← Указатели

Указатели · id 20970

ترتيب العلوم للمرعشي

المرعشي، محمد بن أبي بكر

Полный текст (163 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

البيضاوي، ومن حذا حذوهما في ذلك، وقل أن يفلح من أولع بصحبه كلام الفلاسفة، أو يكون له نور إيمان في قلبه أو لسانه، إلى آخر ما قال: أقول: وأما (المواقف) و (المقاصد) فلم يحذو [ا] حذوهما، إذ هما وإن نقلا عقائد الفلاسفة لكنهما لم يستراها ولم يدساها بين عقائد الإيلام بل صرحا بالنقل عنهم، وعقباها بالرد عليهم. ثم اعلم بأن تمام استقصاء علم الكلام قسمان: - قسم مبادى: وهي مباحث النظر ومباحث الأمور العامة، من الجواهر والأعراض والإدراكات والعناصر والأفلاكات. - وقسم مقاسد: وهي مباحث الإلهيات والنبوات والمهاد، مع إيراد الأدلة العقلية والنقلية ومجادلة الفرق المخالفة، (والكل يشملها) مثل المواقف والمقاصد، لابد للعالم المدرس أن يستصحب شرح المواقف. وقد اقتصر في بعض الرسائل على بعض عقائد الكلام كعقائد الإمام النسفي والعقائد العضدية، واكتفى بشرحها طلبة الزمان عن الاشتغال بمبادئ علم الكلام، فغفلوا عن القواعد العقلية الكلامية وظنوا أن تلك القواعد إنما تطلب من كتب الفلسفة، فألقوا بأيديهم إلى التهلكة، وصرفوا شطرا من أعمارهم إلى ما يؤدي بهم إلى الخيبة.

стр. 72

الفصل "الثالث": (ذم التبحر في علم الكلام) ومن المؤلفات في بعض مسائل الكلام: رسالة إثبات الواجب للدواني، ولها شرح وحاشية على الشرح يشتغل بمدارستها بعض الطلبة مقدار سنة، ومضمونها مسألة واحدة، هي أن للعالم إلها واجب الوجود مع أدلة طويلة واهية، ومجادلات كثير لا ينتج [عن] الاشتغال بها إلا توهين العقيدة وإيراد الوساوس المهلكة، ومن شك في الله سبحانه ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] فهيهات له اليقين من تلك الرسالة، بل الاشتغال بها يورث شكا لأرباب اليقين ويزيد شكا للشاكين. واعلم أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات عند الخليفة بل نفي الحكم عما عدا المستثنى. والمستثنى في حكم المسكوت عنه، واعترض عليهم بأنه يلزم (ح) أن لا تكون كلمة التوحيد توحيدا تاماً، إذ لا دلالة فيها (ح) على وجود الله تعالى، فأجابوا عنه بأن معظم الكفار أشركوا وفي عقولهم وجود الإله ثابت، فسبقت كلمة التوحيد لنفي الغير، كذا في الأصول، وذلك كما

стр. 73

قال تعالى في وصف مشركي زمان الفترة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] وقال في الأحياء ما مختصره: من (أدار) نظره في عجائب خلق الله لا يخفي عليه أنه لا يستغن عن صانع يدبره بل تكاد فطرة النفوس تشهد بذلك، ولذلك قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] ولذا بعث الأنبياء كلهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا: لا إله إلا الله. لا ليقولوا لنا إله أو للعالم إله، فإن ذلك كان مجبولا في فطرة عقولهم، انتهى. أقول: رأيت بحث إثبات الواجب في المواقف مع شرحه في مقدار ورقتين من قطعة مصف الطبقة، وهو أطول كتب الكلام. فالعجب من طلبة الزمان، يشتغلون بدراسة رسالة إثبات الواجب مع الشرح والحاشية، قريبا إلى تمام سنة يخوضون في المجادلات الطويلة إلى حيث لا يدرون في بعض المباحث إلى ما انجر الكلام إلى إثبات الواجب مع الشرح والحاشية، قريبا إلى تمام سنة يخوضون في المجادلات الطويلة إلى حيث لا يدرون في بعض المباحث إلى ما انجر الكلام إلى إثبات الواجب، أو إلى منع ثبوته، وأكثر من يشتغل بها من لا يحسن فهمها. ثم إنهم بكثرة ما يتخيلون رب العزة ﷻ بعلة العلل وأول سلسة الأسباب يزول من صدورهم تعظيم (رب الأرض ورب السماوات) فيا خسرانهم ويا أسفا عليهم ولم يكن لطلبة

стр. 74

العلم من خير [الأمم] يقين كيقين مشركي زمان الفترة في الخالق الإله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]. ثم أقول لأولئك [الطلبة] إن كنتم من أولي الألباب، فلكم في خلق السماوات والأرض آيات، فإن لم تكونوا منهم فكيف [تفيدكم] المجادلات الواهيات، ثم لا شك في حرمة الاشتغال بتلك الرسالة، لأنها استقصاء في مسألة كلامية لم [تشع] مخالفة من خالفها وهو منهي عنه، كما سبق في فصب مندوبات [العلوم]. وسيأتي. الفصل "الرابع": (في حكم الاشتغال بالكلام) قال في الإحياء ما مختصره: اختلفت الأقوال في حكم الاشتغال بالكلام، يعني مع مجادلة الفرق الإسلامية، فقال بعض: إنه فرض على الكفاية، وقال بعض/ إنه بدعه وحرام، وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث ومن السلف. والصواب أن كل بلد لم تشع فيه عقائد أهل البدع لا حاجة فيه إلى الكلام، فلو اتفق أن أحداً اعتقد البدعة يدعي إلى الحق بأدلة مأخوذة من القرآن والحديث، فإنه أنفع له من أدلة المتكلمين، وكل بلد شاع فيه عقائدهم يصير القيام بهذا

