Полный текст (1 246 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ثنى الواحد. وكذا قالوا في قول الفرزدق:
عشية سال المربدان كلاهما ... سحابة موت بالسيوف الصوارم
ولا يقاس على شيء من ذلك.
стр. 282
"فصل": فيما يجمع بالألف والتاء قياسا وما يجمع بها سماعا.
" يجمع بالألف والتاء" جمعا "قياسا "، أي مقيسا أو ذا قياس "ذو تاء التأنيث" المبدلة في الوقف هاء كتمرة، والسالمة: كبنت وأخت، وكذا كيت وذيت، لو سمي بهما لقيل في - جمعهما- كيات وذيات مذكرا كان المسى بهما أو مؤنثا نص على ذلك سيبويه "مطلقا" يشمل العلم واسم الجنس، والمدلول فيه بالتاء على تأنيث أو مبالغة نحو: فاطمات وطلحات وسنبلات ونسابات.
قال ابن قاسم: واستدرك على إطلاق المصنف أسماء فيها تاء التأنيث، ولا تجمع بالألف والتاء، وهي: شفة وشاة وأمة وامرأة [ومرآة] وفلة، في النداء.
قلت: أما شفة وأمة فلا يردان، فقد قال ابن سيده في المخصص: إن أبا علي صرح بأن شفة إذا جمع جمعا سالما، يرد إليه ما ذهب في الواحد، كما فعل ذلك في التكسير، فيقال: شفهات لا شفات.
وفي الصحاح: أن الناقص من شفة الهاء، لقولهم: شفيهة وشفاه. ثم قال ما نصه: وزعم قوم أن الناقص من شفة واو، لأنه يقال: في الجمع -شفوات- وحكى في المحكم: -لجمع أمة- أمثلة منها: أموات. "وعلم المؤنث مطلقا" سواء كانت العلامة فيه ظاهرة. كعزة وسلمى وخنساء، أو مقدرة: كهند، ويستثنى من ذلك ما جعل علما من شاة وامرأة ومرآة
стр. 283
وفلة وباب قطام في لغة أهل الحجاز:
وقال ابن أبي الربيع: يشترط العقل، فلو سميت ناقة بعناق أو بعقرب، لم تجمعه بالألف والتاء. "وصفة المذكر" لا المؤنث، فخرج نحو: حائض وطالق وصبور –لامرأة- وجريح كذلك.
"الذي لا يعقل" لا الذي يعقل، فخرج نحو: عالم وفقيه وكاتب، فإنها صفة مذكر، ولكنه يعقل، فظهر من هذا وجه قوله تعالى ﴿فعدة من أيام أخر﴾ مع أن الأيام جمع يوم، وهو مذكر و (أخر) جمع أخرى، وقد تعرض إليه ابن الحاجب في أمالي القرآن فقال:
وإنما جمع ههنا على فعل وهو في المعنى جمع آخر، لأنه للأيام وواحدها يوم، ويوم إنما يقال فيه آخر باعتبار أصل آخر، وهو ا، كل صفة لموصوف مذكر مما لا يعقل فأنت فيها بالخيار إن شئت عاملتها معاملة الجمع المؤنث، وإن شئت عالتها معاملة المفر [المؤنث] فتقول: هذه الكتب الأفاضل والفضليات والفضل والفضلى، فالأفاضل على لفظة في التذكير، والفضليات والفضل إجراء له مجرى جمع المؤنث /لكونه لا يعقل، والفضلى إجراء له مجرى الجماعة، وهذا جار في الصفات والأخبار والأحوال، ولذلك جاء أخر نعتا
стр. 284
للأيام إجراء له مجرى جمع المؤنث ولولا لم يستقم، ولذلك لو قلت: جاءني رجال ورجال أخر لم يجز حتى تقول أواخر أو آخرون لأنه ممن يعقل.
انتهى.
قلت: ولقد بلغني بعد دخولي إلى الهند أن قوما استشكلوا قول الحاجب – في شافيته -: التصريف على بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم التي ليست بإعراب من حيث إن الأحوال جمع و (التي) للواحدة من المؤنث، فلم يتطابق الموصوف والصفة، ومن فهم القاعدة التي نقلناها لم يكن مثل هذا عنده مشكلا، وبالله التوفيق "ومصغرة"، أي مصغر المذكر الذي لا يعقل، نحو: فليسات ودريهمات ودنينيرات فخرج بذلك مصغر المؤنث، نحو: أرينب وخنيصر، تصغير أرنب وخنيصر وهما مؤنثان.
"واسم الجنس"، لا العلم فخرج نحو: يحيى وموسى وزكريا.
"المؤنث بالألف" المقصورة أو الممدودة اسما كان كبهمى وصحراء. أو صفة كحبلى وحلة سيراء.
وقوله: بالألف – أخرج المؤنث بالتاء، فقد تقدم له أنه يجوز مطلقا، والمؤنث بغير علامة، فإنه لا يجوز مطلقا، كقدر وعين وسن. "إن لم يكن فعلى
стр. 285
فعلان" كسكرى مؤنث سكران، فلا يقال: سكريات. "أو فعلاء أفعل" نحو: حمراء مؤنث أحمر، فلا يقال: حمروات.
واقتضى كلام المصنف أن فعلاء إذا لم يكن لها أفعل من حيث الوضع كامرأة عجزاء أي كبيرة العجز، أو من حيث الخلقة كامرأة عذراء، لم يمتنع جمعها بالألف والتاء. وعلل بأن المنع في حمراء تابع لمنع التصحيح في أحمر، وهو منتف هنا.
قال: وقد سمع جمع خيفاء وهي الناقة التي اتسع ضرعها، وكذا سمع جمع دكاء وهي الأكمة المنبسطة، وكلاهما نظير عجزاء ومنع ذلك بعضهم، كما امتنع تصحيح نحو: أكمر وآدر. "غير منقولين إلى الاسمية حقيقة" نحو: سكرى وحمراء علمين لمؤنث فنقول فيهما حينئذ: سكريات وحمراوات. "أو حكما" نحو: بطحاء، فإنه في الأصل صفة مقابلة لأبطح، إلا أنها غلبت استعمالها بدون موصوف فأشبهت الأسماء فجمعت جمعها فقيل: بطحاوات، قالوا: ولم يسمع ذلك في فعلى فعلان "وما سوى ذلك" الذي تقدم من الأنواع الخمسة. "مقصور على السماع" كسموات وأرضات وسجلات وحمامات. ومن أظرف ما يحكى هنا أن شخصا ممن يدعي الفضل زعم أن حماما يجمع على حمامات قياسا، فنوزع بأن حماما مذكر ليس فيه من جهة القياس ما يقتضي جمعه كذلك، فقال سبحان الله كأن كل حمام لا يكون إلا للرجال، وإنما أردت حمام النساء فسبحان واهب العقل.
