← Адаб

Адаб · id 20986

البرهان في وجوه البيان

أبو الحسين الكاتب

Полный текст (316 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فيها حكم لله ولا سنة لرسوله ﷺ فيجهد رأيه، فيأخذ الناس ذلك عنه. ثم يبلغه الحكم في ذلك، فيدع رأيه ويرجع إلى ما يبلغه من حكم الله ورسوله، ويتمسك أتباعه بما جملوه عنه؛ لأنهم لا يعلمون برجوعه، ولذلك قال ابن مسعود: "ويل للناس من زلة العالم، لأنه يجتهد رأيه، فيؤخذ [عنه] ثم يتبين له الصواب غير ما رأى فيرجع إليه، ويذهب الأتباع بما سمعوا، فيقع الخلاف من هذا الوجه". وأما التخيير: فكالإقامة مثنى مثنى أو فرادى [فرادى]، وكتخيير الله في كفارة اليمين في الطعام، أو الكسوة، أو تحرير رقبة. فهذه جمل ما في الخلاف والمناقضة وهي تكفي وتغني إن شاء الله. أدب الجدل: فأما أدب الجدل فأن يجعل المجادل قصده الحق وبغيته الصواب، وألا تحمله قوة إن وجدها من نفسه، وصحة في تميزه وجودة خاطره، وحسن بديهته، وبأن عارضته، وثبات حجته على أن يسرع في إثبات الشيء ونقضه، ويسرع في الاحتجاج له ولضده، فإن ذلك مما يذهب بها علمه،

стр. 142

ويطفئ نور بهجته، وينسبه به أهل الدين والورع إلى الإلحاد، وقلة الأمانة، ولذلك أطرح الناس "الراوندي" ومن أشبهه على قوتهم في الجدل، وتمكنهم من النظر وليعلم أن عواقب إطلاق اللسان، وجنايات البيان على كثير من الناس كبيرة غير محمودة، ولذلك قال رسول الله ﷺ "ما أوتي امرؤ شراً من طلاقة اللسان". وأخذ أبو بكر رضوان الله عليه بطرف لسانه فقال: هذا أوردني الموارد". وألا تسحره الكثرة والقلة فيما يطلبه من الحق فيقلد الأكثرين، [أو يريد التكبر عليهم] أو يريد التكثر بهم والترؤس عليهم بمتابعتهم. فإن الله - سبحانه - قد ذم الكثرة، ومدح القلة فقال - عز من قائل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وألا يقلد الحكم الفاضل في كل ما يأتي به إذا كان غير مأمون منه الخطأ، فقد يخطئ العاقل ويصيب الجاهل، ولذلك قال أمير المؤمنين ﵇ للحارث ابن حوط: "يا حارث إنه ملبوس عليك. إن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن

стр. 143

اعرف الحق تعرف أهله، وأن تخرج من قلبه التعصب للآباء، فإن الله يقول لهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾؛ وأن يعتزل الهوى فيما يريد إصابة الحق فيه، فإن الله يقول: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والانقياد لزخرفة القول، وظاهر رياء الخصم، فقد حذر الله من هذه الطبقة على أيدي أنبيائه فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. وقال عز من قائل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾. وقال المسيح ﵇ في الإنجيل: ﴿احذَرُوا الكَذَبةَ الذين يَأتونكم بألسنة الحملاَنِ وقلوبِ الذئَابِ﴾. وألا يقبل من ذي قول مصيب فيه كل ما يأتي به لموضع ذلك الصواب الواحد، ولا يرد على ذي قول مخطئ فيه كل ما يأتي به لموضع ذلك الخطأ الواحد، بل لا يقبل قولاً إلا بحجة، ولا يريده إلا لعلة، فيكون في ذلك كالوزان الحاذق المتفقد لميزانه وصنجاته، فإن الخطأ في الرأي أعظم

стр. 144

[ضرراً] من الخطأ في الوزن، والا يجادل ويبحث في الأوقات التي يتغير فيها مزاجه ويخرج عن حد الاعتدال، لأن المزاج إذا زاد على [حد] الاعتدال في الحرارة كان معه العجلة، وقلة التوقف، وعدم الصبر، وسرعة الضجر، وإذا زاد في البرودة على حال الاعتدال أورث السهو والبلادة، وقلة الفطنة وإبطال الفهم. وقد قال جالينوس: "إن مزاج النفس تابع لمزاج البدن"، وأن يتجنب العجلة ويأخذ بالتثبت، فإن مع العجلة الزلل؛ وألا يستعمل اللجاج والمحك، فإن العصبية تغلب على مستعملها فتبعده عن الحق وتصده عنه، وألا يعجب برأيه، وما تسوله له نفسه حتى يفضي بذلك إلى نصائحه ويلقيه إلى أعدائه، فيصدفونه عن عيوبه ويجادلونه، ويقيمون الحجة عليه، فيعرف مقدار ما في يده إذا خولف فيه، فإن كان مجر بخلاء [يسر]. وإن لم يشعر برأيه، ولم يدر أنه في غرر من رأيه" كان بعيداً في نيل شفائه، وأن يتجنب الكذب في رأيه وخبره لأنه خلاف الحق، وإنما يريد بالجدال إثارة الحق واتباعه، وأن يتجنب الضجر وقلة الصبر، لأن عمدة الأمر في استخراج الغوامض وإثارة المعاني الصبر على التأمل والتفكير.

стр. 145

ولذلك قال أمير المؤمنين ﵇: "منزلة الصبر من الإيمان منزلة الرأي من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له"، وأن يكون منصفاً غير مكابر، لأنه إنما يطلب الإنصاف من خصمه، ويقصده بقوله وحجته، فإذا طلب الإنصاف بغير الإنصاف فقد طلب الشيء بضده، وسلك فيه غير مسلكه، وأن يجتهد في تعلم اللغة، ويتمهر في العلم بأقسام العبادة فيها، فإنه إنما يتهيأ له بلوغ ما يقتضي الجدل بلوغه من: قسمة الأشياء إلى ما ينقسم إليه، وإعطاء كل قسم منها ما يجب له، والاحتراس من إشراك لأسماء واختلاط المعاني باللغة والمعرفة بها، وأن يتحرر من مغالطات المخالفين. ومشبهات المموهين، وأن يحلم عما يسمع من الأذى والنبز، ولا يشغب إذا شاغبه خصمه، ولا يرد عليه إذا أربى في كلامه، بل يستعمل الهدوء والوقار، ويقصد مع ذلك لوضع الحجة في موضعها، فإن ذلك أغلظ على خصمه من السب، وربما أراد الخصم باستعمال الشغب قطع خصمه، وأن يشغل خاطره عن إقامة حجته، فإذا أعرض المجادل عن ذلك ولم يتحرك له طبعه ولم يشغل ذهنه، وجمع مع قهر خصمه والاستظهار بالحجة عليه ظهور حلمه للناس، ومعرفة الحضور بوقاره ووفوره، ونقص خصمه وخفته، وأن يتجنب الجدل في المواضع التي يكثر فهيا التعصب لخصمه، فإنه لا يعدم فيها أجد شيئين: إما الغيظ فتقصر قريحته، [وإما] الحصر فيعيا بحجته، وألا يستصغر خصمه، ولا يتهاون به، وإن كان الخصم صغير المحل في الجدال، فقد يجوز أن يقع لمن لا يؤبه له الخاطر الذي [لا] يقع لمن هو فوقه في الصناعة، ولقد أوصى

