ندرس الأسباب التي تؤدي إلى ارتفاع الهواء إلى أعلى، غير أننا يجب أن نأخذ في الاعتبار عند الكلام عن كل عامل من هذه العوامل على حدة، أنه ليس من الضروري أن يسقط المطر نتيجة لعامل واحد فقط في كل حالة، وإنما قد يجتمع عاملان أو حتى ثلاثة مرة واحدة في مكان واحد.
المطر التصاعدي: نتيجة لتسخين الهواء فإنه يتمدد ويضطر للارتفاع إلى أعلى وبارتفاعه يبرد حتى تصل درجة حرارته إلى نقطة الندى فيحدث التكاثف، وحدوث التكاثف يؤدي إلى إطلاق سراح الحرارة الكامنة في ذرات بخار الماء وتعمل هذه الحرارة على تسخين طبقات الهواء التي تمت بها عملية التكاثف، فيحدث تصعيد آخر وهكذا تستمر العملية على مستويات مختلفة حتى تنخفض نسبة بخار الماء في الهواء أو حتى يبرد إلى درجة لا تساعد على ارتفاعه مرة أخرى ومن صفات مطر التصعيد أنه يحدث في مناطق محدودة وليس على نطاق واسع والسحب المصاحبة لهذا النوع ولكنها من الأمطار هي الركامي أو المزن الركامي. وتستمر الأمطار فترة قصيرة من الزمن ولكنها أمطار غزيرة منهمرة؛ لذلك فهي غير مفيدة كثيرًا للمحاصيل الزراعية ويضيع معظمها في الجريان على سطح الأرض ويضر ذلك بالتربة إذ يؤدي إلى جرفها وتعريتها. وقد تحدث العواصف الرعدية الناتجة عن التصعيد في العروض المعتدلة والباردة أثناء الساعات الدفيئة من النهار وذلك في فصل الصيف فقط.
وأهم مناطق سقوط مطر التصعيد هي العروض الاستوائية والمدارية حيث يسقط المطر هناك بصورة منتظمة في كل أيام السنة وفي الساعات الدفيئة من النهار.
المطر التضاريسي:
تضطر الكتل الهوائية إلى الارتفاع إذا قابلت عوائق تضاريسية مثل الجبال والهضاب العالية وحتى التلال أحيانًا. وحيث إن بخار الماء يتركز في الطبقات السفلى من الغلاف الغازي. فإن مطر التضاريس قد
стр. 72
يسقط نتيجة لوجود أي عائق حتى إذا كان منخفضًا فسواحل القارات في مواجهة الرياح قد تكون سببًا لسقوط أمطار غزيرة حتى لوكانت تلك السواحل منخفضة،
"شكل ٣٣"
ومن أمثلة العوائق التضاريسية التي تؤدي إلى سقوط أمطار غزيرة جبال هملايا في شمال الهند وجبال كسكيد Cascade في غرب الولايات المتحدة، وتسقط الأمطار غزيرة على السفوح المواجهة للرياح d Windwa أما السفوح غير المواجهة للرياح Leeward فلا يصيبها نصيب يذكر من الأمطار ويقال إنها تقع في ظل المطر Rain Shadow وذلك؛ لأن الرياح تفقد معظم ما بها من بخار الماء على السفوح المواجهة لها، كما أن الرياح بعد عبورها للمرتفعات وفقدانها لبخار الماء تكون دفيئة بسبب هبوطها وما يصحب ذلك من عملية تسخين وبسبب إضافة الحرارة الكامنة الناتجة عن تكاثف بخار الماء إلى الهواء "شكل ٣٢، شكل ٣٤".
وليس لمطر التضاريس دورة يومية أو فصلية خاصة كما هو الحال بالنسبة للمطر
стр. 73
التصاعدي، وإنما نجد أن مطر التضاريس يجتذب المطر الموجود في الكتل الهوائية التي تمر على المرتفعات وقت مرورها، وقد تحتاج الكتلة الهوائية إلى عملية رفع بسيطة حتى يحدث التكاثف ويسقط المطر.
"شكل ٣٤"
المطر الإعصاري:
يسقط هذا النوع من الأمطار نتيجة لمرور انخفاضات جوية أو ما نسميه بالأعاصير Cyclones ويحدث أن يجتذب الإعصار تيارات هوائية من الشمال والجنوب أو بمعنى آخر من مصدرين مختلفين في حرارتهما، وعندما يحدث تقابل بين تيارين هوائيين فلابد من حدوث حركة تصاعدية، وبالطبع يصعد الهواء الدافئ وهو الأخف وزنا إلى أعلى، "شكل ٣٥" وارتفاع الهواء إلى أعلى يؤدي إلى برودته وحدوث التكاثف خاصة إذا كان الهواء محملًا ببخار الماء، وهذا الوضع يحدث أثناء مرور الأعاصير في العروض المعتدلة حيث تلتقي الكتل الدفيئة القادمة من العروض المعتدلة بالكتل الهوائية الباردة القادمة من ناحية القطب. أما في حالة تقابل الكتل الهوائية في المناطق الاستوائية والمدارية فإنه لا تنتج عن ذلك آثار مناخية هامة؛ ذلك لأن الكتل الهوائية التي تتقابل في هذه العروض تكون متشابهة من حيث حرارتها.
فصلية المطر: Seasonality أي مناقشة تفصيلية للمطر لا يكفي أن تتناول كمية المطر السنوي فقط، ولكن لا بد من معرفة فصلية المطر ومدى الاعتماد على
стр. 74
"شكل ٣٥"
المطر وتركيز المطر ودرجة غزارته. وكذلك درجة احتمال سقوط المطر أو عدم سقوطه.
فمن المهم أن نعرف متى يسقط المطر، وفي أي فصل من الفصول، إذ لا يكفي أن نعرف أن كمية المطر السنوي في مكان ما هي ٤٠ سم إذ قد يسقط من هذه الكمية ٣٠ سم في فصل الصيف أو بالعكس، ولفصلية المطر أهمية كبيرة فيما يتعلق بالنباتات، ففي العروض الوسطى تستفيد النباتات من مطر الصيف أكثر من مطر الشتاء؛ ذلك لأنه في الصيف يأتي المطر مع ارتفاع درجة الحرارة وهو فصل النمو عندما تكون النباتات في حالة نشاط.
وفي العروض المدارية لا يهم كثيرًا في أي فصل من فصول السنة يسقط المطر، حيث إن الحرارة مرتفعة باستمرار.
درجة الاعتماد على المطر: Reliabity وهذه تتعلق بمدى الذبذبة التي تحدث في كمية المطر من سنة لأخرى، وقد لوحظ أن الذبذبة في الأقاليم ذات المطر الغزير أقل منها في الأقاليم الجافة أو بمعنى آخر أن درجة الاعتماد على المطر تقل كلما قلت كميته، ولهذا أهمية كبيرة بالنسبة للزراعة في الأقاليم شبه الجافة والجافة حيث تتعرض المحاصيل لأخطار قلة المطر أو تأخره في بعض السنوات، كذلك في الدراسات المناخية لا بد من الحصول على إحصائيات عن المطر لمدة طويلة قد تصل إلى ٢٥ سنة في حالة الأقاليم الجافة حتى تكون النتئائج دقيقة، بينما قد تكفي ١٠ سنوات في حالة الأقاليم المطيرة.
стр. 75
تركيز المطر ودرجة غزارته: lntensity
من المهم أن نعرف عدد الأيام التي يسقط فيها المطر وكمية المطر التي تسقط في اليوم الماطر، ويهتم الزراع بمعرفة عدد الأيام التي يسقط بها المطر وكيفية توزيعها على مدار السنة لما في ذلك من أهمية قصوى بالنسبة للمحاصيل.
التوزيع العام للمطر في العالم: يعتمد توزيع المطر في العالم على عوامل متعددة فقد تكون مرتبطة بمرور الأعاصير أو بحدوث حركة تصعيد للهواء عن طريق تسخينه أو قد تكون منطقة مرتفعات، ومن أهم مظاهر توزيع المطر في العالم ما يلي:
١- هناك منطقة مطر غزير حول خط الاستواء وذلك في منطقة الجبهة المدارية lnter Tropical Convergence.
٢- المناطق دون المدارية Subtropical تتميز بقلة المطر حيث تفترق الرياح عند خطي عرض ٣٠ شمالًا وجنوبًا، ويوجد هواء هابط وضغط مرتفع مما لا يساعد على سقوط الأمطار.
٣- بالاتجاه نحو القطبين تبدأ كمية المطر في الزيادة وتوجد منطقة مطر غزيرة فيما بين خطي عرض ٤٠، ٥٠ شمالًا وجنوبًا، وهذا هو نطاق تقابل الرياح وحدوث الأعاصير.
