وينصحَهم ويذكرهم العَهد ويخوفهم الغدرَ ولعله سمع شيئًا من ذلك عنهم، فاجتمع بهم في سوقهم وقال: «يا معشر يهود احذروا من اللهِ مثل ما نزل بقريشٍ من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبيٌّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهدِ الله إليكم»، قالوا: يا محمد: إنك ترى أنَّا قومك؟ لا يغرنَّك أنك لقيتَ قومًا؛ لا علم لهم بالحربِ فأصبتَ منهم فرصةً إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس، ونزل فيهم قولهُ تعالى: «قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا .. » كما نُقل ذلك عن ابن عباس ﵄ (١).
وليس يخفى ما في هذه الكلمات من تهديدٍ، وإظهار الروحِ العدائية للمسلمين، ونكوصٍ عن قبول الحق، واستهجانٍ بقوة المسلمين رغم انتصارهم فإذا أضيف إلى ذلك ما ورد في السبب الأول - إن صح- يتبين لنا نقضُ اليهودِ للعهودِ، وتحينُهم الفرصةَ للغدر بمن يعاهدون ولو كان المعاهدُ نبيًا مرسلًا .. ولو كان العهدُ بالنصر قريبًا فإذا كان هذا واقعهم مع من يعرفون نبوتَه كما يعرفون أبناءهم، وتلك حالُهم مع المسلمين في وقت عزِّهم واجتماع كلمتهم فكيف يكون حالُهم بعد وفاة الرسولِ ﷺ وفي حالِ ضعف المسلمين وفرقتهم؟
إن الذين يعتقدون التزامًا صادقًا من اليهود بالعهود والمواثيق، أو ينشدون صلحًا آمنًا وسلامًا دائمًا من وراء معاهداتِ الإسلام معهم، إنما يجرون وراء السراب الخادع ويحرثون في البحر الهائج .. كيف لا وقد حكم ربُّنا وربُّهم عليهم بنقض العهود، وليس ذلك حكمًا لفئةٍ منهم بل أكثرهم لا يؤمنون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
стр. 947
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين كتب العزة والغلبة لأوليائه الصادقين وجعل الذلَّ والصغارَ للكافرين والمنافقين وما ربُّك بظلام للعبيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يمتحن الناس في إيمانهم ويبلو صبَرهم، وحقٌّ عليه نصرُ المؤمنين، ويجعل العاقبَّة للمتقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاهد في الله حق جهاده، وفي سيرته وسنته عبرٌ للناظرين ..
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين ومن تبعهم إلى يوم الدين.
إخوة الإسلام إذا كان الدرسُ الأولُ في حادثةِ بني قينقاع يكشف عن طبيعة نفسيات اليهود، وتلبُسِهم بالغدر والخيانة وانطواء نفوسهم على الحسدِ والبغضاء والاحتقار للآخرين.
فالدرسُ الثاني يكشف عن حلفائهم وإخوانهم من المنافقين الذين نشأوا على أيديهم، واستمر ودُّهم فيهم، وإن أظهروا للمسلمين المودة وحسبوا عليهم.
أخرج ابنُ إسحاق -بسند صحيح- أن بني قينقاع كانوا أولَ يهود نقضوا ما بينهم وبين رسولُ الله ﷺ ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم رسوله الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه فقام عبدُ الله بنُ أبي ابنِ سلول إلى رسول الله ﷺ حين أمكنه اللهُ منهم، فقالَ: يا محمد: أحسن في مواليَّ، فأعرضَ عنه، فأدخلَ يدَه في جيبِ درعِ رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : أرسلني، وغضب حتى رؤي وجه رسول الله ﷺ ظلال، فقال له: ويحك أرسلني، فقال: والله لا أرسلك حتى تُحسنَ في موالي أربعمائةِ حاسرٍ، وثلاثمائة دارع منعوني من الأحمرِ
стр. 948
والأسود تحصدهم في غداة واحدة، أي والله، إني لامرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ : «هم لك» (١).
إنه الدفع المستميتُ عن اليهود يصنعه المنافقون، ولو غضب لذلك رسول الله ﷺ ، والحرصُ الشديدُ على سلامتهم ولو كان في بقائهم شرٌ وبلاءٌ مستطير، والمنافقون لا يثقون بقوتهم الخاصة، ولا يثقون إلا باليهود تحسبًا لوقوع الدوائر ..
ولئن عفى رسولُ الهدى ﵊ عن ابن أبي، وتكرم بترك قتلهم استجابةً لمطلب هذا المنافق اللئيم .. فقد تولى اللهُ كشف الحقائق، واقتضت حكمته أن يكشف عن العلاقة بين اليهود والمنافقين في كل زمان ومكان، ونزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (٢).
أجل لقد تتابعت آياتُ القرآنِ الكريم تكشف ما بين اليهود والمنافقين من ودٍّ وتعاون، وإخاءٍ نصَّ الله عليه بقوله: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ (٣).
ويأبى الله إلا أن تتكشف حقيقةُ النفاق، وينفضحَ المنافقون إثر علاقاتهم المريبة مع اليهود على مرِّ العصور واختلاف الزمانِ والمكان.
стр. 949
وإذا حكم اللهُ بالأخوة بين المنافقين واليهود فلا مزيد على هذا الوصف والبيان.
أيها المسلمون .. أما الدرسُ الثالثُ من حادثةِ يهود بني قينقاع فهو درس في الإيمان، اختص اللهُ به أهلَ الإيمان الذين يوالون في الله ويعادون في الله، ويحبون للهِ ويبغضون للهِ وتلك أوثق عرى الإيمان .. ويمثل هذا الموقف الإيماني عبادةُ بن الصامت ﵁، وتأملوا الفرق بين موقفه مع اليهود الناكثين، وبين موقف عبد الله بن أبي رأسِ المنافقين.
فقد أخرج ابنُ إسحاق في السيرة- بسند صحيح- قال: لما حاربت بنو قينقاع رسولَ الله ﷺ تشبث بأمرهم عبدُ الله بنُ أبي، وقام دونهم، فمشى عبادةُ بنُ الصامت إلى رسول الله ﷺ ، وكان أحدَ بني عوف بنِ الخزرج لهم من حلفهم مثل الذي لهم من حلف عبدِ الله بنِ أبي، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم فقال: يا رسول الله: أتبرأُ إلى اللهِ وإلى رسولهِ من حلفهم وأتولى اللهَ ورسولَه والمؤمنين وأبرأ من حلف الكفارِ وولايتهم، ويقال فيه نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١)
وهكذا يتضح الفرق بين المنافقين والمؤمنين في الولاء أو البراء من الكافرين .. والمسافة لا شك هائلةٌ بين منافق يُغضب رسول الله ﷺ في سبيل الدفاع عن اليهود والصدِّ عن قتلهم ..
وبين مؤمن يتولى أمر جلائهم، فقد كان ذلك لعبادةِ بن الصامت ﵁ منقبةً، ولابد أبي فضيحةً وخزيًا إلى يقيم الدين. ألا ما أحوج الأمة إلى رجالٍ كعبادةِ بن
стр. 950
الصامت يقدمون الولاء لله ولرسولهِ وللمؤمنين على كلِّ ولاء، ولا تقعد بهم مصالحهم الشخصية دون مصلحةِ الأمةِ وعقيدتها .. تلك تربيةُ محمد ﷺ وأولئك أفراخ اليهود وربائبهم. وفرق بين الثرى والثريا. وهكذا تظل سيرةُ محمد ﷺ بأحداثِها ودروسها معلمًا هاديًا ودرسًا بليغًا، وَعَتْه الأجيال المسلمة فيما مضى، وينبغي أن تعيَه في زماننا .. وهنا يردُ السؤالُ المهم: إلى متى سيظل المسلمون غافلين عن هدي السيرةِ النبوية؟ وإلى متى سيبقون يتمرغون في أوحال الذلِّ والهزيمة، ويتجرعون كؤوس الفرقة والشتات يرجون اليهودَ تارةً، ويتسيدون النصارى تارة ويقود ركابَهم المنافقون تارة .. ويستثمر اليهود والنصارى هذه الأوضاع المأساوية، فيستحلون المقدسات، ويزيدون في بناء المستوطنات ويُستذل المسلمون، وتستباح المحرمات، ويستحوذ على المقدرات. الجواب باختصار كامن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
стр. 951
الأيام الفاضلة والأضاحي (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ..
