بين الوحدات، وهو خلط ترفضه الأذن الشعرية المرهفة، كما يرفضه الناظم العروضي الممرن الذي أحسن درس العروض، فلا الموهوب يقبله ولا العارف بالعروض. أقول هذا مع تقديري لشاعرية مجاهد عبد المنعم.
والحقيقة التي لا ينبغي أن تفوتنا أن الخلط بين الوحدات المتساوية شكلًا ليس إلا جزءًا من الخلط بين التشكيلات. إن شطري فدوى ينتمي كل منهما إلى تشكيلة لأن "مستفعلن مستفعلان" تختلف كل الاختلاف عن "مستفعلن مستفعلن فعول" كما سبق أن شرحنا في موضوع التشكيلات، وكان على الشاعر، ومثلها الشاعر، أن تختار إحدى التشكيلتين وتجري عليها في القصيدة كلها وبذلك تكون الوحدتان "سراب" و"مذاق" المتساويتان في الشكل، متساويتين عروضيًّا أيضًا لوقوعهما في المكان عينه من التفعيلة. والأمر كذلك بالنسبة للكلمتين "كتابته" و"نهايته".
وفي ختام هذه الفقرة من بحثنا أحس القارئ يسألني: لماذا لم يقع أسلافنا الشعراء في مثل هذا الخلط بين الوحدات؟ ولماذا عرف هذا الداء في عصرنا؟ والجواب أن الشعر الحر أصعب من الشعر ذي الأشطر المتساوية. لأن التساوي كان يضطر الشاعر إلى أن يورد عين التفعيلات في كل شطر. فإذا بدأ القصيدة: مستفعلن مستفعلن فعول.
فإذا هذا يبقى طولًا ثابتًا لكل شطر تالٍ، فلا يستطيع الشاعر أن يخطئ. وأما الشاعر الحديث فإن ظروفه صعبة لأن من حقه أن يطيل الشطر ويقصره، وهذا يجعله أكثر تعرضًا للمزالق.
стр. 177
ج- أخطاء التدوير:
ما زال الجمهور العربي يشكو من أن الشعر الحر يلوح له نثرًا لا وزن له. وأحسب أن كثرة التدوير في شعر الشعراء الناشئين تساهم،
стр. 178
بنسبة عالية، في إشاعة هذا الإحساس في نفوس القراء. ويكمن سبب ذلك في جوهر التدوير نفسه. لأنه في حقيقته مد للعبارة وإطالة للشطر، فإذا كان الشاعر ضعيف السيطرة على قصيدته بالمعنى العروضي، لاح وكأن ما يقوله نثر خالٍ من الموسيقى والإيقاع.
ونحب أن نورد مثلًا. إني أسحب أول عدد أصادفه من مجلة "الآداب" فأقع فيه على قصيدة لخليل الخوري من دمشق يبدؤها قائلًا من الكامل:
أنا في انتظار المعجزه
من أين؟
لا أدري! ولكني هنا ألتاث
يوجعني انتظار المعجزه
الصمت في الأغوار يزحف
يأكل الأبعاد يفترس الزمان
أصغي أكاد أحس
أحدس ما تحيك١ أنامل الصمت العميق٢
إن هذه الأشطر تزخر بالتدوير. هناك من الأشطر المدورة الثاني والثالث والخامس والسابع. وحيث إن الشعر الحر ذو شطر واحد كما سبق أن قررنا فإن التدوير يصبح ممتنعًا كل الامتناع فيه؛ لأن العرب لا تدور ضرب الشطر أو البيت، وإنما يدور العروض وحسب، ثم إن الحاجة إلى التدوير تنتفي أصلًا في كل شعر حر. ذلك لأن طول الشطر غير معين بحيث يستطيع الشاعر أن يضع ما يشاء من تفعيلات مستغنيًا عن التدوير. وعلى هذا الأساس كان ينبغي أن يجمع الشاعر كل شطرين مدورين معًا. وبذلك تصبح قصيدته كما يلي:
стр. 179
أنا في انتظار المعجزه
من أين؟ لا أدري ولكني هنا ألتاث يوجعني انتظار المعجزه
الصمت في الأغوار يزحف، يأكل الأبعاد، يفترس الزمان
أصغي أكاد أحس أحدس ما تحوك أنامل الصمت العميق.
وعندما نكتبها هكذا، كما ينبغي أن تكتب وكما تفرض قواعد العروض العربي، نلاحظ أنها طويلة الأشطر في الغالب مع شيء من عدم الانسجام بين الشطر الأول القصير والأشطر الثلاثة التالية على أنها مع ذلك جميلة التعبير جارية على قواعد البحر الكامل. والمأخذ على هذه الأشطر هو كما قلنا عدم التناسق بين طولها. فأين الشطر الأول المكون من تفعيلتين من الشطر الثاني المكون من ست؟ أو من الثالث والرابع وكل منهما ذو خمس تفعيلات؟
ولا يقل سوء تأليف عن ذلك كون الشطر الثاني في حقيقته بيتًا ذا شطرين من البحر الكامل هذا وزنه:
من أين لا أدري ولكني هنا ... ألتاث يوجعني انتظار المعجزه
متفاعلن متفاعلن متفاعلن ... متفاعلن متفاعلن متفاعلن
ومن هذا ندرك أن الأشطر الثالثة "٢ و٣ و٤" في أصل الشاعر لم تكن في الحقيقة إلا بيتًا واحدًا ذا شطرين. فلماذا إذن كتبه الشاعر هكذا:
من أين
لا أدري ولكني هنا ألتاث١
يوجعني انتظار المعجزه؟
стр. 180
إنه أولًا يقطع بيتًا تقطيعًا لا صلة له بالوزن، وهذا غير مقبول، فإنما التقطيع صفة يفرضها الوزن ولا يتحكم فيها سواه، ثم إن الشاعر بهذا التقطيع المتعسف يجعل أشطره مدورة في موضع لا يسوغ فيه التدوير.
ذلك فضلًا عن أن قواعد البلاغة لا تبيح أن نفصل عبارة "من أين" عن عبارة "لا أدري". وليس من غرض بياني يسوغ فصل الفعل "ألتاث" عن الفعل "يوجعني" وهما في مرتبة نحوية واحدة. ومهما كان فإن فصل العبارات عن بعضها في الشعر ينبغي ألا يكون إلا إذا اقتضته وقفة عروضية، فلا شيء سواها يستطيع تقرير فصل غير مباح. هذا مع العلم بأن بعض الفصل لا تبيحه حتى وقفة عروضية وذلك مثل الفصل بين مضاف ومضاف إليه ونحوه.
والواقع أن السادة الشعراء يرتكبون في الواقع إساءتني أولاهما: أنهم يقعون في التدوير في الشعر الحر مع أنه ممتنع فيه لأنه شعر ذو شطر واحد، وثانيتهما: أنهم بالإضافة إلى خطيئة التدوير، يقسمون الشطر إلى أشطر على أساس المعنى، مع أن الشطر في العروض وحدة موسيقية مستقلة وينبغي أن يُفْصل بينها وبين أية وحدة أخرى فصلًا ملحوظًا بترك فراغ على الورق.
هذا وأمثاله يشير إلى أن القصيدة قد أفلتت من سيطرة الشاعر المعاصر، فهي تقوده وتجري به حيث تشاء، وهو لا يملك من عدة اللغة، والعروض ما يعينه عليها. إنه غير شاعر بوحدة الشطر، تارة يبدأ شطرًا بالنصف الأخيرة من الكلمة، وتارة ينهي شطرًا بالنصف الأول من الكلمة. وأحيانًا يورد بيتًا ذا شطرين متساويين على النمط الخليلي وهو يظن أنه يكتب شعرًا حرًّا تتعدد أطوال أشطره. وتراه يكتب أبياتًا مدورة وهو يحسب أن كل شطر فيها مستقل، وأحيانًا يضع قافية في نهاية الشطر ويظن أنها هي القافية، مع أن شطره مدور بحيث يذهب نصف القافية إلى الشطر التالي فلا تعود قافية. وكل هذه الفوضى تنشأ عن وقوع الشاعر
стр. 181
في التدوير وهو غافل.
