← Адаб

Адаб · id 20986

البرهان في وجوه البيان

أبو الحسين الكاتب

Полный текст (316 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مسموعان، فمن أوصاف الخطابة أن تفتتح [الخطبة] بالتحميد والتمجيد، وتوشح بالقرآن وبالسائر من الأمثال، فإن ذلك مما يزين الخطب عند مستمعيها وتعظم به الفائدة فيها، ولذلك كانوا يسمون كل خطبة لا يذكر الله في اولها البتراء؛ وكل خطبة لا توشح بالقرآن ولا بالأمثال الشوهاء. ولا يتمثل في الخطب الطوال التي يقام بها في المحافل بشيء من الشعر، فإن أحب أن يستعمل [ذلك] في الخطب القصار وفي المواعظ والرسائل فليفعل، إلا أن تكون الرسالة إلى خليفة فإن محله يرتفع عن التمثل بالشعر في كتاب إليه، ولا باس بذلك في غيرها من الرسائل، وأن يكون الخطيب أو المترسل عارفاً بمواقع القول وأوقاته واحتمال المخاطبين له، فلا يستعمل الإيجاز في موضع الإطالة فيقصر عن بلوغ الإرادة، ولا الإطالة في موضع الإيجاز فيتجاوز في مقدار الحاجة إلى الإضجار والملالة، ولا يستعمل ألفاظ الخاصة في مخاطبة العامة، ولا كلام الملوك مع السوقة، بل يعطي كل قوم من القول بمقدارهم، ويزنهم بوزنهم، فقد قيل: "لكل مقام مقال". وإذا رأى من القوم إقبالاً عليه، وإنصاتاً لقوله فأحب أن يزيدهم زادهم على مقدار احتمالهم ونشاطهم، وإذا تبين منه إعراضاً عنه وتثاقلاً عن استماع قوله خفف عنهم، فقد قيل: من لم ينشط لكلامك فارفع عنه مثوبة الاستماع منك. وليس يكون الخطيب موصوفاً بالبلاغة

стр. 107

ولا منعوتاً بالخطابة إلا بوضع هذه الأشياء موضعها، وأن يكون على الإيجاز -إذا شرع فيه - نادراً، وبالإطالة -إذا احتاج إليها - ماهراً، فقد وصف بعضهم بالبلاغة بما قلناه، وقد سئل عنها: هي الاكتفاء في مقامات الإيجاز بالإشارة، والاقتدار في مواطن الإطالة على الغزارة، وقال الشاعر في هذا المعنى: (يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء) وقال جعفر بن يحيى: "إذا كان الإكثار أبلغ، كان الإيجاز تقصيراً، وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار هذراً"، فين ما يحمد من الإيجاز وما يحتاج إليه من الإكثار. فأما المواضع التي ينبغي أن يستعمل كل واحد منهما فيه، فإن الإيجاز ينبغي أن يستعمل في مخاطبة الخاصة، وذوي الإفهام الثاقبة الذين يجتزئون بيسير القول من كثيره، وبمجمله عن تفسيره، وفي المواعظ والسنن والوصايا التي يراد حفظها ونقلها، ولذلك لا ترى في الحديث عن الرسول ﵇ والأئمة ﵈ شيئاً يطول، وإنما يأتي على غاية الاختصار والاقتصار، وفي الجوامع التي تعرض على الرؤساء فيقفون على معانيها، ولا يشغلون بالإكثار فيها. وأما الإطالة ففي مخاطبة العوام، ومن ليس من ذوي الإفهام، ومن لا يكتفي من القول بيسيره، ولا يتفتق ذهنه إلا بتكريره، وإيضاح تفسيره، ولهذا استعمل الله في مواضع من كتابه

стр. 108

تكرير القصص، وتصريف القول ليفهم من يبعد فهمه، ويعلم من قصر علمه، واستعمل في مواضع أخر الإيجاز والاختصار لذوي العقول والأبصار، فما روي من الخطب القصيرة، والرسائل الموجزة والألفاظ المختصرة وما نحن ذاكرو بعضه ليدل على سائره. فمن ذلك خطبة تروى عن النبي ﷺ وهي أن قال بعد حمد الله والثناء عليه: "أيها الناس، كأن الموت في الدنيا على غيرنا كتب، وكأن الحق بها على غينا وجب، وكأن الذي يشبع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، بنوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم، كأنا مخلدون بعدهم، قد نسينا كل واعظة، وأمناً كل جائحة، طوبى لمن شغله عيبه من عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية، وجالس اهل الذلة والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن أذل نفسه، وحسنت خليفته، وصحت سريرته، وعزل -عن الناس شره، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم يعدها إلى البدعة". خطبة أخرى له ﵇ حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فقفوا عند نهايتكم، إن المؤمن بين غايتين: بين أجل قد قضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقى ما يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ

стр. 109

[كل] امرئ من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار". خطبة قس بن ساعدة التي رواها عنه النبي ﷺ ذكر [النبي] ﷺ أنه رآه بسوق عكاظ على جمل أحمر، وهو يقول: "أيها الناس اجتمعوا، ثم اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات قات، وكل ما هو آت آت. يا معشر إياد أين ثمود وعاد؟ ! وأين الآباء والأجداد؟ ! وأين المعروف الذي لم يشكر؟ ! وأين الظلم الذي لم ينكر؟ ! ، أقسم قس قسماً [حقاً] أن لله ديناً هو أرضى عنده من دينكم. ثم أنشد شعراً فهل فيكم من يحفظه، فقال بعضهم هو أبو بكر - رضوان الله عليه - أنا أحفظه، فقال: هاته فأنشد: (في الذاهبين الأواليـ .... ن من القرون لنا بصائر) (لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر) (ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر فالأكابر) (لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر) (أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر)

стр. 110

ومن كلام أمير المؤمنين ﵇ في الحكمة، وألفاظه القصار المتخبة. "المره مخبوه تحت لسانه، قيمة كل امرئ ما يحسن، اعرف الحق تعرف أهله. العلم ضالة المؤمن، أغنى الناس العقل وأفقر الناس الحمق، والدنيا دار ممر إلى دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل ابتاع نفسه فأعتقها، ورجل باع نفسه فأوبقها، إذا قدرت على عدوك فاجعل الصفح عنه شكراً للقدرة عليه. والصبر مطية لا تكبو، وسيف لا ينبو. عمرت البلاد بحب الأوطان. كفران النعمة لؤم. وصحبة الأحمق شؤم، إتباع الهوى يصد عن الهدى، الحجر الغصب في الدار رهن بخرابها. ما ظفر من ظفر الاثم به. الغالب بالشر مغلوب". ومن كلام غيره ﵇[من الظفر] تعجيل اليأس من الممتنع، من لم يعرف شر ما يولي لم يعرف خبر ما يعلي، الكريم للكريم محل، الموت في قوة وعزة خير من الحياة في ذل وعجز، لا زوال للنعمة مع الشكر، ولإبقاء لها مع الكفر، شفيع المذنب إقراره، وتوبته اعتذاره، عجب الرجل بنفسه أحد حساد عقله، لمنع الناس من عرضك بما ينكرونه من فعلك، من أمل أحد أهابه، ومن قصر عن شيء عابه، جهل المرء بقدر إهلاك منه لنفسه، الصبر حيلة من لا حيلة له، حسبك من شر سماعه، استر عورة أخيك لما يعرفه فيك، من خف على عدون ثقل على صديقه، من أسرع إلى الناس بما يكرهون رموه بما يعلمون".