стр. 286
الباب السادس
«باب المعرفة والنكرة»
ولم يتعرض المصنف لتعريفهما لما سنذكره عنه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
«[الاسم معرفة ونكرة] , فالمعرفة مضمر» نحو: أنا وأنت وهو.
«وعلم» شخصي نحو: زيد, وجنسي نحو: أسامة. لكن المصنف يرى أن علم الجنس معرفة لفظًا لا معنى. «ومشار به» نحو: ذا وذي [وذاك] وتلك. «ومنادى» وأغفله أكثرهم, والمراد به نحو: يا رجل, لا نحو يا رجلًا, فإنه نكرة ولا نحو: يا زيد فإنه معرفة بغير النداء على الصحيح المختار
стр. 287
عند المصنف, وازداد بالنداء وضوحًا. «وموصول» نحو: الذي والتي وتعريفه, بالعهد الذي في صلته كما ستعرفه, والأخفش يرى أن تعريف (الذي) بـ (أل) , ونحو: من وما بأنه في معنى ما فيه أل, و (أي) بالإضافة, فعلى هذا المذهب لا يعد الموصول قسيمًا لذي الأداة, ولا للمضاف «ومضاف» نحو: غلامك وغلام زيد وغلام هذا / وغلام الذي في الدار وغلام الرجل.
«وذو أداة» نحو: الفرس وامْ حمار «وأعرفها» - عند المصنف - «ضمير المتكلم» نحو: أنا, لأنه يدل على المراد بنفسه, وبمشاهدة مدلوله, وبعدم صلاحيته لغيره, وبتميز صوته. «ثم ضمير المخاطب» نحو: أنت؛ لأنه يدل على المراد بنفسه وبمواجهة مدلولة «ثم العلم» لأنه يدل على المراد حاضرًا وغائبًا على سبيل الاختصاص, وحقه أن يقول الشخصي, وفي بعض النسخ: (ثم العلم الخاص) «ثم ضمير الغائب [السالم] عن إبهام» نحو: زيد رأيته, بخلاف [نحو]: جاءني زيد وعمرو فأكرمته, فإنه تطرق إليه [إبهام]؛ لاحتمال عوده إلى الأول وإلى الثاني فنقص اختصاصه لذلك.
стр. 288
قلت: وفيه نظر؛ لأنه إما أن يكون ثم دليل يدل على عوده إلى الأول أو لا, فإن وجد الدليل [على ذلك] فلا إبهام وإلَّا فهو للأقرب حتمًا فلا إبهام.
وقال بعض النحاة: إن ضمير النكرة نكرة, لأنه لا يدل على خاص بعينه.
قال ابن قاسم: والصحيح أنه معرفة, لأنه يخصصه من حيث هو مذكور.
قلت: إنما يتم هذا إذا كان المنكر المعود إليه مخصوصًا قبل بحكم نحو: جاءني رجل فأكرمته, أما إذا لم يختص بشيء قبله نحو ربه رجلًا ويا لها قصة, ورب رجل وأخيه, فينبغي أن يكون نكرة. «ثم المشار به والمنادى» كلاهما في مرتبة واحدة؛ لأن تعريف كل منهما بالقصد, وفي بعض النسخ بعد قوله والمنادى ما نصه: وتعريفه بالقصد لا بحرف التعريف منويًا خلافًا لبعضهم. «ثم [الموصول] وذو الأداة» كلاهما أيضًا في مرتبة واحدة عنده, لأن تعريف كل منهما بالعهد فحقه أن يقول: ذو الأداة العهدية. وفي بعض النسخ: ثم ذو الأداة. فجعله بعد الموصول. هذا هو التفصيل الذي ذهب إليه المصنف في ترتيب المعارف, ومذهب الأئمة الأقدمين أن أعرفها الضمير. وقال الصيمري: العلم. ونسب إلى سيبويه والكوفيين.
стр. 289
وقال ابن السراج: اسم الإشارة.
وقيل: ذو الأداة. ولم يقل أحد: المضاف؛ لأن تعريفه إنما يكون بواحد من هذه الأشياء حين يضاف إليه, فاستحال أن يقال بذلك فيه إذ لا يكون المضاف أعرف من الشيء الذي تعرف به «والمضاف بحسب ما يضاف إليه» فعلى هذا يكون المضاف إلى الضمير في مرتبة الضمير وهو شيء ذهب إليه بعض النجاة, ومذهب الأندلسيين أن المضاف في مرتبة المضاف إليه, إلا المضاف إلى مضمر, فإنه في مرتبة العلم, وهو مذهب سيبويه وذهب [المبرد] إلى أن المضاف دون ما أضيف إليه مطلقًا ورد بنحو قوله تعالى: ﴿ووعدناكم جانب الطور الأيمن﴾ والنعت لا يكون أخص. «وقد يعرض للمفوق ما يجعله مساويًا» نحو: سلام على من نزلت عليه سورة البقرة, سلام على من سجدت له الملائكة, فإن الموصول فيهما بمنزلة [الاسم] العلم. وقال النحويون: إنما قالت العرب: وامن حفر بئر زمزماه. لأنه مثل واعبد المطلباه.
стр. 290
«أو فائقًا» إن أراد فائقًا لما قبله فالمساوي أيضًا فائق لما قبله إذا كان بينهما مرتبة أو أكثر فينبغي أن يريد أو فائقًا المراتب كلها, فلا يمثل له إلَّا بما فاق الضمير, فعلى هذا تحسن المقاسمة, ويكون المساوي نوعين: ما ساوى ما قبله بلا تخلل مرتبة بينهما, وما تخلله ذلك؛ إذ المعنى: مساويًا لما فوقه, والعبارة صادقة على النوعين, والذي يفوق المراتب نوع واحد, وذلك مثل: ﴿أنا يوسف﴾ فالعلم هنا أعرف من ضمير المتكلم, وكذا قول من / طرق بابًا فقيل له: من أنت؟ فقال: فلان. فهو أعرف من أن يقول: أنا وتقول لرجلين أتياك دون ثالث: لك مني محبة, بل لك. فإنهما لا يعرفان من أردت حتى يقترن بلفظ مواجهة أو نحو ذلك, ولو قلت: الذي جاء [منكما] أولًا أو الكبير منكما. لعلم من أردت, فالمعرف بالأداة والموصول هنا قد فاقا ضمير المخاطب.
