← Адаб

Адаб · id 2097

قضايا الشعر المعاصر

نازك الملائكة

Полный текст (349 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وتنظرته حياة، فأعياني دبيب الحياة في مخلوقي كل يوم أقول: في الغد. لكن لستُ ألقاه في غد بالمفيق ضاع عمري، وما بلغت طريقي وشكا القلب من عذاب وضيق الفعل "تنظر" أكثف من الفعل "انتظر" ويوحي بفترة انتظار أطول وأمر. وهذه هي حالة الشاعر الذي أضاع عمره في صنع تمثاله الفذ أملًا بأن تدب فيه الحياة، وقد طال به انتظاره، وعبث به الأمل، وبدأ يثقل عليه. وقد راحت طلائع اليأس الأخير تلوح إذ اقترب الشاعر من الشيخوخة. ولذلك يبعث صرخته الدامية: ضاع عمري ... وما بلغت طريقي ... ولا بد لنا أن ننتبه إلى الفرق الواضح في كثافة الشعور بين الأبيات الثلاثة الأولى، والثلاثة الأخيرة، ففي وسعنا أن نجزم بأنه أكثف في الأخيرة. إلا أننا لو أردنا الدقة لقلنا إن هذه الكثافة تزداد بنسبة شبه ثابتة كلما تقدمنا في الأبيات. ففي البيت الأول يصف الشاعر نفسه بأنه شبح وثيق الخفاء وهذا يكاد يخلو من الانفعال وكأن الشاعر يحس أن عليه أن يقدم نفسه لأمه الطبيعة بهدوء. إلا أنه في البيت الثاني يبدأ بتفصيل أمره قائلًا إنه "صانع الأمل الضاحك" ويعرض هذا إلى بداية الانفعال فيصرخ في البيت الثالث: صغته صوغ خالق يعشق الفن ويسمو لكل معنًى دقيق وفي هذا أول بوادر الشكوى، فهو يذكِّر الطبيعة بأنه قد "جهد"

стр. 247

في خلق تمثاله كما يجهد فنان أصيل. ولهذا التذكير دلالته النفسية التي تنذر بما بعدها. وسرعان ما يشتد انفعال الشاعر فيبرز بوضوح في الأبيات الثلاثة التالية حيث يشكو طول انتظاره وعدم دبيب الحياة في ذلك التمثال، ويبلغ الشعور درجة المرارة في قوله: كل يوم أقول: في الغد لكن لست ألقاه في غد بالمفيق ويصل إلى درجة اليأس حين ينادي: ضاع عمري، وما بلغت طريقي وشكا القلب من عذاب وضيق وبعد هذه الصرخة اليائسة تبدأ "قمة" القصيدة فيتركز الشعور في مشهد العاصفة التي يرمز بها الشاعر إلى فترة الشيخوخة في حياة الفنان، وسنكتفي هنا بنسخ الأبيات التي تنوب عنا في الحديث عن نفسها: معبدي، معبدي، دجا الليل إلا رعشة الضوء في السراج الخفوق زأرت حولك العواصف لما قهقة الرعد لالتماع البروق لطمت في الدجى نوافذك الصُم ودقت بكل سيلٍ دفوق يا لتمثالي الجميل احتواه سارب الماء كالشهيد الغريق لم أعد ذلك القوي فأحميه من الويل والبلاء المحيق ليلتي، ليلتي، جنيت من الآثام

стр. 248

حتى حُملت ما لم تطيقي فاطربي واشربي صبابة كأسٍ خمرها سال من صميم عروقي هنا تبلغ المأساة قمتها، فبعد أن شاركنا الشاعر في صنع تمثاله وجُبنا معه العالم لتزيينه، وقفنا معه نشهد تحطمه، في سورة العاصفة الرهيبة، وانجرافه في تيارات الماء الساربة، وتنبعث صرخة "الخالق" المدحور أحدّ وأمرّ من أية صرخة سابقة: لم أعد ذلك القوي فأحميه من الويل والبلاء المحيق ونحس أننا هنا بإزاء القمة نفسها، وقد تجمعت قوى الشعور والحياة لتخلق هذه القمة، فلا بد أن تبدأ القوى بالانخفاض بعدها. ويجيء البيتان التاليان مصداقًا، فالفنان قد استسلم وانهزم وهو يدعو ليلته المخيفة إلى أن تسكر من دمه. وتسرع القوى العاطفية بعد ذلك إلى الانحلال والتشتت، وتبدأ النهاية، وقد أتمها الشاعر في سبعة أبيات بديعة الجمال: مر نور الضحى على آدمي مطرقٍ في اختلاجة المصعوق في يديه حطامة الأمل الذاهب في ميعة الصبا المرموق واجمًا، أطبق الأسى شفتيه غير صوت، عبر الحياة، طليق صاح بالشمس: لا يَرُعك عذابي فاسكبي النار في دمي وأريقي

стр. 249

نارك المشتهاة أندى على القلب وأحنى من الفؤاد الشفيق فخذي الجسم حفنة من رمادٍ وخذي الروح شعلة من حريق جنّ قلبي فما يرى دمه القاني على خنجر القضاء الرقيق إن هذا المشهد يمتلك كل خصائص النهاية الجيدة لهيكل هرمي، فبعد الحركة العنيفة التي دار بنا الشاعر خلالها في رحاب القرون ومجاهل العالم، وبعد مشهد العاصفة الجنونية وهي تزأر وتلطم النوافذ وتتدفق سيولها محطمة مدمرة جارفة، بعد تلك الحركة وهذه الضجة، يهدأ كل شيء فجأة، ويطلع الضحى ... وفي الضوء يبرز المشهد الأليم فترى الشاعر مختلجًا، مصعوقًا، واجمًا، صامتًا، وبين يديه بقايا تمثاله المحطم. وتتلاشى القصيدة شيئًا فشيئًا حتى تخبو في آخر تأوهات الفنان وهو يتوسل إلى الشمس أن تسكب نارها في دمه دونما رأفة ولا شفقة. هذا التلاشي والوجوم والصمت هو عنصر السكون في خاتمة هذه القصيدة الحركية الفذة ذات الهيكل الهرمي المحكم. ولا بد لنا، قبل أن ننتهي من دراسة الهيكل في هذه القصيدة، أن نشير إلى أسلوب لفظي استعمله الشاعر في ربط القصيدة وشدها إلى بعضها داخل إطار، ذلك أن القصيدة تقع في قسمين رئيسيين، ينتهي أولهما بهذا البيت: ضاع عمري وما بلغت طريقي وشكا القلب من عذاب وضيق وما بعده هو القسم الثاني. ولو دققنا النظر لوجدنا أن الشاعر قد

стр. 250

استعمل في القسم الأول لفظتين كررهما في القسم الثاني، وهما "الليل" و"الضحى". وقد كان هذا التكرار نافعًا في المقارنة بين حالتين: ففي القسم الأول كان الليل هو الوقت الذي يلتقي فيه الشاعر بتمثاله، منتصرًا، حاملًا إليه غرائب البر والبحر. وكان الضحى مغلوبًا، فالشاعر-كما يخبرنا- "يقتحم الضحى". أما في القسم الثاني فقد انعكست الحالة انعكاسًا مؤلمًا فما يكاد الليل يهبط حتى تزأر العاصفة وتلطم النوافذ وتحطم التمثال. ونسمع الشاعر المدحور ينادي صارخًا: ليلتي، ليلتي، جنيت من الآثام حتى حملت ما لم تطيقي فاطربي. واشربي صبابة كأس خمرها سال من صميم عروقي أما "الضحى" فهو هذه المرة، يمر على إنسان محطم انقطعت علاقته بذلك "المقتحم" القديم الغلاب بزهوه وشبابه وانتصاره. وهكذا استعان الشاعر بالليل والضحى في خلق هذا التضاد الفني الذي يسر المقارنة وكثف جو القصيدة وأحكم بناءها. وقد جاءت في هذه القصيدة صور أخرى من المقارنة غير المباشرة، فالشاعر في القسم الأول، قد سمى نفسه "خالقًا". أما في القسم الثاني فهو ليس إلا "آدميًّا" وقد ساعد ذلك في تكثيف الجو النفسي لهذه القصيدة الرائع. ج- الهيكل الذهني: رأينا أن هيكل القصيدة ليس إلا الأسلوب الذي يدخل به الشاعر الحركة في قصيدته فعندما كان الهيكل مسطحًا والارتكاز ساكنًا عوض الشاعر