أليس التدوير مسألة عروضية بحتة مرتبطة بالمعنى وبالموسيقى؟ ومن قال إننا أحرار في استعماله حيث شئنا ومتى شئنا؟ لنأخذ هذه الأشطر من خليل الخوري كما كتبها هو:
آه متى يشتد عصف الريح،
عصف الريح روح البحر،
لولا الريح جف البحر، آهٍ
من يحث لنا السحاب؟
أربعة أشطر جميلة سطرها الشاعر وهو لا يدري أنها في واقعها العروضي شطر واحد لا ينفصم نهايته كلمة "السحاب". ولقد كان التدوير المتصل ثقيلًا هنا لأن المعنى كان يقتضي الوقوف بعد الاستفهام الأول "آه متى يشتد عصف الريح؟ " وكان ينبغي أن ينتهي الشطر عند آخر هذا السؤال انتهاء عروضيًّا لينسجم الوزن والمعنى كما ينبغي لهما في كل شعر جيد. وأما عبارة "عصف الريح روح البحر" فقد كان حقها أن تفصل فصلًا كاملًا عن سابقتها؛ لأنها عبارة خبرية وما قبلها استفهام يختلف عنها بلاغيًّا.
وإنما وجد التدوير لربط شطر أول لم ينته المعنى فيه بشطر تالٍ له. وهذا هو القانون في كل تدوير. وإذن فما الداع إلى أن يربط الشاعر للعبارتين "متى يشتد عصف الريح؟ " و"عصف الريح روح البحر؟ " ما من جواب منطقي سوى أنها قد تكون "ضرورة" فإن في الأمة العربية اليوم جيلًا من الأدباء والشعراء الناشئين يحسبون هدم قواعد البلاغة والنحو والعروض مظهرًا من مظاهر التجديد. ولذلك لا نجدهم يعنون بمراجعة قاموس أو مرجع في القواعد، لا بل إنهم يستخفون بالناقد الذي يعاتبهم على إهمال قاعدة أو استعمال لفظة على قايس فاسد. وليس من الضروري أن يكون خليل خوري أحد هؤلاء فإن قصيدته هذه تشير إلى قدرة تعبيرية ملحوظة.
стр. 182
وما نتيجة كل هذا التدوير بالنسبة للقارئ الذي ليس شاعرًا؟ أنه يرتبك ولا يعرف حدود الوزن. يقرأ شطر الشاعر:
يأكل الأبعاد يفترش الزمان
أو شطره:
عصف الريح روح البحر
فلا يجد له وزنًا معروفًا، ولا يجده منطبقًا على أي بحر من بحور الشعر. فلا يكون منه إلا أن يحكم بأن هذا نثر بلا وزن. وينبغي لنا ألا نلومه. وهل الناس كلهم شعراء يعرفون حدود الأوزان؟ لا بل إن كان الشاعر لا يعين حدود الشطر فكيف ننتظر ذلك من القارئ البسيط الذي يقرأ الشعر ليجد فيه لذة ونشوة وحسب وكثيرًا ما يضيع بين حدوده؟
стр. 183
د- اللعب بالقافية وإهمالها:
بدأ العرب يتخلصون من عبء القافية الموحدة ذات الرنين العالي منذ عصور بعيدة، فنشأ الموشح والبند وفنون الشعر الشعبي، ودرجت الأغاني التي تستعمل أكثر من قافية واحدة. وفي عصرنا هذا شاعت الرباعيات والثنائيات وخطط القوافي المعقدة، غير أن القافية بقيت ملكة تتحكم في الشعر فلم يخرج عنها شاعر معروف. ومضى ذلك حتى السنوات الأخيرة، بعد قيام حركة الشعر الحر واستسلام الشعراء الشباب لها بلا تريث ولا تمحيص. فلقد بدأنا مؤخرًا نقرأ قصائد لا قافية لها على الإطلاق، وارتفعت أصوات غير قليلة تنادي بنبذ القافية نبذًا تامًّا. وكان هذا صدى للشعر الغربي وهو قد عرف الشعر المرسل الذي يخلو من القافية منذ مسرح شكسبير، فكان هذا الشاعر الإنكليزي الكبير يكتب شعرًا لا قافية له في الغالب فلا يأتي بقافية إلا في خاتمة الفصل إيذانًا
стр. 184
بانتهائه. والشعر الغربي اليوم أغلبه بلا قافية، ومن هناك جاءتنا الفكرة فاستجاب لها بعض الشباب ومضوا في تطبيقها. على أننا لا نملك إلا أن نلاحظ أن الذين ينادون اليوم بنبذ القافية هم غالبًا الشعراء الذين يرتكبون الأخطاء النحوية واللغوية والعروضية؛ ولذلك نحشى أن تكون مناداة بعضهم بها تهربًا إلى السهولة وتخلصًا من العبء اللغوي الذي تلقيه القافية على الشاعر. وأنا أومن بأن الحرية ينبغي ألا تمنح إلا لإنسان قادر على أن يلتزم القيود وإلا أصبحت قيدًا.
على أن مسألة نبذ القافية ليست جديدة كل الجدة في الشعر الحديث، ففي ديوان الزهاوي الذي توفي حين كنا نحن صغارًا قصيدة جارية على أسلوب الشطرين، غير أنها مرسلة إرسالًا بلا قافية. قال من الطويل:
لموتُ الفتى خيرٌ له من معيشة ... يكون بها عبئًا ثقيلًا على الناس
يعيش رخي العيش عشرٌ من الورى ... وتسعة أعشار الأنام مناكيد
أما في بني الأرض العريضة قادرٌ ... يخفف ويلات الحياة قليلا
أفي الحق أن البعض يشبع بطنه ... وأن بطون الأكثرين تجوع
أسائلني عن غاية الخالق اسكتي ... فما لي على هذا السؤال جوابُ
إذا حيي الإنسان صادف منكرًا ... وإن مات لاقى منكرًا ونكيرًا
стр. 185
إذا قلت حقًّا خفتُ لوم مخاطبي ... وإن لم أقل حقًّا أخاف ضميري
أرى الناس، إلا من توفر عقلُهُ ... من الناس، أعداء لكل جديد١
إن هذا شعر بلا قافية، وقد جمع فيه الشاعر تشكيلتين من البحر الطويل فكانت أبياته متنافرة. ولم تكن هذه من الزهاوي إلا تجربة، فلسنا نراه سار عليها في سائر شعره. ولغير الزهاوي محاولات في هذا الباب. على أن المحاولة لم تنجح وبقيت نموذجًا يشار إليه لغرابته.
ثم إن الشعراء، إن كانوا لم ينجحوا في إحداث الشعر المرسل، فإنهم نجحوا في الخروج على القافية الموحدة، فشاع في الوطن العربي شعر الزركلي والمهجريين الذي جرى على تنويع القوافي بأشكال الموشح وأشكال جديدة جميلة أضافوها هم. ومشى ذلك حتى في شعر شوقي والزهاوي والرصافي وبشارة الخوري وغيرهم كثير، حتى أصبح تنويع القوافي مألوفًا وصدرت المطولات الشعرية والمسرحيات.
ومهما يكن من فكرة نبذ القافية وإرسال الشعر فإن الشعر الحر بالذات يحتاج إلى القافية احتياجًا خاصًّا. وذلك لأنه شعر يفقد بعض المزايا الموسيقية المتوافرة في شعر الشطرين الشائع. إن الطول الثابت للشطر العربي الخليلي يساعد السامع على التقاط النبرة الموسيقية ويعطي القصيدة إيقاعًا شديد الوضوح بحيث يخفف ذلك من الحاجة إلى القافية الصلدة الرنانة التي تصوت في آخر كل شطر فلا يغفل عنها إنسان. وأما الشعر الحر فإنه ليس ثابت الطول وإنما تتغير أطوال أشطره تغيرًا متصلًّا، فمن ذي تفعيلة إلى ثانٍ ذي ثلاث إلى ثالث ذي اثنتين وهكذا. وهذا التنوع في العدد،
стр. 186
مهما قلنا فيه، يصير الإيقاع أقل وضوحًا ويجعل السامع أضعف قدرة على التقاط النغم فيه. ولذلك فإن مجيء القافية في آخر كل شطر، سواء أكانت موحدة أم منوعة، يعطي هذا الشعر الحر شعرية أعلى ويمكن الجمهور من تذوقه والاستجابة له.
