ملتمسًا التوجيه. والواقع الذي نحب أن نعود فنؤكده أنه ما من عارف بالشعر على الإطلاق يمكن أن يرضى لنفسه أن يقول إن الشعر الحر نثر لا شعر. وإنما يقول ذلك من لا معرفة له، أية معرفة، بالشعر العربي والعروض العربي. فليتحرج أي أديب كبير من الأحكام الارتجالية. إن الجيل الطالع سيكون أكثر معرفة بالعروض من أن تفوت عليه مثل هذه الأحكام الفاسدة.
стр. 142
-٢- الظروف الأدبية للعصر:
كان أسلوب كتابة الشعر العربي يمنحه شكلًا معينًا يساعد القارئ غير الشاعر على أن يدرك، في يسر وسهولة أن هذا شعر لا نثر. فما يكاد الشاعر يكتب الموزون، بأسلوب الشطرين، حتى يدرجه هكذا:
يا حسرة ما أكاد أحملها ... آخرها مزعج وأولها
عليلة بالشآم مفردة ... بات بأيدي العدى معللها
تسأل عنا الركبان جاهدة ... بأدمع ما تكاد تمهلها
وإذا نظم الرجز أدرجه هكذا:
قَد عَلِمَ الأبناءُ مَن غلامُها
إذا الصراصيرُ اقشَعَرَّ هامُها
أنا ابنُ هيجاها معي زمامُها
لم أَنبُ عنها نبوةً أُلامُها
стр. 143
من طولِ ما جرَّبني أيامُها
ولا تُرى حانيةً أرحامُها
وليلة قد بِتُّ ما أنامُها
أحييتُها حتى انجلى ظلامُها١
وكان وزن الشعر يبيح هذا الأسلوب في الكتابة فيستقل الشطر أو البيت "شطران بينهما فسحة" على سطر واحد يترك سائره خاليًا. وإنما كان هذا في الأصل إشعارًا للقارئ بأن هذا شعر، وإلا فقد كان ينبغي ألا تترك في الأسطر فراغات، تمامًا كما نفعل حين نكتب النثر.
وجاء الشعر الحر جاريًا على أساليب الشعر العربي، فراح الشاعر يكتب كل شطر من أشطره على سطر، سواء أكان شطرًا طويلًا أم قصيرًا، كما في هذه الأشطر من "المتقارب":
وكنا نسميه، دون ارتياب، طريق الأمل
فما لشذاه أفل؟
وفي لحظة عاد يُدعى طريق الملل٢؟
وإنما يترك الشاعر سطرًا، مثل الثاني في هذه الأسطر، خاليًا لأن "فما لشذاه أفل" كانت شطرًا كاملًا له وزن وضرب وقافية، وكان هذا الشطر مستقلًّا عن الشطرين اللذين جاءا قبله وبعده، فمن حقه أن يُخص بسطر يفرد له، على الأسلوب العربي. وهذه هي القاعدة في الشعر الحر، فهو يقطع على أسطر بحسب وزنه، كلما انتهى منه شطر
стр. 144
بدأ سطر جديد. وهذا كفيل بأن يساعد القارئ على تشخيص شعريته وتمييزه عن النثر حق التمييز.
على أن الشعر الحر سرعان ما وقع في إشكال عسير خاصة بالنسبة لأولئك القراء الذين يعتمدون في إدراك الشعر على شكل كتابته لأنهم لا يحسنون فهم الوزن ولا يعرفون العروض. ذلك أن هؤلاء القراء بدءوا يخلطون بين هذا الشعر الحر الموزون وبين نثر عادي لا وزن له أصبح الأدباء يكتبونه ويقطعونه على أسطر دون أي مبرر أدبي.
وهذا النثر الذي يغتصب لنفسه شكل الشعر يجري في اتجاهين اثنين:
١- الترجمات العربية للقصائد الأوروبية وغيرها.
٢- ما يسمونه بـ "قصيدة النثر" وهي نثر طبيعي خال من الوزن ومن الإيقاع اختاروا أن يسموه قصيدة.
وسوف ندرس كل صنف من هذين فيما يلي:
أ- الترجمات النثرية للشعر الأجنبي:
شاعت في جونا الأدبي ظاهرة كتابة النثر العربي الذي يترجم به الشعر الأجنبي مقطعًا على أسطر متتالية على سياق الترتيب في أصل القصيدة، فأصبح المترجمون يضعون مضمون كل شطر أجنبي في سطر مستقل كما يلي:
يا ملاكًا أسمر، وضاء، مستقيمًا
كمدفع يلمع في الفضاء،
سوادك يقتحم ذهني
стр. 145
وشعرك قاصف كالريح المصفحة التي
أمطرت على أوروبا١
وأحسب أن هذا الأسلوب في كتابة الترجمة منقول في الأصل عن اللغات الأوروبية. فقد ألفنا أن نرى أدباء أوروبا الذين ينقلون قصيدة من الألمانية إلى الإنكليزية مثلًا -أو بالعكس أو غيره- يلجئون إلى كتابة النص الإنكليزي بحيث يقابل كل شطر ترجمته الحرفية. وبذلك يسهل على القارئ مقارنة الترجمة بالأصل. وأغلب ما يفعل هذا، المترجمون الدقيقون الذين يريدون لترجماتهم أن تستعمل في التدريس بالجامعات حيث تتطلب الروح العلمية ترجمات محققة دقيقة الضبط يستطيع الطلبة والباحثون أن ينتفعوا بها، وذلك هو وحده الذي يبيح للمترجم أن يضع النثر مقابل الشعر، مكتوبًا على مثل ما يكتب الشعر عليه. ولقد ساعد على ذلك أن الصيغ والتعبيرات في اللغات الأوروبية متقابلة متشابهة إلى درجة ملحوظة، خاصة بين اللغات التي تنتمي إلى أصل واحد مثل الإنكليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية، فهي كلها تنحدر من أصل لاتيني يجمع بينها ويجعل كثيرًا من قواعدها متقاربة. فكان من السائغ في هذه اللغات أن يوضع الشطر الموزون مقابل سطر من النثر يحتوي على معناه، دون أن يجد المترجم صعوبة في توزيع الألفاظ والأشطر في حدود اللغة التي يكتب بها ترجمته.
هذا في لغات أوروبا. وأما في العربية فإن الأمر أشد تعقيدًا. ذلك أن لغتنا تختلف اختلافًا كبيرًا عن اللغات اللاتينية سواء أفي صيغتها وتعابيرها أم في اشتقاقاتها ونحوها وإعرابها، وذلك بحيث إذا أراد المترجم العربي أن تكون أسطره المترجمة مقابلة للأشطر الأوروبية فلابد له أن يضحي
стр. 146
بقواعد لغته فيفصل مثلًا بين الموصول وصلته كما فعل جبرا إبراهيم جبرا حين كتب:
وشعرك القاصف كالريح المصفحة التي
أمطرت على أوروبا
وقد يفصل بين الجار والمجرور ومتعلقهما كما في قوله:
... ... ... مستقيمًا
كمدفع يلمع في الفضاء
وكان حقه أن يقول "مستقيمًا كمدفع يلمع في الفضاء" دونما فصل. على أن اعتراضنا على هذا الأسلوب في كتابة النثر يرجع في أساسه الأكبر إلى أنه ليس من حق أي نثر أن يكتب مقطعًا على أسطر. ذلك أن التقطيع هبة أعطتها اللغة العربية للشاعر وحسب. وإنما يستحقها الشاعر لأنه يكتب وحدات موسيقية موزونة، فإذا منحناه مزية على الناثر كان ذلك هو المعقول والمنطقي. إن التقطيع ملازم للشعر. تلك هي القاعدة، وقد جرى عليها تاريخنا الأدبي كله.
