التفعيلة "فاعلن" وهو "فعلن" وقد ألف الشعراء أن يعزلوه في قصائد كاملة، وقلما يستعملون فيها أصل التفعيلة "فاعلن" إلا في النادر. ومن وزن المتدارك الأصلي "فاعلن" في شعرنا المعاصر قول ميخائيل نعيمة:
هللي هللي يا رياح ... وانسجي حول نومي وشاح١
وبعد فما الزحاف، إذا أردنا أن ننظر إليه نظرة بسيطة، ونخرج عن تعريفات العروضيين؟ إنه علة تعتري البيت وليس أساسًا فيه. أو هو مرض يصيب التفعيلة، واختلال صغير نحبه لأنه لا يرد كثيرًا. تمامًا كما قد نحب خصامًا صغيرًا مع أصدقاء نعزهم، أو زكامًا يداهمنا يومين ثم ينصرف تاركًا لنا إحساسًا أقوى بعذوبة العافية وجمالها. فماذا يحدث لنا لو أن حياتنا استحالت كلها إلى خصومات وزكامات لا تنتهي؟ ألن يكون طعم الحياة إذ ذاك يشبه وقع قصيدة كل تفعيلاتها زحاف؟
ومن المؤسف أن يكون النادر اليوم في قصائد الرجز هو التفعيلة السليمة. إن شعرنا صار من المرض بحيث كدنا ننسى طعم العافية. وقد تفشى الزحاف الذي هو، في نظرنا، مسئول إلى حد كبير عن شناعة الإيقاع، والنثرية، وغيرهما مما يشكو الجمهور وجوده في الشعر الحر. والحق مع الجمهور.
стр. 107
-٣- التدوير:
البيت المدور، في تعريف العروضيين، هو ذلك الذي "اشترك شطراه في كلمة واحدة بأن يكون بعضها في الشطر الأول وبعضها في الشطر الثاني" ومعنى ذلك أن تمام وزن الشطر يكون بجزء من كلمة نموذج ذلك قول المتنبي من الخفيف:
أنا في أمة تداركها اللـ ... ـه غريب كصالح في ثمود
فكلمة "الله" قد وقع بعضها في آخر الشطر الأول وبعضها في أول الشطر الثاني.
وللتدوير، في نظرنا، فائدة شعرية وليس مجرد اضطرار يلجأ إليه الشاعر. ذلك أنه يسبغ على البيت غنائية وليونة لأنه يمده ويطيل نغماته كما في هذه الأبيات من شعر أمجد الطرابلسي وهي من البحر الخفيف:
وحدة العرب قد تضوع في الجو ... شذاها مثل الخميل النضير
стр. 108
وحدة العرب مزقت حجب الليـ ... ـل وشعت ملء الفضاء المنير١
وكما في أبيات علي محمود طه، من الهزج:
إذا ما طافَ بالشُّرْفَـ ... ـةِ ضوء القمر المضْنَى
ورفَّ عليكِ مثل الحلْـ ... ـمِ أو إشراقِه المعنى
وأنتِ على فراشِ الطُّهْـ ... ـرِ كالزنبقة الوَسْنى
وإنما المحذور في "التدوير" هو أن العروضيين لم يتناولوه تناولًا ذوقيًّا، بل كان كل ما صنعوا أنهم على جواز وقوعه بين الأشطر، دونما إشارة إلى المواضع التي يمتنع فيها لأن الذوق لا يستسيغه. والواقع أن كل شاعر مرهف الحاسة، ممن مارس النظم السليم، ونما سمعه الشعري، لا بد أن يدرك بالفطرة أن هناك قاعدة خفية تتحكم في التدوير بحيث يبدو في مواضع ناشزًا يؤذي السمع. ولسوف نجد، حين ندرس دواوين الشعر العربي الجيد، أن الشعراء كانوا بفطرتهم يتحاشون إيراد التدوير في بعض المواضع، ولو أن كتب العروض لم تشر إلى ذلك على الإطلاق.
وإذن فما هذه المواضع التي ينبغي للشاعر فيها أن يتحاشى التدوير؟ ملاحظتي الشخصية أن التدوير يسوغ في كل شطر تنتهي عروضه بسبب خفيف مثل "فعولن" في بيتي عمر أبو ريشة، من المتقارب:
رويدك لا تجرحي صمتك الر ... هيب ولا تهتكي مئزره
стр. 109
فإني أحس به همهمات الـ ... وحوش وخشخشة المقبره١
ومثل "فاعلاتن" في البحر الخفيف ونموذجها من شعر سليمان العيسى:
وحدة تلهم الكواكب مسرا ... ها وتمشي في القفر ظلًّا ظليلا
وحدة تفجر الينابيع في الكو ... ن فراتًا يسقي العطاش ونيلا٢
غير أن التدوير يصبح ثقيلًا ومنفرًا في البحور التي تنتهي عروضها بوتد مثل "فاعلن" و"مستفعلن" و"متفاعلن". وهذا نموذج لتدوير قائم على وتد من شعر محمد الهمشري٣ من الكامل:
هي جنة الأشجار والأظلال والـ ... أعطاء والأنغام والأنداء
وبسبب هذا العسر نجد أن الشعراء قلما يقعون في تدوير البحر "البسيط" أو "الطويل" أو "السريع" أو "الرجز" أو "الكامل". نعم، إن ورود بيت مدور في بحر من هذه البحور في قصيدة طويلة لشاعر متمكن شيء غير مستحيل، وفي وسعنا أن نعثر عليه إذا نحن قلبنا
стр. 110
الدواوين وصبرنا على البحث، غير أن ذلك نادر، وندرته ذات دلالة.
ومن هذا النادر قول المتنبي من الكامل:
الناعِماتُ القاتِلاتُ المُحيِيا ... تُ المُبدِياتُ مِنَ الدَلالِ غَرائِبا
وله من الطويل:
وَكَم مِن جِبالٍ جُبتُ تَشهَدُ أَنَّني الـ ... ـجِبالُ وَبَحرٍ شاهِدٍ أَنَّني البَحرُ
والواقع أن التدوير هنا -حتى في شعر المتنبي- قد أساء إلى موسيقية الأبيات. ولو تجنبه الشاعر لكان أحسن.
وملاحظتي الثانية حول التدوير، وقد تكون ملاحظة غريبة، أنه وهو لا يسوغ في البحر الكامل، يسوغ في مجزوء الكامل، لا بل إنه يضيف إليه موسيقية ونبرة لينة عذبة. من ذلك البيت الثاني من قول البهاء زهير١:
ما لي أَراكَ أَضَعتَني ... وَحَفِظتَ غَيري كُلَّ حِفظِ؟
مُتَهَتِّكًا فَإِذا حَضَر ... تُ تَظَلَّ في نُسكٍ وَوَعظِ
متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلاتن
ومن هذا الشعر في الحديث أبيات علي الجارم في قصيدته المشهورة٢:
يَا سَطْرَ مَجْدٍ لِلْعُرُو ... بَه خُطَّ في لَوْحِ الْوُجُودِ
بَغْدَادُ إِنَّا وَفْدَ مِصْـ ... ـرَ نَفيضُ بالشوْقِ الأَكِيدِ
стр. 111
أَهْلُوك أَهْلُونَا وَأبْـ ... ـنَاءُ الْعَشِيرةِ وَالْجُدُودِ
حَتَّى يَكَادَ يُحِبُّ نَخـ ... ـلَكِ نَخْلُ أَهْلِي في رَشِيدِ
متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلاتن
ومثل ذلك يمكن أن يقال عن بحر الرجز الذي يصح التدوير في مجزوئه كما في قول نزار قباني:
حدودنا بالياسميـ ... ـن والندى محصنه
وعندما الصخور تهـ ... وى والدوالي مدمنه
وإن غضبنا نزرع الـ ... شمس سيوفًا مؤمنه
بلادنا كانت وكا ... نت بعد هذي الأزمنه
في أرضهاكتبت هـ ... ذي الأحرف الملحنه١
ولعل السبب الذوقي الذي يبرر وقوع التدوير في مجزوء الكامل والرجز دون الكامل والرجز نفسهما أن المجزوء قصير بحيث لا يعسر فيه التدوير، ولعل للأمر تفسيرًا آخر يفوتني، والله أعلم.