стр. 111

وهذا كثير يطول به الكتاب، وإنما ذكرنا منه بعضه لتستدل به على سائره إن شاء الله. ومن الرسائل القصيرة الآتية على المعاني الكبيرة رسالة النبي ﷺ إلى مسيلمة لما كتب إليه: "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: أما بعد فإن الله قسم الأرض بيننا، ولكن قريش قوم غدر" فكتب إليه: "من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب: أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين". ورسالة يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، وقد بلغه عنه بعض التحبس عن بيعته، فكتب إليه: "من عبد الله أمير المؤمنين يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، فإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد علي أيهما شئت والسلام". فصل الحسن بن وهب، "فأسأل الله أن يبلغني أملي فيك، فإنها دعوة على قصرها طويلة". ولسليمان بن وهب "إن الدولة إذا أقبلت أكثرت العدد، وإذا أدبرت

стр. 112

أكثرت العدد وأقلت العدد". ولأحمد بن سليمان: "والنعم ثلاث: مقيمة، ومتوقعة، وغير محتسبة، فحرس الله لك مقيمها، وبلغك متوقعها، وآتاك ما لم تحتسب منها". وله أيضاً: "واعلم أن الحق لمن أصابه لا لمن أخطأه وقد أراده". ولمحمد بن عبد الملك: "ولو لم يكن من فضل الشكر إلا أنه لا يسري إلا بين نعمة مقصورة عليه، أو زيادة منتظرة به". ولأبي الربيع إلى يحيى بن خالد في اختيار العمال: "وليس لك أن تقول لربك: لم أجد وأنت لم تجتهد". ولابن مكرم: " (وأسألك عفو إمكانك في حاجتي)، وأضمن لك جهدي في شكرك". وفصل في تعزية: "وخير حواشي نعمتك ما فقد فوقاك، أو بقي فسلاك". [وفصل آخر: "والناس متقاربون حتى يحدث] غني موسع،

стр. 113

أو فقر مدقع، أو شكر سلطان)، أو نبوة زمان، أو خوف يتصل به خور، أو أمن يدعو إلى بطر". آخر في فصل من كتاب: "ومن أسكد الزمان أنني ما عاشرت أحداً إلا أنزلتني عشرته بين صبر على أذى، أو فراق على قلي". آخر: "والاعتذار منك تفضل، ومنا تنصل". ومن موجز التوقيعات: [وقع أبو صالح بن يزداد إلى رجل أذنب: "وقد تجاوزت عنك] فإن عدت أعدت إليك ما صرفته عنك". وإلى آخر خافه: "ليس عليك بأس، ما لم يكن منك بأس". وإلى آخر أدل بكفايته: "أدللت فأملكت، فاستصغر ما فعلت تنل ما أملت". ووقع المأمون إلى عامل له شكى: "قد كثر شاكوك (وقل شاكروك) فإما عدلت وإما اعتزلت". ووقع في أمر الجند: "لا يعطوا على الشغب، ولا يحوجوا إلى الطلب". ووقع إلى طاهر بن الحسين: "والله لئن هممت لأفعلن، ولئن فعلت لأبرمن، ولئن أبرمت لأحكمن". ووقع يحيى بن خالد في كتبه إلى رجل سأله [عن حاله]: أحسن

стр. 114

الناس حالاً في النعمة من ارتبط مقيمها بالشكر، واسترجع ماضيها بالصبر". ووقع محمد بن خالد إلى عامل له: "أجر أمورك على ما يكسبك الثناء، ويكسبنا الدعاء، وأعلم أنها أيام تنقضي، وأعمار تنتهي، فإما ذكر جميل، وإما خزي طويل". وإن رمنا أن نأتي بكل ما سمعنا في هذا الباب من مختصر الوصايا والأدب، وقصير التوقيعات والخطب، طال علينا، وشغلنا عما عليه أجرينا" وإنما ذكرنا ما ذكرنا مثالاً يحتذى عليه اللبيب، ويستن به الأديب، فأما الخطب الطوال، والرسائل الكبار، فهي مدونة موجودة في كتب الناس. وممن شرع في المعنيين من الإيجاز والإطالة [فسلم في الإيجاز من التقصير، وفي الإطالة] من الإسهاب والتكثير، وتقدم الناس جميعاً في ذلك لتقدمه في سائر فعائله أمير المؤمنين ﵇ وله من الخطب الطويلة المشهورة الزهراء والبيضاء والغراء، وغيرهن مما حمل عنه ونقل إلينا من قوله، وإنما تحسن الإطالة، وبسط الكلام كما قلنا في تفسير الجمل، وتكرير الوعظ، وإفهام العامة، ويليق ذلك بالأئمة والرؤساء، ومن يقتدي به ويؤخذ عنه؛ فأما العامة والجمهور، فلا يليق ذلك بهم، ولا ينبغي أن يتركوا يستعملونه، فإنه لقاح البيان، وسبب الاختلاف والتشتت. وقد روى أن عمار ﵁ -

стр. 115

تكلم يوماً فأوجز، فقيل له: لو زدتنا، فقال: أمرنا رسول الله ﷺ باختصار الخطب. ولهذا [المعنى] قال شاعر [الخوارج]. (كنا أناساً على دين ففرقنا ... قذع الكلام وخلط الجد باللعب) (ما كان أغنى رجالاً ضل سعيهم ... عن الجدال وأعفاهم عن الخطب) وممن استعمل في قوله وكتبه الإيجاز والاختصار من القدماء ليهون بذلك حفظ كتبه على من يريد حفظها، ويقرب على ناقل أقواله و [كتبه] فقلها، أرسطاطاليس، وإقليدس، فإنهما [لم] يأتيا في شيء من كلامهما بما لا يتهيأ لأحد أن يختصره، أو أن يأتي في معناهما بأقل من لفظهما فيه. وممن استعمل الشرح والإطالة منهم ليفهم المتعلم، ويفصل المعاني للمتفهم، جالينيوس ويوحنا النحوي، وكل قد قصد مقصوداً لم يرد به إلا النفع والخير. ومن الأوصاف التي إذا كانت في الخطيب سمى سديداً، وكان من العيب معها بعيداً، أن يكون في جميع ألفاظه ومعانيه جارياً على سجيته، غير مستكره لطبيعته، ولا متكلف ما ليس في وسعه، فإن التكلف إذا ظهر في الكلام هجنه، وقبح موقعه؛ وحسبك من ذم التكلف أن الله سبحانه أمر رسوله ﷺ بالتبرؤ منه فقال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.