وأما النثر فما الذي يبرر كتابته مقطعًا؟ وإذا كان التقطيع مقبولًا في الشعر، حيث تسنده الموسيقى والوزن فيتقبله منطق الذوق، فما الذي يجعله مقبولًا في نثر عادي خال من الوزن مثل أي نثر سواه! والحق أن المرء يكره أن يقرأ شيئًا مقطعًا على أسطر بلا سبب مبرر كالوزن. ولذلك نجد أغلب الناس يرفضون قراءة الشعر الأوروبي المترجم المكتوب بهذا الشكل. وتلك خسارة فادحة، وإساءة إلى الآداب الأوروبية التي ينقلونها لنا؛ لأن من حق تلك الآداب أن تترجم إلى العربية في حدود أساليبها الجمالية المقبولة دونما خروج عن نطاقها الذوقي. وكلما كتبوا بالشكل المجلوب المصطنع الذي يستعملونه، ساهموا في حرماننا من فرصة
стр. 147
يتذوق فيها القارئ العربي الذي يجهل اللغات الأجنبية أدبًا غنيًّا عريقًا كالأدب الأوروبي.
ومهما يكن من أمر فقد وقعت الواقعة، وشاع هذا الأسلوب الهجين في ترجمة الشعر الغربي، وألفنا أن نرى لغتنا العربية موزعة على أسطر بلا أي سبب يبرر ذلك. ولماذا تكتب قصيدة جاك بريفير هكذا:
الحمار والملك وأنا
سنكون أمواتًا غدًا
الحمار من الجوع
والملك من الضجر
وأنا من الحب١
لماذا لا نكتبها كما يلي على نحو ما يكتب النثر العربي: "الحمار والملك وأنا، سنكون كلنا أمواتًا في الغد. يمو ت الحمار من الجوع، والملك من الضجر، وأموت أنا من الحب" أليس هذا أجمل وأوقع في النفس العربية التي ألفت أن يكتب نثرها بهذا الشكل؟ أولًا تكتسب قصيدة بريفير وقعًا أغنى لدينا؟ إن هذا، في لغتنا، نثر لا شعر، وعلى ذلك فإنه لا يكتسب أبعاده الحقيقية إلا إذا كتبناه كالنثر وأعطيناه صفة النثر.
وأما إذا كان المترجم حريصًا كل الحرص على صفة التقطيع، فإن عليه أن يترجم هذا الشعر الأجنبي إلى شعر عربي، بكل ما يتبع ذلك من وزن وتقفية وعاطفة وصور. فإذ ذاك سيكون التقطيع من
стр. 148
حقه. إن صفة التقطيع ليست هبة نستطيع أن ننتحلها حين نشاء، وإنما ينبغي لمن أرادها أن يكتب كلامًا موزونًا ليكون تقطيعه مبررًا تبريرًا أدبيًّا يجعل أذواقنا تتقبله. وإنما نبيح التقطيع لمن يكتب الموزون، وإلا فنحن، بفطرتنا العربية البسيطة، نضيق بنثر يقطع على أسطر دونما وزن يسنده.
ولقد أضاف شيوع هذا الأسلوب في كتابة النثر إلى متاعب القارئ غير المختص في تذوق الشعر الحر وفهمه. ذلك أنه أصبح يرى كثيرًا من النثر المترجم مكتوبًا بأسلوب التقطيع. فكان يحسبه شعرًا حرًّا موزونًا. وحين يقرؤه ويلتمس الوزن الذي يسمع أنه ملازم للشعر الحر، يخرج بالخيبة. لأن عدم الوزن هنا ينتهي به إلى الحكم بأن الشعر الحر نثر.
ولعل هذه الظاهرة المؤسفة هي التي تجعلنا نسمع أدباء معروفين، وحتى شعراء أحيانًا، يحكمون بأن الشعر الحر نثر. فإنما يحكم كثير من هؤلاء على هذا النثر المترجم وما يشبهه مما يبدو في شكله الخارجي كالشعر الحر. وعندما ألف الأديب والقارئ أن يرى كثيرًا من النثر الجديد مكتوبًا بأسلوب التقطيع في عشرات الصحف والكتب، حسب حين رأى الشعر الحر الموزون أنه نثر مثل ذاك. والقارئ المتوسط، وحتى بعض الأدباء ليسوا شعراء إلا في النادر، ولذلك حكموا بأن الشعر الحر نثر لا وزن له ولا قافية. وكان ذلك ظلمًا فادحًا وغمطًا لحقوق شعراء ينظمون كلامًا موزونًا يجهدون له، فلا تكون مرتبتهم أعلى من مرتبة أناس آخرين يكتبون نثرًا لا جهد فيه، ويقطعونه على أسطر دونما داعٍ أدبي، ثم يعطونه للقارئ بالسعر الأدبي نفسه وربما أعلى. ومن هنا وضعت في طريق الشعر الحر أول عثرة فكبا عندها.
стр. 149
ب- قصيدة النثر:
في لبنان قامت عدوة غريبة ناصرها بعض الأدباء وتبنتها مؤخرًا مجلة "شعر" التي راحت تدعو إليها ملحة. وكان المضمون الأساسي لهذه الدعوة كما استخلصته من مجموع ما يقولون، إن الوزن ليس مشروطًا في الشعر وإنما يمكن أن نسمي النثر شعرًا، لمجرد أن يوجد فيه مضمون معين، وعلى هذا الأساس أخذوا يكتبون النثر مقطعًا على أسطر وكأنه شعر حر، لا بل إنهم زادوا فطبعوا كتبًا من النثر وكتبوا على أغلفتها كلمة "شعر".
ولقد سموا النثر الذي يكتبونه، على هذا الشكل، باسم "قصيدة النثر" وهو اسم لا يقل غرابة وعدم دقة عن تعبير غيرهم "الشعر المنثور" ذلك بأن القصيدة إما أن تكون قصيدة وهي إذ ذاك موزونة وليست نثرًا، وإما أن تكون نثرًا فهي ليست قصيدة. فما معنى قولهم "قصيدة النثر" إذن؟
وما يهمنا في هذا الموضوع، أن نثرهم هذا، الذي يقدمونه للقراء باسم الشعر الحر قد أحدث كثيرًا من الالتباس في أذهان القراء غير المختصين فأصبحوا يخلطون بينه وبين الشعر الحر الموزون الذي يبدو ظاهريًّا وكأنه مثله. وخيل إليهم نتيجة لذلك، أن الشعر الحر نثر اعتيادي لا وزن له.
ولعل الحق مع القارئ. فكيف يتاح لإنسان لم يمنحه الله هبة العشر أن يميز الشعر الحر الموزون من "قصيدة النثر" التي تكتب، وهي نثر، مقطعة وكأنها موزونة:
ليتني وردة جورية في حديقة ما
يقطفني شاعر كئيب في أواخر النهار
стр. 150
أو حانة من الخشب الأحمر
يرتادها المطر والغرباء
ومن شبابيكي الملطخة بالخمر والذباب
تخرج الضوضاء "الكسول"
إلى زقاقنا الذي ينتج الكآبة والعيون الخضر
حيث الأقدام الهزيلة ترتفع دونما غاية في الظلام
أشتهي أن أكون صفصافة خضراء قرب الكنيسة
أو صليبًا من الذهب على صدر عذراء
قلي السمك لحبيبها العائد من المقهى
وفي عينيها الجميلتين ترفرف حمامتان من بنفسج١
هذا نموذج مما يسمى بـ "قصيدة النثر" وهو كما يرى القارئ نثر اعتيادي لا يختلف عن النثر في شيء. ولسوف نعود، في موضع آخر من الكتاب، إلى مناقشة هذه الدعوة من وجوهها المختلفة.