اتقوا الله عباد الله وعظموا شعائر الله، ومن يعظم شعائرَ اللهِ فإنها من تقوى القلوب.
أيها المسلمُ اعمل لدنياك بقدر بقائك فيها، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها، وإياك والتسويف فالموتُ أمامك والمرضُ يطرُقك والأشغال تتابعك، وحوادثُ الزمان ستفاجئك، والخلاصُ بأمان من ذلِك كلِه أن تستعين بالله، وتبادر إلى عمل الصالحات وتثمِّنَ الأيامَ الفاضلات، وليس يخفاك فضلُ عشرِ ذي الحجة التي أنصرم شطرُها، وشطرُها الآخر يسير على عجل لا ينتظر الغافلين حتى يتذكروا ولا الغارقين في سبات نوم عميق حتى يستيقظوا.
أيها المترددُ في الذهاب للحج وليس ثمة ما يمنعك من مرض أو حاجة .. استعن بالله واعقد العزم فلا يزال في الأمر فرصة، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة. إلا أيها المتقاعسُ عن المسارعة للخيرات في هذه الأيام الفاضلة استدرك ما فاتك، والحق من سبقك، واعمل صالحًا لنفسك، فلا يزال في الأيام فرصةٌ لمن تحركت فيه هممُ الشوقِ إلى الجنان ..
стр. 952
ألا أيها الراغب في الأضحية يمكنك أن تنوي ذلك وإن لم تعقد العزمَ عليه قبل ذلك، وإذا نويت فأمسك عن الأخذ من شعرِك وبشرتك، ولا إثم عليكم فيما أخذته قبل النية، أما من نوى قبلُ فعليه الإمساكُ عن ذلك من حين دخول العشر (١).
أيها المسلم وإن فاتك الصومُ في هذه الأيام أو بعضها فاحرص ألا يفوتك صيامُ يوم عرفة ففيه من الفضل تكفيرُ ستين (سنةً قبله وسنةً بعده) كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح.
تعرض لنفحات الله في هذا اليوم، فلله في يوم عرفة عتقاءُ من النار، روى مسلمٌ في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «ما من يوم أكثرُ من أن يُعتقَ اللهُ فيه عبدًا من النار من يوم عرفة».
فاحرص على صيام هذا اليوم، واحرص على الابتهال إلى الله بالدعاء، والذكرِ وتلاوة القرآن، ويوم عرفة لا يتكرر في السنة إلا مرة.
أيها المسلم .. ويوم النحر يوم عظيم من أيام الله، ويغفل عن ذلك اليومِ وجلالةِ شأنِه كثيرٌ من المسلمين، مع أن بعضَ العلماء يراه أفضل أيامِ السنةِ على الإطلاق، مستدلين بقوله ﷺ : «إن أعظمَ الأيامِ عند الله يومُ النحر ثم يومُ القر» (٢).
ويوم القرِّ هو الحادي عشر وهو يومُ الاستقرار بمنى للحجاج فليحرص المسلمُ على إدراك فضلِ هذا اليومِ حاجًا كان أم مقيمًا، وعلى غير الحاج في هذا اليوم أن يغتسل ويتطيب ويذهبَ لصلاة العيد، ولا يتهاون في أدائها، فهي
стр. 953
سنةٌ مؤكدة عن المصطفى ﷺ ، ومن العلماء المحققين من يراها واجبة، كشيخ الإسلام ابن تيمية، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وتشهد النساءُ صلاةَ العيد حتى الحُيَّض والعواتق، وتعتزل الحيض المصلى.
ومن السُّنة ألا تأكل شيئًا قبل الذهاب لصلاة عيد الأضحى حتى تعود وتأكل من أضحيتك، فقد كان ﷺ لا يطعمُ حتى يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته فليكن لك فيه أسوة.
واحرص على التكبير في هذه الأيام وحتى عصرِ آخرِ أيام التشريق قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾.
صلْ أقاربك وجيرانك وإخوانك في أيام العيد فهي من الأعمال الصالحة وهي سببٌ للألفة والمحبة، واعطف على المساكين، وتصدق على المحتاجين.
يا أخا الإسلام أما الأضحية فأجرها عظيم، وهي سنة أبينا إبراهيم، ونبينا محمد عليهم الصلاة والسلام، ومشروعيتُها في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (٣)﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (٢).
وروى البخاري ومسلم- رحمهما الله- في صحيحيهما أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين (٣)، ذبحهما بيده وسمَّى وكبر (٤).
стр. 954
وفي فضلها ورد حديثٌ -وإن ضعفه بعض أهل العلم- قال ﵊: «ما عمل آدميٌّ من عمل يوم النحر أحبَّ إلى الله من إهراق الدم، إنها لتأتي يوم القيامةِ بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقعُ من الله بمكانٍ قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسه» (١).
أيها المضحي طِب نفسًا بأضحيتك، واختر من الأضاحي أحسنَها إن كنت قادرًا على ذلك، ولا تهدي إلى الله ما تستحي أن تهديه إلى نفسِك، وإليك وصية عروة بن الزبير لبنيه، فقد رَوى مالك في الموطأ- بسند صحيح- إلى عروة- يرحمه الله- أنه كان يقول لبنيه: يل بَنىَّ لا يُهدينَّ أحدُكم من البدنِ شيئًا يستحي أن يهديه لكريمه إن الله أكرم الكرماء، وأحقُّ من اختير له.
(وكريمُ الرجل: من يَكْرُم عليه، ويَعزُّ عليه) (٢).
إخوة الإسلام: ومن فضل الله ورحمته ويسر الإسلام أن الأضحية الواحدة تجزئ عن الرجل وأهل بيته ويصل ثوابها الأموات والأحياء، إذا شملهم بها وإياكم والمباهاة بالأضاحي، أخرج مالكٌ والترمذي عن أبي أيوبٍ الأنصاري ﵁ قال: ما كنا نضحي بالمدينة إلا بالشاة الواحدة، يذبحها الرجل عنه، وعن أهل بيته، ثم تباهى الناسُ بعدُ، فصارت مباهاة» (٣).
قال الترمذي: حسن صحيح والعملُ على هذا عند بعضِ أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق. أهـ، ونُقل أنه قولُ مالك والليث والأوزاعي وغيرِهم، أن الشاةَ الواحدة تجزئ عن أكثرِ من واحد (٤).
стр. 955
بل إن من يُسر الإسلام أن من لم يجدِ الأضحية وهو راغبٌ فيها، فأجره على الله، وتأملوا هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي - بسند صحيح- عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت بيوم الأضحى عيدًا جعله اللهُ لهذه الأمة»، قال له رجلٌ: يا رسول الله: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى (والمنيحة هنا: هي الناقةُ أو الشاةُ تُعارُ لينتفعَ بلبنها، وتُعادُ إلى صاحبها) أفأضحي بها قال ﷺ : «لا، ولكن خُذ من شعركِ وأظفارك وتقصُّ شاربك، وتحلقُ عانتَك، فذلك تمامُ أضحيتك عند الله» (١).
عباد الله وتنبهوا لوقتِ الذبح، وعليكم بسنةِ محمد ﷺ في الصلاة ثم النحر، وهو القائل: «إن أولَ ما نبدأُ به في يومنا هذا: نُصلي ثم نرجعُ فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سُنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحمٌ قدمه لأهله، ليس من النُّسكِ في شيء» (٢).
قال بعض العلماء: «ويشترط في الأضحية ألا تذبح إلا بعد طلوع الشمس من يوم العيد، ويمر من الوقت قدر ما يصلى العيد ويصح ذبُحها بعد ذلك في أي يوم من الأيام الثلاثة في ليل أو نهار، ويخرج الوقتُ بانقضاء هذه الأيام» (٣).