التدوير في الشعر الحر:
ينبغي لنا أن نقرر، في أول القسم من بحثنا، أن التدوير يمتنع امتناعًا تامًّا في الشعر الحر، فلا يسوغ للشاعر على الإطلاق أن يورد شطرًا مدورًا. وهذا يحسم الموضوع.
وإذن فلماذا نكتب هذا الفصل؟
نفعل ذلك لأن امتناع التدوير في الشعر الحر ليس شيئًا معروفًا لجمهرة
стр. 112
الشعراء الذين ينظمون هذا الشعر، وإنما نبدأ نحن بتقريره واستنباطًا وقياسًا على العروض العربي وانقيادًا للذوق الفطري. وليس يخفى أن كل قاعدة مقررة إنما بدأت بأن استنبطها إنسان ما، فذلك سائغ ولا مأخذ عليه.
وإنما ينبغي لنا أن نبرر هذا المنع من جهة، وأن نشير إلى ما يقع فيه الناشئون من أخطاء، في هذا الباب، من جهة أخرى.
وأحب أن أقول أولًا أنني لست ممن يمنع الأساليب الجديدة لمجرد أنها لم تسمع من العرب، وذلك لأن تطور الظروف والأحوال في البيئة قد يستدعي تطور القواعد. وإنما اعتمادنا دائمًا على الذوق والمنطق الأدبي والفطرة الشعرية التي نملكها وهي، بلا ريب، شديدة التأثر بأحوال العصر الذي نعيش فيه. وذلك بالإضافة إلى مقاييس العروض العربي والمسموع من شعرنا القديم عبر مئات السنين.
أما أسباب امتناع التدوير في الشعر الحر، في رأيي، فأنا أبسطها فيما يلي:
أولًا- لأن الشعر الحر شعر ذو شطر واحد كما سبق أن أوضحنا. وذلك يتضمن الحقائق التالية:
أ- كان شعر الشطر الواحد لدى العرب، في العصور كلها، قديمًا وحديثًا، شعرًا يستقل فيه الشطر استقلالًا تامًّا فلا يدور آخره. وذلك منطقي وهو يتمشى مع معنى التدوير الذي لا يقع إلا في آخر الشطر الأول ليصله بالشطر الثاني، وذلك في القصائد ذات الشطرين وحسب. وعلى ذلك فإن التدوير ملازم للقصائد التي تنظم بأسلوب الشطرين وحسب.
ب- لأن التدوير يعني أن يبدأ الشطر التالي بنصف كلمة وذلك غير مقبول في شطر مستقل. وإنما ساغ في الشطر الثاني من البيت لأن الوحدة هناك هي البيت الكامل لا شطره. وأما في الشعر
стр. 113
لحر فإن الوحدة هي الشطر، ولذلك ينبغي أن يبدأ دائمًا بكلمة لا بنصف كلمة كما في فقرة جورج غانم التالية من المتقارب:
لأهتف قبل الرحل
ترى يا صغار الرعاة يعود الر
فيق البعيد١
ج- لأن شعر الشطر الواحد ينبغي أن ينتهي كل شطر فيه بقافية "أو على الأقل بفاصلة تشعر بوجود قافية". ومن خصائص التدوير أنه يقضي على القافية لأنه يتعارض معها تمام التعارض. وهذه حقيقة تفوت الشعراء الناشئين. وبسببها يضيعون قوافيهم التي يجهدون لها أحيانًا. والمثال السابق من شعر جورج غانم نموذج لما نقول. فقد انتهى الشطر الثاني بالقافية "يعود" وهي تتجاوب مع قافية الشطر الثالث "البعيد". على أن مجيء التدوير في الشطر الثاني قد جعل تقطيع الشطر كما يلي:
ومعنى ذلك أن القافية "البعيد" أصبحت تقابل كلمة "يعودر"
وبذلك ماتت القافية. وكان على الشاعر أن يضحي بواحد من اثنين: القافية أو التدوير. ولسنا ندري لماذا لم يقل مثلًا:
ترى يا صغار الرعاة يعود
رفيقي البعيد
وإذا كان يريد أن يجعل "يعود" قافية، ويحسب أن الشطر قد انتهى
стр. 114
عندها، فكيف فاته أن بداية الشطر التالي "الرفيق البعيد" كانت حرفًا ساكنًا هو همزة الوصل؟ ومتى كان البيت العربي يبدأ بساكن؟
ثانيًا- يمتنع التدوير في الشعر الحر لأنه شعر حر، أعني أن الشاعر فيه قادر على أن ينطلق من القيود، ومن ثم فإن ذلك يجعله في غير حاجة إلى التدوير. وما التدوير، لو تأملنا، إلا لون من الحرية يلتمسه الشاعر الذي كان مقيدًا بأسلوب الشطرين حيث الشطر الأول ذو طول معين لا ينبغي أن يزيد، فكان الشاعر يطيله بالتدوير ليملك بعض الحرية. ومن ثم فلماذا يريد الشاعر تدوير أشطره في القصيدة الحرة؟
الحقيقة أنه ليس من سبب يبرر ذلك على الإطلاق. فالشعر الحر يبيح للشاعر أن يطيل الشطر وفق حاجته، وبذلك يتخطى الشطر القديم الذي كان يقيد الشاعر. وإذا كان الشاعر قبل يستعمل تدويرًا يطيل به الشطر الأول فإن الشاعر الحر يستطيع أن يطيل شطره دون تدوير، وذلك بأن يرص الشطرين المدور أولهما معًا في شطر واحد؛ لأن ذلك مباح في الشعر الحر، وهو في الواقع مزيته. وفي هذه الحالة يصبح التدوير بلا معنى على الإطلاق. وقد كانت أشطر جورج غانم تشير إلى هذا بوضوح، فقد قال في شطرين:
ترى يا صغار الرعاة يعود الر
فيق البعيد
وهذا شيء لا ضرورة له، ففي وسعه أن يقول في شطر واحد متناسق:
ترى يا صغير الرعاة ... يعود الرفيق البعيد.
وقد رأينا مما سبق أن القافية "يعود" في الشطر الواحد ليست أقل ضياعًا منها في شطرين، وذلك لأن التقسيم القسري لشطر واحد إلى شطرين لا ينقذ هذين الشطرين من أن يبقيا شطرًا واحدًا في الواقع.
