Полный текст (1 246 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وأورد ابن الحاجب ﵀ [تعالى]- إشكالًا في هذه الآية، تقريره: أن الشرط وما شبه به يكون الأول فيه سببًا للثاني، وفي الآية الأمر بالعكس، لأن الأول ١٤٩ هو استقرار النعمة بالمخاطبين، والثاني/ كونها من الله، وليس الأول سببًا للثاني؛ لأن الأول فرع للثاني.
وأجاب في شرح المفصل بما تقريره: *** أن جواب الشرط لا يكون إلا جملة،
ويكون المسبب في ذلك الجواب الذي هو جملة إما مضمون الجملة نحو: إن جاءني زيد أكرمته، فالإكرام هو مضمون الجملة، وهو مسبب عن المجيء المذكور، وإما الخطاب بها، على معنى أن الإعلام والإخبار بها هو المشروط نحو: إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك الواقع في اليوم، لكن الإخبار بذلك مسبب على معنى إن أكرمتني اليوم فهو سبب لأن أعلمك وأخبرك بأني قد أكرمتك بالأمس، والآية من [هذا] القبيل، وبيانه أن الآية جيء بها لإخبار قوم استقرت بهم نعم جهلوا معطيها أو شكوا فيه، فاستقرارها - مشكوكة أو مجهولة - سبب للإخبار بأنها من الله، فيتحقق - إذن - أن الشرط والمشروط فهيا على بابه.
وقال الرضي: لا يلزم مع الفاء أن يكون الأول سببًا للثاني، بل اللازم أن
стр. 772
يكون ما بعد الفاء لازمًا لمضمون ما قبلها، كما في جميع الشرط والجزاء، ففي قوله تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [كون النعمة من الله] لازم؛ لحصوله معنى فلا يغونك قول بعضهم: إن الشرط سبب للجزاء، وسيأتي تحقيقه في الكلام على الشرط والجزاء إن شاء الله تعالى.
«أو» موصولًا «بفعل صالح للشرطية» نحو: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾، فـ ـ (ما) فيه موصولة لا شرطية، بدليل سقوط الفاء في قراءة نافع وابن عامر فلو كان الفعل غير صالح للشرطية: - كأن يكون ماضيًا معنى نحو: الذي زارنا أمس له كذا - امتنع دخول الفاء في الخبر، وأجازه بعضهم تمسكًا بقوله تعالى: ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله﴾ -، وأول بأنه على معنى التبين، كأنه قيل: وما تبين إصابته إياكم، وكذا إذا كان الفعل مصدرًا بحرف استقبال: كالسين و (سوف) أو بـ ـ ـ (قد) أو بـ ـ ـ (ما) النافية يمتنع دخول الفاء في الخبر، ولم يشترط ذلك بعضهم، فيجوز عنده: الذي ما يأتيني فله درهم، وشرط بعضهم في الفعل أن لا يكون مسندًا إلى فاعل مختص، لئلا يسري التخصيص منه إلى الفعل، فلا يجوز عنده: الذي ألقاه فله درهم.
وفهم من كلام المصنف أن الصلة متى كانت غير شيء، من هذه الأمور الثلاثة - وهي الظرف وشبهه والفعل الصالح للشرطية - امتنعت الفاء، كالجملة
стр. 773
الاسمية، فلا يجوز نحو: الذي أبوه محسن فمكرم، خلافًا لابن السراج:
«أو نكرة» بالرفع عطف: إما على (الـ ـ ـ)، أو [على] (غيرها).
يعني أن المبتدأ الذي تدخل الفاء على خبره أحد أشياء: إما (الـ ـ) أو (غيرها) أو نكرة «عامة موصوفة بأحد الثلاثة» إما الظرف نحو: رجل عنده حزم فسعيد، ويمتنع على هذا أن يقدر الظرف خبرًا في هذه الصورة، وإما شبه الظرف نحو: عبد الكريم فما يضيع، وإما فعل صالح للشرطية نحو: نفس تسعي في نجاتها فلن تخيب.
وخص ابن الحاجب ذلك بـ ـ (كل)، والصحيح التعميم؛ لأن النكرة في الإثبات تعم بقرينة، فلا مانع إذن «أو مضاف إليها» بالرفع عطفًا على موصوفة، فالمعنى: أو نكرة عامة مضاف إليها شيء «مشعر بمجازاة» فالتنكير والعموم مأخوذان في الصورتين، والضمير في (إليها) عائد إلى (النكرة) المتقدم ذكرها، وذلك نحو كل رجل عنده حزم فسعيد، إلى آخر الأمثلة السابقة «أو موصوف» بالرفع/ عطف على (نكرة)، أو على (الـ ـ). «بالموصول» متعلق بـ ـ (موصوف)،
стр. 774
والأداة فيه للعهد، أي بالموصول. «المذكور» كقوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحًا فليس عليهن جناح﴾، وقوله تعالى: ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملقيكم﴾، قال الشاعر:
صلوا الحزم، فالخطب الذي تحسبونه *** يسيرا فقد تلقونه متعسرًا
وفي ذلك خلاف، احتج المجيز بالآيتين الشريفتين والبيت، وبأن الصفة والموصوف كشيء واحد.
ورد القياس بأنه لو صح للزمت موافقة يونس في إجازة: وازيد الطويلاه، والاحتجاج بالبيت بأنه محتمل لزيادة الفاء فيه، كما قال:
............................. *** والصغير فيكبر
وأما الآية الأولى، فيحتمل كون (اللاتي) هو الخبر، وما بعد الفاء جملة مرتبطة
стр. 775
[بالفاء] بالتي قبلها، ويحتمل كون (للاتي) مبتدأ ثانيًا، ودخلت الفاء في خبره؛ لأنه موصول، ثم الجملة من الموصول وخبره خبر (القواعد)، والرابط محذوف، أي اللاتي لا ترجون فيهن نكاحًا، وتكون (القواعد) على قسمين مختلفي الحكم، [وأما على جعلهما مبتدأ وخبرًا فهما قسم واحد]، وأما على جعلهما منعوتًا ونعتًا، فإن قدرنا النعت كاشفًا، فكما لو قدرتهما مبتدأ وخبرًا، وإن قدرناه موضحًا ومخصصًا، فكما لو قدرت مبتدأين.