أعوذ بالله من الشيطان ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤).
стр. 956
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمامُ المتقين وسيدُ ولدِ آدم أجمعين .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
معاشر المسلمين من السنةِ أن يذبح الإنسانُ أضحيته بنفسه رجلًا كان أو امرأة (١)، وتقول حال الذبح: بسم الله والله أكبر اللهم هذا عن فلان- ويسمي نفسه ومن أشركهم في أضحيته- فعل ذلك رسولُ الهدى ﷺ .
فإن كان لا يحسن الذبحَ فليشهده ويحضره- إن كان حاضرًا- أو ينيب عنه من يذبحها له أن كان مسافرًا.
ومن السنة شحذُ المدية، وإرجاع الذبيحة على شقها الأيسر ويضع الذابحُ رجله اليمنى على عنقها، مستقبلًا بها القبلة ويسمي ويكبر، ويقوله: اللهم منك وإليك اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك، قال ابن تيميه يرحمه الله: ومن أضجعها على شقها الأيمن وجعل رجلَه اليسرى على عنقِها فهو جاهلٌ بالسنة، مُعذبٌ لنفسه وللحيوان (٢).
أما الإبلُ فالسُّنة نحرها قائمةً معقولةً يدُها اليسرى قائمةً على ما بقي من قوائمها، ومن أضضعها خالف السنة أخرج البخاريُ ومسلم وأبو داود عن زياد بين جبير قال: رأيت ابنَ عمر ﵄ أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، فقال ابعثها قيامًا مقيدةً، فهذه سنة محمد ﷺ (٣).
стр. 957
ومن السنةِ كذلك أن يأكل منها ويهدي ويتصدق .. قال العلماء: ولا يجوز بيعُها ولا يبيعُ جلدها، ولا يعطى الجزارُ من لحمها شيئًا كأجرٍ، وله أن يكافئه نظير عمله (١).
عباد الله تأكدوا- في ضحاياكم وهديكم- من السِّن المجزئ في الأضاحي والهدي .. ويجزئ من الإبلِ ماله خمسُ سنين، ومن البقر ماله سنتان، ومن المعز ماله سنة ومن الضأن ماله سنة أو ستةُ أشهر - على خلاف بين الأئمة- (٢).
واحذروا من العيوب المانعة من الإجزاء، وقد قال ﷺ : «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّنُ عورُها والمريضة بينٌ مرضُها، والعرجاءُ بين ضلعها، والكسيرة التي لا تُنقي» - وفي رواية: «العجفاء التي لا تُنقي» ..
قال البراء- راوي الحديث- قلتُ: فإني أكرهُ أن يكون في السن أن نقص؟ قال: ما كرهتَ فدعه وإلا تُحرمه على أحد (٣).
ألحق أهلُ العلم بذلك: الغضباءُ التي ذهب أكثر أذنِها أو قرنها، والهَتماء التي ذهبت ثناياها من أصلها والعصماءُ وهي ما انكسر غلافُ قرنها، والعمياء، والتولاء- وهي التي تدور في المرعى ولا ترعى- والجرباءُ التي كثر جربها (٤).
عباد الله- كلوا واشكروا ربَّكم حيث أغناكم وهيأ لكم ما تذبحون وتأكلون وسخرها لكم واستحضروا تقوى الله فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم .. فإن فقه العبادات في الإسلام مطلبٌ وقليل من الناس من
стр. 958
يتفطن لذلك .. كما أن القليلَ من عباد الله الشكور.
ومن شُكر الله ذكرُه في هذه الأيام الفاضلة وعدم التجاوز على حدود الله، فقد قال ﵊ عن أيام التشويق: أيام أكلٍ وشربٍ وذكر لله وهنا فائدتان: الأولى كما قال ابنُ رجب ﵀: وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أن الأكل والشربَ في أيام العيد إنما يُستعان بها على ذكر الله وطاعته، وذلك من تمام شكر النعمة .. فمن استعان بنعم اللهِ على معاصريه فقد كفر نعمة الله، وبدلها كفرًا وهو جديرٌ أن يُسلبها كما قيل:
إذا كانت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وداوم عليها بشكر الإله فشكرُ الإله يزيل النقم (١)
الفائدة الثانية: إنه لا يجوز التطوعُ بصيام أيام التشريق لأنها أعيادُ أهل الإسلام، كما ورد في الحديث: «يوم عرفة ويومُ النحرِ، وأيام التشريق عيدُنا أهل الإسلام» (٢).
اللهم هييء للمسلمين حجهم، وتقبل من الصائمين والمضحين والمتقربين إلى الله أعمالهم آمين.
стр. 959
الأمل والأجل بين عامين (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين يكوِّرُ الليلَ على النهار، ويكور النهارَ على الليل، فالقُ الإصباح وجعل الليل سكنًا، والشمسَ والقمرَ حسبانًا ذلك تقديرُ العزيز العليم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُقدر الأعمارَ، ويعاقب الأيام، وبقدرته تتعاقب الأعوام، وتفنى أجيالٌ وتخلفها أجيالٌ أخرى وكلُّ من عليها فانٍ ويبقى وجهُ ربِّك ذو الجلال والإكرام.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله حل في هذه الدنيا ثم ارتحل، ولو قدر لأحدٍ الخلودُ فيها لكان المصطفى حيًا مخلدًا، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أما بعد فأوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله ومراقبته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٣).
واحذروا معاشر المسلمين أن تطغى مراقبتُكم لخلق الله على مراقبة الله فتكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ (٤).
стр. 960
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١).
أيها المسلمون: حريٌّ بكم أن تقفوا مع أنفسكم محاسبين على الدوام، وأن يزيدَ في تذكركم ومحاسبتكم لأنفسكم انصرام عامٍ ومجيء عام.
كم نلهوا ونغفل، وكم نعظم من أمر الدنيا ما هو أحقرُ وأذل، وكم نزهد في عمل الآخرة وهي أكرمُ وأبقى والباقيات الصالحات خير عند ربِّك ثوابًا وخيرٌ أملًا.
عبادَ الله كتب الحسنُ البصريُّ يرحمه الله إلى عمرَ بن عبد العزيز يرحمه الله، يدعوه للتفكر، ويذكره بحقيقة الدنيا وحقارتها ويحذره من الاغترار بها، . ومما قاله:
اعلم أن التفكرَ يدعو الخير والعمل به، والندمُ على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى وإن كان كثيرًا يعدل ما يبقى وإن كان طلبهُ عزيزًا، واحتمال المؤُونةِ المنقطعةِ التي تعقبها الراحةُ الطويلةُ خيرٌ من تعجيلِ راحةٍ منقطعة تعقبها مؤونةُ باقيةٌ، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة، التي غرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها .. إلى أن يقول: فاحذرها فإن أمانيها كاذبةٌ، وإن آمالها باطلة، عيشُها نكدٌ، وصفوها كدرٌ، وأنت منها على خطر، إما نعمةٌ زائلة، وإما بليةٌ نازلة. وإما مصيبةٌ موجعة، وإما منيةٌ قاضية .. فلو كان الخالقُ تعالى لم يخبرْ عنها بخبر، ولم يضربْ لها مثلًا، ولم يأمرْ فيها بزهد، لكانت الدارُ قد أيقظت النائمَ، ونبهت الغافلَ، فكيف وقد جاء من الله تعالى عنها زاجرٌ، وفيها واعظ، فما لها عند الله قدرٌ .. ثم يقول مشخصًا أيام الدنيا: وإنما الدنيا إذا فكرت
стр. 961
فيها ثلاثةُ أيام: يومٌ مضى لا ترجوه، ويوم أنت فيه ينبغي لك أن تغتنمه، ويوم يأتي لا تدري أنت من أهله أم لا، ولا تدري لعلك تموتُ قبله، فأما أمس فحكيمٌ مؤدب، وأما اليوم فصديقٌ مودع، غير أن أمس وإن كان قد فجعك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته، وإن كنتَ قد أضعته فقد جاءك خلفٌ منه، وقد كان عنك طويل الغيبة، وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغدًا أيضًا في يديك فيه أملُه، فخذِ الثقةَ بالعمل، واترك الغرور بالأمل قبل حلول الأجل .. ولو أن الأمل في غدكِ خرج من قلبك أحسنت اليوم في عملك، واقتصرت لهمِّ يومك غير أن الأملَ منك في الغد دعاك إلى التفريط ودعاك للمزيد في الطلب ... » (١).