من كل ما سبق نرى أن نشوء حركة الشعر الحر في عصر الترجمة عن الشعر الأوروبي قد أساء إليها وجعل القراء غير العارفين لا يميزون بينه وبين النثر الذي يترجم به الشعر الأوروبي. وجاءت الإساءة الثانية من "الدعوة إلى قصيدة النثر" كما يسمونها، فأصبح القارئ يقرأ الشعر الحر وهو موزون فيخلط بينه وبين نثر تترجم به قصائد أجنبية، ونثر عربي اعتيادي يكتبه الأدباء مقطعًا ويسمونه في حماسة غير علمية شعرًا. وكيف يميز قارئ غير شاعر بين النماذج التالية المتشابهة ظاهريًّا؟ كيف يدري أيها هو الشعر وأيها هو النثر؟
стр. 151
النموذج الأول:
عندما أرنو إلى عينيك الجميلتين
أحلم بالغروب بين الجبال
والزوارق الراحلة عند المساء
وأشعر أن كل كلمات العالم طوع بناني
فهنا على الكراسي العتيقة
ذات الصرير الجريح
حيث يلتقي المطر والحب والعيون العسلية
كان فمك الصغير
يضطرب على شفتي كقطرات العطر
فترتسم الدموع في عيني
وأشعر أنني أتصاعد كرائحة الغابات الوحشية
كهدير الأقدام الحافية في يوم قائظ
النموذج الثاني:
أمس اصطحبناه إلى لجج المياه
وهناك كسرناه، بددناه في موج البحيرة
لم نبق منه آهة، لم نبق عبره
ولقد حسبنا أننا عدنا بمنجى من أذاه
ما عاد يلقي الحزن في بسماتنا
أو يخبئ الغصص المريرة خلف أغنياتنا
ثم استلمنا وردة حمراء دافئة العبير
أحبابنا بعثوا به عبر البحار
стр. 152
ماذا توقعناه فيها:؟ غبطة ورضى قرير
لكنها انتفضت وسالت أدمعًا عطشى حرار
وسقت أصابعنا الحزينات النغم
إنا نحبك يا ألم
النموذج الثالث١:
أخبروني عن القبلة التي حرمت منها
قولوا لي شيئًا عن هذه الصحراء
التي أستمد منها أناشيدي
أخبروني عن غزالتي التي قتلوها
وزهرتي التي حرموها البستان
قولوا لي ما الذي يبرر كل هذه الآثام؟
ما الذي يبرر مائة ألف حماقة؟
مائة ألف جريمة؟
قولوا لي: لماذا يعب المرعوبون كل هذه الكحول؟
لماذا يرتعدون من الأسود الحبيسة في منفاها؟
ولكن ...
قولوا لي قبل كل شيء
كيف حال الجزائر؟
стр. 153
إن دواء هذا أن يكتب كل نثر كما يكتب النثر، أي بملء السطر دونما ترك فراغات، لكي ينفرد الشعر بمزية الكتابة الشعرية، فيستقل كل شطر منه بسطر، ولن يضير "شعرية النثر" -التي لا أقر بوجودها وأستبقي تحفظاتي إزاء اسمها هذا- أن يكتب كما يكتب النثر. وإنما التقطيع صفة ملازمة للشعر وهو علامته الفارقة فليس لنا أن نضيعها.
على أن من الحق أن نقول إن تبعة الخلط بين الشعر الحر وغيره، لا تقع كلها على المترجمين ودعاة الشعر المنثور أو قصيدة النثر. وإنما شارك الشاعر نفسه في ذلك، وهو ما سندرسه في الفصل الثاني.
стр. 154
-٣- إهمال الشعراء:
لم تكن طبيعة الشعر الحر ولا ظروف العصر الذي نشأ فيه هي وحدها التي أضعفت مكانته لدى الجمهور، وإنما ساهم الشاعر الذي ينظم هذا الشعر مساهمة فعالة في إشاعة الفوضى في أساليبه وتفاصيله، وفي تشويه صفحته العروضية لدى الجمهور والأدباء. وكان دور الشاعر في هذا يجري في اتجاهين اثنين:
"الأول" أنه أساء كتابة شعره، فلم يجعل الوزن أساسًا فيها، على ما كان الشاعر العربي يفعل، وإنما جعل التحكم للمعنى حينًا وللوزن حينًا آخر.
"الثاني" أنه ارتكب الأخطاء العروضية والسقطات الموسيقية عامدًا أحيانًا وغير عامد في أغلب الأحيان.
ولسوف نتناول كل فِقرة من هاتين على حدة.
أ- إساءة الكتابة:
الأصل في الشعر أن يطبع بحسب وزنه وتفعيلاته، فيقف الطابع
стр. 155
عند نهاية الشطر العروض. وهذ القانون يسري على الشعر في العالم كله، فحيثما وجد الشعر كان وزنه هو الذي يتحكم في كتابته. إننا لا نقف بحسب مقتضيات المعاني، وإنما نقف حيث يبيح لنا العروض. ولذلك كان القدماء يشطرون الكلمة شطرين لمجرد أن يقفوا في آخر الشطر كما في كلمة "اليمني" في قول الشاعر:
وبعبد المجيد شلت يدي اليمـ ... ـنى وشلت به يمين الجود١
كان أسلافنا صارمين في احترامهم للشطر وللوقف العروضية في آخره، وفي آخر البيت. ذلك مع أن شعرهم كان ذا أشطر متساوية عروضيًّا، فحتى لو أنهم رصوه دون أن يقفوا في آخر الشطر، لما أساء ذلك إلى شعرهم لمجرد أنه موزون وزنًا شطريًّا كاملًا، بحيث لا يبقى عليه خوف حتى من أن يكتب في أسطر، دونما فواصل تفصل الشطر عن الشطر. إن هذا هو ما فعله مؤلفو كتاب عن "شكسبير" أصدرته سلسلة "اقرأ" فقد كتبوا الشعر كما يلي:
"أي صديقي بروت، أصغِ لقولي: أنا هذا مرآة صدق سأبدي لك ما لم تكن ترى من خلالك. لا تظن الظنون بي يا صديقي، لست بالضاحك اللعوب مجونًا، لا ولا بالمهين أبذل حبي وولائي لكل من يلقاني. لا ولا بالذي يهش ويلقي أحسن القول للحضور رياء، فإذا ما مضوا أساء حديثًا.
إن هذا الشعر مكتوب على شكل النثر. ولكنه في الواقع نظم لا نثر؛ لأنه موزون وزنًا كاملًا وإن كانت لغته مصطنعة ركيكة، ولو كتبناه بموجب الأشطر للاح كما يلي، من البحر الخفيف:
стр. 156
أي صديقي بروت أصغ لقولي ... أنا هذا مرآة صدق سأبدي
لك ما لم تكن ترى من خلالك ... لا تظن الظنون بي يا صديقي
لست بالضاحك اللعوب مجونا ... لا ولا بالمهين أبذل حبي
وولائي لكل من يلقاني ... لا ولا بالذي يهش ويلقي
أحسن القول للحضور رياء ... فإذا ما مضوا أساء حديثا١
إنه نظم موزون لا قافية له، وقد كتبه المترجم على صورة النثر. على أن أي إنسان يتحسس الوزن حري بأن يحس بأن هذا موزون لا منثور، رغم ملامح النثر التي كتب بها.
وعندما قامت حركة الشعر الحر جاءت بتطوير بارز لشكل الشطر العربي، فلم يعد هناك طول مقنن ثابت له، وإنما أصبح ذلك وقفًا على رغبة الشاعر وطول عباراته. بات الشاعر حرًّا في أن يورد أي عدد من التفعيلات في الشطر الواحد، إذا هو حافظ على الشروط العروضية للشعر الحر. وأصبح القارئ يقرأ شعرًا ذا أشطر مختلفة الأطوال كما يلي:
بويب ...
بويب ...