٤- تبدأ كمية المطر في القلة مرة أخرى نحو القطبين فيما وراء خطي عرض ٥٥ شمالًا وجنوبًا.
٥- من تفاصيل توزيع المطر أن المناطق الجافة وشبه الجافة تتركز في غرب القارات حيث تشتد حركة هبوط الهواء في مناطق الضغط المرتفع وحيث تمر بهذه السواحل الغربية تيارات مائية باردة، وفي العروض الوسطى والعليا نجد أن الأجزاء الجافة توجد في قلب القارات حيث تبعد عن مصدر الرطوبة، وتبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحًا في قارات نصف الكرة الشمالي بسبب اتساع الكتل اليابسة "شكل ٣٦".
стр. 76
التوزيع الفصلي للمطر:
نلاحظ على التوزيع الفصلي للمطر في العالم ما يأتي:
١- لا توجد فصلية واضحة للمطر في العروض الاستوائية، فالمطر يتوزع فيها على مدار السنة.
٢- إلى الشمال والجنوب من خط الاستواء بين خطي عرض ١٠، ١٥ تبدأ الفصلية في سقوط المطر في الظهور، وترتبط قيمة المطر بفصل الحرارة المرتفعة وبانتقال الجبهة المدارية إلى الشمال والجنوب مع حركة الشمس الظاهرية.
٣- في العروض المدارية بين خطي عرض٢٠ درجة، ٣٠ درجة شمالًا وجنوبًا نجد أن فصل المطر هو فصل الشتاء وهو فصل مرور الأعاصير
"شكل ٣٦"
стр. 77
٤- في العروض العليا ابتداء من خط عرض ٤٠ درجة ومتجها نحو القطب توجد عروض مطيرة طول العام، غير أن السواحل الغربية في هذه العروض تنال كمية من المطر في فصل الشتاء، أما داخل القارات وشرقها فينال كمية أكبر من المطر في فصل الصيف "انظر شكل ٣٦".
٥- قلب القارات مطره أكثر في فصل الصيف نتيجة لارتفاع حرارته وحدوث حركة تصعيد للهواء.
نظم المطر:
يمكن أن نجمل نظم المطر وتوزيعها على العالم فيما يلي١:
١- النظام الاستوائي:
ويسود على جانبي خط الاستواء بين خطي عرض ٥ درجة شمالًا وجنوبًا، وتبلغ كمية المطر السنوي في هذا النطاق حوالي ١٥٠ سم سنويًا وقد تصل إلى ٢٠٠ سم، وهناك بالطبع بعض اختلافات محلية نتيجة لتباين مظاهر السطح أو توزيع اليابس والماء فالمطر في حوض الكونغو أقل منه
"شكل ٣٧"
стр. 78
في جزر الهند الشرقية؛ وذلك لارتفاع السطح في جزر الهند الشرقية، ولأنها محاطة بالماء.
ويسقط المطر في الأقاليم الاستوائية طول العام، وليس هناك فصل جفاف، غير أن للمطر الاستوائي قمتان في الاعتدالين الربيعي والخريفي، وهاتان القمتان ترتبطان بحركة الشمس الظاهرية، وتمثل هذا النظام مدينة ليبرفيل في حوض الكنغو "شكل ٣٧".
وتأخذ قمتا المطر في الاقتراب من بعضها كلما بعدنا عن خط الاستواء؛ لذلك يمكن تمييز نظام شبه استوائي يظهر بين خطي عرض ٥، ٨ درجة شمالًا وجنوبًا، وفي هذا النظام تبدأ كمية المطر في القلة، وتبدأ قمة المطر في التركيز في فصل الصيف، وتمثل هذا النظام مدينة واو في جنوب السودان "شكل ٣٨".
٢- النظام السوداني:
وقمة المطر في هذا النظام توجد في فصل الصيف. بحيث يصبح فصل الشتاء فصل جاف. كذلك كمية المطر في هذا الإقليم أقل منها في الإقليم الاستوائي. وتظل كمية المطر في التدرج نحو القلة حتى نصل إلى الإقليم
стр. 79
الصحراوي الحار. ويمثل النظام السوداني مدينة ملكال في وسط السودان "شكل ٣٩".
"شكل ٣٩"
٢- النظام الصحراوي الحار:
ابتداء من خطي عرض ١٨ درجة شمالًا وجنوبًا يأخذ المطر في الندرة، ويظهر في النظام الصحراوي ويمتد حتى خطي عرض ٣٠ درجة شمالًا وجنوبًا خاصة في غرب ووسط القارات، ويلاحظ أن أطراف الإقليم الصحراوي المتاخمة للإقليم السوداني تنال أمطارها في فصل الصيف فتتبع في ذلك النظام السوداني. بينما الأطراف المتاخمة لإقليم البحر المتوسط تنال أمطارها في فصل الشتاء متأثرة في ذلك بالأعاصير التي تصيب إقليم البحر المتوسط في فصل الشتاء. ومن أمثلة الإقليم الصحراوي على أطراف الإقليم السوداني مدينة الخرطوم، ومن أمثلة الإقليم الصحراوي على أطراف إقليم البحر المتوسط مدينة القاهرة "شكل ٤١".
٤- النظام الموسمي:
سبق أن عرضنا النظام الموسمي للرياح وشرحنا كيف أن النظام الموسمي يخضع للفصلية الحادة؛ نتيجة لاختلاف درجة حرارة اليابس
стр. 80
"شكل ٤١"
والماء في فصل الصيف والشتاء وما يترتب على ذلك من اختلافات في الضغط الجوي، ومن المعروف أن الرياح الموسمية الشتوية الخارجة من اليابس لا تحمل مطرًا؛ لذلك يتميز فصل الشتاء في الإقليم الموسمي بالجفاف فيما عدا بعض أجزاء محدودة بسبب ظروف محلية خاصة، أما في فصل الصيف فتسقط أمطار غزيرة
стр. 81
تجلبها الرياح الموسمية الصيفية التي تهب من البحار محملة ببخار الماء، وقد سجلت أكبر كميات للمطر في العالم في الأقليم الموسمي في مدينة تشيرابونجي على السفوح الجنوبية لجبال هملايا، حيث تصل كمية المطر السنوي إلى حوالي ١٠٦٠ سم. ومن أمثلة النظام الموسمي مدينة بومباي في الهند "شكل ٤٢".
"شكل ٤٢"
٥- نظام البحر المتوسط:
يوجد هذا النظام بين خطي عرض ٣٠، ٤٠ درجة شمالًا وجنوبًا في غرب القارات، وكذلك في منطقة حوض البحر المتوسط، وفي فصل الصيف تسود في هذا الإقليم الظروف الصحراوية الجافة، أما في فصل الشتاء فيتعرض هذا الإقليم لمرور الانخفاضات الجوية التي تؤدي إلى سقوط مطر إعصاري، وتتراوح كمية المطر في هذا الإقليم بين ٥٠، ١٥٠سم، ويمثل هذا النظام مدينة الجزائر.
стр. 82
٦- النظام الصيني:
يظهر هذا النظام في شرق القارات في نفس عروض نظام البحر المتوسط، ويتميز هذا النظام بسقوط أمطاره طول العام، وإن كانت هناك قمة واضحة في فصل الصيف، ويساعد على زيادة المطر في فصل الصيف وجود النظام الموسمي في هذه الجهات، وكمية المطر في هذا الإقليم أكثر منها في إقليم البحر المتوسط، ويمثل هذا الإقليم مدينة شنغهاي "شكل ٤٣".
"شكل ٤٣"
٧- نظام غرب أوربا:
يوجد هذا النظام على السواحل الغربية للقارات بين خطي عرض ٤٠، ٦٠ درجة شمالًا، وجنوبًا، ويسقط المطر في هذا الإقليم طول العام، وإن كانت هناك قمة ملحوظة أثناء فصلي الشتاء والخريف بسبب ازدياد نشاط الأعاصير في هذين الفصلين، ويمثل هذا النظام مدينة فالنسيا في جنوب غرب جزيرة أيرلندة "شكل ٤٤".
٨- النظام اللورنسي:
ويسود هذا النظام في شرق القارات في عروض إقليم غرب أوربا، وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى حوض سنت لورنس بأمريكا الشمالية، ويسقط المطر في هذا الإقليم طول العام غير أن هناك قمة واضحة في فصل الصيف، ويمثل هذا النظام مدينة كويبك في كندا "شكل ٤٥".