«والنكرة ما سوى المعرفة» سلك في تبيين المعرفة والنكرة هذه الطريقة فذكر أقسام المعرفة ثم جعل النكرة ما عداها, وذلك أنه رأى تمييزهما بالتعريف عسرًا, فقال: في الشرح ما حاصله: من تعرض لحدَّ المعرفة عجز عن الوصول إليه دون استدراك عليه؛ لأن منهما ما هو معرفة معنى نكرة لفظًا, نحو: عام أول وأول من أمس, وعكسه كأسامة, وما فيه الوجهان كالواحد أمه وعبد بطنه, فأكثر العرب يجعلهما معرفة وبعضهم يجعلهما نكرة, وينصبهما على الحال, وكذا ذو (أل) الجنسية فيه الوجهان؛ ولذلك ينعت نعت
стр. 291
المعرفة تارة ونعت النكرة أخرى, فأحسن ما تبين به أن نذكر أقسام المعرفة, ثم نقول: وما سوى ذلك نكرة انتهى. وهو كما ترى كلام ظاهري خال عن التحقيق. وقد قرر بعض الفضلاء في هذا المعنى كلامًا نفيسًا يشتمل على بيان المعرفة والنكرة وتمييز أقسام المعرفة بعضها عن بعض, فقال:
التعريف يقصد به عند السامع من حيث هو معين كأنه أشير إليه بذلك الاعتبار, وأما النكرة فيقصد بها التفات النفس إلى المعين من حيث ذاته, ولا يلاحظ فيه تعينه وإن كان معينًا في نفسه لكن بين مصاحبة التعيين وملاحظته فرق جلي, ومهد في تصوير ذلك مقدمة: هي أن فهم المعاني من الألفاظ بمعونة الموضع والعلم به فلابد أن تكون المعاني مقصودة ممتازًا بعضها عن بعض عند السامع, فإذا دل باسم على معنى فإما أن يكون بذلك الاعتبار, أي كون المعنى معينًا عند السامع متميزًا في ذهنه ملحوظًا معه أولا, فالأول يسمى معرفة والثاني نكرة. ثم قال: الإشارة إلى تعين المعنى وحضوره إن كانت بجوهر اللفظ سمي علمًا إما جنسيًا إن كان المعهود الحاضر جنسًا وماهية كأسامة أو شخصيًا إن كان فردًا منها كزيد أو أكثر: كـ (أبانين) وإن
стр. 292
لم تكن بجوهر اللفظ فلابد من أمر خارج عنه مشار به إلى ذلك مثل: الإشارة في أسماء الإشارة, وكقرينة التكلم والخطاب والغيبة في الضمائر, وكالنسبة المعلومة من جملة وغير جملة في الموصولات والمضاف إلى المعارف, وكحرفي اللام والنداء في المعرفات بهما, فظهر أن معنى التعريف مطلقًا هو العهد في الحقيقة, لكنه جعل أقسامًا خمسة بحسب تفاوت ما يستفاد منه, ويسمى كل قسم باسم مخصوص, وأن الأعلام الجنسية - وإن كانت قليلة - أعلام حقيقة كالأعلام الشخصية, إذ في كل منهما إشارة بجوهر اللفظ إلى حضور المسمى في الذهن قال سيبويه: إذا قلت أسامة فكأنك قلت: الضرب الذي من شأنه كيت وكيت. وأن الفرق بين أسامة وأسد إذا كان موضوعًا للجنس من حيث هو بحسب الإشارة وعدمها كما سبق, وأما الأسد فالإشارة فيه بالآلة دون جوهر اللفظ انتهى.
وقال ابن الحاجب في الكافية: المعرفة ما وضع لشيء بعينه. وذكر أقسامها ثم قال: والنكرة ما وضع لشيء لا بعينه.
قال الرضي قوله بعينه احترازًا / من النكرات, ولا يريد به أن الواضع قد قصد في حال وضعه واحدًا معينًا, إذ لو أراد ذلك لم يدخل فيه إلا الأعلام أو الضمائر, والمبهمات وذو اللام والمضاف إلى أحدها تصلح لكل معنى قصده المستعمل, فالمعنى ما وضع ليستعمل في واحد بعينه سواء كان ذلك
стр. 293
الواحد مقصود الواضع كما في الأعلام أو لا كما في غيرهما, ولو قال: ما وضع لاستعماله في شيء بعينه لكان أصرح. هذا نصه, يعني أن المعتبر في المعرفة هو التعين عند الاستعمال دون الوضع ليندرج فيه الأعلام الشخصية وغيرها من المضمرات والمبهمات وسائر المعارف فإن لفظة (أنا) مثلًا لا تستعمل إلَّا في أشخاص معينة؛ إذ لا يصح أن يقال: (أنا) ويراد به متكلم لا بعينه, وليست موضوعة لواحد منها, وإلَّا لكانت في غيره مجازًا, ولا لكل واحد منها, وإلَّا لكانت مشتركة موضوعة أوضاعًا بعدد أفراد المتكلم, فوجب أن تكون موضوعة لمفهوم كلي شامل لكل الأفراد, ويكون الغرض من وضعها له استعمالها في أفراده المعينة دونه.