стр. 75

العلم فرض كفاية فيه، لكن ينبغي أن يخصص بتعلمه من له ثلاث خصال: الأولى: الحرص على التعلم، كي لا يفتر عن إزالة الشك إذا عرض. والثانية: الذكاء، فإن البليد قد لا يفهم سبيل الخلاص عن شبه (المبتدعة). والثالثة: " أن يكون في طبعه الصلاح والديانة، ولا يكون مغلوب الشهوة، فإن الفاسق ينخلع عن الدين بأدنى شبهة ولا يحرص على إزالتها، بل يغتنمها ليتخلص عن أعباء التكليف، انتهى. أقول: ولا شك في حرمة الاشتغال بالكلام المخلوط بمجادلات الفلاسفة، إذ لا يكاد يوجد بلد شاع فيه عقائدهم. قولهم: لا حاجة فيه إلى الكلام، معناه يحرم الاشتغال به في ذلك البلد تأمل. قوله: وإلى التحريم ذهب ... إلى آخرهن هو ما قاله الطيبي في شرح المشكاة نقلا عن محيي السنة: اتفق العلماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدل والخصومات في الصفات والخوض في علم الكلام، انتهى. وأما علم البلاغة: فهو علم يعرف به مطابقة الكلام الفصيح بمقتضى الحال، ففصاحة

стр. 76

الكلام شرط لبلاغته، والفصاحة تعلم بالإطلاع على علم اللغة والصرف والنحو وعلم البيان. وتعلم المطابقة المذكورة بعلم المعاني، فعلم البلاغة ليس فناً مستقلا، بل ينقسم إلى فنون خمسة: وهي اللغة والصرف والنحو والمعاني والبيان. والأخيران يتضمنها التلخيص والإيضاح لكن وقع الاصطلاح بإطلاق علم البلاغة على علمي المعاني والبيان فقط، والتفصيل في المطول وحواشيه. وأما علم البديع: فهو خارج عن علم البلاغة وتابع له، بمعنى أنه يبحث عن أشياء تزيد حسنا للكلام البليغ، وقد جرت عادة العلماء بجمع المعاني والبيان والبديع في مؤلف. ذكر في ديباجة الكشاف: ومن لم يكن بارعا في فن المعاني والبيان لا يستأهل لدرك حقائق علم التفسير، وإن برع في سائر الفنون. وقال السكاكي في المفتاح: الويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل، انتهى. ولابد لطالب هذين الفنين أن يقدم عليهما الاشتغال بالقسم الأول من

стр. 77

فن الكلام، لأن بعض مباحثهما يتوقف على معرفته كبحث الوصل والفصل. ومن المؤلفات في الفنون الثلاثة المذكورة: تلخيص المفتاح للخطيب ثم علم الخطيب متنا آخر وسماه: إيضاح التلخيص، وقال في ديباجته: جعلته كالشرح للتلخيص، فأوضحت معانيه المجملة وزدت عليه ما تضمنته المطولات، فاستخرجت زبدتها كلها وهذبتها ورتبتها حتى استقر كل شيء منها في محله، وأضفت إليها ما أدى إليه فكري، انتهى. وقد شرح الإيضاح القطب العلامة. فليت شعري ما الداعي للناس إلى ترك المهذب؟ ! ! وأما [علم] أصول الفقه: فهو العلم بالقواعد الكلية التي يتوصل بها من أدلة الفقه إليه، أي إلى الفقه، وأدلة الفقه أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. ويقال لتلك الأدلة (الأربعة): أصول الفقه بالمعنى اللغوي، لأن الفقه ينبني على هذه الأربعة، لكن أصول الفقه في الاصطلاح، هو العلم بالقواعد المذكورة، ويطلق على نفسه تلك القواعد قولهم: كل أمر بشيء يفيد وجوب ذلك

стр. 78

الشيء. فبهذه القاعدة يتوصل من قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاة﴾ إلى أن إقامة الصلاة واجبة، بأن يقال: إن قوله تعالى قوله هذا، أمر بإقامة الصلاة وكل أمر بشيء فهو يفيد وجوب ذلك الشيء. فقوله تعالى هذا، يفيد وجوب إقامة الصلاة، وإذا كان الأمر كذلك فإن إقامة الصلاة واجبة. قال في بعض الرسائل: الغرض من هذا الفن حصول ملكة استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وانتهى. فإن قلت التوصل من أدلة الفقه إلى الفقه هو عمل المجتهد، وقد انقطع الاجتهاد واقتدى كل طائفة بمجتهد، فما فائدة الاشتغال بهذا الفن؟ قلت: يستمد من هذا الفن علم التفسير وشرح الحديث، ويتوقف عليه معرفة مسائل الفقه بالأدلة، كما تضمنته "الهداية" وأمثالها. ثم إن الحوادث غير منحصرة فيما ذكر في المدونات [من كتب الفقه] فقد تحدث مسألة لم تمسها [يد] واحد من المجتهدين، فيقدر على الحكم في تلك المسألة صاحب هذا الفن، إلى غير ذلك من الفوائد. ويستمد هذا الفن من النحو والمعاني أسد استمداد، ومن مباحث الأدلة أيضا، ولذا جعلت جزءا من مختصر المنتهى ومن معرفة نفس

стр. 79

الأحكام الشرعية [الفرعية] العملية يستمد منها للتمثيل والتوضيح. وأما معرفة تلك الأحكام الشرعية العملية بالأدلة فهي تتوقف على تحصيل هذا الفن، فمن أراد الاشتغال بمثل الهداية- وفي شرح صدر الشريعة للوقاية- فلا ينبغي له أن يشتغل به إلا بعد تحصيل هذا الفن. وبالجملة ينبغي أن يشرع طالب هذا الفن في مختصر القدوري وفي سائر ما يستمد منه قبل تحصيل هذا الفن، ثم بعد تحصيل هذا الفن ثم بعد تحصيل هذا الفن يشرع في الهداية، وفي شرح صدر الشريعة، وهذا صراط مستقيم. الفصل "الخامس": (تحصيل علم الأصول) واعلم أن هذا الفن طويل عميق، لا تحصل البضاعة منه إلا في مدة متطاولة باشتغال مثال التنقيح وشرحه وحاشيته، لكن أكثر المشتغلين

стр. 80

بهذه الثلاث لا تحصل لهم البضاعة من هذا الفن، لاضطراب سوق المتن والشرح، وقد أصلحهما ابن الكمال، لكن لا يؤول إصلاحه إلى منافع كثيرة، وما رأينا في هذا الفن متنا أحسن وأجمع من الوجيز ليوسف الكرماستي لكن لم تر له شرحاً. وأما علم الفقه: فهو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، فلا يسمى في الاصطلاح علم نفس الأحكام، لا عن أدلتها فقها. والدليل التفصيلي للحكم هو الدليل الخاص به كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فإنه دليل خاص بوجوب الصلاة، والعملية يراد بها عمل الجوارح، فهي احتراز عن