стр. 146

القدماء بالاحتراس من العدو، وألا يستصغر صغير منه، والخصم عدو لأنه يجاهدك بلسانه، وهو أقطع سيفيه كما قال أردشير، وقد قال حسان [بن ثابت]. "لِسَاني وسَيفي صارِمان كِلاَهما ... ويَبلغ ما لا يَبلغ السّيف مُذوَدِي) وأن يصرف همته إلى حفظ النكت التي تمر في كلام خصمه، مما بنى منها مقدماته، وينتج فيها نتائجه، ويصحح ذلك في نفسه، ولا يشغل قلبه بتحفظ جميع كلام خصمه، فإنه متى اشتغل بذلك أضاع ما هو أحوج إليه منه، وألا يكلم خصمه وهو مقبل على غيره، أو مستشهد لمن حضر على قوله، فإن ذلك سوء عشرة، وقلة علم بأدب الجدل، وظهور حاجة إلى معونة من حضر له، وألا يجيب قبل فراغ السائل من سؤاله، ولا يبادره بالجواب قبل تدبره، واستعمال الروية فيه، وأن يعلم بعد هذا أنه لا يعد في المجادلين الحذاق حتى يكون بحسن بديهته، وجودة عارضته، وحلاوة منطقه قادراً على تصوير الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، متى شرع في ذلك، وأقام كل واحد منهما في [النفوس] مقام صاحبه، فقد وصف الشاعر بعض الجدليين بذلك فقال: (يسُرُّك مظلوماً وينجيك ظالماً ... ويحمِل إن حَمَّلتَه كل مغرَمِ) وقال آخر: (ألا رب خصم ذي بيَان عَلَوتُه ... وإن كان ألوَي يغلبُ الحق باطله)

стр. 147

ويستشعر [مع] هذا أن الأنفة من الانقياد للحق عجز، وأن الاعتراف به والتجرع له عز، فلا يمتنع من قبول الحق إذا وضع له، ولا يكون قصده في الجدل ألا يقطع، فإن من كان ذلك غرضه لم يزل في تنقل من مذاهبه وتلون في دينه، وإنما ينبغي له أن يعتقد من المذاهب ما قام البرهان عليه إن كان مما يقوم على مثله برهان أوضحت الحجة المقنعة فيه إن كان مما لا يوجد عليه برهان، ويناضل عن ذلك من ناضله، ويجادل من جادله، فإن وقع عليه خصم هو أحسن عارضة منه، وألحن بحجته، وقصر هو في عبارته عن إيضاح حقه لم يتصور له الحق الذي قد قام في نفسه بصورة الباطل إذ قصر هو عن حجته، ولا يسحره بيان خصمه، فيظن أن حقه قد بطل لما انقطع هو عن الزيادة عليه، بل يدع الكلام في الوقت إذا وقف عليه، ويعاود النظر بعد الفكر والتأمل، فإنه لا يعدم من نفسه إذا استنجدها ولاذ بها مخرجاً فيما قد نزل به إن شاء الله. وليعلم مع هذا أن الانقطاع [ليس] بالسكوت فقط، والتقصير عن الجواب، لكن المكابرة وجحد الصورة، والخروج عن حد الإنصاف إلى اللجاجة والتنقل من مذهب إلى مذهب، وعلة إلى علة كله انقطاع، وهو أصبح عند ذوي العقول من السكوت.

стр. 148

وقد قال الشاعر: (XXXX في الجواب مُجادِلٌ ... دل العقولَ على انقطاعٍ حاضرِ) وعلم أن السائر أشد استظهاراً من المجيب، لأن له أن يروي في المسألة قبل أغلالها، والمجيب في غفلة عما يريده السائل، فليس ينبغي المجيب أن يأذن في السؤال إلا بعد أن يعلم في أي معنى هو؟ فإن أحس من نفسه القوة على الجدال فيه، وإلا لم يأذن، وإذا أذن فيه [فقد] تضمن الجواب، فإن لم يجب فقد عجز، وإن أجاب فلم يقنع، أو وقف الكلام عليه فلم يرد، ولم يرجعه إلى قول خصمه فقد انقطع، وإذا استأذن السائل فأذن له فلم يسأل [فقد عجز وإن تبرع عليه بالإذن من غير أن يستأذن فإنه لم] ينسب إلى عجز ولا انقطاع، لأنه مخير في ذلك، والإقناع بالجواب الذي يوجب على السائل القبول، فإن لم يقبل ولم يرد فقد انقطع، وإن مال المجيب نحو قول السائل، ولم يكن ذلك اعتقاده فقد حاجز خوفاً من الانقطاع، وكذلك إن ادعى أن الجواب قد أقنعه [ثم] لم يرجع إليه، ويعتقد فقد حاجز خوف الانقطاع، وإذا أقنع المجيب السائل، فقد زال عنه ما انعقد عليه من تضمن الجواب، ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ من السائل والمجيب دون إظهار الحجة في تحقيق ما تجادلا فيه، وإبطاله من حيث تقر به النفس، فإن جحد اللسان انقطع، إما من الذي قصر عن الزيادة، أو من الذي نكل عن الجواب. والفلج في الجدل [إظهار الحجة] التي تقنع، والغالب هو المظهر لذلك.

стр. 149

ثم إن للمتكلمين من أهل هذه اللغة أوضاعاً ليست في كلام غيرهم مثل: الكيفية، والكمية، والمائية، والكمون، والتولد والجزء والطفرة [وأشباه ذلك] فمتى كان المتكلم غيرهم كان المتكلم بذلك مخطئاً، ومن الصواب بعيداً، ومتى خرج عنها في خطابهم كان في الصناعة مقصراً. وكذلك للمتقدمين من الفلاسفة والمنطقيين أوضاع متى استعملت مع متكلمي أهل هذا الدهر، وأهل هذه اللغة كان المستعمل لها ظالماً، وأشبه من كلام العامة بكلام الخاصة، والحاضرة بغريب أهل البادية. فمن ألفاظهم "السولوجسموس" والهيولي، والقاطاغورياس، وأشباه ذلك مما إذا خاطبنا به متكلمينا أوردنا على أسماعهم مالا يفهمونه إلا بعد أن تفسره، وكان ذلك عيا وسوء عبارة، ووضعا للأشياء في غير مواضعها، ومتى اضطرتنا حال إلى أن نكلمهم بهذه الأشياء، عبرنا لهم عن معانيها بألفاظ قد عهدوها وعرفوها فقلنا في مكان السولوجسموس: القرينة، وفي موضع الهيولي: المادة، وفي موضع القاطاغورياس: المقولات، وكذلك ما أشبهه من ألفاظ الفلاسفة. وقد أتى في شعر من لابس الكلام والجدل وعاشر أهلهما من ألفاظ

стр. 150

المتكلمين ما استظرف لأنه خوطب به من يعلمه، وتكلم به من يفهمه فمن ذلك قول أبو نواس: (تأمل العينُ منها ... محاسناً ليس تنفد) (فبعضها يَتَنَاهى ... وبعضها يتزيد) وقوله: (تركت منى قليلا ... من القليل أقَلا) (يكاد لا يتجزّا ... أقلّ في اللفظ مِن لا) وقول النظام: (أُفرِغَ من نور سمائيّ ... مُصَوّر في جِسم إنسِي) (وأفتقر الحُسنُ إلى حُسنه ... فَجل عن تحديد كيفي) فأما مخاطبة من لا يلابس الكلام، ويعرف أوضاع أهله بألفاظ المتكلمين، وأوضاع الجدليين، فهو جهل من قائله، وخطأ من فاعله، ويلحق ركبه في سوء البناء ما لحق من قال في بعض خطبه، في دار الخلافة: "ثم إن الله بعد أن سوى الخلق وأنشأهم، ومكن لهم لاشاهم". وكما لحق الآخر حين خطب فقال: فأخرجه الله من باب الليسية