стр. 251

بالعواطف والصور عن هذا السكون وعندما كان الهيكل هرميًّا والارتكاز متحركًا لم يحتج الشاعر إلى أي تعويض. ونحن الآن بإزاء النوع الثالث الذي سنسميه بالإطار الذهني. ونحن نعزله عن النوعين الآخرين لأنه يقدم عنصر الحركة على أسلوب فكري. فبدلًا من أن يستغرق التحرك زمانًا، كما في قصيدة "التمثال" نجد الحركة لا تستغرق أي زمن لأنها حركة في الذهن يقصد بها بناء هيكل فكري لا وصف حدث يستغرق زمانًا. وأكثر ما ينجح هذا الهيكل في القصائد التي تحتوي على فكرة يناقشها الشاعر بالأمثلة المتلاحقة. وهذا نوع من الشعر يكثر في شعر شعراء المهجر جبران ونعيمة وأبي ماضي. ونموذج هذا الهيكل قصيدة العنقاء١ لإيليا أبي ماضي. وقد رمز الشاعر بالعنقاء إلى السعادة -كما يلوح- ومن ثم بقي يسأل عنها ويبحث لعله يعثر عليها. التمسها أولًا في الطبيعة، ثم في القصور، ثم في الزهد، ثم في الأحلام، ولكنه لم يصادفها. وبعد فوات الأوان أدرك أنها كانت معه طوال الوقت وهو لا يدري. وتتجلى الحركة الذهنية في الانتقال من الطبيعة إلى القصور، إلى الزهد، وهكذا. ذلك أن هذه ليست حركة في الزمن، ولا هي حركة في المكان. وإنما قصد الشاعر أن يوازن بين مختلف منابع السعادة موازنة ذهنية فيمر بكل منها ويستعرض الإمكانيات لينتهي إلى أن السعادة إنما تنبع من نفس الإنسان لا من خارجها. وهكذا نرى أن التتابع الزمني ليس مقصودًا هنا، والدليل أننا نستطيع أن نقدم البحث في الأحلام، على البحث في القصور أو الصوامع دون أن تضطرب القصيدة أو يتغير مدلولها العام. وهذا ما لا يمكن أن نصنعه في قصيدة "التمثال" حيث كان الإلحاح على التسلسل الزماني جزءًا ضروريًّا من كيان القصيدة ومدلولها. ولذلك نميز بين الهيكلين هذا التميز التام: فالهيكل

стр. 252

الهرمي يدخل الزمن في كيان القصيدة في حين لا يحتاج الهيكل الذهني إلى أن يحيا في زمان. مثال عليه: ومع ذلك فالهيكل الذهني ليس ساكنًا وإنما هو هيكل حركي، ينتقل فيه الذهن من فكرة إلى فكرة خارج حدود الزمن. لنأخذ مثلًا قصيدة "أنت وأنا"١ لأمجد الطرابلسي وهي نموذج جيد للهيكل الذهني يقول الشاعر: أما رأيت الليلة الحالكه ... تجلو دجاها البرقة الساطعة والطفلة المشرقة الضاحكة ... تحزنها لعبتها الضائعة فإني الليلة يا برقتي وإنني الطفلة يا لعبتي يا فرحتي أنت ويا دمعتي إن تجدي الناسك في ديره ... تهزه نغمة أرغنه والفاجر العربيد في سكره ... ترعشه النظرة من دنه فإنني الناسك يا نغمتي وإنني السكران يا خمرتي يا سقري أنت ويا جنتي

стр. 253

أما رأيتِ الشاعرا السادرا ... يقدس الحسن على سبحته والأهوج المضطرم الفائرا ... تهيج الأجساد من نهمته فإنني الشاعر يا سبحتي وإنني الأهوج يا نهمتي يا جسدي أنت ويا فكرتي إن تجدي المبتهل المؤمنا ... يصبو إلى الحورية الطاهره والماجن المستهتر الأرعنا ... يستعذب السم من العاهره فإنني المبتهل المؤمن وإنني المستهتر الأرعن دليلتي أنت وحوريتي الفكرة الأساسية في هذه القصيدة أن الشاعر يرى في حبيبته الحياة كلها على اختلاف أحاسيسها وتقلب أهوائها. وقد عبر عن هذه الفكرة بأن أدخل حركة ذهنية في القصيدة، فراح ينقل ذهن القارئ بين المظاهر المتعددة للفكرة دون أن يحتاج إلى استعمال الزمن. فقال في المقطوعة الأولى إن إحساسه تجاه هذه الفتاة يتضمن المتعاكسين من العواطف: الفرح والحزن. وفي المقطوعة الثانية تحدث عن عنصر الخير والشر في هذا الحب. وفي المقطوعة الثالثة ركز الفكرة حول الجسد والجمال الفكري. وكانت المقطوعة الأخيرة شبه ختام إذ قال للحبيبة إنها في الوقت نفسه

стр. 254

"دليلته"١ وحوريته فهي تجمع في ذاتها الإيمان والمجون معًا. إن الهيكل هنا غير هرمي، فمن الممكن أن ننقل مقطوعة مكان أخرى دون أن تمس القصيدة، وهذا لأن الحركة كانت ذهنية خارجية، ولم يتدخل فيها الزمن لتكون هناك عقدة ذات سياق تسلسلي يمنع من التقديم والتأخير. والخاتمة في الهيكل الذهني تستدعي شيئًا من البروز والجهورية، فقلما تتلاشى هذه الهياكل في سكون، لخلوها من عنصر الزمن. ولكن جهورية الختام في الهيكل الذهني نوع خاص يختلف عن جهوريته في الهيكل المسطح. فبينما يستطيع الشاعر هناك أن يختم القصيدة بأية عبارة قاطعة حادة قوية المعنى، تجده في الهيكل الذهني يحتاج إلى أن يختمها بحكم عام ينهي المشكلة الفكرية التي أثارها، وذلك بإحداث موازنة بين نقط الحركة الذهنية كلها. وهكذا وجدنا إيليا أبا ماضي، بعد البحث عن عنقائه في الطبيعة والقصور والصوامع والأحلام، يختتم القصيدة بموازنة عامة يخبر فيها القارئ أن السعادة تنبع من نفس الإنسان لا مما حوله. ومن دون هذه الموازنة تبقى قصائد هذا النوع من الهيكل ناقصة بحيث تترك في نفس القارئ إحساسًا بما يسمى في علم النفس بالفعالية الناقصة. ولعل قصيدة أمجد الطرابلسي تفتقد مقطعًا ختاميًّا ينتهي بالقارئ إلى فكرة أعم تخرج القصيدة من صيغتها الغنائية الحالية، فهي تكاد تكون -بمقاطعها كلها- صورة لفكرة واحدة وهي اجتماع المتعارضات كلها في هذه الفتاة التي يحبها الشاعر. وقد يكون الشاعر تعمد التخلص من مأزق الختام بتغييره الصيغة اللفظية التي ختم بها المقاطع الثلاثة السابقة: يا فرحتي أنت ويا دمعتي يا سقري أنت ويا جنتي يا جسدي أنت ويا فكرتي

стр. 255

فقد خرج عنها إلى هذا: دليلتي أنت وحوريتي غير أن هذا، في الواقع، ليس من القوة بحيث يختم قصيدة ذات هيكل ذهني. إلا إذا أردنا أن نعتبرها أغنية حلوة تحاول التعبير عن المعنى الواحد في مقاطع متتالية، وليس لنا أن نطلب الفكرة فيها.