стр. 83
٩- النظام القاري في العروض المعتدلة:
يوجد هذا النظام في الأجزاء الداخلية من العروض المعتدلة، والمطر في هذا الإقليم قليل إذ تسود به ظروف صحراوية أو شبه صحراوية، ومعظم الأمطار في هذا الإقليم تسقط في فصل الصيف
"شكل ٤٥"
стр. 84
عندما ترتفع الحرارة فوق اليابس وينخفض الضغط، وبذلك يسود نظام شبه موسمي، بينما في فصل الشتاء تتركز مناطق ضغط مرتفع فوق القارات فلا تسمح بوصول رياح رطبة إليها، وبذلك يسود الجفاف، ويمثل هذا النظام مدينة كييف عاصمة أوكرانيا في الاتحاد السوفيتي "شكل ٤٦".
"شكل ٤٦"
١٠- نظام التندرا:
ويسود هذا النظام في المناطق القطبية حيث تشتد البرودة طول العام، والمطر في هذا الإقليم نادر بسبب ارتفاع الضغط وشدة البرودة التي لا تساعد على أن تحمل الكتل الهوائية كمية كبيرة من بخار الماء، ويسقط معظم المطر في فصل الصيف القصير ولا تتعدى كمية المطر في هذا الإقليم ٢٥ سم في السنة، لذلك يطلق البعض على هذه الجهات اسم الصحراء الجليدية.
стр. 85
الفصل الرابع: الكتل الهوائية والجبهات Air Masses and Fronts
الكتلة الهوائية عبارة عن جزء كبير من الهواء المتجانس من ناحية حرارته ورطوبته، وتتكون الكتلة الهوائية إذا ظل الهواء لفترة طويلة فوق سطح متجانس يتميز بالمساحة الواسعة؛ وذلك حتى يكتسب الهواء صفات الإقليم، وتسمى هذه الأقاليم التي تتكون فيها الكتل الهوائية Source Regions، ومعظم مناطق تكون الكتل الهوائية توجد في مناطق الضغط المرتفع، حيث الهواء راكد وحركته الرأسية ضعيفة، ومن أمثلة ذلك سيبيريا وشمال كندا في فصل الشتاء، والصحراء الكبرى في فصل الصيف.
وبالطبع لا تظل الكتلة الهوائية في مكانها طول الوقت، وإنما تتحرك وتصيبها عادة تعديلات في صفاتها المناخية من ناحية الحرارة والرطوبة خاصة في أجزائها السفلى نتيجة لمرورها على سطوح تختلف صفاتها المناخية عن الكتلة الهوائية في مصادرها الأصلية، غير أن الكتل الهوائية تظل محتفظة بالكثير من صفاتها الأساسية التي اكتسبتها في أقاليم مصادرها الأصلية.
وعندما تتقابل كتلتان هوائيتان مختلفتان في حرارتهما ورطوبتهما، فإنهما لا تندمجان مع بعضهما بسهولة، وإنما يتكون حد فاصل بينهما حيث يبدأ الهواء الأكثر دفئًا في الصعود فوق الهواء الأبرد، وتسمى منطقة التقابل هذه بسطوح عدم الاستمرار Surfaces of Discontinuity أو بالجبهات FronrsK والجبهات ليست خطوطًا وإنما هي مناطق واسعة يتراوح عرضها عادة بين ٥٠، ٨٠ كيلو مترًا.
ولوجود الجبهات أثر كبير في الصفات المناخية للمنطقة التي تتأثر بها،
стр. 86
ولا تظل الجبهات في أماكنها وإنما تتحرك تبعًا لحركة الشمس الظاهرية، وعلى طول الجبهات تتكون اضطرابات جوية وتتولد الأعاصير التي يكون هواء الكتلة الدفيئة جزءًا منها بينما يكون هواء الكتلة الباردة الجزء الآخر، فإذا كان الهواء الدافئ أقوى فإنه يتحرك بسرعة ويصعد إلى أعلى وتسمى هذه بالجبهة الدفيئة Warm Front، أما إذا كان العكس وكان الهواء البارد هو الذي يدفع الهواء الدافئ إلى أعلى ويحل محله تسمى هذه بالجبهة الباردة Cold Front.
تقسيم الكتل الهوائية:
أي تصنيف للكتل الهوائية لا بد أن يبدأ باعتبار مصادرها الأصلية وتستخدم الحروف الأبجدية كرموز لتمييز الكتل الهوائية عن بعضها، فهناك تقسيم على أساس خطوط العرض سواء أكانت الكتلة الهوائية قطبية ويرمز لها بالحرف p أو مدارية ويرمز لها بالحرف T.
أما الدرجة الثانية من التقسيم فهي على أساس طبيعة المصدر سواء أكانت قادمة من اليابس ويرمز لها بالحرف c أو قادمة من فوق مسطحات مائية ويرمز لها بالحرف m.
وإذا كانت الكتلة الهوائية تتميز بالثبات أي أن انخفاض الحرارة بالارتفاع في أجزائها المختلفة أقل من المعدل العادي وكان احتمال سقوط المطر منها ضعيفًا يرمز لها بالحرف s، أما إذا كانت غير ثابتة فإنه يرمز لها بالحرف u.
وأخيرًا إذا كانت الكتلة الهوائية أبرد من السطح الذي تمر فوقه رمز لها بالحرف k أما إذا كانت أدفأ أضيف لها الحرف w ومجموع هذه الحروف يعطي الصفات العامة الأساسية للكتلة الهوائية فمثلًا إذا رمزنا لكتلة هوائية بأنها cp sk فمعنى هذا أن الكتلة الهوائية ذات أصل قطبي قاري أي أنها تأتي من العروض العليا ومن داخل القارات وإنها تتميز بالثبات، ولا يحتمل أن يصحبها سقوط مطر كما أن درجة حرارتها منخفضة عن السطوح التي تمر عليها.
أما إذا رمزنا لكتلة هوائية أخرى بأنها m Tuw فمعنى هذا أنها ذات أصل مداري بحري أي أنها تأتي من العروض المدارية وتتكون فوق مسطحات مائية
стр. 87
كما أنها غير ثابتة ويحتمل أن تصحبها أمطار، كذلك درجة حرارتها أدفأ من السطوح التي تمر عليها.
وبالإضافة إلى هذه الأقسام الرئيسية للكتل الهوائية يوجد قسمان آخران وإن كان توزيعهما في العالم قليل، وهما الكتل الهوائية القطبية ويرمز لها بالحرف A، والكتل الهوائية الاستوائية ويرمز لها١ بالحرف "E".
الجبهات الهوائية:
ذكرنا من قبل أن مناطق الجبهات الهوائية هي المناطق التي تتلاقى فيها كتل من الهواء متفاوتة في خصائصها، وعلى هذا نجد ثلاثة أنواع رئيسية لهذه الجبهات الهوائية:
١- الجبهة المدارية: وتتكون في العروض القريبة من خط الاستواء نتيجة لتلاقي الكتل الهوائية المدارية إلى الشمال من خط الاستواء والكتل الأخرى إلى الجنوب من خط الاستواء، وهذه الكتل الهوائية لا تختلف عن بعضها كثيرًا من ناحية درجات الحرارة؛ لذلك كانت الاضطرابات الجوية الناتجة عنها ضعيفة وآثارها المناخية محدودة.
٢- الجبهة القطبية ويرجع الفضل الأكبر في دراستها إلى عالم المناخ والمتيورلوجي النرويجي بيركنز Bjerknes الذي يعتبر أول من درس الظواهر الجوية في العروض المعتدلة على أساس ربطها بالكتل الهوائية والجبهات، وتبدو الجبهة القطبية كمجموعة من الجبهات يتكون بعضها فوق اليابس وبعضها الآخر فوق الماء، وتتفاوت الكتل الهوائية التي تلتقي في هذه العروض من ناحية حرارتها ورطوبتها فبعضها قدام من العروض المدارية وتكون حرارته مرتفعة ورطوبته عالية وبعضها الآخر قادم من ناحية القطبين أكثر برودة وأقل رطوبة، ويؤدي تقابل هذه الكتل المختلفة إلى حدوث اضطرابات جوية عنيفة تطغى آثارها على الصفات المناخية للعروض التي تتأثر بها.
стр. 88
٣- الجبهة المتجمدة وتوجد في العروض العليا بالقرب من الدائرتين القطبيتين وهنا تلتقي الكتل الهوائية القادمة من القطبين مع الكتل الهوائية القادمة من العروض الوسطى "٣٠ ْ- ٤٠ ْ"، وتتميز هذه الجبهة بأن نشاطها ضعيف.
