Полный текст (316 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
على سبيل تعفف وتجمل، فقد وصف الله قوماً بذلك فقال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ واعلم أن السؤال وإن قل ثمن كل نوال وإن جل - كما قال أكثم بن صيفي: ولم يزل السؤال مكروهاً عند ذوي المروءة من الرجال. وفي ذلك يقول الشاعر:
(وفتىً خَلاَ من مالِهِ ... ومن المروءة غير خالِ)
(أعطاك قبلَ سُؤالِهِ ... وكفَاكَ مَكروهَ السُؤالِ)
وليس ينبغي للعاقل أن يسأل مشهوراً بالبخل، ولا لئيماً بالطبع، ولا قليل ماء الوجه، ولا حديث عهد بسلطان أو نعمة، فإن نتيجة سؤال هؤلاء الحرمان، وهم أعوان الزمان على الإنسان، وينبغي له ألا يسأل إلا ممكناً يجوز أن يسعفه، فقد قيل: إن العاقل لا يرد عن حاجته. فقيل: وكيف ذلك؟ قيل لأنه لا يسأل إلا ما يجوز. وألا يحمل المسئول إذا أنس منه كرم طبع وحسن إسعاف فوق طاقته، أو أن ينزل به من مئونته ما يستنفذ وسعه، فإنه إذا فعل ذلك أحوجه [أن] يفظع به، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
(إنك إن كلفتنيِ ما لم أطِق ... ساءَكَ ما سرَّكَ مني [من] خُلق)
وينبغي له ألا يلحق على من يسأله حاجته ولا يبرمه، وأن ينظر أي
стр. 177
حالي الاثنين أقرب إلى قلبه، وأولى بإسعافه، وطيب النفس بقضاء حاجته إليه، بالحياء والإعظام، أم حال من يطلبها إليه بالإلحاح والإبرام، ثم ليحكم على نفسه بحكمه في ذلك على غيره، فلا ينبغي أن تسأل رجلاً معونتك على غيره في حاجة لك، ولذلك الرجل إلى من حاجتك إليه حاجة مثل حاجتك، فإنه لا يقدم حاجتك على حاجته، ولا يستفرغ الوسع في معونتك ويدع نفسه، وربما ضرك إذا اعتمدت عليه، وكان من أمرك مقصراً، بجاهه على غير حاجتك موفراً. وقد حكى الأصمعي عن بعض موالي قريش أنه قال: "لا تطلبن حاجتك إلى كذاب، فإنه يقربها وهي بعيدة، ويبعدها وهي قريبة، ولا إلى أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا إلى رجل له عند القوم مثل حاجتك، فإنه سيجعل حاجتك وفاء لحاجته".
وإن كان سؤالك في طلب العلم، فالذي يليق بالعاقل ويحسن [به] الإلحاح بالطلب، واللزوم في الدأب، وألا يرد وجهه عن الاستقصاء في استخراج الفائدة، فقد روي عن الصادق ﵇ أنه قال: على العلوم أقفال، ومفاتحها السؤال. وقيل: من رق وجهه رق عمله. وقيل لابن عباس أن لك هذا العلم؟ فقال: لسان سئول، وقلب عقول. وقد ذكرنا السؤال والأدب فيه في الجدل بما أغنى عن إعادته.
وأما الأمر فينقسم قسمين: أحدهما ما أمرت أن تعمل فيخص باسم الأمر، والآخر ما أمرت به أن يترك فيسمى به نهياً.
стр. 178
ومن الواجب على ذي الحجا، وأخى النهي ألا يأمر إذا أمر، ولا ينهى إذا نهى وزجر إلا بعد تثبت ونظر، وأن يأتي في الأمر والنهي ما هو عند العلماء مألوف، وعند الحكماء معروف، مما هو بين النفع لذي الأدب، خارج عن ذي العبث واللعب.
