الحديث الذي يبتعد في شكله ومضمونه عن الفترة السابقة وما قبلها"١. وكتب جبرا إبراهيم جبرا أن السنين القادمة "سترى ولا شك تغلب الشعر الحر". ولنلاحظ أنه أخذ، دون مبالاة، اصطلاحنا "الشعر الحر" الذي هو عنوانه حركة عروضية تستند إلى بحور الشعر العربي وتفعيلاتها، أخذ اصطلاحنا هذا وألصقه بنثر اعتيادي له كل صفات النثر المتفق عليها، وليس فيه أي شيء يخرجه عن النثر في المصطلح العربي، وليته على الأقل ترك اصطلاحنا ووضع غيره حرصًا على وضوح الاصطلاحات في أذهان جماهيرنا العربية المتعطشة للمعرفة. وإنما سمينا شعرنا الجديد "بالشعر الحر" لأننا نقصد كل كلمة في هذا الاصطلاح فهو "شعر" لأنه موزون يخضع لعروض الخليل ويجري على ثمانية من أوزانه، وهو "حر" لأنه ينوع عدد تفعيلات الحشو في الشطر، خالصًا من قيود العدد الثابت في شطر الخليل. فعلى أي وجه تريد دعوة النثر أن تسمي النثر شعرًا؟ وما هذه الفوضى في المصطلح والتفكير لدى الجيل الذي يقلد أوروبا في كل شيء تاركًا تراث العرب الغني المكتنز؟
إن المضمون الواضح لهذه الحماسة من أصحاب الدعوة هو أن النثر سائر، في رأيهم، إلى أن يقتل الشعر، وأن دولة الوزن ستدول فيكتب شعراء الأمة العربية نثرًا وننتهي من الوزن. وهكذا يذهب هؤلاء المتحمسون الخياليون إلى أن الشعر شيء عتيق ينبغي أن يزول ويحل محله النثر، على أن ... - انتبه أيها القارئ فإنه يشترطون شروطا- على أن يحتفظوا بالكلمات "شعر" و"شاعر" و"وزن" لأنهم يريدونها لتسمية النثر والناثر وما يكتب. وهذا يبدو لنا من أعجب المفارقات، والحق يقال.
والأساس النفسي في هذه الدعوة أن هؤلاء الكتَّاب الفاضل، الذين يحسنون إبداع نثر جميل أحيانًا، يزدرون ما يمتلكون من موهبة ويتطلعون
стр. 212
إلى ما لا يملكون. إنهم، باختصار، لا يحترمون النثر، وذلك هو أساس الإشكال الذي وقعوا فيه. إنهم مهما أبدعوا من صور وأفكار في قالب نثري، يحسون أنهم ما زالوا أقل إبداعًا من شاعر يخلق هذا الجمال نفسه، ولكن بكلام موزون. ولذلك تراهم يعبرون عن ازدرائهم بموهبتهم بإطلاق كلمة "شعر" على ما يكتبون وكانوا في السنين الخالية يقولون "شعر منثور" مشيرين بكلمة "منثور" على الأقل إلى أنه "نثر" فأصبحوا اليوم من الاستهانة بالمقاييس الموضوعية، بحيث يجرءون على أن يسموه شعرًا على الإطلاق. لا بل إنهم أصبحوا يحتقرون الشعر ويسمونه "تقليديا" لكي يجعلوا الإبداع والتجديد قاصرًا على نثرهم المبتكر، فهو الشعر الأوحد برغم المقاييس كلها.
ولعله واضح أن دواء هذا الإشكال أن يمتلك هؤلاء الكتاب الثقة بالنثر. فمن قال لهم إن النثر وضيع أو إنه لا يمنح قائله صفة الإبداع؟ ولماذا يحسبون أن نثرهم لا يكتسب الإعجاب إلا إذا هو مسخ ذاته وسمي نفسه "شعرًا"؟ ولنفرض أننا وافقناهم وسمينا نثرهم شعرًا، فهل ترى الاسم يغير من حقيقته شيئًا؟ أو يزيده تغير الاسم شرفًا أو جمالًا؟
والذي يعرفه الملايين أن كثيرين من كتاب العربية قد كتبوا النثر "الشعري" ولنا في العصر الحديث منهم طائفة مرموقة مثل أديب العربية الفذ مصطفى صادق الرافعي والكاتب المرهف جبران خليل جبران وغيرهما كثير، وليس ينقص من قيمة ما كتبوا أنه نثر لا شعر. ولقد كانوا يسمون نثرهم نثرًا دون أن يسيئوا إليه في شيء. وبعد فهل أجمل من القرآن في اللغة العربية؟ والقرآن نثر لا شعر، وفيه، مع ذلك، كل ما في الشعر من إيحائية وخيال وثاب وصور معبرة وألفاظ مختارة اختيارًا معجزًا، فهل ينقص من قيمة القرآن الجمالية أنه نثر لا شعر؟ وأي شعر في الدنيا أروع وأحب من هذا النثر القرآني البديع؟
وخلاصة الرأي أن للنثر قيمته الذاتية التي تتميز عن قيمة الشعر، ولا
стр. 213
يغني نثر عن شعر ولا شعر عن نثر، لكل حقيقته ومعناه ومكانه. فلماذا جاء الناثر المعاصر ليزدري النثر ويحاول رفعه بتسميته شعرًا؟
هذا هو السؤال. ونحن نوجهه إلى أنصار هذه الدعوة لعل له عندهم، من جواب.
وخلال ذلك، نحب أن نتفرغ لمناقشة هذه الدعوة وسوف تكون مناقشتنا في اتجاهين: أحدهما على أساس اللغة والآخر على أساس النقد الأدبي.
стр. 214
المناقشة اللغوية:
تقع دعوة "قصيدة النثر" في خطإ كبير هو أنها تطلق كلمة "شعر" على الشعر والنثر معًا، فإذا نظم شاعر قصيدة من البحر المنسرح ذات شطرين وقافية موحدة، كانت لديهم شعرًا، وإذا كتب ناثر فقرة نثرية خالية من الوزن والقافية تمام الخلو كان ذلك، في حسابهم، شعرًا أيضًا. فلا فرق إذن بين الشعر والنثر لأنهما كليهما يسميان في عرفهم شعرًا، وعلى هذا يكون كتاب الرافعي "رسائل الأحزان" شعرًا مثل معلقة امرئ القيس تمامًا، لا فرق بينهما. وما ذلك إلا لأن الدعوة لا تؤمن بوجود صلة بين الوزن والشعر فالكلام يكون شعرًا سواء أكان موزونًا أم لم يكن. لا بل إن النثر -لديهم- أكثر شعرية من الشعر؛ لأن وزن الشعر تقليدي كما سبق أن رأينا من أحكام خزامى صبري وجبرا إبراهيم جبرا. وهكذا نجد أنصار هذه الدعوة يلغون الفرق بين الموزون وغير الموزون إلغاء تامًّا، ومن ثم يحق لنا أن نسألهم: لماذا إذن ميزت لغات العالم كلها بين الشعر والنثر؟ وما الفرق بين الشعر والنثر إن لم يكن الوزن هو العنصر المميز؟
إن هذا يسوقنا إلى أن نرجع بأذهاننا إلى الأصل الفكري للتسميات اللغوية ولسوف نلاحظ أن التسمية تقصد في الأصل تشخيص نواحي الخلاف بين الأشياء لا نواحي الشبه. فإذا قلنا "الليل والنهار" أو "الشعر والنثر"
стр. 215
فإن أحد الاسمين في كل فريق يشخص الناحية الكبرى التي يختلف بها عن قرينه. إن الليل والنهار يتشابهان في أنهما كليهما يحتويان، في المتوسط، على اثنتي عشرة ساعة، كما أن الشعر والنثر يتشابهان في أن كلًّا منهما يحتوي على عواطف إنسانية وصور معبرة في المتوسط. غير أن قولنا الليل والنهار لا يثير في أذهاننا مسألة عدد الساعات هذه كما أن قولنا الشعر والنثر لا يثير لدينا مسألة المحتوى العاطفي والجمالي، وإنما تشخص التسميات الأربع خصائص أكبر من هذه وأوضح، تشخص الظلام في الليل والضياء في النهار، كما تشخص الوزن في الشعر وعدم الوزن في النثر. ومن ثم فإذا نحن سمينا كل كلام شعرًا بمعزل عن فكرة الوزن، فسوف نكون كمن يسمي الحياة كلها نهارًا سواء أكان فيها ضياء أم لا. وإنه لواضح أنها تسمية مفتعلة. إن الليل ليل، والنثر نثر. وواجبنا نحو اللغة والذهن الإنساني أن نسميهما ليلًا ونثرًا دون أن ننتحل لهما تسميات مضللة لا تشخص شيئًا. وما الذي نستفيده من تسمية النثر شعرًا والليل نهارًا يا ترى؟ أو ليس تشخيص الفروق أحسن من ذلك وأجدى؟
إن اللغة، التي هي محصول الذهن الإنساني عبر عشرات القرون، لا تضع الأسماء اعتباطًا ولا عبثًا، وإنما هناك مفهوم فلسفي عام يكمن وراء كل تعريف وتسمية، في كل لغة. تحاول اللغة أن تشخص الملامح البارزة وترمي بذلك إلى تصنيف الأشياء تصنيفًا يسهل على العقل مهمة التفكير، ويعطي الإنسانية مجالًا للتعبير عن منطقها وفكرها. فما نكاد نلفظ كلة النهار في أية لغة حتى يشرق الضوء في الذهن الإنساني وتنبسط فكرة النور، وما نكاد نلفظ كلمة الشعر حتى ترن في ذاكرة البشرية موسيقى الأوزان وقرقعة التفعيلات ورنين القوافي. واليوم جاءوا في عالمنا العربي ليلعبوا لا بالشعر وحسب وإنما باللغة أيضًا وبالفكر الإنساني نفسه ومنذ اليوم ينبغي لنا، على رأيهم، أن نسمي النثر شعرًا والليل نهارًا لمجرد هوى طارئ في قلوب بعض أبناء الجيل الحائرين الذين لا يعرفون ما يفعلون بأنفسهم.