وبعد، فإن كون الشعر الحر يمنح الشاعر حرية إطالة أشطره
стр. 115
وتقصيرها والوقوف حيث يشاء بحسب مقتضى المعنى، ينفي الحاجة إلى التدوير أصلًا. فإذا احتاج الشاعر إلى شطر طويل فإن في وسعه أن يكتبه بلا تدوير. بدلًا من أن يكتب شطرًا ذا ثلاث تفعيلات مدورًا بحيث يفضي إلى شطر آخر ذي ثلاث تفعيلات، فإن في إمكانه أن يجمع الشطرين في شطر واحد ذي ست تفعيلات. أو لم نبح له ذلك في الشعر الحر؟
فما الداعي إلى التدور إذن؟
وقد يعترض علينا شاعر بأن يقول "إني إنما أجعل الأبيات مدورة في أشطر متتالية كثيرة لأن العبارة التي أكتبها تستغرق أشطرًا كثيرة. أو لم تبيحوا لي أن أطيل العبارة التي أكتبها تستغرق أشطرًا كثيرة. أو لم تبيحوا لي أن أطيل العبارة كما أشاء؟ " والواقع أن في هذا السؤال وهمًا واضحًا. ذلك أن التدوير ليس ملازمًا للعبارة الطويلة، فقد تكون العبارة قصيرة ويدوِّر الشاعر البيت مع ذلك، وقد تكون طويلة دون أن يحتاج إلى تدوير البيت. ولماذا تستغرق أية عبارة طويلة عشرة أشطر مدورة؟ لماذا لا تستغرق عشرة أشطر غير مدورة؟ إن التدوير، لو تأملنا، لا يتصل بطول العبارة، وإنما هو محض انشطار الكلمة إلى شطرين كل منهما ينتمي إلى تفعيلة. ومن ثم فإنه قد يقع في كل شطر من قصيدة عبارتها قصيرة، فتبدأ العبارة في منتصف الشطر المدور وتنتهي في النصف الثاني، ثم تبدأ عبارة جديدة في منتصف شطر مدور ثان وتنتهي في الشطر التالي. وكذلك فلا صلة للتدوير بطول العبارة.
ثم إن هناك سؤالًا شديد الأهمية ينبغي للشاعر أن يلقيه على نفسه، السؤال حول الطول الممكن للعبارة في أية قصيدة ذات إيقاع وموسيقى. فلنفرض أننا أبحنا للشاعر أن يطيل شطره "ذا التفعيلة المكررة" إلى ما شاء الله. فهل يستسيغ سمعه أن يورد أكثر من ست تفعيلات أو ثمان في الشطر الواحد؟ الجواب على هذا قد ثبت لي بالتجربة الطويلة وقراءة مئات من قصائد الشعراء. أن ذلك غير سائغ ولا مقبول لأن الغنائية في تفعيلات العشر تفقد حدتها وتأثيرها حين تتراكم تفعيلات متواصلة لا وقفة
стр. 116
عروضية بينها، ذلك فضلًا عن أن تواتر التفعيلات الكثيرة مستحيل لأنه يتعارض مع التنفس عند الإلقاء. لا بل إنه يتعب حتى من يقرؤه قراءة صامتة بما يحدث من رتابة. وسرعان ما نمجه ونرفض أن نقرأه. ولننظم مثالًا من البحر الكامل تتوافر فيه "متفاعلن" بلا وقفة مع غلبة التدوير:
طلعت نجوم الليل تفرش ظلمة الأحراش
أحلامًا طريات ورش العطر خد الليل والدنيا
تلفع كل ما فيها بأستار الظلام المدلهم البارد
لقبري وانتاب المدى خوف من المجهول، يا
قلبي تيقظ واترك الأوهام تجني كل
اقات الأماني. أمسك الجذلان بالأفراح
والرغبات قد نفض النعاس وعاد يملأ مشرق
الدنيا ضياء وابتسامات فدع فتن الصباح
المشرق المسحور ينفذ لا تكن حيران مقطوع
الرؤى ...
أليس هذا نظما سمجًا، ميتًا، لا يحتمل؟ إن قراءته غير ممكنة، وهو لترادفه السريع ممل رتيب يتعب السمع ويضايق الحس الجمالي لدى القارئ. وأبرز ما ينقصه هو الوقفات. ذلك أن السكتة في آخر الشطر والبيت كانت وما زالت عنصرًا "مهمًّا" في القصيدة. إن للسكوت وقعًا شعريًّا يعادل وقع الأشطر نفسها. ومن دون هذا السكوت يموت الشعر كما رأينا.
والظاهر أن كثيرًا من الذين ينظمون الشعر الحر ينسون هذه الحقيقة، ولذلك نراهم يرصون لنا أشطرًا كثيرة مدورة هي في الحقيقة كلها شطر واحد.
وما أحراهم بأن ينتبهوا.
стр. 117
ملاحظة ختامية:
أصبح الشعراء المحدثون اليوم ينظمون قصائد طويلة كل أشطرها مدورة، أو لنقل إنها تتألف من شطر واحد طويل في الحقيقة لما سبق أن قررناه من أن التدوير يمتنع في الشعر الحر. ولسوف يبدو أن ما نظمتُهُ سنة ١٩٦٢ لكي يكون مثالًا للرداءة قد أصبح بعد عام ١٩٨٦ قاعدة تحتذى ونموذجًا يطيعه عشرات الشعراء اليافعين. ومثال ذلك قصيدة حسب الشيخ جعفر "السيدة السومرية في صالة الاستراحة" وفيها يقول:
"تخيرني وجهك السومري مطارًا، فما لي سوى أن أرحب أو أن أودع، سيدتي كنت لي نجمة في سماء المخازن تؤنسني كلما انحسر المشترون، اتركيني ألم تقاطيع وجهك في الحائط المتآكل في أور، في صالة الاستراحة، في أوجه العارضات النحيفات، عودي تماثيل في باطن الأرض أو المتاحف بيني وبين الشحوب الذي لمستْهُ يدي برهة".
وأمثال هذا شائعة لدى اليافعين اليوم، ولن أتناوله بالدراسة في هذا الكتاب وإنما مكانه كتاب ثانٍ أشتغل الآن في تأليفه.
стр. 118
-٤- التشكيلات الخماسية والتساعية:
جاء الشعر الحر بالحرية وأصبح في مقدور الشاعر أن يزيد التفعيلات في الشطر وينقصها كما يشاء وفق القيود والشروط التي ذكرناها في الفصول السابقة. وقد أدى ذلك إلى أن ينظم الشعراء أشطرًا تتنوع أعداد تفعيلاتها من الواحدة إلى العشر. وكان أن جابهنا في الشعر العربي الأشطر ذات الخمس تفعيلات.
ونحن حريون أن ننبه أولًا إلى أن الشعر العربي، في مختلف عصوره، لم يعرف الشطر ذا التفعيلات الخمس، وإنما كان الشطر يتألف إما من تفعيلتين كما في الهزج والمجتث والمضارع، أو من ثلاث كما في الرجز والرمل والكامل، أو من أربع كما في الطويل والبسيط والمتقارب والخبب. وعند هذا وقف الشاعر، فلم نقرأ له أشطرًا ذات خمس تفعيلات إطلاقًا.
وأما في المجزوء فإن طول الشطر لم يزد على تفعيلتين أو ثلاث. وعندما يكون الشطر المجزوء مدورًا فإن طول الشطر يصبح -في الواقع لا في الاعتبار- ست تفعيلات وإن سميناه بيتًا؛ لأن المدور، في حقيقته، شطر لا شطران. وهذا قد كان الطول الأقصى للشطر العربي.
стр. 119
وجاء المعاصرون وتناولوا الحرية التي أباحها لهم الشعر الحر فخرجوا على قانون الأذن العربية ونظموا أشطرًا ذات خمس تفعيلات. وكان ينبغي لهم، إذ ذاك، أن يتوقفوا ويدرسوا هذه المسألة ويقرروا مدى نجاحها. فلماذا لم يكتب العرب شعرًا خماسي التفعيلات على الإطلاق؟ أو كان ذلك مصادقة واعتباطًا؟ أم أن للعدد خمسة صفة تجعله لا يصلح في شعر لدن ذي إيقاع؟ على أن المعاصرين، شعراء ونقادًا، لم يعنوا ببحث هذه الأسئلة ولم يقفوا عندها. لا بل إن مجابهتنا بالأشطر الخماسية لم تُثر أي صدى فكأن العرب قد ألفوا ذلك. ومضى الشعراء يكتبون أشطرًا خماسية دونما تعليق.