ومن أوجب ما أمر به الإنسان ونهى عنه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الله تعالى قد حض على ذلك، وعنف على تركه، وعاقب على إهماله، فقال عز من قائل:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وقال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ وقال: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
والمنفعة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بينة ظاهرة، لأن الله لما خلق الخلق فباعد بين هممهم وفطرهم، وخالف بين عقولهم وفكرهم، وكان أكثرهم إلى الفساد سراعاً، وللهوى أتباعاً وكانوا متى تركوا وما تدعوهم إليه نفوسهم فسدوا وأفسدوا غيرهم، وليس للفساد خلقوا، ولا بما خالف الصلاح جعلوا، أمر الله الأنبياء
стр. 179
بتأديبهم وأمرهم، وبحثهم والأخذ على أيدي سفهائهم، وأقام الأئمة في ذلك بعد الأنبياء مقامهم وقال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾.
فجعل الأمر والنهي باللسان لذوي العقول والأبصار، ومن يردعهم الحياء عن مقارفة ما لا يليق بذوي الأخطار، وجعل السوط لمن لا ينفعه الزجر من شراب الخمور، ومرتكبي الفجور، وجعل السيف لمن لا يقنع في تأديبه بالسوط من المتقاتلين، والبغاة والمارقين: وكل ذلك أمرٌ بالمعروف ونهي عن المنكر، وقد روي "من رأى منكم منكراً فلينكره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وليس من العدل عند ذوي العقول أن يصلح الإنسان غيره، وهو غير صالح في نفسه، ويقوم أخلاق الناس بقوله وفعله، وهو غير مقوم في خلقه، وإنما ينبغي أن يبتدئ بنفسه فيحملها على ما يريد إحلاء الناس به، فإنها أقرب إليه، وأولى بنصيحته، فإذا انقادت به أخذ في إصلاح عيوب غيره، ومن ذلك قول الله : ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾.
وقال المسيح ﵇:
"ما بالك ترى القذاة في عين أخيك، ولا ترى السارية التي في عينك،
стр. 180
فأخرج أولاً السارية من عينك، ثم أخرج القذاة من عين أخيك.
وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أفتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فتجتمع عليه أهل النار فيقولون: يا فلان، أما كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ ! فيقول: "كنت آخر بالمعروف ولا أفعله، وأنها عن المنكر وآتيه". ومن الحق أيضاً عند ذوي الحكمة ألا يبذلوا نصيحتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن يعاديهم على ذلك، ويخافون سطوته فيه، ولا يرجون قبوله إياه، ولا رجوعه إليه، فإن ذلك جهل من فاعله، وهو شبيه بوعظ الأصم، ومخاطبة الموتى، في قلة الانتفاع به، والتضييع له، ونظيره التعرض للسبع بما يغضبه، وللأفعى بما يوثبه فهو إنما يتعرض من بلاء هذه الطبقة لما لا يطيقه، ولذلك استعمل أهل الدين والفضل والحكمة والعقل التقية هذه، وأمروا بها، وأطلقها الله ورسوله.
فروى عن رسول الله ﷺ أنه قال لأبي ثعلبة الخشني يا أبا ثعلبة أئتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحاً مطاعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، "، وذكر باقي الحديث. وروي عن الحسن أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
стр. 181
وسلم -: "ليس للمؤمن أن يذل نفسه". قيل: وكيف إذلاله لنفسه؟ قال: أن يتعرض من البلاء لما لا يطيقه.
وقال سفيان: أنا لا أنهاك عن أن تأمر وتنهى، إنما أخاف عليك أن تبتلى فلا تصبر.
وأما ما وري عن الصادقين ﵈ من أنه لا دين لمن لا تقية له، وقال العالم ﵇: "التقية دين آبائي، فإن قال قائل: إنك قلت إن الأمر والنهي لمن هو دونك، ثم ذكرت هاهنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجعلتهما لمن هو دونك، ولمن هو فوقك ممن يبسط يده عليك، وتخاف أن يسبق بمكروه إليك، فما وجه ذلك؟ قلنا: إن المأمور المنهي من الملوك وغيرهم، فإن كانوا فوق الآمر لهم والناهي بالقدرة والسلطان، فإنهم دونه في حقيقة الإيمان، لأنهم إذا ارتكبوا من الأمور الموبقة المفسدة [ما] يوجب عليهم نهيهم عنها ووعظهم فيها؛ فقد صارت منزلتهم دون منزلته في حكم الشريعة وترتيب العقل.