أجراس برج ضاع في قرارة البحر
стр. 157
الماء في الجرار والغروب في الشجر
وتنضح الجرار أجراسًا في المطر
بلورها يذوب في أنين
"بويب يا بويب"
فيدلهم في دمي حنين
إليك يا بويب
يا نهري الحزين كالمطر
أود أو عدوت في الظلام
أشد قبضتي تحملان شوق عام
في كل أصبع كأني أحمل النذور
إليك من قمح ومن زهور
أود لو أطل من أسرة التلال
لألمح القمر
يخوض بين ضفتيك يرزع الظلال
ويملأ السلال
بالماء والأسماك والزهر١
إن الوزن، في هذه القصيدة جارٍ على العروض العربي تمام الجريان، فهو من بحر الرجز، وقد أصاب التفعيلة الأخيرة فيه تغيير فتحولت "مستفعلن" إلى "فَعِل" حينًا وإلى "فعولْ" حينًا. غير أن القارئ غير المختص لا يستطيع أن يميز الأشطر من بعضها، إلا إذا نحن فصلناها له فصلًا قاطعًا ورتبناها بحسب وزنها. وذلك لأنه بدءًا، قد لا يكون يحسن الوزن،
стр. 158
ثم إن أطوال الأشطر غير متساوية، والقافية خافتة تخلو من رنين القافية الموحدة القديمة التي تقرع السمع. ذلك فضلًا عن أن العبارة الحديثة لم تعد صارمة أو جهورية بحيث تلفت السمع كعبارات الشاعر القديم.
على أن أهم عامل يحدث اللبس في شعرنا الحديث هذا هو أن الشاعر لم يعد يتقيد بقانون استقلال الشطر أو البيت. فقد كان أسلافنا يعيبون الشاعر إذا ما نظم بيتًا له تتمة في بيت تالٍ. وكان المألوف في الشعر العربي كله أن يكون البيت تامًّا في حدود شطريه. وكان ذلك يحفظ للبيت عزلته ويعصم للقارئ من الالتباس. أما اليوم فحتى هذا الدليل ضاع من يدي القارئ، كما نرى في أشطر بدر السياب:
أود لو أطل من أسر التلال
لألمح القمر
يخوض بين ضفتيك يزرع الظلال
ويملأ السلال
بالماء والأسماك والزهر
هذه خمسة أشطر تضم كلها عبارة واحدة. أي أن ثلاثة أبيات منها تشترك في عبارة واحدة.
وهناك نقطة أخرى تحدث الالتباس. أن الشاعر المعاصر مولع بالتسكين، فأكثر قوافيه ساكنة الآخر كما في هذه القصيدة التي اقتطفنا منها. فإذا تهاون الشاعر وأدمج الأشطر فإن القارئ قد يتلو القوافي مشكولة بحسب إعرابها. وبذلك يضيع الوزن كليًّا. وهذا خطأ يقع فيه الشاعر وغير الشاعر؛ لأن الشكل يفسد الوزن الذي أقامه الشاعر على سكون. وإذن فماذا يحدث لو أن الشاعر كتب أبياته بالشكل التالي مثلًا.
"أورد لو أطل من أسرة التلال لألمح القمر يطل بين ضفتيك،
стр. 159
يرزع الظلال ويملأ السلال بالماء والأسماك الزهر" ترى هل سيكون هناك كثيرون يستطيعون أن يحزروا أن هذا شعر؟ لا أظن. ذلك أن الوزن خافت، والعبارة خالية من رنين الشعر القديم وفخامته، والشكل، حين يضاف إلى أواخر الكلمات، يقضي على الوزن. وهكذا يتحول الشعر إلى نثر ويضيع الجرس.
لذلك السبب المهم ينبغي لنا أن نتخذ الطريقة العربية في كتابه الشعر مساعدة للقارئ على تحسس الوزن فيه. إن الشطر هو الحاكم وعلينا أن نخضع له ونحن نرص شعرنا الحر على الصفحة. علينا أن نكتب الشعر الحر بحسب الأشطر، فنضع كل شطر منفردًا على سطر مستقل، كما فعل بدر شاكر السياب في قصيدته التي اقتطفنا منها. وإنما يكمن الخطر في أن يقسم الشاعر أبياته بحسب المعنى، وهو خطر يمس القارئ والشاعر معًا كما سنذكر وشيكًا. ونريد الآن أن نأتي بنموذج من الشعر المرصوص رصًّا سقيمًا لا يقوم على أساس، وإنما تلعب به أهواء فوضوية تنم عن قلة المعرفة بشئون العروض. هذه أبيات من قصيدة حرة الوزن كتبها الشاعر نصًّا على الوجه التالي:
على وجهي رمال الشك أصوات
بلا معنى. رمال تشرب الغيم المدوي
عند آفاقي فلا ذكرى أغنيها ولا
وعد على دربي، سوى ريح وعتم في
أراض جوها نار، وموت مثلما
كانت ليالينا وآتينا. أنبقى في متاه
الرمل أقدامًا تجر الجوع والحمى
بلا مأوى تجر الخيبة الكبرى: أنبقى
حفرة للريح أحداقًا رسا فيها فراغ
стр. 160
الهوة الكبرى، فنحن الآن لا ندري
أيبقى الكون إن متنا، أكانت هذه
الأشياء لولانا، ترى كانت
على وجهي دروب تنتهي في الغيب
في المنفى١
أول وهلة، حين قرأت هذا "الكلام" لم أفهم له وزنًا معينًا كما للشعر. لقد رأيت البيت الأول من بحر الهزج.
على وجهي رمال الشك أصوات
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن
ولكن الشطر الثالث لاح لي من بحر آخر هو بحر الرمل المحذوف:
عند آفاقي فلا ذكرى أغنيها ولا
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلن
ثم حيرني الرابع فلم أعرف له وزنًا مقبولًا غير أن يكون من "الرجز"
على هذا الشكل:
وعد على دربي سوى ريح وعتم في
مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستف
وعلى هذا تكون الأشطر الأربعة الأولى قد انتقلت من "الهزج" إلى "الرمل" إلى "الرجز" وهي ثلاثة أوزان لم يجمع بينها العرب. فما معنى هذا؟ أترى الشاعر ينثر؟ أم أنه يضحك منا ويستخف بالعروض؟
وحين نعود لنقر تلك الأشطر محاولين حل لغزها نلاحظ أن فيها
стр. 161
فضلًا شنيعًا متواصلًا بين أشياء لا تسيغ اللغة العربية أن يفصل بينها مثل الجار والمجرور في قوله:
... ... ... سوى ريح وعتم في
أراض جوها نار ... ... ...
فجعل حرف الجر في شطر ومجروره في شطر آخر. ومثل المضاف والمضاف إليه وقد فصلهما الشاعر بلا مبالاة في قوله:
... ... ... ... أنبقى في متاه
الرمل أقدامًا تجر ... الجوع والحمى
وفي قوله:
.... أحداقًا رسا فيها فراغ
الهوة الكبرى.....
ومثل الفصل بين اسم الإشارة والمشار إليه في قوله:
... ... أكانت هذه
الأشياء لولانا ...
ومثل الفصل بين "مثلما" وفعلها في قوله:
... ... وموت مثلما
كانت ليالينا وآتينا..
وفوق ذلك كله ارتكب الشاعر بدء سطر بهمزة وصل وهو أمر مستحيل لأن العرب لا تبدأ بساكن قط. وقد مر مثل هذا في نموذج الفصل بين المضاف والمضاف إليه وغيره.
