن تلهجَ ألسنتنا بالذكر والشكر لله، ولابد أن تصح القلوب من الغل والحقد والحسد، ولابد أن تشهد جوارحنا على ذلك بعملِ الصالحات والبعدِ عن المحرمات.
تذكر يا عبد الله أن شكرك لنفسك وأن الله غني عنك ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٣).
وكن على يقين بزيادة النعم بعد الشكر، قال الفضيل بن عياض: من عرف
стр. 920
نعمة الله بقلبه، وحدث بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة لقول الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١)(٢).
اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر.
اللهم زدنا ولا تنقصنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا، اللهم أعطنا ولا تحرمنا. هذا وصلوا ...
стр. 921
اليقظة ورقة القلب (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ..
وأشهد أن لا إله إلا الله ...
أيها المسلمون! التقوى وصية الله للأولين والآخرين، وهي سببُ النجاة والفلاح في الدارين: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٢).
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣).
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم آت نفوسنا تقواها، اللهم زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
عباد الله! فرق كبيرٌ بين الغفلة واللهو وقسوة القلب وبين اليقظة ورقة القلب وخشوعه وإنابتهِ إلى الله. وتبلغ قسوة القلب عند بعض الناس إلى درجةٍ ينقلب فيها القلبُ إلى حجر صلد، لا يترشح منه شيء، ولا يتأثر بشيء، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (٤).
стр. 922
وصاحب هذا القلب وإن تقلَّب بين الناس حيًا، فهو في عداد الموتى، تمر عليه الآيات والزواجر، ويبصر في الكون وفي ذات نفسه من آلاء اللهِ ما يهز القلوب الحيَّة، وتتصدع له الجبالُ الرواسي، ولكنها لا تحرك فيه ساكنًا، لا تؤثر فيه موعظةُ الموت، وإن شيع أكثر من جنازة، بل ربما حمل الجنازة بنفسه، وواراها بالتراب، ولم تتحرك منه عبرةٌ أو تنزل له دمعة، ولربما سار بين القبور كسيره بين الأحجار؟ !
ولو قُدر له أن يناجيَ أهلَ القبور قائلًا: ماذا عندكم؟ وما هي أمانيكم؟ لقالوا: تركنا كلَّ شيء، ولم نحزن على شيء من الدنيا، سوى ساعة مرت بنا لم نعمل بها صالحًا، وما من حسرة هي أشدُّ علينا من لحظة عصينا الله وبارزناه بالمعاصي إن سرًا أو جهرًا .. ولكنا نرجو رحمة الله فأنفسنا رهينة بما كسبت، ولو خرجنا إلى الدنيا لرأيتم كيف نعملُ للآخرة، ولكن هيهات، وحقٌ على الأحياء أن يتعظوا بالأموات، لقد تزوجت نساؤنا، وقسم ميراثُنا .. وما بقي لنا أنيسٌ في ظلمة القبر سوى أعمالُنا الصالحة .. وكم تمنينا أن بيننا وبين ما عملنا من سوءٍ أمدًا بعيدًا .. وحق على الأحياء أن يستدركوا ما فات الموتى؟
ترى أيُّ قسوة للقلب تجعل صاحبها غافلًا لاهيًا عما خلق له، منهمكًا في جمع ما ليس له، يُعلق قلبَه بغير خالقه، ويخشى فوات ما هو مقدور له ويزهد في عمل هو سُّر سعادته وأنسه- ألا إن قسوة القلب وغفلته عقوبةٌ معجلةٌ له، والويل له إن لم يتدارك نفسه ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
قال مالك بن دينار: «ما ضرب عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم» (٢).
стр. 923
أيها المسلمون! أما أهلُ الإيمان وأصحاب القلوب الحية الخاشعة فأولئك الذين أنعم الله عليهم وشرح صدورهم، وهم على نورٍ من ربهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ (١).
ورد عن ابن مسعود ﵁ قال قلنا يا رسول الله: كيف انشراحُ الصدر؟ قال: «إذا دخل النور القلبَ انشرح وانفتح»، قلنا: يا رسول الله: وما علامة ذلك؟ قال: «الإنابةُ إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله».
وفي الحديث الآخر من حديث ابن عمر ﵄ أن رجلًا قال: «يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم له استعدادًا، وإذا دخل النورُ في القلب انفسح واستوسع» قالوا: فما آية ذلك؟ .» فذكر الخصال الثلاث.
قال القرطبي- معلقًا على الخصال التي بها يُستحصل على انشراح الصدر-: ولا شك أن من كانت فيه هذه الخصال فهو الكامل الإيمان، فإن الإنابة إنما هي أعمال البر، لأن دار الخلود إنما وضعت جراءً لأعمال البر .. فإذا جدَّ العبدُ في أعمال البر فهو إنابتُه إلى دار الخلود، وإذا خمد حرصُه عن الدنيا ولها عن طلبها وأقبل على ما نعنيه منها فاكتفى به وقنع فقد تجافى عن دار الغرور، وإذا أحكم أموره بالتقوى، فكان ناظرًا في كل أمر واقفًا متأدبًا متثبتًا حذرًا، يتورع عما يريبه إلى ما لا يريبه فقد استعد للموت، فهذه علامتهم في الظاهر (٢).