стр. 256

الفصل الثاني: أساليب التكرار في الشعر . على الرغم من أن التكرار كان معروفًا للعرب منذ أيام الجاهلية الأولى، وقد ورد في الشعر العربي بين الحين والحين، إلا أنه في الواقع لم يتخذ شكله الواضح إلا في عصرنا. وقد جاءت على أبناء هذا القرن فترة من الزمن عدوا خلالها التكرار، في بعض صوره، لونًا من ألوان التجديد في الشعر. ومن المؤكد أن الاتجاه نحو هذا الأسلوب التعبيري ما زال في اطراد بحيث يصح أن نرقبه، ونقف منه موقفًا يقظًا. أقول هذا لا لأنني أعده أسلوبًا رديئًا، فهذا بعيد عن رأيي، وإنما لأنه -حين يعد أسلوبًا سهلًا- يستطيع أن يردي شعر أي شاعر إلى هاوية. ذلك أن أسلوب التكرار يحتوي على كل ما يتضمنه أي أسلوب آخر من إمكانيات تعبيرية. إنه في الشعر مثله في لغة الكلام، يستطيع أن يغني المعنى ويرفعه إلى مرتبة الأصالة، ذلك إن استطاع الشاعر أن يسيطر

стр. 257

عليه سيطرة كاملة، ويستخدمه في موضعه، وإلا فليس أيسر من أن يتحول التكرار نفسه بالشعر إلى اللفظية المبتذلة التي يمكن أن يقع فيها أولئك الشعراء الذين ينقصهم الحس اللغوي والموهبة والأصالة. والقاعدة الأولية في التكرار، أن اللفظ المكرر ينبغي أن يكون وثيق الارتباط بالمعنى العام، وإلا كان لفظية متكلفة لا سبيل إلى قبولها. كما أنه لا بد أن يخضع لكل ما يخضع له الشعر عمومًا من قواعد ذوقية وجمالية وبيانية. فليس من المقبول مثلًا، أن يكرر الشاعر لفظًا ضعيف الارتباط بما حوله، أو لفظًا ينفر منه السمع، إلا إذا كان الغرض من ذاك "دراميًّا" يتعلق بهيكل القصيدة العام. وستوضح نماذج الشعر التي اخترتها ما أقصد بهذا. كما أن البحث لن يخلو من نماذج للتكرار الرديء الذي يصدم الحس الجمالي ويخرج عن الغرض الذي ينبغي أن يقصد إليه أي تكرار. ولعل أبسط ألوان التكرار، تكرار كلمة واحدة في أول كل بيت من مجموعة أبيات متتالية في قصيدة، وهو لون شائع في شعرنا المعاصر، يتكئ إليه أحيانًا صغار الشعراء في محاولتهم تهيئة الجو الموسيقي لقصائدهم الرديئة، حتى كثرت القصائد التي يبدأ كل بيت فيها بألفاظ مثل "أنت" و"تعالي" و"هنا" ونحوها. ولا ترتفع نماذج هذا اللون من التكرار إلى مرتبة الأصالة والجمال إلا على يدي شاعر موهوب يدرك أن المعول في مثله، لا على التكرار نفسه، وإنما على ما بعد الكلمة المكررة، فإن كان مبتذلًا، رديئًا، سقطت القصيدة، وإلا فهي في مستوى قصيدة الهمشري "إلى جتا الفاتنة" وهذا نموذج منها: أنت كوخٌ معشوشبٌ في رباةٍ ... مُقمر الصمتِ، سرمدي الخيالِ

стр. 258

نَعِست روحي الكليلة نشوى ... فيه، ترعى فجري هذا الجمال أنت صمتٌ مخيم ففضاءُ ... فظلام مكوكبٌ فنهارُ فهمودٌ تدب فيه حياةٌ ... ويغني في فجرها النوبهارُ أنتِ كل الحياة، أنت كياني ... أنتِ روحي أبصرتُها في سباتي أنتِ وحيي مجسدًا، أنت لحني ... يا سماء على سماء حياتي١ والملاحظ أن كثيرًا مما كتب المعاصرون من هذا اللون رديء تغلب عليه اللفظية، وعلة هذه الرداءة أن طائفة من الشعراء تضيق بهم سبل التعبير فيلجئون إلى التكرار، التماسًا لموسيقى يحسبون أنه يضفيها أو تشبهًا بشاعر كبير، أو ملئًا لفراغ. ومن النماذج المبتكرة تكرار كلمة "نسيت" في قصيدة "نهر النسيان" لمحمود حسن إسماعيل، فهذا تكرار يتعلق تعلقًا مباشرًا ببناء القصيدة العام، وهو أحد الأسباب التي تجعلنا نعده تكرارًا ناجحًا غير لفظي، كما نعد القصيدة نفسها واحدة من أجمل ما نظم شعراؤنا المعاصرون. ولعل من المناسب أن أقتطف نموذجًا من القصيدة ليلاحظ القارئ العناية الكبيرة التي صبَّها الشاعر على ما يلي لفظة "نسيت" في كل بيت، وهو سر جمال التكرار ونجاحه:

стр. 259

من "نهر النسيان"١: ونسيت الأنسام تنقل في المرج صلاة الطيور للغدران ونسيت النجوم وهي على الأفق نشيد مبعثر الأوزان ونسيت الربيع وهو نديم الشعر والطير والهوى والأماني ونسيت الخريف وهو صبا مات فسجته شيبة الأغصان ونسيت الظلام وهو أسى الأرض وتابوت شجوها الحيران ونسيت الأكواخ وهي قلوب داميات تلفعت بالدخان ونسيت القصور وهي قبور ضاحكات البلى من البهتان هذا نموذج يتوافر فيه الشرطان، فاللفظ المكرر متين الارتباط بالسياق: وما بعده قد لقي عناية الشاعر الكاملة. يلي تكرار الكلمة تكرار العبارة، وهو أقل في شعرنا المعاصر، وتكثر نماذجه في الشعر الجاهلي ومنه في شعر المهلهل: ذَهَبَ الصُلحُ أَو تَرُدّوا كُلَيبًا ... أَو تَحُلّوا عَلى الحُكومَةِ حَلا ذَهَبَ الصُلحُ أَو تَرُدّوا كُلَيبًا ... أَو أُذيقَ الغَداةَ شَيبانَ ثُكلا ذَهَبَ الصُلحُ أَو تَرُدّوا كُلَيبًا ... أَو تَنالَ العُداةُ هَونًا وَذُلّا وقد كرر المهلهل عبارة "على أن ليس عدلًا من كليب" في قصيدة أخرى أكثر من عشرين مرة على رواية أبي هلال العسكري. وأشهر من هذا تكراره لعبارة "قربا مربط المشهر مني" ويقصد بالمشهر فرسه

стр. 260

وهو يستدعيه بذلك إيذانًا بعزمه عل الحرب، وردًّا منه على قصيدة الحارث بن عباد التي استدعى فيها فرسه "النعامة" مكررًا عبارة: قربا مربط النعامة مني ولا يخفى أن للتكرار في هذه المواضع كلها علاقة كبيرة بظروف الشاعر النفسية، وطبيعة حياته البدوية. ولا شك في أنه كان يلاحظ أن التكرار يثير الحماسة في صدور المحيطين به ويستفزهم للقتال. ومن ثم استعمله. وأحد النماذج المألوفة لهذا التكرار في عصرنا، تكرار بيت كامل من الشعر، في ختام المقطوعة، وقصيدة ميخائيل نعيمة "الطمأنينة" مثال ناجح له: سقف بيتي حديد ... ركن بيتي حجر فاعصفي يا رياح ... وانتحب يا شجر واسبحي يا غيوم ... واهطلي بالمطر واقصفي يا رعود ... لست أخشى خطر سقف بيتي حديد ... ركن بيتي حجر من سراجي الضئيل ... أستمد البصر كلما الليل جاء ... والظلام انتشر وإذا الفجر مات ... والنهار انتحر فاختفي يا نجوم ... وانطفئ يا قمر من سراجي الضئيل ... أستمد البصر١