إخوة الإسلام: تعيشون هذه الأيام نهاية عامٍ مضى بما فيه، أفلح العاملون السائرون إلى الله .. وخاب وخسر المبطلون، عامٌ مضى بأحزانه وأفراحِه، وسرَّائه وضرائه .. عُدْ بذاكرتك قليلًا إلى ما مضى، وانظر ما قدمت فيه من عمل صالح فاشكر الله عليه، واسأله القبول وما عملت من سوءٍ فتأسف واندم عليه فقد قيل: إن الندمَ توبة. واختم ما بقي من العام بالاستغفار، والتوبة النصوح، واعمل صالحًا تختمُ به العامَ المنصرم.
أما عامك الجديد فاستقبله بالعزيمة الصادقة على عمل الصالحات، واستفد مما مضى عبرةً لما تستقبله، فما الدنيا إلا ساعةٌ بين ساعتين، ساعةٌ ماضيةٌ، وساعةٌ آتية، وساعةُ أنت فيها، فأما الماضيةُ والباقيةُ فليس تجدُ لراحتهما لذَّةً ولا لبلائهما ألمًا، وإنما الدنيا ساعة أنت فيها، فخدعتك تلك الساعةُ عن الجنةِ وصيرتك إلى النار، وإنما اليومُ إن عقلت ضيفٌ نزل بك وهو مرتحل عنك، فإن أحسنت نُزله وقراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصَدَق فيك، وإن أسأت ضيافته
стр. 962
ولم تُحسن قراه جال في عينيك، وهما يومان بمنزلة الأخوين نزل بك أحدُهما فأسأت إليه ولم تُحسن قراه فيما بينك وبينه، فجاءك الآخرُ بعده فقال: إني قد جئتك بعد أخي فإنَّ إحسانك إليَّ يمحو إساءتك إليه ويغفر لك ما صنعت، فدوُنك إذ نزلتُ بك وجئتك بعد أخي المرتحلِ عنك، فلقد ظفرت بخُلفٍ منه إن عقلت، فَدَارِكْ ما قد أضعت، وإن ألحقت الآخرَ بالأول فما أخلَقَك أن تهلكَ لشهادتهما عليك (١).
يا أخا الإسلام: مجردُ التحسر على ماضٍ مطيةُ الكسالى والعاجزين. والهمةُ والعزيمة على العملِ في الحاضر والمستقبل سيما أهلِ الجد والصدق واليقين .. ودونك تشخيصُ العارفين بما بقي من العمر وقيمته .. فقد قالوا: إنَّ الذي بقي من العمر لا ثمن له ولا عدلَ، فلو جُمعت الدنيا كلها ما عدلَت يومًا بقي من عمرِ صاحبه، فلا تبع اليومَ ولا تعدلْه من الدنيا بغير ثمنه، ولا تكوننَّ المقبورُ أعظمَ تعظيمًا لما في يديك منك وهو لك فلعمري لو أن مدفونًا في قبره قيل له: هذه الدنيا أولُها إلى آخرها تجعلها لولدك من بعدك يتنعمون فيها من ورائك فقد كنَتَ وليس لك همٌّ غيرهم، أحبُّ إليكَ أم يومٌ تُترك فيه تعملُ لنفسك لاختار ذلك (٢).
يا عبد الله اتعظ بمن مات، واستدرك ما فات وإياك وغرور الأماني، وأن توافيك المنيةُ على غير أهبةٍ واستعداد، جِدَّ في السير إلى مولاك، ولا يكن همُّك الدنيا وحطامُها .. ودونك حديث المصطفى ﷺ فاعتبره إذ يقول: «ما طلعت الشمسُ قطُّ إلا وبجنبتيها ملكان يناديان، يُسمعان مَنْ على الأرض غير الثقلين: أيها الناس هلموا إلى ربكم، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» (٣).
стр. 963
ودونك أنموذجًا في القناعة والزهد:
كتب سليمانُ بنُ عبد الملك إلى أبي حازم: ارفع إليَّ حاجتك قال: هيهات، رفعتُ حاجتي إلى من لا يختزنُ الحوائجَ فما أعطاني منها قنعت، وما أمسك عني منها رضيت» (١).
وقال أبو واقدٍ الليثي: تابعًا الأعمالَ، نقولُ أيها أفضل؟ فلم نجدْ شيئًا أبلغَ في طلب الآخرةِ بزهادةٍ في الدنيا (٢).
يا أخا الإيمان احرص على أن يكون لك في كل عمل خير سهمٌ نافذ فما أجملَ أن تروض النفسُ على عمل الخير فيصبح لها سجيةً وطبعًا، ومن داوم على شيء ألِفه وسهل عليه القيامُ به.
وهذا سفيان الثوري يقول: ما بلغني عن رسول الله ﷺ حديثٌ قطُّ إلا عملت به ولو مرة» وهذا منه محمولٌ على فضائل الأعمال .. وهو منه أيضًا تأكيدٌ على العمل بسنة محمد ﷺ وشدة العناية بها، أكثر من العمل، وأقلل من الذنوب .. ففي ذلك سلامةٌ لا يعدلها شيء، وفي الزهد لابن المبارك عن ابن عباس ﵄ بسند صحيح أنه سئل: رجلٌ قليلُ العمل قليلُ الذنوب أعجبُ إليك، أو رجلٌ كثير العمل كثير الذنوب؟ قال لا أعدل بالسلامة شيئًا (٣).
стр. 964
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
عبادَ الله على مشارف عامٍ ينتهي، وإطلالة عام يبتدي وقفةٌ وعبرة.
فنهايةُ عامٍ يعني أن الله متَّع ابنَ آدم فيه مل يزيدُ على ثمانية آلاف وخمسمائة ساعة، وكم في هذه الساعات من نبضات قلبٍ ما كان له أن يعيشَ لو أنَّ اللهَ أوقفها لحظةً من الزمن وكم صعد خلالها النفسُ وما كان له أن يعيش لو كتمه اللهُ لحظة من الزمن.
عامٌ يمضي يعني توفير نعمٍ كثيرة لهذا الكائنِ الحي، وتسخير وجوداتٍ كثيرةٍ في هذا الكون لهذا الإنسان- قد يعلم بعضها ويجهل أكثر ها.
عام يمضي يعني امتلاءُ السجلات بما كسبت يداك وسطره الكرامُ الكاتبون، وغدًا سيكشف عن المخبوء، وتبلى السرائر، فأعد للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا، عام يمضي يعني سقوط ورقةِ من أوراق الشجرة ذات الأوراق المحددة، وبها يتناقص الموجود، ويزداد الذابلُ المفقود، ولربما كانت الورقةُ ما قبل الأخيرة أو كان بعدها أوراقٌ أخرى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
عام يمضي يعني قربك من الآخرة وبعدَك عن الدنيا ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وعامٌ يستجد، وأنت فيه في عداد الأحياء يعني أن الفرصةَ بيدك لتداركِ ما فاتك، وإبدالِ السيئات بالحسنات، واللهُ في غناه عنك وعن غيرك أشد فرحًا
стр. 965
بتوبتك منك إذ أضعت راحلتك في أرض فلاة وعليها زادك ومتاعك وحين أيست منها استسلمت للموت، فلما كنتَ كذلك إذا بها على رأسك وعليها ما ينقذك، فسبق لسانك وقلت من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك .. أخطأت من شدة الفرح.