стр. 116

أو لا يظن أن البلاغة إنما هي الإغراب في اللفظ، والتعمق في المعنى، فإن أصل الفصيح من الكلام ما أفصح عن المعنى، والبليغ ما بلغ الماد، ومن ذلك اشتقا؛ فأفصح عن معانيه، ولم يحوج السامع إلى تفسير له بعد ألا يكون كلاماً ساقطاً، ولا للفظ العامة مشبهاً، ولذلك قال بعضهم في وصف البلاغة: هي أن يتساوى فيها اللفظ والمعنى، فلا يكون اللفظ أسبق إلى القلب من المعنى، ولا المعنى أسبق إلى القلب من اللفظ وليس بنكر مع ذلك أن يكلم أهل البادية بما في سجيتها علمه، ولا ذوو اللب بما في مقدار إرادتهم فهمه، وإنما ينكر أن تكلم الحاضرة والمولدون من العرب بما لا يعرفون، وبما هم إلى تفسيره محتاجون، وأن تكلم العامة السخفاء، بما تكلم به الخاصة الأدباء، وإنما مثل من يكلم إنساناً بما لا يفهمه، وبما يحتاج إلى تفسيره له كمثل من كلم عربياً بالفارسية، لأن الكلام إنما وضع ليعرف به السامع مراد القائل، فإذا كلمه بما لا يعرفه فسواء عليه أكان ذلك بالعربية أم بغيرها؟ ! فما جرى في هذا الباب مجراه المعهود، وسلك به [سبيله المقصود، وأتى به]، طريقه المحمود له طويل أغرب فيه: "ولنا نعم همل أغفال، ما تبض ببلال

стр. 117

ووقير قليل الرسل كثير الرسل، أصابتها سنة حمراء مؤزلة ليس لها علل ولا نهل، فقال ﷺ : اللهم بارك له في محضها ومخضها ومذقها واحبس راعيها في الدثر ببائع الثمر، وافجر له للثمد، وبارك له في المال والولد" في كلام له طويل. وكقول الآخر في بعض سؤاله: أيدالك الرجل امرأته يا رسول الله؟ فقال: نعم إذا كان مفرحا فهذا كلام من السائل والمسئول والقائل والمجيب حسن مأثور، لأنه مفهوم بين من يخاطب به، وإنما يستنكر من ذلك الموضوع غير موضعه، والمخاطب به غير أمله، كقول أبي علقمة النحوي، وقد عثر فسقط، فاجتمعت عليه العامة فقال: "ما بالكم تتكأكأون على كأنما تتكأكأون على ذي جنة فرنقعوا"، وكقول آخر من أهل زماننا: "كنت في عقابيل من علني فتلفعت بالعفشليل، فهذا وشبه منكر قبيح لا ينبغي أن يستعمله ذو عقل صحيح، فقد قال رسول الله ﷺ إياك والتشادق، وقال:

стр. 118

"أبغضكم إلى الثرثارون المتفيهقون" وقال: "من بدأ جفا". ومن أوصاف البلاغة أيضاً الشجع في موضعه، وعند سماحة القول به، وأن يكون في بعض الكلام لا في جميعه، فإن السجع في الكلام كمثل القافية في الشعر، وإن كانت القافية غير مستغنى عنها، والسجع مستغنى عنه، فأما أن يلزمه الإنسان في جميع قوله [ورسائله] وخطبه ومناقلاته فذلك جهل من فاعله، وعي من قائله، وقد رؤيت الكراهية في وجه رسول الله ﷺ وآله، فروى أن رجلاً سأله فقال: يا رسول الله: أرأيت من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس مثل ذلك يطل؟ قال. فقال: أسجع كسجع الجاهلية؟ ! وإنما أنكر رسول الله ﷺ وآله ذلك لأنه أتى بكلامه مسجوعاً كله، وتكلف فيه السجع تكلف الكهان، فأما إذا أتى به في بعض كلامه ومنطقه، ولم تكن القوافي مجتلبة متكفة، ولا متمحلة مستكرهة، وكان ذلك على سجة الإنسان وطبعه، فهو غير منكر ولا مكروه، بل قد أتى في الحديث: "فيقول "العبد: مالي مالي، وماله من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى، ومما تكلم به بعض أهل هذا العصر، فأتى بالسجع فيه محموداً، ومن الاستكراه بعيداً، قوله: "والحمد لله الذي ادخر المنة لك، فأخرها حتى كانت منك، فلم يسبقك أحد

стр. 119

إلى الإحسان [إلي]، ولم يحاضك أحد في الإنعام على، ولم تنقسم الأيادي شكري فهو لك عتيد، ولم تخلق المننن [وجهي] فهو لك مصون جديد، ولم يزل ذمامي مضاعاً حتى رعيته، وحقي مبخوساً حتى تضيته، ورفعت من ناظري بعد انخفاضه، وبسطت من أملي بعد انقباضه، فلست أعتد يدا إلا لك، ولا منة إلا منك، ولا أوجه رغبتي إلا إليك، ولا أتكل في أمري بعد الله إلا عليك فصانك الله عن شكر من سواه، كما صنتني عن شكر من سواك". ومما يباين هذا مما وضع غير موضعه قول صديق لنا في فصل رقعة له: "ورزقني عدلك، وصرف عني خذلك، وقوله أيضاً: "ولقد جلت عندي بأبي فلان المصيبة، وعظمت الشصيب"، وقول آخر في صدر رقعة: "أطال الله لي [بقاءك] خصيصاً، ولأوداتك فيصوصاً". قال: ولقد شهدت مرة ابن التستري، وكان يتقعر في منطقه، ويطلب السجع في كتبه، ويستعمل الغريب في ألفاظه، ولقد لقي امرأة عجوز فقال لها: "خل عن سنن الطريق يا قحمة" فظنت أنه يقول لها: يا قحبة، فتعلقت به وصاحت: يا معشر المسلمين

стр. 120

نصراني يقول لمسلمة: يا قحبة؟ فأخذته الأيدي والنعال حتى كاد [أن] يتلف؛ ولو كان لزوم السجع في القول، والإعراب في اللفظ هما البلاغة لكان الله أولى باستعمالها في كلامه الذي هو أفضل الكلام. ولكان النبي ﷺ والأئمة المهديون، (والسلف المتقدمون) قد استعملوها، ولزموا سبيلها، وسلكوا طريقهما، فاما ولسا واجدين مما في أيدينا من كلامهم استعمال السجع والغريب إلا في المواضع اليسيرة، فهم أولى بأن يقتدى بهم، ويحتذى بمناهجهم ممن قد نبت في هذا الوقت من هؤلاء الذين ليس معهم من البلاغة إلا إدعاؤها، ولا من الخطابة إلا التحلي باسمها. ومما يزيد في حسن الخطابة وجلالة موقعها، جهارة الصوت، فإنه من أحد [أوصاف]، الخطباء، ولذلك قال الشاعر: (جهير الكلام جهير العطاس ... سريع النياط جهير النغم) وقال آخر: (إن صاح يوما حسبت الصخر منحدراً ... والريح عاصفة والموج يلتعلم) وذم آخر بعض الخطباء بدقة الصوت وضآلته فقال: (ومن عجب الأيام أن قمت خاطباً ... وأنت ضئيل الصوت منتفخ السحر"