стр. 261

ولنلاحظ أن هذا اللون من التكرار لا ينجح في القصائد التي تقدم فكرة عامة لا يمكن تقطيعها؛ لأن البيت المكرر يقوم بما يشبه عمل النقطة في ختام عبارة تم معناها، ومن ثم فإنه يوقف التسلسل وقفة قصيرة ويهيئ لمقطع جديد. وقد رأينا أن قصيدة ميخائيل نعيمة تقدم نماذج فرعية لمعنى الطمأنينة العام، وقد وقفت كل مقطوعة نفسها على نموذج فرعي واحد انتهت عنده، وهذا هو سر نجاح التكرار في القصيدة. ويفشل هذا التكرار في القصائد التي تتسلسل معانيها تسلسلًا لا داعي فيه للتقطيع. ومن نماذجه قصيدة عنوانها "سجين" لبدر شاكر السياب، يبدو التكرار في ختام كل مقطع منها صادمًا يعوق التسلسل، ويوقفه دون داعٍ، وهذان مقطعان منها: ذراعا أبي تُلقيان الظلال ... على روحي المستهام الغريب ذراعا أبي والسراج الحزين ... يطاردني في ارتعاش رتيب وحفت بي الأوجه الجائعات ... حيارى فيا للجدار الرهيب ذراعا أبي تُلقيان الظلال ... على روحي المستهام الغريب وطال انتظاري.... كأن الزمان ... تلاشى فلم يبق إلا انتظار! وعيناي ملء الشمال البعيد ... فيا ليتني أستطيع الفرار وأنت التقاء الثرى بالسماء ... على الآل في نائيات القفار وطال انتظاري كأن الزمان ... تلاشى فلم يبق إلا انتظار١ التكرار هنا يبدو تلوينًا مجردًا ليس له داعٍ، وهو يوقف الانسياب الشعوري للقصيدة التي تملك كسائر قصائد هذا الشاعر وحدة محببة يؤسفنا أن تتعثر لاهثة في ختام كل مقطع. قد كان موضع التكرار هنا -رغم

стр. 262

تسلسل القصيدة وطبيعتها التي لا تقبل التقطيع- يمكن أن يتحسن لو عني الشاعر بأن يجعل البيت الثالث في المقطوعة يفضي بمعناه إلى البيت الرابع المكرر، كما في مقطوعات ميخائيل نعيمة، فإذ ذاك يمتلك التكرار سببًا واحدًا يبرر وجوده في قصيدة لا تحتاج إليه إطلاقًا. ومن هذا اللون من التكرار، ما يكرر الشاعر فيه كلمة أو عبارة معينة في ختام مقطوعات القصيدة جميعًا، وهو لون شائع مثاله تكرار إيليا أبي ماضي لعبارة "لست أدري" في قصيدة الطلاسم المشهورة، وتكرار علي محمود طه لعبارة "اسقنا من خمرة الرين اسقنا" في قصيدة "خمرة نهر الرين" وشرط هذا النوع من التكرار أن يوحد القصيدة في اتجاه يقصده الشاعر، وإلا كان زيادة لا غرض لها. ثم ننتقل إلى تكرار المقطع كاملًا، وهو تكرار يخضع لشروط تكرار البيت عينها، أعني إيقاف المعنى لبدء معنًى جديد. ومن أمثلته قصيدة "الصباح الجديد" لأبي القاسم الشابي وقد كرر المقطع التالي أكثر من مرة. اسكتي يا رياح ... واسكني يا شجون مات عهد النواح ... وزمان الجنون وأطل الصباح ... من وراء القرون١ ومع أن هذا التكرار لم يضر بالقصيدة، إلا أنه لم يفدها كثيرًا.

стр. 263

وربما كان أجمل لو حذفه الشاعر، فالقصيدة، من دونه، لا تخسر شيئًا. ويلاحظ أن التكرار المقطعي يحتاج إلى وعي كبير من الشاعر، بطبيعة كونه تكرارًا طويلًا يمتد إلى مقطع كامل. وأضمن سبيل إلى نجاحه أن يعمد الشاعر إدخال تغيير طفيف على المقطع المكرر، والتفسير السايكولوجي لجمال هذا التغيير، أن القارئ وقد مر به هذا المقطع، يتذكره حين يعود إليه مكررًا في مكان آخر من القصيدة، وهو بطبيعة الحال، يتوقع توقعًا غير واعٍ أن يجده كما مر به تمامًا. ولذلك يحس برعشة من السرور حين يلاحظ فجأة أن الطريق قد اختلف، وأن الشاعر يقدم له، في حدود ما سبق أن قرأه، لونًا جديدًا. ولا أجد في ما بين يدي من الدواوين نموذجًا لهذا التكرار باستثناء قصيدتي "الجرح الغاضب" التي نشرت في مجموعتي "شظايا ورماد" فإن المقطع الأخير من هذه القصيدة تكرار لمقطع سابق. ويهمني أن أشير إلى أن التكرار في قصيدة "الجرح الغاضب" على الرغم من ألوانه المختلفة عن ألوان المقطع الأصلي، لا يدخل على هيكل القصيدة المعنوي تغييرًا، وإنما يؤكده لا أكثر فهو تكرار بياني "كما سنشرح في البحث التالي". والخطوة التالية التي يمكن أن يخطوها الشاعر في هذا التكرار المقطعي، أن يقيم هيكل المعنى في القصيدة على التلوين الذي يدخله. بالصورة التي بينتها على المقطع الأصلي الذي يكرره، والنموذج الذي أحبه وأريد تقديمه للقارئ قصيدة بديعة لأمجد الطرابلسي قرأتها في مجلة "الرسالة" منذ سنين وعنوانها "احترق.. احترق" أنقلها هنا كاملة:

стр. 264

لا تقف يا قطار ... لا تهن يا خفق نخلات الديار ... من وراء البحار لمعت في الأفق ويك لا تحترق قد بلغنا الفناء ... بعد كد المسير ليس دون اللقاء ... بعد هذا المساء غير بعض العصور وبحار تمور سر بنا سر بنا ... في الدجى يا أمل الهوى ناينا ... والمدى غاينا يا هنا من وصل بعد فوت الأجل قف بنا يا قطار ... واسترح يا خفق بيننا والديار ... غمرات البحار وظلام الأفق احترق.. احترق.. ألا يتعلق التكرار هنا تعلقًا قويًّا ببناء القصيدة العامة بحيث يستحيل حذفه دون أن تنهار القصيدة؟ ذلك أن القصيدة -وهي غامضة، صوفية الإحساس، عني الشاعر فيها برسم الجو، أكثر مما عني بتقديم المعنى مفروزًا، مرتبطًا، متسلسلًا- تبدأ بالأمل في العودة إلى الديار، ذلك الأمل الذي يغذيه لمعان نخيل الديار من وراء البحار، ثم يتذكر الشاعر الزمن والموت وطبيعة الأمل الزئبقية، ويتسع في ذهنه مدلول الديار فيتحول إلى ما هو أعمق من الأرض وأبعد، وإذ ذاك يرسل صرخته الأخيرة:

стр. 265

"قف بنا يا قطار". وبالتلوين اللفظي الذي أدخله الشاعر في المقطع المكرر تغير اتجاه المعنى في القصيدة كليًّا، فاستحالت "لا تحترق" التي جاءت في أول القصيدة إلى "احترق، احترق" التي ختمتها. وكانت هذه مقارنة صامتة بين حس الأمل في المقطع الأصلي، وحس اليأس في المقطع المكرر. وقد كان الشاعر فنانًا وهو يختار "احترق، احترق" عنوانًا؛ لأنها، كما رأينا، ملخص الصراع كله، وإليه ترتكز القصيدة. وتجرني هذه القصيدة التي اختتمها الشاعر بالتكرار إلى الوقوف لحظة عند قضية اختتام القصائد بتكرار مقاطع سابقة منها، وهو أسلوب غير نادر في شعرنا اليوم. في الواقع أن كثيرًا من هذه الخواتيم تجيء غاية في الرداءة، والسبب أن بعض الشعراء الضعفاء يلجئون إلى التكرار تهربًا من اختتام القصيدة اختتامًا طبيعيًّا، ومن طبيعة التكرار أنه يوحي بانتهاء القصيدة وبذلك يستطيع أن يخدع القارئ العادي. على أن العيب الفني لا يفوت على قارئ متذوق يتحسس جمال التكرار ويدرك سر البلاغة فيه. وسأختار لهذا التكرار المضلل نموذجًا لشاعر نؤمن بشاعريته -فلا خير في أمثلة نقتطفها من شعراء لا قيمة لهم- قصيدة "الكوخ" من ديواني "أغاني الكوخ" الصادر سنة ١٩٣٤ لمحمود حسن إسماعيل، وهي قصيدة طويلة ضغطت فيها القافية الموحدة على الشاعر حتى أبرمته، وجعلته يتهرب من الخاتمة فأجهز على القصيدة بتكرار المطلع الذي كان، لسوء الحظ، مطلعًا رديئًا١:

стр. 266

بعثر عليه الدمع ما صفقت ... في قلبك الألحان يا شاعر واحرق له الأجفان ما مسها ... برح الأسى والحزن يا ساهر بقي من أنواع التكرار نوع دقيق يكثر استعماله في شعرنا الحديث، وهو تكرار الحرف، وأمثلته كثيرة منها هذان البيتان العذبان من قصيدة مشهورة لأبي القاسم الشابي١: عذبة أنتِ كالطفولة، كالأحلام، كاللحن، كالصباح الجديد كالسماء الضحوك، كالليلة القمراء، كالورد، كابتسام الوليد. فالشاعر يكرر الكاف هنا ويؤثرها على واو العطف لأنها تجدد التشبيه وتقويه محتفظة له بيقظة القارئ كاملة، ولا شك في أن المعنى يفقد كثيرًا لو كان الشاعر قال: "عذبة أنت كالطفولة والأحلام واللحن".. وهذا نموذج ثانٍ من قصيدة رائعة الجمال لبدر شاكر السياب عنوانها "أهواء": وهيهات أن الهوى لن يموت ... ولكن بعض الهوى يأفل كما تأفل الأنجم الخافقات ... كما يغرب الناظر المسبل

стр. 267

كما تستجم البحار الفساح ... مليًّا، كما يرقد الجدول كنوم اللظى، كانطواء الجناح ... كما يصمت الناي والشمأل١ ويلاحظ أن التكرار هنا لو حذف لفقدت الصور الفرعية كثيرًا من جمالها. غير أن للتكرار، كل تكرار، فائدة إيجابية تذهب إلى أبعد من مجرد التحلية. وسوف نتناول ذلك في الفصل التالي:

стр. 268

الفصل الثالث: دلالة التكرار في الشعر مدخل ... الفصل الثالث: دلالة التكرار في الشعر. لا شك في أن التكرار، بالصفة الواسعة التي يملكها اليوم في شعرنا، موضوع لم تتناوله كتب البلاغة القديمة التي ما زلنا نستند إليها في تثمين أساليب اللغة. فقصارى ما نجد حوله أن أبا هلال العسكري يتحدث عنه حديثًا عابرًا في كتاب "الصناعتين" وكذلك يصنع ابن رشيق في "العمدة". أما كتاب البديعيات الذكية فقد اعتبروه فرعًا ثانويًّا من فروع البديع لا يقفون عنده إلا لمامًا. ولم يصدر هذا عن إهمال مقصود وإنما أملته الظروف الأدبية للعصر، فقد كان أسلوب التكرار ثانويًّا في اللغة إذ ذاك فلم تقم حاجة إلى التوسع في تقويم عناصره وتفصيل دلالته. وقد جاءتنا الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بتطور ملحوظ في أساليب التعبير الشعري، وكان التكرار أحد هذه الأساليب، فبرز بروزًا يلفت النظر، وراح شعرنا المعاصر يتكئ إليه اتكاء يبلغ أحيانًا حدودًا متطرفة لا تنم عن اتزان. وهذا النمو المفاجئ يقتضي ولا شك نموًّا مماثلًا في بلاغتنا التي لم تعد تساير التطور الجديد في أساليبنا التعبيرية، حتى

стр. 269

كادت تصبح تاريخًا فقهيًّا للغة في بعض العصور الأخرى، بدلًا من أن تبقى علمًا متطورًا يخدم اللغة ويعكس أحوالها ويسجل مراحل نموها. والواقع أن بلاغة أية لغة ينبغي أن تبقى علمًا مطاطًا قابلًا للنمو معها وإلا بعدت الشقة بينهما وانحط شأن البلاغة. والذي نحاوله في هذا الفصل أن نتناول موضوع التكرار بنوع من الدراسة البلاغية نستند فيها إلى الشعر المعاصر رغبة في الوصول إلى القوانين الأولية التي يمكن تبريرها من وجهة نظر النقد الأدبي وعلم البلاغة معًا، وذلك دون أن نغفل قواعد اللغة القديمة وما تجنح إليه من تحفظ يرمي إلى الاحتفاظ بجوهر اللغة الصافي. إن أبسط قاعدة نستطيع أن نصوغها بالاستقراء ونستفيد منها هي أن التكرار، في حقيقته، إلحاح على جهة هامة في العبارة يعني بها الشاعر أكثر من عنايته بسواها. وهذا هو القانون الأول البسيط الذي نلمسه كامنا في كل تكرار يخطر على البال. فالتكرار يسلط الضوء على نقطة حساسة في العبارة ويكشف عن اهتمام المتكلم بها، وهو، بهذا المعنى، ذو دلالة نفسية قيمة تفيد الناقد الأدبي الذي يدرس الأثر ويحلل نفسية كاتبه. وعلى هذا فعندما يقول بشارة الخوري في افتتاحية قصيدة جميلة: الهوى والشباب والأمل المنشو ... د توحي فتبعث الشعر حيًّا والهوى والشباب والأمل المنشو ... د ضاعت جميعها من يديا عندما يقول هذا، فإنه يعبر بالتكرار عن حسرته على ضياع "الهوى والشباب والأمل المنشود" ولذلك يكررها. فالتكرار يضع في أيدينا مفتاحًا للفكرة المتسلطة على الشاعر، وهو بذلك أحد الأضواء اللاشعورية