يا أخا الإسلام وحين تُذكَّر بهذا فلا يطل أمدْك، ولا تنس مفاجأة الموت لك .. وأنت ترى وتسمع بين كلِّ حين وآخر مفاجأةً لفلان، ومصيبةً جماعيةً لآلِ فلان، ولربما قلت من هول الصدمة وحداثة المفاجأة .. أمات فلان حقًا؟ نعم لقد مات .. وستموت أنتَ .. ومَنْ وراؤك ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.
وهنا وقفةٌ أُذكر بها، وأشاطرُ الجهات المسؤولة في التنبيه لمخاطِرها، والحذر من التهور فيها .. إنها الحوادث المروِّعة التي باتت تحصدُ الأنفس حصدًا، وينشأ عنها ترمُل النساء، ويُتْمُ الأطفال، وتشتت الأسرِ بعد اجتماعها .. وهذه التي نحذر منها هي الناشئةُ عن تهور في القيادة، أو استهتار في أنظمةِ المرورِ المساعدةِ بإذن الله على السلامة .. كيف هانت عليك نفسك فعرضتها للخطر بسبب سرعةٍ جنونية كان لها عواقبها السيئة عليك وعلى أسرتك وعلى المجتمع من حولك .. ولئن هانت عليك نفسُك .. أفيحق لك أن تستهتر بأرواح الآخرين وهل يعجبك أن تكون مصدرَ شقاءٍ للآمنين؟
وإذا أردت أن تتصور الكارثةَ بإنصاف، فما موقفك من شخصٍ تسبب في حادث مؤلمٍ لأسرةٍ قريبةٍ منك وفيها رجالٌ ونساء، وشيوخٌ وأطفال، وهذا جريح وهذا كسير، وذاك نَزفَ من الدماء حتى فارق الحياة، ورابعٌ فاضت روحُه في الحال، وخامسُ عاش في غيبوبة أمدَ الحياة .. أو فترةً طويلةً أو قصيرة من الزمن .. ولربما استيقظ يوم أن استيقظ وهو مشلولُ الأطراف أو بعضها كيف تكون نظرتك لمن تسبب في مصير هذه الأسرة فكانت كما ذكرتُ أو أقلَّ أو
стр. 966
أكثر؟ لا شك أنك ستلومه وترسل عليه الدعوات، وهو في عينك شخصٌ عابث مستهتر ولو أخذ رأيُك في الحكم عليه لكان لك معه شأنٌ آخر؟ أفلا تُطبق هذه النظرةَ على نفسِك يوم أن تتسبب في إلحاق الضرر بالآخرين؟ !
إخوة الإسلام .. لقد باتت حوادثُ المرور تشكل خطرًا يلتهم الأُسر .. ويُفقد بسببها العالمُ، والرجلُ الفاضل والمرأةُ المربية، والشابُ في ريعان الشباب، والطفلُ ببراءتِه ولم يسلم من آثارها وعوائدها الرجلُ المتعقلُ في قيادتها ..
وهذه وتلك استثارة همم المسؤولين، فعقدت لها الاجتماعات والندوات، وصدرت لأجلها ولا تزال تصدر التوصياتُ والمجتمعُ بأسره شريككٌ في المسؤولية .. ولابد من المساهمة لعلاج هذه الظواهر السيئة، ولو أن كلًا منَّا التزم بنفسِه وحض أولاده على الالتزام بالأنظمة المرورية وقواعد السلامة .. لكان في ذلك نفعٌ كبير .. كيف لا وفي شريعتنا الغراء حمايةٌ للنفس وردٌّ للصائل، وأخذٌ على أيدي السفهاء، وتعاون على البرِّ والتقوى، ومساهمةٌ في النصح والتوجيه، وحفظٌ للطاقات، ونهي عن التسرع والإسراف، ورعايةٌ لآداب الطريق إنَّ من الذوق والمروءة أن تقدر- مشاعر الآخرين، ومن الفظاظة والرعونة أن تعيشَ متبلدَ الإحساس، لا ترعى للآخرين حرمة، ولا تُقدر لحراس الأمن مسؤولية ..
ألا فليكن إسلامُك وخُلقك في المسجد وفي الطريق، مع أهلك وذويك ومع الناس أجمعين .. ساهم في السلامة بوعيك وحسن قيادتك، واعتبر بما حصل لك أو لقرابتك في سبيلِ تأمين الأمن والحماية للآخرين .. وإذا كانت الآجالُ محدودة، والأنفاسُ معدودةً فاتخاذ الأسباب المشروعة مطلبٌ، واتقاءُ التهلكة بالنفس محرم، وبقدر ما تتمثل من أخلاق عالية بقدر ما تكون محبوبًا عند الله وعند خلقه ..
стр. 967
انحراف الشباب مسئولية من ؟ (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله الهادي إلى سواء الصراط يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ومن يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فما له من سبيل وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه هدى اللهُ به من الضلالة إلى الهدى وفتح الله به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غُلفًا- اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣).
أيها المسلمون حديث اليوم استجابةٌ لمطلب كريم من الجهاتِ المسؤولة- وهو في الوقتِ نفسه حديثٌ بالغُ الأهمية عن فئةٍ عزيزةٍ في المجتمع .. بات يكثر عددُها ويتنامى خطرُها، ويحمل واقعُها نُذرًا لابد من توعيتها وتقييمها والمسارعة بعلاجها.
حديثُ اليوم عن فئةٍ من الشباب- لا بل عن طائفةٍ من الشباب بدأت تجنح في سلوكها، وتقلق المجتمعَ بتصرفاتها تُسيء إلى نفسها ... وتصل إساءتها إلى غيرها .. وتدمر ما حولها، وربما دمَّرت نفسَها ..
стр. 968
إنها فئةٌ من الشباب، لم نولها من العنايةِ ما تستحق، واكتفينا بلومها وانتقاد تصرفاتها .. ولكننا لم نقترب منها، ونكتشف أسبابَ جنوحِها، وأنسب الطرقِ لعلاجها ..
هذه الفئةُ- حين نريدُ تشخيص حالها- نقول: إنها فئةٌ منطويةٌ على نفسها .. أو على ما يشابهها .. كسولةٌ في أداءِ العبادات المفروضة، غيرُ قادرةٍ على تحمل المسؤوليات الأسرية- مزعجةٌ داخل بيوت أهلِها، هاويةٌ للاجتماعات الصاخبة في زوايا الشوارع، محبةٌ للسهِر ليلًا، مكثرةٌ للنوم نهارًا، المدرسةُ تشكو من ضعفها الدراسي، وما بها لله ضعفٌ في الفهم ولكنها تحضر بجسدها وعقولُها خارج المدرسة، ويشكو منها الجيران لسوءِ تصرفاتها، ولربما تخوفوا على أبنائهم منهم وحذروهم الاختلاط بهم، تتخذ من السيارةِ وسيلةً لإزعاج الآخرين، وربما استخدمتها وسيلة للاقتناص والتغرير بالأطفالِ والمراهقين - ولربما دمرت نفسها أو دمرت الآمنين من حولها بقيادتها الهوجاء .. هذه الفئة تطربُ للأغاني الماجنةِ ولربما اضطرت الآخرين لسماعِها بسبب رفعها للصوت عمدًا وبلا مبالاة، تفتخر بالسيجارة تتعاطاها .. وتظنها بطولةً أمام الأحداث من حولها .. والأمر أدهى حين تبدأ في مسلسل المخدرات والخمور والمنبهات .. يضيع جزءٌ من وقتها في العكوف على مشاهدةِ الأفلام الخليعة .. ويتأثر فكرُها وسلوكُها بالمسلسلات الجنسية، أو بأحداث العنفِ البوليسية تركز على المجلات الهابطة .. ونصيبها من الصحف زوايا الفنِّ والرياضة.
هذه الفئة لا ترعى للوالدين حقًا، ولا تطيع لهما أمرًا .. وتنساق مع الأصحاب وتطيعهم أكثر من غيرهم، وما أسرع ما يقع الخصومةُ بينهم ولأتفه الأسباب .. تشتكي منهم الجهاتُ الأمنية .. ولربما كانتِ إساءتهم أكثر للعمالةِ الوافدة.