ولنقارن بين قصيدتين إحداهما مرسلة والأخرى ذات قافية، ولنلاحظ الفرق في الموسيقى والشعرية. لصلاح عبد الصبور من "الكامل"١:
كنا على ظهر الطريق عصابة من أشقياء
متعذبين كآلهة
بالكتب والأفكار والدخان والزمن المقيت
طال الكلام مضى المساء لجاجة، طال الكلام
وابتل وجه الليل بالأنداء
ومشت إلى النفس الملالة والنعاس إلى العيون
كانت هذه القصيدة مرسلة من دون قافية، وقد أفقدها ذلك جمال الوقع وعلو النبرة. فأين هي من قصيدة نزار قباني من "الكامل"٢:
ولمحت طوق الياسمين
في الأرض مكتوم الأنين
كالجثة البيضاء تدفعه جموع الراقصين
ويهم فارسك الجميل بأخذه فتمانعين
وتقهقهين
"لا شيء يستدعي انحناءك، ذاك طوق الياسمين"
стр. 187
والحقيقة أن القافية ركن مهم في موسيقية الشعر الحر لأنها تحدث رنينًا وتثير في النفس أنغامًا وأصداء. وهي فوق ذلك فاصلة قوية واضحة بين الشطر والشطر، والشعر الحر أحوج ما يكون إلى الفواصل خاصة بعد أن أغرقوه بالنثرية الباردة. ولذلك يؤسفنا أن نرى الناشئين متجهين اليوم إلى نبذ القافية في شعرهم الحر. وذلك يضيف إلى نثرية ما ينظمون وضعف الموسيقى فيه. فكأن لم يكفهم أن يوردوا في شعرهم تشكيلات متنافرة، وأن يخرجوا على الوزن، وأن يتنقلوا من بحر إلى بحر، وأن يرتكبوا الأخطاء النحوية واللغوية، وأن يأتوا بالعامي والسقط، كأن لم يكفهم ذلك كله، فأهملوا القافية وهي لو يدرون سند شعرهم وحليته المتبقية.
стр. 188
الباب الرابع: ملحق بقضايا الشعر الحر
الفصل الأول: البند ومكانه من العروض العربى
مدخل
...
الباب الرابع: ملحق بقضايا الشعر الحر:
الفصل الأول: البند ومكانه من العروض العربي.
لا ريب في أن البند هو أقرب أشكال الشعر العربي إلى "الشعر الحر". ذلك أنه شعر يستند إلى بحر الهزج١:
مفاعيلن مفاعيلن
فلا يتقيد بأسلوب الشطرين الذي تقيد به الشعراء العرب منذ أقدم العصور، وإنما يخرج عنه فيجيء هزجًا تختلف أطوال شطره، فيأتي شطر بتفعيلتين يليه شطر بخمس تفعيلات وثالث باثنتين ورابع بعشر وهكذا كما تملي على الشاعر أهواؤه ومعانيه. ولقد ألف الشعراء الذين ينظمون البند أن يرصفوه كما يرصفون النثر بحيث يبدو لنا حين ننظر إليه وكأنه نثر اعتيادي. وهذا نموذج من بند ابن الخلفة وهو أشهر البنود وأحسبه أظرفها وأحفلها بالعفوية والبساطة:
стр. 189
"أهل تعلم أم لا أن للحب لذاذات، وقد يعذر لا يعذل من فيه غرامًا وجوى مات، فذا مذهب أرباب الكمالات، فدع عنك من اللوم زخاريف المقالات، فكم قد هذب الحب بليدًا، فغدا في مسلك الآداب والفضل رشيدًا. صه فما بالك أصبحت غليظ الطبع لا تظهر شوقًا، لا ولا تعرف توقًا، لا ولا شمت بلحظيك سنا البرق اللموعي الذي أومض من جانب أطلال خليط عنك قد بان، وقد عرس في سفح ربى البان".
ولنكتبه الآن بحسب وزنه بحيث تبرز القافية والتفعيلات بروزًا طبيعيًّا.
وسوف نشير إلى عدد التفعيلات في كل شطر بالرقم في آخره:
أهل تعلم أم لا أن للحب لذاذات؟ ٤
وقد يعذر لا يعذل من فيه غرامًا وجوى مات ٥
فذا مذهبُ أربابِ الكمالات ٣
فدع عنك من اللوم وزخاريف المقالات ٤
فكم قد هذب الحب بليدًا ٣
فغدا في مسلك الآداب والفضل رشيدًا ٤
صه فما بالك أصبحت غليظ الطبع لا تعرف شوقًا؟ ٥
لا ولا تظهر توقًا؟ ٢
لا ولا شمت بلحظيك سنا البرق اللموعي الذي
أومض من جانب أطلال خليط عنك قد بان ٩
وقد عرس في سفح ربى البان ٣
من هذا نرى أن شطرًا ذا تفعيلتين قد توسط بين شطر ذي خمس وآخر ذي تسع والرابط هو التفعيلة لا الشطر.
ولقد كان البند لم يزل غامضًا كل الغموض في أذهان الشعراء والأدباء
стр. 190
والنقاد، ولعل سبب ذلك يكمن في أنه شكل من أشكال الشعر نشأ في عصور متأخرة فلم يذكره عروض الخليل ولا عروض الذين تأخروا عنه. والواقع أنه لم يذكر حتى في كتب العروض المتأخرة مع أنها أحصت أشكالًا أقل منه طرافة وأصالة مثل الزجل والمواليا، وكان كان والقوما والدوبيت. وكنت أؤمل -على الأقل- أن تشير كتب المعاصرين في العروض إليه، وقد راجعت بضعة منها فخاب ظني ولم أجد فيها ولو إشارة إلى هذا الأسلوب الشعري الطريف الذي أقام فيه الشاعر الوزن على أساس "التفعيلة" دون الشطر مخالفًا بذلك كل أساليب الوزن العربي السابقة. وأحسب أن هؤلاء العروضيين المعاصرين الأفاضل١، مع تقديرنا لعلمهم وثنائنا على مجهودهم الطيب، قد أخذوا الجذور الأساسية للعروض من الكتب القديمة ولم يروا داعيًا إلى أن يضيفوا فصولًا تدرس التطوير الذي وقع في العصور المتأخرة. وقد يكون بينهم من لا يعرف البند أصلًا؛ لأنه فن شعري اقتصر عليه شعراء العراق، وهذا عذر لا يشمل الرصافي. وأما إذا كان هذا الإهمال مقصودًا تعمده المؤلفون الأفاضل استهانة منهم بالبند، فإن ذلك لا ينبغي أن يغتفر لهم وهم نقاد عروضيون ذوو نظر. ذلك أن هذا البند قد لقي قبولًا لدى كثير من الشعراء، وذلك وحده ينبغي أن يكون كافيًا لأن يجعل من كتاب العروض الذي لا يدرسه كتابًا لا يستوفي مادته المفترضة، فضلًا عن كون البند لم يكن إلا نموًّا من بحور الشعر العربي يضيف إليها جديدا ولا يخرج عنها في شيء.
стр. 191
ولقد أدى تغافل كتاب العروض قديمًا وحديثًا، عن البند إلى أن يرقد تحت غبار الإهمال محوطًا بالإبهام والشك، لا يجرؤ ناقد على نقده أو التحدث عنه، وقد يتطاول عليه جاهل بأنه نثر. وشاعت عنه في الدوائر الأدبية الشائعات الضبابية التي لا يمكن أن نهتدي عبرها إلى حقيقة ثابتة له، ومن أبرز هذه الشائعات قولهم إن البند ينتمي إلى بحر الهزج:
مفاعيلن مفاعيلن
والواقع أن هذا حكم غالط وغلطه واضح كل الوضوح، حسبنا لكي نرد عليه أن نورد افتتاحية بند ابن الخلفة الذي اقتطفنا منه:
أيها اللائم في الحب، دع اللوم عن الصب ... إلخ
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فَ
فإذا كان وزن البند، كل بند، هو "الهزج" فلماذا كانت التفعيلات هنا "فاعلاتن"؟ وهل تفعيلة الهزج إلا "مفاعيلن"؟ فأين هي إذن؟ ومن الحق أن نقول إن الذين كتبوا عن البند قد انتبهوا جميعًا إلى أن هذا الوزن ليس هو الهزج على الرغم من أن هناك في البنود كلها أشطرًا كثيرة من الهزج. وحيرهم ذلك فابتدعوا له تخريجًا غريبًا في بابه فقالوا إن هذا الوزن هو الهزج بزيادة سبب خفيف في أوله كما يلي:
وهذا شيء غير مسموع في العروض العربي، فلسنا نعرف في الشعر حرفًا إلا وهو داخل في وزن الشطر والبيت، فبأي حق نفرد سببًا خفيفًا فلا نزنه؟ وإذا كان في وزن البند زيادة غير موزونة فما سر الإيقاع فيه إذن؟ وعلى أي وجه تقبله الأذن العربية المرهفة؟ والحق أن البند وزن جميل مرقص، وهذا الجمال فيه لا يمكن أن يدل إلا على شيء
стр. 192
واحد هو أن كل حرف فيه جار على الوزن العربي، دونما زيادة هنا أو سبب خفيف هناك. وكل ما في الأمر أن العروضيين والنقاد قد أخطئوا الحكم، فليس الغلط في البند وإنما هو في مقاييسهم.