стр. 216
ولست أظنني أبالغ حين أحكم بأن هذه المحاولة تكاد تكون تحقيرًا للذهن الإنساني الذي يحب بطبعه تصنيف الأشياء وترتيبها. فإذا أطلقنا اسمًا واحدًا على شيئين مختلفين تمام الاختلاف فما وظيفة الذهن الإنساني؟ وإذن فلماذا لا نرتد إلى فترات الجاهلية اللغوية، يوم لم تكن هناك أسماء للأصناف؟ وإنما التصنيف وتسمية الأصناف نتاج الحياة الفكرية للأمم، كلما كانت الأمة أعرق في الفكر والحضارة، كانت تفاصيل التسميات أكثر وأدق. وعلى هذا لا تكون تسمية النثر شعرًا أكثر من نكسة فكرية وحضارية يرجع بها الفكر العربي إلى الوراء قرونًا كثيرة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد وحسب، وإنما نجد له جذورًا تمس الجانب الاجتماعي للغة. فلعلنا نستطيع أن نلاحظ كلنا أن تسميتنا للنثر "شعرًا" هي، في حقيقة الأمر، كذبة لها كل ما للكذب من زيف وشناعة، وعليها، أن تجابه كل ما يجابهه الكذب من نتائج. والكذبة اللغوية لا تختلف عن الكذبة الأخلاقية إلا في المظهر، إن كل كذبة سائرة إلى أن تنكشف أمام عيون الطبيعة الصادقة التي لا تنطق إلا بالحق وبالاستقامة، واللغة الإنسانية، كل لغة، هي الصدق في أنقى معانيه وأسماها. إنها واقعية لأنها تسمي الأشياء بأسمائها الحقة، فلا تخون ولا تكذب ولا تزيف، وهكذا نجد الكرسي يسمي كرسيًّا لأن هذا الاسم يعطينا صفته في الأحوال كلها ولا يكذبنا قط. والنثر يسمى في اللغة نثرًا لأن اسمه هذا يعطينا صفة النثر، كما أن الشعر يسمى شعرًا ليعطينا صفة الشعر، وهذا الصدق المطلق في اللغة يكسبها ثقتنا وإجلالنا، وهو أيضًا يحمينا نحن الذين نتكلم هذه اللغة من أن نكذب، فنحن نشدها إلينا ونلوذ بصدقها في ساعات الضيق. فإذا هوجم شاعر بأنه يكتب نثرًا لا شعرًا، وجد أمامه هذه اللغة الصادقة ذات التعابير المحددة الصريحة المستعدة لحمايته فيلوذ بها ويقول لمن يتهمه إن إنتاجه شعر لا نثر. وهو في هذه الحالة يستعمل رصيد "الشعرية" الذي تملكه لفظة "شعر" في أذهان الناس. وهم
стр. 217
ينسبون إلى ما يكتب كل صفات الشعر فورًا بمجرد أن يقول لهم ذلك.
والحق أن لغتنا العربية لن تحمينا يعد اليوم. ذلك أن هنالك اليوم أناسًا يكتبون النثر ويسمونه في جرأة عجيبة شعرًا، حتى فقدت كلمة شعر صراحتها ونصاعتها. ولسوف يتشكك الجمهور في أي شعر نقدمه له باسم "الشعر" لأن لفظ شعر قد تبلبل معناه واختلط وضاع. والواقع أن هذه الكذبة، وكل كذبة مثلها، خيانة للغة العربية وللعرب أنفسهم بالتالي. إن اللغة التي يستعملها أناس غير صادقين سرعان ما تتلوث بالكذب وتفسد. وعندما تكشف الحياة، أو الضمير اللغوي العام الكامن في النفس البشرية – أن كلمة "شاعر" قد أصبحت نعتًا للناثر، فإنها ستضطر إلى الشك في كلمة "شاعر" وكلمة "شعر". فمهما أكد الناس أنهم ينظمون شعرًا فلن يصدقهم أحد قبل التثبت الأكيد.
وما معنى هذه النتيجة؟ معناها أننا لن نزيد على أن نخسر كلمة مهمة من كلمات اللغة فتموت كلمة "شعر". ومن الطبيعي ألا يعني ذلك أن الشعر نفسه سيموت. فلو زالت الكلمة من القاموس العربي لبقي الناس ينظمون الشعر مع ذلك. فإنما اللغة رموز تذهب وتجيء. وأما الحقائق التي تكمن وراء تلك الرموز فإنها لا تموت على الإطلاق. إن الحقيقة لا تزيف مهما تلاعبنا باسمها. بلى نستطيع أن نزيف كلمة ناصعة بأن نطلقها على ما لا تمثله في الأصل، ولكننا بذلك سنقتل الكلمة نفسها، وأما الحقيقة فسوف تبقى ناصعة. وسرعان ما ستجد تلك الحقيقة لنفسها اسمًا آخر جديدًا فيه النصاعة اللازمة. وبهذا تخلد الحقيقة وتسقط الكلمة.
ولسوف يجد دعاة "قصيدة النثر" أنفسهم حيث بدءوا، فلقد استحال معنى كلمة "شعر" إلى التعبير عن النثر كما أرادوا، غير أن الشعر وجد لنفسه اسمًا آخر صادقًا ينص على الوزن الذي حاولوا قتله. ولسوف يبقى الناثرون حيث كانوا مع الناثرين.
стр. 218
المناقشة على أساس النقد الأدبي:
يبدو لنا أن دعوة النثر، في أحكامها على الشعر، تستند إلى تعريف له يضع الإلحاح كله على المحتوى أو "المضمون". فالشعر، في نظر أصحاب هذه الدعوة ليس إلا معاني من صنف معين، فيها خيال وعاطفة وصور، وسواء بعد ذلك أن يكون موزونًا أو غير موزون؛ لأن الوزن، في رأيهم، ليس شرطًا في الشعر. وعلى هذا الأساس يكون للشعر في نظرهم عنصر واحد هو المضمون. فإذا أردنا أن نستخلص للشعر تعريفًا مشتقًّا من آرائهم هذه قلنا إنه "تجمع معانٍ جميلة موحية فيها الإحساس والصور".
ومن الواضح أن مفهومهم هذا للشعر يقف في الطريق الأقصى المواجه للتعريف العربي القديم الذي كان يحدد الشعر بأنه "الكلام الموزون المقفى" وهو تعريف يجعل الوزن الأساس الأعظم للشعر دون اعتراف بالمضمون. والحقيقة أن كلا التعريفين قاصر ناقص: التعريف الجديد يهمل الشكل والتعريف القديم يهمل المضمون. فكأن هؤلاء المعاصرين أرادوا تصحيح مفهوم غالط قديم فوقعوا في مفهوم غالط جديد. ولا يخفى علينا أن غلط التعريف الجديد أشد وأكبر من غلط تعريف أسلافنا.
وأما إذا أردنا أن نرجع إلى صوت الواقع في أنفسنا، وأن نحكم عقولنا فلسوف ننتهي إلى أن للشعر ركنين ضروريين لا بد منهما في كل شعر وهما:
١- النظم الجيد "الشكل" أو "الوزن".
المحتوى الجميل الموحي، المتموج بالظلال ٢- الخافتة والإشعاع الغامض الذي تنتشي له النفس دون أن تشخص سر النشوة.
وإنه لمن المؤسف أن كلمة "نظم" قد أصبحت تزدري في عصرنا وكأنها إهانة يُسب بها الشاعر. والواقع أنها كلمة جليلة، لا بد لكل شاعر من أن يملك ناصيتها. ذلك أن الشاعر المبدع لا بد أن ينطوي على ناظم
стр. 219
متمكن بارع وإلا لم يكن شاعرًا. والنظم هو المرحلة الأولى في كل شعر. وأما أن هناك أناسًا ينظمون شعرًا موزونًا يخلو من عبقرية الإبداع ورعشة الموسيقى فإن ذلك لا يهين كلمة "النظم". إن كل شاعر ناظم بالضرورة، وليس كل ناظم شاعرًا، وذلك لأن الشعر أعم من النظم، فهو يحتويه دون أن يقتصر عليه. وواقع الأمر أن الناس، بالنسبة للشعر ثلاثة:
١- إنسان يتذوق الشعر ويطرب له إلا أنه لا يميز الموزون من المختل وقد يمر على غلط عروضي فلا يدركه. ومن هذا الصنف كثير من الناس.
٢- إنسان ينظم الموزون نظمًا متقنًا جاريًا على قواعد العروض دون أن تنبض منظوماته بالجمال أو تتفجر بدفء الإبداع. وهذا هو الناظم.
٣- إنسان يحسن النظم ويتقنه حتى ليوجع النشاز سمعه وروحه وهو فوق ذلك يمتلك موهبة تفكير الموسيقى والسحر فيما ينظم. وهذا هو الشاعر. وهو في هذا الباب في المرتبة الأولى من أصناف الناس.