стр. 969
إخوةَ الإسلام ليس المقصودُ تشخيصَ الداء، إلا بالقدر الذي يوصَفُ به الدواء .. ودعونا نتصارح، ولا نُلقي باللائمة كلِّها على هؤلاء الشباب .. ونرى مدى أسهامنا- بعلمٍ أو غيرِ علم- في بروز هذه الظواهرِ المنحرفة.
فأنت أيها الأب قد تكون منزعجًا لهذه الظاهرة لكنك لم تساهم في علاجها وتظن أن مجردَ شكواك منها كافي في علاجها، بل ربما كنت أيها الأبُ وراء المشكلةِ في بدايتها حيث لم تُعن بالتربية المبكرة للأبناء، ولم تهتم كثيرًا باختيار الأصدقاءِ، أو على الأقل التعرفِ على من يصادق الأبناء فتشجعُ على مصاحبة الأخيار وتنهى وتحذر من مصاحبة الأشرار، وتستخدم في ذلك كلَّ وسيلة مستعينًا بالله ثم بالخيرين من حولك ومتصلًا بالمدرسة لمعرفة سلوكيات ابنك ولربما أخذتك العاطفة فوفرت للابن سيارة لا يحتاج إليها .. أو لا يحسن التصرفَ في قيادتها .. فألقيت ابنَتك المسكين في اليمِّ وقلت له إياك أن تبتل بالماء، وقد تمانع في البداية فينضم صوت الأمِ إلى صوت المراهق فتبدأ المشكلة.
وأنت أيها المعلمُ الكريم ما الجهدُ الذي قدمته في سبيل استصلاح هذه الفئة .. أتُراه يكفيك أن تتذمر من وجودهم في المدرسة .. أم تراه يُغنيك أن تلوذ بكثرة الحصص وتعتذر بالأعباء التدريسية عن المساهمة في توجيه هؤلاء وإسداء النصح لهم والمساهمة في تربيتهم وما أعظم الخطب حين تُشعرهم- أيها المعلم- بالدونية، أو تكرس فيهم أنكم شبابٌ لا خير فيكم، وقد يكون فيهم أو في بعضهم خيرٌ كثيرٌ يحجبه طبقةٌ رقيقةٌ من الغبار الخادع .. ولا يسوغ لك بحال- أيها المربي- أن تُنقص شيئًا من درجات يستحقونها بسبب ما يبدو لك من انحرافهم، فتلك توغر صدورُهم، وتزيد من انحرافهم .. وما هكذا تورد يا سَعدُ الإبل؟ !
стр. 970
أيها المعلم تحفظ في الكلمة تلقيها .. واختر في الحديث مع هؤلاء بخاصة ومع غيرهم بعامة أطيب الكلام .. فللكلمة الطيبة وقعُها في الآذان أولًا وفي القلوب ثانيًا، ويكفيك أن الكلمةَ الطيبة صدقة. ولا تقنط أو تيأس من هداية هؤلاء .. ولا يرد إلى مخيلتك أن الشرَّ دائمًا مصاحبٌ لهؤلاء .. وقدِّر موقعك ولربما تأثروا بك أكثر من غيرك وحين تتحدث عن دور المعلم مع الطلاب فالحديث عن المدير والوكيل والمرشدِ الطلابي من باب أولى.
أيها الأئمة والخطباء أنتم عليكم كفلٌ من المسؤولية بالتوجيه والنصح والزيارة والهدية .. والموعظة بالحسنى، وعدم الاكتفاء باللوم والتقريع والاستهزاء .. وكم هو جميلٌ أيها الإمام أن تستعين بعدد من الأخيار المجربين للذهاب لهؤلاء الشباب ومناصحتهم والتعرف على مشكلاتهم وحوائجهم ودعوتهم للمسجد .. وإذا نجحت في ذلك بدأت تباشيرُ السعادة على محياهم وما أسرع ما تتغير سلوكياتُهم.
- أما أنتم معاشر الشباب الملتزم فكم أنتم غائبون عن هؤلاء .. وسائلو أنفسكم ماذا قدمتم لهم .. وكم يستغرق الاهتمام بهم من أوقاتكم؟ إنهم إخوانُكم وجِيرانكم، ولهم عليكم حقُّ النصح، وأنتم مسؤولون عن حسنِ دعوتهم، ولابد من الصبر على ما يصيبَكم من أذاهم، إنكم قد تستلذون الجلوسَ إلى العلماء في دروسهم ومحاضراتهم، وترتاحون للجلوس مع بعضكم وترون الوقتَ غاليًا فلابد من حفظه بحفظ كتابِ الله، أو القراءة في كتب العلم النافعة، أو الاستماع لأشرطة مفيدة .. وكل ذلك أمرٌ طيب، لا تثريب عليكم فيه .. ولكن قدروا فيما علمكم الله .. وفيما هداكم الله .. حقًا للسائل والمحروم .. ومن شكرِ الله على نعمةِ الهداية التي أنعم بها عليكم أن تدعوا
стр. 971
هؤلاء .. وترغبوهم في الخير، وتحذروهم من عواقب الشرِّ والفساد، والطرق المناسبة والوسائل المفيدة.
أيها المسلمون لا يعفي ذلك كلُّه بحال رجالات الأمنِ من مسؤوليةِ المتابعة لهذه الفئة من الشباب، وكان اللهُ في عون العيون الساهرة وهي تراقب وتتابع، ويُباح لها ما لا يُباح لغيرها ويتخوف منها الشباب أكثر من غيرها .. فهل يقدر رجالات الأمن دورهم ويستشعرون مسؤوليتهم في الحفاظ على أمنِ المجتمع، وردع المعتدي وتأديب المخالف ومطاردة المجرم، وكشف ما في الزوايا المظلمة ومراقبةِ التجمعات المشبوهة، والوعي بمخاطر المخدرات والمسكرات والأفلام الخبيثة ... وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
أخي رجلَ الأمن إياك أن تبقى متفرجًا على انحراف الشباب وتجمعاتهم دون مراقبة ومتابعة وتقدير للمخاطر المستقبلية، وإذا نُصحت بأن لا تكون فظًا غليظًا في المعاملة، فإياك أن تغلبك العاطفةُ وترضى بالاعتذار الخادع، وقدِّر سعةَ انتشار الداء إذا لم تسارع بالحزم في اختيار الدواء .. ولا تنسي أنك عضو في هذا المجتمع مسؤول عن وقايته حتى وإن كنت لحظة رؤياك الانحرافَ مدنيًا، رعاك اللهُ وسددك ونفع بك وآجرك على قدر إخلاصك ومتابعتك.
رجالات الهيئة الأعزاء مهمتُكم لا تقف عند حدود النهي عن المنكر، فهذا على أهميته جزءٌ من رسالتكم، ولكن الجزءَ الآخر يتمثل في الأمر بالمعروف والدعوة للخير .. وما أروع الرسالةَ حين تلحظ تجمعًا مشبوهًا للشباب فتصطحبهم للهيئة وتحدثهم برفق، وتثير فيهم كوامن الخير، وتذكرهم بقيمة أسرهم في المجتمع، وعظيم الفضيحة لهم ولأهليهم إذا وقع منهم المكروه .. وتشعرهم بقربهم منك وعطفك عليهم، ثم تختم ذلك بإهدائهم شريطًا موجهًا أو كتيبًا نافعًا، أو مطوية مفيدة مختصرة.
стр. 972
إخوة الإيمان وهكذا تتكامل عناصرُ التوجيه، وتساهم الجهات والأفراد- كلٌّ حسب اختصاصه- بالتوعية والمتابعة.
وما بلغ الشباب في مجتمعنا- والحمد لله- مبلغًا من الشرِّ والفساد والعناد، حدًا لا يمكن ضبطهم أو يصعب توجيههم ولكنها طفرة النعمة، وآثار الفراغ، وقلة المتابعة، وعدم التجديد في الوسائل المصلحة بإذن الله للشباب .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (١).