وحقيقة الأمر أن البند خلافًا للشعر العربي كله يستعمل بحرين اثنين من بحور الشعر، يجمع بينهما ويكرر الانتقال من أحدهما إلى الآخر عبر القصيدة كلها. والبحران الوحيدان المستعملان فيه هما الهزج والرمل.
ونحسب أن تعسف النقاد في التماس التخريجات التي يعللون بها خروج البند عن الهزج يرجع، في أساسه، إلى أنهم يعتقدون استحالة الجمع بين بحرين من بحور الشعر في قصيدة متناسقة، فكيف يصح أن تجتمع التفعيلة "فاعلاتن" مع التفعيلة "مفاعيلن" دون أن تتنافرا؟ والواقع أنهما تجتمعان أجمل اجتماع إذا عرف الشاعر كيف يسيطر عليهما. والسر في إمكان ذلك أن بينهما علاقة خفية يمكن أن نتبينها بالتقطيع.
مفاعي لن مفاعي لن مفاعي لن مفاعي لن
لن مفاعي لن مفاعي لن مفاعي
إن "لن مفاعي" التي هي مقلوب "مفاعيلن" مساوية في حركاتها وسكناتها للتفعيلة "فاعلاتن". ومثل ذلك كامن في "فاعلاتن" هذه، فإن مقلوبها "علاتن فا" مساوٍ، في مسافاته، للتفعيلة "مفاعيلن".
وعلى ذلك فإننا إذا حللنا أي شطر من الرمل "فاعلاتن فاعلاتن" وجدناه يمكن أن يتحول إلى الهزج بحذف سبب خفيف واحد من أوله. كما أننا نستطيع أن نحول أي شطر من الهزج "مفاعيلن" إلى الرمل بأن نزيد سببًا في أوله. وهذه الخاصية هي التي لاحظها الخليل بن أحمد حين رصَّ الرمل والهزج في دائرة عروضية واحدة١. ولاشك عندنا في أن
стр. 193
أول شاعر نظم البند كان على علم بهذه الخاصية العروضية، ولقد كان فوق ذلك مرهف السمع، مبدعًا، فعرف كيف يستطيع أن يجمع الرمل والهزج في قصيدة واحدة. وليس ذلك أمرًا هينًا كما قد يظن؛ لأن معرفة الصلة بين "مفاعيلن" و"فاعلاتن" لا تكفي لإبداع البند وإنما ينبغي إلى جانبها تحسس مرهف للإيقاع والوزن، بحيث يدرك الشاعر الوسيلة الموسيقية الفذة التي يمكن بها أن تجتمع التفعيلتان دون أن يحس القارئ بغرابة الانتقال. ولسوف ندرس هذه الوسيلة فيما يلي:
إن الأشطر الأربعة الأولى مما اخترناه من بند ابن الخلفة كانت من بحر الهزج ذي التفعيلة "مفاعيلن":
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلْ
أهل تعلم أم لا أن للحب لذاذاتْ
وقد يعذر لا يعذل من فيه غرامًا وجوى ماتْ
فذا مذهب أرباب الكمالاتْ
فدع عنك من اللوم زخاريف المقالاتْ
وفجأة، بعد تواتر "مفاعيلن" في هذه الأشطر كلها دون شذوذ، يأتينا شطر تشذ تفعيلته الأخيرة فلا تكون "مفاعيلْ" وإنما "فعولن" قال:
فكم قد هذب الحب بليدا
مفاعيلن مفاعيلن فعولن
كيف حدث هذا؟ ولماذا؟ في الواقع أن الضرب "فعولن" وارد في تشكيلات بحر الهزج التي يذكرها العروضيون، فالشاعر إذن ما زال جاريًا على الهزج لم يخرج عنه. وإنما تكمن المفاجأة الجميلة في أن "فعولن" هذه مساوية للمقطع "علاتن" الذي هو الجزء الأخير من تفعيلة الرمل
стр. 194
"فاعلاتن". فكأن الشاعر قد جاءنا فجأة بتفعيلة يشترك في قبولها البحران كلاهما "الهزج" و"الرمل". وكان ذلك خير تمهيد شعري للانتقال من الهزج إلى الرمل في الأشطر التالية:
فغدا في مسك الآداب والفضل رشيدا
صه فما بالك أصبحت غيظ الطبع لا تعرف شوقًا
لا ولا تظهر توقا
فاعلاتن فاعلاتن
وقد كانت كل تفعيلة من هذه الأشطر هي "فاعلاتن" بلا شذوذ. ولكن، فجأة أيضًا، وكما حدث سابقًا في أشطر الهزج، يأتي الشاعر بشطر تشذ تفعيلته الأخيرة فلا تكون "فاعلاتن"، وإنما تصبح "فاعلاتان" قال، وهو شطر طويل ذو تسع تفعيلات كما مر "من الرمل":
لا ولا شمت بلحظيك سنا البرق اللموعي
الذي أومض من جانب أطلال خليط عنك قد بانْ
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتان
وثانية نسأل أنفسنا كيف حدث هذا؟ ولماذا كانت الأشطر كلها موحدة التفعيلة "فاعلاتن" لا تخرج عليها فجاء الشاعر فجأة بـ "فاعلاتان" هذه؟ لو رجعنا إلى كتب العروض لوجدنا أن الضرب "فاعلاتان" وارد في تشكيلات بحر الرمل. فالشاعر إذن لم يخرج على الرمل. وإنما جاء بهذه التفعيلة لأن جزأها "علاتان" مساوٍ تمامًا لتفعيلة الهزج "مفاعيلْ".
وبهذا أورد الشاعر تفعيلة يشترك فيها الرمل والهزج معًا وبذلك مهد السبيل للانتقال ثانية من الرمل إلى الهزج فقال فجأة:
مفاعيلن مفاعيلْ
وقد عرس في سفح ربى البان
стр. 195
المقياس العروضي للبند:
من ذلك كله، يبدو لي، أن القاعدة العروضية للبند هي أنه شعر حر تتنوع أطوال أشطره ويرتكز إلى دائرة "المجتلب" مستعملًا منها الرمل والهزج معًا. وهذه فيما يلي، خطة عامة للتفعيلات في البند، نثبتها مساعدة لمن يرغب في نظم البند من القراء:
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلْ
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيل
مفاعيلن مفاعيلْ
مفاعيلن مفا
عيلن فعولن
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن
فاعلاتن فاعلاتن
فاعلاتن
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتان
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيل
مفاعيلن مفاعيل
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيل
مفاعيلن فعولن
стр. 196
فاعلاتن فاعلاتن
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن
فاعلاتن فاعلاتان
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيل
مفاعيلن مفاعيل "إلخ"
من هذه الخطة، يتجلى مدى المهارة والدقة في نسج البند، ويبدو لنا مدة الخطإ الذي يقع فيه أولئك الذين يحسبونه نثرًا لا موسيقى له، ولا جهد فيه. وإننا لنعتقد أن الشاعر الذي اخترع البند أول مرة من دونما نموذج ينهج عليه لا بد أن يكون قد مارس نظم الشعر خير ممارسة بحيث تفتحت له هذه الالتفاتة الرائعة إلى العلاقة بين الرمل والهزج. ولسنا نقصد بهذا علاقة البحور داخل دائرة "المجتلب"، فإن دوائر البحور قد انكشفت منذ الخليل، وإنما نريد مسألة التمهيد من بحر لبحر بقافية معينة لها خصائص موسيقية تجعلها تبعث في الذهن أمواج البحر الثاني. وأكاد أكون على يقين من أن الشاعر الذي بدأ البند لم يكن يصل إلى القوافي الممهدة بحسب نموذج عروضي واعٍ وضعه لنفسه. وإنما كان يكتب باندفاع سليقي متحمس فذلك هو السبيل الحق في كل اكتشاف شعري أصيل. وإنما يأتي العروضيون بعد ذلك، فيجدون النموذج مكتملًا بين أيديهم فلا يزيدون على استخلاص المقياس منه. وذلك ما صنعنا في هذا الفصل.