وأما الآية الثانية فيحتمل أن الموصول خبر لا صفة. واعترض: بأنه لا فائدة فيه حينئذ.
وأجيب: بأنهم كانوا يقولون: إن فرارهم لغير ذلك، بدليل: ﴿يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارًا﴾، فأخبر عنهم بأنهم [إنما] يفرون من الموت، وقيل: (الذي) بدل من (الموت)، كأنه قيل: الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم. «أو مضاف إليه» برفع (مضاف)، على أنه عطف على (موصوف) من قوله: (أو موصوف بالموصول)، يعني: أو مضاف إلى الموصوف بالموصول مثل
стр. 776
غلام الرجل الذي يأتيني فله درهم.
ومثل ابن قاسم بقولك: غلام الذي يأتيني فله درهم، وبقول زينب بنت الطثرية ترثي أخاها:
يسرك مظلومًا ويرضيك ظالمًا *** وكل الذي حملته فهو حامله
стр. 777
وإنما الكلام في المضاف إلى الموصوف بالموصول، لا في المضاف إلى الموصول.
واعلم أن بعضهم قال: لابد - في دخول الفاء في الخبر - من اشتراط أن يكون الخبر مفردًا أو جملة يصح دخول فاء الجزاء عليها، فلا تدخل في نحو قوله تعالى: ﴿والذين امنوا وعملوا الصالحات وامنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم﴾، كما لا تدخل في نحو: إن جئتني أكرمتك.
وانظر إلى عظم الفصل بهذه الجملة الاعتراضية، أعني: ﴿وهو الحق من ربهم﴾ ما أعلاه.
«وقد تدخل» الفاء «على خبر (كل) مضاف إلى غير موصوف» لمضارعته لكلمات الشرط في الإبهام، كما جاء في بعض الأذكار المأثورة عن السلف: كل نعمة فمن الله.
وانظر وجه قول المصنف: (مضاف) بالتنكير والجر، فإنه في النسخة التي بين يدي الآن كذلك، ولا يصح كونه صفة لـ ـ كل)؛ لأنه معرفة؛ لما تقرر من أن الكلمات التي يراد منها مسمياتها الألفاظ أعلام لها، نحو: زيد اسم، وقام فعل، ومن حرف جر. «أو» مضاف «إلى موصوف بغير ما ذكر» كقول الشاعر:
كل امر مباعد او مدان ... فمنوط بحكمة المتعالي
стр. 778
«و» قد تدخل الفاء أيضًا «على خبر موصول غير واقع موقع (من) الشرطية ولا (ما) أختها» نحو: ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله﴾.
فإن مدلول (ما) معين، ومدلول (أصابكم) محقق المضي، فانتفت مشابهة الشرط معنى، لكنه اعتبر فيه مجرد الشبه اللفظي، فإن/ (ما) الموصولة شبيهة بـ ـ ـ (ما) الشرطية لفظًا، وكذا ما وقع [في] الحديث: (الذي يشق رأسه فكذاب) فإن هذا إخبار عن معين، لكن روعي مشابهة لفظ (الذي) المراد به الخصوص للفظ (الذي) المراد به العموم، وللعرب مذهب معروف في رعاية المشابهة، اللفظية وقد علمت أن ثم من منع ذلك وأول الآية بما تقدم. «ولا تدخل» الفاء «على خبر غير ذلك، خلافًا للأخفش» فإنه أجازه تمسكًا بقوله:
وقائلة: خولان فانكح فتاتهم *** وأكرومة الحيين خلو كما هيا
стр. 779
وهو محمول عند سيبويه على أن (خولان) خبر مبتدأ محذوف، أي هذه خولان، أو هؤلاء خولان فانكح فتاتهم، وتمسكًا بقول الآخر:
أرواح مودع أم بكور *** أنت فانظر لأي ذاك تصير
стр. 780
وهو محمول عندهم على أن (أنت) فاعل فعل مقدر يفسره المذكور.
«ويزيلها نواسخ الابتداء» أي: يزيل جواز دخول افاء، أو يزيل حكم الفاء، ولابد من تقدير أحد هذين الأمرين؛ لأنه ليس المراد أن نواسخ الابتداء دخلت على تركيب فيه هذه الفاء فأزالتها، وإنما المراد أنها دخلت تركيب كان جواز دخول الفاء ثابتًا فيه فأزالت الجواز باقتضائها المنع، ولك - حينئذ - أن تقدر محذوفًا: إما مضافين أو مضافًا واحدًا كما ذكرنا، فلا يصح أن تقول: كان الذي يأتيني فله درهم، ولا ليت الذي أنصحه فهو يقبل؛ لزوال المجوز لدخول الفاء، وهو شبه الشرط (من حيث أن كلمة الشرط) لازمة التصدير، فلا [يعمل] فيها ما قبلها.
«إلا إن» بالكسر» وأن» بالفتح «و (لكن) على الأصح» فإنهن لا يزلن جواز دخول الفاء؛ وذلك لأنهن لما لم يغيرن معنى الابتداء لم يعت
بهن، والمانع هو الأخفش في أحد قوليه، ورد عليه بأن شهادة السماع قائمة على خلاف ما قال، ففي التنزيل:
стр. 781
﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم﴾، ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم﴾، ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم﴾، ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة وللرسول﴾.
وقال الأفوه:
فوالله ما فارقتكم قاليًا لكم *** ولكن ما يقضي فسوف يكون
وظاهر كلام المصنف أنه لا خلاف في غير الثلاثة، وقد حكي في (لعل) قول ضعيف، وصرح ابن الحاجب بأن (ليت) و (لعل) مانعان باتفاق.