ويلاحظ أن هذه الجبهات الثلاثة تتحرك نحو الشمال والجنوب مع حركة الشمس الظاهرية نحو الشمال في يولية ونحو الجنوب في يناير، وإذا قارنا بين توزيع الكتل الهوائية والجبهات في فصل الشتاء وفي فصل الصيف نلاحظ ما يلي:-
أ- أن الجبهة المدارية تكون إلى شمال خط الاستواء بقليل في فصل الصيف الشمالي وإلى الجنوب منه في فصل الصيف الجنوبي، ومعظم هذه الجبهة يتكون فوق الماء، وعادة نجد أن الرياح على طول هذه الجبهة أقل حرارة من الجهات التي تهب عليها.
ب - الجبهات القطبية في شهر يوليو في نصف الكرة الشمالي تتقابل عندها كتل هوائية متفاوتة في حرارتها ورطوبتها، وتتمثل في الكتل القطبية القارية على اليابس cp والبحرية على الماء mp وفي الكتل المدارية البحرية القادمة من الجنوب mT.
جـ- تتحرك الجبهات القطبية في نصف الكرة الشمالي نحو الجنوب في يناير بحيث يتأثر بها حوض البحر المتوسط، وجزء كبير من المحيط الأطلسي ممتدًا من جزر آزور حتى خليج المكسيك، كذلك جزء من المحيط الهادي ممتدًا من جزر الهند الشرقية نحو الشرق؛ لذلك تتعرض هذه المناطق في فصل الشتاء لمرور الأعاصير التي تتجه من الغرب إلى الشرق على طول هذه الجبهة وتسبب سقوط الأمطار الشتوية التي تتميز بها هذه العروض.
د- الجبهة المتجمدة في نصف الكرة الشمالي يصل أثرها في يناير إلى جزيرة سبتزبرجن وجزيرة نوفيا زمليا فقط، أما في يولية فإن أثرها يمتد إلى جزيرة جرينلند وبعض أجزاء من أوراسيا وأمريكا الشمالية.
стр. 89
هـ- الجبهة القطبية في نصف الكرة الجنوبي سواء في الصيف أو في الشتاء تتميز بأنها منطقة التقاء كتل هوائية بحرية؛ وذلك بسبب سيادة الماء في هذه العروض وقلة المساحات اليابسة التي لا تصلح كمصادر لتكوين كتل هوائية قارية.
الظواهر المناخية المرتبطة بالجبهات الهوائية:
بعد أن عرضنا عرضًا سريعًا للكتل الهوائية والجبهات يحسن أن ندرس بعض الظواهر الجوية التي ترتبط بوجود الكتل الهوائية والجبهات. ولعل أهم هذه الظواهر مرور الانخفاضات الجوية أو ما يسمى بالأعاصير, وتكثر الأعاصير على وجه الخصوص في منطقة هبوب الرياح الغربية ويصحب مرور الأعاصير أو الانخفاضات الجوية مرور ارتفاعات جوية أو أضداد الأعاصير Anti-Cyclones.
الأعاصير وأضداد الأعاصير:
تظهر الأعاصير في خرائط الطقس اليومية على هيئة دوائر مغلقة، وتسود الأعاصير خاصة بين خطي عرض ٣٥ ْ، ٦٥ ْ شمالًا وجنوبًا وبما أن الأعاصير وأضداد الأعاصير توجد في منطقة الرياح الغربية فإنها تتحرك من الغرب إلى الشرق مع اتجاه هذه الرياح، وفي حالة الإعصار يكون أقل أجزائه ضغطًا في المركز ثم يأخذ الضغط في الارتفاع نحو الأطراف، ويكون الاختلاف في الضغط بين المركز والأطراف حوالي بوصة, أما في حالة ضد الإعصار فإن المركز هو أكثر أجزائه ضغطًا ثم يقل الضغط نحو الأطراف ويكون الاختلاف بين المركز والأطراف حوالي نصف بوصة في المتوسط.
حجم الإعصار وضد الإعصار:
توجد أحجام مختلفة للإعصار ولكنها عادة تغطي مساحة كبيرة تبلغ مثلًا ثلث مساحة الولايات المتحدة الأمريكية أو الحوض الشرقي للبحر المتوسط أو بمعنى آخر حوالي ٢ مليون كيلو متر مربع.
اتجاه الإعصار وحركته:
ذكرنا سابقًا أن الإعصار وضد الإعصار يتحركان عادة من الغرب إلى الشرق، غير أنه توجد بعض الأعاصير التي لا تتجه دائمًا من الغرب إلى الشرق كما أن الإعصار قد يتخذ طريقًا يختلف قليلًَا عن الطريق الذي تتخذه الأعاصير الأخرى، ومن ناحية سرعة حركة الإعصار نجد أنه في
стр. 90
"شكل٤٧"
الولايات المتحدة يتحرك الإعصار بسرعة حوالي ٣٠ كيلو مترًا في الساعة أثناء فصل الصيف وحوالي ٤٥ كيلو مترًا في الساعة أثناء فصل الشتاء، أما ضد الإعصار فهو أقل سرعة من الإعصار, وعلى هذا الأساس نجد أن الإعصار قد يستغرق يومين أو ثلاثة لعبور الولايات المتحدة من الساحل الغربي إلى الساحل الشرقي، كما أن الأعاصير التي تمر في شمال مصر تستغرق يومًا أو يومًا ونصف من حدود مصر الغربية إلى حدودها الشرقية.
وكما هو الحال بالنسبة لمناطق الضغط والرياح من حيث إنها تتحرك نحو الشمال والجنوب مع حركة الشمس الظاهرية. فإن الأعاصير وأضداد الأعاصير تتحرك أيضًا نحو الشمال والجنوب من فصل لآخر، وقد عرفنا في فصل سابق أن إقليم البحر المتوسط يتعرض لأعاصير الرياح الغربية العكسية في فصل الشتاء فقط عندما تتحرك مناطق الضغط والرياح ويقع الإقليم في طريق الأعاصير التي تتحرك من الغرب إلى الشرق في منطقة نفوذ الرياح الغربية العكسية، أما في فصل
стр. 91
الصيف فإن إقليم البحر المتوسط يظل بعيدًا عن مناطق نفوذ الأعاصير فتسود به ظروف صحراوية جافة.
تكون الإعصار وتاريخ حياته:
يبدأ تكون الإعصار بتغلب الهواء الدافئ على الهواء البارد على طول جبهة يطلق عليها الجبهة الدفيئة. وباستمرار هذا التغلب يبدأ الإعصار في النمو والقوة، وفي الجزء الجنوبي والجنوبي الشرقي من الإعصار يوجد هواء دافئ قادم من المناطق المدارية ومتجه نحو المناطق القطبية، وفي الناحية الغربية والشمالية الغربية من الإعصار يوجد هواء بارد جاف ذو أصل قطبي، ودورة الهواء في الإعصار تسمح بأن ينزلق الهواء الدافئ فوق الهواء البارد في جزء من الإعصار وذلك على طول الجبهة الدفيئة، وفي جزء آخر يتقدم الهواء البارد نحو الجنوب فيدفع الهواء الدافئ إلى أعلى ويحل محله ويسمى هذا الجزء بالجبهة الباردة، ويظل تقدم الجبهة الباردة نحو الجبهة الدفيئة حتى تلتقي الجبهتان أخيرًا ويتمكن الهواء البارد من التغلب واقتطاع الجزء الدافئ من الهواء ورفعه إلى أعلى ويقضي على الإعصار أو يتم امتلاؤه ويسمى هذا Occlusion "شكل ٤٨".
ولا تتصف الأعاصير بعنف الرياح فيها إلا نادرًا. ومن المعروف أن سقوط الأمطار يصحب مرور الأعاصير بينما تكون السماء صافية والجو ميال للبرودة أثناء مرور ضد الإعصار؛ ذلك لأن الهواء في الإعصار يكون صاعدًا بينما في ضد الإعصار يكون هابطًا.
صفات المطر المصاحب للإعصار:
يمكن تمييز ثلاثة أجزاء في الإعصار بها مطر:
١- مطر الجبهة الدفيئة إلى الشمال والشمال الشرقي والشرق من مركز الإعصار حيث يتقابل الهواء الدافئ الرطب القادم من الجنوب مع الهواء البارد الجاف القادم من ناحية القطب "هذه الاتجاهات بالنسبة لنصف الكرة الشمالي" لذلك يصعد الهواء بسهولة فوق الهواء البارد كما لو كان الهواء البارد سلسلة جبلية
стр. 92
"شكل ٤٨"
стр. 93
وتحدث عملية تبريد للهواء الدافئ ويبدأ تكون السحب وسقوط المطر أو الثلج ويتميز مطر الجبهة الدفيئة بأنه خفيف أو متوسط ولكنه يستمر فترة طويلة قد تصل إلى حوالي ٢٤ ساعة دون انقطاع، ولذلك يكون هذا المطر مفيدًا للنباتات.