ولقد أدى التعقيد في خطة الوزن التي يتبعها البند إلى شيء من الصعوبة في نظمه، فكثر الغلط فيه إلى درجة أننا قلما نجد بندًا مطبوعًا يخلو من
стр. 197
الغلط. يغلط الناظم من جهة، ويغلط الناسخ من جهة أخرى، ويغلط الطابع من جهة ثالثة. وأحيانًا ينبري شعراء إلى نشر بند ما فينشرونه مغلوطًا فيه دون أن يشخصوا مواضع الخطإ. وزاد في خلط الشعراء أن كتب العروض لم تدرس البند، مع أنها درست أشكالًا أقل منه قيمة شعرية، فلم يجد الشاعر الذي ينظمه قانونًا عروضًّا يستند إليه. والواقع أن بحثنا هذا أول محاولة لاستقراء مقياس عروضي للبند، فإن كانت ناجحة، كما نرجو لها، أثبتناها فصلًا في العروض العربي.
وكان من نتائج الضباب القاتم الذي أحاط بوزن البند في أذهان الأدباء والناظمين، أن كثيرًا من الذين مارسوا نظمه، لم يعرفوا الأساس فيه، فظنوه شعرًا من بحر الهزج لا يتخطاه، ويكتب على أسطر متتالية كما يكتب النثر. وحزر غير قليل من الشعراء أن الهزج يحول إلى الرمل أحيانًا، غير أنهم لم ينتبهوا إلى ضرورة التمهيد للانتقال، وحسبوا أن ذلك يمكن أن يتم بقفزة من الهزج إلى الرمل وبالعكس، دون أن يفطنوا إلى أن هناك خطة محكمة للوزن يتبعها البند، وبها يصل إلى تلك الموسيقية العذبة التي يمتلكها. ومن هؤلاء الشعراء طائفة لم تلاحظ على الإطلاق أن البند يقوم على أساس "التفعيلة"، وأن ذلك فيه هو الذي يبرر تنوع أطوال الأشطر، وهي الميزة التي اختص بها دون الشعر العربي السابق كله. وكان من هؤلاء ناظمون ينظمون بندًا ذا أشطر متساوية الطول تمام التساوي، تكسبه أشطره الرتيبة إملالًا وثقلًا. هذا نموذج لناظم اسمه الشيخ حسين العشاري١
стр. 198
فغدا في رمضان الخير كالغيث المريع
فرعينا في شتاء الجدب أزهار الربيع
كم أياد وعطايا رشف الناس لماها
ومزايا وسجايا حسد العرش سماها
فأدام الله ذخره ... وأعز الله سعده
وأطال الرب عمره ... وأدام الحق مجده
مدى الأيام والدهر ... وما در لنا الرزق
وما انهل لنا القطر ... وما بان سنا الفجر
وما عاد لنا العيد ... وعنا رحل الصوم
وما أشرقت البيد ... بنور السادة القوم
هل في هذا شيء من خصائص البند؟ إنما هذا شعر ذو شطرين متساويين تساهل الشاعر في قوافيه، وسمح لنفسه، بلا أي مبرر، أن يقفز من بحر الرمل إلى بحر الهزج في البيت السابع، فكانت القفزة صدمة للأذن الشعرية لأنها لم تجئ مقبولة، ولم يمهد لها شيء.
وخلاصة الموضوع أن على الناظم الذي يتصدى للبند أن يتذكر أن له خاصتين واضحتين لا بد من توافرهما فيه:
стр. 199
١- أنه شعر ذو أشطر غير متساوية الطول. وكلما كان تنوع الأطوال أوضح كان البند أكثر موسيقية وأصالة.
٢- أنه شعر ذو وزنين هما الرمل والهزج، يتداخلان تداخلًا فنيًّا مستندًا إلى قواعد العروض العربي، فلا يختتم آخر أشطر الرمل إلا بالضرب "فاعلاتان" الذي يمهد لبحر الهزج فيصح أن يليه. وعندما يبدأ الهزج يستمر الشاعر عليه حتى يورد في آخر أحد الأشطر الضرب "فعولن" الذي يمهد لبحر الرمل فيصح أن يعود ثانية. وهكذا.
وإذا اختل أي من هذين الشرطين كانت النتيجة نظمًا آخر لا صلة له بالبند، سواء أكتبناه على أسطر كالنثر، أم أفردنا له فراغًا كافيًا كما فعلنا في "أبيات" حسين العشاري.
стр. 200
البند والشعر الحر:
لا ريب في أن الشعر الحر أقرب في خطة وزنه إلى البند منه إلى أسلوب الشطرين، ذلك أنهما كليهما يقومان على أساس "التفعيلة" لا "الشطر" وتباح في كل منهما الحرية في عدد التفعيلات فيجيء الشطر طويلًا أو قصيرًا بحسب رغبة الشاعر وحاجة معانيه.
على أن الشعر الحر أسهل من البند في خطته وذلك لأنه يقوم على بحر واحد من البحور العشرة التي تصلح له، فيختار الشاعر أحد هذه البحور وينظم منه القصيدة مقتصرًا على تشكيلة واحدة منه لا يتخطاها شأنه في ذلك شأن الشاعر العربي في أسلوب الشطرين. مثال ذلك أن شاعر الشعر الحر لا يستطيع أن يجمع بين التشكيلتين التاليتين مثلًا:
مفاعيلن مفاعيلن
مفاعيلن فعولن
стр. 201
وذلك لما سبق أن لاحظناه من أن العرب لم يجمعوا تشكيلتين في قصيدة واحدة. وإنما نجد قصائد تنفرد بإحدى التشكيلتين هذه أو تلك.
وأما في البند فإن هاتين التشكيلتين تجتمعان وليس في اجتماعهما محذور كما رأينا في النموذج الذي درسناه، ثم إن اجتماع بحرين اثنين من بحور الشعر ليس مستساغًا في البند وحسب، وإنما هو مطلوب وهو السر في حلاوة البند وموسيقيته. وذلك هو الفرق الوحيد بين الشعر الحر والبند، وهو فرق لا يطغى على أوجه الشبه التي ذكرناها.
والحقيقة أن الشبه بين الشعر الحر والبند يبلغ من القوة إلى درجة أن بعض الناشئين من الشعراء يخلطون بينهما دون أن يدروا، ومنهم نذير عظمة الذي نقرأ له هذه الأشطر على أنها من الشعر الحر.
قد عرفت الآن بو زيد عرفت الصيد والكهفْ
ولم كان إذا ما كحل العينين بازي الليل بو زيد
وأما يرم الشارب بو زيدْ
أنا عنترة الحيْ
هلموا أيها الأبطال إن الصيد بالنار ضئيل
لم تقاسمنا أبو زيد خجالًا١؟
رمل "فاعلاتان".
هزج" مفاعيلْ.
"هزج".
"هزج".
"هزج" فعولن.
"رمل" فاعلاتن.
الواقع أن هذه الأشطر الشعبية في روحها تكون بندًا كامل الوزن ينضبط فيه البحران: الرمل والهزج انضباطًا تامًّا. فالشطر الأول كان من الرمل ذي الضرب المسبغ "فاعلاتان" فانتقل الشاعر بعده فورًا إلى الهزج الذي ضربه "مفاعيل" على القاعدة. وتتالت بعده ثلاثة أشطر من الهزج آخرها انتهى بالضرب "فعولن" الذي مهد لبحر الرمل وقد انتقل الشاعر إليه فورًا مستعملًا الضرب "فاعلاتن". وهذا كله جارٍ على قاعدة البند التي استخلصناها في هذا الفصل جريانًا تامًّا. وإنه لدليل على قوة سمع نذير
стр. 202
عظمة أنه جاء بالوزنين المتعاقبين ولكل منهما ضربان اثنان، في مزيج متآلف تام الموسيقى، مع أنه لم يسمع بالبند -في يقيني- لأن هذه القصيدة نشرت في بيروت سنة ١٩٥٩ وقد يدلنا هذا على أن الشاعر الأول الذي ابتدع البند في القرن الحادي عشر الهجري، إنما وصل إليه وهو غير واعٍ كما وصل إليه نذير عظمة. وقد ضبط كلاهما الوزن أجمل ضبط على غير نسق سابق وإنما تم ذلك بهداية السمع الإنساني المعجز.