وقد أولع كثير من الفضلاء بهذا البحث والظاهر ما أفاده بعض الحذاق: من أنها موضوعة لكل معين منها وضعًا واحدًا عامًا, فلا يلزم كونها مجازًا في شيء منها ولا الاشتراك, ولا تعدد الأوضاع. ولو صح ما ذكروه لكان: أنا, وأنت, وهذا, مجازات لا حقائق لها, إذ لم تستعمل فيما وضعت هي له من المفهومات الكلية, ولا يصح استعمالها [في شيء] منها أصلًا, وهذا مستبعد جدًا, وكيف لا ولو كانت كذلك لما اختلف أئمة اللغة في عدم استلزام المجاز الحقيقة, ولما احتاج من نفى الاستلزام إلى التمسك في ذلك بأمثلة نادرة فتفهم. «وليس ذو الإشارة قبل العلم خلافًا للكوفيين» , فإنهم قدموه
стр. 294
على العلم مستدلين بأن اسم الإشارة ملازم للتعريف بخلاف العلم, وبأنه يقدم عليه عند الاجتماع, نحو: هذا زيد. ولا دليل في ذلك, لأن المعتبر إنما هو زيادة الوضوح, والعلم أزيد وضوحًا, لا سيما علم لم تعرض فيه شركة, نحو: إسرافيل وطالوت كذا قال المصنف, والذي نقله الرضي عن الكوفيين غير هذا فإنه قال: ومذهب الكوفيين أن الأعرف العلم ثم المضمر ثم المبهم ثم ذو اللام. ولعلهم نظروا إلى أن العلم حين وضع لم يقصد فيه إلَّا مدلول واحد معين بحيث لا يشاركه في اسمه ما يماثله وإن اتفقت مشاركة فبوضع ثانٍ بخلاف سائر المعارف إلى هنا كلامه. «ولا ذو الأداة قبل الموصول, ولا من وما المستفهم بهما معرفتين خلافًا لابن كيسان في المسألتين» أما المسألة الأولى فقد استدل عليها بقوله تعالى: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ إذ الصفة إما مساوية أو دون الموصوف ولا قائل بالمساواة] / فثبت الثاني.
وأجاب المصنف: بأن (الذي) بدل أو مقطوع, و (الكتاب) علم بالغلبة, لأن المعنيين بالخطاب بنو إسرائيل, وقد غلب عندهم الكتاب على التوراة فالتحق بالأعلام. وهذا تسليم من المصنف أنه لا قائل بالمساواة بين الموصول وذي الأداة, وهو خلاف ما هو منصوص له في هذه النسخة, وعليها أكثر النسخ وأما المسألة الثانية فمستنده فيها تعريف جوابهما, نحو: من
стр. 295
عندك؟ فتقول: زيد. وما دعاك إلى كذا؟ فتقول: لقاؤك. والجواب يطابق السؤال, وهو ضعيف جدًا؛ لأن تطابقهما غير لازم ولا نزاع في أنه يصح أن تقول: في (من عندك؟ ): رجل من بني فلان. وفي (ما دعاك إلى كذا؟ ): أمر مهم.
وأيضًا فهما قائمان مقام: أي إنسان. وأي شيء؟ وهما نكرتان, فكذا ما قام مقامهما, وأيضًا فالأصل هو التنكير كذا قال المصنف.
стр. 296
الباب السابع
«باب المضمر»
«وهو» الاسم «الموضوع لتعيين مسماه مشعرًا بتكلمه أو خطابه أو غيبته» , فالاسم جنس يشمل المعرفة والنكرة, وإنما تركه اتكالًا على وضوح المعنى وظهوره.
قال المصنف: وخرج بالوضع المضاف والمنادى وذو الأداة, وخرج بالتعيين النكرات, إذ المراد به جعل المعنى معاينًا للسامع أو كالمعاين, وخرج بما بعده العلم والمشار به والموصول إذ لا يشعرن بشيء من ذلك, هذا معنى كلامه.
قلت: وفيه نظر, لأنا لا نسلم أن [الوضع] مخرج للمنادى والمضاف وذي الأداة, ضرورة أنهن معارف, وكل معرفة موضوعة لشيء بعينه, وغاية الأمر أن تعين المعنى تارة يكون بجوهر اللفظ, وتارة يكون بأمر خارج عنه كما مر, وذلك لا ينافي كون المعرفة موضوعة لشيء بعينه. فالحق أن قوله: الاسم. جنس يشمل المعرفة والنكرة, وقوله: الموضوع لتعيين مسماه يخرج
стр. 297
النكرة وأوله: مشعرًا بتكلمه. إلى آخره يخرج ما عدا الضمير من المعارف, وأحسن من هذا التعريف وأخصر قول ابن الحجاب ما وضع لمتكلم ××× مخاطب أو غائب «فمنه» أي من المضر «واجب الخفاء» وهو ما لا يخلفه ××× ولا ضمير منفصل, قال أبو حيان: وهذا اصطلاح غريب لا نعرفه لغير المصنف. «وهو المرفوع بالمضارع ذي الهمزة» نحو: أقوم. «أو النون» نحو: نقوم.
«وبفعل أمر المخاطب» المفرد المذكر نحو: قم.
ومضارعه» أي مضارع المخاطب المفرد المذكر نحو: تقوم. «اسم فعل الأمر مطلقًا» سواء كان لمفرد مذكر أو غيره نحو: نزال يا زيد ويا زيدان ويا زيدون ويا هند ويا هندان ويا هندات.
فإن قلت: نقص من مواضع وجوب الخفاء اسم الفعل المضارع نحو: أوه وأف.
قلت: كذا قال أبو حيان وتبعه ابن قاسم وغيره والانفصال عنه متأتٍ, بان ما ذكر في معنى المضارع ذي الهمزة, فإن أوه بمعنى أتوجع وأف بمعنى أتضجر فاستغنى عن ذلك, وأما اسم فعل الأمر - وإن كان الاستغناء عنه بفعل الأمر ممكنًا - فوجه تخصيصه بالذكر, أنه ذكر لأجل قوله: (مطلقًا) , إذ هذا الإطلاق ليس باتًا في فعل الأمر ضرورة أن وجوب خفاء ضميره منوط [بما] إذا كان للمفرد المذكر فقط بدليل قومي وقوما وقوموا وقمن. «ومنه
стр. 298
جائز الخفاء» وهو ما يخلفه [ظاهر أو ضمير منفصل]. «وهو المرفوع بفعل الغائب» نحو: زيد قام, ويقوم, وليقم, إذ يجوز أن يخلفه الظاهر فتقول: زيد قام أبوه, ويقوم أبوه, وليقم أبوه, وكذا سائر أنواع هذا القسم. «والغائبة» نحو: «هند قامت, وتقوم, ولتقم «أو معناه» يريد: أو معنى فعل الغائب والغائبة. «من اسم فعل» نحو: زيد هيهات, وهند هيهات. «وصفة» نحو: زيد ضارب ومضروب, وهند ضاربة ومضروبة. «وظرف» / نحو: زيد عندك «وشبهه» أي شبه ظرف, وهو الجار والمجرور نحو: زيد في الدار, وهند في الدار, فالضمير مستكن في هذه الأمثلة كلها, وهو جائز الخفاء؛ لأن الظاهر قد يخلفه كما تقدم.