стр. 81

الاعتقادية والأخلاقية، ويسمى هذا الفن "الفقه المصطلح" لأن الفقه في اللغة مطلق الفهم، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨] ثم خص بعلم الشرائع مطلقا، عمليا أو اعتقاديًا أو أخلاقيًا، وبهذا المعنى قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها. وبهذا المعنى سمي أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما صنفه في العقائد بالفقه الأكبر، ثم اصطلح المتأخرون على تخصيص الفقه بمعرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، فسمي هذا بالفقه المصطلح احترازا من الفقه بالمعنى الأعم. ويسمى معرفة الأحكام الشرعية العملية بدون الأدلة، علم الأحكام كما يفهم من كلام التفتازاني في شرح العقائد، فلا يسمى تلك المعرفة فقها إلا مجازا، تأمل. ومن المؤلفات في علم الأحكام مختصر القدوري مناسب لطبايع المبتدئين، معروف باليمن والبركة، لكن يستخفه بعض من تزيا بزي الطلبة وغلبت عليه الشقوة ومن المؤلفات في الفقه "الهداية" ونعمت هي ذات عبارات منورة، فخر لمذهب أبي حنيفة. ولا ينبغي للطلبة أن يستغنوا عنها بغيرها. ورحم الله تعالى بع السلاطين، بنى مدرسة وشرطها لمن يدرس فيها الهداية مع

стр. 82

شرحها الأكملي، لكن لا يستأهل للإطلاع عليها إلا من برع في أصول الفقه. وفن الفقه أصعب الفنون وأطولها. وهو علم الأئمة المجتهدين وأغلب ما يحتاج إليه العاملون، بحر لجي، لا يغوص فيه إلا ذكر أوحدي ماهر في أصوله، ولا تحصل البضاعة فيه إلا بسعي بليغ في مدة مديدة بهمة عالية، بدراسة مثل كتاب الهداية مع شرحها الأكملي. وأما التبحر فيه، فهو يكاد أن يستغرق العمر، وكاشف المشكلات فيه، فهو أعز من الكبريت الأحمر. ولا تحصى مسائله التي تحير فيها العلماء. نقل أن مالكا رحمه الله تعالى، سئل عن أربعين مسألة في الفقه، فقال في ست وثلاثين لا أدري. والعجب من بعض الطلبة أنه يهمل الاشتغال به زعما منه أنه هيم يتحصل بأدنى سعي، فإن كان زعمه هذا حين لم يطلع عليه أصلا فاعذروه، وإن بعد اطلاع ما فاعلموا أن العلوم كلها هين على أمثاله. ثم إن ما تضمنه مثل الهداية، فهو المسائل المعروفة التي يغلب وقوعها.

стр. 83

وأما نوادر الفقه فهي التي تضمنها مثل فتاوى قاضي خان والخلاصة: والمؤلف الذي تضمن نوادره يسمى في عرف الناس كتاب الفتوى. وأحسن ما تضمن النوادر وأدقه، كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم، وهو قمن أن يكتب] بالتبر [الأحمر على صفحات الشمس والقمر، لا بد أن يستصحبه ويطلع عليه كل من انتصب للجواب عن استفتاء العامة الفصل "السادس": (أسس الرسوخ في الفقه وأصوله) اعلم أن الرسوخ في الفقه وأصوله والعلم بدقائقها لا يكون إلا بعد معرفة النحو والمعاني، والراسخ فيها] يحكم [في علمي التفسير والحديث، فإذا ذكر العالم فليذكر ذلك، وإذا افتخر أحد يعلم فذا أحرى بأن

стр. 84

يفتخر لأنه هو العالم الحكيم والطود العظيم، لكن كلما يوجد ذلك الراسخ في مشارق الأرض ومغاربها. وبعض من لا يقدر على الخوض فيهما يخوض في مثل الجنس والفصل والهيولي والصورة والدور والتسلسل، تطمئن إليها نفسه ويتم بها عمره، وإذا ذكر في مجلس علو شأن العلماء ورفعة درجاتهم يهتز وتحمر بشرته من السرور، لما أن نفسه تحدثه بأنه منهم، مع أنه ليس بشئ يذكر في جهنم. وأما علم الفرائض: فهو باب من الفقه، أفرزه العلماء منه ليعظم الاهتمام به لكثرة الاحتياج إليه، كما أفرزوا كتاب الصلاة. وهو علم يبحث فيه عن أحوال قسمة التركة بين الورثة، وهو أصعب أبواب الفقه، وصعوبته أحد وجوه تسميته نصف العلم. ومن أتم المؤلفات] فيه [السراجية، ومن أحسن شروحها: شرح السيد الشريف. والبائس الفقير رتب في هذا الباب رسالة سماها "تسهيل الفرائض" وشرحًا لها سماه "الأسهل" يقرب تناولهما للمبتدئين. والماهر في هذا الفن يعظمه الناس ويرغبون فيه، وإن خلا عن معرفة سائر الفنون.

стр. 85

وأما علم القرآن: فقد سبق تجويده ورسم مصاحفه ووجوه قراءاته، وبقي علم تفسيره، فعلم] الـ[تفسير، في عرب العلماء: بيان معاني القرآن كما في الكشاف للزمخشري. وموضوعه: نظم القرآن. والغرض منه: الاطلاع بقدر الطاقة على ما أراد الله بكلامه، لكن ينبغي أن يكون علم التفسير علمًا متضمنًا بقواعد كلية يستخرج بها معاني القرآن، وما ذلك إلا بالعلوم العربية كاللغة والتصريف والنحو والمعاني، بل أصول الفقه أيضًا لكن الاصطلاح وقع على أنه]ـه [التصريح بمعاني القرآن، كما في كتاب الكشاف، قال البيضاوي: علم التفسير- يريد بيان معاني القرآن- رئيس العلوم الدينية، لا يليق للتكلم فيه إلا من برع في العلوم الدينية كلها، أصولها وفروعها، وفاق في الصناعات العربية بأنواعها، انتهى. أقول: علم العقائد والفقه، وإن لم يتوقف عليهما علم التفسير، بل هما يستنبطان منه، لكن ينبغي أن يقدما عليه، ليكمل تحصيله، فعلم