ومن متطلبات الأمانة العلمية أن أقول في ختام هذا الفصل إن قول شعراء البند:
مفاعيلن مفاعيلن فعولن ... فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن
يمكن أن يقرأ على أنه كله من الهزج كما يلي:
مفاعيلن مفاعيلن – فعولن فا – علاتن فا – علاتن فا – ذلك لأن "فعولن فا" مساوية لمفاعيلن وكذلك "علاتن فا"، وقد يبدو عند هذا صواب رأي الذين يصرون على أن البند كله من الهزج. والواقع غير ذلك فإن مثل تلك القراءة لا تكون ممكنة إلا في غياب القافية التي تعين نهاية الشطر فلا يعود من المقبول أن نقول "فعولن فا" وإنما ينتهي الشطر عند فعولن – القافية وذلك يقفل المجال أمامنا إقفالًا كاملًا فلا نستطيع تخطي فعولن الهزجية ودمجها بالسبب الخفيف في أول تفعيلة الرمل "فا - علاتن".
وإني لأحب أن أختم هذا الفصل بالاستشهاد ببند ثانٍ يثبت صحة خطة الوزن والقافية التي ذهبتُ إليه، وهذا البند من شعر باقر بن السيد إبراهيم الحسيني "١١٧٧-١٢١٨هـ" وهو يبدؤه من الرمل على القاعدة فيقول:
إنما أسني هدايا طفقت تخترق البيدْ
"رمل".
стр. 203
وتفري شقق الصم الصياخيدْ
بها القب المناجيدْ
شذاها عبق القطرْ
وأزرى بشذى العطرْ
لقد قصر عن إدراك معنى وصفه الفكرْ
من الخل الوفي المستهام المغرم الصبْ
الكئيب المدنف العاني الذي أنحله الحبْ
ولم يبلغ منى القلبْ
من الحب
معنى إله يتمه الوجدْ
وأضنى قلبه الصدْ
فتى ما زال مشغوفًا ومشغولًا بذكر الإلفِ
لم يألف لذيذ النوم من قبلُ ومن بعدْ
على البعد لكم داعِ
وللوصل مراعِ
وإلى الله التماسًا بدعا الإخوان ساعي
نائب عنكم خصوصًا عند قبري خازني علم رسول اللهِ
مولى الثقلين السيدين السندين الكاظمين الأريحيين
الهمامين الإمامين الجوادين
من القوم الأُلَى قد شرعوا الدين الحنيفي
وسنوا سبل النهج الحقيقي
ميامين هداة
وغطاريف سراة
"هزج ضربه فعولن".
"رمل".
"فاعلاتان".
"هزج".
"هزج ضربه فعولن".
"رمل".
стр. 204
ومغاوير كماة
بهم قد باهل المختار طه آل نجران
وآتاهم إله العرش قدرًا
لم ينله قبلهم إنس ولا جان
كرام الخلق من خصوا
بحسن الخلق أهل الصدق سبل الحق
أمن الخائف الجاني
غياث الواله العاني
مصابيح الدجى، باب الرجا، سفن النجا، أهل الحجى
أرعى الورى جارا إذا ما الدهر جارا
لجناب الماجد المولى الذي طاولَ
أفلاك المعاني بمعانيهْ
وسارت كمسير البدر في البر وفي البحر أياديه١
"فاعلاتان".
"هزج".
"فعولن".
"رمل فاعلاتان".
"هزج".
أكتفي بهذا القدر وأرجو أن يكون هذا البند كافيًا للرد على من زعم من الباحثين أنني لا أجد دعمًا للقاعدة التي وضعتها إلا بند ابن الخلفة، فها هو ذا بند باقر الحسيني يثبت أن البند يتألف من وزنين يتداخلان ولكل منهما ضربان اثنان. والواقع أن في البنود الكثيرة التي أوردها عبد الكريم الدجيلي يرحمه الله في كتابه أدلة كثيرة على قيام القانون الذي استخلصته للبند هذا مع أنني أقر بأن طائفة من البنود مضطربة الوزن، وبعضها يقفز من الرمل إلى الهزج من دون تمهيد.
وأما من ذهب إلى أن هذه البنود من الهزج بزيادة سبب خفيف في أولها
стр. 205
فيمكن الرد عليه بثلاث حجج دامغة:
١- بأي حق نترك سببًا خفيفًا في أول كل بند فلا نزنه؟ إن "المجادل" يسوغ ذلك لكي يستطيع القول بأن الشطر الأول إنما هو من الهزج لا من الرمل. ووفق هذه الحجة لن يبقى في الشعر العربي بحر اسمه الرمل لأن علينا أن نترك السبب الخفيف في أوله دائمًا وسرعان ما سيجد هذا "المجادل" أن أبيات صلاح عبد الصبور الجميلة التالية من الهزج حتمًا:
كان لي يومًا إله وملاذي كان بيته
قال لي إن طريق الورد وعر فارتقيته
وتلفت ورائي وورائي ما وجدته
ثم أصغيتُ لصوت الريح تبكي فبكيته
إن علينا -وفق رأي هذا المجادل- أن نترك السبب الخفيف "كا" في أول المقطوعة فلا نزنه، وبذلك تصبح الأبيات من وزن "الهزج" وننفض أيدينا من "الرمل" نهائيًّا فلا يعود له وجود في دولة الشعر.
٢- بأي حق يدعونا هذا المجادل إلى أن نتخطى القافية مع أنها تختم الشطر وتعين الوزن لأن ما بعدها هو أول الشطر التالي ويكون حينًا من الرمل وحينًا من الهزج؟ والواقع أن القافية تقضي على كل جدل فلماذا يريد المجادل أن نتجاوزها اعتباطًا؟
٣- الدليل الأخير على أن البند يقوم على وزنين أن طائفة من شعراء البند يقفزون من الرمل إلى الهزج دونما تمهيد وهذا يثبت إثباتًا لا جدال فيه أن شعراء البند كانوا شاعرين تمام الشعور بوجود وزنين. وقد جئت بمثال على هذا الانتقال المتكلف من وزن إلى وزن في أبيات حسين العشاري السابقة.
والواقع أن الذين يريدون أن يثبتوا القول بأن البند يقوم على وزن واحد هو الهزج طغاة مستبدون في نظر النقد الأدبي فهم يصيحون بنا صياحًا:
стр. 206
١- اتركوا سببًا خفيفًا فلا تزنوه. كذلك حكمنا وليس لكم أن تسألونا عن السبب.
٢- تخطوا القافية تخطيًا تامًّا ولا تستدلوا بها على انتهاء الشطر. كذلك شئنا وليس لكم أن تعترضوا. والواقع أن هذا طغيان غريب. أكل دليل على رأينا نهمله؟ وبأي حق يا سادة؟
وأقول ختامًا إن شعراء البند منذ القرن الحادي عشر الهجري قد وقعوا في أخطاء عروضية غير قليلة تثبت أن ضعف السمع ليس مقتصرًا علينا في هذا العصر، وإنما للقرون السابقة نصيب منه. وفوق كل ذي علم عليم، والذي لا يخطئ مطلقًا هو الله سبحانه.
стр. 207
الفصل الثاني: قصيدة النثر
مدخل
...
الفصل الثاني: قصيدة النثر.