٢- مطر الجبهة الباردة إلى الجنوب والجنوب الغربي من مركز الإعصار حيث يوجد أيضًا نطاق يضطر الهواء فيه إلى الصعود إلى أعلى، وهنا تندفع التيارات الهوائية الباردة القادمة من الغرب والشمال الغربي وتدفع الهواء الدافئ الذي يوجد أمامها إلى أعلى وتحل محله، وعلى طول الجبهة الباردة تكون الرياح عنيفة والمطر عادة غزيرًا ولكنه يستمر لفترة قصيرة.
٣- هناك مطر يسقط في الجزء الدافئ من الإعصار ولكنه لا يرتبط بحركة انزلاق الهواء الدافئ فوق الهواء البارد على طول الجبهة الدفيئة، وإنما هو عبارة عن حركة تصعيد للهواء الدافئ في الجزء الشرقي والجنوب الشرقي من الإعصار، وتتكون في هذا الجزء السحب من النوع الركامي والمزن الركامي ويصحب سقوط الأمطار رعد وبرق.
درجات الحرارة أثناء مرور الإعصار:
في الجزء الجنوبي والجنوبي الشرقي من الإعصار توجد الكتل الهوائية الدفيئة وعلى ذلك يبدأ الإعصار بارتفاع درجات الحرارة أثناء مرور هذا الجزء من الإعصار، ثم تسود درجات حرارة عادية أثناء مرور الجزء الأوسط من الإعصار، ثم تنخفض درجات الحرارة فجأة عند وصول الجبهة الباردة في مؤخرة الإعصار "شكل ٤٩" ويساعد انخفاض درجات الحرارة اشتداد سرعة الرياح في هذا الجزء الخلفي من الإعصار.
درجات الحرارة أثناء مرور ضد الإعصار:
من الطبيعي أن نتوقع مثلًا أن ضد إعصار شتوي قوي قادم من أوربا أو شمال غرب آسيا ومتجه نحو الجنوب حتى يصل إلى منطقة البحر المتوسط سوف يأتي معه بدرجات حرارة منخفضة هي المسئولة عن موجات البرد التي نشعر بها في مصر في بعض أوقات فصل الشتاء، أما إذا كان الهواء الشمالي قادمًا من منطقة المحيط الأطلسي فإن برودته تكون أقل، ويساعد على انخفاض درجات الحرارة أثناء مرور ضد الإعصار أن السماء تكون صافية وهذا يساعد على زيادة الإشعاع الأرضي أثناء ليل الشتاء الطويل.
стр. 94
"شكل ٤٩"
стр. 95
الفصل الخامس: التصنيفات المناخية
بعد أن استعرضنا في الفصول السابقة عناصر المناخ المختلفة، لا بد أن نصل إلى وسيلة تجمع هذه العناصر المختلفة بحيث تخدم بها دراسة أجزاء سطح الأرض ونلاحظ أنه لا يوجد جزءان على سطح الأرض يتصفان بصفات مناخية واحدة غير أنه لا بد من التجميع بحيث نضع الأجزاء المتشابهة مناخيًّا في إقليم مناخي واحد، وبذلك نستطيع إعطاء صفات عامة للإقليم كوحدة. والفرع الذي يعالج هذه الناحية يسمى دراسة التصنيفات المناخية Climatic Classifications.
وتعتبر دراسة التصنيفات المناخية من أهم نواحي الدراسات الجغرافية، إذ المعروف أن الهدف النهائي في علم الجغرافيا هو الوصول إلى تقسيم سطح الأرض إلى أقاليم جغرافية متميزة والتعرف على الصفات الطبيعية والبشرية لكل إقليم وهي الصفات التي تميز ذلك الإقليم عن غيره من الأقاليم، لذلك كانت التصنيفات المناخية ذات أهمية كبيرة في هذا المجال؛ لأنها تسهم في تحديد الإقليم الجغرافي في ناحية من نواحيه، ونقصد بذلك صفات الإقليم المناخية.
وربما كان أعم تقسيم مناخي هو ذلك الذي قدمه لنا الإغريق القدماء الذين قسموا الكرة الأرضية إلى ثلاثة نطاقات حرارية عظمى، ففي العروض المدارية يوجد الإقليم عديم الشتاء حيث درجات الحرارة مرتفعة طول العام، وفي العروض العليا يوجد الإقليم عديم الصيف حيث درجات الحرارة منخفضة طول العام، وفيما بين هذا وذاك يوجد إقليم واسع تتضح فيه الفروق المناخية بين فصل وآخر ذلك هو الإقليم المعتدل، وواضح من هذا التقسيم العام أن الأساس فيه هو عامل الحرارة فقط دون اعتبار لعناصر المناخ الأخرى. كذلك قدم بعض الجغرافيين العرب تقسيمات مناخية للعالم شبيهة بتقسيم الإغريق اعتمدوا فيها على اختلافات الحرارة تبعًا لخطوط العرض.
стр. 96
وفي العصر الحديث ظهر عدد كبير من التصنيفات المناخية من أهمها تصنيف سوبان Supan، وتصنيف كبن Koppen، تصنيف أوستن ملر Austin Miller، وتصنيف ثور نثويت Thornthwaite ثم تصنيف بيلي Bailey.
ويعتبر تصنيف كبن أهم هذه التصنيفات وأكثرها ذيوعًا، وهو يستخدم في معظم دول العالم، وقد طبق على جهات عديدة بواسطة المهتمين بالدراسات المناخية في تلك الجهات لذلك سنفرد له الدراسة التالية:
تصنيف كبن:
كان هدف كبن أن يقدم تصنيفًا مناخيًّا يعتمد على أسس إحصائية بحيث يستطيع أي شخص استخدامه، كما حاول أن يجعل حدود أقاليمه المناخية تتمشى مع حدود الأقاليم النباتية؛ لأنه كان يؤمن بالارتباط الوثيق بين الظروف المناخية وتوزيع النباتات.
وقد ظهر أول تصنيف لكبن سنة ١٩٠٠، وقد استخدم فيه المتوسطات الشهرية والسنوية للحرارة والمطر.
وقد قام كبن بتعديل تصنيفه عدة مرات في السنوات ١٩١٨، ١٩٢٣، ١٩٢٨، ١٩٣١، وأخيرًا ظهر التصنيف في ثوبه الأخير سنة ١٩٣٦ في كتابه Hanbuch der Klimatologie.
ويشمل تصنيف كبن خمسة أقاليم رئيسية أعطاها رموزًا مستخدمًا الحروف الأبجدية، وقسم الأقاليم الرئيسية إلى أقاليم فرعية على درجتين مستخدمًا في تقسيم الدرجة الأولى فصلية المطر، وفي تقسيم الدرجة الثانية فصلية الحرارة، وفي تمييز المناخ الجاف عن المناخات الأخرى استخدم كبن معادلة تجمع بين الحرارة والمطر حسب موسم سقوط الأمطار؛ ذلك لأن كبن كان يعتقد أن فاعلية المطر تتأثر بدرجات الحرارة السائدة وبموسم سقوط الأمطار.
أقاليم كبن الرئيسية:
يعتمد التمييز بينها على متوسط حرارة أبرد شهور السنة، والحروف هي: A,B,C,D,E.
стр. 97
الإقليم A به أبرد شهور السنة, حرارته أعلى من ١٨ ْم "٦٤.٤ ْف"
الإقليم C به أبرد شهور السنة, حرارته بين - ٣ ْم، ١٨ ْم "٢٦.٦ ْف، ٦٤.٤ ْف".
الإقليم D به أبرد شهور السنة, حرارته أقل من- ٣ ْم، ولكن أدفأ شهور السنة فوق ١٠ ْم "٥٠ ْف".
الإقليم E به أدفأ شهور السنة, حرارته أقل من ١٠ ْم.
أما الإقليم B وهو الجاف فيميز عن الأقاليم الأخرى بواسطة معادلة، وقد قسم كبن المناخ الجاف إلى قسمين BS وهو مناخ الإستبس، BW وهو مناخ الصحراء "انظر توزيع كبن في العالم شكل١٠٠".
وفيما يلي المعادلات التي استخدمها كبن لتمييز المناخ الجاف عن المناخات المطيرة "درجات الحرارة بالفهرنهيت وكمية المطر بالبوصة".