عباد الله إذا كان للقسوة مظاهرها وآثارها على أصحابها، فللرقة والخشوع
стр. 924
آثارُها، فهي من علائم الإيمان. وسيما أولي الألباب ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ (١).
وهي أمارة العلم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٢).
وبالخشية والخشوع والرقة تتحات الخطايا وقد ورد «إذا اقشعر جلدُ المؤمن من مخافة الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحاتُّ عن الشجرة البالية ورقها».
وبه يحرمه الله على النار، فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ما اقشعر جلدُ عبدٍ من خشية الله إلا حرمه الله على النار».
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يلجُ النار رجلٌ بكى من خشية الله حتى يعودَ اللبن في الضرع ... » الحديث (٣).
وبالخشية والبكاء الصادق أمانٌ- بإذن الله من عذاب يوم القيامة قال ﵊: «من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيبَ الأرض من دموعه لم يعذبه الله تعالى يوم القيامة» (٤).
стр. 925
والخاشع الباكي خاليًا لذكر الله أحدُ السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .. «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه».
وما من شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين، قطرة من دموع من خشية الله، وقطرةُ دمٍ تُهراق في سبيل الله، وأما الأثران، فأثرٌ في سبيل الله، وأثر فريضة من فرائض الله» (١).
ومن آثار الخشية والرقة والخشوع قبولُ الدعاء، ذلكم لأن قلبَ الخاشع هنا حاضرٌ مع الله مستشعرٌ عظمته وضعفَ نفسه، عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء ﵂ قالت: إنما الوجلُ في قلب الرجل كاحتراق السعفة أما تجد إلا قشعريرة؟ قلتُ: بلى، قالت: فادع فإن الدعاءَ عند ذلك مستجاب. وكان أحدُهم يعلم استجابة دعوته من وجل قلبه ودموع عينيه.
وعن ثابت البناني قال: قال لي فلان: إني لأعلم متى يُستجابُ لي، قالوا: ومن أين تعلم ذلك؟ قال: إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي وفاضت عيناي فذلك حين يستجاب لي (٢).
إخوة الإيمان ما أحوجنا إلى طول الخشية والرقة والبكاء في الدنيا .. حتى نأمن ونفرح بلقاء الله، يوم التلاق.
خطب رسول الله ﷺ أصحابه يومًا فقال: «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضعٌ جبهته ساجدًا لله! والله لو تعلمون ما أعلمُ لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا،
стр. 926
وما تلذذتم بالنساء على الفرشِ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله .. » (١).
وفي صحيح البخاري قال ﵊: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين (٢).
عباد الله يا من تبحثون عن النجاة تأملوا في أنفسكم وابكوا على خطاياكم، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتُك، وابك على خطيئتك» (٣).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٤). نفعني الله وإياكم.
стр. 927
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين وعد من خافه جنتين، وتوعد من عصاه نارًا وسمومًا وظلًا من يحموم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يمهل ولا يهمل، وإذا أخذ الظالم لم يفلته، ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان يسمع لصدره- إذا صلى- أزيز كأزيز الرحى، أو كأزيز المِرْجل من البكاء .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
عباد الله، هناك أمور وأسباب تدعو للرقة والبكاء (١) ومنها: مسحُ رأس اليتامى، وإطعام المساكين.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا شكا إلى النبي ﷺ قسوة قلبهِ، فقال: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» (٢).
وزيارةُ القبور تُرقق القلوب، كما قال ﷺ لأبي ذر ﵁: «زُر القبور تَذكرُ بها الآخرة، واغسل الموتى فإن معالجة جسدٍ خاوٍ عظةٌ بليغة، وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة» (٣).
وقراءة القرآن قراءة متدبرةً تخشع لها القلوب، وتلين لها الجلود وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ
стр. 928
جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (١).
ومن دواعي البكاء والخشية لله استشعار العبدِ مِنَّةَ اللهِ عليه لخير أصابه، فشكر الله عليه ولم يتمالك عينيه من البكاء، وهذا رسول الله ﷺ يقول لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن»، قال أبى: آللهُ سماني لك؟ قال: «الله سمَّاك» فجعل أُبي يبكي.
وفي رواية للبخاري أيضًا: قال أبي: آلله سماني لك؟ قال: نعم قال: وذكرت عند رب العالمين؟ قال: «نعم»، فذرفت عيناه ... (٢).
ومما يرقق القلب ويُبعد وحشته ويخفف قسوته مجالسةُ العلماء ومصاحبةُ الأخيار، فهؤلاء يذكرون الآخرة، قال الحسنُ البصريُ يرحمه الله: إخوانُنا أغلى عندنا من أهلينا، فأهلونا يذكروننا الدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة» (٣).