والذي لا ريب فيه أن الناظمين أناس ذوو موهبة وإن لم تكن موهبتهم كاملة، ولذلك ينبغي لنا أن نحترم موهبتهم، وأن نثني عليهم بما يستحقون. نقول هذا ونحن نرى الاتجاه لدى طائفة من الشعراء اليوم إلى احتقار الناظمين والتشنيع عليهم. وإنما الحق أن ينظر هؤلاء الشعراء إلى أنفسهم ليكملوا ما ينقصهم من عدة الناظم ومقدرته. فما قيمة شعر جميل الصورة ولكن أوزانه تتعثر بالسقطات؟ إن الناظم الذي يحسن النظم أجدر بإعجابنا، لو أنصفنا، من شاعر لا يحسن النظم. ذلك أن الأول بصفة كونه ناظمًا، قد استكمل عدة فنه حين أتقن النظم وضبط أصوله. وأما الشاعر فإنه، وهو يجهل قواعد النظم، إنما يفتقد جزءًا مهمًّا من عدة الشاعر؛ لأن الوزن هو الروح التي تكهرب المادة الأدبية وتصيرها
стр. 220
شعرًا، فلا شعر من دونه مهما حشد الشاعر من صور وعواطف، لا بل إن الصور والعواطف لا تصبح شعرية، بالمعنى الحق، إلا إذا لمستها أصابع الموسيقى، ونبض في عروقها الوزن.
هذا مجمل رأينا، والواضح أن أنصار "قصيدة النثر" يخالفوننا فيه. وإنما الوزن، في عرفهم، مجرد شكل خارجي عارض اصطلح الأقدمون عليه، فلو حذفناه وكتبنا الشعر من دونه لأنقذنا شعرنا من التقليد وجئنا بشيء طريف.
وإننا لنحب أن نسألهم، على ذلك، سؤالًا لعل له عندهم جوابًا: ترى إذا استطاع ناثر وشاعر أن يعبرا، كلٌّ بأسلوبه الشخصي، عن عين الكمية من الصور والعواطف والأخيلة، فأيهما سيهز السامعين هزًا أشد؟ أيهما سيبعث فيهم مقدارًا من النشوة أكبر، وإلى أيهما سيستجيب الذوق الإنساني استجابة أرهف وأحر؟ أما في رأينا فإن الجواب واضح وبديهي. إن الموزون الطافح بالصور والأخيلة والعواطف سيملك قلوبنا ويهزنا ويثيرنا أكثر من النثري الطافح بنفس المقدار من الجزئيات. وذلك لأن عنصرًا جماليًّا جديدًا قد أضيف إليه هو الموسيقى والإيقاع.
والسبب المنطقي في فضيلة الوزن، هو أنه، بطبعه، يزيد الصور حدة، ويعمق المشاعر ويلهب الأخيلة. لا بل إنه يعطي الشاعر نفسه، خلال عملية النظم نشوة تجعله يتدفق بالصور الحارة والتعابير المبتكرة الملهمة. إن الوزن هزة كالسحر تسري في مقاطع العبارات وتكهربها بتيار خفي من الموسيقى الملهمة. وهو لا يعطي الشعر الإيقاع وحسب وإنما يجعل كل نبرة فيه أعمق وأكثر إثارة وفتنة. ولذلك كان الشعر مؤثرًا بحيث كان القدماء يعدونه ضربًا من السحر يسيطر به الشاعر على الجماهير. وقديمًا كان الشعر قرين أصحاب الرؤى والكهان وحتى الأنبياء إلى درجة جعلت القرآن الكريم يبرئ الرسول في الآية ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ .
стр. 221
ولا ريب في أن النثر، بافتقاره لهذه الموسيقى المؤثرة، يفقد خاصية يتفوق بها الشعر عليه في إثارة المشاعر ولمس القلوب. ولذلك كان النثر، في الغالب، قرين البحث العلمي والدراسة الموضوعية، حتى أصبحنا نصف الشعر الذي لا يطربنا بأنه "نثري". والحقيقة التي لا مفر لنا من مواجهتها أن الناثر، مهما جهد في خلق نثر تحتشد فيه الصور والمعاني، يبقى قاصرًا في اللحاق بشاعر يبدع ذلك الجمال نفسه ولكن بكلام موزون. فالوزن في يد الشاعر قمقم سحري يرش منه الألوان والصور على الأبيات المنغومة، هيهات للناثر أن يستطيع ذلك بنثره. أترى دعاة قصيدة النثر ينكرون أن خواطر محمد الماغوط التي اخترناها تكون أجمل لو نظمت شعرًا لا نثرًا؟ نقول ذلك لا لننتقص من تلك الخواطر وإنما لمجرد أنها كتبت نثرًا وتطاولت إلى أن تسمي نفسها شعرًا، وإنما النشوة والموسيقى والدفء من مصاحبات الوزن، فمن رغب فيها فليكن شاعرًا وليعرف كيف يرقرق معانيه في قصائد متدفقة. وبعد، فليس يعيب النثر أنه ليس شعرًا، وأن الموسيقى ملازمة للشعر لا له. إن تلك هي طبيعة الأشياء وكلٌّ لما خلق له.
وفي وسعنا ختامًا، أن نلخص تعريف الشعر إنه ليس عاطفة وحسب، وإنما هو عاطفة ووزنها وموسيقاها. وعلى ذلك فإن قدرة الناثرين على حشد العواطف والصور في نثرهم لا يقرب ما يكتبون من الشعر أي تقريب. وإنما جمال ما يكتبون مرتبط بكونه نثرًا، ولن يكون شعرًا إلا إذا نجحوا في صياغته شعرًا. وتلك موهبة الشاعر دون الناثر وهو أمر يترك خارجًا مهما قالوا ومهما جهدوا.
وأحب أن أذكر أصحاب الدعوة أخيرًا بأنهم، بعد كل ما قالوا وكتبوا وضجوا، ما زالوا هم أنفسهم مضطرين إلى التمييز بين الشعر والنثر. وهذه خزامى صبري نفسها، في فقرتها التي اقتبسناها، تتحدث عما تسميه "وزنًا تقليديًّا" -تقصد الشعر- ووزنًا غير تقليدي -تقصد
стр. 222
النثر. فلا نراها فعلت أكثر من استبدال الكلمتين العربيتين الدالتين: "شعر ونثر" باصطلاحات معقدة جديدة فيها عموم وغموض. وهل حقًّا إن قولهم "وزن تقليدي" أحسن من قولنا "شعر"؟ أم ترى قولهم "وزن غير تقليدي" يصلح اسمًا للنثر؟ ولماذا اضطروا إلى التمييز بين الاثنين؟ والواقع الذي لا جدال فيه، أنهم إذا لم يعترفوا بأن الشعر شعر، والنثر نثر، فلا بد أن يعترفوا بأن بينهما فرقًا واضحًا. وهذا يدحر كل مناقشة قد يوردونها. إن هناك شيئًا اسمه الوزن، وهو يفرض عليهم نفسه مهما تجاهلوه.
стр. 223
القسم الثاني
الباب الأول: في فن الشعر
الفصل الأول: هيكل القصيدة
مدخل
...
القسم الثاني.
الباب الأول: في فن الشعر.
الفصل الأول: هيكل القصيدة.
إذا كانت مفاهيم النقد الأدبي الحديث ترفض التمييز بين شيئين مثل "المضمون" و"الصورة" في الشعر، وتأبى إلا أن تعدهما شيئًا واحدًا لا يمكن تجزئته إلى اثنين، فإننا في بحثنا هذا مضطرون -ولو ظاهريًّا- إلى أن نعود إلى المفهوم القديم فنجزئ القصيدة إلى عناصرها الخارجية؛ لندرس العلاقات الخفية التي تربط بعض هذه العناصر ببعضها حتى تجعل منها ذلك النسيج الحي المتكامل الذي هو القصيدة. ولعلنا نحتاج إلى أن نذهب أبعد حتى من النظرة الدارجة فلا نكتفي بالتمييز بين المضمون والصورة، وإنما نميز أيضًا بين الصورة الوزنية الموسيقية التي تقوم على الأبيات والأشطر والتفعيلات، والصورة البنائية التي تستند إلى موضوع القصيدة. ومن دون هذا التمييز المبدئي الذي نريده في بداية بحثنا هذا لن نستطيع أن نشخص الأسس النظرية التي يطيعها الشاعر -غير واعٍ- وهو ينظم قصيدته.
وهكذا نجدنا نبدأ بتكسير القصيدة إلى عناصرها الرئيسية التي لا تزيد، في نظرنا، على أربعة:
стр. 224
١- الموضوع، وهو المادة الخام التي تقدمها القصيدة.
٢- الهيكل، وهو الأسلوب الذي يختاره الشاعر لعرض الموضوع.
٣- التفاصيل، وهي الأساليب التعبيرة التي يملأ بها الشاعر الفجوات في أضلع الهيكل.
٤- الوزن، وهو الشكل الموسيقي الذي يختاره الشاعر لعرض الهيكل.
وسوف يلوح لنا، كلما أمعنا في دراسة هذه العناصر مجزأة، أن بينها ترابطًا خفيًّا لا يمكن فصمه، وأن القصيدة ليست إلا هي كلها مجموعة. ومع أننا سنحرص على أن نقول كلمة عابرة عن الموضوع والتفاصيل والوزن، إلا أن هذا البحث مكرس لدراسة الهيكل وحده، والحق أنه أهم عناصر القصيدة، فهو العمود الذي ترتكز إليه العناصر الأخرى كلها.