فأما من دون الإنسان من تابع وعبد وغيرهما، فالواجب على العاقل ألا يأمرهم من حوائجه، إلا بما يطيقونه ولا يجعلهم منها ما لا يحملونه
стр. 182
وأن يعلم أنهم بشر مثله، فإن الله - سبحانه - فضله عليهم ليبلو شكره وصبرهم دونه ليبتلي صبرهم، وأن من العمل عليهم ألا يأتي إليهم إلا ما يحب أن يؤتى إليه لو كان في مثل حالهم، فلا يضربهم ولا يجهدهم ولا يمنعهم مصلحة لهم، وأن يأتي في صلاحهم وسياستهم ما يأتيه في سياسة نفسه وولده وأخص أهله من حيث لا يرخى لهم العذار فيما يفسدهم، ولا يلزمهم من الدعة ما يعيقهم، فإذا فعل ذلك كان قد مضى بحبهم وبلغ مراده منهم إن شاء الله.
وقد جاء في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "أوصاني جبريل بالمماليك حتى ظننت أنه سيورثهم، وبالنساء حتى ظننت أن طلاقهن حرام". وروي أيضاً أنه قال ﵇ "إذا ملك أحدكم مملوكاً فليحسن إليه، فإنه كما ملككم رقابهم فلابد أن يملكهم رقابكم" والله أعلم.
وأما الشكر: فإنه في؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ للمزيد ومكافأة للنعمة، وقد أمر الله سبحانه به فقال : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ وقال:
стр. 183
﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾. والمنفعة: أن المنعم إذا شكر تبين ثمرة عمله، وزكاة حرثه، وقد قال الله : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
وقال الشاعر:
(نُبِّئتُ عَمْراً شاكرِ نعمتيِ ... والكفُرُ محتَةٌ لنفس المنعمِ)
ومن فعل بكل جميلاً فأنت مرتهن بشكره أو مكافأته، بذلك حكمت شريعة العقل، وقضى محض العدل، وقد أوجب الله المكافأة على القول والفعل فقال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إلا الإِحْسَانُ﴾. فجزاء من أحسن إليك أن تكافئه بمثل فعله إن لم يتهيأ لك ما هو أفضل منه، فإن أعجزتك المكافأة شكرته، ونشرت محاسن فعله، وذكرت ما نالك من فضله، فقد أمرك الله - سبحانه - بأن تشكره، وتتحدث بنعمته لما أعجزك عن مكافأته، فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
وقال الشاعر:
(ارفع ضعيفك لا يحربك ضَعفُهُ ... يوماً فتُدرِكه العواقِبُ قد نما)
стр. 184
(يجزيك أو يُثني عليك َ فإنَّ من ... أثنى عليك بما فَعلتَ فقد جزى)
ويروى أن رسول الله ﷺ سمع هذين البيتين فقال: قال لي جبريل عن الله: "من أسديت إليه يا محمد معروفاً فكافأك فذلك، وإن عجز وأثنى عليك فقد كافأك".
وقد قال أمير المؤمنين ﵇: "كفران النعمة لؤم، وصحبة الأحمق شؤم". وقد يستعمل الناس الحمد في موضع الشكر، وبينهما من الفرق ما أنا ذاكره: وهو أن الحمد أعم من الشكر، لأن الشكر إنما هو الثناء بالفعل الجميل الذي قد وصل إليك نفعه، والحمد الثناء بالفعل الجميل، وإن لم يصل إليك نفعه، ألا ترى أنك تحمد الرجل في صواب منطقه، وتحمد السيف في مضي ضريبته، والفرس في سرعة عدوه، ولا تشكر شيئاً من ذلك، وتشكر الله سبحانه على نعمته، وتشكر الرجل على معروفه، فهذا فرق ما بين الحمد والشكر.
وأما حفظ السر والمنفعة به: فإنه سبب لنيل كل مطلوب، والاحتراس من كل مرهوب، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "استعينوا على نجح حوائجكم بالكتمان، فإن لكل ذي نعمة حاسداً". وقال ﵇ "من كتم سره ملك أمره" وأوصت الأئمة ﵈ بكتمان أسرارها؟ وما أترى من ذلك من وصايا القدماء والحكماء في تحصين الأسرار وكتمان من الأشرار كثير لا يحتمله كتابنا، وليس كتمان السر من سائر الناس محموداً لأن الإنسان إذا كتم سره من نصيحة وذي الثقة عند أخطأ الرأي من جهتين:
стр. 185
إحداهما أنه يعدم المشورة، وقد أمر الله بها فقال: ﴿وشَاوِرهُم في الأمر﴾ وأمننا الرسول ﵇ من سوء عاقبتها فقال: "لن يهلك امرؤ بعد مشورة" وقيل: "ما حار من استخار، ولا ندم من استشار" فمن كتم النصيح أمره، وطوى عنه سره، واستغنى برأيه عنه، كان كمن كتم الطبيب علته، واستغنى بتجربته عن مشاورته، فهو حقيق بزيادة علته حتى يؤديه إلى ما يعجز عن تلافيه.