стр. 121

وليس يلفت في الخطابة إلا حلاوة النغمة إذا كان الصوت جميلاً لأن حلاوة النغمة إنما تراد في التلحين والإنشاد دون غيرهما. وليس ينبغي للخطيب أن يحصر عند رمي الناس بأبصارهم إليه، ولا يعبأ بالكلام عند إقبالهم عليه، وقد روى أن عثمان - رضوان الله عليه - لما بويع له صعد المنبر، فحصر وأرتج عليه فقال: "أيها الناس إنكم إلى إمام عادل، أحوج منكم إلى إمام قائل" وإن أبا بكر وعمر - رضوان الله عليهما - كانا يعدان لهذا المقام مقالاً، وستأتيكم الخطبة على وجهها إن شاء الله". وأرتج على آخر - وقد صعد المنبر - فنزل وأنشأ يقول: (فإلا أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي إذ جد الوغي لخطيب) فكان يقال: لو قاله وهو على المنبر كان من أخطب الناس. وقد استعاذ الشاعر من الحصر والعي فقال: (أعذني رب من حصر وعي ... ومن نفس أعالجها علاجا) وينبغي له أن يتقي خيانة البديهة في أوقات الارتجال، ولا يغره انقياد القول له في بعض الأحوال، فيركب ذلك في سائر الأوقات، وعلى جميع الحالات، وإن وفق بانقياد القول له ومسامحته إياه فأتى بالبديهة عما يأتي به غيره بعد التروية، فذلك الخطيب الذي لا يعادله خطيب.

стр. 122

والأديب الذي لا يوازيه أديب، وبذلك وصف الشاعر بعضهم فقال: (قهر الأمور بديهة كروية ... من غيره وقريحة كتجارب) وأن يقل التنحنح والسعالن والعبث باللحية، فإن ذلك من دلائل العي، وفيه يقول الشاعر: (ومن الكبائر مقول متتعتع ... جم التنتحنح متعب مبهور) ومما يدل [عندهم] أيضاً على الحصر وتصعب القول وشدته على القائم به العرق، قال الشاعر: (لله در عامر إذا نعلق ... في حفل إملاك وفي تلك الحلق) (ليس كقوم يعرفون بالسرق ... من كل نضاح الذفاري بالعرق) ويروى أن يزيد بن عمر بن هبيرة تكلم بحضرة هشام فأحسن، فقال هشام: "ما مات من خلف هذا، قال الأبرش الكلبي:

стр. 123

"ليس هناك، أما ترى جبينه يرشح لضيق صدره؟ ! فقال [له] يزيد: ليس لذلك رشح، ولكن لقعودك في هذا الموضع، وكانوا يتعاطون سعة الأشداق وتبيين مخارج الحروف، ويمتدحون بذلك وبطول اللسان، ويعدونهما من آلات الخطابة، قال الشاعر: (تشادق حتى مال بالقول شدقه ... وكل خطيب - لا أباك - أشدق) وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال لحسان: ما بقي من لسانك؟ فأخرجه حتى ضرب بطرفه جبهته ثم قال: "والله ما يسرني به مقول من معد، والله لو وضعته على صخر لفلقه، أو على شعر لحقه". وينبغي الخطيب ألا يستعمل في الأمر الكبر الكلام الفطير: الذي لم يخمره التدبر والتفكير، فيكون كما قال الشاعر: (وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب وما يعرض له فهو قائله) بل يكون كما قال الآخر: (وقوف لدى اأمر الذي لم يبن له ... ويمضي إذا ماشك من كان ماضياً).

стр. 124

وأن يكون لسانه سالماً من العيوب التي تشين الألفاظ، فلا يكون ألثغ ولا فأفاء، ولا تمتأما، ولا ذا رنة، ولا ذا حبسة، ولا ذا لفف، فإن ذلك أجمع مما يذهب بهاء الكلام، ويهجن البلاغة وينتقص حلاوة النطق، وقد ذكر أن واصل بن عطاء كان قبيح اللثغة على الراء [وكان إلى المناقلات وارتجال الخطب لأهل نحلته، ومستحسني دعوته، فراض لسانه حتى أخرج الراء] من سائر منطقه، وخطب خطبة طويلة تدخل في عدة أوراق لم يلفظ فيها بالراء، فكان هذا مما يعد من فضائله وعجيب ما اجتمع فيه. ويروى أن زيد ابن على ﵇ خطب بعد خطبة خطبها الجمحي فأحسنها وأجادها، إلا أن الجمحي كان بأسنانه فلج شديد، فكان يصفر في كلامه، فلما تساوى كلامهما في الوزن وحسن النظم، وإصابة المعنى، وسلم زيد ابن على ﵇ من الصفير الذي كان في كلام الجمحي، فضل عليه، فقال عبد الله بن معاوية بن جعفر يصف خطبة زيد: (قلت قوادحها وتم عدبدها ... فله بذاك مزية لا تنك) فهذا جمل ما يحتاج إليه في الخطابة إذا كانت مسموعة.

стр. 125

الرسائل: فأما الرسائل فهي مستغنية عن جهارة الصوت، وسلامة اللسان من العيوب، لأنها بالخط تنقل فتحتاج إلى أن يساعد حسنها حسن الحظ، فإن ذلك يزيد في بهائها ويقربها من قلب قارئها، والأصل في الخط أن تكون حروفه بينة قائمة، ومن الأشكال بعيدة سالمة، ثم إن كان مع صحته وبيانه حلواً حسناً، كان ذلك أزيد في وصفه، وألا يستعمل فيه التحنيف الذي يعميه إلا مع من جرت عادته بقراءة مثل ذلك، واستعماله كنحو ما جرت به عادة الكتاب في تعليق الميم، وإقامة الكاف، وتصيير شكلة عليها تفرق بينها وبين اللام، ومد الشين، وتصير شكلة عليها، أو بتنقيط ثلاث نقط من فوقها، فغن استعمال ذلك مع من قد جرت عادته باستعماله كاستعمال الغريب مع من يفهمه، واستعمال إقامة الحروف على حقائقها وأصول أشكالها، كاستعمال المعهود من الكلام المصطلح عليه مع سائر الناس، وألا يكثر مد الحروف التي لم تجر العادة بمدها، فإن أبا أيوب ﵀، كان يقول: المدة في غير موضعها لحن في الخط، وأن يتفقد قلبه بقطه وتسويته فإن ابا ايوب كان يقول: "القلم الردئ كالولد العاق" ومما يزيد الخط حسناً، ويمكن له في القلب، وضعاً شدة سواد المداد. وجودة الإفة الدراة، يجرى من الخط مجرى القطن من الثوب، [فمتى كان] القطن ردئ