قال: لأنه يؤدي إلى تناقش معنوي، وذلك أن خبر (ليت) و (لعل) غير محكوم عليه بالصدق والكذب، وما يقع بعد الفاء خبر محض، وجزاء الشرط يجب أن يكون قضية خبرية معلقة بالشرط؛ لأن الإنشاء ثابت، والثابت لا يقبل تعليقًا، وقولنا: أنت حر إن دخلت الدار، إنشاء التعليق [لا تعليق] الإنشاء.
стр. 782
قال الرضي: وليس بشيء؛ لصحة قولك: إن جاء زيد فاضر به، قال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بأيات الله ويقتلون النبين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم﴾.
قلت: نظر إلى صورة وقوع الإنشاء جزاءً، وابن الحاجب لا يمنع وقوعه من هذه الحيثية، إنما الممنوع عنده - فيما يظهر من كلامه - وقوع الإنشاء لفظًا ومعنى [جزاء] من غير تأويل؛ لعدم إمكانه؛ وذلك لأنك إذا قلت: أكرم زيدًا، فهو يدل بظاهره على طلب في الحال لإكرام زيد في الاستقبال، فيمتنع تعليق الطلب الحاصل في الحال على حصول ما يحصل في المستقبل، إلا إذا أول بأن يحمل اللفظ بواسطة القرينة على الطلب/ في الاستقبال، كما في الجملة الاسمية، وأما الإكرام: فإما أن يعلق على الشرط من حيث هو مطلوب، كأنه قيل: إذا جاءك زيد فإكرامه مطلوب منك، فيلزم - مع ما ذكر من انتفاء الطلب في الحال - تأويل الطلبي بالخبري. وإما أن يعلق عليه من حيث وجوده، والطلب حاصل في الحال كأنه قيل: إذا جاءك زيد يوجد إكرامك إياه مطلوبًا منك في الحال، فيلزم تأويل الطلبي بالخبري، وأن لا يكون للطلب تعلق بالشرط أصلًا.
وبالجملة: لا يمكن جعل الطلبي جزاءً بلا تأويل إلى خلاف ظاهره.
ويتفرع عن التأويل وعدمه (احتمال الصدق والكذب وعدمه) في الشرطية.
стр. 783
التي جزاؤها، وإن كان الطلب في نفسه لا يحتملها، وقد مر - فيما سلف من الكلام على الخبر - شيء من ذلك.
стр. 784
الباب الثالث عشر
«باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر»
بجر (الاسم) و (الخبر) على الإضافة، وبنصبهما على إعمال اسم الفاعل.
فإن قلت: هو للثبوت والاستمرار، فاسم الفاعل [حينئذ] حال محل الفعل المضارع الذي يراد به الاستمرار، فيعمل كما يعمل، فكما تقول: جاء الذي يعطي الدراهم ويكسو الثياب، - تريد الذي شأنه ذلك - تقول: جاء المعطي الدراهم والكاسي الثياب بالنصب.
يعمل هذا العمل أفعال «فبلا شرط» أي: فيعمله بلا شرط، يعني سواء كانت مثبتة أو منفية، صلة أو غير صلة.
«كان» وقد ظهر بما قدرناه [وجه الإعراب وأصل التركيب، فالفاء للتفصيل، مثلها في قولك: الناس رجلان]: فرجل أكرمته ورجل أهنته. (وبلا شرط) حال من فاعل (يعمل) المؤخر عنه، وهو (كان) وما عطف عليه من قوله: «وأضحى
стр. 785
وأصبح وأمسى وظل وبات وصار وليس» ثم حذف قوله: (يعمل هذا العمل أفعال)؛ لدلالة ما ذكر في الترجمة عليه، وحذف ما بعد الفاء من الفعل والمفعول؛ لذلك أيضًا. «وصلة» بالنصب [عطفًا] على الحال المتقدمة، وهي قوله: (بلا شرط)، أي: ويعمل العمل المذكور صلة «لـ ـ ـ (ما)» المصدرية «الظرفية: دام» نحو: ﴿ما دمت حيًا﴾، واحترز من (ما) غير الظرفية، فلا يجوز - في: يعجبني ما دمت صحيحًا - كون صحيحًا خبرًا، وإنما هو حال، أي يعجبني دوامك في حال كونك صحيحًا. «و» تعمل العمل المذكور «منفية بثابت النفي» سواء كان النفي لفظيًا نحو: ما زال زيد أميرًا، أو معنويًا نحو: قلما يزال عبد الله ذاكرًا لك.
«[مذكور] غالبًا كما مثلنا، وقد يحذف كقوله تعالى: ﴿تالله تفتؤا تذكر يوسف﴾، والحذف مقيس في جواب القسم إن كان مضارعًا، وشاذ فيه إن كان ماضيًا، كقوله:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة *** ......................
стр. 786
أي: لا زالت، وفي المضارع الذي ليس بجواب كقوله:
وأبرح ما أدام الله قومي *** بحمد الله منتطقًا مجيدًا
أي: لا أبرج مدة قومي صاحب نطاق وجواد؛ لأنهم يكفونني ذلك.
«متصل لفظًا» كما مثلنا. «أو تقديرًا» ولا يكون الفاصل - إذ ذاك إلا فعلًا قلبيًا كقوله:
ولا أراها تزال ظالمة *** تحدث لي قرحة وتنكؤها
стр. 787
أي: وأراها لا تزال ظالمة، [أو قسمًا] كقوله:
فلا - وأبي دهماء - زالت عزيزة *** ..............................
«أو مطلوبة النفي» معطوف على قوله: (منفية)، والمراد به النهي والدعاء كقوله:
صاح شمر ولا تزل ذاكر المو *** ت فنسيانه ضلال مبين
وكقوله:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى *** ولا زال منهلًا بجرعائك القطر
стр. 788
«زال» معطوف على فاعل الفعل الذي قدرناه أولًا «ماضي يزال» / قال ابن قاسم: احترز من التي بمعنى (تحول) فمضارعها (يزول)، ومن: (زال الشيء، بمعنى عزله، فمضارعه (يزيل).