وقد انتقد [ذلك] على المصنف بأن الضمير في كل ما ذكره واجب الخفاء؛ إذ لا يصح أن يقال: زيد قام هو مثلًا, على أن يكون (هو) فاعلًا بقام, وكون الظاهر قد يقع في موقع هذا الضمير المستكن كما في قولك: زيد قام أبوه وكذا الضمير المنفصل, كما في قولك: زيد ما قام إلا هو لا يوجب إثبات جواز الخفاء لهذا الضمير, وذلك لأن هذا تركيب آخر غير تركيب زيد قام, وليس الكلام فيه, أما زيد قام فضميره واجب الاستكان دائمًا ولا يظهر في حين من الأحيان, ولو قلت: زيد قام هو, فـ (هو) توكيد للضمير المستكن
стр. 299
لا فاعل, نص على ذلك بعض النحويين, وهو [ظاهر] كلام المصنف وغيره, وقد نص سيبويه على أنه لا يجوز قام أنا بمعنى قمت.
قال ابن قاسم: وقال الجوهري يجوز في الشعر قام هو وقام أنا, وهو صحيح؛ لأنه يجوز إقامة المنفصل مقام المتصل للضرورة. وحكى عن المبرد أنه أجاز ذلك في الشعر وغيره على معنى الحصر, فقام أنا بمعنى ما قام إلا أنا, لكن قد أجاز سيبويه في نحو: مررت برجل مكرمك هو أن يكون توكيدًا وأن يكون فاعلًا.
قلت: وبتقدير تسليم ما قال المصنف, أو حمل ذلك على اصطلاح اختص به, فيرد على قوله: أو معناه. أنه مخرج لنحو: أنا هيهات وأنت هيهات, وكذلك في البواقي, مع أن الاستتار فيهن موجود, وهو جائز
стр. 300
لا واجب بالتفسير الذي قرره, يقال: أنا هيهات داري, وأنا في الدار غلامي, وأنا ما في الدار إلا أنا. وعلى ذلك فقس.
«ومنه» أي من الضمير «بارز متصل» والمراد به ما لا يبتدأ به ولا يقع بعد (إلا) في الاختيار, والمنفصل عكسه «وهو» أي المتصل. «إن عني به المعني بنفعل» أي المتكلم المعظم نفسه, أو المتكلم ومعه غيره واحدًا, [كان] أو أكثر.
«نا» خبر (هو) , أي والمتصل المراد به المتكلم عظيمًا أو مشاركًا هو لفظة «نا» «في الإعراب كله» الرفع والنصب والجر نحو: أكرمنا زيدًا وأكرمنا ومر بنا.
«وإن رفع» البارز المتصل «بـ[فعل] ماضٍ فتاءٍ» وهذا موهم لأن (نا) لا ترتفع بالفعل الماضي, وهو إذا ارتفع لا ترتفع إلا به خاصة.
«تضم للمتكلم» نحو: قمت؛ لمناسبة الضمة لحركة الفاعل, وخصوا المتكلم بها لأن القياس وضع المتكلم أولًا, ثم المخاطب ثم الغائب.
«وتفتح للمخاطب» (نحو: قمت فرقًا بينه وبين المتكلم, وتخفيفًا).
«وتكسر للمخاطبة» فرقًا ولم يعكسوا الأمر بكسرها) للمخاطب وفتحها للمخاطبة؛ لأن خطاب المذكر أكثر فالتخفيف به أولى, وأيضًا هو مقدم
стр. 301
على المؤنث فخص بالتخفيف, فلم يبق للمؤنث إلا الكسر. وحكى بعضهم أن في لغة رديئة لربيعة يجوز وصل فتحة [تاء] الضمير وكافه بألف نحو: فقتنا ورأيتكا, ووصل كسرتهما بياء, وقد اجتمعا في قوله:
رميتيه فأقصدت ... فما أخطأت [في] الرمية
بسهمين صحيحين ... أعارتكبهما الظبية
«وتوصل» التاء المذكورة حال كونها «مضمومة بميم وألف للمخاطبين» المذكرين «والمخاطبتين» المؤنثتين نحو: قمتهما يا زيدان, وقمتما يا هندان, وضمت التاء فيهما إجراء للميم مجرى الواو لتقاربهما في المخرج, قيل: والضمير هو التاء والألف, والميم زائدة للتقوية.
«وبميم مضمومة ممدودة للمخاطبين» نحو: قمتموا يا زيدون.
«وبنون مشددة للمخاطبات» نحو: قمتن / يا هندات فجيء بحرفين في المؤنث كما جيء بحرفين في المذكر.
стр. 302
وفي بعض المقدمات أن أصل ضربتن ضربتمن فأدغمت الميم في النون وأن النون هنا بإزاء الواو التي في ضمير الجماعة.
وهذا مردود بأن أحرف (ضوى مشفر) لا تدغم في مقاربها.
ويستثنى من قول المصنف: وتفتح للمخاطب وتكسر للمخاطبة إلى آخره. أرأيت بمعنى أخبرني.
واعلم أن هذا الكلمة يجوز أن يتصل بها الكاف وأن لا يتصل, فإن لم يتصل بها وجب للتاء ما يجب لها مع سائر الأفعال من تذكير وتأنيث وتثنية وجمع وإفراد, وإن اتصلت بها وجب [هنا] للتاء الفتح والإفراد واكتفي عن إلحاق علامات الفروع بكاف الخطاب ومنه قوله تعالى: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله﴾ , وكذا يقال: للإثنين أرأيتكما, وللمؤنثة أرأيتك, ولجمعها أرأيتكن, هذا كله إذا أردت معنى أخبر, وإلا فالمطابقة واجبة مع الكاف, كما تجب بدونها, فيقال: أرأيتك جميلة, أرأيتماكما فاضلين أو جميلتين, أرأيتموكم فاضلين, رأيتكن جميلات. واستدل سيبويه على أن الكاف في الأول حرف خطاب لا مفعول, بقولهم: أرأيتك زيدًا ما صنع؟ . ومثله: ﴿أرأيتك هذا الذي كرمت علي﴾ , وأما عكس الفراء ذلك بجعله الكاف فاعلًا والتاء حرف خطاب, فمتضمن لأمرين, لم يثبتا: إذ لم يثبت للتاء
стр. 303
المتصلة بالفعل أن تكون حرف خطاب, ولا ثبت للكاف أن تكون فاعلًا, ثم هو مردود بأن الكاف يجوز أن لا يؤتى بها بخلاف التاء.