стр. 126

الجوهر لم ينفع النساج حذقه، ووضع من الثوب سوء جوهره، وإن أحكم الصانع صنعته. اختيار الرسول: والذي يحتاج إليه المرسل في الرسول حتى يكون عند ذوي العقول ليبيا، ومن الصواب قريباً، أن يختاره حتى يكون أفضل من بحضرته في عقله وضبطه، وأدبه وعارضته، ودينه ومروءته، فقد كان يقال: ثلاثة تدل على أهلها: الهدية على المهدي، والرسول على المرسل والكتاب على الكاتب وكان يقال: رسول الرجل مكان رأيه، وكتابه مكان عقله، وكذلك جعل الله رسله أفضل خلقه، وأخبر أنه اصطفاهم على العالمين، فقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وإنما وجب أن يختار العاقل رسوله، لأنه قد أقامه فيما يؤدبه عنه مقامه، فعليه أن يجعله يختار العاقل رسوله، لأنه قد أقامه فيما يؤدبه عنه مقامه، فعليه أن يجعله أفضل من بحضرته، وعلى الرسول [أن] يؤدي ما حمل كما قال الله ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ وكما قال: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وإنما وجب عليه البلاغ لأن الرسالة أمانة فعليه تأديتها، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وليس للرسول أن يزيد في الرسالة، ولا أن ينقص منها، لأن ذلك خيانة للأمانة، إلا أن يكون المرسل قد فوض إليه أن يتكلم عنه بما يرى فقد قال الشاعر: (وإن كنت في حاجة مرسلاً ... فأرسل حكيماً ولا توصه) وإنما أمر بذلك لأن الحكيم إذا وصيته لم يتجاوز وصيتك، وإن

стр. 127

كان الرأي عنده خلافها، فربما ضرك ترك الأصوب عنده، وأتباع أمرك ولا لوم عليه في ذلك، وإذا فوضت إليه عمل بحكمته ورأيه. وقد روى في هذا المعنى أن رسول الله ﷺ وجه أمير المؤمنين في بعض أموره، فقال له: "أكون يا رسول الله في الأمر إذا وجهتني كالسكة المحماة إذا وضعت للميسم، أو يرى الشاهد ما لا يرى الغائب؟ (فقال: "بل يرى الشاهد ما لا يرى الغائب") ففوض إليه لما [رأى منه خبراً] ووثق برأيه؛ وقال لغيره من سائر الناس: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها"، ولم يفوض إليهم لقلة ثقته بهم فعلى العاقل أن يستشعر هذا المعنى في رسله، فإذا أرسل من يثق بأمانته وعقله، فوض إليه أن يقول عنه ما يراه أولى بالصواب عنده، وإذا لم يكن بهذه المنزلة إلا أنه أفضل من يقدر عليه الوقت وصاه ألا يتجاوز قوله. وعليه أن يتخير من الرسل من لا تكون فيه العيوب التي نذكرها [أو بعضها] وهي: الحدة: فإن صاحبها ربما فقد عقله، وليس من الحزم أن يقيم الإنسان مقامه من يفقد عقله. والحسد: فإن صاحبه عدو نعم الله ، ولا يحب أن يرى لك ولا لغيرك حالاً مستقيمة، ومتى رأى شيئاً من ذلك حمله حسده على أن يفسده. والغفلة: فإن صاحبها لا يضبط ما يحمله عنك، ولا ما يعود به إليك

стр. 128

والعجلة: فإن صاحبها يضع الأشياء في غير مواضعها، ويسبق بها أوقات فرصتها. وقد قيل: "رب عجلة كسبت ريثاً". وقال الشاعر: (قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل) والنميمة: فإنها تفسد الإخاء، وتكدر الصفاء، ولا يتم معها أمر، ولا تنجح لمستعملها طلبة، لأن النبي ﷺ قال: "استعينوا على نجح حوائجكم بالكتمان"، فمن خالفه كان بعدم التوفيق جديراً، وبالحرمان حقيقاً. والكذب: فإنه بجانب الإيمان، وليس لكذوب رأي، وإذا اعتمد الإنسان في أمره على من يكذبه، كان في ذلك شينه وعطبه. والضجر: فليس للضجور صبر على حفظ [الأسرار في] رسالة، ولا تأذية امانة. والعجب: فإن صاحبه منه في غرور، وربما حمله عجبه على أن يخالفك فيما يضر بك وبه. والهدر: فإن من كثر كلامه كثر سقطه، ومن أسقط لم يحفظ سر صاحبه

стр. 129

لوصف الأديب بلغ بإذن الله مراده، وأمن ضرره وفساده؛ فهذه عمدة ما يحتاج إليه في اختيار الرسول، وإن اتفق المرسل مع ذلك أن يكون الرسول مقبول الصورة، حسن الاسم. كان ذلك زائداً في توفيق الله وقد كان رسول الله ﷺ يسأل الوافد عن اسمه، فإن كان حسناً تفاءل به وأعجبه، وإذا كان مكروهاً غيره. وعلى الذي تؤدي إليه الرسالة أن يستمعها، ولا يلوم الرسول إن أغلظ له فيها، فليس على (رسول الله ﷺ لوم لأنه مؤتمن، وإنما اللوم على المرسل إن كان) لوم، فإن أحب أن يقابله بمثل رسالته [فعل] فقد أباحه الله ذلك بقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فإن أمسك وعفا فالعفو أقرب للتقوى، وأولى بالرأي عند ذوي الحجا. الجدل والمجادلة: وأما الجدل والمجادلة، فهما قول يقصد بهما إقامة الحجة فيما اختلف فيه اعتقاد المتجادلين، ويستعمل في المذاهب والديانات، وفي الحقوق والخصومات، وفي التساؤل والاعتذارات؛ ويدخل في الشعر وفي النثر، وهو منقسم قسمين: وأبداه، وإن لم يكن ذلك مغزاه. فإن سلم الرسول من هذه العيوب، وكان مع ذلك أديباً، أو مقارباً

стр. 130

أحدهما محمود، والآخر مذموم: فأما المحمود، فهو الذي يقصد به الحق، ويستعمل فيه الصدق، وأما المذموم، فما أريد به المماراة والغلبة، وطلب به الرياء والسمعة، وقد جاء في القرآن والخبر مدح ما ذكرنا أنه محمود، وذم ما ذكرنا أنه مذموم، وقد أثر فيه قول الحكماء، وألفاظ الشعراء، فقال الله ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقال: ﴿يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾، وقال إبراهيم ﵇: (وحاجه قومه، قال: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ وقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ وبذلك تعبد أنبياءه وصالحي عباده، فقال [ ]: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقد أجمعت العلماء وذوو العقول من القدماء على تعظيم من أفصح عن حجته، وبين عن حقه، واستنقاص من عجز عن إيضاح حقه، وقصر عن القيام بحجته؛ ووصف الله قريشاً بالبلاغة في الحجة، واللدد في الخصومة، فقال: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ وقال: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً

стр. 131

عَلَى الْخَيْرِ﴾ وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. وذم من لا يقيم حجة، ولا يبين عن حقه في خصومة، وشبههم بالولدان والنسوان، فقال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. وقال الشاعر: (وإن امرأ يعيا بتبيين حقه ... إذا اعتركت عند الخصام القراحُ) (لآِبائه إن كان في بيت قومه ... وللحَسَبِ المأثور عنهم لَفَاضِح) وأما ما جاء في ذم التعنت والمِراء، وطلب السمعة والرياء، وقصد الباطل، وركوب الهوى، فقول الله : ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. ووصف رسول الله ﷺ صديقا كان له في الجاهلية فقال: كان لا يشاري ولا يماري"، وقال: "من سمّع سمّع الله به"