стр. 225
الموضوع:
أما الموضوع فهو، من وجهة نظر الفن، أتفه عناصر القصيدة؛ لأنه في ذاته، قاصر عن أن يصنع قصيدة، مهما تناول من شئون الحياة. إنه مجرد موضوع خام، فليست فيه خصائص تدل الشاعر على طريقة يعالجه بها. وإنما هو أشبه بطينة في يد نحات، يستطيع أن يصنع منها ما يشاء. إن القصيدة ليست كامنة في الموضوع، وإن كان هذا لا ينفي أن من الممكن أن نصوغ، من أي موضوع، عددًا لا نهاية له من القصائد. وهذا يجعل من الضروري أن نقرر أن الموضوع شيء غير القصيدة ولا دخل له في تكوينها.
إن نظرتنا هذه إلى الموضوع تجعل الدعوة الاجتماعية -أو دعوة الالتزام- التي تضج بها الصحافة منذ سنين - دعوة غير منطقية بالنسبة
стр. 226
للشعر. ذلك أنها تطالب بتحديد ما لا صلة له بالقصيدة، وهو الموضوع، وبذلك تقحم على الشعر عنصرًا غريبًا عنه. والواقع أن قيام القصيدة على موضوع اجتماعي شيء لا غبار عليه إطلاقًا، بشرط ألا نعد هذه الاجتماعية فضيلة فنية مميزة تعطي الموضوع شعرية خاصة غير عادية.
وإنما يصبح الموضوع مهمًّا، ويستحق الالتفات، في اللحظة التي يقرر فيها الشاعر أن يختاره لقصيدته، فهو إذ ذاك يوجه الهيكل ويمشي معه. وأول شرط في الموضوع أن يكون واضحًا محددًا، لا كموضوعات تلك القصائد التي تدور وتدور فلا يخرج منها القارئ بطائل. ومن هذا الصنف تلك القصائد التي يكون موضوعها عامًّا يشمل جوانب واسعة لا حدود لها من الأفكار والتصورات وهو صنف يتخلص منه الشاعر عندما يضع له عناوين عامة مثل "خواطر" أو "تأملات" أو "رباعيات" ونحو هذا. مثل هذه القصائد تستند، في واقع الأمر، إلى عقيدة واهمة من الشاعر في أن الموضوع وحده يكفي لإنشاء قصيدة، وما دامت القصيدة تعالج أفكارًا مفيدة ذات طلاوة فهي تبرر وجودها تبريرًا تامًّا. وليس هذا مقبولًا من وجهة نظر الشعر. وإنما ينبغي أن تكون القصيدة موحدة، مبنية، لا أن تمتلئ بمادة تكفي لإنشاء عشرين قصيدة.
وخلاصة ما يمكن أن نقول في الموضوع أن القصيد ليست موضوعًا وحسب وإنما هي موضوع مبني في هيكل.
стр. 227
الهيكل الجيد وصفاته:
لا ريب في أن الهيكل هو أهم عناصر القصيدة وأكثرها تأثيرًا فيها. ووظيفته الكبرى أن يوحدها ويمنعها من الانتشار والانفلات ويلمها داخل حاشية متميزة. ولا بد من الإشارة إلى أن الموضوع الواحد لا يفترض هيكلًا معينًا وإنما يحتمل أن يصاغ في مئات من الهياكل بحسب اتجاه
стр. 228
الشاعر وقدرته الفنية والتعبيرية. ومهما يكن فلا بد لكل هيكل جيد من أن يمتلك أربع صفات عامة هي التماسك والصلابة والكفاءة والتعادل١.
أما التماسك فنقصد به أن تكون النسب بين القيم العاطفية والفكرية متوازنة متناسقة، فلا يتناول الشاعر لفتة في الإطار ويفصلها تفصيلًا يجعل اللفتة التالية تبدو ضئيلة القيمة أو خارجة عن نطاق الإطار. ومثال هذا الخروج على التماسك قصيدة لبدر شاكر السياب عنوانها "حفار القبور"٢ تقع في أربعة مشاهد واضحة كان ينبغي أن ينال كل منها من عناية الشاعر ما يساوي عنايته بغيره، ولكن الشاعر، لسبب ما، تلكأ طويلًا في المشهد الأول وحلل نفسية الحفار في بطء شديد. ثم تقدم في عجلة، إلى المشاهد الثلاثة الباقية فأجهز عليها في غير عناية. ذلك مع أن القصيدة لم تبلغ قمتها العاطفية ومن ثم قمتها الدراماتيكية، إلا في المشهد الرابع. وهذا كله قد أخل بتماسك الهيكل وضعضعه فتفكك وأساء إلى هذه القصيدة التي تمتاز بما فيها من صور وانفعالات وحركة ملموسة يحسها القارئ عبر المشاهد المتلاحقة.
وثاني صفات الهيكل الجيد، الصلابة، ونقصد بها أن يكون هيكل القصيدة العام متميزًا عن التفاصيل التي يستعملها الشاعر للتلوين العاطفي والتمثيل الفكري. وتكبر قيمة هذه الصفة في الهيكل الهرمي كما سيأتي. والتشبيهات والأحاسيس ينبغي أن تكون تفاصيل سياقية عارضة يحرص الشاعر على كبح جماحها بحيث لا تضيع فيها حدود الخط الأساسي في الهيكل. ويتضمن هذا أن الصور والعواطف ينبغي ألا تزيد عما يحتاج إليه الهيكل، فقد ثبت في حالات عديدة أن هذه الزيادة المعرقلة تفقد
стр. 229
القصيدة كثيرًا من قيمتها الجمالية. ومن نماذج الإطار الرخو الذي لا يملك مزية الصلابة قصيدة محمود حسن إسماعيل "انتظار"١ التي ضاع إطارها العام في كثير من الصور الجميلة والتفاصيل، وقد تصيدها الشاعر تصيدًا ناسيًا الخطة العامة لقصيدته حتى طغت على الهيكل وطمست معالمه.
أما الكفاءة فنعني بها أن يحتوي الهيكل على كل ما يحتاج إليه لتكوين وحدة كاملة تتضمن في داخلها تفاصيلها الضرورية جميعًا دون أن يحتاج قارئها إلى معلومات خارجية تساعده على الفهم. ويتضمن هذا معنيين:
أولهما، أن لغة القصيدة تكوِّن عنصرًا أساسيًّا في كفاءة الهيكل، فهي أداته الوحيدة، ولذلك ينبغي أن تحتوي على كل ما تحتاج إليه لكي تكون مفهومة، وهذا هو السبب في نفورنا اليوم من استعمال الألفاظ القاموسية غير المألوفة في لغة العصر. ذلك أن هذا يحتفظ بجزء من معنى القصيدة في خارجها، في القاموس. وهذا، في صميمه، يتعارض مع التعبير ومع لحظة الإبداع عند الشاعر.
وثانيهما، أن التفاصيل ونعني بها التشبيهات والاستعارات والصور – التي يستعملها الشاعر في القصيدة ينبغي أن تكون واضحة في حدود القصيدة، لا أن تكون قيمتها ذاتية بحيث تأتي أهميتها من مجرد تعلق ذكريات الشاعر الشخصية بها. وإنما ينبغي أن يعتمد المعنى الكامل للقصيدة على القصيدة نفسها لا على شيء في نفس الشاعر. ولعل معترضًا أن يحتج علينا لأننا نستبعد عن سياق القصيدة كل ما له قيمة ذاتية عند الشاعر. وجوابنا على ذلك أننا لا نمانع في أن يدخل الشاعر ما يشاء من تفاصيله الشخصية الأثيرة لديه، ولكن على أن يمنح هذه التفاصيل قيمة فنية تنبع من الهيكل نفسه. والقانون في هذا أن على الشاعر أن يحترس من الخلط بين ما له
стр. 230
قيمة في القصيدة وما له قيمة في نفسه. فللقصيدة عالمها الخاص المنفصل عن عالم الشعر. إنها كيان حي ينعزل عن مبدعه منذ اللحظة الأولى التي يخط فيها على الورق. وذلك هو الذي يجعل الشاعر مضطرًا إلى أن يكف عن اعتبار تجاربه كافية في ذاتها لإبداع قصائد، فالشعر لا يعترف بأية قيم عاطفية أو جمالية في خارجه، ولا بد لمن يريد أن يتغنى بمكان يحبه أو شخص يعزه أن يجعل هذا الشخص وذلك المكان حبيبًا في داخل القصيدة نفسها بمختلف وسائل الفن المشروعة.
ولا بد لنا أن نشير هنا إلى فشل تلك المحاولات التي يلجأ إليها الشعراء حين يضيفون إلى قصائدهم حواشي وشروحًا عن تاريخ الأماكن التي يتغنون بها في قصيدة ما، فليس أبعد عن روح الشعر من مثل هذا. وذلك، ولا ريب، يجعل أكداسًا كثيرة من الشعر الوطني الذي ينظم اليوم عاطلًا من القيمة الفنية؛ لأن الشاعر يعتمد فيه على المعرفة السابقة التي يملكها الجمهور المعاصر عن الأشخاص والأماكن والأحداث، فلا تكون قصيدته إلا هامشًا أو تعليقًا على الأشياء، دون أن تملك في ذاتها المستلزمات الكافية لقصيدة حول تلك الأشياء. وأما حين ستتطور حياتنا وتصبح تلك الأحداث معلومات تاريخية لا يحتاج إليها جمهور عربي متأخر، فإن نقص تلك القصائد سيظهر وسيفقدها مكانتها الفنية. ولذلك ينبغي للشاعر أن يتطلع إلى قصيدته وينسى الجمهور. فإنما التعبير المكتمل إرضاء للحس الفني المتعطش في نفس الشاعر مهما كان الجمهور قانعًا ومستعدًّا للمسامحة ومد يد المساعدة. والقصيدة التي تحوجنا إلى أن نقرأ عنها حاشية أو شرحًا نثريًّا ليست قصيدة جيدة، ولعلها -من وجهة نظر الفن- فشل يعترف به الشاعر نفسه حين يرضى أن يضع القصيدة حواشي وهوامش.