«وتسكين ميم الجمع إن لم يلها ضمير متصل» نحو: قمتم «أعرف» من وصلها بواو نحو: قمتمو, ومن وصلها قبل همزة القطع وإسكانها قبل غيرها كقراءة ورش, ومن الاختلاس, وهو ضمها غير موصولة, وهو قليل, وليس في كلامه بيان هذا القسم, وهو الاختلاس, لأنه إنما تقدم له ذكر الصلة, واعتذر المصنف عن ترك ذلك بشذوذه. ولا ينهض هذا عذرًا له في هذا الكتاب, فهو مشحون بالشواذ بل أشد الشواذ, نعم: يكون هذا عذرًا في مثل كتاب سيبويه وكتاب الإيضاح والمفصل والمقرب وكافية ابن الحاجب «فإن وليها» أي ولي ميم الجمع ضمير متصل, نحو: ضربتموه ففاعل ولي ضمير مستكن عائد على قوله قبل: ضمير
стр. 304
متصل. ومفعوله عائد على ميم الجمع. «لم يجز التسكين خلافًا ليونس» فإنه جوز أن تقول: الدرهم أعيتكمه, كما تقول في المظهر.
قال المصنف: ولا أعرف سماعًا إلا ما روى ابن الأثير في غريب الحديث من قول عثمان ﵁: أراهمني الباطل شيطانًا. ولو جاء هكذا لكان شاذًا من وجه آخر, وهو تقديم غير الأخص مع الاتصال, هكذا في شرح ابن قاسم.
قلت: أما قوله: لم يجز التسكين. فمقتضاه أن يجوز الصلة
стр. 305
والاختلاس, وأن جوازهما متفق عليه, وقد يمنع تناول مفهومه للاختلاس, لأنه لم يتقدم له ذكر.
وأما قوله: خلافًا ليونس. فالخلاف في ذلك ليس خاصًا بيونس, بل نص سيبويه على جواز ذلك, وأن الوصل بالواو أكثر وأعرف.
«وإن رفع بفعل غيره» أي غير ماضٍ, وهو الأمر والمضارع.
«فهو نون مفتوحة للمخاطبات» نحو: يا هندات قمن, وأنتن تقمن [«أو الغائبات» نحو: الهندات يقمن] «وألف لتثنية غير المتكلم» فشمل ذا الخطاب وذا الغيبة, وفيه إجمال, فإنها إن ارتفعت بالمضارع كان كما ذكر, وإن ارتفعت بالأمر لم يكن إلا للمخاطب, وذلك نحو: يا زيدان افعلا, وهل تفعلان؟ وهما يفعلان «وواو للمخاطبين» نحو يا زيدون, قوموا, وأنتم تقومون «أو الغائبين» نحو: الزيدون يقومون. «وياء للمخاطبة» نحو: يا هند قومي, وهل تقومين؟ . «وللغائب مطلقًا» - أي مستترًا كان أو بارزًا «مع الماضي ماله مع المضارع» تقول: زيد ضرب, وهند ضربت, والزيدان ضربا, والهندات ضربتا, والزيدون ضربوا, والهندات ضربن كما تقول في المضارع يضرب وتضرب ويضربان وتضربان ويضربون ويضربن. ولم يكن بالمصنف حاجة إلى
стр. 306
ذلك, فإن قوله - فيما تقدم -: المرفوع بفعل الغائب والغائبة. يشمل ما رافعه الماضي, وما رافعه المضارع, وإنما ذكر هاهنا حكم الماضي لأنه قال: - قبل - وإن رفع بفعل غيره. أي غير الماضي, فلم يبين هناك إلا حكم المرفوع بالمضارع والأمر, وإنما خص المضارع هنا بالحوالة عليه دون الأمر لأن الكلام هنا في الغائب, والأمر لا يكون لغائب.
والحاصل أن هذه الضمائر الأربعة إن رفعت بالماضي فهي للغائب لا غير, أو بالأمر فهي للمخاطب لا غير, أو بالمضارع فهي لهما في وقتين لا على الاجتماع, وكل ذلك يعلم من كلامه, ويعلم منه [أيضًا] أن ياء المخاطبة لا ترفع بالماضي.
«وربما استغني معه» أي مع الماضي «بالضمة عن الواو» كقوله:
فلو أن الأطبا كانُ حولي ... وكان مع الأطباء الأساة
стр. 307
قال أبو حيان: وهو ضرورة لا نادر, كما يفهمه ظاهر كلام المصنف, وقال بعضهم: إنه نادر.
قلت: ويؤيده ما وقع في الكشاف, ففيه: (أفلح, دخل في الفلاح, كأبشر: دخل في البشارة, ويقال: أيضًا أفلحه أي أصاره إلى الفلاح. وعليه قراءة طلحة بن مصرف: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [بالبناء للمفعول] , وعنه (أفلحوا) على لغة أكلوني البراغيث, أو على الإبهام والتفسير. وعنه بضمة بغير واو اجتزاء بها عنها, كقوله:
فلو أن الأطبا كانُ حولي ....................
انتهى
ومقتضى قول المصنف: معه أي مع الماضي كما تقدم أن هذا الحكم خاص بالماضي, وليس كذلك؛ فإنه ذكر في الشرح أنه ربما فعل ذلك مع فعل الأمر وأنشد:
إن ابن الأحوص معروف فبلغه ... في ساعديه إذا رام العلا قصر
стр. 308
أراد فبلغوه وقال في شرح الكافية: وقد أنشد على حذف لام الأمر اضطرارًا:
فلا تستطل مني بقاي ومدتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب
وليس من قوله:
من كان لا يزعم أني شاعر .. فيدن مني تنهه المزاجر
بل يدن معطوف على يزعم, وحذف الواو من (يدنو) لدلالة الضمة عليها كما قال:
فلو أن الأطبا كانُ حولي ...............
فحذف واو الضمير اكتفاء بالضمة, فواو ليست بضمير أحق أن يفعل [بها] ذلك, وتنهه جواب (من) انتهى. فاقتضى كلامه جواز حذف الواو
стр. 309
التي هي ضمير, وأن حذف الواو التي هي لام أولى من ذلك. وقد استبان لك بما ذكرناه أن الاستغناء بالضمة عن الواو ثابت مع الأفعال الثلاثة على قلة. «وليس الأربع» وهن: النون والألف والواو والياء «علامات» كتاء التأنيث في فعلت هند «والفاعل مستكن» كما مثلنا «خلافًا للمازني فيهن» أي في الأربع, فإنه يقول: إنهن علامات والفاعل مستكن.