ويسأل الناقد الحيران نفسه: ترى لماذا يتكلف الشاعر كل هذا التصنع في لغته فيفصل بين ما لا ينفصل ويبدأ بهمزة وصل ونحو ذلك؟ إن الشاعر لا يفعل مثل هذا إلا وهو واقع في ورطة بسبب الوزن، فعل ترى ساقت هذا الشاعر ضرورة قاسية إلى أن يقسر قواعد لغتنا بهذا الشكل القبيح؟
стр. 162
على أن البحث ينتهي بنا إلى الخيبة. وسرعان ما يثبت لدينا أن هذا الشاعر يرتكب الإساءات إلى اللغة العربية دونما داعٍ من أي نوع. على العكس، إن قصيدته تكون أكمل وزنًا ولغة لو أنه كتبها بحسب مقتضيات استقلال الشطر. والحقيقة المرة التي ستصدمنا أن أبيات الشاعر سالمة عروضيًّا، في حقيقة الأمر، فليست هي من الهزج والرمل والرجز كما لاحت لنا، وإنما هي من "الهزج" وحده ولم يخرج الشاعر فيها عن الوزن.
كيف حدث هذا إذن؟ أترانا نحن الذين نجهل الوزن؟ الجوابُ نفي. وإنما وقعنا في الخطإ لأن الشاعر أراد لنا ذلك حين أساء رصف قصيدته. وإنما كان ينبغي له أن يكتبها بحسب إيقاع وزنها، فلا ينهي الشطر إلا ختام التفعيلة، ولا يبدأ شطرًا بنصف تفعيلة. وها نحن نشطب صورة قصيدته كما كتبها هو ونعيد رصف أشطرها بحيث يتضح فيها وزن "الهزج":
على وجهي رمال الشك أصواتٌ بلا معنى
رمال تشرب الغيم المدوي عند آفاقي
فلا ذكرى أغنيها ولا وعد على دربي
سوى ريح وعتم في أراض جوها نار
وموت مثلما كانت ليالينا وآتينا
أنبقى في متاه الرمل أقداما
تجر الجوع والحمى بلا مأوى
تجر الخيبة الكبرى
أنبقى حفرة للريح أحداقًا رسا فيها
فرغ الهوة الكبرى
فنحن الآن لا ندري أيبقى الكون إن متنا؟
стр. 163
أكانت هذه الأشياء لولانا؟
ترى كانت على وجهي
دروب تنتهي في الغيب، في المنفى؟
الآن بانت القصيدة سليمة سلمت من الغلط التعبيري الكامن في فصل ما لا ينفصل والبدء بساكن، وسلمت من الغلط الوزني الكامن في الانتقال من الهزج إلى الرمل إلى الرجز١ فليقارن القارئ بين هذا الكلام المعقول الجاري على بحر واحد، وبين ذلك الكلام نفسه وقد أساء الشاعر توزيعه فكأنه لا يعرف الوزن ولا يحمل عنه فكرة.
وإننا لنتساءل الآن: لم ترى كان ذلك؟ لماذا يهين شاعر ما شعره بهذا الشكل، وإذا لم يكن لديه داعٍ أدبي معقول، مثل ضرورة الوزن، فلأي سبب يمزق قواعد اللغة العربية على هذه الصورة؟ وأي ذوق عربي سليم يحتمل من الشاعر -مهما ورطته دروب الوزن- أن يأتي بمضاف في آخر الشطر، وبمضاف إليه في أول الشطر التالي؟ إن هذا، في الواقع، لا يعدو أن يكون عبثًا لا غاية له، ولا ينبغي للناقد أن يسكت عليه. إن للفوضى والقبح حدودًا.
وإنما كان هذا وأمثاله جانبًا من الأسباب التي جعلت الجمهور العربي يقف موقف النفور من الشعر الحر، فليت الشاعر الناشئ يلتفت ويكف عن عبثه هذا الذي كثرت أمثلته في شعره.
стр. 164
ب- الغلط العروضي
يرجع جانب كبير من نفور الجمهور من الشعر الحر إلى كون الشعراء الذين ينظمون ذلك الشعر ضعيفي الأسماع بحيث يرتكبون أخطاء عروضية مشوهة وهم لا يشعرن. وأنا أكاد أجزم بأن ثمانين بالمائة من القصائد الحرة تحتوي على أغلاط عروضية من صنف لا يمكن السكوت عنه.
وهذه النسبة العالية تلفت النظر وتجعلنا نتساءل في جد حريص: لماذا يخطئ المعاصرون في الشعر الحر كثيرًا، مع أن أوزانه هي عين أوزان الشعر الخليلي الذي ينظمه هؤلاء الشعراء أنفسهم فلا يخطئون؟ والحق أنه سؤال مهم يستأهل أن نقف عنده ونفحصه. وسنرد عليه في نقط مرقومة:
"أولًا" ينبغي لنا أن نلاحظ أن الشعراء الذين نظموا بالأوزان القديمة لا يخلون من الأخطاء العروضية، وفي وسعنا أن نملأ صفحات كثيرة بأغلاط شعراء لا يصدق القارئ أنهم يخطئون. هذا مثلًا بيت من الطويل لعلي محمود طه:
وأصغى إليه الضوء في صفو جذلان
وأضفى على الوادي شعاع حنان١
وهو بيت لا يستوي وزن شطريه اللذين يجريان كما يلي:
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن
فعولن مفاعيلن فعولُ فعولن
أو أنهما يجمعان بين تشكيلتين للبحر الطويل لم يجمع بينهما العرب
стр. 165
وليس الغلط مقصورًا على علي محمود طه. فلمحمود حسن إسماعيل أخطاء مثلها هذا مثال منها، من الخفيف:
طعنة من معاذ أخرس فوها ... فاك بعدما كنت تنهي وتأمر١
وشطره الثاني مكسور كسرًا لا يجبر لأنه خارج على الوزن.
وهذا صالح جودة في ديوانه "ليالي الهرم" قال من "الخفيف":
ارفعيه عن الثرى كما رفع الله إلى خلده نبي الصليب
وإنما يستقيم البيت لو حذفنا كلمة "كما" التي يتوقف عليها المعنى ولنزار قباني في أوائل حياته الشعرية من البحر السريع:
لعنتِ من صفراء جاحدة ... ماذا تمنيت ولم أفعل
ابن ثمانين رضيت به ... لتغرقي في الذهب المثقل٢
إن في عروض هذين البيتين زحافًا قبيح الوقع من الصنف الذي نحاسب عليه شعراء الشعر الحر.
ولغير هؤلاء الشعراء غلطات كثيرة ليس هذا مجال ذكرها. ومن ذلك نرى أن الخطأ ليس مقصورًا على الشعر الحر وإنما يقع في سواه أيضًا، وقد تكون جذور أخطاء الشعراء الجدد كامنة في أخطاء أسلافهم من شعراء الشطرين. فلا يبنغي لنا أن نحاسب المعاصرين المتحررين وحدهم، ولا
стр. 166
ينبغي أن نعد الغلط ظاهرة ملازمة للشعر الحر حيث نبيح لأنفسنا أن نطرد هذا الشعر من حظيرة الشعر العربي.
"ثانيًا" ومع ذلك فإن الغلط في الشعر الحر أكثر منه في شعر الشطرين بشكل واضح يلفت النظر. إننا قد نجد خطأ عروضيًّا في قصيدة واحدة من عشر في أسلوب الشطرين، في حين نجده في ثمان من عشر في الأوزان الحرة. وهذه نسبة غير هينة تجعل الغلط في الشعر الحر ظاهرة متمكنة ينبغي أن تخص بالملاحظة.
والسبب الأكبر في هذه الحقيقة هو أن الشعر الحر أصعب من شعر الشطرين. وذلك واضح لكل من يعرف العروض العربي ولو معرفة بسيطة. إن القصيدة العربية التي تستعمل بحر الرمل بأسلوب الشطرين تأتينا بثلاث تفعيلات في كل شطر فلا تتعدى ذلك. ويكون كل شطر من الأشطر مساويًا في الطول لكل شطر آخر. وإذ ذاك يكون التعثر نادرًا وملحوظًا فلا يفوت الشاعر ولا الناقد ولا القارئ. ذلك أن موسيقى الشطر ترن في السمع لمجرد أنها تتكرر دونما تغيير في كل شطر.