стр. 86

التفسير يستمد من العلوم] الدينية [كلها، ومن بعض العلوم العربية، وهو ما عدا علم العروض والقافية وقرض الشعر وإنشاء] النثر [والمحاضرات والتواريخ، وزماننا هذا زمان يمد يده إلى علم التفسير- تعليمًا أو تعلمًا- من ليس له أهليته، من غير نكير من أحد. ومن أعظم ما يتوقف عليه هذا العلم الذكاء والفهم الثاقب، ترى من لم يستأهل للاطلاع على جليات الفنون يدرس مثل تفسير البيضاوي ويتعلمه من لا يحسن فهم أنموذج الزمخشري، ولعل من أشراط الساعة: ارتفاع شرائط التعليم والتعلم ليرتفع العلم. الفصل "السابع": (أهم كتب التفسير) والتعويل في بعض كتب التفاسير في بيان معاني القرآن، على المنقول عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة والتابعين كابن عباس وقتادة،

стр. 87

كتفسير زاد المسير للإمام الجوزي، وفي بعضها على ما يساعده] كـ[العلوم العربية، وإن خالف المنقولات، لما أن تلك المنقولات خبر أحاد لا يفيد اليقين كتفسير الزمخشري والبيضاوي. ثم إن تفسير محمود الزمخشري المعتزلي هو كما قيل: إن التفاسير في الدنيا بلا عدد ... وليس فيها لعمري مثل كشافـ[ـي] إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته ... فالجهل كالداء والكشاف كالشافي وهو تفسير مشتمل على الفوائد والدقايق، تداولته أيدي العلماء، وعملوا عليه حواشي، لكن قال بعض العلماء: إن صاحب الكشاف فسر معظم آي القرآن برأيه الفاسد، بعضه ظاهر وبعضه أخفى من دبيب النمل، وشتم عصابة أهل السنة وسفههم وجهلهم ورماهم] بوعوعة [الكلب، وقال: إنهم حمر مؤلفة، إلى غير ذلك، فلا يجوز استعماله لمن يعرف ما دسه

стр. 88

من الاعتزال، ويقدر على التخلص منه. ثم أقول: وتفسير عمر البيضاوي مختصر الكشاف مع ما فيه من الزيادات، ولذا اختاره المتأخرون، لكن] لما [غلب على طبعه الفلسفة، دس في تفسيره كثيرًا من عقائد الفلاسفة مما ينابذ الشريعة، فلا يجوز استعماله إلا لمن يعرف ما دسه من الفلسفة ويقدر على التخلص منه. ثم إن ما دسه من الفلسفة أضر مما دسه الزمخشري من الاعتزال، كما يظهر لمن عرف ما دس هذا من الفلسفة وما دس ذلك من الاعتزال ترى بعض من لا يميز عقائد الفلاسفة ويظن أنه من عقائد الإسلام، فويل له. ثم إن علم التفسير هو البحر الكبير والشمس المنير، معترك خيول العلماء المدققين ومنهى سلوك الطالبين، يجتهدون مدة مديدة وسنين كثيرة في تحصيل فنون آية ويقتحمون الغربة ويقاسون الكربة في أسفار بعيدة بهمة عالية لتحصيل بضاعة الاطلاع على دقائق علم التفسير، فإذا انتهى سلوكهم إليه فمنهم من لا يتم منه كتابًا، بل لا يشتغل به سنة. وقد أفرد بعض العلماء بيان إعراب القرآن ووجوه تراكيبه، كالكتاب المسمى بـ "الفريد في إعراب القرآن المجيد" في أربع مجلدات لابن العرين الشافعي، طوبى لمن ظفر بنسخة منه.

стр. 89

وقد جمع السيوطي علوم القرآن في كتابه المسمى بالإتقان، ينبغي لكل عالم أن يستصحبه، ذكر أنه جعله مقدمة لتفسيره المسمى "مجمع البحرين ومطلع البدرين" قال في الإتقان: ذكر أن التفسير المعول عليه هو تفسير الإمام أبي جعفر الطبري المدني، أجمع العلماء المؤلفون على أنه لم يؤلف مثله" وأما علم الحديث: فينقسم إلى علمه رواية: وهو معرفة ألفاظ الحديث، ونظيره معرفة نظم القرآن، وموضوع هذا العلم ذات النبي ﷺ ، إذ يبحث فيه عن أقواله وأحواله. وإلى علمه دراية: وهو ينقسم إلى معرفة معانية، ونظيره علم التفسير، وموضوع هذا العلم: حديث النبي ﵇ من حيث الدلالة. وإلى معرفة أحواله من القوة والضعف، بحسب اختلاف أحوال نقلته، والأخير هو العلم المسمى بأصول الحديث. وموضوعه أيضًا نفس الحديث لكن من حيث الثبوت.

стр. 90

ومن أوعى المؤلفات فيه "ألفية العراقي"، ومن أخصرها "نخبة العسقلاني" وأشهر المؤلفات في متن الحديث "صحيح البخاري" ثم "صحيح مسلم" ومن أوعاها "مشكاة المصابيح"، وله شرح واف للطيبي ينبغي لكل عالم أن يستصحبه. وقد اشتهر (ت) الإجازة من الشيخ المحدث لمن آنس من أهلية لإفادة الحديث. قال السيوطي في الإتقان: شرط جواز إفادة الحديث الأهلية لا الإجازة، وإنما اصطلح الناس على الإجازة لأنها كالشهادة من الشيخ بالأهلية، ويحرم على الشيخ الإجازة لمن علم عدم أهليته لإفادة الحديث، انتهى مختصرًا. أقوال: فمن ليس له أهلية لإفادة الحديث، لا يجوز أخذ الحديث عنه ولو أجاز له شيوخ الدنيا جميعًا، ومن له أهلية لتلك يجوز أخذه عنه وإن لم يجز له أحد، نعم قد يكون شخص] أهلًا [للإفادة الحديث رواية فقط، بقوة حفظه ألفاظ الحديث، ولا يكون له اطلاع على معانيه، فيجوز للشيوخ الإجازة له برواية ما حفظه منه بدون التعرض إلى معناه، والعجب ممن ليس له أهلية لإفادة الحديث لا رواية ولا دراية يصادف شيخًا من شيوخ الحديث، فيقترح عليه الإجازة له بالإفادة الحديث، فيكتب له رسالة يشهد له فيها بالأهلية ويرتكب الشهادة الكاذبة والإجازة المحرمة، فيشرع ذلك المجاز له بإفادة الحديث ظنًا منه أن تلك الإجازة صيرته أهلًا للإفادة،