стр. 973
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين يمن على من يشاء بالهداية والتوفيق ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه من الأنبياء.
إخوة الإسلام حين نتحدث عن انحراف بعض الشباب ونشرك في المسؤولية عددًا من الجهات والأشخاص، فلابد أن نستحضر ما لوسائل الإعلام- بكافة قنواتها- من أثر بالغ على انحراف الشباب أو استقامتهم، كيف لا وهي تخاطب عقولهم، وتحرك عواطفهم، وبإمكانها أن تختار النماذجَ الخيِّرة أو الساقطة لتبرزها مجالًا للقدوةِ أمام ناظريهم وكم افتتن شابٌ أو شابةٌ بصورةٍ خليعة أو مشهدٍ مثير فحركت كوامنَ الشبابِ فيهم، وهيجت عواطفهم فراحوا يبحثون عن إشباعها بطرق غير مشروعة.
وكم لوَّث فكرهم مقالٌ نشر وفيه تمجيدٌ للرذيلة أو محاربةٌ للفضيلة، وكيف نلوم الشبابَ على الانحراف إذا كنا نمجد نماذج ساقطةً تتمرغ في أوحال الرذيلة في فكرها المُعطى .. وفي شعرِها المكتوب .. ويقل أن نسوق نماذج عاليةً في أخلاقها، قممًا في سلوكها ..
ألم تمجد وسائلُ الإعلام الإسلامية الهالكةَ ديانا من قبل .. ومعلومٌ ما تمتلكه هذه من وسائل الدعاية والشهرة؟ وهي بكل حالٍ لا تتفق وقيمنا وأخلاقنا!
ثم راحت تمجد الهالكَ نزار قباني من بعد .. وهو شاعر الفسق والإلحاد.
стр. 974
أيها المسلمون إن الأمرَ عظيم، والخطابُ جليل .. ما أعظم الكارثة حين ينحرف الشباب وهم عمادُ الأمة وأملُها في المستقبل .. وما عاد الانحراف يخفى ونحن بين الفينة والأخرى نسمع عن جرائم خلقيةٍ يندى لها الجبين، ونحن مسؤولون أمام اللهِ عن هؤلاء الشباب الذين تفشت بينهم المخدرات وحطمت مستقبلهم في الدنيا وجعلتهم على شفير الهاوية في الآخرة .. كما نحن مسؤولون عن انتشار الفاحشة في عدد منهم تلك التي تذهب رجولتهم، وتهدر طاقتهم، وتذهب حياءهم وتقتل طموحات الرجالِ في نفوسهم .. والخطبُ كبير حين يمتلك هؤلاء المراهقون أسلحةً فتاكة فيوجهونها إلى الأبرياء من حولهم ولربما قتلوا بها أقرب الناس إليهم .. بل ربما اعتدوا بها على أنفسهم.
لابد من قومة صادقةٍ لله وتوعية شاملةٍ للمخاطر تشمل الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات ورجالات الأمنِ والحسبة، والأئمة والخطباء والشباب الغيور على دينه وأبناءِ أمته .. ورجالات الإعلام والمفكرين والأدباء القادرين على الكتابة ومخاطبة جمهور الأمة وشبابها وشاباتها على الخصوص.
ولابد مع ذلك من الحزم في العقوبة لمن لا يجدي معه النصحُ ولا يستفيد من التوعية ولا شك أن العقوبات في الإسلام ذاتُ أهدافٍ جليلة وإن ظنها الجهلةُ للوهلة الأولى شديدةً على من أقيمت عليه .. ولا ضير أن يهلك شخصٌ في سبيل حياة الآخرين والله يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وكما ندعو إلى معاقبة أصحاب الجرائم الخلقية بما يكفل عدم انتشارها وتدميرها للشباب ندعو كذلك إلى التشديد في توفير السلاح عند الأحداثِ والمراهقين الذين لا يحسنون استخدامها.
стр. 975
الأسباب العشرة الموجبة لمحبة الله (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، من يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فاتقوا الله أيها الناس، واخشوا يومًا لا يجزي والدٌ عن ولده، ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئًا، إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣).
أيها المسلمون .. ويهيم المحبون للدنيا بمحبتهم طرائق قددًا، فذاك متيم القلب لمحبوبته .. وذاك صريع العشق لمن استلبت فؤاده، وثالث محبٌ مفتون بماله أو ولده ورابع مغرور بملكه وسلطانه أو حرثه ونسله ولا تكاد تخرج هذه وتلك عن شهوات الدنيا الفانية، من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث، وعنها قال تعالى:
стр. 976
﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (١).
وتبلغ المحبة دركات الحضيض حيث يتخذ الناس أندادًا من دون الله يحبونهم كحب الله ...
أما المؤمنون .. فلهم في المحبة شأن آخر، فهم وإن أحبوا المال والأهل والولد، وأنسوا بما لذَّ وطاب مما أحل الله من متاع الدنيا، فهم مقتصدون في حبهم لها، وهم أشدُّ حُبًا لله منها، يأنسون بذكره، ويستلذون بطاعته يستكثرون به من قلة، ويأنسون به حين الوحشة، وتطيب في جنح الظلام مناجاتهم له، محبة الله غايتهم، ورضاه عنهم أحلى أمانيهم، يحبون ما يحبون لله .. ويبغضون ما يبغضون في ذات الله.
عباد الله: ومحبة الله تعالى في الإيمان ومقاماته كواسطة العقد بين حباته، فما بعد إدراك المحبة مقامٌ إلا وهو ثمرةٌ من ثمارها وتابعٌ من توابعها كالشوق والأنس والرضى، ولا قبل المحبة مقامٌ إلا وهو من مقدماتها كالتوبة والصبر، والزهد، وغيرها (٢).
المحبةُ يزكو بها العملُ القليل، ويُبارك بها في الجهد اليسير فلا المجتهد السابق مستغن عنها، ولا القاصد أو المقصر مفلحٌ بغيرها.
أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحيهما عن أنس بن مالك ﵁ قال: «بينما أنا ورسول الله ﷺ خارجين من المسجد، فلقينا رجلًا عند سُدَّةِ المسجد، فقال: يا رسول الله: متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ : «ما أعددت لها؟ » قال: فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله: ما أعددتُ كبير صلاة
стр. 977
ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحبُّ الله ورسوله، قال: «فأنت مع من أحببت».
وفي رواية- لمسلم- قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي ﷺ «فإنك مع من أحببت».
قال أنس: فأنا أحبُّ الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم (١).
هذه المحبة- يا أخا الإسلام- هي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، هي الحياة فمن حرمها فهو من جملة الأموات وهي النور فمن فقدها فهو في بحار الظلمات، وهي الشفاء فمن عُدمها حلَّت بقلبه جميع الأسقام ..
كيف لا وهذا المحب صلوات ربي وسلامه عليه يقول: «أتاني ربي » - يعني في المنام- (ورؤياالأنبياء حق) «فقال لي يا محمد؛ قل: اللهم إني أسألك حبَّك، وحبَّ من يُحبك، والعمل الذي يبلغني حبَّك» (٢).
يا عبد الله .. يا من تبحث عن حلاوة الإيمان .. فلن تجد طعمه حتى يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما- ففي الصحيح من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسوله الله ﷺ : «ثلاث من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواها، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه- كما يكره أن يُلقى في النار».
стр. 978
فإن قلت: وما السبيل إلى محبة الله، وما الأسباب الجالبة لها؟
أجابك ابنُ القيم يرحمه الله في مدارج السالكين، بقوله: الأسباب الجالبة للمحبة، والموجبة لها عشرةٌ هي:
١ - قراءةُ القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه، وما أريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه.
٢ - التقربُ إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.
٣ - دوامُ ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر.
٤ - إيثارُ محابه على محابك عند غلباتِ الهوى، والتسنمُ إلى محابه وإن صعب المرتقى.