والثاني إيحاش أخي النصيحة وإفساد قلبه، إذا رآك قد حصنت سرك دونه، واستظهرت عليه بالمكاتمة له، والعدل في ذلك وصواب الرأي أن تصن أيضاً ممن اتهمته، وتغلق باب الأنس بينك وبينه، حتى لا يطلع لك على مكنون، بظن ولا يقين؛ وأن تحترس أيضاً ممن لا تثق غاية الثقة به، فلا تطلعه من أمرك على ما تخاف منه بدو سرك، وإذا وثقت الثقة كلها بالإنسان، وكشفت له عن صحة عيبه شواهد الامتحان، فلا عليك أن تطلعه على أكثر أمرك، وعلى ما يصلح أن تطلعه عليه من سرك، فتشتري بما تطلعه عليه أنسه، وتملك به قلبه، وتزيد به في تأكيد الحال بينك وبينه، وتقيس الصواب من مشورته فيما اشتبه عليك من رأيه، فإن الرأي في صدور الرجال كما قال الأول؛ وإنما صار الإنسان محتاجاً إلى المشورة، وكان المشير أولى بالصواب من المستشير، لأن المستشير يلقيى من استشاره بقلب فارغ مما قلبه مشغول به، وذهن غير مكدود بما ذهنه مكدود به، فيكون إلى إصابة الرأي أقرب، فليس ينبغي أن يكتفي المستشري بنصيحة المستشار حتى يأنس منع عقلاً صحيحاً، ورأياً مصيباً، فإن النصيحة من الجاهل غير نافعة، لأن رأيه غير صحيح، والرأي من العاقل الذي لا يوثق بنصيحته غير نافع أيضاً لما
стр. 186
لا يؤمن من غشه، فإذا اجتمعت النصيحة والعقل في رجل فحق المستشير أن يصغي إلى قوله، ويعمل برأيه، فقد قال رسول الله ﷺ لما سئل عن الحزم ما هو؟ قال: "أن تستشير ذا الرأي، وتطيع أمره" ومن كانت هذه صورته فليس لك أن تخالف مشورته إلا فيما يبين لك أنه أخطأ وجه الرأي فيه، فإن المستشار مجتهد، والاجتهاد يخطئ ويصيب، فليس على المجتهد أن يصيب، وإنما عليه الاجتهاد في الإصابة، وإذا كنت مشيراً فاعلم أن المستشار مؤتمن، وأن من أشار بغير الحق عنده سلب رأيه، فامحض من استشارك النصيحة وإياك ومقاربته في رأيه المتفق عليه، والتقريب من قلبه إذا كان ذلك مدخلاً عليه ضرراً في عاجل أمره أو آجله، فإن ذلك من الخيانة، ولا يكرئك كراهيته لقولك فيما أصلحه، فإن الطبيب العالم لا يلتفت إلى كراهية العليل للدواء إذا علم أنه ينفعه، بل يحمله من ذلك ما يبشعه ويحميه، من لذيذ الغذاء ما يشتهيه ويلذه، وإن استشارك عدوك في أمر فانصح له فيه فإنك تجمع بذلك مع تأدية الأمانة في المشورة شيئين:
أحدهما أن يكون عدوك عاقلاً، ويراك قد اجتهدت في نصيحة، فيتبين عقلك وفضلك، وربما كان ذلك سبيلاً إلى نزوعه عن عداوتك، ورجوعه إلى تلافيك واستقالتك. والآخر أن يكون عدوك جاهلاً بموقع النصيحة ومخارج الرأي، وهو مع ذلك معتقد لعدواتك، فيتيقن أنك تغشه فيما تشير به، فربما خالف مشورتك بجهله بصحتها، وقد محضته النصيحة فيها، فإذا فعل ذلك فقد أهلك نفسه، وأراحك من عداوته، وكنت موفوراً، وعند
стр. 187
ذوي العقول مشكوراً. وقد مدحت [العرب] الاستبداد بالرأي ووصفت نفسها بالاستغناء عن المشاورة فقال بعضهم:
(ليتَ هنداً أنجزتنا ما تعِد ... وشفَت أنفسَنا مما نجِد)
(واستبدَّت مرةً واحدةً ... إنما العاجزُ من لا يستبد)
وقال الآخر:
(إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمه ... فأعرض عن قول العواذل جانباً)
(ولم يستشر في رأيه غير نفسهِ ... ولم يرضَ إلا قائم السّيف صاحباً)
وليس ذلك أخلاق ذوي العلم والأدب، وإنما هو شيء امتدحت به العرب على طريق الوصف لأنفسها بالجرأة والأنفة والإقدام.