قلت: حكى الكسائي والفراء وغيرهما: (يزيل) مضارع زال الناقصة، وأنهم يقولون: لا أزيل أفعل كذا.
وكان الأولى أن يقول: زال لا بمعنى (انتقل)، ولا بمعنى (ماز).
ثم هلا ترك هنا هذا الاحتراز ألبتة، كما ترك الاحتراز في بقية الأفعال عنها إذا وردت تامة، وأخر ذلك لما بعد هذا! !
«و (انفك) و (برح)» بكسر العين «و (فتيء)» كذلك على وزن (شرب).
«و (فتأ)» على وزن (أكل)، ومضارعهما يفتأ، بفتح العين، ومصدرهما فتء كضرب، وفتوء كـ ـ ـ (قعود) «و (أفتأ) مثل: أخرج، وهي لغة تميمية، حكاها في المحكي. وبقي عل المصنف: (فتؤ) كـ ـ (ظرف).
«و (ونى) و (رام) مرادفتاها» أي: مرادفتا الأفعال المتقدمة، احترازًا من (ونى) بمعنى فتر) و (رام) بمعنى (حاول) فمضارعها (يروم) وبمعنى (تحول) فمضارعها (يريم) كمضارع الناقصة.
стр. 789
قال المصنف: وهذان الفعلان (ونى) و (رام) غريبان لا يكاد يعرفهما من النحاة إلا من عني باستقراء الغريب، ومن شواهد استعمالهما قول الشاعر:
لا يني الخب شيمة الخب ما *** دام فلا تحسبنه ذا ارعواء
الخب الأول: - بكسر الخاء المعجمة -[الخداع] والخبث، والثاني: - بالفتح -[صفة] لمن قام به ذلك، يقال: رجل خب، أي: ذو خبث وخداع وقول الشاعر:
إذا رمت ممن لا يريم متيمًا *** سلوًا فقد أبعدت في رومك المرمى
وقدح أبو حيان في الاستدلال بالبيت الأول باحتمال كون (شيمة الخب) منصوبًا على إسقاط الخافض، والأصل: عن شيمة الحب، وفي الاستدلال بـ ـ ـ[البيت] الثاني باحتمال نصب (متيمًا) على الحال.
واعلم أن ثلاثة من هذه الأفعال يحتاج إلى البحث في وزنها، وهي (كان) و (لي) و (زال):
فأما (كان) فـ ـ ـ (فعل) بالفتح، وعن الكسائي: (فعل) بالضم، ولنا أنها مشبهة بالفعل المتعدي، وأن وصفها على (فاعل) لا (فعيل).
стр. 790
وأما (ليس) فلا تكون (فعل) بالضم، لأنها مشبهة بالمتعدي، ولانتفائه من الأجوف اليائي إلا (هيؤ)، ولا (فعل) بالفتح، لأن الفتحة لا تخفف، وإذا لم تخفف لزم قلب الياء ألفًا، وإنما هو (فعل) بالكسر، ثم خفف كـ ـ (علم)؛ ليسلم؛ لأنه جامد، فكرهوا أن يدخله القلب؛ فلهذا التزم فيه التخفيف، وليلزم طريقة واحدة، كما أن الجامد كذلك، وإنما لم يكرهوا الإعلال في (عسى) - مع جمودها فيتحيلوا على مسقطه - لأن اللام يسرع إليها التغيير.
وأما (زال) فعلى ثلاثة أوجه:
قاصرة: بمعنى (ذهب)، وليست (فعل) بالكسر، لأن مضارعها (يفعل) بالضم، تقول: زال يزول، ولا (فعل) بالضم؛ لأن الوصف منها (زائل) [لا زول]؛ ولأنها مشبهة بالمتعدي، فثبت أنها (فعل) بالفتح.
ومتعدية: بمعنى ماز الشيء من غيره، وهي أيضًا (فعل) بالفتح، لأن مضارعها بالكسر، وعينها ياء، لأنها لو كانت واوًا لقيل: (زلت)، كـ ـ (قلت).
وناقصة: وهذه (فعل) بالكسر؛ لفتح المضارع، وعينها ياء كالمتعدية، كذا قيل، ولا يمتنع أن تكون واوًا من باب (خاف) [يخاف]، بل هو أولى؛ لأنه الغالب في الألف المتوسطة.
وقال الفراء: هي منقولة من القاصرة.
стр. 791
وقال ابن خروف: من المتعدية، قالا: وغير الوزن [فرقًا] بين الناقصة والتامة.
وهذه دعوى تخالف الأصل بغير دليل.
وجزم في الارتشاف بأن التامة - قاصرة أو متعدية - عينها واو.
«وكلها» أي كل هذه الأفعال [الناقصة]. «تدخل على المبتدأ» والخبر. «إن لم يخبر عنه بجملة طلبية» وهذا مبني على الصحيح من أن الجملة الطلبية تقع خبرًا للمبتدأ، وينبغي أن يقول: ولا إنشائية. فإنه لا يجوز كان عبدي بعتكه، على قصد الإنشاء.