ومما يرقق القلب تعاهُده بالإيمان إذا ضعف، والمبادرةُ إلى عمل الحسنة بعد السيئة حتى تمحو أثرها، وقد ورد ما يفيد تقلب القلب وأن الله يقلبه كيف شاء، وورد أيضًا في حديث صحيح أن رسول الله ﷺ قال مشبهًا للقلب بضوء القمر: «ما من القلوب قلبٌ إلا وله سحابةٌ كسحابةِ القمر، بينا القمرُ مضيء إذ علته سحابة فأظلم، إذ تجلت عنه فأضاء» (٤).
وإذا كان هذا شأن القمر، فقلبُ المؤمن تعتريه أحيانًا سحابٌ مظلمة من
стр. 929
المعصية فيحجب نورَه، فيبقى صاحبُه في ظلمة ووحشة، فإذا سعى لزيادة إيمانه واستعان بالله في عمل الصالحات انقشعت تلك السحب وعاد نورُ قلبه يضيء كما كان.
ولهذا قال بعض السلف: من فقه العبدِ أن يتعاهدَ إيمانَه، وما ينقص منه، ومن فقه العبد أن يعلمَ أيزدادُ إيمانُه أو ينقص؟ وإذن من فقه الرجل أن يبلغ نزغات الشيطانُ أنى تأتيه؟ (١).
أيها المسلمون مستحيل أن يسلمَ العبدُ من الذنوبِ والأخطاء، ولو شاءَ اللهُ ذلك لجعلَ في الأرضِ ملائكة مقربين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، بل اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الخليفة في الأرض بشرًا يحقق العبودية لله في أرضه، يذنبُ فيستغفر ويخطئ فيتوب، ويذكر الله إذا نسي، ولقد نسي أبو البشر آدم ما عهد إليه ربه، وأزله وزوجه الشيطان فأخرجهما مما كانا فيه، وأهبط إلى الأرض فكانت مستقرًا لهما ولذريتهما، واستمر الشيطان يوسوس لهم ويزين، ولم تقتصر وسوسةُ الشيطان على الفجار والمجرمين بل شملت المتقين، ولكن ميزة هؤلاء أنهم يتذكرون ويستغفرون فيبصرون ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (٢).
وهذا يعني أن الإنسان لا يمكن أن يستمر طيلة حياتهِ على الرقةِ والخشوع والبكاء إذ هو إنس مفتونٌ مُبتلى في هذه الحياة، وحسبُه أن يجاهد نفسه على الثبات على دين الله، وتجديد التوبة وكثرة الاستغفار، وألا يصحو على كبيرةٍ ولا يستخف بصغيرة، وعليه أن يتذكر إذا ذُكر.
стр. 930
يقول ﵊: «ما من عبدٍ مؤمن إلا وله ذنوب يعتاده الفينة بعد الفينة أو ذنبٌ هو مقيمٌ عليه لا يفارقُه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمنَ خُلق مُفتنًا، توابًا، نسيًا، إذا ذكِّر ذكر» (١).
يُقال هذا حتى لا ييأسَ قساةُ القلوب من رقتها إذا تعاهدوا أنفسهم، وجاهدوا أهواءهم وشياطينَ الجنِّ، وإخوانهم الذين يمدونهم في الغيِّ ثم لا يقصرون، وحتى لا يقنط المسرفون على أنفسهم بالمعاصي من رحمة الله، فالله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب إليه واسترجع، ويقال ذلك حتى لا يداخل نفوسً الخيرين العجبُ بأعمالهم، ولذا قال ابن القيم ﵀: «فلولا تقديرُ الذنبِ هلك ابنُ آدم من العجب» وقال ابن الجوزي: «إن النفس لو دامت لها اليقظة لوقعت فما هو شرٌّ من فوتِ ما فاتها وهو العجبُ بحالها والاحتقار لجنسها .. ».
عباد الله إن تغييب الخاتمة عن الإنسان سرٌّ عجيب، وفيه حكمة بالغة وتدبير لطيف لأنه لو علم وكان ناجيًا أُعجب وكسل، وإن كان هالكًا ازداد عتوًا فحُجِب عنه» (٢).
عبادَ الله وإذا كان الفرق كبيرًا بين أهل اليقظة وأهل الغفلة فأهلُ اليقظة أنفسهم متفاوتون في سيرهم إلى الله، يقول الشيخ السعدنيُّ يرحمه الله: «سبحان من فاوت بين أهل اليقظة في قوة السير وضعفه، وفي استغراقِ جميعِ الأوقاتِ في العبادة وعدمِه، منهم من يكون سيرُه مستقيمًا في ليله ونهاره، ومع ذلك يتخيرُ من الأعمال أفضلها وأكملها، ولا ينزل من فاضلها إلى مفضولها إلا لمصلحة تقترن بالمفضول توجبُ أن يساويَ العملَ الفاضلَ، ويزيدَ عليه وقد
стр. 931
يكون المباحُ في حقِّ هذا عبادةً لكمال إخلاصه، ونيتُه بذلك المباحِ أن يُجمَّ به نفسه ويتقوى به على الخير، فتراه ينتقل في مقامات العبودية في كل وقت بما يناسبه ويليق به، لا فرق عنده بين العبادة المتعلقة بحقوق الله المحضة، وبين العبادة المتعلقةِ بحقوق الخلق على اختلاف مراتبهم وأحوالهم .. » (١).