стр. 151

إلى باب الأيسية، وعلى أن الطغام والعوام، ومن لا علم له بالكلام إذا سمعوا ألفاظاً لم يعهدوا، ولم يقفوا على معانيها ربما اعتقدوا في قائلها الكفر، واستحلوا دمه، ولذلك شهد بعض سفلة العوام على الخليل وأصحابه بالزندقة لما سمعهم يذكرون أجناس العروض، ويقطعون الشعر، فورد عليه من ذلك ما لم يفهمه، فظن أنه زندقة، حتى قال الخليل فيه: (لو كنت تَعَلمُ ما أقول عذرتني ... أو كنت أجهل ما نقول؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ) (لكن جهِلتَ مقالتي فَعَذَلتنيِ ... وعلمتُ أنك جاهل؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ) فهذا ما في باب الجدل، وأدب الجدل، وفيه بلاغ للمتميز العاقل إن شاء الله تعالى. الحديث: وأما الحديث فهو ما يجري من الناس في مخاطباتهم ومجالسهم ومناقلاتهم، وله وجوه كثيرة: فمنها الجد والهزل، والسخيف والجزل، والحسن، [والقبيح والملحون] والفصيح، والخطأ والصواب، والصدق والكذب، والنافع والضار والحق والباطل، والناقص والتام، والمردود والمقبول، والمهم والفضول، والبليغ والعمي. فأما الجد: فإنه كل كلام أوجبه الرأي وصدر عنه، وقصد به قائله وضعه موضعه، وكان مما تدعو الحاجة إليه، وباستعمال ذلك وبالإمساك عما سواه أوصت الحكماء فقالوا:

стр. 152

"من علم أن كلامه من علمه قل كلامه إلا فيما يعنيه"، وقالوا: المغبون من مضى عمره في غير ما خلق له، "وقال الله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾. ووصف نبيه ﷺ فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وأما الهزل: فما صدر عن الهوى، والناس في استعماله عن ضربين: أما الحكماء والعقلاء فاستعملوه في أوقات كلال أذهانهم، وتعب أفكارهم ليسجموا به أنفسهم، ويستدعوا به نشاطهم، ويروجوا به عن قلوبهم خوفاً من ملالها وكلالها وأمروا بذلك فقالوا: أروحوا القلوب تعي الذكر، وقالوا: "روحوا عن القلوب فإن لها سآمة كسآمة الأبدان، وجاء أيضاً في الخبر: "روحوا قلوبكم ساعة بعد ساعة، فإن القلوب تمل" ومن قصد هذا بالهزل فالجد أراد، لأنه قصد المنفعة، وما يوجبه الرأي في سياسة نفسه وعقله، وإجمام فكره وقلبه، وقد كان رسول الله ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً. (وروي أن عجوزاً جاءت إلى النبي ﷺ وقالت يا رسول [الله]: إني

стр. 153

أدخل الجنة؟ فقال ﵇: العجائز لا يدخلون الجنة أراد ﵇ أنه لا تبقى المرأة في الجنة عجوزاً، بل تكون في سن أربعة عشر كما جاء في الخبر). وقال عمر في أمير المؤمنين ﵉ "هو والله لها لولا دعابة فيه. وقال الشعبي "وصلت بالعلم، ونلت بالملح وذلك لما عليه النفوس من استثقال الحق والجد، واستخفاف اللهو والهزل. وأما السفهاء والجهال. فاستعملوه للخلاعة والمجون، ومتابعة الهوى، وذلك المذموم الذي قد عاب الله - سبحانه - مستعمله، ومدح المعرض عنه. فقال فيمن عابه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ وقال فيمن مدحه بالإعراض عن ذلك: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، وقد أوصت العلماء بتجنب هذا الفن من الهزل فقالوا: "إياك والمزاح، فإنه يجري عليك السفلة" وقالوا: "المزاح: السباب الأصغر". وقال أمير المؤمنين ﵇: "من أكثر من شيء عرف به، ومن كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به" وأما السخيف من الكلام: فهو كلام الرعاع والعوام الذين لم يتأدبوا، ولم يسمعوا كلام الأدباء ولا خالطوا الفصحاء، وذلك معيب عند ذوي العقول لا يرضاه لنفسه إلا مائق جهول، إلا أن الحكماء ربما استعملته في خطاب من لا يعرف

стр. 154

غيره طلباً لإفهامه، كما أنه ربما تكلف الإنسان لمن لم يحسن العربية بعض رطانة الأعاجم ليفهمه، فإذا جرى استعمال هذا اللفظ السخيف هذا المجرى، وغزى به هذا المغزى كان جائزاً، وللفظ السخيف موضع آخر لا يجوز أن يستعمل فيه غيره، وهو حكاية النوادر والمضاحك، وألفاظ السخفاء والسهاء، فإنه متى حكاها الإنسان على غير ما قالوا خرجت عن معنى ما أريد بها، وبردت عند مستمعها، وإذا حكاها كما سمعها وعلى لفظ قائلها وقعت موقعها، وبلغت غاية ما أريد بها، فلم يكن على حاكيها عيب في سخافة لفظها. وأما الكلام الجزل: فهو كلام الخاصة والعلماء والعرب الفصحاء والكتاب الأدباء الذي قد تقدم وصفه في الشعر والخطابة، وليس شيء أعون على جزالة الكلام، وخروجه عن تحريف العوام من مجالسة الأدباء، ومعاشرة الفصحاء، وحفظ أشعار العرب ومناقلاتهم، والمختار من رسائل المولدين الأدباء ومكاتباتهم، ولذلك كانت ملوك بني أمية يخرجون أولادهم إلى البوادي لينشئوهم على الفصاحة، وجزالة الألفاظ، وله أيضاً علم الناس أولادهم الرسائل، ورووهم شعر القدماء، وحفظوهم القرآن، وأمروهم بتحقيقه، ورفع أصواتهم بالقراءة والإنشاد، ليعتادوا الكلام الجزل، وتتفتق به لهواتهم، وتذل به ألسنتهم، وتتشكل بتلك الأشكال ألفاظهم، فإن الخلق يأتي دون الخلق، والعادة كالطبيعة، ولا شيء أفسد للكلام، ولا أضر على المتكلم، ولا أعون على سخافة اللفظ من معاشرة أضداد من ذكرنا، وطول ملابستهم، واستماع قولهم، فينبغي لمن

стр. 155

أراد تجنب الكلام السخيف، ولزوم الجزل للشريف أن يتقي معاشرة من يفسد بمعاشرته بيانه. [كما ينبغي أن يلزم معاشرة من تصلح معاشرته لسانه]. وأما البليغ: فقد ذكرناه حين وصفنا البلاغة ما هي. وأتينا بأشياء مما حضرنا ذكره من القول البليغ الموجز، وأغنى ذلك عن إعادته. والعي: ضد البلاغة، وهو مذموم من الرجال محمود في النساء، لأن العي والحصر، يجري منهن مجرى الحياء والخفر، ولذلك قال امرؤ القيس: (فتور القيام قطيعُ الكلام تَفْتَر عن ذي غروب خصر) وقال الآخر: (ليس يُستَحسن في وصف الهوى ... عاشقٌ يُحسِنُ تأليفَ الحُجَج) وقد يستحسن أيضاً الحصر والعي في المسألة، وعند [وصف] الفاقة والخلة، لأنهما يدلان على كرم الطبع والأنفة من حال المسألة، والتصون عن ذكر الخلة، وقد مدح الله - سبحانه - قوماً بمثل هذا فقال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. وأما الحسن من الكلام: فهو كل ما كان في معالي الأمور ومحاسنها، وأحسنه الدعاء إلى الله، والأمر بالمعروف، وقد قال الله :