قال الرضي: / وإنما لم يقع أخبار هذه الأفعال جملًا طلبية؛ لأن هذه الأفعال صفات لمصادر أخبارها في الحقيقة، ألا ترى أن معنى: كان زيد قائمًا: لزيد قيام له حصول في الزمن الماضي، ومعنى: صار زيد قائمًا: لزيد قيام له حصول في الزمن الماضي بعد أن لم يكن، ومعنى: أصبح زيد قائمًا: لزيد قيام له حصول في الزمن الماضي بعد أن لم يكن، ومعنى: أصبح زيد قائمًا: لزيد قيام له حصول في الزمن الماضي وقت الصبح، وكذا سائرها؛ إذ في كلها معنى الكون مع قيد آخر، فلو كان أخبارها طلبية لم تخل هي من أن تكون خبرية أو طلبية، فإن كنت خبرية تناقض الكلام؛ لأن هذه الأفعال - بكونها صفة لمصدر خبرها - تدل على أن المصدر مخبر عنه بالحصول [في أحد الأزمنة الثلاثة، والطلب في الخبر يدل على أنه غير
стр. 792
محكوم بالحصول] في أحدها، فيتناقض، وبعبارة أخرى: مصدر الخبر في جميعها فاعل للفعل الناقص كما ستعرفه، فلو قلت: كان زيد هل ضرب غلامه؟ كان ضربه لغلامه مخبرًا عنه [بكان] ثابتًا عند المتكلم، مسئولًا عنه بـ ـ ـ (هل) غير ثابت عنده، وهو تناقض، وإن كانت الأفعال طلبية مع أخبارها، وهي كما ذكرا صفة للأخبار - اكتفي بالطلب الذي فيها عن الطلب الذي في أخبارها إن كان الطلبان متساويين، إذ الطلب فيها طلب في أخبارها، تقول: كن قائمًا، أي قم، وهل تكون قائمًا، أي هل تقوم؟ ، وإن اختلف الطلبان، بأن يكون أحدهما، أمرًا والآخر استفهامًا، نحو: كوني هل ضربت؟ اجتمع طلبان مختلفان على مصدر الخبر، في حالة واحدة، وهو محال.
«ولم يلزم التصدير» كأسماء الشرط والاستفهام وما أضيف إليها والمقرون بلام الابتداء و (كم) الخبرية، خلافًا للأخفش في (كم)، فإنه أجاز جعلها اسمًا لـ ـ (كان)؛ لأنها بمنزلة (كثير)، فلا تلزم الصدر، والصحيح المنع؛ لعدم السماع؛ ولأنها
стр. 793
إنشائية كما ستعرفه بعد هذا إن شاء الله تعالى. «أو» لم يلزم «الحذف» حذرًا من المخبر عنه بنعت مقطوع ونحوه. «أو» لم يلزم «[عدم] التصرف» أي عدم لزومه صيغة واحدة، وذلك بأن يصغر ويثنى ويجمع، وهذا هو الذي أراده هنا لا التصرف المذكور في الظروف والمصادر، وهو عدم ملازمة وجه من أوجه الإعراب، كما توهم أبو حيان وأتباعه؛ لئلا يلزم التكرار بما بعد هذا الشرط.
و[إنما اشترط] ذلك لأن الأصل في الأسماء التصرف بالمعنى الذي ذكرناه، وكذا الأصل في الأفعال التصرف، أي عدم لزوم صيغة واحدة، وذلك بأن تستعمل بالأوجه الثلاثة الدالة على خصوصيات الأزمنة، والحروف كلها بخلاف ذلك، فمتى كان الاسم جامدًا أشبه الحرف، والناسخ لا يدخل على الحرف، فكذلك لا يدخل على ما يشبهه. كذا قرره الرضي.
قلت: وفيه نظر؛ لما يلزم [عليه] من أ (من) و (ما) الموصلتين -[مثلًا]- لا تدخل عليهما هذه النواسخ، وبطلانه مقطوه به. «أو» لم يلزم «الابتدائية».
стр. 794
حذرًا من أن يلزمها، فلا يدخل عليه شيء من هذه الأفعال، ومثله المصنف بقولهم: أقل رجل يقول ذلك. وبقولهم: نولك أن تفعل. ورد أبو حيان الثاني، وتبعه تلميذه ابن قاسم بقول النابغة:
فلم يك نولكم أن تشقذوني *** ودوني عازب وبلاد حجر
فأدخل (كان) على (نولكم).
والمضارع من قوله: (تشقذوني) - بضم أوله - مضارع (أشقذه) بهمزة فشين معجمة فقاف فذال معجمة، أي طرده.
стр. 795
ومعنى (ودوني) [ودون] أرضي أو بلدي. وبما أنشده الزمخشري في الأساس من قول الشاعر:
لئن حن أجمال وفارق جيرة *** عنيت بنا ما كان نولك تفعل
/ وقال ابن هشام: تقول ما كان نولك أن تفعل، بنصب (نولك) ورفعه، فإن رفعته احتمل أن يكون اسمًا لـ ـ ـ (كان)، و (أن تفعل) فاعل سد مسد خبر (كان)، كما سد مسد خبر المبتدأ، واحتمل أن تكون (كان) شانية. انتهى.
والبيتان لا شاهد فيهما؛ لجواز كون الناسخ شأنيا، نعم: لو سمع نصب النول لكان خبرًا، وصح الاستشهاد به، ونهض الاعتراض، لكن لم يحك ذلك إلا عن تجويز ابن هشان، وذلك رأي لا رواية فلا يجب قبوله.
قال ابن هشام: وإذا جعلت (كان) شانية كان (نولك أن تفعل) مفسرًا لضمير الشأن، فـ ـ (نولك) مبتدأ، و (أن تفعل) فاعل سد مسد خبر المبتدأ.
واعترضه ابن قاسم: بأن ضمير الشأن لا يفسر - عند البصريين - إلا بجملة مصرح بجزئيها. [وهو ساقط؛ لأن (نولك أن تفعل) جملة مصرح بجزئيها].
стр. 796
وقصارى ما في [هذا] الباب: أن الفاعل سد مسد خبر [المبتدأ]، ولا نفي ولا استفهام سابق على المبتدأ، وهو سهل؛ لأن ظهور إرادة [معنى] الفعل منه أغنى بمفرده عن ذلك، وليس الاعتماد شرطًا في كل ما كان بمعنى الفعل، وإنما هو شرط في الصفة كما سبق. «لنفسه» أي [لم] يلزم الابتداء لنفسه، ومثل ابن قاسم وغيره له بقولهم: أقل رجل يقول ذلك، أي ما يقول ذلك رجل، ولا يدخل الناسخ عليه كما لا يدخل على ما في معناه، وفيه نظر. والظاهر أن هذا الذي يقال فيه: امتنع لمانع معنوي كما يأتي، فينبغي أن يفكر في مثال لهذا القسم. «أو» لـ ـ ـ «مصحوب لفظي» عطف على (لنفسه).