هذا فضل من الله يؤتيه من يشاء .. اللهم لا تحرمنا فضلك، واسلك بنا سبيلك، وأعنا على أنفسنا ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
هذا وصلوا ...
стр. 932
بين الآباء والأبناء (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤).
أيها المسلمون الذرية في شريعة الإسلام نعمةٌ وهبة، وزينةٌ ومفخرة، وفي الوقت نفسه هم فتنةٌ وعدوٌ، وهم مجبنةٌ مبخلة.
﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٥).
وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١).
﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٢).
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ الآية (٣).
لذا تتجه أنظار الأنبياء بالدعوات الصادقة للأبناء وهدفُهم من الذرية تحقيق العبودية لله، يقيمون الصلاة، ويشكرون أنعم الله، فليست دعواتهم لذرية مطلقة كلا بل مقيدة بالصلاح «ذريةً طيبة»، ومن أولياء الله «فهب لي من لدنك وليا».
أوابين له ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٤).
ويستمر الآباء في الدعوة والدعاء للأبناء وإن أحسوا منهم جنوحًا عن سبيل الهدى، وانحيازًا عن ركب المؤمنين ولكن الهداية بيد الله وحده لا يملكها الأنبياء المرسلون، ولا الملائكة المقربون.
﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (٥).
وحين ألح نوحٌ في الدعاء ونادى ربه فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾.
قال الله له: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي
стр. 935
أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١).
ترى هل يتخذ الآباء من سلوك الأنبياء منهجًا وقدوةً؟
إخوة الإيمان .. من الأبوة إلى البنوة لنقف على نماذجَ عالية في الدعوة والطاعة والرضا والتسليم طاعةً للوالدين وإحسانًا إليهما ..
وتأملوا هذا الأدب الرفيعَ والحوار المعبر والدعوة الحانية للخير بلطف في العبارة ولهف للاستجابة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ (٢).
وإذا كان هذا خطاب الابن المسلم لأبيه الكافر فماذا ينبغي أن يكون خطاب الابن المسلم لأبويه المسلمين؟
والبر لا يبلى، فقد وهب الله إبراهيم ﵇ ذرية صالحة وجعل فيهم النبوة والكتاب، وحين امتُحن أحدُهم، وكان البلاء المبين وَفَى الابنُ لأبيه، واستسلم الأبُ والابنُ لأمر الله طائعين، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءِ الْمُبِينُ﴾ (٣).
أجل لقد بقيت كلمات إسماعيل- ﵇ برهانًا للصدق والوفاء والطاعة والاستسلام بوعي، والصبر عن يقين ورضا .. ، وما من شكٍّ أن الموقف حَرجٌ، وأن المطلوب صعبٌ .. لكنه برُّ الأبناء .. والوفاء للآباء ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ
стр. 936
قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
ويظل يوسف ﵇ يذكر آباءه بخير وهو في غياهب السجن: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ (٢).
ولا ينسيه المُلك أو يطغيه الجاهُ والسلطان عن طلب والديه وأهله وحين دخلوا عليه مصر ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٣).
أيها الأبناء تأدبوا غاية الأدب جمع والديكم وقولوا لهما قولًا كريمًا، وقدوهما حقَّ قدرهما.
أورد النوويُ يرحمه الله في كتاب (الأذكار) في باب نهي الولد والمتعلمِ والتلميذ أن يُنادي أباه ومعلمه وشيخه باسمه فقال: روينا في كتاب ابن السُّني عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلًا معه غلام، فقال للغلام: «من هذا؟ » قال: أبي، قال: «فلا تمش أمامه، ولا تَسْتَسِتَّ له، ولا تجلس قبله، ولا تدعُه باسمه»، قلت (النووي): معنى لا تستسب له: أي لا تفعل فعلًا يتعرضُ فيه لأن يَسبَّك أبوك زجرًا لك وتأديبًا على فعلك القبيح.
أيها الآباء أدبوا أولادكم بآداب الإسلام واسألوا الله لهم الهداية والصلاح فالله هو الهادي والمصلح.
стр. 937
روى البخاري في الأدب المفرد عن الوليدِ بن نمير بن أوس أنه سمع أباه يقول «كانوا يقولون: الصلاحُ من الله والأدبُ من الآباء» (١).
أعوذ بالله من الشيطان: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾.
стр. 938
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولى الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين وقائد الغر المحجلين، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
أيها المسلمون: من مقامات الأنبياء إلى وصايا الحكماء يقص القرآنُ علينا نموذجًا لتربية الآباء ووصاياهم للأبناء، وفضلُ الله يؤتيه من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ولو كان الحكيمُ عبدًا حبشيًا، قصيرًا، أفطسَ الأنف، ذا مشافر عظيم الشفتين، مشقق الرجلين. وكذا كان لقمانُ الحكيم .. ولكن الله رفع ذكرَه بالإيمان والتقى والصدق واليقين، فقد كان عبدًا صالحًا وآتاه الحكمة ولم يكن نبيًا (١).