ولكن ماذا يكون حال الشاعر، وهو ينظم قصيدة من بحر الرمل هذا، على الوزن الحر؟ إن الشطر هنا لم يعد يساوي الشطر في الطول وإنما يضع الشاعر شطرًا ذا تفعيلتين إلى جوار آخر ذي أربع. ومن ثم فإنه يحتاج إلى مزيد من اليقظة والتنبه لكي يضبط الوزن ويسيطر على الموسيقى. ولذلك يحتاج من يتصدى لنظم الشعر الحر إلى أن يكون ممرنًا تمرينًا عظيمًا على استعمال الأوزان ذات الشطرين بكل تشكيلاتها بحيث يصبح استعمال التفعيلات لديه يسيرًا، وبحيث ترن الموسيقى في كيانه رنينًا عفويًّا يميزه حق التمييز. وهذا ليس يسيرًا. فليس كل شعرائنا موهوبين. ليسوا كلهم ممرنين على النظم تمرينا يجعل دروب الأوزان واضحة في أذهانهم. ومن ثم فإن أسلوب الشطرين أهون على هؤلاء لو تأملوا.
стр. 167
إن من لم يحسن أسلوب الشطرين ومجرى البحور حق الإحسان لن يعرف كيف يخرج على عدد التفعيلات أو لنقل إن من لم يعرف أن ينظم قصيدة كل أشطرها متساوية الطول لن يعرف أن ينظم قصيدة يكون شطر منها طويلًا والثاني أقصر والثالث أطول. تلك مسألة بديهية.
"ثالثًا" يقع جانب من اللوم، في قضية الأخطاء العروضية الشائعة في الشعر الحر، على عواتق النقاد العرب المعاصرين. ذلك أنهم رفضوا أن يقوموا بواجبهم في نقد ذلك الشعر وغربلته، وإنما كان كل ما فعلوه أنهم هاجموه بكلمات جارحة وسخروا ممن ينظمه. ولقد كتب كثير منهم باختصار واحتقار وهزء عن الحركة كلها. وكانت حدة اللهجة وعصبية العبارات، ونبرة التحامل تشي بأنهم غاضبون وأن ما يقولونه -لذلك- بعيد عن الموضوعية. وكانت النتيجة المحتومة أن الشعراء الناشئين، وبعضهم مصاب بصلف الجهل، رفضوا أن يصغوا إليهم، وزادوا بأن جابهوهم بالسباب المقابل والهجوم والسخرية. ولم يقع الحيف في هذا إلا على الشعر العربي نفسه.
ولعل أكثر اللوم في هذه المعركة اللفظية المزرية يقع على النقاد لا على الشعراء. ذلك لأن الناقد الذي يسمي نفسه ناقدًا ثم يجهل أن الشعر الحر موزون جار على العروض العربي تمام الجريان، بحيث يتعرض للزحاف والعلل والتدوير، ويرد على المشطور والمجزوء، وتكون له ضروب، هذا الناقد يحكم على نفسه بأنه ليس ناقدًا، وإنما هو واحد من أولئك البسطاء الذين لا يتورعون عن أن يدلوا بآرائهم في كل موضوع. بلى، قد يكون هذا الناقد كفئًا في نقد موضوعات أخرى غير الشعر، إلا أنه على كلٍّ ليس ناقدًا للشعر ما دام لا يميز الموزون من غير الموزون.
ولقد كانت نتيجة هذه الأحكام السطحية المتسرعة من بعض الأدباء، أن الشاعر الناشئ الذي ينظم الشعر الحر ويدري أنه شعر لا نثر، وأنه موزون بحيث يمكن أن يحاسب عليه، هذا الشاعر فقد ثقته بالناقد،
стр. 168
ومعه الحق. وقد جعله ذلك يتمادى ويبالغ فلا يتنزل إلى الإصغاء إلى تصحيح مصحح. فإذا نبهه ناقد مخلص إلى خطإ عروضي، اتهمه بأنه ناقد رجعي يريد الاقتصار على أسلوب الشطرين. وانتهى الأمر إلى أن يصبح هذا الشاعر جامحًا، يخرج على العروض وعلى الموسيقى وعلى الذوق باسم "الحرية".
وهكذا انطلق الشعراء الناشئون يخطئون أفظع الأخطاء وهم يحسبون أنهم يأتون بأعظم التجديد. ومضى الناقد يسب ويهاجم ويسخر دون أن يستطيع مساعدة هؤلاء الناشئين الذين يحتاجون إلى التوجيه والرعاية والتشجيع. والحق أن بعضهم شعراء ذوو موهبة، غير أن جموحهم وعنادهم وسوء فهمهم للحرية قد ظلم مواهبهم وقطع عليهم طريق النمو والتكامل. واليوم يكاد الشعر الحر يلهث تعبًا على أيديهم.
هذه مشكلة الغلط العروضي في الشعر الحر وسوف نفرد الفصل التالي لأكثر أصناف هذا الغلط شيوعًا.
стр. 169
الفصل الثاني: أصناف الأخطاء العروضية
مدخل
...
الفصل الثاني: أصناف الأخطاء العروضية.
نحاول في هذا الفصل أن نصنف الأخطاء العروضية التي يقع فيها الشعراء في شعرهم الحر وندرسها دراسة قصيرة بمقدار ما يتسع المقام، مستعينين في ذلك بالأمثلة.
وقد رأيت، بعد دراسة بطيئة متمهلة لما يُنشر من الشعر الحر، أن الأخطاء الشائعة فيه يمكن أن تصنف إلى أربعة أصناف بارزة هي:
أ- الخلط بين التشكيلات.
ب- الخلط بين الوحدات المتساوية شكلًا.
ج- أخطاء التدوير.
د- اللعب بالقافية وإهمالها.
وسوف نقف عند كل صنف من هذه الأصناف وقفة متمهلة.
стр. 170
أ- الخلط بين التشكيلات:
لعلنا جميعًا، قراءً ونقادًا، وشعراء، نتفق على أن الأبيات التي
стр. 171
تخرج عن الوزن في قصيدة ما تجرح أسماعنا وتجعلنا نضيق بالقصيدة ونرفض أن نتم قراءتها. والواقع أن هذا هو السبب الذي يجعل الجمهور يقف من الشعر الحر موقف النفور والرفض. إن هذا الشعر يحتوي على نسبة عالية من النشاز الموسيقي وأغلاط الوزن. ولذلك فإن القارئ، مهما كان ضعيف القدرة على تحسن الوزن، يشعر بالضيق حين يقرأ القصائد الحرة التي يتعثر ناظمها في الوزن.
ويكاد الخلط بين التشكيلات يكون أفظع أنواع الغلط وأكثرها شيوعًا في الشعر الحر. وأساس هذا الخطإ أن كثيرًا من الشعراء والناظمين، وأكثرهم ناشئون، قد حسبوا أن مسألة ارتكاز الشعر الحر إلى "التفعيلة" بدلًا من "الشطر" إنما تعني أن في وسع الشاعر أن يورد أية تفعيلة في ضرب القصيدة ما دام يحفظ وحدة التفعيلة في الحشو. فإذا كان ينظم قصيدة من بحر الرجز تجري هكذا:
مستفعلن مستفعلن مفعولن
ظن أن من السائغ له أن يخرج عنه إلى أية تشكيلة أخرى من تشكيلات الرجز المباحة مثل هذه:
مستفعلن مستفعلن فعلن
وهذا خطأ، كما سبق أن أوضحنا. نعم، إن التشكيلتين كلتيهما تنتميان إلى بحر الرجز، ولكن العرب لم يستعملوا أكثر من تشكيلة واحدة في القصيدة الواحدة.