شاعت في الجو الأدبي في لبنان بدعة غريبة في السنوات العشر الماضية، فأصبحت بعض المطابع تصدر كتبًا تضم بين دفاتها نثرًا طبيعيًّا مثل أي نثر آخر، غير أنها تكتب على أغلفتها كلمة "شعر". ويفتح القارئ تلك الكتب متوهمًا أنه سيجد فيها قصائد مثل القصائد، فيها الوزن والإيقاع والقافية، غير أنه لا يجد من ذلك شيئًا وإنما يطالعه في الكتاب نثر اعتيادي مما يقرأ في كتب النثر. وسرعان ما يلاحظ أن الكتاب خلو من أي أثر للشعر، فليس فيه لا بيت ولا شطر، وإذن فلماذا كتبوا على الغلاف أنه شعر؟ تراهم يجهلون حدود الشعر؟ أم أنهم يحدثون بدعة لا مسوغ لها؟ وإذا كانوا يمتلكون المسوغ فلماذا لا يصدرون كتب النثر هذه بفذلكة يبينون فيها للقارئ الوجه الذي ساغ لهم به أن يصدروا كتاب نثر لا يختلف اثنان في أنه نثر ثم يكتبون عليه أنه "شعر"؟ لماذا لا يمنحون القارئ، على الأقل، فرصة يتخذ فيها موقفًا من هذه البدعة فإما أن
стр. 208
يرى وجه تسويغاتهم فيقرهم عليها أو أن يخالفهم فيرفضها:؟ وإنما الخطأ أن يمضي المرء فيسمى النثر شعرًا دون أي تبرير وكأن ذلك أمر بديهي يتفق الناس كلهم عليه منذ أقدم العصور.
والحقيقة التي يعرفها المختصون والمتتبعون، أن طائفة من أدباء لبنان يدعون اليوم إلى تسمية النثر شعرًا. وقد تبنت مجلة "شعر" هذه الدعوة وأحدثت حولها ضجيجًا مستمرًّا لم تكن فيه مصلحة لا للأدب العربي ولا للغة العربية ولا للأمة العربية نفسها. وكان مضمون هذه الدعوة ما جاء في مقال كتبته السيدة الأديبة خزامى صبري عن كتاب نثر فيه تأملات وخواطر لأديب لبناني ناشئ. قالت عن ذلك الكتاب:
"مجموعة شعرية لم تعتمد الوزن والقافية التقليديتين. وغالبية القراء في البلاد العربية لا تسمي ما جاء في هذه المجموعة شعرًا باللفظ الصريح. ولكنها تدور حول الاسم فتقول إنه "شعر منثور" أو "نثر فني" وهي مع ذلك تعجب به وتقبل على قراءته، ليس على أساس أنه نثر يعالج موضوعات أو يروي قصة أو حديثًا، بل على أساس أنه مادة شعرية. لكنها ترفض أن تمنحه اسم الشعر.
وهذا طبيعي، من وجهة نظر تاريخية، بالنسبة للقراء العاديين. أما النقد فيجب أن يكون أكثر جرأة - أن يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقة. وأنا أعتبر هذا "النثر الشعري" شعرًا"١.
وقبل أن نلخص مضمون كلام الكاتبة نحب أن نقتطف للقراء نموذجًا من خواطر محمد الماغوط مؤلف الكتاب الذي تتحدث عنه، ليلاحظ القارئ أنه نثر طبيعي كالنثر، على الرغم من أن كاتبه ينثره مفرقًا على أسطر
стр. 209
كما لو أنه كان شعرًا حرًّا. ولسوف نكتب هذا النثر كما ينبغي أن يكتب النثر، راجين أن يعذرنا كاتبه. قال الكاتب: "وهو يملك ذوقًا أدبيًّا جميلًا وأصالة تسيء إليها الروح الأوروبية المصطنعة التي يدخلها قسرًا على عباراته وخواطره" قال من خاطره سماها "المسافر":
"بلا أمل. بقلبي الذي يخفق كوردة حمراء صغيرة، سأودع أشيائي الحزينة في ليلة ما: بقع الحبر وآثار الخمرة الباردة على المشمع اللزج، وصمت الشهور الطويلة، والناموس الذي يمص دمي هي أشيائي الحزينة، وسأرحل عنها بعيدًا، وراء المدينة الغارقة في مجاري السل والدخان بعيدًا عن المرأة العاهرة التي تغسل ثيابي بماء النهر وآلاف العيون في الظلمة تحدق في ساقيها الهزيلين، وسعالها البارد يأتي ذليلًا يائسًا عبر النافذة المحطمة. والزقاق الملتوي كحبل من جثث العبيد".
على هذا النمط جرت الخواطر في هذا الكتاب، فيها صور غريبة وتخير للألفاظ وتلوين، غير أنها مكتوبة نثرًا اعتياديًّا كالنثر في كل مكان وزمان. ولذلك يلوح غريبًا أن دار مجلة شعر التي طبعت الكتاب قد أباحت لنفسها أن تضع عنوان الكتاب على غلافه بهذا الشكل:
حزن في ضوء القمر.
شعر.
وكأن تسمية النثر شعرًا مسألة بديهية مفروغ منها. ولعله لا يخفى على أصحاب الدار أن مئات القراء لا يملكون حاسة الوزن ليدركوا أن هذا نثر لا سعر حر، ومن ثم فقد كان عليها -على الأقل- أن تصدر الكتاب بمقدمة تضع فيها تبريرًا يسوغ تسمية النثر شعرًا، فإن ذلك يمنح القارئ حريته، فإما أن يقبل أو أن يرفض.
стр. 210
ومهما يكن من أمر فإن كلام خزامى صبري الذي اقتطفناه يتضمن، في مفهوم النقد الموضوعي، الحقائق التالية:
"أولًا" تميز خزامى صبري بين شيئين هما:
أ- الوزن التقليدي وهو الوزن مطلقًا.
ب- الوزن غير التقليدي وهو النثر.
"ثانيًا" تقول خزامى صبري إن الشعر شيء لا صلة له بالوزن والقافية. وإنما الوزن صفة عارضة يمكن أن يقوم الشعر من دونها، ولذلك يتحدث أصحاب هذه الدعوة باحتقار عن الشعر "الموزون"١ وبذلك لا يكتفون برفع النثر إلى جوار الشعر ومساواته وإنما يزيدون فيزيدون الموزون ويعطون لنثرهم الفضل كله. قال أحد دعاة هذه الفكرة الهجين٢:
"ولذلك فإن شعر توفيق صائغ لا يخسر شيئًا باطّراحه شكل القصيدة التقليدي، بل يحقق الطريقة الوحيدة التي تمكنه من قضيته"٣.
هذه هي خلاصة دعوة مجلة"شعر" التي تصدر في بيروت بلغة عربية وروح أوروبية. وقد دعت إليها في عنف وأثارت حولها ضجيجًا متصلًا خلال السنين الماضية، وتطرف حاملو الدعوة فذهبوا إلى أن المستقبل الأوحد إنما هو لهذا "الوزن غير التقليدي" كما يسمونه، أو "الوزن غير الموزون" كما اقترحت عليهم، على سبيل الدعابة، أن يسموه. كتبت مجلة "شعر" أن شعراء معروفين يذهبون إلى "أن المستقبل إنما هو لهذا الشعر
стр. 211
الحديث الذي يبتعد في شكله ومضمونه عن الفترة السابقة وما قبلها"١. وكتب جبرا إبراهيم جبرا أن السنين القادمة "سترى ولا شك تغلب الشعر الحر". ولنلاحظ أنه أخذ، دون مبالاة، اصطلاحنا "الشعر الحر" الذي هو عنوانه حركة عروضية تستند إلى بحور الشعر العربي وتفعيلاتها، أخذ اصطلاحنا هذا وألصقه بنثر اعتيادي له كل صفات النثر المتفق عليها، وليس فيه أي شيء يخرجه عن النثر في المصطلح العربي، وليته على الأقل ترك اصطلاحنا ووضع غيره حرصًا على وضوح الاصطلاحات في أذهان جماهيرنا العربية المتعطشة للمعرفة. وإنما سمينا شعرنا الجديد "بالشعر الحر" لأننا نقصد كل كلمة في هذا الاصطلاح فهو "شعر" لأنه موزون يخضع لعروض الخليل ويجري على ثمانية من أوزانه، وهو "حر" لأنه ينوع عدد تفعيلات الحشو في الشطر، خالصًا من قيود العدد الثابت في شطر الخليل. فعلى أي وجه تريد دعوة النثر أن تسمي النثر شعرًا؟ وما هذه الفوضى في المصطلح والتفكير لدى الجيل الذي يقلد أوروبا في كل شيء تاركًا تراث العرب الغني المكتنز؟
إن المضمون الواضح لهذه الحماسة من أصحاب الدعوة هو أن النثر سائر، في رأيهم، إلى أن يقتل الشعر، وأن دولة الوزن ستدول فيكتب شعراء الأمة العربية نثرًا وننتهي من الوزن. وهكذا يذهب هؤلاء المتحمسون الخياليون إلى أن الشعر شيء عتيق ينبغي أن يزول ويحل محله النثر، على أن ... - انتبه أيها القارئ فإنه يشترطون شروطا- على أن يحتفظوا بالكلمات "شعر" و"شاعر" و"وزن" لأنهم يريدونها لتسمية النثر والناثر وما يكتب. وهذا يبدو لنا من أعجب المفارقات، والحق يقال.