стр. 132

وقال بعضهم: "المراء يفسد الإخاء" وأنشد: (فدع المِراء إذا نَطَقت فإنه ... يغري بك الأعداء والحسادا) وقيل: "دع المراء لقلة خيره". وقال أمير المؤمنين ﵇ لابن الكواء: "سل تفقهاً، ولا تسأل تعنتا". وحق الجدل أن تبنى مقدماته بما يوافق الخصم عليه، وإن لم يكن نهاية الظهور للعقل، وليس هذا سبيل البحث، لأن حق الباحث أن يبني مقدماته بما هو أظهر الأشياء في نفسه، وأثبتها لعقله، لأن يطلب البرهان ويقصد لغاية التبيين والبيان، وألا يلتفت على إقرار مخالفه. فأما المجادل فلما كان قصد، إنما هو إلزام خصمه الحجة، كان أوكد الأشياء أن يلزمه إياها من قوله، وذلك مثل قول الله لليهود لما أراد إلزامهم الحجة فيما حرموه على أنفسهم بغير أمر ربهم: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فجادلهم بكتابهم الذي يقرون بفرض ما فيه ووجوبه عليهم،

стр. 133

وأعلمهم أنهم إذا حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله في كتابهم الذي هذه سبيله في وجوب التسليم، فقد ظلموا واعتدوا وهذا لازم لهم. وقد قلنا: إن الجدل إنما يقع في العلة من بين سائر الأشياء المسئول عنها، وليس يجب على المسئول الجواب إلا بعد [أن] يستأذن في السؤال، فإن لم يأذن له في ذلك، وليس ينسب إلى انقطاع ولا محاجزة، فإن أذن له فقد لزمه الجواب، وإن قصر نسب إلى العجز. وطلب العلة يكون على وجهين: إما أن تطلبها وأنت لا تعلمها لتعلمها، وإما أن نطلبها وأنت تعلمها ليقر لك بها. وليس لك أن تجادل أحداً في حق يدعيه إلا بعد مسائلته عن العلة فيما ادعاه فيه، فإن كان علمك بعلته قد تقدم في شهرة مذهبه، فالأحواط أن تقره بما بني عليه أمره، لئلا يجحد بعض ما ينتحله أهل مذهبه إذا أوقف عليه الكلام، ويدعي أنه يخالفهم فيه، فإن أمنت منه ذلك فلا عليك أن تجادله وإن لم تقره بعلته. واثنان لا يلزمك منهما سؤال، ولا يجب لهما عليك جواب: أحدهما: من سألك عن العلة في شيء ادعيته فأخبرته بها، وهي مما يجوز أن يعلل ذلك الشيء بمثله فطالبك بعلة العلة، فمطالبته في ذلك غير لازمة، ومساءلته ساقطة، لأن ذلك يوجب [أن] يطالب لعلة العلة بعلة، ثم كذلك إلا ما لا نهاية. والآخر من أراد مناقضتك في مذهبك، ولم ينصب لنفسه مذهباً يجب له عليك فيه بمخالفتك إياه المخاصمة، فليس تلزمك له حجة في ذلك،

стр. 134

ولا يجب له عليك فيه سؤال. ومثال ذلك أن رجلاً لو صار إلى بعض الأئمة والحكام برجل قد قتل رجلاً، أو أخذ ماله، وأقام البينة على ذلك، ثم لم يكن ولي الدم، ولا صاحب المال، ولا وكيلاً لأولياء الدم، أو لصاحب المال، فلم يكن للإمام ولا للحاكم أن يقيما حداً عليه، [أو يطالباه برد ما أخذ]، إذ كان الرافع له والمطالب بذلك فيه غير مستحق للمطالبة بما يجب عليه من الحكم. والعلل علتان: قريبة وبعيدة. فالقريبة: ما كان المعلول تاليها، والبعيدة ما كان بينه وبينها غيره وذلك كوالد الذي علته القريبة النكاح، وعلته البعيدة والداه، والعلل وجوه: منها اعتبارها فإن اطردت في معلوماتها صحت، وإن قصرت عن شيء من ذلك علم أنها غير صحيحة؛ ومثال ذلك أن الحركة لما كانت علة المتحرك، كان قولنا إذا سئلنا عن الجسم المتحرك: ما علة حركته؟ فقلنا حلول الحركة فيه قولاً صحيحاً، لأنه يطرد في معلوماته، ويوجد في كل جسم متحرك، فأما (إذا) سئلنا عن العلة في حركة الجسم فقلنا: لأنه جسم، كان ذلك باطلاً؛ لأنه قد تكون أجسام لا حركة فيها. ومنها: أن تكون العلة في صحة الشيء هي العلة في بطلان ضده، إذا كان صداً لا واسطة له، وقد مضى تمثيل ذلك.

стр. 135

ومنها أن العلة في الشيء إذا كانت من اجتماع شيئين، أو أكثر من ذلك، لم تكن واجبة إذا انفرد بعض تلك الأشياء، مثل رجل أراد قلب حجر ثقيل فلم يطقه، فلما عاونه عليه غيره وتأيدت قواهما قلباه، (فليس العلة في استقلال أحدهما به)، لأن كل واحد منهما عاجز عنه إذا انفرد به، وإنما العلة اجتماعهما. ومن هذا المعنى يحتج للتواتر بأنه حجة، وإن كان كل واحد من المخبرين يجوز عليه الكذب. ومنها أن العلة إذا كانت مأخوذة مما يوافق الخصم فيه، فلا مطعن له، فيها، وذلك مثل قول موحد سأله مشّبه عن العلة في وقله: إن الله سبحانه ليس بجسم. فقال: لاجتماعنا على أنه ليس يشبهه شيء، فلو كان جسماً لكان مثل الأجسام في معنى الجسمية. وإذا كانت العلة مأخوذة مما يخالفك فيه الخصم، فليس يجوز أن تحتج عليه بها إلا بعد أن تعلمه أن علتك مأخوذة مما يخالفك فيه، وأنه لا سبيل إلى تعريفه صحتها إلا بعد أن تصح عنده المقدمات التي أوجبتها، وذلك كجواب موحد سأله ملحد عن العلة في إثبات الرسل، فليس يمكنه أن يبين ذلك إلا بعد أن يدل على البارئ - سبحانه - فإذا صح في نفس خصمه أنه موجود، وأقر له بذلك، ذكر العلة في الرسل، فأما قبل ذلك فلا سبيل له إلى إيجاده العلة في ذلك. ومنها أن الجدل في العلة والسؤال عنها ماض في سائر ما تخالف فيه خصمك، فإذا صرت إلى ما يخالفك فيه فليس لك أن تسأل عن العلة، ولا أن تجادله فيها، لأنك حينئذ تكون مجادلاً لنفسك، اللهم إلا أن يكون سؤالك عن العلة في ذلك لتقريره بها، ثم تأخذه بطردها في شيء