стр. 156

﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ثم يتلوه كل ما كان من مكارم الأخلاق، فإن رسول الله ﷺ قال: "بُعِثتُ لأتمم مكارِمكم" وكل ما كان من دعاء إلى بر وتعطف، وإصلاح وتآلف، وخير يجتلب، وشر يجتنب. فهو من أحسن الكلام وجميله، ومما يستعمله أهل العقل والحكمة، ويثابرون عليه ولا يرون تركه، ولا السكوت عنه، لأن ترك استعمال الحسن قبيح، ورأي من أهمله غير صحيح. والقبيح من الكلام: ما كان في سفساف الأمور وأراذلها كالنميمة والغيبة، والسعاية والكذب، وإذاعة السر، والنفاق والمكر والخديعة، فكل ذلك قبيح؛ لأنه مذموم الأخلاق ومعيب الأقوال، وقد قال رسول الله ﷺ : "إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها" وذم الله النميمة فقال: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وقال عز من قائل في الغيبة: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وقال

стр. 157

عز وجل [في الكذب]: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، وقال في السعاية: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. وقال في النفاق: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾، وقال في المكر: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾. وقال في إذاعة السر: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ [لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهم]﴾. وقال في الخديعة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. فإذا أردت أن تنفي عن نفسك وقولك القبح فانظر ما استقبحته من فعل غيرك وقوله فتجنبه، فإنه القبيح، وما استحسنته منها فاتبعه فإنه الحسن، ولا تسامح نفسك بأن تستحسن منها ما مستقبحه من غيرك فقد قال الشاعر: (ابدأ بنفسِك فَانهَهَا عن عَيِّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حَكيمُ)

стр. 158

وأما الفصيح من الكلام: فهو ما وافق لغة العرب، ولم يخرج عما عليه أهل الأدب، ولتصحيح ذلك وضع النحو، ولجمعه وضعت الكتب في اللغة، وذكر المستعمل منها والشاذ والمهمل، وحق من نشأ في العرب أن يستعمل الاقتداء بلغتهم، ولا يخرج عن جملة ألفاظهم، ولا يقنع من نفسه بمخالفتهم فيخطئوه ويلحنوه. واللحن: ما خالف اللغة العربية، وخرج عن استعمال أهلها وما بنى عليه إعرابها، وهو معيب عند الأدباء في الجملة وعلى من يأخذ نفسه بالإعراب، ويتكلم بالغريب من لغة الأعراب أعيب، ويروى أن عمر ﵁ كان يضرب على اللحن. فأما العرب إذا لحن أحد منهم لقربه من الحاضرة، ونزوله على طريق السابلة سقطت عند أهل اللغة منزلته ورفضت لغته، وإنما يصح الإعراب لأحد رجلين: إما أعرابي بدوي قد نشأ حيث لا يسمع غير الفصاحة والإصابة، فيتكلم على حسب عادته وسجيتهن ومتى خوطب باللحن لم يفهمه مثل ما حكي عن رجل لبعض الأعراف، وقد سأله عن أهله كيف أهلك؟ فقال له الأعرابي "قتلاً بالسيف إن شاء الله" فظن الأعرابي أنه سأله كيف يموت؟ ولو قال له: كيف أهلك؟ لأجابه بجوابه، ويروى أن الوليد قال لرجل: من ختنك؟ قال: يهودي. فضحك منه فقال له: لعلك أردت من ختنك؟ فهو فلان ابن فلان، وإما المولد الذي قد تأدب ونظر في النحو واللغة، وأخذ بهما نفسه، ومرن عليهما لسانه، حتى صار ذلك عادة له. فأما لغيرهما فليس يصح إعراب، وربما اغتفر في دهرنا هذا اللحن للإنسان في كلامه لكثرة اللحن

стр. 159

في الناس، وأنه قد فشا وعظم وفسدت الفصاحة بمخالطة العرب الأعاجم، والأنباط وسائر الأجناس. فأما في الكتاب فغير مغتفر له ذلك، لأن الطرف متكرر نظره فيه، وللروية تجول في إصلاحه، وليس كمثل الكلام الذي يجري على غير روية ولا فكرة. وأما المواضع التي يجب أن يستعمل اللحن فيها ويتعمد له أكثره في أمثالها، ويكون ذلك مما يوجبه الرأي، فهو عند الرؤساء الذين يلحنون، والملوك الذين لا يعربون. فمن الرأي لذي العقل والحنكة، والحكمة والتجربة ألا تعرب بين أيديهم، وأن يدخل في اللحن مدخلهم، ولا يريهم أن له فضلاً عليهم. فإن الرئيس والملك لا يحب أن يرى أحداً من أتباعه فوقه، ومتى رأى أحداً منهم قد فضله في حال من الأحوال نافسه وعاداه، وأحب أن يضع منه، وفي عداوة الرؤساء والملوك لمن تحت أيديهم البوار، ومن ذلك ما يحكى عن بعض من تكلم في مجلس بعض الخلفاء الذين كانوا يلحنون، فلحن فعوتب على ذلك فقال: "لو كان الإعراب فضلاً لكان أمير المؤمنين إليه أسبق"، وسأل الوليد رجلاً عن سنيه فقال: "كم سنيك؟ " فقال "أربعين سنة" فقال: لحنت فقال: إنما اتبعتك فقال: "فكم سنوك" فقال أربعون سنة، وقد يستملح اللحن من الجواري، والإماء، وذوات الحداثة من النساء، لأنه يجري مجرى الغرارة فيهن وقلة التجربة، وفي ذلك يقول الشاعر: (وحديثُ ألَذُّه هو مما ... تشتهيه النفوس يوزنُ وزنا)

стр. 160

(منطِق صائب وتلحن أحياناً ... وأحلى الحديث ما كان لحناً) ولست أدري كيف صار اللحن عند هذا الشاعر خير الحديث، (وأحسن أحواله، وأن يغتفر لمستعمليه)، وأظنه أراد أملح الحديث، فاضطره الوزن إلى أن جعل في موضع ذلك خير الحديث، وقد تأول له بعض الناس فقال: إنما أراد باللحن الفطنة للمعاني، ومنه قول الرسول ﷺ "إنكم لتتحاكمون إلي فيكون أحدكم ألحن بحجته" يريد أفطن لها، وما أوتي في هذا التأويل بشيء، وقوله: "منطق صائب" قد أتى على إصابة المعنى فما وجه فطنتها لذلك أحياناً. وأما الخطأ والصواب: فإن الصواب كل ما قصدت به شيئاً فأصبت المقصد فيه، ولم تعدل عنه، ومنه قيل: "سهم صائب" وأصبت الغرض، وصواب القول من ذلك مأخوذ. ويقال: "قول صائب" من صاب يصوب وهو صائب. مثل قال يقول فهو قائل، وقول مصيب من أصبت في القول أصيب إصابة، وأنا مصيب، والقول مصيب. كما تقول أردت الشيء أريده إرادة فأنا مريد، والقول المصيب هو ما أعطي المفعول فيه اسم الفاعل مثل "راحلة"، وإنما هي مرحولة، "وعيشة راضية" وإما هي مرضية، ومدح الله الصواب فقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾. ومن الصواب أن يعرف أوقات الكلام، وأوقات السكوت، وأقدار الألفاظ، وأقدار المعاني، ومراتب القول، ومراتب المستمعين له، وحقوق المجالس وحقوق المخاطبات فيها، فيعطي كل شيء من ذلك حقه، ويضم كل شكل