стр. 270

التي يسلطها الشعر على أعماق الشاعر فيضيئها بحيث نطلع عليها. أو لنقل إنه جزء من الهندسة العاطفية للعبارة يحاول الشاعر فيه أن ينظم كلماته بحيث يقيم أساسًا عاطفيًّا من نوع ما. إن هذا القانون الأولي النافذ في كل تكرار يستطيع أن يدلنا على وجه الاختلال في بعض التكرارات غير الموفقة التي نجدها في الشعر المعاصر، ومثالها هذه الأبيات من قصيدة للشاعر عبد الوهاب البياتي: وخيولنا الخشبية العرجاء كنا في الجدار بالفحم نرسمها ونرسم حولها حقلًا ودار حقلًا ودار١ إن وجه الاعتراض هنا هو أن "حقلًا ودار" هذه لا تستدعي أية عناية خاصة من الشاعر بحيث يحتاج إلى أن يكررها. فماذا من الغرابة في أن يرسم هؤلاء الأطفال "حقلًا ودار" حول "خيول خشبية عرجاء"؟ إن الخيول تعادل في أهميتها "حقلًا ودار" هذه بحيث لا يعود التكرار مقبولًا. والحق أن القارئ يحس مرغمًا بأن هذا الطفل المتكلم بليد قليلًا بحيث يندهش مما لا يدهش، وهو معنى لا شك في أن الشاعر لم يقصد تصويره في شخصية الطفل، وإنما ساق إليه التكرار غير الموفق. وهكذا نجد السياق في الأبيات لا يستدعي التكرار إلا إذا كان الشاعر يقصد أن يثير به نوعًا من الصدى اللفظي لا أكثر. وثاني قاعدة نستخلصها هي أن التكرار يخضع للقوانين الخفية التي تتحكم في العبارة، وأحدها قانون التوازن. ففي كل عبارة طبيعية نوع من التوازن الدقيق الخفي الذي ينبغي أن يحافظ عليه الشاعر في الحالات كلها، إن للعبارة الموزونة كيانًا ومركز ثقل وأطرافًا، وهي تخضع لنوع من

стр. 271

الهندسة اللفظية الدقيقة التي لا بد للشاعر أن يعيها وهو يدخل التكرار على بعض مناطقها. إن في وسع التكرار غير الفطن أن يهدم التوازن الهندسي ويميل بالعبارة كما تميل حصاة دخيلة بكفة ميزان. ومن ثم فإن القاعدة الثانية للتكرار تحتاج إلى أن تستند إلى وجهة النظر الهندسية هذه، فتقرر أن التكرار يجب أن يجيء من العبارة في موضع لا يثقلها ولا يميل بوزنها إلى جهة ما. يقول بدر شاكر السياب في قصيدة له: في دروب أطفأ الماضي مداها وطواها فاتبعيني اتبعيني١ إن التوازن حاصل في هذه العبارة الشعرية، وقد قام على تكرار كلمة "اتبعيني". ذلك أننا هنا بإزاء طرفين متوازنين: "الماضي" الذي يذكره الشاعر ويفزع من انطفائه وتلاشيه: و"المستقبل" الذي يحاول تثبيته ودعمه عندما ينادي حبيبته "اتبعيني". إنه يحس بانطفاء الدروب الضائعة في الأمس فيحاول أن يملك ثباتًا في المستقبل على أساس الحب الإنساني، وبهذا يتم التوازن العاطفي للعبارة. وقد رتب الكلمات بحيث تلائمه هندسيًّا، وذلك بأن أعطى الماضي فعلين قويين هما "أطفأ" و"طوى" فكان لا بد له أن يعطي المستقبل أيضًا فعلين لكي يوحي بقوته إزاء هذا الماضي، ولذلك كرر كلمة "اتبعيني". ولننظر الآن في نماذج لعبارات شعرية مال بها التكرار وأخل بتوازنها وهدم هندستها: بيت لنزار قباني: ماذا تصير الأرض لو لم تكن لو لم تكن عيناك ماذا تصير٢؟

стр. 272

وبيتان من شعر عبد الوهاب البياتي: بالأمس كنا - آه من كنا ومن أمسٍ يكون - نعدو وراء ظلالنا - ... كنا ومن أمسٍ يكون -١ وبيت لأحمد عبد المعطي حجازي: وتضيء في ليل القرى ... ليل القرى كلماتنا٢ إن هذه التكرارات كلها مختلة، تثقل العبارة ولا تعطيها شيئًا، فلو حذفناها لأحسنَّا إلى السياق وأنقذناه من الاختلال. ذلك أن العبارات هنا لا تستدعي تكرارًا، وإنما رأى الشاعر أن يكرر أي لفظ كان واختاره من وسط العبارة وبتره عن سياقه. والواقع أن أبسط مقومات التكرار أن تكون العبارة المكررة مستقلة بمعناها عما حولها بحيث يصح انتزاعها من سياقها وتكرارها. وهذا ما لا نجده في أي من هذه الأبيات. إن نزار يكرر "لو لم تكن" وبذلك تفصل العبارة المكررة بين "كان" واسمها، أو لنقل إنه يكرر عبارة ليس فيها لكان اسم ثم يأتي بالاسم بعد التكرار. والبياتي يذهب أبعد فيكرر نصف عبارة لا معنى لها فلا ندري ما المعنى المقصود بالتكرار. ويصنع عبد المعطي ما يشبه هذا إذ يعزل المجرور ويكرره ولو كان كرر الجار والمجرور معًا "في ليل القرى" لكان الأمر أهون، وإن كان ذلك لا ينقذ العبارة من الاختلال. إن تكرار جزء من عبارة لا تحتم تكراره ضرورة نفسية يقتضيها المعنى لا بد أن يميل بالعبارة، وهذا يعود بنا إلى الهندستين العاطفية واللفظية للعبارة. هذان القانونان القائمان على الأساس العاطفي والهندسي للعبارة هما الشرطان

стр. 273

الرئيسيان في كل تكرار مقبول، فإذا توافرا صح أن نبدأ فنبحث في الدلالات المختلفة التي يقدمها التكرار فيغني بها المعنى ويمنحه امتدادات من الظلال والألوان والإيحاءات. وأما من جهة الدلالة فإن شعرنا المعاصر يقدم لنا ثلاثة أصناف من التكرار تخضع كلها للقانونين السالفين: التكرار البياني وتكرار التقسيم والتكرار اللاشعوري. وقد اخترت أن أضع لها هذه الأسماء للتمييز بينها دون أن أقصد أن تكون هذه الأسماء نهائية. إن البحث كله ليس إلا محاولة لاستقراء أساس بلاغي لبعض أساليب الشعر المعاصر نستفيد منها في النقد والتدريس. وأنا أدرك، قبل أي أحد آخر، مدى احتمال الخطإ في الحكم وفساد الاستدلال، غير أن صعوبة المجال لا ينبغي أن توهن عزيمة الناقد، فرب محاولة غير واثقة من نفسها يقوم بها ناقد ما تشق طريقًا لنجاح أكبر قد يتاح لناقد آخر.

стр. 274

التكرار البياني: هذا الصنف من التكرار أبسط الأصناف جميعًا وهو الأصل في كل تكرار تقريبًا، وإليه قصد القدماء بمطلق لفظ "التكرار" الذي استعملوه. وقد مثل له البديعيون بتكرار ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن. والغرض العام من هذا الصنف هو التأكيد على الكلمة المكررة أو العبارة. فالشاعر مالك بن الريب، وهو يحتضر في مدينة مرو، على مبعدة من أهله في "الغضى" يحس بالحنين إلى دياره وذويه فيكرر لفظ "الغضى" في شبه حمى حتى يبلغ ما كرره خمس مرات في بيتين:

стр. 275

فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه ... وليت الغضى ماشى الركابَ لياليا لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى ... مزارٌ، ولكن الغضى ليس دانيا إن إلحاح هذا الشاعر على كلمة "الغضى" يدل على حرقة الحنين التي تعصف بقلبه ساعة الموت. ومثله العذوبة التي يلوح أن ابن الفارض يحسها وهو في نجواه الصوفية المختلجة بالعواطف حين ينادي: يا أهل ودي أنتم أملي، ومن ناداكمو، يا أهل ودي، قد كُفي١ إن هذين النموذجين، كسواهما من نماذج الشعر القديم، يعرضان في التكرار أسلوبًا "جهوريًّا" يماشي الحياة العربية القديمة التي كان الشاعر فيها يعتمد على الإلقاء أكثر مما يعتمد على الحروف المكتوبة، والتكرار يقرع الأسماء بالكلمة المثيرة ويؤدي الغرض الشعري. ومن ثم فلا بد لنا من ملاحظة الفرق بين هذه الجهورية وتلك الرهافة والهمس في تكراراتنا الحديثة التي يؤدي بها الشاعر معاني أكثر اتصالًا بخلجات النفس والحواس. لنأخذ مثلًا هذه الأبيات لبدر شاكر السياب: ........... وكان عام بعد عام يمضي، ووجه بعد وجه، مثلما غاب الشراع بعد الشراع ... ٢