فصل المطر الحد بين BS والمناخ المطير الحد بين BW,BS
إذا كان المكان مطره صيفي
إذا كان المكان مطره شتوي
إذا كان المكان مطره طول العام
حيث م هي كمية المطر السنوي عند منطقة الحد بين الإقليمين، ح هي متوسط الحرارة السنوي في المكان.
стр. 98
كذلك قسم كبن الإقليم E إلى قسمين: ET وبه تكون درجة الحرارة في أدفأ شهور السنة فوق الصفر المئوي "٣٢ ْف"، EF وبه تكون درجة الحرارة في أدفأ شهور السنة تحت الصفر المئوي.
التقسيم من الدرجة الثانية: قسم كبن هذه الأقاليم الرئيسية بواسطة حروف أبجدية صغيرة على أساس نظام المطر، فإذا كان المطر موزعًا على مدار السنة فإنه يضاف حرف f , وإذا كان فصل الجفاف في الشتاء يضاف حرف w، وإذا كان فصل الجفاف في الصيف يضاف حرف S، وحالة الجفاف هذه يقصد بها أن أقل من ٣٠% من كمية المطر السنوي تسقط في ذلك الفصل حتى يعتبر جافًّا، وقد قسم كبن السنة إلى قسمين فصل صيف يمتد من مايو إلى أكتوبر وشتاء من نوفمبر إلى إبريل.
وفي حالة الإقليم المداري A يشترط لإضافة الحرف f أن تكون كمية المطر في أي شهر من شهور السنة أكثر من ٢.٤ بوصة، ومن أقسام الإقليم المداري النوع الذي نطلق عليه النظام الموسمي ويستعمل له كبن الحرف m، وفيه يوجد فصل جفاف في الشتاء ولكن أمطار الصيف تكون من الغزارة بحيث تعوض جفاف الشتاء ويمكن التعرف على المناخ الموسمي طبقًا لهذه المعادلة:
فإذا كان ناتج المعادلة أكثر من كمية المطر في أجف شهور السنة اعتبر المناخ موسميًّا وإلا فهو من نوع السفانا Aw "شكل١٠٠".
التقسيم من الدرجة الثالثة: استخدم كبن حروفًا صغيرة لتمييز الأقاليم المناخية تبعًا لحرارة فصل الصيف، فيضاف حرف a إذا كان متوسط حرارة أدفأ الشهور فوق ٢٢ ْم "٧١.٦ ْف" ويضاف حرف b إذا كان متوسط حرارة أدفأ الشهور بين٢٢ ْم،١٠ ْم "٧١.٦ ْف، ٥٠ ْف" ويضاف حرف c
стр. 99
إذا كانت حرارة أدفأ الشهور أقل من ١٠ ْم، أما إذا كانت حرارة أبرد الشهور أقل من--٣٨ ْم "--٣٦.٤ ْف" فإننا نضيف حرف d.
أما في حالة المناخ الجاف B فقد استخدم كبن متوسط الحرارة السنوي لتمييز أقسامه من ناحية الحرارة. فإذا كان المتوسط السنوي للحرارة فوق ١٨ ْم أضيف الحرف h، وإذا كان أقل أضيف الحرف k، وإذا كان متوسط الحرارة في أدفأ الشهور أقل من ١٨ ْم أضيف الحرف k.
إضافات أخرى:
إذا كان المدى الحراري السنوي أقل من ٥ ْم "٩ ْف" أضيف حرف i. وإذا كانت قمة الحرارة تأتي قبل ميعاد الانقلاب الصيفي أضيف الحرف g. كذلك يضاف حرف n إذا كان الإقليم يتميز بكثرة الضباب. ولم يحاول كبن تصنيف مناخ الجبال المرتفعة لذلك يرمز لها في خرائطه عادة بالحرف١ H.
стр. 100
الفصل السادس: المناخ التفصيلي
مقدمة:
من المعروف أن معظم الدراسات التي تطالعنا في كتب المناخ تعتمد على إحصاءات مناخية مأخوذة من سجلات المراصد التي توضع أجهزتها في أكشاك تعلو عن سطح الأرض بمسافة مترين. وهذا الارتفاع موحد عالميًّا، لذلك فإن هذه الأرصاد تتم بعيدًا عن المستوى الذي يتأثر بالعوامل المحلية التفصيلية، ولما كانت الأحوال الجوية والمناخية في النطاق المحدود الذي يوجد من سطح التربة حتى ارتفاع المترين لها أهمية كبيرة من الناحيتين النظرية والعملية، فإن دراسة المناخ التفصيلي microclimatology تعتبر من أهم فروع علم المناخ. فسطح التربة هو الذي يمثل المصدر الذي يعطي الهواء حرارته ورطوبته حيث إن أشعة الشمس تخترق الهواء دون أن يمتص منها شيئًا يذكر والغالبية تصل إلى سطح الأرض فتسخنه ويقوم هو بتسخين طبقات الهواء التي تعلوه مبتدئًا بطبقة الهواء التي تلامس التربة مباشرة، وهذه الطبقة من الهواء هي موضوع دراسة المناخ التفصيلي. كذلك يؤثر شكل سطح الأرض على حركة الهواء من حيث اتجاهه وسرعته.
أما من الناحية العملية فإن طبقة الهواء القريبة من سطح الأرض هي التي تؤثر في النباتات، ذلك لأن معظم النباتات تنمو قريبة من سطح الأرض وتحت ارتفاع المترين ولذلك يهتم الزراع بأحوال المناخ على النطاق التفصيلي micro وليس على النطاق الإقليمي الواسع macro كذلك يهتم هذا الفرع من علم المناخ إلى جانب هذا بدراسة مناخ المدن أو أجزاء منها والمزارع والغابات١.
стр. 101
وللأسف نجد أن معظم الدراسات التي تتعلق بهذا الفرع قد عملت في العروض المعتدلة خاصة في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية بعيدًا عن العروض المدارية والقطبية التي ما زالت تنتظر الدراسة التفصيلية:
الحرارة:
تعتبر الحرارة من أهم العوامل التي تؤثر في نمو النباتات، لذلك فإنها تأتي في مقدمة عناصر المناخ التي يهتم بها في الدراسة التفصيلية. وإذا نظرنا إلى هذا العنصر نجد أولًا أنه في طبقات الهواء القريبة من سطح الأرض تنتقل الحرارة من أسفل إلى أعلى ببطء شديد إذا ما قورنت بانتقالها بين طبقات الهواء في الارتفاعات التي فوق ذلك.
والسبب في هذا هو أن المظاهر الطبوغرافية لا تتيح الحركة الحرة للهواء إلى أعلى. وعندما لا يتحرك الهواء نفسه من أسفل إلى أعلى، فإن انتقال الحرارة يتم عن طريق التوصيل Conduction فقط. ومن المعروف أن انتقال الحرارة من طبقة من الهواء إلى طبقة أخرى بواسطة حركة الهواء إلى أعلى تعادل ١٠ ْ من قوة انتقال الحرارة بين طبقات الهواء عن طريق التوصيل.
فإذا نظرنا إلى تناقص الحرارة بالارتفاع في القدم أو القدمين من الهواء اللذان يعلوان سطح الأرض مباشرة نجدها نتيجة لذلك تنخفض بسرعة كبيرة في هذا الحيز.
وقد أجريت تجربة في مدينة رفرسايد Riverside بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية على طريق أسفلت بعد ظهر أحد الأيام فوجد أن حرارة الأسفلت نفسه مرتفعة بمقدار ١٨ ْف عن درجة حرارة الهواء على ارتفاع قدم واحد من سطح الأسفلت "انظر شكل ٥٠"، ومن الممكن أن توجد مثل هذه الحالة في أي مكان آخر، ولكن بمعدل تناقص للحرارة Lapse rate أقل من هذا، وذلك عندما يكون سطح الأرض مكونًا من تربة بها بعض الرطوبة؛ ذلك لأن جزءًا من أشعة الشمس التي تصل إلى سطح التربة يستنفذ في تبخير الماء الموجود في التربة.
كذلك تعتمد حرارة الجزء الأسفل من الغلاف الغازي القريب من سطح الأرض على مدى قدرة التربة على توصيل الحرارة إلى الهواء وهو ما يعبر عنه باصطلاح Heat conductivity ١, فإذا كانت هذه القدرة قليلة فإن سطح التربة يصبح شديد
стр. 102
الحرارة؛ لأنه يحتفظ بأشعة الشمس المرسلة إليه أو بمعظمها والعكس صحيح، وفي حالة انخفاض قدرة التربة على توصيل الحرارة إلى طبقة الهواء التي تعلوها، فإن جزءًا كبيرًا من حرارة التربة يتجه إلى أسفل متغلغلًا إلى باطن التربة فيقوم بتسخين التربة السفلى Subsoil أما في حالة سطح الماء فإن حرارة السطح لا ترتفع كثيرًا لأن نفاذ الحرارة إلى الطبقات السفلى يتم بدرجة أسرع، ولأن جزءًا من الحرارة يستنفذ في عملية تبخير الماء.