قال ابن قاسم: مثل المبتدأ بعد (لولا) الامتناعية، و (إذا) الفجائية. وفيه نظر؛ إذ لا يمتنع - في لولا زيد سالم لهلك - أن يقال: لولا كون زيد مسالمًا، وكذا: لولا زيد لأكرمتك، [لا يمتنع أن يقال فيه]: لولا كون زيد [لأكرمتك]، فلم يمتنع
стр. 797
دخول الناسخ مطلقًا، بل الناسخ الفعلي. «أو» لمصحوب «معنوي» نحو: ما أحسن زيدًا، ولله درك ومن أمثالهم: العاشية تهيج الآبية. يعنون أن الإبل التي تتعشي إذا رأتها [الإبل] التي لا تشتهي العشاء اشتهت فأكلت معها، ومن كلامهم: الكلاب على البقر. مثل به المصنف، لهذا القسم، وهو ما لزم الابتدائية لمصحوب معنوي، وقد يعترض بقولهم: الكلاب ..... ، بالنصب، بتقدير: أرسل الكلاب .... ، فأين لزوم الابتدائية، والمسألة في الفصيح، وهو قد ذكرها في هذا الكتاب.
«وندر» قوله:
«وكوني بالمكارم ذكريني» *** ودلي دل ماجدة صناع
стр. 798
ومع ندوره هو مؤول بالخبر مثل: ﴿فليمدد له الرحمن مدًا﴾، أي كوني تذكرينني. «فترفعه» عطف على (تدخل)، والضمير المستكن عائد على (كلها)، والبارز عائد على المبتدأ.
«ويسمى» المرفوع حينئذ «اسمًا» وهذه الجملة الفعلية معطوفة على الاسمية المتقدمة من قوله: (وكلها تدخل على المبتدأ).
ولا يصح أن تكون معطوفة على الفعلية من قوله: (تدخل)، ولا من [قوله]: (فترفعه)؛ لعدم رابط فيها يعود على مبتدأ الاسمية المذكورة. «و» يسمى المرفوع المذكور أيضًا «فاعلًا»، وتنصب خبره» أي خبر المبتدأ الداخلة هي عليه «ويسمي خبرًا ومفعولًا»
أما عمل هذه الأفعال العمل المذكور وتسمية المرفوع بها اسمًا، والمنصوب بها خبرًا، فهو الذي عليه الجمهور، ولا يعرف المتأخرون غير اسم (كان) وخبرها، وكذا بقية أخواتها، والمبرد يسمى المرفوع فاعلًا والمنصوب مفعولًا.
стр. 799
واختلف الكوفيون في رافه الاسم، فقال الفراء: ارتفع بالناسخ - كما يقول البصريون - لكنه [قال] ارتفع به لا لأنه فاعل بل لشبهه في الصورة بالفاعل.
وقال بقية الكوفيين: لم يرتفع بالفعل بل بما كان/ مرتفعًا [به] قبل وجود الناسخ، واحتجوا بأن الفعل إنما عهد رفعه لما أسند هو إليه كقام زيد، وضرب عمرو، وليس الناسخ مسندًا إلى هذا المرفوع.
وجوابه أنه وإن لم يكن مسندًا إليه لكنه في صوة ما أسند إليه، ويدل على أنه الرافع اتصاله به إذا كان ضميرًا نحو: كنت قائمًا.
ثم اختلف الأولون فقيل: هو مشبه بفاعل الفعل القاصر؛ لكون هذا الفعل لا يقتضي محلًا يقع عليه.
وقال البصريون: هو مشبه بفاعل الفعل المتعدي؛ لكون هذا الفعل يتوقف فهم معناه على اسمين، فأشبه (َرب)، وانبني على هذا الخلاف خلاف فيما شبه به الخبر:
فقال الفراء: هو مشبه بالحال.
وقال البصريون: [مشبه] بالمفعول. وهو الصحيح؛ لأنه كثيرًا ما يأتي على صورة لا يكون عليها الحال، فكان تشبيهه بالمفعول به أولى؛ لاطراده؛ وذلك لأنه يرد معرفة وجامدًا.
وقال بقية الكوفيين: هو حال حقيقة لا مشبه بالحال. ويرد بما ذكرنا من
стр. 800
اطراد وروده معرفة وجامدًا، وبأنه لا يكون فضلة.
واعترضوا قول البصريين: بأنه لو كان مشبهًا بالمفعول لم يقع جملة ولا ظرفًا ولا جارًا ومجرورًا، واللازم منتف.
وأجيب: بأن المفعول قد يكون جملة، وذلك بعد القول، وفي التعليق. وأما الظرف وشبهه فليسا الخبر، إنما الخبر متعلقهما المحذوف، وهو اسم مفرد.
«ويجوز تعدده خلافًا لابن درستويه» وابن أبي الربيع، قيل: وهو الظاهر من كلام سيبويه، إذ قال: إنها مشبهة بـ ـ (ضرب) ونحوه. والجمهور على الجواز؛ لأنه في الأصل خبر المبتدأ، فإذا جاز تعدده مع ضعف العامل فمع قوته أولى.
«وتختص (دام) والمنفي بـ ـ ـ (ما)» سواء كان مما شرطه النفي أولا. «بعدم الدخول على» مبتدأ «ذي خبر مفرد طلبي» فلا يجوز: أصبحك كيف ما دام زيد، ولا أين ما زال زيد، لازدحام اثنين على طلب الصدرية في الصورة الثانية، فأيهما أعطيها حصل الإخلال بحق الآخر؛ وللزوم تأخير ماله الصدر أو تقديم معمول الصلة في الأولى.
стр. 801
ونقل ابن الخباز أن الكوفيين يجيزون: أين ما زال زيد؟ ، وهو موافق لنقل المصنف عنهم أن (ما) ليس لها الصدر.
وفهم من قوله: (والمنفي) أنه يجوز في المثبت نحو: أين كان زيد؟ ومن قوله: (بما)، أنه يجوز في المنفي بغيرها نحو: أين لم يزل زيد؟ .