قال الرضي: ولعل ذلك حملًا للمضارع على اسم الفاعل, واستنكارًا لوقوع الفاعل بين الكلمة وإعرابها. يعني النون «و» خلافًا «للأخفش في الياء» فإنه وافق المازني على أنها علامة كتاء التأنيث, ووافق الجمهور في النون والألف / والواو على أنهن ضمائر.
قال ابن قاسم: وشبهة المازني أن الضمير لما استكن في فعل وفعلت, استكن في التثنية والجمع, وجيء بالعلامات للفرق, وشبهة الأخفش أن فاعل المضارع المفرد لا يبرز, بل يفرق بين المذكر والمؤنث بالياء أول الفعل للغيبة, ولما كان الخطاب بالتاء في الحالتين احتيج إلى الفرق فجعلت الياء علامة للمؤنث.
وأبطل المصنف القولين بأنها لو كانت حروفًا لما التزمت كما أن تاء التأنيث لم تلزم في نحو قوله:
стр. 310
فإما تريني ولي لمة ... فإن الحوادث أودى بها
وبأنها لو كانت حروفًا لزم أن تكون نون الإناث ساكنة, وألا يسكن آخر الفعل [لها] كتاء التأنيث. «ويسكن آخر المسند إلى التاء والنون ونا» نحو: ضربت وضربن وضربنا, وهذا المسند يكون ماضيًا فقط مع التاء
стр. 311
[ونا] , ويكون ماضيًا ومضارعًا وأمرًا مع النون, ويكون الفعل الذي هو غير أمر مبنيًا للفاعل تارة, ومبنيًا للمفعول أخرى.
فإن قلت: لم عدل المصنف -[﵀]- عن التعبير بلام المسند إلى التعبير بآخره؟ .
قلت: ليدخل نحو: سلقيت, فإن المسكن فيه آخره لا لامه تقول: سلقته, ألقيته على ظهره, وتقول: سلقيته, بزيادة الياء. وعلة الإسكان عند الجمهور كراهة توالي أربعة متحركات في شيئين هما كشيء واحد؛ لأن الفاعل كجزء من فعله ثم حمل المضارع عليه, وأما الأمر فمستكن استصحابًا.
وضعفه المصنف بأن الحكم عام والعلة قاصرة, إذ لا يوجد التوالي المذكور إلا في الصحيح, وبعض الخماسي نحو: انطلق, والكثير لا توالي فيه, فمراعاته أولى, ثم التوالي لم يهمل بدليل جندل وعلبط ولو كان مقصود الإهمال لم يتعرضوا إليه دون ضرورة. واختار المصنف في التعليل وجهًا آخر, وهو إرادة الفرق بين الفاعل والمفعول مع (نا) نحو: أكرمنا ثم حملت التاء والنون على (نا) , للمساواة في الرفع والاتصال والصحة.
стр. 312
«ويحذف ما قبله من معتل» أي ما قبل الآخر نحو: قال وباع, فتقول: قلت وبعت, وهذا الحذف عام في كل معتل.
«وتنقل حركته» أي حركة المعتل الثابتة له في الأصل, والمراد بها الضمة والكسرة, لأنه سيخص الفتحة بكلام.
«إلى فاء الماضي الثلاثي» نحو: جُدت وطُلت, فأصله جودت وطُولت بضم الواو, ويدل على أنه واوي جواد وطويل, فسكن آخر المسند ونقلت ضمة ما قبله - وهو الواو - إلى فاء الفعل وحذف حرف العلة, فقيل: جدت وطلت, وكذا القول في خفت وهبت بكسر الخاء, والهاء, فإن أصلهما خوفت وهيبت, على فعل بكسر العين, بدليل: أخاف وأهاب, ففعل فيهما ما تقدم من الإسكان والنقل والحذف, هذا إن كانت الحركة غير فتحة كما تقدم. «وإن كانت فتحة أبدلت بمجانسة المحذوف ونقلت» نحو: قلت وبعت, فأصلهما: قولت وبيعت, بفتح العين, لكن أبدلت الفتحة بمجانسة الواو في فعل القول - وهي الضمة - وبمجانسة الياء في فعل البيع وهي الكسرة, ثم نقلت, هذا هو مذهب الجمهور, قال سيبويه: وأما قلت فأصلها فعلت معتلة من فعلت, وإنما حول إلى فعلت ليحولوا حركة الفاء عن حالها. وقال أيضًا: وأما بعت فإنها معتلة من فعل يفعل, ولو لم يحولوها إلى فعلت لكان حال الفاء كحال فاء (قلت). ورأى ابن الحاجب أن الضم للدلالة على الواو والكسر للدلالة على الياء لا للنقل, وادعى أنه الصحيح, واحتج
стр. 313
عليه بأنه لو لم يجعل للدلالة كما قال: وجعل للنقل كما قالوه, لزم نقل باب / أصلي إلى باب فرعي وهو خلاف الأصل.
وأورد عليه أنه لو كانت الكسرة دالة على الياء لدلت عليها في (خفت) واللازم باطل, فأجاب: بأن الضمة والكسرة تدلان على الواو والياء إذا لم يمكن أن يراعى بيان البنية, فإنهم لو فتحوا في (قلت) و (بعت) لما دل فتح الفاء على فتح العين, أما إذا أمكن ببيان البنية كما في (خفت) و (هبت) فلا يدلان عليهما, والكلام على ذلك يطول. «وربما نقل» أي وقع النقل المذكور قليلًا, وهو نقل حركة عين الفعل المعتل الأجوف إلى فائه. «دون إسناد إلى أحد الثلاثة» التي هي التاء والنون ونا. «في زال وكاد أختي كان وعسى» كقول بعضهم ما زيل يفعل, وقول أبي خراش الهذلي:
وكيدت ضباع القف يأكلن جثتي ... وكيد خراش عند ذلك ييتم
стр. 314
ووجه ذلك أنهم أمنوا اللبس حيث كان هذا الفعل لا مفعول له.
واحترز بقوله: أختى كان وعسى. من زال بمعنى ماز وبمعنى ذهب, ومن كاد بمعنى أراد وبمعنى مكر, ويجمعها قولك: ماضي يزال ويكاد.