стр. 276

فأية حركة ملموسة في هذا التكرار الذي يضع أمامنا شريطًا يتحرك ببطء وتتعاقب في الأعوام كما تتلاشى أشرعة السفن. وهذا بيت آخر لبدر شاكر السياب يعبر عن حركة مماثلة تزخر بها الكلمات إلى درجة أخاذة: ودم يغمغم وهو يقطر ثم يقطر "مات مات"١: وليس في إمكان قارئ هذا البيت إلا أن يقف معجبًا بهذا التوازن الهندسي بين "يقطر ثم يقطر" و"مات مات" فكأن كل قطرة من الدم تغمغم "مات مات". والواقع أن الفعل "غمغم" نفسه يحتوي في داخله على تكرار لحرفي الغين والميم. وذلك لا ريب جزء غير واعٍ من البناء الهندسي المحكم للبيت. إنه مثال جيد لتكرار ناجح، فلو حذفنا منه التكرار لأسأنا إلى البيت وقضينا على هذه التعبيرية العالية فيه. هذا إذن هو التكرار الذي يصور "حركة". ومن معاني التكرار البياني: "التردد" ومن أطرف نماذجه بيت لنزار قباني من قصيدة "الفراء الأبيض" يخاطب به قطة: يا ... يا مزاحمة الذئاب ... أرى في ناظريك طلائع الغزو٢ إن تكرار حرف النداء "يا" هنا يكاد يكون نكتة لطيفة تعمدها الشاعر فكأنه يريد أن يكون خطابه للقطة مهذبًا مجاملًا، ولذلك يترفق بها قبل أن يناديها "يا مزاحمة الذئاب" فيبدأ بحرف النداء ثم يتردد لحظة متهيبًا، مستجمعًا شجاعته. وهذا نموذج ثانٍ لهذا الصنف:

стр. 277

صدى هامسًا في الدجى أننا ... أننا جبناء١ ونموذج ثالث: وسدى حاولت أن تؤوب ... معنا فهي ... فهي رفات٢ وشرط هذا الصنف أن تحتوي الكلمة التي يتردد عندها الشاعر على ما يبرر تحرجه من التلفظ بها، فمن دون الصدمة التي تأتي بها "مزاحمة الذئاب" و"جبناء" و"رفات" يصبح التكرار عقيمًا مفتعلًا. وقد وقع في هذا الافتعال نزار قباني نفسه في قصيدة حديثة له: لعلك يا.. يا صديقي القديم تركت بإحدى الزوايا....٣ فإن تكرار "يا" هنا خالٍ من الغرض لأنه ليس من داعٍ قط يجعل هذه الفتاة تتحرج من أن تنادي المخاطب بأنه "صديقها القديم" فهي لا تهينه بالنداء، ولا تبوح بأكثر مما باحت به في القصيدة المكشوفة. فما الداعي إلى تلكؤها؟ والواقع أن من السهل جدًّا أن يقع الشاعر في تكرار لا داعي له سدًّا لثغرة في الوزن، وهو أمر نجد له عشرات الأمثلة المحزنة في شعرنا اليوم، خاصة في الشعر الحر الذي أردنا يوم دعونا له أن نحرر الشاعر من "الرقع" و"العكاكيز" فإذا الحرية الجديدة تزيده التجاء إليها. والشاهد التالي من شعر عبد الوهاب البياتي معروف للمتتبعين: أبواي ماتا في طريقهما إلى قبر الحسين عليه -ماتا في طريقهما- السلام٤

стр. 278

والحق أن البياتي لا يسامح على هذا. فإنه ذو شاعرية غنية لا تبيح له التهاون. ولعل مبالغته في استعمال التكرار في بعض قصائده توقعه في مزالق هو في غنًى عنها. ومثل هذا يقع لكثير من الشعراء الجدد الذين لا يدركون أن التكرار، ككل أسلوب شعري، يجب أن يرد في مكانه من البيت حيث يستدعيه السياق النفسي والجمالي والهندسي معًا وإلا أضر بالقصيدة.

стр. 279

تكرار التقسيم: وأما تكرار التقسيم فنعني به تكرار كلمة أو عبارة في ختام كل مقطوعة من القصيدة. ومن النماذج المشهورة له قصيدة "الطلاسم" لإيليا أبي ماضي وقصيدة "المواكب" لجبران، و"أغنية الجندول" لعلي محمود طه، و"النهر الخالد" لمحمود حسن إسماعيل. والغرض الأساسي من هذا الصنف من التكرار إجمالًا أن يقوم بعمل النقطة في ختام المقطوعة ويوحد القصيدة في إتجاه معين. وإنما تنصب عناية الشاعر هنا على ما قبل الكلمات المكررة لأن التكرار لم يعد هو المهم في القصيدة بطبيعة كونه يتكرر كثيرًا، وكأن التكرار يفقده "بيانيته" إذا صح التعبير. ومن هذا الصنف نوع يرد فيه التكرار في أول كل مقطوعة ومنه قصيدة عبد الوهاب البياتي "غيوم الربيع"١ وقصيدتي "أنا"٢ والتكرار هنا يؤدي وظيفة افتتاح المقطوعة ويدق الجرس مؤذنًا بتفريغ جديد للمعنى الأساسي الذي تقوم عليه القصيدة. وأكثر ما تنجح هذه القصائد في الموضوعات التي تقدم فكرة أساسية.

стр. 280

يمكن تقسيمها إلى فقرات يتناول كل منها حلقة صغيرة جديدة في المعنى. فالتكرار يساعد الشاعر على إقامة وحدات صغيرة في داخل الإطار الكبير. وأما القصائد التي تقدم فكرة موحدة متسلسلة تبلغ قمة ثم تنحل وتتلاشى فهي تخسر كثيرًا باستعمال تكرار التقسيم، وذلك لأن طبيعة هذا التكرار تتعارض مع الوحدة العامة للقصيدة حتى يكاد كل تكرار يصبح وقفة صارمة لا يستطيع الشاعر تجاوزها. وقد سبق لنا أن وقفنا عند قصيدة بدر شاكر السياب "سجين" التي فشل فيها التكرار فشلًا ذريعًا بسبب لجوئه إلى تكرار التقسيم دونما غرض فني، ودونما مراعاة للوقفات الصارمة التي أحدثها هذا التكرار في المقطوعات في قصيدة كان ينبغي أن تتسلسل وتمتلك ذرة شعورية تصلها دونما تقطيع مفتعل. ومن الوسائل التي تساعد على تكرار التقسيم وتنقذه من الرتابة أن يدخل الشاعر تغييرًا طفيفًا على العبارة المكررة في كل مرة يستعمل فيها وبذلك يعطي القارئ هزة ومفاجأة. ونموذج هذا قصيدة محمود حسن إسماعيل "خمر الزوال"١ وهي تبدأ هكذا: لا تتركيني في ضلال ... بين الحقيقة والخيال إني شربت على يديك ... مع الهوى خمر الزوال ويرد التكرار في ختام المقطوعة الأولى على النحو التالي: لا تتركيني زلة في الأرض تائهة المتاب إني شربت على يديك مع الهوى خمر العذاب ومما تجدر الشاعر ملاحظته أن التكرار يجنح بطبيعته إلى أن يفقد الألفاظ أصالتها وجدتها ويبهت لونها ويضفي عليها رتابة مملة، ومن ثم فإن العبارة المكررة ينبغي أن تكون من قوة التعبير وجماله ومن الرسوخ والارتباط