وكان منشأ هذه "الكبوة" التي وقع فيها شعراؤنا المعاصرون أنهم ظنوا أن البحور الشعرية تصبح في الشعر الحر متجاوبة مع تشكيلاتها جميعًا بحيث يصح المزج بينها. وكذلك فسروا "الحرية" في هذا الشعر الجديد، وكذلك خرجوا على الأذن العربية فكان لا بد للقراء المتذوقين أن ينصرفوا عن قراءة هذا الشعر.
стр. 172
الحق أن الشاعر الأصيل الذي أرهف سمعه بالإغراق في قراءة الشعر العربي لا يمكن أن يقع في المزج بين التشكيلات في قصيدة واحدة، وإنما وقع مثل ذلك لدى شعراء موهوبين لأنهم، فيما نظن، أسكتوا صوت فطرتهم الشعرية وانساقوا مع تجديد حسبوه منطقيًّا. ولقد شجع خطأ الواحد منهم أخطاء الآخرين ونصرها، فكان الشاعر منهم يشيح عن صوت نفسه المرهفة التي تأبى عليه المزج بين المتنافر، لمجرد أن شاعرًا آخر منهم قد ارتكب ذلك المزج.
وقد تكون أسباب الخلط غير هذه لدى شعراء آخرين. إن من الشعراء المعاصرين في وطننا العربي من ينقصهم التمرين، ومنهم ناظمون لا يرتفعون إلى مستوى الشعر، وكلا الطائفتين معرضة إلى أن ترتكب الأخطاء. ونحن في عصر بات ازدراء العروض فيه يعتبر صفة ملازمة للشاعر الموهوب. وقد شاعت مثل هذه النظريات المضللة شيوعًا عظيمًا بين الناس.
وكانت نتيجة هذا كله أن الشعر الحر غص بالخلط بين التشكيلات، ووقع مثل ذلك حتى لدى شعراء مارسوا النظم بأسلوب الشطرين طويلًا مثل سليمان العيسى ونزار قباني وفدوى طوقان وهم جميعًا شعراء ذوو وزن. وهذه فدوى مثلًا في قصيدة لها، وزنها الرجز افتتحتها قائلة:
تحبني صديقي المقرب الأثير١؟
مستفعلن مستفعلن مستفعلن فعول
وقد كان ينبغي لها، حسب قانون الأذن العربية، أن تقصر حرية القصيدة على التلاعب بعدد تفعيلات الحشو الموحدة "مستفعلن"، مع إثبات التفعيلة الأخيرة الشاذة "فعول" بحيث ترد في آخر كل شطر من القصيدة٢.
стр. 173
على أن فدوى لم تفعل ذلك. وإنما راحت تعبث بكل من الحشو والضرب، خلافًا للقاعدة العربية، فضاع الوزن وأصبحت القصيدة مجموعة من تشكيلات الرجز كما نرى من الفقرة التالية منها. وسوف نكتفي بأن نثبت تفعيلة الضرب ما دامت تفعيلة الحشو ثابتة لا تتغير وهي "مستفعلن":
وكنت في يأسي أمد خلفها اليدين
"فعولْ":
أود لو بلغتها، لمستها حقيقة
"مستفعلن":
شيئًا يُمس صدقه بالراحتين
"مستفعلان":
كانت سرابًا في سراب
"مستفعلان":
الحب عند الآخرين جف وانحصر
"فَعِلْ":
معناه في صدر وساق١
"مستفعلان":
ما معنى هذا؟ أن الشاعرة قد جمعت بين أربع تشكيلات لم يجمع بينها العرب قط. وإنما كانت القصيدة الواحدة تستعمل تشكيلة واحدة لا تتعداها وحين تقع علة في ضرب القصيدة، سواء أكانت علة نقص أم علة زيادة، فإنها تتكرر بعد ذلك في كل شطر من أشطر القصيدة وتصبح قانونًا. وعلى ذلك تبدو أبيات فدوى مصابة باختلال وما من عروضي يستطيع أن يقبلها. لا بل إن فدوى نفسها، بحسها الشعري الرقيق، لو أعطت فطرتها الحكم، لشطبت هذا الخروج وأبت أن تقع فيه. والواقع أننا لا نجد له مثيلًا في قصائدها ذات الشطرين أو ذات الشطر الثابت الطول.
стр. 174
ب- الخلط بين الوحدات المتساوية شكلًا:
في أبيات فدوى التي نقلناها في الصفحات السابقة ورد الشطران المتجاوران التاليان:
كانت سرابًا في سراب
كانت بلا لون بلا مذاق
وقد توهمت الشاعرة أن كلمة "مذاق"، بصفتها مساوية لكلمة "سراب" في الطول، تستطيع أن ترد جوابًا لها في الشطر التالي على سبيل الإيقاع والنغم وغير ذلك مما أرادت الشاعرة في هذه القصيدة، أن تستعيض به عن القافية. وهي قد التزمت هذا عبر القصيدة كلها فكانت قوافيها: "أثير، سنين، عبور، دروب، قديم، صغار، شتاء، فقير، صغير، ظماه، حياه، نضير، عبير.. إلخ". غير أن الظرف العروضي الذي أحاطت به الشاعرة هذه القوافي يجعلها غير متناسقة ولا متساوية. والواقع أن الكلمات التي تتساوى في طولها، في واقعها اللغوي، ليست بالضرورة متساوية في داخل القصيدة، وذلك بسبب تحكم التفعيلات والأنغام. وشطرًا فدوى اللذان نسخناهما مثال على ذلك.
إن وزن الشطرين كما يلي:
كانت سرابًا في سراب
مستفعلن مستفعلان
كانت بلا لون بلا مذاق
مستفعلن مستفعلن فعولْ
وعلى هذا فإن ضرب الشطر الأول ليس هو كلمة "سراب" كما تتوهم فدوى وإنما هو قولها "بًا في سراب" الذي يساوي التفعيلة "مستفعلان" وأما ضرب الشطر الثاني فهو كلمة "مذاق" وحدها لأنها تفعيلة كاملة
стр. 175
إن موقع كلمة "مذاق" من التفعيلة "فعول" ليس هو موقع "سراب" من تفعيلتها "مستفعلان" وهذا يجعلهما مختلفتين بحيث لا يصح أن تتجاورا هنا وليستا قافيتين. ولقد كررت فدوى هذا الخطأ مرارًا في قصيدتها فقالت في أولها:
تحبني صديقي المقرب الأثير
أحبه يظل نسمة رخية – العبور
فكانت "الأثير" تفعيلة كاملة بينما بقيت "العبور" جزءًا من تفعيلة وجعلهما ذلك مختلفتين بحيث لم تشكلا قافية.
وهذا الخطأ، كسابقه، مألوف في الشعر الحر الذي يكتبه غير فدوى من الشعراء. ففي عين عدد "الآداب" الذي نشرت فيه قصيدة فدوى، قصيدة مضطربة الوزن، عنوانها "الممثل" كتبها مجاهد عبد المنعم مجاهد، وجاء فيها من نماذج الخلط بين الوحدات المتشابهة ظاهريًّا كثير، قال:
وعندما انتهيت من كتابته
أحسست أنني أموت في نهايته
ووزن الشطرين كما يلي
مستفعلن مستفعلن مستفعلن
مستفعلن مستفعلن مستفعلن فعل
إن قافية الشطر الأول هي كلمة "كتابته" كلها، وأما قافية الشطر الثاني فهي مقطع "يته" التي هي جزء من كلمة نهايته. وقد كان يستطيع أن يضع الكلمة الكاملة قافية لو قال مثلًا:
أحسستني قد مُت في نهايته
ومن يقلب قصائد الناشئين الحرة يجد كثيرًا من هذا الخلط المؤسف
стр. 176
بين الوحدات، وهو خلط ترفضه الأذن الشعرية المرهفة، كما يرفضه الناظم العروضي الممرن الذي أحسن درس العروض، فلا الموهوب يقبله ولا العارف بالعروض. أقول هذا مع تقديري لشاعرية مجاهد عبد المنعم.