فإن مضارع التي بمعنى (ماز): يزيل, وبمعنى (ذهب): يزول, ومضارع (كان) بذينك المعنيين: يكيد.
ولما كان كلام المصنف السابق يقتضي أن الإسكان خاص بتلك الضمائر, وكان ما عداها محرك ما قبله, أراد أن يبين حقيقة تلك الحركة, ولم يتعرض للألف للعمل بأنها لا يكون [ما] قبلها إلا الحركة الخاصة التي هي الفتحة؛ فلذلك قال:
«وحركة ما قبل الواو والياء مجانسة» فيضم ما قبل الواو نحو: يضربون, ويكسر ما قبل الياء نحو: تضربين.
«فإن ماثلها» أي [فإن] ماثل ما قبل الحركة المجانسة تلك الحركة المجانسة بأن كان واوًا قبل ضمة نحو: تدعون, إذ أصله تدعوون, أو كان ياء قبل كسرة نحو: ترمين, إذ أصله ترميين؛ وهذا الكلام مبني على أن حركة الحرف بعد الحرف «أو كان» ما قبل الواو والياء «ألفًا حذف» أي
стр. 315
ما ذكره من واو وياء وألف «وولي» الضمير «ما قبله» أي ما قبل المحذوف «بحاله» من غير تغيير له, فتبقى حركة العين في (يدعون) , والميم في (ترمين) , والشين في تخشين على حالها. «وإن كان الضمير واوًا والآخر» بكسر الخاء «ياء» نحو: الزيدون يرمون, إذ أصله يرميون, فآخر الفعل ياء والضمير واو. «أو بالعكس» فيكون الضمير ياء وآخر الفعل واوًا نحو: تغزين؛ إذ أصله تغزوين.
«حذف الآخر» أي آخر الفعل, وهو الياء من ترميون, والواو من تغزوين مثلًا. «وجعلت الحركة المجانسة على ما قبله» فتقول: ترمون وتغزين.
وظاهر هذا الكلام أنا حذفنا الحرف وحده ونقلنا حركته التي كانت معه إلى ما قبله, وقال في شرحه: استثقلت ضمة على ياء مكسور ما قبلها في ترميون, وكسرة على واو مضموم ما قبلها في تغزوين, فحذفت الضمة والكسرة تخفيفًا ثم الياء والواو - يعني للساكنين - ثم خيف على واو الضمير في ترمون وياء الضمير في تغزين الانقلاب إلى الواو والياء فجيئ بالحركة المجانسة ليسلم الضميران.
وقوله: وجعلت الحركة على ما قبله. يقتضي أن الحركة مع الحرف.
стр. 316
«ويأتي ضمير الغائبين» بفتح النون جمع غائب «كضمير الغائبة كثيرًا» نحو: ﴿وإذا الرسل أقتت﴾ كقوله:
قد علمت والدتي ما ضمت ... إذا الكماة بالكماة التفت
وكقول حسان بن ثابت ﵁:
وقال الله قد يسرت جندا ... [هم] الأنصار عرضتها اللقاء
стр. 317
وإطلاق هذا القول من المصنف إنما يصح على قول الكوفيين, وأما / البصريون فيمنعون في جمع السلامة: الزيدون قامت, كما يمنعون قامت الزيدون, وهو موافق لهم في ذلك الباب, فكان ينبغي أن يوافقهم هنا, فلا يطلق. وفي حواشي الصحاح لابن بري: أن قيسا - يعني ابن ذريح - لما دخل مكة شرع أصحابه يدعون الله ويسألونه المغفرة, قال هو:
يا رب ليلى, فقالوا [له]: ويحك, هلا سألته المغفرة فقال:
دعا المحرمون الله يستغفرونه ... بمكة شعثا أن تمحى ذنوبها
فناديت يا رباه أول سؤلتي ... لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها
فإن أعط ليلى في حياتي لا يتب ... إلى الله عبد توبة لا أتوبها
стр. 318
«لتأولهم بجماعة» أي أن مجيء ضمير الغائبين كضمير الغائب مبني على التأويل بجماعة لا على وجه الحقيقة, وهذا الكلام متعلق بما تقدم من قوله: إن الواو والنون يكونان للغائبين, والغائبات والمخاطبين والمخاطبات, وإن الواو للمذكرين غيبة وحضورا والنون للمؤنثات كذلك, فبين هنا أن ضمير الغائبين كما يكون بالواو يكون كضمير المفرد مذكرًا [كان] أو مؤنثًا, وأن مجيئه كالمفرد المؤنث على التأويل لا على وجه الحقيقة, فتكون على ما تقدم, من أن الواو للعقلاء الذكور. «وكضمير الغائب قليلًا» كقوله:
فإني رأيت الصامرين متاعهم ... يموت ويفنى فارضخي من وعائيا
стр. 319
«لتأويلهم بواحد يفهم الجمع» فيؤول في البيت المذكور أن الصامرين بمعنى من [ثم] , أو من ذكر, وهو واحد يفهم الجمع, فعاد الضمير عليه بهذا الاعتبار, وهذا التأويل هو الذي يدل كلام سيبويه على اعتباره. «أو لسد واحد مسدهم» وهذا تأويل الفارسي, وقد احتج للتأويل الأول بقوله ﵊:
(خير النساء صوالح نساء قريش أحناه على ولد ... الحديث) , فإنه لو اعتبر. المعنى الثاني لقيل: أحناها, فإنه إنما يقال: [هنا] خير امرأة.
«ويعامل بذلك ضمير الاثنين وضمير الإناث بعد أفعل التفضيل كثيرًا, ودونه قليلًا» مثال الأول, وهو ضمير الاثنين بعد أفعل التفضيل قوله:
стр. 320
ومية أحسن الثقلين جيدا ... وسالفة وأحسنه قذالا
وقد يتوهم أن هذا البيت مما يرد به تأويل الفارسي, إذ لا يصح أن يقع واحد الثقلين هنا؛ لأنه لا يفرد فلا يقال: أحسن ثقل ولا أحسن الثقل؛ لأن له أن يقول: يصح أحسن شيء جيدًا, وليس شرط الواحد أن يكون من لفظ المذكور. ومثال ضمير الإناث بعد أفعل التفضيل (خير النساء صوالح نساء قريش ... ) الحديث, ومثال ضمير الاثنين دون (أفعل) قول الشاعر/
أخو الذئب يعوي والغراب ومن يكن ... شريكيه تطمع نفسه كل مطمع
следующие страницы →