стр. 161

منه إلى شكله، ويأتيه في وقته، وبحسب ما يوجبه الرأي له. فإنه متى أتى الإنسان بالكلام في وقته. أنجحت طلبته، وعظمت في الصواب منزلته، ولذلك ترى من له الحاجة إلى الرئيس يرقب لها وقتاً يرى فيه نشيطاً فيكلمه (في حاجته، فيكون يسير القول منه في ذلك القول، منجحاً، ومتى عجل كلمته) وهو ضيق الصدر أو مشغولاً ببعض الأمر، كان ذلك سبب حرمانه، وتعذر قضاء حاجته. وارتقاب الأوقات التي تصلح للقول، وانتهاز الفرصة فيها إذا أمكنت من أكثر أسباب الصواب، وأوضح طرقه، ثم متى سكت عن الكلام في الأوقات التي يجب أن يتكلم لحقه من الضرر بترك انتهاز الفرصة [فيها] مثل ما يلحقه من ضرر الكلام في غير وقته، ول لك قال أمير المؤمنين ﵇: "انتهزوا الفرص فإنها تمر كمر السحاب"، وللسكوت أوقات هو فيها أمثل من الكلام، وأصوب ما فيها السكوت عن جواب الأحمق، والهازل، والمتعنت، وفي ذلك يقول الشاعر: (وأصْمُتُ عن جوابِ الجَهل جُهدي ... وبعض الصّمتِ أبلغُ في الجوابِ) وقال بعضهم "رب سكوت أبلغ من منطق". ومنها السكوت عن مقابلة السفيه على سفهه، واللئيم على ما ينالك به، والتصون عن إجابتهما، والحلم عما يبدر منهما، وقد مدح الله الحلم فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وسمي نفسه الحليم وقال الشاعر:

стр. 162

(ولم أرَ مثل الحِلم زَينا لصاحبٍ ... ولا صاحباً للمرء شراً من الجهلِ) وقال الله في وصف المؤمنين وتنزههم عن مقابلة الجاهلين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾. وقال : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ وقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. وقال الشاعر: (مُتارَكَةُ اللئِيم بلا جوابٍ ... أشدّ على اللئيمِ من الجوابِ) وقال آخر: (فقد أسَمع القولَ الذي كادَ كلّما ... تذكرته بالنفسُ قلبي يُصدع) (فأبدي لمن أبداه منّي بشاشَةً ... وإني لمسرور بما منه أسَمعُ) (وما ذاك من عُجب بهِ غير أنني ... أرى أن ترك الشرِّ للشرِّ أقطعُ) والحلم إنما هو عن نظيرك، أو من هو دونك. فأما من هو فوقك ومسلط عليك، فليس يسمى السكوت عن مقابلته حلماً، بل هو بباب التقية أشبه، وبالمداراة أليق، وبذلك أوصى الشاعر حين يقول:

стр. 163

(بُنيّ إذا ما ساَمَك الذُّل قادرٌ ... عليك فإن الذلَ أحرى وأحرزُ) (ولا خير في كلّ الأمور تَعَزُّزاً ... فقد يورثُ الذل الطويل التعززُ) ومما يستحسنه الأدباء، ويراه صواباً كثير من العلماء: الحلم عن النظير ومن هو دون النظير، لأنه يبين عن فضل الإنسان في نفسه، ويرفعه عن مقابلة من جهل عليه، ووضع نفسه لأذيته، وقد قيل: "من عاجل نفع الحلم كثرة أعوان الحليم على الجاهل، والتقية والمداراة للسلطان والرئيس لدفع المرهوب من جهتهم، واجتذاب المحبوب منهم، ومقابلة من يرى نفسه فوقك، ويتوهم أن إمساكك عنه خوفاً منه، فيجترئ عليك بحلمك عنه، ويكون سكوتك عنه زيادة فيما ينوبك منه، ولذلك قال الله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. وقال: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. وإنما كان الصواب في مقابلة من هذه حالته، لأن في مقابلته قطعاً لمادة أذيته، وردعاً له عن معاداته بمثل فعله، وقد قال الشاعر: (وإذا كُنت عِند الحِلم تزداد جُرأةً ... عليَّ وعند العفوِ والصفح يَجهلُ) (ردعتُك عنيّ بالتجاهُلِ والخَنَا ... فإنهما عندي مِثلِك أمثلُ) وقول الآخر: (ألا لا يجهَلن أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوقَ جهل الجاهلينا)

стр. 164

وأما أقدار الألفاظ، وأقدار المعاني، فهو أن يأتي المعنى فيما يليق به من اللفظ، وقد مضى الكلام فيه بما أغنى عن إعادته، وأما مراتب القول، ومراتب المستمعين له. فهو حسن التلطف فيه، والإتيان به على تقدير وتمرين لسامعه، وحسن حيلة في إيراد ما يقبل عليه وتجنيبه ما ينكره، وألا يهجر منه عليه بما يغضبه، أو لا يحتمله قلبه، ولا يسعه صدره، ولا يليق به قبوله، ثم يزيده شيئاً بعد شيء حتى يبلغ به أقصى مراده منه، فيكون في ذلك مثل المربي للصبي، فإنه متى هجم عليه بالغذاء من أول مرة قتله، ولكنه يسقيه اللبن ثم ينقله في الغذاء من حال لطيفة إلى ما هو فوقها حتى يكمل تربيته. أو كالطبيب الحاذق الذي إذا رأى العليل يكره الدواء ويمتنع من أخذه، لطف له واحتال في إقامة شيء مكان شيء، وخلط ما يستبشع طعمه بما يذهب ببشاعته، والتدبير لذلك حتى يسهل عليه أخذه، ويبلغ مراده من فقهه ولذلك بدأ الرسول ﷺ في أول النذارة بالدعاء إلى التوحيد بشهادة الإخلاص، فنظر ثم لم يزل يزيدهم فريضة بعد فريضة، وأمراً بعد أمر إلى أن أكمل لهم الدين، وانتهى في ذلك، ولو هجم به عليهم في أول وهلة لاستثقلوه ورفضوه، وخالفون ولم يقبلوه، فينبغي للعامل أن يكون بصيراً يترتب قوله، عالماً بمراتب المستمعين له في قبوله، فلا يأتيهم منه بما ينافر طبائعهم، ويكون سبباً إلى إعراضهم، ثم لا يزال يلطف لهم في ذلك ويرقيهم في حال إلى حال فيه، حتى يبلغ بهم مقصده، فإن ذلك

стр. 165

أصوب في الرأي، وأولى بالقبول. وقد أوصى بعض حكماء العرب بنحو ما قلناه فقال: "أعلم أنه لا يتهيأ لك نقل رجل عن طريقته بالمناقضة والمكابرة، ولا سيما إذا كان ذا سلطان أو ذا نخوة، ولكنك تقد أن تعينه على رأيه، وتنبهه على إحسانه، وتقربه من قلبه، فإنك إذا قربت منه المحاسن كانت هي التي تكفيك المساوي، وإذا استحكمت منه ناحية من الصواب كان ذلك الصواب هو الذي يبصره الخطأ بألطف من تبصيرك، وأعدل من قضيتك، لأن الصواب يؤيد بعضه بعضا، يدعو بعضهم إلى بعض. وإنما حقوق المجالس وحقوق القول فيها، فإن مجالس السلطان مخالفة لمجالس الرعية، ومجالس العلماء مخالفة لمجالس الجهال، ومجالس الجد مخالفة لمجالس الهزل، فحق العاقل أن يعظم مجالس السلطان والعلماء فلا يأتي فيهما مخالفة بشيء من الخنا، ولا الهزل ولا اللهو إلا أن يشاء السلطان ذلك منه، فيأتي ما يأتي ذلك عن إذنه وطاعة لأمره وتحسب ما يحتمله نشاطه من غير زيادة على ما يخرج به عن حد الخلاف عليه، والعصيان لأمره، ولا يملي لنفسه مع ذلك في الاسترسال، والجري على عادة النفس في الإهمال، وأن يكون في مجلس السلطان بين ثلاثة أحوال: إما أن يكون منصتاً، أو معظماً لحقه عن الابتداء بالكلام في مجلسه، أو مجيباً عما يسأل عنه، من غير دخول في جواب مسألة لغيره، أو منهياً نصحه إليه فيما أصلح ملكه ورعيته من غير أن يشوب النصح بالسعاية، أو يخلط المشورة بالنميمة، والتحميل على الرعية، فالتوقير للرؤساء والأئمة مما قد أمر الله سبحانه به حيث يقول:

стр. 166

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. والنصيحة للأئمة واجبة، فقد روى جرير أنه بايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصيحة، وروي عن رسول الله ﷺ "إن الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين". والسعاية والنميمة وتحميل السلطان على الرعية مذموماً عند الحكماء وقد روي أن أفلاطون أعرض عن أرسطاطاليس لشيء بلغه عنه، فسأله عن سبب إعراضه، فقال شيء بلغنيه الثقة عنك، فقال: "الثقة لا يكون تملقاً". وروي أن رجلاً سعى إلى الإسكندر ببعض أصحابه، فقال: إن أردت أن أقبل قولك فيه على أن أقبل قوله فيك فعلت، وإلا بدع الشر يدعك. وإن يكون في مجلس العلماء في أحد ثلاثة أحوال: إما سائل متعلم، أو منصت متفهم، أو مذاكر بالعلم للمتعلم. فقد روي: كن عالماً أو متعلماً أو منصتاً ولا تكن الرابع فتهلك وأن يوقر العلماء، ويتملقهم، فقد روي

стр. 167

في بعض الحديث: "ليس الملق في أخلاق المؤمن إلا في طلب العلم". وروي عن أمير المؤمنين ﵇: "حق العالم ألا تكثر عليه السؤال حتى تضجره، وألا تأخذ بثوبه، وإذا دخلت على قوم فسلم عليهم جميعاً وخصه بالتحية، واجلس بين يديه، ولا تغمز بعينك، ولا تشر بيدك إلى مجلسه، ولا تكثر من قول قال فلان وقال فلان خلافاً عليه، ولا تضجر بصحبته". وذكرنا في الحديث وأن يكون في مجلس الجد جاداً في منطقه، وقوله، غير مهجن بكلامه ونفسه باستعمال الهزل والإضافة فيه، فقد قيل: لا تخلط الجد بالهزل فيسخفه، ولا تخلط الهزل بالجد فيكدره. وإن اضطرته حال إلى مجالسة السفهاء وأهل الهزل فليكن بينهم متسلماً، وعن جملتهم خارجاً، ولما هم فيه نافياً، وعنه بسمعة معرضاً، وليكن في استعمال ما لا إثم فيه من المرح والهزل، وما لا يسقط مروءة ولا يثلم ديناً ولا جاهاً، قاصداً إلى ترويح قلبه وإجمامه لمعاودة ما فيه نفعه، فقد روي أن في حكمة داود: على العاقل ما لم يكن مغلوباً على أمره أن يجعل نهاره أربع ساعات: فساعة يناجي بها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي بها إلى إخوانه الذين ينصحون له ويصدفونه عن عيوبه، وساعة يخلي بين نفسه فيها وبين شهواته ولذاته

стр. 168

فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة له عوناً على هذه الساعات. وأما مجالس السوقة فليس يخلو من عاش بينهم من حضورها ولابد للإنسان من ملابستهم فيها، فحق العاقل الا يلقاهم بكل رأيه، ولا بجميع عقله فيها، وأن يستعمل في مخاطبتهم ومعاملتهم بعض المقاربة لأحوالهم، فإن ذلك أولى بسياستهم. وقد روي أن عمر ﵁ صرف زياداً عن بعض عمله، فقال له: الذنب كان صرفك إياي؟ ! فقال: لا، ولكني كرهت أن أحمل فضل عقلك على العامة. وقد فسر هذا المعنى بعضهم، والناس في أشكالهم أمثل. وربما كان التغابي من الإنسان للعوام، والتغاضي لهم في الأمور العظام، أحد الطرق المستقيمة إلى بلوغ المراد منهم، لأنهم متى تصوروا الإنسان صورة من هو أعلى في الفهم والضبط منهم حذروه، واستعملوا الاحتراس منه فيما ينبغي أن يحترس منه فيما لا ينبغي، واستشعروا فيه في جميع أمره الحيلة عليهم، فاستدت الطرق بذلك على معاملهم في بلوغ مراده منهم، وإذا كان عندهم مساوياً لهم في العقل والحيلة والتجربة والرجلة استرسلوا إليه، وعاملوه بمثل معاملة بعضهم لبعض، فلا بأس أن يتغابى العاقل لهم، وأن يظهر ما يستديم به أنسهم واسترسالهم، ولا يفتح باستعمال غيره باب التقبض والاحتشام بينه وبينهم من غير أن يزيد في ذلك على مقار ما توجبه السياسة، فإنهم متى اجترأوا عليه وطمعوا فيه لحقه من الضرر بذلك أكثر مما يلحقه بانقباضهم عنه. وقد أمر معاوية عمراً حين أرسله للحكومة هذا الذي ذكرناه بعينه

стр. 169

فقال: "قد وجهتك إلى رجل قريب الغور، فلا تلقه بكل عقلك، وأجد الحز، وأصب المفصل"، ولولا مقاربة عمرو لأبي موسى وتخادعه له لما تم له ما يريد منه، وينبغي أن يجعل وكده وكده مداراتهم على طبقاتهم، وإعطاء كل صنف منهم من القول ما يرضيه، فإن العاقل من دارى أهل زمانه وقد قال رسول الله ﷺ : "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس". فإن أمكنك ذلك باستعمال الحق في بعض، والمعارضة في البعض، فقد ظفرت بما إليه أجزت الحكماء، وقصدت العلماء، وإن لم تظفر بذلك لاختلاف جبلات الناس، وأن اجتماعهم على الرضا بالشيء من الأمور العسرة الوجود، فليكن وكدك مداراة خواصهم، وأهل العقل منهم، فإن لكل قوم رؤساء وأفاضل والمرؤوسون أتباع الرؤساء، والمفضولون تبع للفاضلين، فإذا حزت رضا الرؤساء والنظراء، فإنك قد حزت رضا الجميع. وأما الخطأ: فهو ضد الصواب ومعناه العدول عن المقصد من غير تعمد وإنما الفرق بين الخطأ والجور، وإن كانا جميعاً عدولاً عن الطريق المقصود والسبيل المسلوك، أن الخطأ إنما هو عدول عن الطريق بغير قصد، والخاطئ اسم الفاعل من خطئ يخطأ خطأ مثل عمل يعمل عملاً وهو عامل، وقال للشاعر في خطئي.

стр. 170

(والناسُ يَلحَونَ الأميرَ إذا همُ ... خطِئُوا الصوابَ ولا يلامُ المُرشِدُ) والمخطئ: اسم فاعل من أخطأ يخطئ وهو مخطئ مثل أكرم يكرم وهو مكرم، والذي ذمه الله فقال: ﴿لا يَاكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾. فهو المأخوذ من الخطيئة لا من الخطأ الذي هو السهو، ولذلك أمر الله عباده أن يسألوه ألا يؤاخذهم بالخطأ الذي من جهة الخطيئة، لأنه قد وضع عنهم ما لا يعتمدنه. وكل ما قلناه من الصواب فإن الخطأ في ضده. وأما الصدق والكذب: فقد ذكرناهما فيما تقدم من كتابنا هذا، وكذلك الحق والباطل، وقد أمر الله باستعمال الحق والصدق، ووصف نفسه بهما فقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ وحديثاً ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾. وقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ و ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ولو لم يكن في شرف الحق والصدق إلا أن جميع الأمم على كثرتها واختلاف طبائعها وهمتها تمدحهما، وسائر الناس إنما يقصدون بقولهم وفعلهم إصابتهما، فلا ترى أحداً إلا وهو [يحرص] أن يصدق في قوله، وأن يصيب الحق اعتقاده وفعله، حتى إن الكاذب إنما يكذب ليصدق على كذبه، فطلب الصدق قصده، ونيله بغيته، والمبطل إنما يقصد الحق فيخطئ في الوصول إليه، وطلب الحق قصده، وإن كان من المموهين على الناس، فإنما يزخرف لهم باطله حتى يقيمه مقام الحق الذي يقبل ويعمل به، وكفى بهذا فضيلة للحق والصدق، ولمن عرف بهما، ونسب إليهما، فإن الصادق المحق عظيم