وبدت حكمتُه لسيده حين أمره قائلًا: اذبح لي شاةً وائتني بأطيبها مُضغتين، فأتاه باللسان والقلب، فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين؟
فسكت، ثم أمره بذبح شاة أخرى ثم قال له: ألق أخبث مضغتين فيها، فألقى اللسانَ والقلب، فقال له: أمرتُكَ أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب وأمرتك أن تُلقىَ أخبثَها فألقيت اللسانَ والقلب؟ قال لقمان: إنه ليس شيء أطيبَ منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثَا (٢).
إخوة الإيمان كم يمرُّ بنا ذكرُ لقمانَ ووصاياه العظام فلا تلفت أنظارنا كثيرًا، وربما لم تحرك عند البعض منا ساكنًا، وفي وصايا لقمانَ لابِنه وهو يعظه دروسٌ
стр. 939
للآباء والأبناء، وفي مواعظِه ما يحيي به اللهُ القلوبَ الغافلة ذكرانًا كانوا أم إناثًا أن أولَ ما تتجه له عاطفةُ الأب الناصح لابنه أن يدعو بعبادة الله وحده ولا يشرك به شيئًا: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
فالعبوديةُ لله وحده هدفُ الوجود .. وهي أساسُ دعوة الرسل، والشرك محبطٌ للأعمال موجب للخسران ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢).
ولئن قيل إن ابن لقمان، وامرأته كانا كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما (٣).
فحري بالآباء أن يُحذِّروا الأبناء من طرائق الشرك ووسائله وإن كانوا في الأصل مسلمين، وكذلك نزل القرآنُ محذرًا المؤمنين عن الشرك بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٤).
قد شقت هذه الآيةُ على الصحابة حين نزلت، وقالوا للنبي ﷺ : وأينا لا يظلم نفسَه، فأجابهم رسول الله ﷺ ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٥). ويلفت لقمانُ نظرَ ابنه إلي عظيم قدرةِ الله فالحبةُ وإن كان قدرها صغيرًا، والحسُّ لا يدرك لها ثقلًا، ولا تُرجِّح ميزانًا لخردلة، فالله يعلم وجودها، ولو كانت محصنة محجبة داخل صخرة صماء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السموات والأرض فإن الله يأتي بها فلا
стр. 940
تخفى عليه خافية ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (١).
قيل أن لقمان هنا وعظ ابنه ألا يشغله الرزقُ عن أداء فرائض الله فلو كان رزقُ الإنسانِ مثقالَ حبةِ خردلِ في هذه المواضع جاء بها الله حتى يسوقها إلى من هي رزقُه.
وقيل المعنى تخويفٌ عن اقترافِ المعاصي وتنبيهٌ لرقابة الله ولو ظن العاصي أنه لا يُرى.
فقد روي أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبتِ إن عملتُ الخطيئةَ حيث لا يرانا أحدٌ كيف يعلمها الله؟ فقال له لقمان: يا بُني إنها إن تك مثقال حبةٍ من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتي بها الله .. فما زال ابنه يضطربُ حتى مات ذكره مقاتل، ونقله القرطبي (٢).
أيها المسلمون لا يزال لقمانُ يوصي ابنه، وينقله من موعظةٍ إلى أخرى .. وتحتاجُ بقيةُ الوصايا إلى خطبة أخرى ولكني أقفُ في النهاية مستخلصًا أعظمَ ما ينبغي أن يمنحه الآباءُ للأبناء، ومن الاستعراض الموجزِ لسلوكيات الأنبياءِ أو الحكماء نعلم حاجة الآباء إلى تخصيص أبنائهم بالدعوة والدعاء، وأن يمنحوهم الأدب، ويمحضوهم النصحَ، ويخصوهم بالوصايا والعظاتِ النافعة، «فما نحل والدٌ ولدًا من نحلٍ أفضل من أدبٍ حسن» (٣).
وعلى الأبناء أن يخلصوا الطاعة لله، وأن يكونوا مثالًا للطاعة بالمعروف
стр. 941
والبرِّ والإحسان إلى والديهم، والشكر لهم، كيف لا، وقد قرنَ شكرُ الله بشكرهما «أن اشكر لي ولوالديك» قيل: الشكرُ للهِ على نعمةِ الإيمانَ وللوالدين على نعمة التربية، وقال سفيانُ بنُ عيينة: «من صلى الصلوات الخمسَ فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما» (١).
ما أحوجَ الأبناءَ للقول الكريم للآباء والله يقول: «وقل لهما قولًا كريمًا».