стр. 136

- قد أتاه - وحكمه حكم ما وافقك عليه، وذلك مثل قولك لمن وافقك على إثبات الباري ، وهو مجسم: ما علتك ودليلك اللذان أوجبت بهما وجود الباري ؟ فيدل على ذلك بما تشاهده من تأليف الأجسام ووجودها بعد أن لم تكن، وتناهيا وتركيبها وآثار الصنعة فيها، فتكون علته في ذلك هي العلة في أن صانعها لا يشبهها ولا يكون مثلها، وأنه متى كان جسماً لزمه حكم الأجسام في الحاجة إلى صانع غيره (تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا). ومنها أن المعارضة في الجدل صحيحة، وإن كان قوم قد أبوها، وقالوا إنها لا مسألة، ولا جواب، فليس الأمر كما ظنوا. والمعارضة هاهنا المقابلة، كما يقال: عارضت السلعة بمثلها. فإذا قابلت بين الأمرين والعلتين، وطالبت خصمك بأن يحكم للشيء بما توجبه العلة في نظيره، كان ذلك وابجاً، وقد عارض الله - سبحانه - من أبى البعث واستنكره مع إقراره بابتداء الخلق واختراعه، فقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. فألزمهم ألا ينكروا إعادتهم بعد أن فقدوا مع إقرارهم بابتداء

стр. 137

الله إياهم [و] ما كانوا، وكل زيادة تقع في المسألة أو العلة من جنس المسألة، فليس ذلك بخروج عنها. فأما ما خالف معنى المسألة والعلة فهو خروج وتخليط. وقد ذكر المتكلمون الخلاف والمناقضة، وكثيراً ما يستعملون بعض ذلك في موضع بعض، ونحن نبين كل واحد منهما، ونرمم فيه ما يعرف به الفرق بينه وبين الآخر، فيستعمل كل واحد منهما في موضعه. فالمناقضة في اللغة: المفاعلة، من نقضت البناء والغزل وغيرهما، [فإذا] بنى الإنسان قوله على إثبات شيء لشيء بعينه ثم نفاه عنه، أو بنى قوله على نفي شيء عن شيء بعينه ثم أثبته له، فكأنه قد نقض ما بنى، واستحق اسم المناقضة، وإنما جعل ذلك على المفاعلة؛ لأن المجادلة لا تتم إلا بين اثنين. وإنما تقع المناقضة في الكلام إذا كان المخبر عنه واحداً والخبر واحداً، ولم تتشابه الأسماء والأخبار في لفظها مع اختلاف معانيها، وكان الزمان في القول واحداً والمكان واحداً، والنسبة في الاستطاعة والفعل واحدة، ثم اختلفا [في ذلك] بالإيجاب والنفي، فتلك المناقضة. فأما إذا لم يكن المخبر عنه واحداً في الاسم كقولنا: زيد قائم، وعمرو غير قائم. فليس ذلك بمناقضة، [وإذا لم يكن الخبر واحداً في اللفظ كقولنا: زيد قائم وزيد غير قائم ليس ذلك مناقضة]، وإذا اتفقت الأسماء واختلفت معانيها كقولنا: "إسحاق مغن وإسحاق غير مغن"

стр. 138

ونحن نريد بإسحاق الأول الموصلي، وبالآخر الظاهري، فليس ذلك مناقضة، وإذا اشتبهت الأخبار واختلفت معانيها كقولنا: زيد أسود من عمرو (وليس زيد أسود من عمرو) ونحن نريد بأحدهما السؤدد، والآخر السواد [الذي هو ضد البياض] فليس ذلك مناقضة، فإذا اختلف الزمان في القول فقلنا: زيد قائم وزيد غير قائم، وأردنا أن زيداً قائم الساعة، وغير قائم في غد، فليس ذلك بمناقضة، وإذا اختلف المكان في ذلك وقلنا زيد خارج، وزيد غير خارج، وأردنا أنه خارج من داره وغير خارج من المدينة، فليس ذلك بمناقضة، وإذا اختلفت النسبة في الاستطاعة والفعل فقلنا: زيد كاتب، وزيد غير كاتب، ونحن نريد أنه يحسن الكتابة ويستطيعها متى أرادها، وهو غير كاتب بيده في حال الإخبار عنه، لم تكن ذلك مناقضة - فهي معنى المناقضة. وأما الخلاف: فهو ما خالف [الشيء] الشيء فيه في بعض ما ذكرناه، ولم يجتمع له شروط المناقضة التي وصفناها، وأكثر ما وقع [من] الخلاف في الشرائع خاصة من جهة النسخ أو التشابه في الأسماء والأخبار،

стр. 139

أو من جهة الخصوص والعموم، أو من جهة الإجمال والتفسير، أو من جهة الرأي والتخيير، وقد ذكرنا ذلك بشرحه في كتاب "التعبد" بما أغنى عن إعادته، إلا أنا نذكر من ذلك جملاً تدل عليه. أما "الاختلاف من جهة النسخ: فهو أن يكون الشيء محرماً ثم يحلل، أو محللاً ثم يحرم، أو مفروضاً ثم يترك، أو متروكاً ثم يفرض، فيعلم الأول قوم ولا يعلمون بالنسخ فيعملون بما علموا، أو يعرف النسخ آخرون، فيأخذون بما عرفوا، فيقع الخلاف بينهم من هذا الوجه، وذلك مثل المسح على الخفين، فإن الشيعة تزعم أنه منسوخ، والعامة ماضية على الأول، وك المتعة التي تزعم العامة أنها منسوخة، والشيعة ماضية فيها على الأمر الأول، وإنما خالف النسخ المناقضة لاختلاف الأوقات، فيها على الأمر الأول، وإنما خالف النسخ المناقضة لاختلاف الأوقات، وأن الوقت الذي حرم فيه الحلال غير الوقت الذي حلل فيه الحرام. وأما الاختلاف من جهة التشابه في الأسماء أو الأخبار، فمثل تحريم المسكر، فإن قوماً حملوه على أنه الشراب الذي هذا نعته، فحرموا قليل النبيذ وكثيره، وقوم حملوه على أنه الجزء الذي يسكر دون غير، فأحلوا منه ما كانوا دون السكر، فوقع الاختلاف بينهم لاختلاف التأويل. وأما "الخصوص والعموم" فهو أن يعم بالنهي جنس، ثم يخص نوع منه بالتحليل، أو يعم بالتحليل جنس، ويخص منه نوع بالتحريم

стр. 140

وذلك كتحليل الله البيع جملة، واختصاص رسول الله ﷺ تحريم الدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين، والرطب بالتمر، وأشباه ذلك، وقد ذهب هذا التخصيص، على عبد الله بن عباس - رضوان الله عليه -، وكان يجيز بيع الدرهمين بالدرهم إذا كان نقداً فوقع الخلاف بينه وبين غيره من هذا الوجه. وأما "الإجمال والتفسير" فكقوله : ﴿وَاللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾. [ثم إنه فسر السبيل فقال: خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا]. البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم، وقد حمل الشراء أمر السبيل على ظاهر القرآن، وأبطلوا الرجم وكذلك قوله في تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب ومخلب، لأنهم أخذوا في ذلك بالجملة من قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾. إلى آخر الآية، وذهب عنهم التفسير، فوقع الخلاف بينهم وبين الجماعة من هذا الوجه. وأما الرأي: فهو أن ترد الحادثة على بعض العلماء ولا يكون عنده