ومن أمثالهم في ذلك: من طلب غرر، ومن فكر قصر، وليس العمل عند الحكماء على ذلك.
وأما الاستعتاب: فإن المنفعة به بينة في تلافي من تريد تلافيه واستصلاح من لك رأي فيه، فإنك متى تركت صديقك للذنب بذنبه، أو للجرم بجرمه، ولم تعاقبه على ذنبه، ولم تؤنبه بجرمه بقيت بلا صديق، لأنك لا تجد أحداً ممن تصاحبه بعده، أو ممن يتعاض به منه إلا ولا بد
стр. 188
أن تأتي بمثل فعله لك، لما في جبلات الناس من الخلاف، وقلة المراقبة في ذلك يقول الشاعر:
(وكنتُ إذا الصديق اراد هَجري ... وأشرقني على حَنَقٍ برِبقي)
(غَفرتُ ذُنَوبه وصفحتُ عنه ... مخافة أن أكون بلا صديقِ)
وأعلم أن من طلب عيباً وجده، ومن أراد السالم من العيوب فقده ولابد للإنسان من الناس، وقد قال أمير المؤمنين ﵇: العاجز من عجز عن اتخاذ الأصدقاء، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم وأكمل الأصدقاء أقلهم عيوباً، وأشدهم مؤالفة، وأقلهم مخالفة، فأما حتى لا نجد في الصديق عيباً، ولا تراه في شيء من هواك مخالفاً، فهذا عسر وجوده، ومن طلبه أوشك أن ينفد عمره، ولا يجده، ولا يظفر به، فكن في أمور أصدقائك كما قال الشاعر:
(إذا كنت في كلِّ الأمورِ مُعاتباً ... صديقك لم تَلقَ الذي لا تُعاتِبُه)
(فعِش واحداً أوصِل أخاكَ فإنّه ... مُقارِفُ ذنب مرَّةً ومجانِبُه)
(إذ أنت لم تشرب مِراراً على القَذَى ... ظَمِئتَ وأيُّ الناسِ تصفو مشاَرِبه)
واعلم أن ترك العتاب من دلائل الزهادة، ومن دواعي القطيعة، ولذلك قال الشاعر:
(إذا انقرض العِتاب فليسَ وُدٌّ ... ويبقى الوُدُّ ما بَقَي العِتابُ)
وإن كانت المعاتبة على كل ذنب، والتعلق بكل جرم من دلائل التجني والملالة، وقد قال الشاعر:
(إذا العتابُ أتىَ في غيرِ موضعهِ ... فإنّه مُفصِح من شدَّة المَلل)
ونتيجة كثرة العتاب ففي غير موضعه قلة احتفال المعاتب، فإن الشيء
стр. 189
إذا كثر هان، ومن العدل إذا أذنب صديقك إليك أن تفحص عن مخرته فإن كان أتاه من غير تعمد له اغتفرته وتناسيته، ولم تعاتبه على ارتكابه، بل تنبهه على موضع خطئه ليحترس من معاودة مثله، وإن وجدته قد أتى ذلك عامداً، وكان من الأمور التي يصير بالمودة والإخاء احتمالها احتملتها وصفحت عنها، وإن كان ممن إذا أغضى على مثله عاد بالضرر وقبح فيه الخبر، عاتبته عليه غير مهتبل لزلته، ولا مغتم لصرعته فإن اعتذر بما يوجب حجة قبلته فأفلته، وإن اعترف وسأل الصفح صفحت عنه، فإن المقدرة توجب المغفرة، والتوبة تمحو الحوبة، والاعتراف يزيل الاقتراف، وقد قال الشاعر:
(إذا اعتذَر الجاني مَحا العذرُ ذنبَه ... وكلّ امرئ لا يقبلُ العذرَ ظالمُ)