أورد القرطبي في أدب الخطاب مع الوالدين عن أبي البَدَّاح التُجيبي قال: قلت لسعيد بن المسبب: كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفتُه إلا قوله: «وقل لهما قولًا كريمًا» ما هذا القولُ الكريم؟ قال ابن المسيب: قولُ العبدِ المذنب للسيد الفظِّ الغليظ» (٢).
اللهم وفق الآباء وأصلح الأبناء، واجعلنا جميعًا ممن ينتفع بمواعظ القرآن وطرائق الأنبياء ووصايا الحكماء.
стр. 942
دروس من جلاء بني قينقاع (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤).
أيها المسلمون لابد بين الفينة والأخرى من إطلالة على سيرةِ المصطفى ﷺ ، تُنير الطريقَ للسالكين وتكشف حقائقَ الأعداءِ والأصدقاء للناس أجمعين فسيرةُ محمدٍ ﷺ ، وهديُه فصلٌ عند التنازع والاختلاف.
﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥).
стр. 943
وبسنتِه يتعَبد المسلمون الذين يرجون الله واليوم الآخر.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١).
وليس يخفى أن حياته ﷺ كلَّها جهادٌ ونصيحة وصبرٌ ومصابرة حتى أظهر الله الدينَ ونصر المسلمين ولئن طارده قومُه في مكة وآذوه وأصحابه حتى فروا بدينهم مهاجرين إلى المدينة .. فلم تكن الحياةُ بالمدينة صفوًا من المكدرات، أو نوعًا من حياةِ الدعةِ والكسلِ والبعدِ عن المنغصات.
لقد ابتدأت بالمدينة مرحلةُ الجهادِ في سبيل الله إعلاءً لكلمةِ الله - وتكاثرت الخصومُ، بين يهودٍ حاسدين شامتين ومنافقين متربصين مرجفين، وفي أطراف المدينة أعرابٌ مشركون يتطلعون إلى ثمار المدينة وخيراتها بشراهة ومن وراء هؤلاء وأولئك الخصومُ الأولون كفارُ قريش يؤلبون ويُحرضون ويدعمون بأموالهم، ويدفعون بأبنائهم لخوضِ المعارك حتى لا تقومَ للدين قائمة ويأبى اللهُ إلا أن يتمَّ نورَه ولو كره الكافرون.
دعونا- معاشر المسلمين- نقف على خصمٍ من هذه الخصوم في المدينة .. كان له أثره في إنشاءِ ورعايةِ خصوم آخرين إنهم اليهود، ومن اليهود سأقصر الحديث على (يهود بني قينقاع) وفي أحداثهم ومواقفهم عبرةٌ لمن تأمل.
أيها المؤمنون وليس يخفى أن اليهود بشكل عامٍ كان لهم وجودٌ مؤثرٌ في المدينة، وإن لم يكونوا أكثريةً فيها، فبأيديهم المال، ولديهم قدرةٌ خبيثةٌ على إذكاء الحروب بين الأوس والخزرج، وهم أهلُ علمٍ وكتاب، ومن حولهم جهلةٌ لا يدرون ما الكتابُ ولا الإيمان.
стр. 944
ولذا استطاعوا أن يُدخلوا في دينهم بعضَ أهل المدينة فكان في المدينة يهودُ أصلاءِ، ومتهودون متأثرون بهم (كيهود بني عوف مثلًا) بل بلغت فتنةُ اليهودِ بالمدينة أن المرأةَ من نساءِ الأنصار تكون مقلاةً - أي لا يعيش لها ولد- فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهوِّدَه، فلما أُجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندعُ أبناءَنا فأنزل الله ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١).
ولأهميةِ وجودِ اليهودِ في المدينة عاهدهم الرسول ﷺ حين عاهدَ أهلَ المدينة- وتضمنت بنود المعاهدة ما يكفلُ حقوقهم ويمنع شرورهم، ويهيء الفرصة للنبي ﷺ لكي يسلمَ من أذاهم ويتفرغَ وصحبُه لجهادِ غيرهم ونشر الدين الحقِّ في المدينة وخارجها، حتى إذا انتشر الدين وكثر الداخلون فيه قلَّ أثرُهم وأمكن القضاءُ عليهم، أو جلاؤهم.
عباد الله لقد كان اليهودُ شوكة في حلوق المؤمنين قبلَ المعاهدةِ وبعدَها، وفي أولِ مقدمه المدينة، وبعد أن استقرَّ فيها.
أخرج أبو داود وغيرهُ بسند صححه ابنُ حجر قال كعبُ بن مالك الأنصاري ﵁ «كان المشركون واليهودُ من أهلِ المدينة حين قدمها رسول الله ﷺ يؤذون النبي ﷺ وأصحابَه أشدَّ الأذى، فأمر الله نبيه ﷺ بالصبر على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أُنزلت الآية: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ (٢).
ثم كتبت وثيقة المعاهدة مع اليهود، وتضمنت فيما تضمنت «أن بينهم النصر
стр. 945
على من حارب أهلَ هذه الصحيفة، والنصحَ والبر دون الأثمن ..