وأما التعادل الذي هو آخر صفات الهيكل الجيد فنقصد به حصول التوازن بين مختلف جهات الهيكل وقيام نسبة منطقية بين النقطة العليا فيه والنقطة الختامية. وإنما يحصل التعادل على أساس خاتمة القصيدة، حيث
стр. 231
يقوم توازن خفي ثابت بينها وبين سياق القصيدة. فإذا كانت القصيدة تتناول موضوعًا ساكنًا كالنهر مثلًا فتصفه كما يلوح للشاعر في لحظة معينة، جاءت القصيدة تعاقب صور وانفعالات وأفكار متتالية ذات قيمة متساوية. وفي هذه الحالة تكون خاتمة القصيدة أقوى من سائرها حيث يقوم نوع من التعارض الخفي بين البيت الأخير وبقية الأبيات. أما حين تتناول القصيدة حادثًا "أو امتدادًا زمنيًّا، بكلمة أخرى" فإن الحركة تأتي من تعاقب الزمن الذي يستغرقه الحادث ويمر عبر القصيدة أمامنا. وفي هذه الحالة تكون الخاتمة متميزة عن سائر القصيدة بأن توقف هذه الحركة عند نقطة منطقية. وهي حالة يقوم فيها التعارض بين الحركة الزمنية في القصيدة والسكون في ختامها.
ومن الأساليب التي قد يختتم بها الشاعر قصيدته ما يقوم على أساس الإيقاع والموسيقى كأن تكون القصيدة ذات مقطوعات متساوية الطول رباعية أو أكثر، فيجعل المقطوعة الأخيرة ذات طول مختلف. والقصر أكثر تأثيرًا في هذه الحالة، ومنه قصيدة جميلة لمحمود حسن إسماعيل عنوانها "فاتنتي مع النهر"١ ختم فيها قصيدته ببيتين، بعد مقطوعات أطول بكثير، فكانت خاتمة مؤثرة من أجمل ما يقرأ للشعر من خواتم. وهذا هو المقطع الثالث منها والخاتمة:
سألته: يابن الأسى رحمة ... فالنوح لا يُطرب سمع الصباح
فجرك رفراف السنا والمنى ... فوقك طير عبقري الجناح
ما لك لا تُلْهم غير الأسى ... ولا تغني غير نار الجراح؟
فقال: يومًا، ستلاقي هنا ... عذراء من حور السماء الملاح
تبحث عني، فأجبها مضى ... صبك في الدنيا شريد النواح
стр. 232
أنت التي أسلمته زورقًا ... في لجة الدنيا لهوج الرياح
فمر كالنسيان بي وانطوى ... صباحه عني شقيًا وراح
فاتنتي، سر الهوى سابح ... في نور عينيك فلا تسألي
في زهوة المرج شذى نائم ... أخشى عليه يقظة المنجل
ولعل في وسعنا أن نستخلص قانونًا عامًّا يشمل الحالات التي يستعملها الشاعر في اختتام قصيدته، ومضمون القانون أن القصيدة تميل إلى الانتهاء إذا استطاع الشاعر أن يحدث تعارضًا واضحًا بين السياق والخاتمة. فإذا كان السياق هادئًا جعل الخاتمة جهورية مجلجلة وإذا كان السياق متحركًا مال بالخاتمة إلى السكون وهكذا. واحسبنا لا نحتاج إلى أن نقول إن الشاعر الحق، كل شاعر، يعرف هذا القانون بفطرته الفنية فلا يحتاج إلى أن يتعلمه أو يفكر فيه وهو ينظم. وقد نظم الشعراء في العصور كلها قصائد ذات خواتم ناجحة، دون أن يحتاجوا إلى أن أجيء اليوم لأستخلص لهم هذه القاعدة. ولكن مهمة النقد تبقى مع ذلك قائمة، والعالم مملوء دائمًا بالنظامين ومحترفي الشعر، وهؤلاء قلما يعرفون متى ينبغي أن يسكتوا. والمشاهد اليوم أن مئات من القصائد التي تنشرها الصحف تنقصها لمسة الختام وهي تترك في النفس أثرًا يشبه العطش. ذلك أنها تثير في أنفسنا توترًا ثم تتركنا لمخالبه دون أن تزيله أو تنهيه.
والحقيقة أن قراءتنا للقصيدة ليست أقل من معاناة فعلية للتجربة التي مر بها الشاعر، فإذا لم يحسن الشاعر أن يختمها ذلك الختام الطبيعي كان يخوننا ويلعب بنا ولو دون أن يقصد. وهو في ذلك كمن يسير بنا خطوة خطوة في طريق صاعد المفروض أنه يؤدي بنا إلى غاية، حتى إذا بلغنا نصف الطريق تركنا ونكص راجعًا. أن القصيدة غير الكاملة
стр. 233
إساءة إلى القارئ وإيلام لا يبرره شيء والشاعر، بهذا المعنى، مسئول عن جماعة القراء الذين يلقون إليه قياد أنفسهم، يزرع فيها أفكاره ومشاعره فأقل ما عليه أن يخرجهم من التوتر العاطفي الذي يوقعهم فيه. وبذلك تكتمل انفعالية التي يمر بها الشاعر والقارئ، يدًا بيد، عبر القصيدة.
стр. 234
ثلاثة أصناف من الهياكل:
لم تزل هناك ملاحظات عن الملامح العامة للهيكل، غير أنني أُوثر أن يرد ذكرها عبر دراستنا التالية لأصناف الهيكل، لكي نتحاشى التكرار، ولقد استخلصت من مراجعة مئات من القصائد العربية قديمها وحديثها أن هيكل القصيدة يقوم على ثلاثة أصناف عامة لكل منها خصائص مميزة ثابتة. ولقد رأيت أن أطلق على هذه الأصناف أسماء، تسهيلًا لمهمة النقد الأدبي والبلاغة فكانت كما يلي:
١- الهيكل المسطح وهو الذي يخلو من الحركة والزمن.
٢- الهيكل الهرمي وهو الذي يستند إلى الحركة والزمن.
٣- الهيكل الذهني وهو الذي يشتمل على حركة لا تقترن بزمن.
ولسوف يتضح سبب اختياري لهذه التسميات حين ندرس هذه الهياكل بالتفصيل.
أ- الهيكل المسطح:
أبسط تعريف لقصائد هذا الهيكل أنها تدور حول موضوعات ساكنة مجردة من الزمن، وإنما ينظر إليه الشاعر في لحظة معينة ويصف مظهرها الخارجي في تلك اللحظة وما يتركه من أثر في نفسه. مثال ذلك أن تدور
стр. 235
القصيدة حول تمثال أو سفينة أو بركة فلا تصف أحداثًا تعاقبت على هذه الموصوفات، ولا تغييرات جدت عليها خلال زمن ما، وإنما ترسمها كما كانت في تلك اللحظة التي رآها الشاعر فيها: جامدة ثابتة في المكان. وفي وسعنا أن نقول إن نظرة الهيكل المسطح هي نظرة ذات ثلاثة أبعاد، على حد تعبير الرياضيين ينقصها البعد الرابع الذي تنشأ عنه الحركة الزمنية. على أن القصيدة التي تخلو من الحركة بشكلها الزمني لا تستطيع أن تستغني عن شكل آخر من أشكال الحركة يعوض لها ويبني كيانها. ومن ثم فإن شاعر الهيكل المسطح يلجأ عادة إلى أساليب أخرى يخلق بها الحركة فيسد الفراغ. وهو يصل إلى ذلك التعويض باستعمال الصور والتشبيهات والعواطف، وبذلك يمد الموضوع الساكن بلون ما من ألوان الحركة، وهكذا نجد أن الشاعر -حين يجد بين يديه موضوعًا جامدًا مغلفًا بلحظة واحدة من لحظات الزمن- يلجأ إلى التفجير عاطفيًّا ويحيط موضوعه بشحنة مشاعر قوية تعطي القصيدة نوعًا من الحبكة المعوضة. ومن هذا التعويض نشأ الشعر الغنائي الذي اغتنى به الأدب القديم. إنها حالة يؤدي فيها سكون الإطار وتسطحه إلى الارتكاز على محور القصيدة أو الموصوف فيها، وحوله يجمع الشاعر سلسلة من الأفكار والعواطف والصور.