"شكل ٥٠"
وقد أجرى الأستاذ جيجر دراسة لمكان قريب من مدينة ميونيخ بألمانيا لحصر عدد الأيام التي تزيد حرارتها عن ٧٧ ْف "٢٥ ْم" على ارتفاعات مختلفة من سطح الأرض وتوصل إلى النتائج التالية في الجدول:
стр. 103
أما أثناء الليل فإن أقل درجات حرارة تحدث أيضًا عند سطح الأرض مباشرة حيث إن فقدان الحرارة بالإشعاع يبلغ أقصاه من سطح الأرض، ومن المعروف أن سطح الأرض يفقد حرارته بالإشعاع أسرع من فقدان الهواء لها؛ لذلك نجد هناك انقلابًا في التوزيع العمودي للحرارة Temperature inversion في طبقات الهواء القريبة من سطح الأرض خاصة في الليالي التي لا توجد بها سحب والتي تتميز بعدم حركة الهواء؛ لأن ذلك يساعد على سرعة فقدان الحرارة من سطح الأرض١. وحيث إن قدرة الهواء على توصيل الحرارة أقل من قدرة التربة فإن التربة المسامية أقل قدرة على توصيل الحرارة من التربة الصماء أو ضيقة المسام، كما أن الأرض المحروثة أقل قدرة على توصيل الحرارة من الأرض غير المحروثة، كذلك الأرض المغطاة بالقش أو الحشائش الجافة أقل قدرة على توصيل الحرارة من الأرض العارية وذلك بسبب وجود الهواء بين عيدان القش وبعضها أو بينها وبين التربة. لذلك يحدث الصقيع في أغلب الأحيان في المناطق المغطاة بالقش ولذلك يجب التخلص من الحشائش الجافة التي تغطي التربة في المناطق المعرضة لحدوث الصقيع.
الرطوبة: كما هو الحال بالنسبة للحرارة فإننا نجد رطوبة الهواء تبدي تغيرًا سريعًا في الاتجاه العمودي من سطح الأرض وخلال الطبقة المحدودة من الهواء القريبة من السطح. ولكي نتفهم توزيع الرطوبة في الجزء الأسفل من الغلاف الغازي لا بد أن نناقش أولًا الرطوبة المطلقة absolute humidity ذلك لأن دراسة هذا العنصر تتيح التعرف على الضوابط الطبيعية التي تؤثر على توزيع الرطوبة في الهواء. ولما كان مصدر رطوبة الهواء هو سطح الأرض فإن أعلى نسبة للرطوبة تكون عند سطح الأرض مباشرة والاستثناء لهذا يوجد في حالتين: الأولى عندما تكون هناك عملية تصعيد قوية للهواء المحمل ببخار الماء إلى الطبقات العليا والثانية عندما يحدث تكاثف في طبقة من الهواء تعلو بعض الشيء عن سطح الأرض.
أما التغير اليومي للرطوبة المطلقة فإنه يحكم بواسطة الضوابط الطبيعية السابق ذكرها, فالحد الأدنى للرطوبة المطلقة عند سطح الأرض يحدث في الساعات المبكرة من النهار
стр. 104
عندما تكون الحرارة منخفضة، وكلما ارتفعت درجات الحرارة ترتفع كمية الرطوبة في الهواء بسرعة حتى تصل إلى نهايتها العظمى قبل الظهر ثم تبدأ الرطوبة المطلقة في القلة مرة أخرى لسببين أولهما أن سطح الأرض يصير جافًّا نسبيًّا بعد أن استمر التبخر منه لساعات طويلة من شروق الشمس حتى الظهر, وثانيهما أن انتقال بخار الماء من طبقة الهواء القريبة من سطح الأرض إلى الطبقات العليا تتم بسرعة كبيرة في ساعة الظهيرة ولذلك تقل كمية بخار الماء في الهواء القريب من سطح الأرض في الوقت الذي ترتفع فيه الحرارة إلى حدها الأقصى، ويبدو هذا الحد الأدنى للرطوبة المطلقة أكثر وضوحًا في المناطق الصحراوية الجافة. أما في ساعات المساء فتبدأ الرطوبة المطلقة في الارتفاع مرة أخرى.
أما عن الرطوبة النسبية Relative humidity فإنها تقل كلما ارتفعنا عن سطح الأرض رغم أن درجة الرطوبة النسبية لا تتوقف على كمية بخار الماء في الهواء فقط، وإنما تتوقف في المقام الأول على درجات الحرارة. وقد لوحظ اختلاف يصل إلى ٤٠% في درجة الرطوبة النسبية بين الهواء على ارتفاع ٥ سم من سطح الأرض والهواء على ارتفاع ٢٠٠ سم من سطح الأرض. ويمكن القول بصفة عامة أن معدل تناقص الرطوبة النسبية بالارتفاع أكثر وضوحًا أثناء الليل عنه أثناء النهار، ففي أثناء الليل تنخفض حرارة الهواء الملامس لسطح الأرض عن حرارة الهواء الذي يعلوه بدرجة واضحة كذلك تقل كمية بخار الماء في الهواء كلما ارتفعنا لذلك تنخفض الرطوبة النسبية بالارتفاع. أما خلال النهار فإن الحرارة تكون مرتفعة بالقرب من سطح الأرض وتقل بسرعة بالارتفاع -كما ذكرنا من قبل- لذلك فإن الرطوبة النسبية بالقرب من سطح الأرض لا تعلو كثيرًا عنها في طبقات الهواء الأكثر ارتفاعًا. ومهما كانت كمية بخار الماء كبيرة في الهواء القريب من سطح الأرض فإن ارتفاع الحرارة ارتفاعًا شديدًا يجعل الرطوبة النسبية منخفضة١.
الرياح: تتغير الرياح أيضًا في اتجاهاتها وسرعتها بالقرب من سطح الأرض
стр. 105
فتختلف بذلك عن الرياح في طبقات الهواء الأعلى. فبالقرب من سطح الأرض تكون الرياح بطيئة للغاية وذلك بسبب تأثير عوائق السطح Surface friction، ثم تزداد سرعة الرياح كلما ارتفعنا لأن عوائق السطح تقل أو ينعدم تأثيرها على الرياح١.
ومن الجدول التالي يتضح أن عدد المرات التي سجلت فيها حالات ركود في الهواء تزيد في النطاق القريب من سطح إذا قورن بالنطاقات التي تعلوه:
ونلاحظ أن حالات ركود الهواء تزداد بصفة خاصة في الساعات المتأخرة من المساء، ويقل عدد حالات الركود كلما ارتفعنا إلا في حالات نادرة، ومن الملاحظ أيضًا أن سرعة الرياح تزداد أثناء النهار عنها أثناء الليل.
وبعد مناقشة أهم عناصر المناخ في الحيز الصغير من الغلاف الغازي القريب من سطح الأرض نفرد جزءًا لتوضيح أهم عناصر البيئة الطبيعية التي تؤثر على الأحوال المناخية التفصيلية.
تأثير مظاهر السطح على المناخ التفصيلي:
من المعروف أن مظاهر السطح تؤثر في الأحوال المناخية العامة على المقياس الكبير، كذلك نلاحظ أن مظاهر السطح
стр. 106
تؤثر على الأحوال الجوية والمناخية في الحيز الصغير من الغلاف الغازي الذي نحن بصدده.