стр. 141

فيها حكم لله ولا سنة لرسوله ﷺ فيجهد رأيه، فيأخذ الناس ذلك عنه. ثم يبلغه الحكم في ذلك، فيدع رأيه ويرجع إلى ما يبلغه من حكم الله ورسوله، ويتمسك أتباعه بما جملوه عنه؛ لأنهم لا يعلمون برجوعه، ولذلك قال ابن مسعود: "ويل للناس من زلة العالم، لأنه يجتهد رأيه، فيؤخذ [عنه] ثم يتبين له الصواب غير ما رأى فيرجع إليه، ويذهب الأتباع بما سمعوا، فيقع الخلاف من هذا الوجه". وأما التخيير: فكالإقامة مثنى مثنى أو فرادى [فرادى]، وكتخيير الله في كفارة اليمين في الطعام، أو الكسوة، أو تحرير رقبة. فهذه جمل ما في الخلاف والمناقضة وهي تكفي وتغني إن شاء الله. أدب الجدل: فأما أدب الجدل فأن يجعل المجادل قصده الحق وبغيته الصواب، وألا تحمله قوة إن وجدها من نفسه، وصحة في تميزه وجودة خاطره، وحسن بديهته، وبأن عارضته، وثبات حجته على أن يسرع في إثبات الشيء ونقضه، ويسرع في الاحتجاج له ولضده، فإن ذلك مما يذهب بها علمه،

стр. 142

ويطفئ نور بهجته، وينسبه به أهل الدين والورع إلى الإلحاد، وقلة الأمانة، ولذلك أطرح الناس "الراوندي" ومن أشبهه على قوتهم في الجدل، وتمكنهم من النظر وليعلم أن عواقب إطلاق اللسان، وجنايات البيان على كثير من الناس كبيرة غير محمودة، ولذلك قال رسول الله ﷺ "ما أوتي امرؤ شراً من طلاقة اللسان". وأخذ أبو بكر رضوان الله عليه بطرف لسانه فقال: هذا أوردني الموارد". وألا تسحره الكثرة والقلة فيما يطلبه من الحق فيقلد الأكثرين، [أو يريد التكبر عليهم] أو يريد التكثر بهم والترؤس عليهم بمتابعتهم. فإن الله - سبحانه - قد ذم الكثرة، ومدح القلة فقال - عز من قائل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وألا يقلد الحكم الفاضل في كل ما يأتي به إذا كان غير مأمون منه الخطأ، فقد يخطئ العاقل ويصيب الجاهل، ولذلك قال أمير المؤمنين ﵇ للحارث ابن حوط: "يا حارث إنه ملبوس عليك. إن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن

стр. 143

اعرف الحق تعرف أهله، وأن تخرج من قلبه التعصب للآباء، فإن الله يقول لهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾؛ وأن يعتزل الهوى فيما يريد إصابة الحق فيه، فإن الله يقول: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والانقياد لزخرفة القول، وظاهر رياء الخصم، فقد حذر الله من هذه الطبقة على أيدي أنبيائه فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. وقال عز من قائل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾. وقال المسيح ﵇ في الإنجيل: ﴿احذَرُوا الكَذَبةَ الذين يَأتونكم بألسنة الحملاَنِ وقلوبِ الذئَابِ﴾. وألا يقبل من ذي قول مصيب فيه كل ما يأتي به لموضع ذلك الصواب الواحد، ولا يرد على ذي قول مخطئ فيه كل ما يأتي به لموضع ذلك الخطأ الواحد، بل لا يقبل قولاً إلا بحجة، ولا يريده إلا لعلة، فيكون في ذلك كالوزان الحاذق المتفقد لميزانه وصنجاته، فإن الخطأ في الرأي أعظم

стр. 144

[ضرراً] من الخطأ في الوزن، والا يجادل ويبحث في الأوقات التي يتغير فيها مزاجه ويخرج عن حد الاعتدال، لأن المزاج إذا زاد على [حد] الاعتدال في الحرارة كان معه العجلة، وقلة التوقف، وعدم الصبر، وسرعة الضجر، وإذا زاد في البرودة على حال الاعتدال أورث السهو والبلادة، وقلة الفطنة وإبطال الفهم. وقد قال جالينوس: "إن مزاج النفس تابع لمزاج البدن"، وأن يتجنب العجلة ويأخذ بالتثبت، فإن مع العجلة الزلل؛ وألا يستعمل اللجاج والمحك، فإن العصبية تغلب على مستعملها فتبعده عن الحق وتصده عنه، وألا يعجب برأيه، وما تسوله له نفسه حتى يفضي بذلك إلى نصائحه ويلقيه إلى أعدائه، فيصدفونه عن عيوبه ويجادلونه، ويقيمون الحجة عليه، فيعرف مقدار ما في يده إذا خولف فيه، فإن كان مجر بخلاء [يسر]. وإن لم يشعر برأيه، ولم يدر أنه في غرر من رأيه" كان بعيداً في نيل شفائه، وأن يتجنب الكذب في رأيه وخبره لأنه خلاف الحق، وإنما يريد بالجدال إثارة الحق واتباعه، وأن يتجنب الضجر وقلة الصبر، لأن عمدة الأمر في استخراج الغوامض وإثارة المعاني الصبر على التأمل والتفكير.

стр. 145

ولذلك قال أمير المؤمنين ﵇: "منزلة الصبر من الإيمان منزلة الرأي من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له"، وأن يكون منصفاً غير مكابر، لأنه إنما يطلب الإنصاف من خصمه، ويقصده بقوله وحجته، فإذا طلب الإنصاف بغير الإنصاف فقد طلب الشيء بضده، وسلك فيه غير مسلكه، وأن يجتهد في تعلم اللغة، ويتمهر في العلم بأقسام العبادة فيها، فإنه إنما يتهيأ له بلوغ ما يقتضي الجدل بلوغه من: قسمة الأشياء إلى ما ينقسم إليه، وإعطاء كل قسم منها ما يجب له، والاحتراس من إشراك لأسماء واختلاط المعاني باللغة والمعرفة بها، وأن يتحرر من مغالطات المخالفين. ومشبهات المموهين، وأن يحلم عما يسمع من الأذى والنبز، ولا يشغب إذا شاغبه خصمه، ولا يرد عليه إذا أربى في كلامه، بل يستعمل الهدوء والوقار، ويقصد مع ذلك لوضع الحجة في موضعها، فإن ذلك أغلظ على خصمه من السب، وربما أراد الخصم باستعمال الشغب قطع خصمه، وأن يشغل خاطره عن إقامة حجته، فإذا أعرض المجادل عن ذلك ولم يتحرك له طبعه ولم يشغل ذهنه، وجمع مع قهر خصمه والاستظهار بالحجة عليه ظهور حلمه للناس، ومعرفة الحضور بوقاره ووفوره، ونقص خصمه وخفته، وأن يتجنب الجدل في المواضع التي يكثر فهيا التعصب لخصمه، فإنه لا يعدم فيها أجد شيئين: إما الغيظ فتقصر قريحته، [وإما] الحصر فيعيا بحجته، وألا يستصغر خصمه، ولا يتهاون به، وإن كان الخصم صغير المحل في الجدال، فقد يجوز أن يقع لمن لا يؤبه له الخاطر الذي [لا] يقع لمن هو فوقه في الصناعة، ولقد أوصى
следующие страницы →