ولكي نمثل لهذا الهيكل المسطح نستشهد بقصيدة لنزار قباني عنوانها "شباك"١:
حييت يا شباكها الملفوف بالبنفسج ... أصبحت ديرًا للشحارير ومأوى العوسج
لسورك الرحيم أسراب السنونو تلتجي ... يا جنة على السحاب غضة التأرج
стр. 236
يا ضاحك الأستار ذات اللين والترجرج
يا راية للحب لم تخطر ببال منسج
أنا لديك، هل تعي همسي وحدو هودجي
بي لهفة تحصد أصباغ الستار الأهوج
إلا انفتحت لي فإن الشمس في توهج
هل أقرع البلور دون حلمها المموج
أم أسبق الشمس إلى غطائها المضرج
أرده على ذرع طفلة التبرج
وأجمع الشعر الذي مات من التموج
يحرسك العبير يا شباكها البنفسجي
إن الشباك، في هذه القصيدة الجميلة، ساكن، وقد وقف الشاعر أمامه في لحظة معينة، ذات صباح وراح يصفه، وقد جاء الامتداد على حساب أفكار الشاعر وتخيلاته عما وراء الشباك من أصباغ الستائر ولين قماشها وشعر الفتاة النائمة ونحو ذلك. إن تعاقب هذه التصورات غير مرتبط ارتباطًا عضويًّا، وإنما تقف كل صورة معزولة عن الصور الأخرى حتى لنستطيع، إذا أردنا، أن نقدم بيتًا على بيت وأن نحذف بيتًا هنا وبيتًا هناك دون أن تنقص القصيدة نقصًا مخلًّا. وذلك يرجع إلى كون الهيكل مسطحًا. إنه يتركب من جزيئات مرصوصة لا من وحدة كاملة مشدودة. ولو أردنا أن نضع هذا المضمون في صيغة أخرى لقلنا أن القصيدة مستوية، سائبة، غير مشدودة ذلك الشد المحكم الذي نجده في القصائد التي تصف أحداثًا. إنها قصيدة تقوم على خليط من الأبيات الجميلة، كل بيت فيها منفصل عما حوله، قائم بذاته. ومن مجموعة الأبيات لا تنشأ فكرة عامة غير الفكرة التي وردت في كل بيت، ولا يصعد الشعور إلى قمة. إن العاطفة في القصيدة موزعة بالتساوي على الأبيات، كل بيت، يصف لمسة شعورية جديدة، والإحساس لا يتكاثف
стр. 237
في موضع دون موضع. كما أن القوى لا تتجمع لتلتقي في ذروة متشابكة وإنما تجري عناصر الموضوع مستقلة مجزأة كما يجري جدول في أرض منبسطة لا تعلو ولا تنخفض ولا تتخللها غابات كثيفة معرقلة. ولهذا نستطيع أن نحذف ما نشاء من أبيات ونقدم ونؤخر دونما حرج.
على أن أبرز خاصية لقصائد الهيكل المسطح أنها مملوءة بالفجوات، فمن السهل أن نضيف إليها ما شئنا من الأبيات دون أن نفقدها وحدة أو نسيء إلى رابطة فيها. وهذا لأنها في الأصل أشبه بأرض فضاء ممتدة لا بداية لها ولا نهاية، ولا تختلف جهة فيها عن جهة، إن في وسع الشاعر أن يوصلها إلى ما شاء من الأبيات، والشرط الوحيد أن يشدها شدًّا ما ويحدث فيها رابطة ولو شكلية. ولعل خير رابطة يلجأ إليها الشاعر في القصيدة المسطحة هي استعمال القافية الموحدة، كما يصنع نزار قباني في شعره دائمًا. وذلك لأن هذه القافية تصبح أشبه بسياج متين يشد الأبيات المفككة في داخله. والقافية الموحدة عظيمة القوة في القصيدة فهي تلمها وتمنعها من الانفلات منعًا صارمًا. ولعل هذا هو السبب في أن أغلب الشعر العربي كان مسطحًا. فقد كانت القافية الموحدة من القوة بحيث أغنت الشاعر عن التماس هيكل معقد يقوم الرابط فيه على ما هو أعمق من القافية الموحدة.
وبسبب هذا التفكك الطبيعي في القصائد المسطحة تحتاج القصيدة إلى خاتمة شامخة تكون هي الأخرى أشبه بسياج عالٍ يحد البقعة الصغيرة الممتدة وينهيها. إن ترك القصيدة المسطحة غير كاملة يضجر القارئ المرهف ويشعره بأنه لم يخرج بشيء، وهذا لأنه يوحي أن الامتداد لا ينتهي، والذهن والإنساني لا يستريح إلى الامتداد المطلق ويفضل أن ينتهي كل شيء نهاية ما. والواقع أن خاتمة القصيدة تخرجنا من هذا التمادي غير المريح، ومن هذا الاستواء، وتشعرنا بأن التيه قد انتهى إلى حدود ما. وما دامت القصيدة المسطحة – بطبعها مستوية تتساوى فيها القيم
стр. 238
الشعورية والفكرية للأبيات، فإن الخاتمة ينبغي أن تكون جهورية مجلجلة قاطعة بحيث تبرز على سائر الأبيات وتشعرنا بالانتهاء. ومعنى الجهورية أن يحتوي البيت الأخير على حكم قاطع قوي أو عبارة بتارة تصلح لاختتام القصيدة. ومن ذلك، الدعاء اللطيف الذي ختم به نزار قباني قصيدته، فقد ألقاه بلهجة قاطعة وكأنه عبر به عن أعمق أعماق إحساسه نحو الشباك. ومهما يكن فإن البيت الأخير ينبغي أن يكون بارزًا مثيرًا ليختم القصيدة.
وختام ما ينبغي أن نقوله حول الهيكل المسطح أنه لا يتيح فرصًا لقصيدة طويلة. ذلك أن الامتداد المنبسط يضايق، والأوصاف المتتالية تصبح مملة متعبة حين لا تتخللها ذروة عاطفية تثير حماسة القارئ وذلك هو السبب في الرتابة التي نلمسها في بعض قصائد أنور العطار وهي لا تخلو من أبيات مفردة جميلة، غير أن طولها واستواء المستوى العاطفي والتعبيري في الأبيات كلها يجعل النغم ممطوطًا دون داعٍ. وخير وسيلة للنجاة من مثل هذا المزلق أن تكون القصائد المسطحة قصيرة، وتلك لفتة أدركها نزار قباني بفطرته، فهي تكاد تكون القانون في شعره كله، لا يخرج عليه إلا حين ينظم قصيدة هرمية الهيكل مثل القصيدة الرائعة الجمال "طوق الياسمين"١.
القوى الحركية في القصيدة:
رأينا ونحن ندرس "الهيكل المسطح" أن الموضوع الساكن لا يستطيع أن يمد قصيدة بكيان غني مقبول، وأنه ينبغي، في الغالب، أن يقوم على عناصر أخرى خارجية كالعواطف والصور لتنجح القصيدة، والواقع أن هذه الشحنة من الصور والمشاعر التي يلتمسها الهيكل الساكن إنما هي،
стр. 239
في حقيقة الأمر، صورة من صور الحركة يحاول بها الشاعر -وهو غير واع- أن يدخل عنصر الحركة إلى هيكلة لينقذه من الجمود.
إن كل قصيدة جيدة لا بد أن تحتوي على عنصر الحركة على صورة ما، وإلا كانت قصيدة رديئة، والشاعر يدرك هذا بإحساسه ويحاول، غير واعٍ، أن يضفي هذا العنصر على قصيدته من إحدى جهاتها. فإذا كانت نقطة الارتكاز في القصيدة ساكنة كشباك نزار قباني، امتد الهيكل عاطفيًّا وصوريًّا، وكأن الشاعر -وهو يرى موضوعه ساكنًا- يدرك أنه لا يستطيع أن يصوغ من سكونه شيئًا نابضًا بالحياة، ما لم يضف إليه امتدادًا من نوع ما، فيبدأ بالأقرب وهو الصور والمشاعر التي توسع نقطة الارتكاز وتجعل نطاقها أكبر وأكثف.
ولو راجعنا قصيدة "شباك" لرأينا أن هذا الشباك -وهو ساكن- وقد اكتسب امتدادات رائعة الحسن بما أضفاه عليه الشاعر من نعوت. إنه يتسع عندما يصفه الشاعر بأنه "ملفوف بالبنفسج" ويتسع ثانية عندما يسميه الشاعر "ديرًا للشحارير" وهي صورة تمنح الذهن فرصة لتخيل مجموعة من الشحارير تتطاير وتحط عند الشباك ... وبذلك اتسع أفق الشباك مكانيًّا حتى شمل المنطقة التي تحيط به، وسرعان ما تتدخل "الستائر" التي تمد الشباك إلى داخل الغرفة وتصله بكل ما فيها من حياة، وهكذا نرى الشاعر قد جعل الشباك ينبض بالحركة ووصله بأعمق أعماق الحياة المتدفقة حوله.
ب- الهيكل الهرمي:
الفرق الأساسي بين قصائد هذا الهيكل، وقصائد الهيكل المسطح، أن الشاعر هنا يمنح الأشياء بعدها الرابع. بدلًا من أن توصف الأشياء وهي ساكنة، ذات ثلاثة أبعاد، في لحظة واحدة من لحظاتها -كما في الصور-
стр. 240
يبدو وكأن الشاعر قد تجرد من الزمن فراح الماضي والحاضر والمستقبل تبدو له كلها واحدًا، ومن خلالها يبدو الموصوف متحركًا، متغيرًا، مؤثرًا فيما حوله متأثرًا به. وهو عين ما يحدث في الحياة الواقعية حين تسمح للزمن أن يمر على الأشياء. فما من شيء إلا ويتحرك ويتغير وتحول عليه الأحوال.
ومن هذا يبدو أن نقطة الارتكاز في القصائد الهرمية لا بد أن تتضمن "فعلًا" أو "حادثة" لا مجرد شيء جامد يحتل حيزًا من المكان وحسب. وفي نطاق هذا الفعل يتحرك الأشخاص والأشياء ويمر الزمن. فالأشخاص مثلًا يتبدلون وتتقلب عليهم الأحداث بحيث نجدهم في أول القصيدة يختلفون عنهم في آخرها على وجه ما. والأشياء تتغير قيمتها ومدلولاتها وأماكنها. والزمن ينصرم: فإذا بدأت القصيدة في طفولة بطلها انتهت وهو شيخ، وإن رأيناه، في بدايتها، صباح الثلاثاء ختمت القصيدة وهو قد عانى متاعب الأربعاء، وهكذا. وخلال ذلك تتغير المشاعر فتمتد وتضيق وتتسع كما يرسم لها الشاعر، ولذلك يغلب أن نجد فوارق عاطفية وزمنية بين بداية القصيدة ونهايتها. وذلك ما يميز الهيكل الهرمي عن سواه.