وكان ذلك كله ينم عن الإهمال، إهمال من الشعراء الذين يكتبون بأسلوب جديد فلا يعنون حتى بالإشارة إلى ذلك، وإهمال من النقاد الذين تمر بهم ظاهرة كهذه فلا تلفت أنظارهم. وإنما كان ينبغي أن تدرس القضية فإما أن تُقر باعتبارها تجديدًا يقبله الذوق المعاصر، أو أن ترفض لأنها نشاز موسيقي تأباه الأذن العربية. ولعلنا نعتب على العروضيين أكثر مما نعتب على سواهم، لما في أيديهم من سبل النقد الشعري وما لهم في أنفسنا من ثقة. على أن أكثرهم فيما نعلم قد استكبر أن ينظر في الشعر الحر، وأنف أن يعده شعرًا بحيث ينزل إلى نقده بمقاييس العروض الصلدة، ومن ثم فماذا يعنيه أن ترد فيه خمس تفعيلات أو لا ترد؟ ومهما تكن الأسباب، فإن الشعراء راحوا يقعون في الشطر الخماسي دون أن ينتبهوا إلى شناعة وقعه في السمع وقبح إيقاعه.
هذا نموذج من قصيدة لفدوى طوقان سبق أن اقتبسنا منها١:
تحبني صديقي المقرب
"أربع تفعيلات":
صداقة حميمة تشدني إليك من سنين
"خمس":
стр. 120
وقولها في القصيدة نفسها:
قبلك من سنين من سنين
"ثلاث":
نشدتها مذ كنت طفلة حزينة مع الصغار
"خمس":
وحين فتحت براعمي ورعرع الصبا النضير
"خمس":
وضمخ الجواء بالعبير
ومثل ذلك في قصيدة عنوانها "جيكور والمدينة" لبدر شاكر السياب١:
تقول يا قطار يا قدر
"ثلاث":
قتلت إذ قتلته الربيع والمطر
"أربع":
وتنشر الزمان والحوادث الخبر
"أربع":
والأم تستغيث بالمضمد الخفر
"ثلاث":
أن يرجع ابنها يديه، مقلتيه، أيما أثر
"خمس"
وترسل النواح يا سنابل القمر
"أربع":
لعل هذه النماذج تخبرنا هي نفسها لماذا لم يرتكب العرب الوقوع في التفعيلات الخماسية، ذلك أنها تبدو قبيحة الوقع، عسيرة على السمع، بحيث لا نحتاج إلى أكثر من إيرادها للتدليل على ضرورة تحاشيها.
ومما لا يقبل كذلك استعمال تشكيلة ذات تسع تفعيلات، ومثالها قصيدة لخليل الخوري، من المتقارب. قال٢:
تمر ليال أحس بها أنني لن أكحل جفني بمرأى الصباح
ليالٍ أرى الموت فيها على قاب قوس وأدنى يمد إليَّ الجناح
وأسمع دقات قلبي مجنونة كالرياح كعصف الرياح
стр. 121
يرد صداها جدار الظلام ويذرو حبيباتها فهي رجع نواح
فأبسم مستسلمًا غير أني إذا ما أطل على الكون فجر ولاح
أراني ما زلت أحيا كما كنت لا الموت جاء ولا ثار حولي الصياح
إن كل شطر في هذه القصيدة ذو تسع تفعيلات وهو -كما نظن أن القارئ يقرنا عليه- أطول مما ينبغي لشطر واحد. وليس لنا مفر من أن نعده شطرًا واحدًا لأن العدد تسعة لا ينقسم على اثنين بحيث نستطيع أن نرصفه على شطرين فنخفف بذلك من ثقله. ولقد كنا نستطيع أن نقسمه على ثلاثة أشطر ولو أن الشاعر أراد ذلك وأحدث له الوقفات اللازمة في ثنايا الشطر. والواقع أن قابلية العدد تسعة للقسمة على ثلاثة تجعل إطالة الشطر إليه أمرًا غير مقبول، فماذا كان يضير الشاعر أن يقول هذا مثلًا:
فأبسم مستسلمًا غير أني إذا ما أطل ... على الكون فجر ولاح
أراني ما زلت أحيا كما كنت لا الموت جاء ... ولا ثار حولي الصياح
إن ثقل التفعيلات التسع يأتي من ناحيتين: أولاهما أن العرب لم يكتبوا شطرًا مدورًا أطول من ثماني تفعيلات، وثانيهما أن الرقم تسعة هو نفسه ثقيل الوقع في السمع، كالرقم خمسة تمامًا. فليس الطول وحده هو الثقيل فيه، وإنما لأنه أيضًا ذو تسع تفعيلات.
أما السبب في كون العددين خمسة وتسعة لا يردان في الشعر العربي فلعله يحتاج إلى دراسة للمقاطع تكشف السر فيه.
ملاحظة ختامية:
نبه أكثر من أديب إلى أنني أنا نفسي أستعمل التشكيلات الخماسية في
стр. 122
شعري، وقد أدهشني هذا فرجعت إلى قصائدي فإذا الأمر صحيح. ومن ثم فإن الظاهر أنني مجزأة إلى جانبين: جانب مني ذهني يرفض كل تشكيلة خماسية رفضًا كاملًا، وجانب مني سمعي يتقبلها ولا يرى فيها ضيرًّا. أو نقل أن الناقدة فيَّ تفرض، والشاعرة تتقبل.
ولقد أجريت تجربة عام ١٩٦٨ فنظمت قصيدة مقطوعية كل أشطرها خماسية وعنوانها "ضوء القمر" وقد نشرتها مجلة في القاهرة أظن اسمها كان "مجلة الشعر" ورئيس تحريرها صلاح عبد الصبور، وقد صدر منها عدد واحد وتوقفت. ولكني ما زلت أنفر من هذه القصيدة ولا أحبها بسبب خماسية تفعيلاتها، وقد رفضت أن أدخلها مجموعاتي الشعرية المطبوعة. بعد هذا، سأترك الشعراء والقراء يحكمون في قضية التشكيلات الخماسية بما يرونه مناسبًا، ما دمت قد أعلنت حقيقة موقفي إعلانًا أمينًا.
стр. 123
-٥- مستفعلان في ضرب الرجز:
يقع بعض الذين ينظمون قصائد من بحر الرجز في خطإ شنيع هو أنهم يوردون التفعيلة "مستفعلان" في ضربه، ولا يقع هذا في الشعر العربي قط لأن الأذن تمجه. ولعل خير دليل نقدمه على شناعة وقع "مستفعلان" هذه في ضرب الرجز ما نجده في كتب النحو العربي حين يتحدثون عن أنواع التنوين فيسمون التنوين في خاتمة بيت رؤبة التالي "غاليًا" أي صعبًا عسيرًا لا ينبغي أن يرد:
وقائم الأعماق خاوي المخترقن
مشتبه الأعلام لماع الخفقن
وظاهر أن التفعيلة الأخيرة هنا قد التقى فيها ساكنان وباتت مماثلة لمستفعلان "ما عدا أن القاف فيها حرف صيح لا لين". وإنما سموا النون هنا "غالية" لأنها وردت في مكان غير مقبول من تفعيلة الرجز التي ترفضها. وليس في الشعر العربي كله، عدا هذه النون، تشكيلة لبحر الرجز تنتهي بـ "مستفعلان". ومن الواضح أن بيت رؤبة شاهد نحوي، وكثيرًا ما يتعسف النحاة في التماس الشواهد.