стр. 171

المنزلة عند الله وعند خلقه، والكاذب المبطل ساقط المحل عند الله وعند خلقه. فالعاقل حري بلزوم شرف المنزلتين، وطلب أعلى الدرجتين إن شاء الله. ولما علم سبحانه أن الباطل والكذب قرينان مع طبائع كثير من عباده، ملائمان لشهواتهم، مطابقان لمداراتهم، وكان طول استماع الكذب ومعاشرة أهله مخوفين على إطلاق الناس، خليقين بأن يصيرا إعادة لهم على طول الملابسة نهى الله - سبحانه - عن القعود مع المبطلين كما نهى عن الخوض في الباطل وذم مستمعي الكذب، كما ذم الكاذبين فقال : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، وقال في ذم قوم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. وكقول الشاعر: (فسامعُ القول كمن قاله ... ومُعظِم المأكول كالآكل) وإنما أمر الله الحكماء بذلك لما قدمناه من الاحتياط على الناس لئلا يصير ذلك عادة لهم، ولأن استماع الكذب، والصبر على معاشرة المبطلين على باطلهم رضا بذلك، ومن رضي بالباطل فهو مبطل، ومن قنع بالكذب فهو كاذب، [فعليه أن يتجنبهم] ويهرب من استماع كذبهم وباطلهم ما أمكنه ذلك، فإن اضطرته نفسه إلى حضور ذلك أو استماعه صدف عنه، ولم يرعه سمعه وكان كالغائب عنه، فإن ذلك أولى به في إصلاح أخلاقه وتأديب نفسه. وأما النافع والضار: فإن النافع من الحديث ما كانت عواقب القول فيه

стр. 172

والاستماع له، والعمل عليه مفضية بسامعه إلى نفع عاجل أو آجل. والضار: ضد ذلك. فمن النافع طلب الحوائج، ومنه الشكر المنعم، ومنه حفظ السر، ومنه معاقبة المذنب، ومنه معاتبة المتنصل من الذنب، ومنه السؤدد، ومنه الأخذ بشهود الحديث في حكايته. والطلب ينقسم أربعة أقسام: دعاء، ومسألة، وطلب، وأمر. فالدعاء لله وحده قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. والمسألة قد تكون لله ، وقد تكون لمن هو فوقك من الرؤساء والمديرين. وفي المسألة لله يقول الله ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾. والطلب من النظير، ومن هو دون النظير، والأمر لمن هو دونك. فحق العاقل أن يدعو الله بحوائجه، ويرغب إليه في أموره، وأن يعلم أن الخير والشر في خزائنه، وتحت قدرته وملكه، وأنه لا يملك ذلك أحد إلا بإذنه، فيكون دعاؤه إياه بالإخلاص والإخبات والتضرع كما قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وكما قال في وصف أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، وأن يقدم قبل الدعاء التحميد والتمجيد والثناء على الله سبحانه، فإن المدح قبل المسألة. وقد روي ذلك عن رسول الله ﷺ في حديث مشهور، وأن يعلم أن الدعاء هو العبادة الكبرى.

стр. 173

ولذلك قال الله : ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ فإن من دعا ربه، فقد أطاع أمره، وعرف قدره لأن الله سبحانه بذلك أمره حيث يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. قال قائل: فإذا كان الله قد قدر الأشياء تقديراً واحداً، وعلم ما يكون منها، وكان غير جائز أن يقع شيء بخلاف ما علم منه، فما معنى الدعاء؟ ! وقد فرغ الله مما يدعو فيه. قلنا: لو كانت الأشياء السابقة في علم الله محتومة كلها لكان ما قلت، ولم يكن لدعاء موقع، ولا للاستجابة موضع، لكن الله تعالى علمين: أحدهما محتوم، والآخر موقوف على شرط، وبذلك نطق كتابة، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، والمحتوم لا يتأخر عن وقته، كما قال سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، والآخر الموقوف على الشرط هو الذي يدفع مكروهه بالدعاء والصدقة والبر، ويغير مرجوه بمثل ذلك، وبالإنابة والتوبة، وهو الذي يقول [فيه] الله : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وفيه يقول: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ومثله مما قد قص علينا في القرآن قوله: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾

стр. 174

وكانت مكتوبة في سابق علمه لهم على شرط، وهو أن يطيعوه في دخولها، فلما عصوه حرمها عليهم. وقد تواترت الأخبار بأن الصدقة ترد القضاء، وأن برد الوالدين يزيد في العمر، وأشباه هذا. وإنما ذلك فيما هو من علم الله سبحانه معلق بشرط عنده، وقد ذكرنا هذا في كتاب الإيضاح عند ذكرنا لله فيه من المشيئة بما أغنى عن إعادته. ولعل من لم يقو تمييزه، ويكمل عقله يسوء بربه - سبحانه - إذا دعاه فلم يستجب له، ويتوهم أن ذلك بخلف وقع من الله - سبحانه - في وعده، أو تهاون بدعاء عبده، وليس الأمر كذلك، لكن هاهنا سر في الدعاء فيه تنبيه لكثير من الناس على رشدهم، وهو أن كل أحد مجبول على أن يهيئ لنفسه أعلى المنازل وأشرف المراتب، فهو لا يسأل الله تعالى إلا على قدر تمنيه وشهوته، ولو أعطى الله كل أحد ما يشاء كان الناس جميعاً على أعلى طبقة، وأشرف منزلة، ولو صار الناس على هذا يوماً واحداً لاستغنى بعضهم عن بعض، ولو استغنى بعضهم عن بعض ما ترافدوا ولا تعاونوا، ولو لم يترافدوا ويتعاونوا لبطلت الحكمة في سياستهم، ودخل الخلل والإضاعة على جماعتهم، لأن الصناع والتجار والمهان كانوا يصرفون عن صنائعهم وتجاراتهم ومهنهم ويستغنون عنها، فيبقى كل واحد من الناس بغير معين، وإذا لحق ذلك كل واحد منهم دخل عليه من الضرر في نفسه وأهله وماله وولده ما لا بقاء معه، ولا صلاح بمده، فإذا دعوت الله سبحانه فاعلم أنك تدعو حكيماً يسوس الخلق، ويدبرهم بحكمته، والحكيم لا يعطيك في نفسك، وأنت جزء

стр. 175

من خلقه ما ينتقض به تدبيره في سار خلقه، ويفسد به سياسته في جميع ملكه، لكنه يستجيب لك فيما ينفعك ولا يضر غيرك، فإذا منعك فإنما يمنعك ما تفسد به تدابير لكل الذي أنت جزء منه، كمنعه إياك لنفعك إذا كان حكم الجزء تابعاً لحكم الكل. وأما السؤال فينبغي أن يكون لله بالتذلل والاستكانة، وللناس بالتعفف والقناعة، ومجانية التذلل والضراعة، فقد روي أن بعض الحكماء سئل عما يقرب العبد من الله وما يقرب من الناس فقال: أما ما يقربك من الله فأن تسله وأما ما يقربك من الناس فألا تسلهم. وروي أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أن يعلمه عملاً يدخله الجنة، فقال: "لا تسأل الناس شيئاً، فإذا أردت حاجة من الله فاسأله إياها فيما بينك وبينه، وأخلص النية له، وتطهر من الذنوب الموبقة بالتوبة والاستغفار، فإن سميع الدعاء فعال لما يريد". واستشعر الإجابة فيما عرفناك، فاشكره ولا تتهمه إن منعك وحماك. وإذا أردت حاجة من المخلوقين فمثل في نفسك عز الغنى وذل الحاجة، وما تريقة من ماء وجهك في المسألة، ثم انظر فإن كان لك مندوحة عن تلك الحاجة تكرمت عنها، وعزفت عن التذلل للمسألة فيها، وإن وجدت الحال يضطرك إليها عملت في مسألة من لا تعرك مسألته ولا يخلقك بذل له من رئيس مسلط منبسط اليد، أو رجل معروف بالإسعاف والتكرم، والسماحة والتذمم، وأتيت ما تأتيه من ذلك