стр. 91

مع أن الإجازة لم تؤثر فيه شيئًا، وإلا لارتفع من الدنيا مؤنة التحصيل. نعم من كان له أهلية لإفادة الحديث ينبغي أن يتبرك بإجازة الشيخ المحدث المجاز له ولشيوخه إلى أن تنتهي إلى مخرج الأحاديث كالبخاري] أ [ومسلم وأما علم الأخلاق: ويسمى علم أحوال القلب: فهو علم يبين فيه الأخلاق الفاضلة وكيفيات اكتسابها والأخلاق الرذيلة وكيفيات اجتنابها. وموضوعه: الملكات النفسانية. والغرض منه التخلي عن الأخلاق الرذيلة والتحلي بالأخلاق الفاضلة. وأما علم التصرف: فالظاهر من كلمات العلماء أنه بعض علم الأخلاق. وهو علم يبين فيه أكمل مراتب الأخلاق الفاضلة، كأكمل مراتب التوحيد والتوكل والرضا بالقضاء وغيرهما وإن أشعر كلام صاحب التوضيح اتحادهما: قال السيوطي في "النقابة"التصوف: تجريد القلب إلى الله تعالى. أقول: فعلم التصوف: علم ذلك التجريد. وقال القشيري: انفرد خواص أهل السنة الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف. وقال السبكي، في كتاب "معبد النعم": وللصوفيين أوصاف وأخبار اشتملت عليها كتبهم، انتهى.

стр. 92

أقوال: ومن كتبهم رسالة القشيري، وعوارف المعارف. ثم أقول: ولأن اكتساب أكمل مراتب الفضائل، لا يكون إلا بعد الاتصاف بما دونها. قال بعض المشايخ: التصوف، الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني. الفصل "الثامن": (في حكم علم الأخلاق) اعلم أن بعض علم الأخلاق فرض عين، وكلها فرض كفاية، ما عدا علم التصوف، فليس بفرض عين، وهو ظاهر، ولا فرض كفاية، إذ لا يجب شيء من أحوال المتصوفين على أحد في حال ما، بل هي مستحبة، وفائدة الاطلاع على أحوال المتصوفين، لمن لم يرد الاقتداء بهم، معرفة تقصيره في السلوك. قال القشيري: قال حمدون: من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درجات الرجال. ولذلك الفن اصطلاحات يشين العالم المدرس

стр. 93

جهلها، كالجمع والفرق والفناء والبقاء والسير والتجلي والشرب والري والسكر والصحو إلى غير ذلك. قال القشيري: هذه الطائفة يستعملون ألفاظًا فيما بينهم قصدوا بها ستر معانيهم عمن باينهم غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، انتهى أقول: فوجب أن تعتقد أن ما يفهم من ظاهر كلماتهم مما يخالف المعلوم من الشرع له تأويل لا يخالف به ذلك المعلوم] إلا بسبب ذلك التأويل [ وأما العلم اللدني: - وهو غير علم التصوف كما ستعرف- ويسمى أيضًا علم الباطن وعلم المكاشفة وعلم الموهبة وعلم الأسرار والعلم المكنون وعلم الوراثة وعلم الحقيقة، فهو ما قاله الرازي في التفسير الكبير: الصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية، انتهى. يعني أخذ من قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ قال الكواشي في تفسير هذه الآية: هو علم الباطن وهو العلم اللدني. وفي المدارك: إنه الإخبار بالغيوب، انتهى. أقول] يعني [ما علمه الله الخضر لا مطلق علم الباطن كما ستعرف، قال في التتارخانية: علم المكاشفة لا

стр. 94

يحصل بالتعليم والتعلم وإنما يحصل بالمجاهدة التي جعلها الله تعالى مقدمة للهداية، حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. وفي الحديث: "من عمل بما علم ما لم يعلم" انتهى. ويقابله علم الشريعة والعلم الظاهر وعلم المعاملة، والثلاثة عبارة عما يتلقى من الأنبياء، وهو علم الكتاب والسنة، وعلم ما يستنبط منهما. قال في "الإحياء": الشريعة عبارة عن الظاهر والحقيقة عبارة عن الباطن. وقال فيه: علم الآخرة قسمان: علم المكاشفة وعلم المعاملة، انتهى. ولعل وجه تسمينهم علم الشريعة العلم الظاهر، كونه متلقى من القول المسموع. وأما علم الباطن فهو قسمان: قسم منه ما ألقاه الله تعالى في القلب من علم الغيوب، وإلقاؤه إلا بما واسطة الاطلاع على أماراتها، كعلم الخضر ﵇ سبب حل خرق السفينة وقتل الغلام، وعلمه الكنز الذي تحت الجدار، وعلمه فائدة إقامة الجدار. وإما بواسطة الاطلاع على أماراتها

стр. 95

التي خفيت دلالاتها عليها، كعلم تأويل الرؤيا وعلم بعض الأشياء بالفراسة، وكالانتقال من النصوص إلى أشياء لمناسبة ما بالمكاشفة لا بقواعد العربية، كما ذكره البيضاوي عند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ وقسم منه: علم الإنسان الأحوال التي وهبها الله تعالى له بعد الطاعة، كالأحوال الحاصلة لأرباب مجاهدة النفس والشيطان، وهي ما سماها الصوفية بالذوق والشرب والري والسكر والصحو والفناء والبقاء والتجلي، إلى غير ذلك. وهذه الأحوال لا يمكن التعبير عن حقائقها، وإنما يعرفها من ذاقها كلذه الجماع. فما قاله الطيبي] في شرح الكشاف [نقلًا عن البعض: العلم اللدني أمر وجداني لا يفي بنطقه المقال، انتهى. محمول على بعض أقسام العلم اللدني، بخلاف ما قاله] في [التتارخانية: فإن ما يحصل بالمجاهدة أعم من أن يفي بنطقه المقال بعد حصوله، كما علم الخضر موسى ﵉. إن قلت أليس قد بين تلك الأحوال في كتب التصوف كرسالة القشيري؟ قلت: ذلك البيان تقريب إلى الأفهام بدون الإفهام التام، فإن السكر