وفي مثل هذه القصائد، قصائد "الفعل" و"الحادثة" التي تتميز عن قصائد "الأشياء" نجد أن الأحداث تميل إلى أن تتكاثف في مكان من القصيدة دون مكان. فهي تبدأ عادة هادئة العواطف، غير ثائرة، والأشخاص يتحركون بتؤدة، وكأن الشاعر يمر بفترة "العرض" التي يمر بها القصاص، وهمه الأول أن يقدم أطراف الموضوع لقارئه. ثم تأتي لحظة تندفع خلالها المشاعر والأحداث إلى قمة شعورية، "قمة الهرم" فتتجمع القوى التي بدأت فعلها في المرحلة السابقة تجمعًا عنيفًا وتبلغ القصيدة أعلى مراتب التوتر ويحس القارئ أنه إزاء مشكلة فنية إنسانية. وسرعان ما تبدأ النهاية بعد لك حين يبدأ الشاعر بفك المشكلة وحل العقدة وتشتيت القوى المتجمعة.
стр. 241
ولا بد لنا أن نلاحظ هنا أن خاتمة القصائد الهرمية، تمتلك قابلية الانتهاء بسكون. وهو أمر غير ممكن في قصائد الهياكل المسطحة حيث ينبغي أن تكون الخاتمة جهورية على شيء من العلو، وكأن هذه "الجهارة" نوع من الحركة التي تجيء بعد السكون الطويل فتوحي بالانتهاء.
نموذج للهيكل الهرمي:
تصلح قصيدة علي محمود طه "التمثال"١ أن تكون نموذجًا ممتازًا للهيكل الهرمي لما تحتوي عليه من بناء مكتمل وصور جميلة ورموز وعاطفة. إنها تكاد تكون أجمل وأكمل قصيدة نظمها هذا الشاعر على الإطلاق، وهي بلا ريب قمة من قمم الشعر العربي الحديث كله. ولذلك سنقف عندها وقفة تحليلية متريثة لندرس ما فيها من أصالة وقوة بناء وجمال. يقول الشاعر في تقديم قصيدته إنها "قصة الأمل الإنساني" وهو بهذا يخبر القارئ أن "التمثال" ليس حقيقيًّا، وإنما هو رمز للأمل الذي بناه الشاعر، أو تبنيه الإنسانية كلها، فما يلبث الزمن حتى يحطمه تحطيمًا. على أن هذا التعريف لا يضيف إلى القصيدة شيئًا، فلو لم يصرح به الشاعر لما فقدت القصيدة أي شيء، سواء أكان هذا التمثال هو الحب أم الفن أم الجمال أم السعادة، كانت القصيدة كاملة. وذلك لأن نقطة الارتكاز هنا هي التمثال وما يحدث لهذا التماثل متضمن في داخل الهيكل، بحيث تكون القصيدة كاملة حتى ولو كان التمثال تمثالًا حقيقيًّا. المهم هو أن الزمن قد تعاقب على هذا التمثال في القصيدة، من الليل، إلى الضحى، إلى آلاف الليالي والأضاحي ابتداء من شباب الشاعر حتى شيخوخته. ولقد وصلت هذه الحركة الزمانية تمثال الشاعر
стр. 242
بالحياة كلها فكأنه عاد ينبض نبضًا.
والقصيدة تبدأ في شباب الشعر فنراه يمضي كل صباح ليصطاد غرائب البر والبحر، فلا يعود إلا مع المساء حاملًا صيده ليلقيه "على قدمي" تمثاله. وهو، في نشوة هذا الشباب المتفجر بالحيوية، يصعد إلى النجوم ويهبط إلى أعماق البحر، ويجوب البراري، ويقتحم الضحى في آسيا وإفريقيا، ويجوب عصور التاريخ، كل ذلك بحثًا عن الحلي التي يريد أن يتوج بها تمثاله الجميل. ولكن القصيدة لا تنتهي إلا بعد أن يشيب الشاعر فلا يعود يقوى على دفع عادية العواصف والسيول عن تمثاله، ويصيح لا مفر له من أن يقف جامدًا مغلوبًا ليراه يتحطم وتجرفه الأمواج. وبهذا نجد الزمن قد تحرك خلال أبيات القصيدة حركة سريعة مدهشة افتنَّ الشاعر في أساليب تصويرها وإبرازها. وسوف ندرس فيما يلي القصيدة بالتفصيل لنلاحظ وسائل الشاعر في صياغتها وبنائها.
لنلاحظ أولًا الحركة في الأبيات الافتتاحية في القصيدة:
أقبل الليل واتخذت طريقي لك
النجم مؤنسي ورفيقي
وتوارى النهار
خلف ستار شفقي من الغمام رقيق
مد طير المساء فيه جناحًا
كشرع في لجة من عقيق
نلاحظ أولًا الحركة في الفعل "أقبل" وفي ما توحيه عبارة "واتخذت طريقي لك" حيث نرى الشاعر يسير في طريقه نحو التماثل. ويؤكد الشاعر هذه الصورة بقوله "توارى النهار" فالفعل "توارى" بطبعه ممطوط، فيه بطء وانسحاب متريث، وتلك خاصية الأفعال المقيسة على
стр. 243
"تفاعل" مثل تلاشى وتهادى وتمادى، فهي توحي بحركة مرتخية متمهلة.
ومن المؤكد أن الشاعر لو استعمل كلمة "غاب" في مكان "توارى" لما استطاع أن يعطي هذا الأثر.
وينتقل المشهد الغروبي إلى الليل الكامل فنرى الشاعر قد انتهى من اجتياز الطريق وبلغ موضع التمثال وراح يخاطبه:
أيهذا التمثال، هأنذا جئت لألقاك،
في السكون العميق
حاملًا من غرائب البر والبحر،
ومن كل محدث وعريق
ذاك صيدي الذي أعود به ليلًا
وأمضي إليه عند الشروق
وأبرز ما يلفت النظر هنا عبارة "أعود به ليلًا" التي كان الفعل فيها مضارعًا، وهو أول مضارع استعمله الشاعر، بعد سلسلة الأفعال الماضية "أقبل، توارى، مدَّ، جئت".
والسبب في استعمال المضارع هنا أنا الشاعر يريد أن يوحي بالاستمرارية في حركة هذه "العودة". فهو يخرج كل صباح ويعود كل مساء ليصطاد الكنوز ويلقيها على قدمي تمثاله. وفائدة هذه الاستمرارية أنها تمد الزمن وتطيله حتى يشيب الشاعر في القسم الثاني من القصيدة، وهي فترة عانى الشاعر كثيرًا قبل أن يبلغها كما يتضح من الأبيات التالية يخاطب بها الشاعر تمثاله:
بيدي هذه جبلتُكَ، من قلبي
ومن رونق الشباب الأنيق
كلما شمتُ بارقًا من جمال
стр. 244
طرتُ في أثره أشق طريقي
شهد النجم كم أخذت من الروعة عنه
ومن صفاء البريق
شهد الطير كم سكبت أغانيه
على مسمعيك سكب الرحيق
شهد الكرم كم عصرت جناه
وملأت الكئوس من إبريقي
شهد البر ما تركت من الغار
على معطف الربيع الوريق
شهد البحر
لم أدع فيه من در جدير بمفرقيك خليق
إن هذه الأبيات تقدم حركة واسعة، لا في الزمان وحسب، ولكن في المكان أيضًا، في عرض العالم وطوله: إلى النجوم لاقتباس بريقها وروعتها وإلى الكروم لملء الكئوس بالعصير لشفتيه، وإلى البحر اصطيادًا للؤلؤ والمرجان وكل ما يليق بمفرقه. ومما لا شك فيه أن هذه الحركة المكانية قد استغرقت زمانًا طويلًا، وقد قصد الشاعر أن يرينا كيف استنزف شبابه وسعادته في تنميق تمثاله وتزينه ومنحه العمق والجمال. وقد أفادت كلمة "كم" إذ أوحت بتعدد "الحدث" مما يقتضي زمانًا أطول وأبطأ. ثم تأتي، بعد ذلك، الطبيعة بغاباتها وجبالها ووديانها وممالكها وقاراتها وتواريخها فيمضي الشاعر يلفها حول تمثاله العجيب:
ولقد حير الطبيعة إسرائي لها
كل ليلة وطروقي
واقتحامي الضحى عليها
стр. 245
كراعٍ آسيوي أو صائد إفريقي
أو إله مجنح يتراءى
في خيالات شاعر إغريقي
في هذه الأبيات نجد الشاعر ما زال يذرع العالم والزمن من أجل تمثاله، وقد استعمل لفظي "الإسراء" و"الطروق" وهما فعلان يدلان على الزمن. وجعل الشاعر إسراءه "كل ليلة" وجعل اقتحامه الضحى تارة على صورة راعٍ من رعاة آسيا وتارة على صورة صياد من إفريقيا، ثم رجع بالزمن إلى الوراء أكثر من عشرين قرنًا فاتخذ هيئة شاعر إغريقي تتراءى له خيالات الآلهة القدماء.