وعلى هذا الترتيب رتب الله عباده في ذنوبهم، فعفا عن الخطأ، وما جرى على غير تعمد، وعفا عن صغائر ما اعتمده، وتجاوز عن الكبائر، مع الندم والتوبة، وعذب على الإصرار على ما يعود العفو عنه بالإضرار، وإذا كنت معتذراً أو متنصلاً فلا تعتذر إلا إلى من تحب أن يجد لك عذراً، ولا تعتذر إلى ممتحن أو متعنت، فإن الاعتذار إلى هذين الصنفين ضائع، ولا تخلط الاعتذار إذا وجب أن تعتذر بالاحتجاج فإن ذلك يدل على مقامك على الذنب، لأنك ليس تحتج إلا فيما لا ذنب لك فيه، وليس هذا موقف التنصل والاعتذار، وإنما هو موقف النفح
стр. 190
عن النفس والاحتجاج، فإن كنت على حجة فأنت غني عن الاعتذار، وسبيلك أن تقيمها، وتجتهد في التخلص من اسم الذنب بما تظهره منها، وإن كنت مذنباً فسبيلك أن تعترف بذنبك وتعتذر منه، وتسأل الصفح عنه، فإن مزج الاعتذار بالاحتجاج يدل على استئناف الذنب، ولذلك قال بعضهم - وقد اعتذر رجل إليه فأتى في اعتذاره بما قدمناه: ما رأيت عذراً أشبه باستئناف ذنب من عذرك؛ وذلك أن المذنب إذا كان عند نفسه غير مذنب، وكان له فيما يظن حجة زيل عنه الذنب، فهو غير مقلع عن ذنبه لأنه إنما يرجي الإقلاع عن الذنب للمذنب إذا عرف ذنبه وقبح فعله، وأنه لا حجة له فيه؛ وكان يقال: من وثق بحسن العذر وقع في الذنب، وغذا اعتذر إليك معتذر فاقبل عذره، وصدق في ذلك ظنه، إلا أن يكون ممن ترى أن الراحة في قطيعته، فإن كان كذلك فاجعل ذنبه سبباً لهجرك له، ولا تستعتبه، ولا تسمع عذره، فإن العضو الفاسد ليس لصاحبه راحة إلا في قطعة وفارقته، ومن هاجرك بذنب، أو ذكرك بما يسوءك في ملأ ثم جاء معتذراً فيما بينك وبينه فلا تقبل تنصله وعذره حتى تكونا في ملأ، وعلى المجاهرة كما كانت زلته وذنبه، وكذلك من أذنب إليك فيما بينك وبينه فلا تكلفه الاشتهار بالذنب عند من لم يعرف ذنبه، واقبل عذره فيما بينك وبينه.
وعلم أن الأنس بمواقف الاعتذار، وليس باختلاف ذوي الأقدار فاهرب مما تحتاج إلى إقامة العذر فيه، هربك من التلف، فليس في كل حين تقال الهفوة، ولا في كل وقت تغتفر الذلة، ومن القبيح أن يختار الإنسان اللؤم من الحمد عوضاً، وأن يجعل نفسه للألسن غرضاً، وقد قيل: إياك وما يعتذر منه، فقلما اعتذر أحد إذا كذب، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أوقع به الظنة.
وأما التودد: فمن أنفع الأشياء للإنسان، وأعونها على الزمان، لأن
стр. 191
بالمودة صلاح جميع الأمور، وبالعداوة فسادها، وبذلك أمر الله سبحانه بالتواصل والمودة، ونهى عن التعادي والفرقة، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾.
والود ودان: ود للمشاكلة والمجانسة، وهو الذي يقول فيه رسول الله ﷺ : "القلوب كأجناد مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف".