стр. 176

على سبيل تعفف وتجمل، فقد وصف الله قوماً بذلك فقال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ واعلم أن السؤال وإن قل ثمن كل نوال وإن جل - كما قال أكثم بن صيفي: ولم يزل السؤال مكروهاً عند ذوي المروءة من الرجال. وفي ذلك يقول الشاعر: (وفتىً خَلاَ من مالِهِ ... ومن المروءة غير خالِ) (أعطاك قبلَ سُؤالِهِ ... وكفَاكَ مَكروهَ السُؤالِ) وليس ينبغي للعاقل أن يسأل مشهوراً بالبخل، ولا لئيماً بالطبع، ولا قليل ماء الوجه، ولا حديث عهد بسلطان أو نعمة، فإن نتيجة سؤال هؤلاء الحرمان، وهم أعوان الزمان على الإنسان، وينبغي له ألا يسأل إلا ممكناً يجوز أن يسعفه، فقد قيل: إن العاقل لا يرد عن حاجته. فقيل: وكيف ذلك؟ قيل لأنه لا يسأل إلا ما يجوز. وألا يحمل المسئول إذا أنس منه كرم طبع وحسن إسعاف فوق طاقته، أو أن ينزل به من مئونته ما يستنفذ وسعه، فإنه إذا فعل ذلك أحوجه [أن] يفظع به، وفي هذا المعنى يقول الشاعر: (إنك إن كلفتنيِ ما لم أطِق ... ساءَكَ ما سرَّكَ مني [من] خُلق) وينبغي له ألا يلحق على من يسأله حاجته ولا يبرمه، وأن ينظر أي

стр. 177

حالي الاثنين أقرب إلى قلبه، وأولى بإسعافه، وطيب النفس بقضاء حاجته إليه، بالحياء والإعظام، أم حال من يطلبها إليه بالإلحاح والإبرام، ثم ليحكم على نفسه بحكمه في ذلك على غيره، فلا ينبغي أن تسأل رجلاً معونتك على غيره في حاجة لك، ولذلك الرجل إلى من حاجتك إليه حاجة مثل حاجتك، فإنه لا يقدم حاجتك على حاجته، ولا يستفرغ الوسع في معونتك ويدع نفسه، وربما ضرك إذا اعتمدت عليه، وكان من أمرك مقصراً، بجاهه على غير حاجتك موفراً. وقد حكى الأصمعي عن بعض موالي قريش أنه قال: "لا تطلبن حاجتك إلى كذاب، فإنه يقربها وهي بعيدة، ويبعدها وهي قريبة، ولا إلى أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا إلى رجل له عند القوم مثل حاجتك، فإنه سيجعل حاجتك وفاء لحاجته". وإن كان سؤالك في طلب العلم، فالذي يليق بالعاقل ويحسن [به] الإلحاح بالطلب، واللزوم في الدأب، وألا يرد وجهه عن الاستقصاء في استخراج الفائدة، فقد روي عن الصادق ﵇ أنه قال: على العلوم أقفال، ومفاتحها السؤال. وقيل: من رق وجهه رق عمله. وقيل لابن عباس أن لك هذا العلم؟ فقال: لسان سئول، وقلب عقول. وقد ذكرنا السؤال والأدب فيه في الجدل بما أغنى عن إعادته. وأما الأمر فينقسم قسمين: أحدهما ما أمرت أن تعمل فيخص باسم الأمر، والآخر ما أمرت به أن يترك فيسمى به نهياً.

стр. 178

ومن الواجب على ذي الحجا، وأخى النهي ألا يأمر إذا أمر، ولا ينهى إذا نهى وزجر إلا بعد تثبت ونظر، وأن يأتي في الأمر والنهي ما هو عند العلماء مألوف، وعند الحكماء معروف، مما هو بين النفع لذي الأدب، خارج عن ذي العبث واللعب. ومن أوجب ما أمر به الإنسان ونهى عنه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الله تعالى قد حض على ذلك، وعنف على تركه، وعاقب على إهماله، فقال عز من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وقال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ وقال: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. والمنفعة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بينة ظاهرة، لأن الله لما خلق الخلق فباعد بين هممهم وفطرهم، وخالف بين عقولهم وفكرهم، وكان أكثرهم إلى الفساد سراعاً، وللهوى أتباعاً وكانوا متى تركوا وما تدعوهم إليه نفوسهم فسدوا وأفسدوا غيرهم، وليس للفساد خلقوا، ولا بما خالف الصلاح جعلوا، أمر الله الأنبياء

стр. 179

بتأديبهم وأمرهم، وبحثهم والأخذ على أيدي سفهائهم، وأقام الأئمة في ذلك بعد الأنبياء مقامهم وقال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾. فجعل الأمر والنهي باللسان لذوي العقول والأبصار، ومن يردعهم الحياء عن مقارفة ما لا يليق بذوي الأخطار، وجعل السوط لمن لا ينفعه الزجر من شراب الخمور، ومرتكبي الفجور، وجعل السيف لمن لا يقنع في تأديبه بالسوط من المتقاتلين، والبغاة والمارقين: وكل ذلك أمرٌ بالمعروف ونهي عن المنكر، وقد روي "من رأى منكم منكراً فلينكره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وليس من العدل عند ذوي العقول أن يصلح الإنسان غيره، وهو غير صالح في نفسه، ويقوم أخلاق الناس بقوله وفعله، وهو غير مقوم في خلقه، وإنما ينبغي أن يبتدئ بنفسه فيحملها على ما يريد إحلاء الناس به، فإنها أقرب إليه، وأولى بنصيحته، فإذا انقادت به أخذ في إصلاح عيوب غيره، ومن ذلك قول الله : ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾. وقال المسيح ﵇: "ما بالك ترى القذاة في عين أخيك، ولا ترى السارية التي في عينك،

стр. 180

فأخرج أولاً السارية من عينك، ثم أخرج القذاة من عين أخيك. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أفتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فتجتمع عليه أهل النار فيقولون: يا فلان، أما كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ ! فيقول: "كنت آخر بالمعروف ولا أفعله، وأنها عن المنكر وآتيه". ومن الحق أيضاً عند ذوي الحكمة ألا يبذلوا نصيحتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن يعاديهم على ذلك، ويخافون سطوته فيه، ولا يرجون قبوله إياه، ولا رجوعه إليه، فإن ذلك جهل من فاعله، وهو شبيه بوعظ الأصم، ومخاطبة الموتى، في قلة الانتفاع به، والتضييع له، ونظيره التعرض للسبع بما يغضبه، وللأفعى بما يوثبه فهو إنما يتعرض من بلاء هذه الطبقة لما لا يطيقه، ولذلك استعمل أهل الدين والفضل والحكمة والعقل التقية هذه، وأمروا بها، وأطلقها الله ورسوله. فروى عن رسول الله ﷺ أنه قال لأبي ثعلبة الخشني يا أبا ثعلبة أئتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحاً مطاعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، "، وذكر باقي الحديث. وروي عن الحسن أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
следующие страницы →