ومن أهم مظاهر تأثير التضاريس على المناخ التفصيلي ظاهرة انحدار الهواء البارد إلى الأجزاء المنخفضة من سطح الأرض أثناء الليل، ويحدث هذا حتى بالنسبة للحفر الصغيرة. وقد قام الأستاذان مدلتون وميلار١ بقياس درجات الحرارة في أحد الشوارع الرئيسية في مدينة تورنتو Toronto في كندا وهو شارع يونج Yonge الذي يشق المدينة من بحيرة أنتاريو Ontario حتى الطرف الشمالي للمدينة وذلك في يوم ٢٢ فبراير سنة ١٩٣٦، وقد أجريت التجربة بواسطة ترمومتر ثُبِّت في سيارة على ارتفاع ٢٧ بوصة من سطح الأرض. وقد بدئ في قياس درجات الحرارة على طول الطريق بعد منتصف الليل بست دقائق واستغرق القياس أربعين دقيقة في الاتجاهين من وإلى البحيرة، وكان الطرق مموجًا أي به ارتفاعات وانخفاضات. وقد تميز ذلك المساء الذي أجريت فيه التجربة بخلو السماء من السحب. وقد اتضح من القياس "شكل ٥١" أن درجات الحرارة تنخفض انخفاضًا واضحًا في الأجزاء المنخفضة من الطريق وبدرجة أقل من الأجزاء المنخفضة القريبة من البحيرة بسبب تأثير نسيم البحيرة على رفع درجات الحرارة بعض الشيء. وأهم ما يلاحظ هو الانخفاض الكبير لدرجات الحرارة عند الميل السابع من الطريق. وهذا التباين الواضح في درجات الحرارة بين قيعان الأودية والأجزاء المرتفعة يحدث بوجه خاص في الليالي الصحوة الهادئة الهواء, ففي مثل تلك الليالي يبرد سطح الأرض بسرعة بفعل الإشعاع وتنخفض درجة حرارة الهواء القريب من سطح الأرض فيبدأ هذا الهواء البارد الثقيل في الانزلاق إلى بطون الأودية والأجزاء المنخفضة من سطح الأرض حيث يتجمع فيها. ويشبه انحدار الهواء إلى أسفل انحدار الماء من أعلى الجبل إلى أسفل الوادي ولكن مع الفارق. وقد يقال إن انحدار الهواء من أعلى إلى أسفل يؤدي إلى تدفئته عن طريق الضغط بالهبوط adiabetic heating فإن هذا وإن صح في حالة المناخ الإقليمي على المقياس الكبير إلا أنه غير صحيح في حالة المناخ التفصيلي؛ ذلك لأن الارتفاعات صغيرة والمسافة التي ينحدرها الهواء لا تسمح
стр. 107
بتدفئته أثناء هبوطه. والذي يحدث عادة أن الهواء البارد عندما ينزلق إلى الأجزاء المنخفضة فإنه يطرد الهواء الدافئ الموجود في بطن الوادي إلى أعلى، فيصعد هذا الهواء الدافئ نسبيًّا ويحتل جوانب الانحدار التي تصبح نتيجة لذلك أكثر دفئًا من بطن الوادي, ويتخذ الهواء الدافئ المتصاعد شكل دوامات على جانبي الوادي. وهذا الهواء الدافئ نفسه يبرد بعد ذلك ثم ينحدر مرة أخرى إلى بطن الوادي وهكذا١.
وقد قام الأستاد جيجر Geiger بدراسة مماثلة إذ إنه سجل النهايات الصغرى للحرارة خلال سنة كاملة في بقعة قطعت غاباتها ومنسوب الانحدار فيها ١: ٢٠٠ بالقرب من مدينة ميونيخ في جنوب ألمانيا. وقد وجد جيجر أنه حتى في الأجزاء
стр. 108
ذات السطح المستوي فإن انزلاق الهواء قد يعوقه حاجز بسيط مثل جذوع الأشجار الملقاة على سطح الأرض.
وفي الجدول التالي نجد النهايات الصغرى للحرارة خلال شهري مايو ويونيه عندما يكون فصل الصقيع قد قارب الانتهاء، وخلال شهر أكتوبر أي في بداية فصل الصقيع. وقد أخذت القياسات في ثلاث نقط على طول المنحدر كل منها على ارتفاع ٥ سنتيمترات عن سطح الأرض، وكانت النقطة الأولى عند حضيض المنحدر والثانية على بعد ٤٨ مترًا من النقطة الأولى وعلى ارتفاع يزيد عن النقطة الأولى بـ ٢٤ سنتيمترًا والثالثة على بعد ٨٠ مترًا من النقطة الأولى وتزيد في ارتفاعها ٤٠ سنتيمترًا عن النقطة الأولى. وقد وجد جيجر أن المتوسط الشهري للنهايات الصغرى أقل بكثير عند حضيض المنحدر عنها عند أعلى المنحدر، وبالتالي فإن التعرض للصقيع أكثر خطورة في الأجزاء المنخفضة عنه في الأجزاء المرتفعة.
ورغم أن الفروق في درجات النهايات الصغرى للحرارة قليلة إلا أن هذه الفروق ذات أهمية كبيرة خصوصًا إذا لاحظنا أن هذه الارتفاعات محدودة أولًا وأن الفرق
стр. 109
بينها قليل جدًّا، كذلك نلاحظ أن مستوى هذه الارتفاعات جميعًا أقل من المستوى الذي توضع فيه أجهزة المراصد وهو مترين.
أما عن سرعة الهواء الذي ينحدر من أعلى إلى أسفل فهي سرعة محدودة لا تزيد في العادة عن متر واحد في الثانية، ومن أهم العوامل التي تؤثر في حركة انحدار الهواء شكل الانحدار واتجاهه١، ولكي نتعرف على تأثير شكل الانحدار واتجاهه نضرب مثالًا بتل قبابي سيمتري الشكل غير شديد الانحدار، وبذلك تكون كمية الإشعاع الشمسي التي يستقبلها أي جزء من التل متوقفة على عوامل أخرى خلاف انحدار التل واتجاهه. والمفروض في هذه الحالة أن الجانب الشرقي يستقبل كمية من الأشعة مساوية للجانب الغربي من التل وأن أشعة الشمس توزع على الجانبين بالتساوي فهي تسخن الجانب الشرقي من شروق الشمس حتى الظهر وتسخن الجانب الغربي من الظهر حتى الغروب "على شرط أن تتساوى جميع الأشياء الأخرى مثل كمية السحب وحركة الهواء".
غير أن التجارب الواقعية دلت على أن درجات الحرارة على الجانب الغربي من التل تكون أعلى من درجات الحرارة على الجانب الشرقي والسبب في ذلك أنه خلال النصف الأول من النهار وعندما تكون أشعة الشمس مسلطة على الجانب الشرقي من التل فإن الهواء يسخن أيضًا ويقوم هذا الهواء بتسخين الجانب الغربي من التل بعض الشيء وعندما تصل أشعة الشمس إلى الجانب الغربي في النصف الثاني من النهار فإنها لا تبدأ التسخين من الصفر، في حين أن تسخين الجانب الشرقي في الصباح يبدأ من الصفر بعد ساعات الليل الباردة. لذلك فإن السفوح الغربية للمرتفعات تكون أكثر حرارة من السفوح الشرقية إذا تساوت جميع الظروف الأخرى. ولما كان أشعة الشمس تصيب السفوح الجنوبية في نصف الكرة الشمالي أكثر من غيرها فإنه يمكننا أن نضيف أن السفوح الجنوبية هي أكثر السفوح حظوة بأشعة الشمس. وهذه القاعدة صحيحة إذا كانت المرتفعات ذات شكل منتظم وهو ما لا يتوفر في الطبيعة دائمًا، فقد يحدث أن يكون اتجاه التل بحيث تسلط أشعة الشمس على
стр. 110
سفحه الشرقي معظم ساعات النهار وحينذاك تكون درجات الحرارة على السفح الشرقي أعلى منها على أي جانب آخر. وهناك عامل آخر يتدخل لتغيير هذا الوضع المثالي وهو كمية السحب، فلو حدث أن زادت كمية السحب بعد الظهر فإن هذا يقلل من كمية أشعة الشمس التي تصل إلى الجانب الغربي. وهذه الحالة شائعة في العروض المدارية القريبة من خط الاستواء حيث تتجمع سحبها في ساعات ما بعد الظهر.
أما عن التبخر فإنه يتدخل لصالح رفع درجات الحرارة على الجانب الغربي من التلال؛ ذلك لأن جزءًا كبيرًا من المياه التي توجد في التربة على الجانب الغربي يتبخر في النصف الأول من النهار، لذلك فإن ما يضيع من الحرارة في التبخير عندما تصل أشعة الشمس إلى الجانب الغربي يكون محدودًا، في حين أن جانبًا كبيرًا من أشعة الشمس المرسلة إلى الجانب الشرقي يضيع في تبخير المياه الموجودة في التربة على ذلك الجانب.
وإلى جانب الحرارة التي تنال الاهتمام الأكبر في دراسة العلاقة بين مظاهر السطح والمناخ فإن الرياح والمطر يظهران تأثرًا ملحوظًا بالسطح أيضًا. فعلى المقياس الإقليمي الكبير نجد أن السفوح المواجهة للرياح تنال كمية أكبر من الأمطار إذا قورنت بالسفوح التي توجد في منصرف الرياح. أما على المقياس التفصيلي فإن الارتفاعات محدودة لدرجة أنها لا تؤثر على تبريد الهواء وحدوث التكاثف، ولذلك فإن العامل الأساسي الذي يؤثر في كمية المطر هو سرعة الرياح. وفي استعراض