٥ - مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومبادئها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة، ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطَّاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب.
٦ - مشاهدة برِّه وإحسانه وآلائه، ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى محبة الله.
٧ - وهو من أعجبها: انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات.
٨ - الخلوةُ به وقت النزول الإلهي لمناجاته، وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.
стр. 979
٩ - مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقى أطايبُ الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمت أن فيه مزيدًا لحالك ومنفعة لغيرك.
١٠ - مباعدة كلِّ سبب يحول بين القلب وبين الله .
ثم قال ابن القيم يرحمه الله: فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة، ودخلوا على الحبيب، وملاك ذلك كله أمران: استعدادُ الروح لهذا الشأن، وانفتاح عين البصيرة. وبالله التوفيق (١).
يا أخا الإيمان .. ولا يجتمع في القلب محبة الله ورسوله، وبغض الصالحين، ومعاداة أولياء الله المتقين والتحريشُ بهم، بل يلاحق الوعيدُ الإلهي من عادى لله وليًّا .. وفي مقابل ذلك تبدو آثار المحبة على من تقرب إلى محبوبه في سلوكياته واضحة جلية .. ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إلي من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش لها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه» (٢).
أيها المسلمون .. ولا عجب أن تتعلق قلوب الناس بأولياء الله من عباده الصالحين، وإن لم يمنحوهم من مُغريات الدنيا فتيلًا، ذلكم لأن واهب المحبة هو الله العليم الخبير، ومقادير المحبة تنزل من السماء، ولا توزع من
стр. 980
الأرض .. والفرق كبيرٌ بين السماء والأرض، وفي دنيا الواقع يجد الناس مصداق قول رسول الهدى ﷺ في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: «إذا أحب الله العبد دعا جبريل فقال إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهلُ السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» وذكر في بعض الولايات في بعض من قبل الله عكس ذلك» (١) أعوذ بالله.
стр. 981
الخطة الثانية:
الحمد لله صاحب الفضل والنعم والإحسان، أحمده تعالى وأشكره ولا نحصي ثناءً عليه .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه الله للناس مبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين ..
إخوة الإسلام .. وليست محبة الله دعاوى تجوز على كل لسان، أو أماني وظنون يوصف بها كل إنسان، وإن كان فضل الله واسعًا لا يستطيع حجره كائنٌ من كان ولكن الدعاوى تصدقها الأعمال أو تكذبها.
ومن براهين المحبة الصادقة لله اتباع شرع الله والرضا به والتسليم دون حرج أو تململ، وطاعة الرسول ﷺ فيما أمر به أو نهى، وفيما أحبت النفس أو كرهت.
قال تعالى- وقوله الفصل- ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).
قال ابن كثير يرحمه الله: هذه الآية حاكمةٌ على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله (٢). فإذا حصل الموجب الحقيقي للمحبة بالاتباع، كانت المحبة، بل كان ما هو أعظم منها، وهو محبة
стр. 982
الله للمحب، ولهذا قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب، إنما الشأن أن تُحَبَّ.
هذه الآية- معاشر المسلمين- فيها امتحانٌ لمحبة العبد لربه، كما قال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية (١).
عباد الله ومن براهين محبة الله .. أن يكون المُحب متواضعًا لإخوانه المؤمنين، متذللًا لهم، رحيمًا بهم، يحبهم لله، ويواليهم فيه - وإن لم يكن بينه وبينهم نسبٌ أو حسب- لكنها رابطة العقيدة وأخوة الإسلام توجب عليه إلا يحقرهم ولا يخذلهم ولا يظلمهم.
وفي مقابل ذلك يكون المحب الصادق عزيزًا على عدوه وخصمه، شديدًا عليهم ويبغضهم لله، ويعاديهم لكفرهم به، وتطاولهم على شرع الله.
وهو في ذلك محتاج إلى المجاهدة في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وإعزاز الحق، ودفع الباطل وأهله.
فهل يصدق الحب من شخص لا يغار لمحارم الله؟ وهل يصدق الحب لله ممن لا يتمعر وجهه لفشل الباطل وكثرة المبطلين؟ !
إن محبة الشيء تعني الدفاع عنه، والدعوة إليه .. والدفاع عن الحق، والدعوة للخير الذي يحبه الله .. هو برهان على محبة الله .. وأنَّى لشخص يَدَّعي محبة الله، وهو ناصبٌ نفسه للدعوة للشر، ومحاربة الخير، وأهله! والمحبون الصادقون لا تأخذهم في دعوتهم وجهادهم للخير لومة لائم .. أو إرجاء مرجف- أو تخذيل مخذل- إقوؤوا بتمعن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 983
مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
وفي فترات ضعف الأمة تتبدل المفاهيم، وتنتكس الأحوال ولربما أصبح العدو صديقًا، والصديق عدوًا.
ولكن ذلك لا يؤثر على حقائق القرآن، ولا يغير سلوكيات أهل الإيمان، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.
إنها قافلة محمد ﷺ والمؤمنين معه، تتجدد ما بقي القرآن حيًّا في قلوب الأجيال تردد ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٢).
يا أخا الإيمان كُن من دعاة الخير يُحبك الله، فإن لم تستطع فأحب الخير حيث يحبه الله .. وكن من أهل الخير فهم أولياء الله وأحباؤه فإن لم تستطع اللحاق بهم، فأحبهم وتمنَّ اللحاق بهم يحبك الله ويعينك .. فالمرءُ مع من أحب .. والرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فهو معهم .. فضلًا من الله ورحمة، ليكن حبُّك لله وفي الله، وفق شرع الله وإياك أن تكون محبتك حيث يُحبُّ دهماءُ الناس فمن يحبون أو يبغضون وفقًا للأهواء والشهوات ليس إلا.
يا أخا الإيمان وإذا أردت أن تعلم درجة حبك لله فعد لهذه الأسباب العشرة التي ذكرها العلماء .. وانظر في نفسك ومدى قربك أو بعدك منها، وسدد ما فاتك منها .. فلا أراني وإياك إلا في أشدِّ الحاجة إليها في اليوم قبل الغد
стр. 984
لنستجمع منها لأنفسنا زادًا أثناء السفر وبعد انتهاء السفر حيث القرارُ في دار المستقر.
ابدأ- يا أخا الإسلام- من الآن في بناء مستقبلك الحقيقي هناك، أما المستقبل هنا فمجازٌ وألغاز، ولعبٌ ولهوٌ وزينة وتفاخر، ابدأ من الآن في البناء شابًا كنت أو هرمًا، رجلًا كنت أو امرأة .. واجتهد في إيداع الأرصدة هناك فالليلُ والنهار خزانتان تُملآن هنا وتفتحان هناك، فاجتهد في ملء تلك الخزائن ببراهين المحبة لله وعناوين الإخلاص، ودلائل الطاعة له.
ولا تنس الاستعانة بالله، وقل كما قال محمد ﷺ : «اللهم إني أسألك حبَّك، وحب من يُحبك، والعمل الذي يبلغني حبك».
وكلما فتر عزمك أو ضعف سيرك تذكر قرب الرحيل إلى ربك، واتخذ من أصحاب الخير عونًا لك في طريقك .. رعاك الله وسددك وجعلنا وإياك من أحبابه العالمين بكتابه، والسائرين على منهاجه. هذا وصلوا.
стр. 985
العناية بالقرآن (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خص هذه الأمة بأفضل كتبه، وخاتم أنبيائه ورسله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها الناس أوصيكم ونفسي بتقوى الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣).
أيها المسلمون: كتاب الله طريق للتقوى وسبيلٌ لمحبة الله تعالى، وهو يهدي للتي هي أقوم هو- كما وصفه عليٌّ ﵁: (الناصح الذي لا يغش والهادي الذي لا يُضل، والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادة أو نقصان زيادة في هدى، ونقصان من عمى .. إلى أن يقول: واعلموا أنه شافعٌ ومُشفع، وقائلٌ ومصدق، وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة شُفع فيه، فإنه