стр. 96

مثلًا لا يعرف حقيقته إلا من سكر، كما لا يعرف لذة الجماع بكل بيان من لم يجامع. وبالجملة إن علم التصوف ليس عين العلم اللدني ولا بعض أقسامه، بل تعبير عن بعض أقسامه، كما تعبر عن لذه الجماع حلاوة العسل، ثم إن معظم علم الباطن في الأنبياء ثم في الأمثل فالأمثل والله أعلم. [بـ] " فصل "التاسع" (هل علم الباطن يخالف علم الظاهر؟ ) قال في الإحياء: من قال إن الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه للإيمان، انتهى. يريد من الباطن ما ينكشف لعلماء الباطن من حل بعض الأشياء لهم، مع أن الشارع حرمه على عباده مطلقًا فيجب أن يقال: إنما انكشف حله لهم لما انكشف لهم من سبب خفي يحلله لهم. وتحريم الشارع ذلك على عباده مقيد بانتفاء انكشاف السبب المحلل لهم، لكن الشارع حرمه على عباده على الإطلاق وترك ذلك القيد لندارة وقوعه، مثاله: انكشاف محلل خرق السفينة وقتل الغلام للخضر ﵇، فحل له بذلك الانكشاف (الخرق) والقتل. وحلهما له مخالف لإطلاق نهي النبي ﵇ أمته عن الضرر وعن قتل الصبي، لكنهما

стр. 97

مقيدان عند الشارع، فالأول: مقيد ومخصوص بمن لم يعرف أن ذلك الضرر يتسبب إلى دفع ضرر أعظم منه في المضرور. والثاني: مقيد ومخصوص بمن لم يعرف أن الصبي سيصير كافرًا طاغيًا يحل قتله، لكن الشارع ترك ذينك القيدين لندورة وقوعهما اعتمادًا على فهم الراسخين في العلم إياهما وقد عرف الخضر ﵇ بالمكاشفة أن خرق السفينة يؤدي إلى عدم غصبها، وأن الغلام سيصير كافرًا طاغيًا. وأما من قال: ليس لما انكشف لأهل الباطن حله لهم من المحرمات على العباد على الإطلاق سبب فيهم يحلله لهم ويوافق حله لهم بذلك السبب القيد المتروك في تحريم الشارع إياه على الإطلاق، فيكفر، لأنه ادعى بعض الأحكام في حق بعض العباد بعد النبي ﵇، وهذا هو القول بمخالفة الباطن الظاهر. الفصل "العاشر": (دفاع عن الصوفية) قال الإمام اليافعي في روض الرياحين: إن ما جاء من الصوفية مما يخالف العلم الظاهر، إما أنهم فعلوه في حال السكر والغيبة عن إحساسهم

стр. 98

فهم غير مكلفين في (ذلك) الحال، أو له تأويل في الباطن يعرفه علماء الباطن كما في قصة موسى والخضر ﵉، انتهى قوله: مما يخالف العلم الظاهر، أي مخالفة حقيقية كما فعلوه في حال السكر، أو في مخالفة ظاهرة كما فعلوه بتأويل. قوله: إما أنهم فعلوه في حال السكر وذلك كما لو كسر أحدهم إناء الغير بمصادفة قدمه في حال السكر والحركة، فذلك خطأ لا يأثم به بل يلزمه الضمان قوله: أو له تأويل في الباطن، أي: سبب خفي يحلله، ويوافق بذلك السبب القيد المتروك في العلم الظاهر. قوله: يعرفه علماء الباطن، أقول: فتلك المعرفة تحلله لهم والشارع إنما حرمه على من لم يعرف السبب المحلل. ومن هذا الباب ما حكي أن الشبلي رحمة الله عليه لما استشعر من نفسه البخل، ألقى في البحر خمسين دينارًا له، لما عرف أن إلقاءه في البحر يزيل عن نفسه مرض البخل، ونهى النبي ﵇ عن إضاعة المال، مخصوص بمن لم يعرف أن إضاعته تزيل عن نفسه مرض البخل، فإنك لو صرفت خمسين دينارًا لمدواة مرض الجسم لا يلام عليك، ومرض القلب أحق بالمدواة فليحترز صاحب الذهن القاصر عن إطالة اللسان إلى الأكابر. وأما قول النسفي: النصوص تحمل على ظواهرها إن أمكن

стр. 99

والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن، إلحاد، انتهى فالمراد من المعاني: التأويلات التي تخالف الظاهر المعلوم للمسلمين مخالفة حقيقية ولا يمكن تطبيقها به. ومراده من أهل الباطن ليس أرباب السلوك والمجاهدة، بل قوم من الملاحدة يسمون القرامطة الباطنية، لا دعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلا المعلم، يريدون بالمعلم شيخهم المضل. قال تقي الدين أبو العباس في مؤلف له: إن الباطنية يزعمون أن هذه النصوص لها تأويل باطن يخالف الظاهر المعلوم للمسلمين، فالصلاة عندهم معرفة أسرارهم، والصوم كتمان أسرارهم، والحج زيارة شيوخهم، وأمثال ذلك، انتهى وقول النسفي: إن أمكن، معناه، إن لم تصرف القرينة عن ظواهرها وقوله: يدعيها أهل الباطن يُفهم منه أن ليس كل العدول عن ظواهرها عند إمكان الحمل على ظواهرها إلحادًا، بل الإلحاد هو المعاني التي تخالف شيئًا من ضروريات الدين كالتي يدعيها الباطنية، ولذا قال التفتازاني في تعليل كونه إلحادًا: لكونه تكذيبًا للنبي ﵇ فيما علم مجيئه به بالضرورة لا كل ما يخالف ظاهر اللغة أو عرف الشريعة، وقد سمعنا من بعض من لم يتنبه لهذا

стр. 100

يقول: إن تأويل البيت والكلب في قوله ﵇: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب" بالقلب والخلق الذميم، كفر، بناء على المنقول عن النسفي أقول: فويل للجاهل كل الويل، لأن ذلك التأويل لا يخالف شيئًا من ضروريات الدين. على أن مراد ذلك المؤول يحتمل تجويز ذلك التأويل والمجاز بعد تسليم حمله على ظاهره أو يريد أن فيه إشارة إلى ذا، وتفسير الكتاب وشرح السنة مشحونان بتجويز المعاني المجازية المناسبة للمعاني الحقيقية الظاهرة، بعد الحمل على الظاهر بدون قرينة صارفة عن الحمل على الظاهر إذا لم يكن الظاهر من ضروريات الدين، واشتراط أهل المعاني لإرادة المعنى المجازي، القرينة المانعة عن الحقيقية، ] إنما هو لهجر الحقيقة [والقطع بالمجاز، لا يشك في ذلك من تتبع التفاسير وشروح السنن. [فصل] (في غاية المعاملة) قال في الإحياء: غاية المعاملة المكاشفة، وغاية المكاشفة معرفة الله، وليست تعني تلك المعرفة الاعتقاد التقليدي ولا ما يحصل بمجادلات المتكلمين، بل نوع تعيين يقذفه الله في قلب العبد، انتهى أقول: ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ثم إنه يريد بالمعاملة الشريعة الظاهرة لما قال في الإحياء: علم الآخرة قسمان: علم المكاشفة وعلم