فإن قلت: وقوله (مفرد) يفهم [منه] الجواز في الجملة، لكنه باطل.
قلت: هذا المفهوم لاغ؛ لأنه يمنع من إعماله المنطوق السابق المقتضي لعموم المنع في الجميع، وهو قوله: (إن لم يخبر عنه بجملة طلبية).
«وتسمى» أفعال هذا الباب «نواقص؛ لعدم اكتفائها بالمرفوع» (فلا تتم بالمرفوع بها كلامًا، بل المرفوع) [مع] المنصوب، بخلاف الأفعال التامة، فإنها تتم كلامًا بالمرفوع دون المنصوب، وهذا مذهب الجمهور، وهو المذهب المنصور.
«لا لأنها تدل على زمان دون حدث» بخلاف الأفعال التامة، فإنها تدل على حدث وزمان؛ ولهذا سميت أفعال هذا الباب ناقصة، وهذا مذهب المبرد وابن السراج والفارسي وابن جني وابن برهان والشلوبين، وهو ظاهر قول سيبويه، وقد
стр. 802
شنع ابن هشام على الشلوبين.
فقال: ذهب إلى هذا مع أنه ملأ تعاليقه من تقدير مصادرها، ألا ترى أنه يقول: - في نحو يعجبني أن زيدًا أخوك .. تقديره يعجبني كون زيد أخاك. «فالأصح دلالتها» أي دلالة أفعال هذا الباب «عليهما» أي على الحدث والزمان «إلا (ليس)».
قال الرضي: فـ ـ (كان) - في نحو: كان زيد قائمًا - يدل على الكون/ الذي هو الحصول المطلق، وخبره يدل على الكون المخصوص، وهو كون القيام، أي حصوله، فجيء أولًا بلفظ دال على حصول ما، ثم عين بالخبر ذلك الحاصل، فكأنك قلت: حصل شيء، ثم قلت: حصل القيام، فالفائدة في إيراد مطلق الحصول أولًا، ثم تخصيصه، كالفائدة في ضمير الشأن قبل تعيين الشأن، مع فائدة أخرى هنا، وهي دلالته على تعيين زمان ذلك الحصول [المقيد] ولو قلنا: قام زيد، لم تحصل هاتان الفائدتان معًا، فـ ـ ـ (كان) يدل على حصول حدث مطلق تقييده في خبره، وخبره يدل على حدث [معين] واقع في زمان مطلق تقييده في (كان)، لكن دلالة (كان) على الحدث المطلق - أي الكون - وضعية، ودلالة الخبر على الزمان المطلق عقلية.
قال: وأما سائر الأفعال الناقصة - نحو: (صار) الدال على الانتقال، و (أصبح) الدال على الكون في الصبح، ومثله أخواته، و (ما دام) الدال على [معنى] الكون
стр. 803
الدائم، و (ما زال) الدال على الاستمرار، وكذا أخواته و (ليس) الدال على الانتفاء - فدلالتها على حدث [معين] لا يدل على الخبر في غاية الظهور، فكيف يكون جميعها ناقصة بالمعنى الذي قالوه! ! .
هذا كلامه، وهو نص في مخالفة المصنف في استثناء (لي)، وادعائه أنها لا دلالة لها على الحدث.
واستدل المصنف على دلالة ما عدا (ليس) من هذه الأفعال الناقصة [على الحدث] بعشرة أمور:
الأول: أنها تستعمل أوامر، نحو: ﴿كونوا قوامين﴾ وصيغة (افعل) موضوعة لطلب تحصيل الحدث، [لا] لطلب تحصيل الزمان.
الثاني: أنها يستعمل لها اسم فاعل، نحو: زيد كائن أخاك، واسم الفاعل لفظ دال على ذات باعتبار حدث قائم بها.
الثالث: أنها قع صلة لحرف مصدري في نحو: ﴿إلا أن تكونا ملكين﴾، وذلك لازم في (دام).
стр. 804
الرابع: أنه قد صرح بمصدرها معملًا عملها في قوله:
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى *** وكونك إياه عليك يسير
وفيه رد من قال: المنصوب بعد الكون حال.
قال ابن قاسم: ويحتمل أن الأصل: وكونك تفعله، أي تفعل المذكور من بذل وحلم، ثم حذف الفعل فانفصل الضمير، كما قال المصنف: - في] فإذا هو إياها -[إن] التقدير: فإذا هو يشبهها.
الخامس: أن منها ما شرطه النفي، فإذا قيل: ما انفك زيد غنيًا، فإن لم يدل (انفك) على الانفكاك لزم أن لا ينصب النفي عليها، بل على حدث الخبر، فيكون قولك: ما انفك زيد غنيًا، وما زيد غنيًا، في الزمن الماضي بمعنى واحد، والواقع بخلافه.
السادس: أنها كلها مستوية في إفادة الزمان، ومعانيها متمايزة، فأنى نقطع بأن (كان زيد غنيًا) مخالف في المعنى لـ ـ (صار زيد غنيًا)، وما به الافتراق غير ما به الاتفاق ولا معنى للفعل غير الزمان إلا الحدث! !
стр. 805
السابع: أن دلالة الفعل على الحدث أقوى من دلالته على الزمان، لأن دلالة المادة أقوى من دلالة الصيغة، فكيف تجرد من المعني الذي (دلالته عليه أقوى، ويترك المعنى الذي دلالته عليه) أضعف! !
الثامن: أن الفعل يستلزم الدلالة على الحدث والزمان معًا؛ إذ الدال على الحدث وحده مصدر، والدال على الزمان وحده اسم زمان.
التاسع: أن الأصل في كل فعل الدلالة على المعنيين، والإخراج عن الأصل لا يقبل إلا بدليل.
العاشر: أنها لو كانت دلالتها مخصوصة بالزمان لجاز أن ينعقد من بعضها ومن اسم معنى جملة تامة، كما ينعقد منه ومن اسم الزمان.