بل تضمنت بنودُ الوثيقةِ أن اليهودَ ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين (بنود ٢٤، ٢٧) إلى آخر بنود الوثيقة فهل التزم اليهود بالمعاهدة، والرسول ﷺ هو المعاهد؟
لقد كان يهودُ بني قينقاع أولَ يهودٍ نقضوا العهد مع الرسول ﷺ وَنقضِهم للعهدِ جاء بطريقة خسيسةٍ لئيمة، وأيًا ما كان أحدُ السببين أقوى سندًا من الآخر، ففي كليهما تتكشف أخلاقُ اليهودِ وحقدُهم على المسلمين.
أما السببُ الأضعفُ سندًا -وإن كان مشهورًا، فيشير إلى أن امرأةً مسلمة قدِمت بجلبٍ لها فباعتهُ بسوقِ بني قينقاع، وجلست إلى صائغ فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغُ إلى طرفِ ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتُها فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديًا، فشدَّت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهلُ المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون فوقع الشرُّ بينهم وبين بني قينقاع (١).
أما السببُ الآخرُ -في جلاء بني قينقاع- فقد رواه ابنُ إسحاق بسند حسنه ابنُ حجر، وهو يكشف عن غرورِ اليهود وعجبهم بأنفُسهم واحتقار غيرهم وإن لم يكن لذلك أثرٌ ورصيدٌ على صعيد الواقع، ويكشف كذلك عن حسدِ اليهود لأي نعمةِ تنزل بالمسلمين، فقد ذكرت كتبُ السير- في هذا السبب- أن الرسول ﷺ حين انتصر على المشركين في معركة بدر، رأى أن يجمع بني قينقاع
стр. 946
وينصحَهم ويذكرهم العَهد ويخوفهم الغدرَ ولعله سمع شيئًا من ذلك عنهم، فاجتمع بهم في سوقهم وقال: «يا معشر يهود احذروا من اللهِ مثل ما نزل بقريشٍ من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبيٌّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهدِ الله إليكم»، قالوا: يا محمد: إنك ترى أنَّا قومك؟ لا يغرنَّك أنك لقيتَ قومًا؛ لا علم لهم بالحربِ فأصبتَ منهم فرصةً إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس، ونزل فيهم قولهُ تعالى: «قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا .. » كما نُقل ذلك عن ابن عباس ﵄ (١).
وليس يخفى ما في هذه الكلمات من تهديدٍ، وإظهار الروحِ العدائية للمسلمين، ونكوصٍ عن قبول الحق، واستهجانٍ بقوة المسلمين رغم انتصارهم فإذا أضيف إلى ذلك ما ورد في السبب الأول - إن صح- يتبين لنا نقضُ اليهودِ للعهودِ، وتحينُهم الفرصةَ للغدر بمن يعاهدون ولو كان المعاهدُ نبيًا مرسلًا .. ولو كان العهدُ بالنصر قريبًا فإذا كان هذا واقعهم مع من يعرفون نبوتَه كما يعرفون أبناءهم، وتلك حالُهم مع المسلمين في وقت عزِّهم واجتماع كلمتهم فكيف يكون حالُهم بعد وفاة الرسولِ ﷺ وفي حالِ ضعف المسلمين وفرقتهم؟
إن الذين يعتقدون التزامًا صادقًا من اليهود بالعهود والمواثيق، أو ينشدون صلحًا آمنًا وسلامًا دائمًا من وراء معاهداتِ الإسلام معهم، إنما يجرون وراء السراب الخادع ويحرثون في البحر الهائج .. كيف لا وقد حكم ربُّنا وربُّهم عليهم بنقض العهود، وليس ذلك حكمًا لفئةٍ منهم بل أكثرهم لا يؤمنون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
стр. 947
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين كتب العزة والغلبة لأوليائه الصادقين وجعل الذلَّ والصغارَ للكافرين والمنافقين وما ربُّك بظلام للعبيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يمتحن الناس في إيمانهم ويبلو صبَرهم، وحقٌّ عليه نصرُ المؤمنين، ويجعل العاقبَّة للمتقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاهد في الله حق جهاده، وفي سيرته وسنته عبرٌ للناظرين ..
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين ومن تبعهم إلى يوم الدين.
إخوة الإسلام إذا كان الدرسُ الأولُ في حادثةِ بني قينقاع يكشف عن طبيعة نفسيات اليهود، وتلبُسِهم بالغدر والخيانة وانطواء نفوسهم على الحسدِ والبغضاء والاحتقار للآخرين.
فالدرسُ الثاني يكشف عن حلفائهم وإخوانهم من المنافقين الذين نشأوا على أيديهم، واستمر ودُّهم فيهم، وإن أظهروا للمسلمين المودة وحسبوا عليهم.