إلى هنا انتهى الشاعر من مرحلة "العرض" فأحاط القارئ بظروف تجربته الإنسانية. وقد رأينا أن العاطفة كانت متكافئة في الأبيات فلم تتركز في مكان خاص، وإنما تحركت في الزمن في خطوات دائبة مستمرة متشابهة في سرعتها وسعتها. وكان المقصد في كل بيت أن يضفي الشعر صورة جديدة من جهده ومتاعبه، في خلق هذا التمثال وتزيينه وتخليده. وفجأة يبدأ الشعور بالتعقد والاندفاع نحو قمة عاطفية يوحي بها جو القصيدة وكأنه ينذر بعاصفة رهيبة. وتظهر بوادر هذا في خطاب يوجهه الشعر المجهد إلى "الطبيعة":
قلت: لا تعجبي! فما أنا إلا
شبح لج في الخفاء الوثيق
أنا، يا أم، صانع الأمل الضاحك
في صورة الغد المرموق
صغته صوغ خالق يعشق الفن
ويسمو لكل معنًى دقيق
стр. 246
وتنظرته حياة،
فأعياني دبيب الحياة في مخلوقي
كل يوم أقول: في الغد. لكن
لستُ ألقاه في غد بالمفيق
ضاع عمري، وما بلغت طريقي
وشكا القلب من عذاب وضيق
الفعل "تنظر" أكثف من الفعل "انتظر" ويوحي بفترة انتظار أطول وأمر. وهذه هي حالة الشاعر الذي أضاع عمره في صنع تمثاله الفذ أملًا بأن تدب فيه الحياة، وقد طال به انتظاره، وعبث به الأمل، وبدأ يثقل عليه. وقد راحت طلائع اليأس الأخير تلوح إذ اقترب الشاعر من الشيخوخة. ولذلك يبعث صرخته الدامية:
ضاع عمري ... وما بلغت طريقي ...
ولا بد لنا أن ننتبه إلى الفرق الواضح في كثافة الشعور بين الأبيات الثلاثة الأولى، والثلاثة الأخيرة، ففي وسعنا أن نجزم بأنه أكثف في الأخيرة. إلا أننا لو أردنا الدقة لقلنا إن هذه الكثافة تزداد بنسبة شبه ثابتة كلما تقدمنا في الأبيات. ففي البيت الأول يصف الشاعر نفسه بأنه شبح وثيق الخفاء وهذا يكاد يخلو من الانفعال وكأن الشاعر يحس أن عليه أن يقدم نفسه لأمه الطبيعة بهدوء. إلا أنه في البيت الثاني يبدأ بتفصيل أمره قائلًا
إنه "صانع الأمل الضاحك" ويعرض هذا إلى بداية الانفعال فيصرخ في البيت الثالث:
صغته صوغ خالق يعشق الفن
ويسمو لكل معنًى دقيق
وفي هذا أول بوادر الشكوى، فهو يذكِّر الطبيعة بأنه قد "جهد"
стр. 247
في خلق تمثاله كما يجهد فنان أصيل. ولهذا التذكير دلالته النفسية التي تنذر بما بعدها. وسرعان ما يشتد انفعال الشاعر فيبرز بوضوح في الأبيات الثلاثة التالية حيث يشكو طول انتظاره وعدم دبيب الحياة في ذلك التمثال، ويبلغ الشعور درجة المرارة في قوله:
كل يوم أقول: في الغد
لكن لست ألقاه في غد بالمفيق
ويصل إلى درجة اليأس حين ينادي:
ضاع عمري، وما بلغت طريقي
وشكا القلب من عذاب وضيق
وبعد هذه الصرخة اليائسة تبدأ "قمة" القصيدة فيتركز الشعور في مشهد العاصفة التي يرمز بها الشاعر إلى فترة الشيخوخة في حياة الفنان، وسنكتفي هنا بنسخ الأبيات التي تنوب عنا في الحديث عن نفسها:
معبدي، معبدي، دجا الليل إلا
رعشة الضوء في السراج الخفوق
زأرت حولك العواصف لما
قهقة الرعد لالتماع البروق
لطمت في الدجى نوافذك الصُم
ودقت بكل سيلٍ دفوق
يا لتمثالي الجميل احتواه
سارب الماء كالشهيد الغريق
لم أعد ذلك القوي فأحميه
من الويل والبلاء المحيق
ليلتي، ليلتي، جنيت من الآثام
стр. 248
حتى حُملت ما لم تطيقي
فاطربي واشربي صبابة كأسٍ
خمرها سال من صميم عروقي
هنا تبلغ المأساة قمتها، فبعد أن شاركنا الشاعر في صنع تمثاله وجُبنا معه العالم لتزيينه، وقفنا معه نشهد تحطمه، في سورة العاصفة الرهيبة، وانجرافه في تيارات الماء الساربة، وتنبعث صرخة "الخالق" المدحور أحدّ وأمرّ من أية صرخة سابقة:
لم أعد ذلك القوي فأحميه
من الويل والبلاء المحيق
ونحس أننا هنا بإزاء القمة نفسها، وقد تجمعت قوى الشعور والحياة لتخلق هذه القمة، فلا بد أن تبدأ القوى بالانخفاض بعدها. ويجيء البيتان التاليان مصداقًا، فالفنان قد استسلم وانهزم وهو يدعو ليلته المخيفة إلى أن تسكر من دمه.
وتسرع القوى العاطفية بعد ذلك إلى الانحلال والتشتت، وتبدأ النهاية، وقد أتمها الشاعر في سبعة أبيات بديعة الجمال:
مر نور الضحى على آدمي مطرقٍ
في اختلاجة المصعوق
في يديه حطامة الأمل الذاهب
في ميعة الصبا المرموق
واجمًا، أطبق الأسى شفتيه
غير صوت، عبر الحياة، طليق
صاح بالشمس: لا يَرُعك عذابي
فاسكبي النار في دمي وأريقي
стр. 249
نارك المشتهاة أندى على القلب
وأحنى من الفؤاد الشفيق
فخذي الجسم حفنة من رمادٍ
وخذي الروح شعلة من حريق
جنّ قلبي فما يرى دمه القاني
على خنجر القضاء الرقيق
إن هذا المشهد يمتلك كل خصائص النهاية الجيدة لهيكل هرمي، فبعد الحركة العنيفة التي دار بنا الشاعر خلالها في رحاب القرون ومجاهل العالم، وبعد مشهد العاصفة الجنونية وهي تزأر وتلطم النوافذ وتتدفق سيولها محطمة مدمرة جارفة، بعد تلك الحركة وهذه الضجة، يهدأ كل شيء فجأة، ويطلع الضحى ... وفي الضوء يبرز المشهد الأليم فترى الشاعر مختلجًا، مصعوقًا، واجمًا، صامتًا، وبين يديه بقايا تمثاله المحطم. وتتلاشى القصيدة شيئًا فشيئًا حتى تخبو في آخر تأوهات الفنان وهو يتوسل إلى الشمس أن تسكب نارها في دمه دونما رأفة ولا شفقة.
هذا التلاشي والوجوم والصمت هو عنصر السكون في خاتمة هذه القصيدة الحركية الفذة ذات الهيكل الهرمي المحكم.
ولا بد لنا، قبل أن ننتهي من دراسة الهيكل في هذه القصيدة، أن نشير إلى أسلوب لفظي استعمله الشاعر في ربط القصيدة وشدها إلى بعضها داخل إطار، ذلك أن القصيدة تقع في قسمين رئيسيين، ينتهي أولهما بهذا البيت:
ضاع عمري وما بلغت طريقي
وشكا القلب من عذاب وضيق
وما بعده هو القسم الثاني. ولو دققنا النظر لوجدنا أن الشاعر قد
стр. 250
استعمل في القسم الأول لفظتين كررهما في القسم الثاني، وهما "الليل" و"الضحى". وقد كان هذا التكرار نافعًا في المقارنة بين حالتين: ففي القسم الأول كان الليل هو الوقت الذي يلتقي فيه الشاعر بتمثاله، منتصرًا، حاملًا إليه غرائب البر والبحر. وكان الضحى مغلوبًا، فالشاعر-كما يخبرنا- "يقتحم الضحى". أما في القسم الثاني فقد انعكست الحالة انعكاسًا مؤلمًا فما يكاد الليل يهبط حتى تزأر العاصفة وتلطم النوافذ وتحطم التمثال. ونسمع الشاعر المدحور ينادي صارخًا:
ليلتي، ليلتي، جنيت من الآثام
حتى حملت ما لم تطيقي
فاطربي. واشربي صبابة كأس
خمرها سال من صميم عروقي
أما "الضحى" فهو هذه المرة، يمر على إنسان محطم انقطعت علاقته بذلك "المقتحم" القديم الغلاب بزهوه وشبابه وانتصاره. وهكذا استعان الشاعر بالليل والضحى في خلق هذا التضاد الفني الذي يسر المقارنة وكثف جو القصيدة وأحكم بناءها.
وقد جاءت في هذه القصيدة صور أخرى من المقارنة غير المباشرة، فالشاعر في القسم الأول، قد سمى نفسه "خالقًا". أما في القسم الثاني فهو ليس إلا "آدميًّا" وقد ساعد ذلك في تكثيف الجو النفسي لهذه القصيدة الرائع.
ج- الهيكل الذهني:
رأينا أن هيكل القصيدة ليس إلا الأسلوب الذي يدخل به الشاعر الحركة في قصيدته فعندما كان الهيكل مسطحًا والارتكاز ساكنًا عوض الشاعر