والحقيقة التي لا ينبغي أن تفوتنا أن الخلط بين الوحدات المتساوية شكلًا ليس إلا جزءًا من الخلط بين التشكيلات. إن شطري فدوى ينتمي كل منهما إلى تشكيلة لأن "مستفعلن مستفعلان" تختلف كل الاختلاف عن "مستفعلن مستفعلن فعول" كما سبق أن شرحنا في موضوع التشكيلات، وكان على الشاعر، ومثلها الشاعر، أن تختار إحدى التشكيلتين وتجري عليها في القصيدة كلها وبذلك تكون الوحدتان "سراب" و"مذاق" المتساويتان في الشكل، متساويتين عروضيًّا أيضًا لوقوعهما في المكان عينه من التفعيلة. والأمر كذلك بالنسبة للكلمتين "كتابته" و"نهايته".
وفي ختام هذه الفقرة من بحثنا أحس القارئ يسألني: لماذا لم يقع أسلافنا الشعراء في مثل هذا الخلط بين الوحدات؟ ولماذا عرف هذا الداء في عصرنا؟ والجواب أن الشعر الحر أصعب من الشعر ذي الأشطر المتساوية. لأن التساوي كان يضطر الشاعر إلى أن يورد عين التفعيلات في كل شطر. فإذا بدأ القصيدة: مستفعلن مستفعلن فعول.
فإذا هذا يبقى طولًا ثابتًا لكل شطر تالٍ، فلا يستطيع الشاعر أن يخطئ. وأما الشاعر الحديث فإن ظروفه صعبة لأن من حقه أن يطيل الشطر ويقصره، وهذا يجعله أكثر تعرضًا للمزالق.
стр. 177
ج- أخطاء التدوير:
ما زال الجمهور العربي يشكو من أن الشعر الحر يلوح له نثرًا لا وزن له. وأحسب أن كثرة التدوير في شعر الشعراء الناشئين تساهم،
стр. 178
بنسبة عالية، في إشاعة هذا الإحساس في نفوس القراء. ويكمن سبب ذلك في جوهر التدوير نفسه. لأنه في حقيقته مد للعبارة وإطالة للشطر، فإذا كان الشاعر ضعيف السيطرة على قصيدته بالمعنى العروضي، لاح وكأن ما يقوله نثر خالٍ من الموسيقى والإيقاع.
ونحب أن نورد مثلًا. إني أسحب أول عدد أصادفه من مجلة "الآداب" فأقع فيه على قصيدة لخليل الخوري من دمشق يبدؤها قائلًا من الكامل:
أنا في انتظار المعجزه
من أين؟
لا أدري! ولكني هنا ألتاث
يوجعني انتظار المعجزه
الصمت في الأغوار يزحف
يأكل الأبعاد يفترس الزمان
أصغي أكاد أحس
أحدس ما تحيك١ أنامل الصمت العميق٢
إن هذه الأشطر تزخر بالتدوير. هناك من الأشطر المدورة الثاني والثالث والخامس والسابع. وحيث إن الشعر الحر ذو شطر واحد كما سبق أن قررنا فإن التدوير يصبح ممتنعًا كل الامتناع فيه؛ لأن العرب لا تدور ضرب الشطر أو البيت، وإنما يدور العروض وحسب، ثم إن الحاجة إلى التدوير تنتفي أصلًا في كل شعر حر. ذلك لأن طول الشطر غير معين بحيث يستطيع الشاعر أن يضع ما يشاء من تفعيلات مستغنيًا عن التدوير. وعلى هذا الأساس كان ينبغي أن يجمع الشاعر كل شطرين مدورين معًا. وبذلك تصبح قصيدته كما يلي:
стр. 179
أنا في انتظار المعجزه
من أين؟ لا أدري ولكني هنا ألتاث يوجعني انتظار المعجزه
الصمت في الأغوار يزحف، يأكل الأبعاد، يفترس الزمان
أصغي أكاد أحس أحدس ما تحوك أنامل الصمت العميق.
وعندما نكتبها هكذا، كما ينبغي أن تكتب وكما تفرض قواعد العروض العربي، نلاحظ أنها طويلة الأشطر في الغالب مع شيء من عدم الانسجام بين الشطر الأول القصير والأشطر الثلاثة التالية على أنها مع ذلك جميلة التعبير جارية على قواعد البحر الكامل. والمأخذ على هذه الأشطر هو كما قلنا عدم التناسق بين طولها. فأين الشطر الأول المكون من تفعيلتين من الشطر الثاني المكون من ست؟ أو من الثالث والرابع وكل منهما ذو خمس تفعيلات؟
ولا يقل سوء تأليف عن ذلك كون الشطر الثاني في حقيقته بيتًا ذا شطرين من البحر الكامل هذا وزنه:
من أين لا أدري ولكني هنا ... ألتاث يوجعني انتظار المعجزه
متفاعلن متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلن متفاعلن
ومن هذا ندرك أن الأشطر الثالثة "٢ و٣ و٤" في أصل الشاعر لم تكن في الحقيقة إلا بيتًا واحدًا ذا شطرين. فلماذا إذن كتبه الشاعر هكذا:
من أين
لا أدري ولكني هنا ألتاث١
يوجعني انتظار المعجزه؟
стр. 180
إنه أولًا يقطع بيتًا تقطيعًا لا صلة له بالوزن، وهذا غير مقبول، فإنما التقطيع صفة يفرضها الوزن ولا يتحكم فيها سواه، ثم إن الشاعر بهذا التقطيع المتعسف يجعل أشطره مدورة في موضع لا يسوغ فيه التدوير.
ذلك فضلًا عن أن قواعد البلاغة لا تبيح أن نفصل عبارة "من أين" عن عبارة "لا أدري". وليس من غرض بياني يسوغ فصل الفعل "ألتاث" عن الفعل "يوجعني" وهما في مرتبة نحوية واحدة. ومهما كان فإن فصل العبارات عن بعضها في الشعر ينبغي ألا يكون إلا إذا اقتضته وقفة عروضية، فلا شيء سواها يستطيع تقرير فصل غير مباح. هذا مع العلم بأن بعض الفصل لا تبيحه حتى وقفة عروضية وذلك مثل الفصل بين مضاف ومضاف إليه ونحوه.
والواقع أن السادة الشعراء يرتكبون في الواقع إساءتني أولاهما: أنهم يقعون في التدوير في الشعر الحر مع أنه ممتنع فيه لأنه شعر ذو شطر واحد، وثانيتهما: أنهم بالإضافة إلى خطيئة التدوير، يقسمون الشطر إلى أشطر على أساس المعنى، مع أن الشطر في العروض وحدة موسيقية مستقلة وينبغي أن يُفْصل بينها وبين أية وحدة أخرى فصلًا ملحوظًا بترك فراغ على الورق.
هذا وأمثاله يشير إلى أن القصيدة قد أفلتت من سيطرة الشاعر المعاصر، فهي تقوده وتجري به حيث تشاء، وهو لا يملك من عدة اللغة، والعروض ما يعينه عليها. إنه غير شاعر بوحدة الشطر، تارة يبدأ شطرًا بالنصف الأخيرة من الكلمة، وتارة ينهي شطرًا بالنصف الأول من الكلمة. وأحيانًا يورد بيتًا ذا شطرين متساويين على النمط الخليلي وهو يظن أنه يكتب شعرًا حرًّا تتعدد أطوال أشطره. وتراه يكتب أبياتًا مدورة وهو يحسب أن كل شطر فيها مستقل، وأحيانًا يضع قافية في نهاية الشطر ويظن أنها هي القافية، مع أن شطره مدور بحيث يذهب نصف القافية إلى الشطر التالي فلا تعود قافية. وكل هذه الفوضى تنشأ عن وقوع الشاعر