أخرج ابنُ إسحاق -بسند صحيح- أن بني قينقاع كانوا أولَ يهود نقضوا ما بينهم وبين رسولُ الله ﷺ ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم رسوله الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه فقام عبدُ الله بنُ أبي ابنِ سلول إلى رسول الله ﷺ حين أمكنه اللهُ منهم، فقالَ: يا محمد: أحسن في مواليَّ، فأعرضَ عنه، فأدخلَ يدَه في جيبِ درعِ رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : أرسلني، وغضب حتى رؤي وجه رسول الله ﷺ ظلال، فقال له: ويحك أرسلني، فقال: والله لا أرسلك حتى تُحسنَ في موالي أربعمائةِ حاسرٍ، وثلاثمائة دارع منعوني من الأحمرِ
стр. 948
والأسود تحصدهم في غداة واحدة، أي والله، إني لامرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ : «هم لك» (١).
إنه الدفع المستميتُ عن اليهود يصنعه المنافقون، ولو غضب لذلك رسول الله ﷺ ، والحرصُ الشديدُ على سلامتهم ولو كان في بقائهم شرٌ وبلاءٌ مستطير، والمنافقون لا يثقون بقوتهم الخاصة، ولا يثقون إلا باليهود تحسبًا لوقوع الدوائر ..
ولئن عفى رسولُ الهدى ﵊ عن ابن أبي، وتكرم بترك قتلهم استجابةً لمطلب هذا المنافق اللئيم .. فقد تولى اللهُ كشف الحقائق، واقتضت حكمته أن يكشف عن العلاقة بين اليهود والمنافقين في كل زمان ومكان، ونزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (٢).
أجل لقد تتابعت آياتُ القرآنِ الكريم تكشف ما بين اليهود والمنافقين من ودٍّ وتعاون، وإخاءٍ نصَّ الله عليه بقوله: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ (٣).
ويأبى الله إلا أن تتكشف حقيقةُ النفاق، وينفضحَ المنافقون إثر علاقاتهم المريبة مع اليهود على مرِّ العصور واختلاف الزمانِ والمكان.
стр. 949
وإذا حكم اللهُ بالأخوة بين المنافقين واليهود فلا مزيد على هذا الوصف والبيان.
أيها المسلمون .. أما الدرسُ الثالثُ من حادثةِ يهود بني قينقاع فهو درس في الإيمان، اختص اللهُ به أهلَ الإيمان الذين يوالون في الله ويعادون في الله، ويحبون للهِ ويبغضون للهِ وتلك أوثق عرى الإيمان .. ويمثل هذا الموقف الإيماني عبادةُ بن الصامت ﵁، وتأملوا الفرق بين موقفه مع اليهود الناكثين، وبين موقف عبد الله بن أبي رأسِ المنافقين.
فقد أخرج ابنُ إسحاق في السيرة- بسند صحيح- قال: لما حاربت بنو قينقاع رسولَ الله ﷺ تشبث بأمرهم عبدُ الله بنُ أبي، وقام دونهم، فمشى عبادةُ بنُ الصامت إلى رسول الله ﷺ ، وكان أحدَ بني عوف بنِ الخزرج لهم من حلفهم مثل الذي لهم من حلف عبدِ الله بنِ أبي، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم فقال: يا رسول الله: أتبرأُ إلى اللهِ وإلى رسولهِ من حلفهم وأتولى اللهَ ورسولَه والمؤمنين وأبرأ من حلف الكفارِ وولايتهم، ويقال فيه نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١)
وهكذا يتضح الفرق بين المنافقين والمؤمنين في الولاء أو البراء من الكافرين .. والمسافة لا شك هائلةٌ بين منافق يُغضب رسول الله ﷺ في سبيل الدفاع عن اليهود والصدِّ عن قتلهم ..
وبين مؤمن يتولى أمر جلائهم، فقد كان ذلك لعبادةِ بن الصامت ﵁ منقبةً، ولابد أبي فضيحةً وخزيًا إلى يقيم الدين. ألا ما أحوج الأمة إلى رجالٍ كعبادةِ بن
стр. 950
الصامت يقدمون الولاء لله ولرسولهِ وللمؤمنين على كلِّ ولاء، ولا تقعد بهم مصالحهم الشخصية دون مصلحةِ الأمةِ وعقيدتها .. تلك تربيةُ محمد ﷺ وأولئك أفراخ اليهود وربائبهم. وفرق بين الثرى والثريا. وهكذا تظل سيرةُ محمد ﷺ بأحداثِها ودروسها معلمًا هاديًا ودرسًا بليغًا، وَعَتْه الأجيال المسلمة فيما مضى، وينبغي أن تعيَه في زماننا .. وهنا يردُ السؤالُ المهم: إلى متى سيظل المسلمون غافلين عن هدي السيرةِ النبوية؟ وإلى متى سيبقون يتمرغون في أوحال الذلِّ والهزيمة، ويتجرعون كؤوس الفرقة والشتات يرجون اليهودَ تارةً، ويتسيدون النصارى تارة ويقود ركابَهم المنافقون تارة .. ويستثمر اليهود والنصارى هذه الأوضاع المأساوية، فيستحلون المقدسات، ويزيدون في بناء المستوطنات ويُستذل المسلمون، وتستباح المحرمات، ويستحوذ على المقدرات. الجواب باختصار كامن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.