стр. 281

بما حولها بحيث تصمد أمام هذه الرتابة. والحق أن التكرار عدو البيت الرديء فهو يفضح ضعفه ويشير إليه صائحًا. وهذه الخاصية المعرقلة "بكسر القاف" في التكرار تصبح أوضح في تكرار التقسيم الذي يختلف عن سائر الأصناف في أنه يتكرر كثيرًا وقد يصبح أشبه بدقات ساعة رتيبة مملة إذا لم ينتبه الشاعر. وخير مثال لهذا التكرار الهزيل الذي ارتكزت إليه القصيدة الخلابة "النارنجة الذابلة" لمحمد الهمشري وقد جرى هكذا: كانت لنا يا ليتها دامت لنا أو دام يهتف فوقها الزرزور١ فبالمقارنة مع المقطوعات الجميلة التي غصت بها هذه القصيدة الموهوبة نجد البيت المكرر متنافر الحروف رديء السبك بحيث يسيء إلى القصيدة كلها. ومن المزالق التي يقع فيها الشعراء في هذا الباب أن ينتقوا العبارة المكررة على أساس غنائي. وقد صنع علي محمود طه هذا في عدد من قصائده مثل "سيرانادا مصرية"٢ حيث كرر هذا البيت: ألا فلنحلم الآن فهذي ليلة الحب ومثل "من ليالي كيلوبترا"٣ حيث كرر هذا البيت: يا حبيبي هذي ليلة حبي آه لو شاركتني أفراح قلبي ومثل "أندلسية"٤ حيث كرر هذا الشطر: فاسقنيها أنت يا أندلسيه

стр. 282

وكل هذه التكرارات ذات موسيقى تقليدية تنبع من جو عاطفي مصطنع مما يصح وصفه في اللغات الأجنبية بكلمة Sentimental والواقع أن قيام التكرار على أساس غنائي ليس أمرًا مستحبًّا خاصة في تكرار التقسيم الذي يميل بطبعه إلى الغنائية.

стр. 283

التكرار اللاشعوري: هذا الصنف لم يرد في الشعر القديم الذي وقف نفسه -فيما يلوح- على تصوير المحسوس والخارجي من المشاعر الإنسانية. وشرط هذا الصنف من التكرار أن يجيء في سياق شعوري كثيف يبلغ أحيانًا درجة المأساة. ومن ثم فإن العبارة المكررة تؤدي إلى رفع مستوى الشعور في القصيدة إلى درجة غير عادية. وباستناد الشاعر إلى هذا التكرار يستغني عن عناء الإفصاح المباشر وإخبار القارئ بالألفاظ عن مدى كثافة الذروة العاطفية. ويغلب أن تكون العبارة المكررة مقتطفة من كلام سمعه الشاعر ووجد فيه تعليقًا مريرًا على حالة حاضرة تؤلمه أو إشارة إلى حادث مثير يصحي حزنًا قديمًا أو ندمًا نائمًا أو سخرية موجعة. ونموذج هذا التكرار عبارة "أنها ماتت" في قصيدة الخيط المشدود في شجرة السرو١. فما كاد بطل القصيدة يسمعها حتى أصابته رجة شعورية أدت إلى أن يصاب بهذيان داخلي واختلاط موقت في تفكيره فراحت العبارة تعيد نفسها في ذهنه كدقات ساعة رتيبة. وإنما تنبع القيمة الفنية للعبارة المكررة، في هذا الصنف من التكرار، من كثافة الحالة النفسية التي تقترن بها. لقد ورد هذا التكرار اللاشعوري في قصيدة عنوانها "نهاية"٢ لبدر شاكر السياب، وصحبته ظاهرة يصح أن نقف عندها وقفة صغيرة،

стр. 284

فمنذ لفت بدر السياب الأنظار إلى هذه الظاهرة بات بعض الشعراء الجدد ملتفتين إليها، وإن كانوا غالبًا لم يفطنوا تمامًا إلى الغرض الفني منها وإنما عدوه فيما يلوح تجديدًا محضًا أو نوعًا من الترف الفني. استقى بدر السياب عبارته المكررة من كلمة أثبتها نثرًا قبل القصيدة مما قالته له فتاة: "سأهواك حتى تجف الأدمع" ويلوح من القصيدة أن ظروف الشاعر مع قائلة العبارة قد تغيرت وانقلبت حتى باتت العبارة، حين يتذكرها، تبدو له كالسخرية من الحاضر وتخزه في مرارة، ومن ثم فهي تتردد في ذهنه وتلاحقه وتتشكل أشكالًا بين "سأهواك حتى سأهواك" و"سأهواك حتى س ... " و"سأهواك حتى" و"سأهوا –". هذه هي الأبيات: " سأهواك حتى" نداء بعيد تلاشت على قهقهات الزمان بقاياه.. في ظلمة.. في مكان وظل الصدى في خيالي يعيد "سأهواك حتى ... س ... " يا للصدى أصيحي إلى الساعة النائية "سأهواك حتى" بقايا رنين تحدين حتى الغدا "سأهواك -" ما أكذب العاشقين "سأهوا.." نعم تصدقين! إن البتر هنا بليغ. ففي مثل هذه الحالات التي نجابهها كلنا أحانًا سواء في حالة حمى عالية تشتت التفكير المنتظم، أو في حالة صدمة عنيفة كوفاة شخص عزيز نفاجأ بها دونما مقدمات ... في مثل هذه الحالات يصدف أن

стр. 285

تتردد في أذهاننا عبارة مهمة تنبعث من أعماق اللاشعور وتطاردنا مهما حاولنا نسيانها والتهرب من صداها في أعماقنا. وكثيرًا مما تفقد العبارة المتكررة معناها وتستحيل في الذهن المضطرب إلى مجموعة أصوات تتردد أوتوماتيكيًّا دون أن تقترن بمدلول، ومن ثم فهي تتعرض لأن "تنبتر" في أي جزء منها، فجأة حين ينشغل العقل الواعي بفكرة طارئة يفرضها العالم الخارجي، فتصحي المصدوم من ذهوله لحظات.. ولكن سرعان ما تعود العبارة الدرامية حين يخف الانشغال بما هو خارجي وترن في السمع. أنه تكرار لاشعوري لا يد لنا فيه. وهذا هو الذي يبرر وقوف بدر شاكر السياب عند الألف في كلمة "سأهواك" وكأن الصوت في انبتر فجأة ودُفع دفعًا إلى التلاشي. على أن السياق الذي وضع فيه بدر تكراره اللاشعوري مفتعل قليلًا والتركيز ينقصه. فالشاعر كما نرى من الأبيات يمتلك من الوعي ما يجعله يرد على العبارة ويناقشها بقوله "نعم تصدقين" "ما أكذب العاشقين" وتعليقاته هذه تبدد الجو اللاواعي الذي يرتكز إليه منطق "البتر". على أن أصالة الابتكار تبقى مع ذلك تطبع الأبيات. وقد حاول شعراء آخرون تقليد هذا البتر في التكرار أذكر منهم الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدة له عنوانها "لعنة الشيطان"١ يقول فيها: من يكونان؟ همسة أرجف الليل صداها وانساب في الظلماء من يكونان؟ من يكو؟ من يـ ... واصطكت شفاه على بقايا النداء. ولعله واضح أن البتر هنا غير مبرر نفسيًّا، فالمفروض أن هذا التكرار يمثل "أصداء" ومن طبيعة الصدى أن يتردد الجزء الأخير منه وحسب لا الأول كما في تردد عبارة الشاعر.
следующие страницы →