стр. 101

المعاملة، فمعنى كلامه غاية المجاهدة على وفق علم المعاملة هي] المكاشفة [وهي حصول الأحوال الذوقية مثل الأنس والهيبة والسكر والصحو والفناء والاطلاع على الأمور الغيبية، مثل الاطلاع على أحوال الموتى وغير ذلك. وغاية تلك المكاشفة هي المعرفة اليقينية به تعالى. وهنا عبارة أخرى وهي: غاية الشريعة الحقيقية وغاية الحقيقة المعرفة.] فصل [قال الطيبي، نقلًا عن أبي طالب المكي: علم الظاهر وعلم الباطن لا يستغني أحدهما عن الآخر كالجسم والقلب، انتهى. فيه نشر مرتب، لكن عدم استغناء علم الباطن عن علم الظاهر ظاهر، إذ لا يحصل علم الباطن إلا بعد المجاهدة على وفق علم الظاهر، وأما عكسه ففيه خفاء، إذ كم من عالم بالشريعة الظاهرة لا يعرف الباطن، فلعل المراد بالعكس توقف الكمال، كما أن القلب لا يكون كما أن القلب لا يكون إلا بالجسم، والجسم يكون بدونه لكن لا يكمل إلا به، وإنما أطنبت في الكلام لأني لم أعثر على مؤلف يفي لكشف القناع عن هذا الباب والحمد لله ملهم الصواب وأما الرياضيات: فهي كما قاله طاش كبري زاده في مفتاح السعادة: العلوم الباحثة عن أمور يصح تجردها عن المادة في الذهن فقط، وينحصر في أربعة أقسام: الهندسة والحساب والهيئة والموسيقى، انتهى ] الرياضيات [جمع الرياضي نسبة إلى الرياضة سميت بها لارتياض

стр. 102

الذهن أي انقياده بسبب الأشغال بها إلى درك المعقولات، كذا في شرح أشكال التأسيس، والمتعارف منها الهندسة والحساب والهيئة. أما الهندسة: فهو علم يبحث فيه عن أحوال المقادير، أي الكم المتصل، وهو الخط والسطح والجسم التعليمي، وماهيات هذه الثلاث تعرف في كتب الكلام كالمواقف والمقاصد قال السيد الشريف في حاشية شرح المطالع: يتوصل بمسائل الهندسة إلى مباحث الهيئة. وصرح الغزالي في الإحياء بإباحة الاشتغال بها. وقيل: إن معرفة بعض مسائل الفقه تحتاج إلى معرفة مسائل الهندسة، كما قيل إن رجلًا استأجر إلى آخر بأن يحفر له حوضًا عشرة أذرع في عشرة، بعشرة دراهم فحفر خمسة في خمسة، فرفع الأمر إلى فقيه لا يعلم الهندسة فأفتى بأن الأجير يستحق خمسة دراهم، وإلى فقيه يعلم الهندسة، فأفتى بأنه يستحق درهمين ونصفًا، وهي الحق لأن عشرة في عشرة مائة ذراع، وخمسة، خمسة وعشرين ذراعًا، وهو ربع المائة، فيستحق ربع الأجر.

стр. 103

قال طاش كبري زاده في مفتاح السعادة: اتفقوا على أن أقوى العلوم برهاناً هو علم الهندسة. وأما [علم] الحساب: فهو علم بقوانين يستخرج بها المجهولات العددية من معلوماتها. فموضوعه: الكم المنفصل، وهو العدد. وهذا الفن مقدمة لبعض أبواب الفقه كالفرائض والوصية، فقيل: إنه ربع العلم لأنه نصف الفرائض، وهو نصف العلم. ومن أحسن المؤلفات فيه "النزهة" وشرحها. وأما الهيئة: -أعني الهيئة التي دونتها الفلاسفة- فهي علم يبحث فيه عن هيئة الأجرام العلوية والسفلية على ما دلت عليه أرصادهم وتخميناتهم، قال في شرح المواقف: علم تنكشف بها أحكام الأفلاك والأرض وما فيهما من دقائق الفطرة وعجائب الحكمة بحيث يتحير الواقف عليها في عظمة مبدعها قائلاً: ﴾ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ﴿[آل عمران: ١٩١] وهذه فائدة جليلة ينبغي أن يعتني بشأنها، انتهى. ومن فوائدها معرفة القبلة ومواقيت الصلاة. قال في خلاصة

стр. 104

الفتاوى: تعلم علم النجوم قدر ما يعرف به مواقيت الصلاة والقبلة لا بأس به والزيادة حرام، انتهى. والهيئة من علم النجوم، لما قال بعض الفضلاء: علم النجوم قسمان: أصول، وهو العلم المسمى بالهيئة. وفروع، وهي علم أحكام النجوم، وهي حرام. أقول: فالمراد من قدرها يعرف به المواقيت والقبلة، علم الهيئة، والمراد من الزيادة: علم أحكام النجوم، وقد سبق الكلام على حرمته في بيان أحكام العلوم. وفي بعض الرسائل علم أحكام النجوم: علم يعرف به الاستدلال بالتشكلات الفلكية على الحوادث السفلية. قال في الإحياء: أحكام النجوم تخمين محض لا يدرك يقيناً ولا ظناً، وهو يشبه استدلال الطبيب بالنبض على ما سيحدث من المرض، فالحكم بعلم النجوم حكم بجهل، وقد كان ذلك معجزة لإدريس ﵇. ولقد اندرس ذلك العلم، وما أصابه المنجم على ندور، فهو اتفاق، لأنه قد يطلع على بعض الأسباب ولا يحصل المسبب عقبها إلا بعد