стр. 124
وأما لماذا أورد المعاصرون "مستفعلان" هذه في خواتم تشكيلات الرجز في شعرهم الحر، فلعل التعليل الوحيد له أن الشاعر الناشئ سمع أن في الشعر الحر حرية فظن أن معنى تلك الحرية أن يخرج على العروض وقواعده، وحتى على الأذن العربية وما تقبله. وغاب عنه أن العروض هو الموسيقى ولا سبيل إلى الخروج عليه ما دمنا ننظم شعرًا. ولا ريب أن اصطلاحنا "الشعر الحر" لا يسمح بمثل هذه التأويلات الفضفاضة التي وقع فيها الشعراء لأننا احترزنا بكلمة "الشعر" عن أن نقصد بالاصطلاح الخروج على ما هو أساسي في كل شعر وهو الموسيقى. وأما "الحرية" فقد شرحناها بأنها التحرر من التقيد بالشطرين المتساويين في الطول. ومن ثم فإذا نظمنا قصيدة حرة، على زن الرجز، فمن المنطقي أن نتقيد بقوانين العروض الخاصة ببحر الرجز جميعًا، ما عدا التقيد بعدد معين من التفعيلات في كل شطر.
وقد بدأت الفوضى في بحر الرجز على يد قلة من الشعراء الناشئين كما أذكر، وكنت وأنا أرقب ما تنشر الصحف أعتقد أن الراسخين من الشعراء، الذين مارسوا النظم بأسلوب الشطرين طويلًا، سوف يتحاشون الوقوع في هذه الفوضى، ومن هؤلاء نزار قباني مثلًا وقد سبق له من بحر الرجز في ديونه الأول:
تقول لي مكسورة الأهداف عم تبحث؟
قلت أضعت قبلة وفقدها كم يورث
قد قفزت مني وفوق الثغر منك تمكث
سمراء رديها إلي ليس بي تريث١
هنا نرى نزار قباني لا يأتي بتشكيلة فيها "مستفعلان" غير أنه يقع في ذلك عندما يخرج إلى سماء الحرية في الشعر الحر بعد ذلك بسنوات،
стр. 125
وكأنه نسي حتى أذنه الموسيقية وتحرر منها فنسمعه يقول:
أكتب للصغار
للعرب الصغار حيث يوجدون
"مفاعلان":
أكتب للذين سوف يولدون
"مفاعلان":
أكتب للصغار
قصة بئر السبع واللطرون والجليل
واختي القتيل
هناك في بيارة الليمون أختي القتيل
"مفاعلان":
إذ كان في يافا لنا حديقة ودار
يلفها النعيم
وكان والدي الرحيم
"مفاعلان":
مزارعًا شيخًا يحب الشمس والتراب١
وكذلك نجد هذا الخطأ لدى فدوى في قصيدتها "تاريخ كلمة" التي سبق أن اقتطفنا منها ذلك حيث تقول:
ومرت الأيام يا صديقي الأثير
جديبة مطمورة بالثلج بالأسى المرير
"مفاعلان"
وقلبي الوحيد ينطوي على جفافه على ظماه٢
"مفاعلان":
إن هذا شنيع. وأنا على يقين من أن نزار وفدوى -وكلاهما شاعر مرهف ذو موهبة صافية- سوف يلاحظان معنى ما أقول فورًا ويقران
стр. 126
أنه ناشز. وإنما يقعان فيه، على ما أظن، وهما يشعران بنفور منه. غير أن دوار الحرية قدأصابهما فيمن أصابه، فجعلهما يكستان صوت فطرتهما الشعرية. ولعل هذا هو أيضًا شأن غير قليل من الشعراء الذين نشئوا بعد نزار وفدوى مثل صلاح عبد الصبور١ وغيره. ونحن نتمنى أن يعود هؤلاء الشعراء إلى صوت فطرتهم التي تلهمهم وأسماعهم العربية ليتبينوا الصواب من الخطإ. ولا أظنه يضير الشاعر المعاصر أن يدرس العروض ولو دراسة عابرة، فإنما وجد العروض ليعين الشعرا أكثر مما يعين الناظمين. وإنما يفهم العروض الفهم الحق الشاعر الموهوب. وأما الناظم فمهما درسه فإن جوانب منه تبقى غامضة عليه، فضلًا عن أنه لا يستطيع أن يبدع فيه، وقصارى ما يملك أن يقيس على الموازين قياسًا انطباقيًّا جامدًا.
والواقع أن الشعر ليس موهبة وحسب، وإنما هو نظم قبل ذلك، وللنظم قواعده وأسسه. فإذا كان الشاعر الموهوب، بكل موهبته التي يعتز بها، ينظم الشعر ويخطئ في الوزن، فما باله يزدري العروض ويترفع عن دراسته إذن؟
стр. 127
-٦- فاعل في حشو الخبب:
المعروف أن تفعيلة الخبب "فعلن" ليست إلا زحافًا يعتري تفعيلة المتدارك الأصلية "فاعلن". وبتكرار فعلن هذه ينشأ وزن الخبب أو "ركض الخيل" كما يسمونه أحيانًا. والمعروف أيضًا أن العرب لم يستعملوا هذا الوزن إلا نادرًا. ولعل ذلك هو الذي جعل الخليل ينساه فلا يحصيه في بحوره الخمسة عشر، وإنما استدرك به الأخفش وسماه لذلك "المتدارك".
ويتميز هذا الوزن بخفته وسرعة تلاحق أنغامه، كما نرى من نموذجه التالي المشهور:
يا ليل الصب متى غده؟ ... أقيام الساعة موعده
رقد السمار وأرقه ... أسف للبين يردده
стр. 128
فبكاه النجم ورق له ... مما يرعاه ويرصده
كلف بغزال ذي هيف ... خوف الواشين يشرده
نصبت عيناي له شركًا ... في النوم فعز تصيده
صنم للفتنة منتصب ... أهواه ولا أتعبده
صاح والخمر جنى فمه ... سكران اللحظ معربده١
وهذه الخفة وتلك السرعة تجعلانه لا يصلح إلا للأغراض الخفيفة الظريفة، وإلا للأجواء التصويرية التي صح فيها أن يكون النغم غالبًا. وإنما يثبت فيه هذه الصفة ما نراه من تقطع أنغامه، فكأن النغم يقفز من وحدة إلى وحدة. وسبب ذلك أن "فعلن" تتألف من ثلاث حركات متوالية يليها ساكن "وهو ما يسمى بالفاصلة الصغرى" وهذا التوالي الذي يعقبه سكون في كل تفعيلة يُسبغ على الوزن صفته الملحوظة فكأنه يقفز. وذلك هو الذي جعلهم يسمونه "ركض الخيل" أحيانًا.
والظاهر أن الشاعر العربي كان يضيق بهذا التقطع في وزن الخبب فيعمد إلى التخفيف منه بإسكان العين في "فعلن" بين الحين والحين وبذلك يتحول السبب الثقيل إلى سبب خفيف ويزول العناء. وذلك واضح في قصائد الخبب كلها ومنها قصيدة الحصري السابقة:
стр. 129
ينضو من مقلته سيفًا ... وكأن نعاسًا يغمده
إن في هذا البيت أربع تفعيلات مخففة وأربعًا على الأصل وذلك يكبح جماح الحركة ويخفف منها. فضلًا عن أنه يضيف تنويعًا وتلوينًا إلى تفعيلات البحر الرتيبة.