والأساس النفسي في هذه الدعوة أن هؤلاء الكتَّاب الفاضل، الذين يحسنون إبداع نثر جميل أحيانًا، يزدرون ما يمتلكون من موهبة ويتطلعون
стр. 212
إلى ما لا يملكون. إنهم، باختصار، لا يحترمون النثر، وذلك هو أساس الإشكال الذي وقعوا فيه. إنهم مهما أبدعوا من صور وأفكار في قالب نثري، يحسون أنهم ما زالوا أقل إبداعًا من شاعر يخلق هذا الجمال نفسه، ولكن بكلام موزون. ولذلك تراهم يعبرون عن ازدرائهم بموهبتهم بإطلاق كلمة "شعر" على ما يكتبون وكانوا في السنين الخالية يقولون "شعر منثور" مشيرين بكلمة "منثور" على الأقل إلى أنه "نثر" فأصبحوا اليوم من الاستهانة بالمقاييس الموضوعية، بحيث يجرءون على أن يسموه شعرًا على الإطلاق. لا بل إنهم أصبحوا يحتقرون الشعر ويسمونه "تقليديا" لكي يجعلوا الإبداع والتجديد قاصرًا على نثرهم المبتكر، فهو الشعر الأوحد برغم المقاييس كلها.
ولعله واضح أن دواء هذا الإشكال أن يمتلك هؤلاء الكتاب الثقة بالنثر. فمن قال لهم إن النثر وضيع أو إنه لا يمنح قائله صفة الإبداع؟ ولماذا يحسبون أن نثرهم لا يكتسب الإعجاب إلا إذا هو مسخ ذاته وسمي نفسه "شعرًا"؟ ولنفرض أننا وافقناهم وسمينا نثرهم شعرًا، فهل ترى الاسم يغير من حقيقته شيئًا؟ أو يزيده تغير الاسم شرفًا أو جمالًا؟
والذي يعرفه الملايين أن كثيرين من كتاب العربية قد كتبوا النثر "الشعري" ولنا في العصر الحديث منهم طائفة مرموقة مثل أديب العربية الفذ مصطفى صادق الرافعي والكاتب المرهف جبران خليل جبران وغيرهما كثير، وليس ينقص من قيمة ما كتبوا أنه نثر لا شعر. ولقد كانوا يسمون نثرهم نثرًا دون أن يسيئوا إليه في شيء. وبعد فهل أجمل من القرآن في اللغة العربية؟ والقرآن نثر لا شعر، وفيه، مع ذلك، كل ما في الشعر من إيحائية وخيال وثاب وصور معبرة وألفاظ مختارة اختيارًا معجزًا، فهل ينقص من قيمة القرآن الجمالية أنه نثر لا شعر؟ وأي شعر في الدنيا أروع وأحب من هذا النثر القرآني البديع؟
وخلاصة الرأي أن للنثر قيمته الذاتية التي تتميز عن قيمة الشعر، ولا
стр. 213
يغني نثر عن شعر ولا شعر عن نثر، لكل حقيقته ومعناه ومكانه. فلماذا جاء الناثر المعاصر ليزدري النثر ويحاول رفعه بتسميته شعرًا؟
هذا هو السؤال. ونحن نوجهه إلى أنصار هذه الدعوة لعل له عندهم، من جواب.
وخلال ذلك، نحب أن نتفرغ لمناقشة هذه الدعوة وسوف تكون مناقشتنا في اتجاهين: أحدهما على أساس اللغة والآخر على أساس النقد الأدبي.
стр. 214
المناقشة اللغوية:
تقع دعوة "قصيدة النثر" في خطإ كبير هو أنها تطلق كلمة "شعر" على الشعر والنثر معًا، فإذا نظم شاعر قصيدة من البحر المنسرح ذات شطرين وقافية موحدة، كانت لديهم شعرًا، وإذا كتب ناثر فقرة نثرية خالية من الوزن والقافية تمام الخلو كان ذلك، في حسابهم، شعرًا أيضًا. فلا فرق إذن بين الشعر والنثر لأنهما كليهما يسميان في عرفهم شعرًا، وعلى هذا يكون كتاب الرافعي "رسائل الأحزان" شعرًا مثل معلقة امرئ القيس تمامًا، لا فرق بينهما. وما ذلك إلا لأن الدعوة لا تؤمن بوجود صلة بين الوزن والشعر فالكلام يكون شعرًا سواء أكان موزونًا أم لم يكن. لا بل إن النثر -لديهم- أكثر شعرية من الشعر؛ لأن وزن الشعر تقليدي كما سبق أن رأينا من أحكام خزامى صبري وجبرا إبراهيم جبرا. وهكذا نجد أنصار هذه الدعوة يلغون الفرق بين الموزون وغير الموزون إلغاء تامًّا، ومن ثم يحق لنا أن نسألهم: لماذا إذن ميزت لغات العالم كلها بين الشعر والنثر؟ وما الفرق بين الشعر والنثر إن لم يكن الوزن هو العنصر المميز؟
إن هذا يسوقنا إلى أن نرجع بأذهاننا إلى الأصل الفكري للتسميات اللغوية ولسوف نلاحظ أن التسمية تقصد في الأصل تشخيص نواحي الخلاف بين الأشياء لا نواحي الشبه. فإذا قلنا "الليل والنهار" أو "الشعر والنثر"
стр. 215
فإن أحد الاسمين في كل فريق يشخص الناحية الكبرى التي يختلف بها عن قرينه. إن الليل والنهار يتشابهان في أنهما كليهما يحتويان، في المتوسط، على اثنتي عشرة ساعة، كما أن الشعر والنثر يتشابهان في أن كلًّا منهما يحتوي على عواطف إنسانية وصور معبرة في المتوسط. غير أن قولنا الليل والنهار لا يثير في أذهاننا مسألة عدد الساعات هذه كما أن قولنا الشعر والنثر لا يثير لدينا مسألة المحتوى العاطفي والجمالي، وإنما تشخص التسميات الأربع خصائص أكبر من هذه وأوضح، تشخص الظلام في الليل والضياء في النهار، كما تشخص الوزن في الشعر وعدم الوزن في النثر. ومن ثم فإذا نحن سمينا كل كلام شعرًا بمعزل عن فكرة الوزن، فسوف نكون كمن يسمي الحياة كلها نهارًا سواء أكان فيها ضياء أم لا. وإنه لواضح أنها تسمية مفتعلة. إن الليل ليل، والنثر نثر. وواجبنا نحو اللغة والذهن الإنساني أن نسميهما ليلًا ونثرًا دون أن ننتحل لهما تسميات مضللة لا تشخص شيئًا. وما الذي نستفيده من تسمية النثر شعرًا والليل نهارًا يا ترى؟ أو ليس تشخيص الفروق أحسن من ذلك وأجدى؟
إن اللغة، التي هي محصول الذهن الإنساني عبر عشرات القرون، لا تضع الأسماء اعتباطًا ولا عبثًا، وإنما هناك مفهوم فلسفي عام يكمن وراء كل تعريف وتسمية، في كل لغة. تحاول اللغة أن تشخص الملامح البارزة وترمي بذلك إلى تصنيف الأشياء تصنيفًا يسهل على العقل مهمة التفكير، ويعطي الإنسانية مجالًا للتعبير عن منطقها وفكرها. فما نكاد نلفظ كلة النهار في أية لغة حتى يشرق الضوء في الذهن الإنساني وتنبسط فكرة النور، وما نكاد نلفظ كلمة الشعر حتى ترن في ذاكرة البشرية موسيقى الأوزان وقرقعة التفعيلات ورنين القوافي. واليوم جاءوا في عالمنا العربي ليلعبوا لا بالشعر وحسب وإنما باللغة أيضًا وبالفكر الإنساني نفسه ومنذ اليوم ينبغي لنا، على رأيهم، أن نسمي النثر شعرًا والليل نهارًا لمجرد هوى طارئ في قلوب بعض أبناء الجيل الحائرين الذين لا يعرفون ما يفعلون بأنفسهم.