стр. 105

شروط كثيرة، ليس في قدرة البشر الإطلاع عليها، فإن اتفق أن قدر الله تعالى بقية الأسباب، وقعت الإصابة، وإلا أخطأ، انتهى. وإنما قلنا التي دونتها الفلاسفة، احترازاً عما دونته علماء أهل الإسلام من هيئة السماء والأرض وما فيهما وما بينهما على ما دلت عليه الأخبار. وهذا يسمى الهيئة الإسلامية، ككتاب "الهيئة على طريقة أهل السنة" للسيوطي. وليس الغرض من تدوين هذا معرفة القبلة والأوقات، إذ لا يعرفان بها، بل الغرض منه الإطلاع على عجائب الخلق وانكشاف بعض ما أجملته الآيات والأحاديث. وبعض ما ذكر في الهيئة الإسلامية يخالف ما ذكر في هيئة الفلاسفة، كالسماء فإنها كرية محيطة بالأرض على ما ذكره الفلاسفة. وخيمية مُقَبَّةٌ على جبل قاف على ما ذكره السيوطي نه. فإن نقلاً عن ابن عباس رضي الله. فإن كان ما ذكره الفلاسفة هو الواقع، فمراد ابن عباس -والله أعلم- أنها في حس البصر كذلك، كما قيل في قوله تعالى: ﴾ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴿[الكهف: ٨٦] قال في بعض كتب الكلام: إن النقل إذا خالف الدليل العقلي اليقيني يؤول إلي معنى لا يخالفه، وأما إن لم يكن ما قاله الفلاسفة مدلول الحس ولا مدلول الدليل اليقيني، بل تخميناً محضاً، فالاعتماد على ظاهر المنقول ولا يؤول، كقولهم

стр. 106

بتماس سطوح الأفلاك، فإنه مخالف للحديث القاطع بانفصال بعضها عن بعض. ودليل الفلاسفة مبني على نفي القادر المختار: ﴾ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ﴿[المائدة: ٦٤] وأعلم أن في بيان أقاليم الأرض وهيئة بلدانها وسكانها وبحارها وجزائرها وجبالها وأنهارها مؤلفاً مسمى في ألسنة الناس ب "خريدة العجايب". قال طاش كبري زاده في مفتاح السعادة: علم جغرافيا علم يتعرف منه أحوال الأقاليم السبعة وعدد مدتها وجبالها وبراريها وبحارها وأنهارها، إلي غير ذلك من أحوال الربع المعمور. وأما علم الطب: فهو علم يبحث فيه عن أحوال بدن الإنسان من الصحة والمرض. وأما البحث عن الأدوية والأغذية فراجع إلي البحث عن البدن، إذ مرجعه أن هذا ينفع البدن وهذا يضره. وفي تعليم المتعلم: حكي عن الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: العلم علمان -علم الفقه للأديان، وعلم الطب للأبدان، وما عدا ذلك بلغة مجلس، انتهى. أراد من الفقه المعنى الأعم، وهو معرفة ما للنفس ما لها وما عليها اعتقاداً وعملاً. والبلغة بضم الباء وسكون اللام بمعنى الكفاية. واعلم أن يستمد منه الفقه فهو ملحق به. والاشتغال بهذا العلم فرض كفاية عند الغزالي، ومستحب عند الجمهور.

стр. 107

أقول: ولعل الحق التفضيل: ففي كل بلد يكثر في أهله الأمراض يكون الاشتغال به فرض كفاية وينبغي للمسلم أن يستصحب كتاباً معتبراً منه ككتاب ابن الشريف وتذكرة داود، يستغنى عن تسليم نفسه إلي الطبيب الكافر والجاهل. وأما علم التشريج -بالجيم: قال في القاموس: تشرج اللحم بالدم تداخل، انتهى. فهو علم يبحث فيه عن أعضاء الإنسان وكيفية تركيبها، وهو من مبادئ علم الطب، ولذا صدر مختصر القانون به. ومن فوائده: معرفة حكمة الخالق الإله وحسن تدبيره. قال الله تعالى: ﴾ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) ﴿[الذريات: ٢٠ - ٢١] قال في شرح المواقف: قد بلغ المدونات من الحكم والمصالح في أعضاء الحيوان خمسة آلاف وما لا يعلم منها أكثر مما علم. قال في مفتاح السعادة: وكتب التشريج أكثر من أن تحصى، ولا أنفع من تصنيف ابن سينا والإمام الرازي.

стр. 108

وأما علم الموعظة: فهو علم جمع فيه ما هو سبب الانزجار عن المنهيات، والانزجاج إلي المأمورات، من الأمور الخطابية المناسبة لطباع عامة الناس، كذا في بعض الرسائل. أقول: الموعظة مصدر أريد بها هنا القول المرهب والمرغب. قال في القاموس: وعظة يعظه وعظاً وموعظة، ذكره ما يلين قلبه من الثواب والعقاب، انتهى. قال في الصحاح: اتعظ: أي قبل الموعظة، يقال: السعيد من وعظ بغيره والشقي من اتعظ به غيره، انتهى. ولا يبعد أن يقال: إن موضوع هذا العلم المأمور به والمنهي عنه، كأن يبحث فيه أن عاقبة المأمور به كذا وعاقبة المنهي عنه كذا. ولا يبعد أن يكون الاشتغال بهذا العلم فرض كفاية، ومن

стр. 109

المؤلفات فيها "التذكرة" للقرطبي، والتنبيه لأبي الليث. وأغلب ما ألف في الموعظة مشحون بالحكايات الكاذبة والأحاديث الموضوعة ينقلها جهلة الواعظين فيوقعون أمثالهم الجهلة في ضلال مبين. وأما علم المحاضرات: فهو علم يحصل منه ملكة إيراد كلام مناسب للمقام من جهة معناه الأصلي، أو من جهة تركيبه الخاص، والغرض منه تحصيل تلك الملكة. كذا قال طاش كبري زاده في مفتاح السعادة. وأقول: توضيحه أن هذا العلم على ما يفهم من النظر في كتبه: علم جمع فيه من الغرابة من جهة تركيبه كقول البعض: (ما لكم) تكأكأتم على كتكأكئكم على ذي جنة افرنقعوا. أو من جهة معناه، كقول بعض الأكابر: العجز عن درك الإدراك إدراك. أو بسبب كونه حكاية أمر غريب. ويكون بعض ما جمع فيه في العقايد وبعضها في الأحكام العملية وبعضها من المواعظ وبعضها مزاجاً يضحك منه. والمحاضرات، جمع محاضرة: هو الحضور والمكالمة، ومن المؤلفات فيه (ربيع

стр. 110

الأبرار) للزمخشري، و"محاضرات الراغب للأصفهاني"، ومحاضرات القره باغي. قال في مفتاح السعادة: ومن كتب المحاضرات "حياة الحيوان" لكمال الدين الدميري، ولها كبرى وصغرى. أقول: لا يبعد أن يكون من كتب هذا الفن كتاب "كليلة ودمنة"، وقد نقل عن ذلك الكتاب الرازي في التفسير الكبير، فظهر أنه كتاب معتبر في الشرع لأن ما ذكر فيه ضروب أمثال. وكذا كتاب "همايون نامة".
следующие страницы →