ثم جاء العصر الحديث فإذا نحن نحدث تنويعًا جديدًا لم يقع فيه أسلافنا. ذلك أننا نحول "فعلن" إلى "فاعل". وليس في الشعراء، فيما أعلم، من يرتكب هذا سواي، بدأت فيه منذ أول قصيدة حرة كتبتها سنة ١٩٤٧ ومضيت فيه حتى الآن. هذا مثلًا مطلع قصيدتي "لعنة الزمن"١ من الخبب:
كان المغرب لون ذبيح
والأفق كآبة مجروح
ووزن الشطر الأول فيه هو:
فعلن فاعل فاعل فعل
وقد جرت أشطر كثيرة في القصيدة على هذا النسق، خلافًا للقاعدة العروضية في الخبب. وأنا اقر بأنني وقعت في هذا الخروج من غير تعمد. وقد ألفت أن أنظم الشعر بوحي السليقة، لا جريًا على مقياس عروضي، تحملني خلال عملية النظم موجة الصور وللشاعر والمعاني والأنغام، دون أن أستذكر العروض والتفعيلات. وإنما تتدفق المعاني موزونة على ذهني ومن ثم فإن "فاعل" قد تسربت إلى تفعيلاتي "الخببية" وأنا غافلة. وحين انتهيت من القصيدة كان نغمها يبدو لي من الصحة والانثيال الطبيعي بحيث لم أنتبه إلى ما فيه من خروج عن تفعيلة الخبب.
стр. 130
وسرعان ما احتج علي الدكتور جميل الملائكة١ منبهًا إلى خروجي عن تفعيلة الخبب. وقد أدركت فورًا أنه على حق وأن تفعيلتي دخيلة. وجلست أفكر، مندهشة، في سبب هذا الذي وقع لي. فكيف ولماذا جاز أن تقبل أذني الممرنة خروجًا على الوزن مثل هذا؟
وجاء الجواب بعد قليل من التأمل، وكان جوابًا بسيطًا واضحًا: أن أذني، على ما مر بها من تمرين تقبل هذا الخروج ولا ترى فيه شذوذًا، فليس هو خطأ وقعت فيه، وإنما هو تطوير سرت إليه وأنا غافلة. ومعنى ذلك أن "فاعل" لا تمتنع في بحر الخبب، لأن الأذن العربية تقبلها فيه. وإذن فلماذا لم يقرها العروضيون؟ وهل من حقي أنا أن أثبت تفعيلة جديدة في بحر عربي ضبط منذ عصور طويلة؟
الواقع أنه ليس من حقي، كما أنه ليس من حق أي شاعر أن يفعل ذلك. إنما يقرر القواعد القبول العام. نعم، لقد قرر الخليل قواعد جديدة، غير أن تقريره ذلك لم يكن هو الذي ثبتها، وإنما ثبتت حين قبلها الشعراء المتمكنون والعارفون في عصره. وكذلك لن تثبت تفعيلتي الجديدة إلا إذا لقيت موافقة العروضيين.
والحق أن قليلًا من التأمل في التفعيلتين "فَعِلن" و"فاعلُ" لا بد أن يقودنا إلى أنهما متساويتان من ناحية الزمن تساويًا تامًّا لأن طولهما واحد. وفي وسعنا التأكد من ذلك بأسلوب العروضيين.
ف ع ل ن – ف اع ل
- - - ٥ - ٥ - -
стр. 131
فإن بين أيدينا هنا تفعيلتين تحتوي كل منهما على ثلاثة متحركات وساكن واحد. وإنما الفرق بينهما في مواضع المتحركات والساكن. ويظهر ذلك واضحًا حين نكتب التفعيلتين بلغة الموسيقى:
ومعنى ذلك أن كلتا الوحدتين مكونة من ضربتين قصيرتين وضربة طويلة. وإنما تقع الطويلة في مطلع "فاعلُ" وفي آخر "فعلن".
ومن الناحية الموسيقية يستوي عدد الأجزاء في التفعيلتين فكلاهما يتألف من أربعة أجزاء.
وكل هذا يجعل ورود "فاعلُ" في الخبب سائغًا مقبولًا حتى ليصح، في عقيدتي، أن نكتب قصيدة خببية وزنها كما يلي:
فاعلُ فاعلُ مفتعلن
أقبل فجرك يا وطني
إن الأذن العريبة تقبل هذا، فكيف بها وهو يرد، على وجه التنويع غير وزن الخبب؟
هذا إذن هو السبب الذي جعلني أتمسك بتفعيلتي الدخيلة، والواقع أنني لم أزل أستعملها في حشو الخبب ومنه في آخر قصيدة كتبتها منه:
وعد في شفة الزنبق غطى المرج شذاه
وتألق فجر منبثق فوق مسافات مبهوره
стр. 132
ونسائم تعبر في وديان مسحورهْ
إن شاء الله رؤى أغنية طافحة وندى وصلاهْ
ورأيي أن إقرار ذلك قاعدة في بحر الخبب يضيف سعة وليونة إلى هذا البحر يضيق بفواصله الصغرى كما بيَّنا
والرأي الأخيرة لأغلبية العروضيين والشعراء المتمكنين في الوطن العربي١.
стр. 133
الباب الثالث: الشعر الحر باعتبار أثره
الفصل الأول: الشعر الحر والجمهور
توطئة
...
الباب الثالث: الشعر الحر باعتبار أثره.
الفصل الأول: شعر الحر والجمهور.
توطئة:
لعل تاريخ الشعر العربي لم يعرف هزة أكبر من تلك التي تعرض لها وهو يواجه حركة الشعر الحر التي بدأت تنتشر انتشارها الجارف منذ سنة ١٩٥٢، مع أن أولياتها تعود إلى سنة ١٩٤٧، فقد جاء هذا الشعر بتجديد كامل في النظرة إلى وزن الشعر فنقل الأساس فيه من الشطر إلى التفعيلة، ومن نظام الشطرين الاثنين والقافية الموحدة، إلى نظام الشطر الواحد والقافية المتغيرة١. ومع أن الحركة كانت قائمة على أساس راسخ من العروض العربي، ببحوره وأشطره وقوافيه، إلا أن الجمهور العربي قد تكشف عن مقاومة مستمرة صريحة لها، فلم يرض
стр. 134
أن يتقبل هذا الشعر الجديد، ولا أن يحاول فهمه، وما زالت أغلب الأوساط الأدبية والفكرية تتحدث عنه بازدراء وسخرية. ولقد ألفنا في السنين الماضية أن نرى أنصار الشعر الحر يقابلون تحفظ الجمهور بالثورة وبحملات السباب والتجريح بشكل يوجع ضمير أي مراقب رصين للموقف. ذلك أن الجمهور العربي الذي يرفض هذا الشعر الحر لا يعدو أن يكون أحد اثنين، إما أنه متأخر في ثقافته ووعيه الشعري والأدبي وذوقه عن شعرائه الشباب بحيث لا يستطيع أن يصل إلى فهم حركة جديدة ما زالت تبدو له غامضة، وإما أنه محق في رفضه لهذا الشعر لسبب وجيه ما. وفي الحالتين لا ينبغي لنا أن نتهجم على الجمهور. فإن كان الحق معنا، وكان جمهورنا الذي نكتب له متأخرًا عنا، فإن واجبنا أن نعلمه لا أن نسبه ونهينه ونهاجم مقدساته، وأما إذا كان الجمهور على حق، فماذا علينا أكثر من أن نرى الحق ونقره، ولو كان ضدنا؟ إن الشعر العربي ينبغي أن يكون أعز علينا من أي تجديد غالط وقعنا فيه.
على أن من حسن الحظ أن الظروف أقل قسوة من هذين الطرفين اللذين ذكرناهما، فلا الجمهور العربي متأخر إلى هذا الحد المؤس، ولا الشعر الحر صادم للروح العربية والأذن العربية، وإنما يقوم موقف الجمهور منه على تداخل عوامل عديدة بعضها خارجي وبعضها يتصل بكل حركة مجددة تقابل جمهورًا ذا تراث قديم أصيل، وبعضها يرجع إلى أغلاط يقع فيها الشعراء أنفسهم.