ولا يخفاك ما في بعض هذه الوجوه من الضعف.
واعلم أن هذا الخلاف الذي/ ذكره المصنف ينبني عليه خلاف في أنهل هل تعمل في الظرف أو الجار والمجرور أو لا، ذكره أبو حيان في الارتشاف، وذكره غيره، وهو حسن.
«وإن أريد بـ ـ (كان) ثبت».
قال المصنف: وثبوت كل شيء بحسبه، فتارة يعبر عنه بالأزلية، نحو: (كان الله ولا شيء معه)، وتارة بـ ـ ـ (حدث)، نحو:
стр. 806
إذا كان الشتاء [فأدفئوني] *** .................
وتارة بـ ـ (حضر) نحو: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾، وتارة بـ ـ (قدر) أو (وقع)
стр. 807
نحو: (ما شاء الله كان). انتهى. والتعبير بـ ـ (قدر) مشكل؛ لأن (شاء الله) بمعنى (قدر) فيتحد السبب والمسبب. «أو كفل» نحو: كنت الصبي، بمعنى: كفلته. «أو غزل» يقال: كنت الصوف، بمعنى: غزلته، فهذه ثلاثة معان لـ ـ (كان) التامة، وهي في أولها قاصرة، وفي الأخيرين متعدية، ومصدرهن الكون، كمصدر الناقصة عند من أثبته، إلا التي بمعنى (كفل)، فمصدرها الكيانة، كالحراسة والكلاءة، ولم يذكر معنى (كان) الناقصة، وهو مفهوم مما أسلفناه.
«و» إن أريد «بتواليها الثلاث»، وهن: (أضحى) و (أصبح) و (أمسى) «دخل في الضحى» نحو: أضحى زيد، إذا دخل في هذا الوقت. «والصباح والمساء» [نحو]: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ وفيه لف ونشر مرتب.
ولم يذكر معاني هذه الثلاث التوالي ناقصة، وهو إما اقتران مضمون الجملة بالزمان المشارك لها في الحروف، وإما معنى (صار)، وسيذكر. «و» [إن] أريد
стр. 808
«بـ ـ (ظل) دام» نحو: لو ظل الظلم هلك الناس «أوطال» نحو: ظل الليل، وظل النبت، وزعم المهاباذي ومن وافق: أنها لا تكون تامة وهم محجوجون بالسماع.
وأما معناها ناقصة: فـ ـ[إما] اقتران مضمون الجملة بالنهار لا بزمن مشارك لها في الحروف؛ إذ لا زمن يشاركها في ذلك. وإما معنى (صار)، وسيأتي، «و» أريد «بـ ـ (بات) نزل ليلًا» يقولون: بات فلان بالقوم، بمعنى: نزل بهم ليلًا، ويقولون: - أيضًا - بات فلان القوم، أي: أتاهم ليلًا. ولا ينبغي أن يفسر [هذا] بـ ـ (نزل)؛ لأنه يتعدى بنفسه، و (نزل) بالباء.
ولو قال المصنف: نزل في زمن البيتوتة، لكان أولى؛ لأنه أقرب إلى تفسير اللفظ.
وأما معناها ناقصة فاقتران [مضمون] الجملة بالبيتوتة.
«و» أريد «بـ ـ ـ (صار) رجع» فيتعدى بـ ـ ـ (إلى)، نحو: ﴿ألا إلى الله تصير الأمور﴾. «أو ضم أو قطع: فيتعدى - حينئذ - بنفسه إلى واحد، يقال: صاره يصيره ويصوره، أي: ضمه أو قطعه، كذا في شرح ابن قاسم، وهو في ذلك تابع للمصنف.
стр. 809
واعلم أن معنى الناقصة تحول الشيء من صفة إلى أخرى نحو: صار الفقير غنيًا، والجاهل عالمًا. ومادة هذه (ص ي ر) والتامة التي بمعنى (رجع) لها مادتان هذه، و (ص ور)، ولولا المادة الأولى لم يتأت له أن يذكر هذا في معاني (صار).
وفي الصحاح: صاره يصوره [ويصيره]: أماله، وقرئ: ﴿فصرهن إليك﴾ بضم الصاد وكسرها.
قال الأخفش: يعني وجههن، يقال: صر إلي، وصر وجهك إلي، أي أقبل علي [به]، وصرت الشيء أيضًا [أي] قطعته وفصلته، فمن قال هذا جعل في الآية تقديمًا وتأخيرًا، أي خذ إليك أربعة من الطير فصرهن. انتهى.
فلم يحك أنها تأتي بمعنى (ضم)، بل بمعنى (أمال) و (وجه) و (قطع).
وقال أيضًا: لما ذكر مادة (ص ي ر) - صار الشيء كذا يصير صيرًا وصيرورة،
стр. 810
وصرت إلى فلان مصيرًا كقوله تعالى: ﴿وإلى الله المصير﴾، والقياس: (المصار) كالمعاش. انتهى. ولم يذكر في هذه (ص ور)، وبدأ بالناقصة وذكر لها مصدرين، وثنى بالتامة وذكر لها مصدرًا واحدًا ميميًا، ولم يفسر واحدة منهما، والظاهر - في تفسير التامة - أنها بمعنى (انتهى)، / لا بمعنى (رجع)، وهذا المعنى لابد منه، وليس هو بمعنى (رجع).
«و» أريد «بـ ـ (دام) بقي» [نحو]: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾: «أو سكن» ومنه الحديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم)، أي الساكن.
وفي الصحاح: دام لشيء: سكن. [ولم يذكر معنى (بقي)، ثم ذكر أن هذه التي بمعنى (سكن) تعدى بالتضعيف وبالهمزة فقال: ويقال: دومت القدر وأدمتها، إذا سكنت غليانها بشيء من الماء. «و» أريد بـ ـ (برح) ذهب أو ظهر» وقد فر قولهم: برح الخفاء (بهذين المعنيين، وفي الصحيح: برح الخفاء)، أي:
следующие страницы →