ومهما يكن من أمر فقد حاولت في هذا البحث أن أدرس الأسباب التي جعلت الجمهور العربي يقف من الشعر الحر موقف المقاوم، وقد صح لديَّ، بعد طول التأمل، أن السبب في ذلك يرجع إلى ثلاثة أصناف من العوامل:
стр. 135
١ العوامل التي تتصل بطبيعة الشعر الحر، واختلافها عن طبيعة أسلوب الشطرين الشائع في الشعر العربي.
٢ العوامل التي تنشأ من ظروف الشعر العربي في هذه الفترة التي ولد فيها الشعر الحر، وهي عوامل تسببها ملابسات في جونا الأدبي سندرسها.
٣ عوامل تنشأ عن إهمال الشعراء الذين ينظمون الشعر الحر، وعدم عنايتهم بتهذيب شعرهم، وقلة معرفتهم بالشعر العربي، وضعف أسماعهم الموسيقية.
وسوف ندرس كل مجموعة من هذه العوامل في فصل خاص.
стр. 136
-١- طبيعة الشعر الحر:
لا ريب في أن السبب الرئيسي في مقاومة الجمهور العر بي للشعر الحر يكمن في كون هذا الشعر خارجًا على أسلوب الوزن الذي ألفه العرب. وكل جديد يقابل في أوله بالمقاومة والرفض، فليس الشعر الحر بدعًا في هذا. ولقد كان طبيعيًّا أن يضيق به القراء حين جوبهوا به أول مرة سنة ١٩٤٧.
وأكاد أعتقد أن أغلب القراء -وبينهم أدباء وحتى شعراء أحيانا- ما زالوا لا يملكون فكرة واضحة عن معنى الشعر الحر، فهل هو شعر بلا وزن؟ أم أنه وزن ما يخالف أوزان الشعر العربي؟ وإنما يحس بهذه الحيرة، على الخصوص، أولئك الذين لا يملكون أسماعًا مرهفة تميز وزن الشعر تمييزًا دقيقًا، وهؤلاء قد ألفوا، قبلُ، أن يروا الأوزان مرصوصة، على شطرين متساويين، بحيث يكون تبين موسيقاها أسهل. ولذلك تاهوا وتعبوا حين أصبحت الأشطر غير متساوية في أطوالها، وعاد الارتكاز إلى التفعيلة بحيث يحتاج الأمر إلى شاعر لكي يتبين الإيقاع والموسيقى.
стр. 137
كان القراء يقرءون البحر الكامل "الوافي" وهو مكتوب هكذا:
قلبي يحدثني بأنك مُتلفي ... روحي فداكَ عرفت أم لم تعرف
لم أقضِ حق هوالك إن كنت الذي ... لم أقضِ فيه أسى ومثلي من يفي
ما لي سوى روحي وباذل نفسه ... في حب من يهواه ليس بمسرف
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني ... يا خيبة المسعى إذا لم تُسعف١
متفاعلن متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلن متفاعلن
وكانوا يقرءون مجزوء الكامل وهو مكتوب على النحو التالي:
ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر ... فل في الدَمْقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير٢
متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلاتن
وكانوا يقرءون مشطور الكامل وهو يعادل شطرًا واحدًا منه. وكانوا يتقبلون ذلك كله لمجرد أن كل صنف منه معزول عن الصنف الآخر، فلا تكون القصيدة إلا وافية أو مجزوءة أو مشطورة دون أن تخلط بين هذه الأصناف.
стр. 138
وجاء الشاعر الحديث فرأى الرابطة بين وافي البحر ومجزوئه ومشطوره قائمة واضحة لأن هذه الأوزان كلها ذات تفعيلة واحدة هي متفاعلن، وهي كلها تنتمي إلى البحر الكامل، وإنما الفرق بينها في عدد "متفاعلن" وحسب، فهي تتكرر في الوافي ست مرات وفي المجزوء أربعًا وفي المشطور ثلاثًا. وقد لاحظ الشاعر أنه إذا وحد الضرب، استطاع أن يجمع مجزوء البحر ومشطوره وأجزاءهما في القصيدة الواحدة لأن عدد مرات التكرار لا يؤثر في الموسيقى شيئًا ما دامت التفعيلة واحدة والضرب واحدًا، ولذلك رأى أن يمزج بين الأطوال كلها في قصيدة واحدة. وكان ذلك طبيعيًّا وموسيقيًّا على أجمل ما يمكن.
والواقع أن الشعر الحر جارٍ على قواعد العروض العربي، ملتزم لها كل الالتزام، وكل ما فيه من غرابة أنه يجمع الوافي والمجزوء والمشطور والمنهوك جميعًا. ومصداق ما نقول أن نتناول أية قصيدة جيدة من الشعر الحر ونعزل ما فيها من مجزوء ومشطور ومنهوك، فلسوف ننتهي إلى أن نحصل على ثلاث قصائد جارية على الأسلوب العربي دون أية غرابة فيها.
ولنأت بمثال لما نقول. من قصيدة "إلى العام الجديد" من البحر "الكامل":
يا عام لا تقرب مساكننا فنحن هنا طيوف
من عالم الأشباح ينكرنا البشر
ويفر منا الليل والماضي ويجهلنا القدر
ونعيش أشباحًا تطوف
نحن اللذين نسير لا ذكرى لنا
لا حُلْمَ، لا أشواق تشرق، لا مُنى
آفاق أعيننا رماد
تلك البحيرات الرواكد في الوجوه الصامته
ولنا الجباه الساكته
стр. 139
لا نبض فيها لا اتقاد
نحن العراة من الشعور ذوو الشفاه الباهته
الهاربون من الزمان إلى العدم
الجاهلون أسى الندم
نحن الذين نعيش في ترف القصور
ونظل ينقصنا الشعور
لا ذكريات
نحيا ولا تدري الحياة
نحيا ولا نشكو ونجهل ما البكاء
ما الموت ما الميلاد ما معنى السماء١
ولنفرز أشطر هذه القصيدة ونجزئها إلى الأطوال التي يعزلها العروض العربي، فلسوف نحصل على ثلاث قصائد جارية على السلوب العربي حق الجريان. وهذه أولها، وهي من مجزوء الكامل ذي الشطرين:
يا عام لا تقرب مسا ... كننا فنحن هنا طيوف
ويفر منا الليل والـ ... ـماضي ويجهلنا القدر
تلك البحيرات الروا ... كد في الوجوه الصامته
نحن العراة من الشعو ... ر ذوو الشفاه الباهته
متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلن
أما القصيدة الثانية فهي من المشطور وهذا نصها:
نحن الذين نسير لا ذكر ى لنا
لا حُلْم لا أشواق تشرق لا مُنَى
من عالم الأشباح ينكرنا البشر
стр. 140
الهاربون من الزمان إلى العدم
نحن الذين نعيش في ترف القصور
نحيا ولا نشكو ونجهل ما البكاء
ما الموت ما الميلاد ما معنى السماء
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
وهناك قصيدة ثالثة نستطيع استخلاصها ذات وزن أقصر هو المنهوك.
ونعيش أشباحًا تطوف
آفاق أعيننا رماد
ولنا الجباه الساكته
لا نبض فيها لا اتقاد
ونظل ينقصنا الشعور
نحيا ولا تدري الحياة
إن هذه القصائد كلها من البحر الكامل وتفعيلتها جميعًا واحدة هي "متفاعلن" وهي إنما تجتمع في الشعر الحر لأن ذلك لا يخرج على النغم الذي تقبله الأذن العربية، وكل ما هنالك أنه أسلوب يتيح للشاعر تعبيرية أعلى يمنحه الفرصة لإطالة العبارة وتقصيرها بحسب مقتضيات المعنى. وليس يمكن أن يرفض الاعتراف بوزن ذلك شاعر ذو سمع مرهف. وإنما جاءت الضجة من القراء كما أسلفنا، وقد حسب بعضهم أن الشعر الحر نثر اعتيادي لا وزن له إطلاقًا. وليس أفظع غلطًا من هذا الحكم، كما رأى القارئ مما سبق. وإنني لأخجل حين أرى أحيانًا شعراء معروفين من الجيل السابق يصرحون في الصحف بأن الشعر الحر نثر. إن مثل هذه التصريحات الواقعة مؤلمة، ليس لأنها تؤثر في مستقبل الشعر الحر -ذلك لأنها لا تؤثر فيه- وإنما لأنها تشير إلى الارتجالية التي يكتب بها أدباؤنا، وإلى قلة تشخيصهم لمسئوليتهم في توجيه جمهور يتطلع إليهم
стр. 141
ملتمسًا التوجيه. والواقع الذي نحب أن نعود فنؤكده أنه ما من عارف بالشعر على الإطلاق يمكن أن يرضى لنفسه أن يقول إن الشعر الحر نثر لا شعر. وإنما يقول ذلك من لا معرفة له، أية معرفة، بالشعر العربي والعروض العربي. فليتحرج أي أديب كبير من الأحكام الارتجالية. إن الجيل الطالع سيكون أكثر معرفة بالعروض من أن تفوت عليه مثل هذه الأحكام الفاسدة.
стр. 142
-٢- الظروف الأدبية للعصر:
كان أسلوب كتابة الشعر العربي يمنحه شكلًا معينًا يساعد القارئ غير الشاعر على أن يدرك، في يسر وسهولة أن هذا شعر لا نثر. فما يكاد الشاعر يكتب الموزون، بأسلوب الشطرين، حتى يدرجه هكذا:
يا حسرة ما أكاد أحملها ... آخرها مزعج وأولها
عليلة بالشآم مفردة ... بات بأيدي العدى معللها
تسأل عنا الركبان جاهدة ... بأدمع ما تكاد تمهلها
وإذا نظم الرجز أدرجه هكذا:
قَد عَلِمَ الأبناءُ مَن غلامُها
إذا الصراصيرُ اقشَعَرَّ هامُها
أنا ابنُ هيجاها معي زمامُها
لم أَنبُ عنها نبوةً أُلامُها
стр. 143
من طولِ ما جرَّبني أيامُها
ولا تُرى حانيةً أرحامُها
وليلة قد بِتُّ ما أنامُها
أحييتُها حتى انجلى ظلامُها١
وكان وزن الشعر يبيح هذا الأسلوب في الكتابة فيستقل الشطر أو البيت "شطران بينهما فسحة" على سطر واحد يترك سائره خاليًا. وإنما كان هذا في الأصل إشعارًا للقارئ بأن هذا شعر، وإلا فقد كان ينبغي ألا تترك في الأسطر فراغات، تمامًا كما نفعل حين نكتب النثر.
وجاء الشعر الحر جاريًا على أساليب الشعر العربي، فراح الشاعر يكتب كل شطر من أشطره على سطر، سواء أكان شطرًا طويلًا أم قصيرًا، كما في هذه الأشطر من "المتقارب":
وكنا نسميه، دون ارتياب، طريق الأمل
فما لشذاه أفل؟
وفي لحظة عاد يُدعى طريق الملل٢؟
وإنما يترك الشاعر سطرًا، مثل الثاني في هذه الأسطر، خاليًا لأن "فما لشذاه أفل" كانت شطرًا كاملًا له وزن وضرب وقافية، وكان هذا الشطر مستقلًّا عن الشطرين اللذين جاءا قبله وبعده، فمن حقه أن يُخص بسطر يفرد له، على الأسلوب العربي. وهذه هي القاعدة في الشعر الحر، فهو يقطع على أسطر بحسب وزنه، كلما انتهى منه شطر
стр. 144
بدأ سطر جديد. وهذا كفيل بأن يساعد القارئ على تشخيص شعريته وتمييزه عن النثر حق التمييز.
على أن الشعر الحر سرعان ما وقع في إشكال عسير خاصة بالنسبة لأولئك القراء الذين يعتمدون في إدراك الشعر على شكل كتابته لأنهم لا يحسنون فهم الوزن ولا يعرفون العروض. ذلك أن هؤلاء القراء بدءوا يخلطون بين هذا الشعر الحر الموزون وبين نثر عادي لا وزن له أصبح الأدباء يكتبونه ويقطعونه على أسطر دون أي مبرر أدبي.
وهذا النثر الذي يغتصب لنفسه شكل الشعر يجري في اتجاهين اثنين:
١- الترجمات العربية للقصائد الأوروبية وغيرها.
٢- ما يسمونه بـ "قصيدة النثر" وهي نثر طبيعي خال من الوزن ومن الإيقاع اختاروا أن يسموه قصيدة.
وسوف ندرس كل صنف من هذين فيما يلي:
أ- الترجمات النثرية للشعر الأجنبي:
شاعت في جونا الأدبي ظاهرة كتابة النثر العربي الذي يترجم به الشعر الأجنبي مقطعًا على أسطر متتالية على سياق الترتيب في أصل القصيدة، فأصبح المترجمون يضعون مضمون كل شطر أجنبي في سطر مستقل كما يلي:
يا ملاكًا أسمر، وضاء، مستقيمًا
كمدفع يلمع في الفضاء،
سوادك يقتحم ذهني
стр. 145
وشعرك قاصف كالريح المصفحة التي
أمطرت على أوروبا١
وأحسب أن هذا الأسلوب في كتابة الترجمة منقول في الأصل عن اللغات الأوروبية. فقد ألفنا أن نرى أدباء أوروبا الذين ينقلون قصيدة من الألمانية إلى الإنكليزية مثلًا -أو بالعكس أو غيره- يلجئون إلى كتابة النص الإنكليزي بحيث يقابل كل شطر ترجمته الحرفية. وبذلك يسهل على القارئ مقارنة الترجمة بالأصل. وأغلب ما يفعل هذا، المترجمون الدقيقون الذين يريدون لترجماتهم أن تستعمل في التدريس بالجامعات حيث تتطلب الروح العلمية ترجمات محققة دقيقة الضبط يستطيع الطلبة والباحثون أن ينتفعوا بها، وذلك هو وحده الذي يبيح للمترجم أن يضع النثر مقابل الشعر، مكتوبًا على مثل ما يكتب الشعر عليه. ولقد ساعد على ذلك أن الصيغ والتعبيرات في اللغات الأوروبية متقابلة متشابهة إلى درجة ملحوظة، خاصة بين اللغات التي تنتمي إلى أصل واحد مثل الإنكليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية، فهي كلها تنحدر من أصل لاتيني يجمع بينها ويجعل كثيرًا من قواعدها متقاربة. فكان من السائغ في هذه اللغات أن يوضع الشطر الموزون مقابل سطر من النثر يحتوي على معناه، دون أن يجد المترجم صعوبة في توزيع الألفاظ والأشطر في حدود اللغة التي يكتب بها ترجمته.
هذا في لغات أوروبا. وأما في العربية فإن الأمر أشد تعقيدًا. ذلك أن لغتنا تختلف اختلافًا كبيرًا عن اللغات اللاتينية سواء أفي صيغتها وتعابيرها أم في اشتقاقاتها ونحوها وإعرابها، وذلك بحيث إذا أراد المترجم العربي أن تكون أسطره المترجمة مقابلة للأشطر الأوروبية فلابد له أن يضحي