وود بالعرض، وهو ينقسم قسمين: أحدهما ود العصمة في الدين، والآخر: ود المنفعة في الدنيا.
فأما العصمة في الدين فالود فيه، والمحبة هي الولاية التي فرضها الله تعالى على عباده المؤمنين لأئمتهم وإخوانهم فقال - عز من قائل -: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وحظرها على المخالفين إلا في حال التقية فقال: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، وجاء عن رسول الله ﷺ : "إن أوثق
стр. 192
عرا الإيمان الحب في الله والبغض فيه"، والذي تخال به مودة ذي العصمة ألا يرى أخاه مفارقاً لما جمعهما عليه الدين في سر وعلانية.
وأما المودة للمنفعة في الدنيا فتتأكد بتأكد الأسباب الموجهة لها، ويزيد فيها الإحسان والإفضال، كما قال النبي ﷺ : "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" وينمي ذلك ويزيد في البشر والطلاقة والكلمة الطيبة، فإنه يروى عن رسول الله ﷺ : "إنكم لم تسعوا للناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم".
وفي حديث آخر "بالبشر وطلاقة الوجوه"، وقد قال الله : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾.
وقال أمير المؤمنين ﵇: "من لانت كلمته وجبت محبته" والذي يجوز به الإنسان هذه المودة ممن يرومها منه هو أن يرى الله مواسياً بما يقدر عليه، فقد قال أرسطاطاليس: "ليس مع الإيثار بغضة، ولا مع الاستكثار محبة"، وأن يكون متابعاً له فيما يقوده إليه، فإن الخلاف أذى، والأذى مخالف للهوى، وقد قال الشاعر:
(يُحَبُّ ويُدنَيِ مَن يَقلُّ خِلافُهُ ... وليس بمحمودٍ حبيبٌ مُخالِفُ)
وقال آخر فأحسن:
(فإني رأيت الحبَّ في الصدرِ والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبُّ يَذهَبُ)
стр. 193
فتودد إلى الناس جهدك، واجعل نيل محبتهم وكدك، فإنك لن تعدم بذلك مروءة كريم، أو أمن عداوة لئيم، فتكون قد نلت المحبوب وكفيت المرهوب، إن شاء الله.
وأما الأخذ بالمشهور من الحديث والقول وحكايته، وترك الغريب والمنكر منهما، واجتناب روايته: فإن المنفعة في ذلك عظيمة، والفائدة جسيمة، وذلك إنك تحرز به النبل في عيون الناس، والجلالة في صدورهم، ومتى أخذت بالشذوذ، وبالبديع والغريب من الأحاديث والروايات، وأحكمت ذلك، ونقلته كنت عند الناس غير محصل، ولا يغرنك: "إنما أحكي ما أسمع" فكفاك عيباً أن تحكي كل ما تسمع لأن أكثر ما تسمع الباطل، وإنما الحق جزء من أجزاء كثيرة مما تسمعه، وقد قيل: "حسبك من شر سماعه"، فكيف حكايته وفعله، ومن رضي بأن يكون حاملاً للأباطيل، ورواية الأكاذيب، فقد رضي بما لا يرضى به اللبيب، فإن استطعت فلا تحكي إلا ما تصدق فيه، وما لا تحتاج إلى إقامة شاهد عليه فافعل، فهو أولى بك إن كنت من أهل التحصيل، وأردت أن تسلم من العيب والتجهيل، فقد روي عن بعض الأعراب أنه قال: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك أعذاره، فليس كل من حكى عنك نكراً يوسعك عذراً، واحذر الحذر كله من شهوة الاستطراف، وطلب الغرائب، فإن كثيراً من الناس يطلب ما كان طريفاً، ولم يكن عند الناس معروفاً، وذلك لما في النفوس من التطلع إلى استماع ما يسمعوه، والكلف بما لم يعهدوه ويعرفوه، وكلما كان الشيء ليس عندهم كان إليهم أعجب، ومن قلوبهم أقرب، ومن هاهنا ضل كثير من الناس، ودخلت عليهم الشبهة في اعتقاداتهم ودياناتهم، فإنك إذا نظرت في كثير من مذاهب أهل المذاهب وجدتها لم تنفق على أهلها إلا بطرافتها
стр. 194
وغرابتها وامتناع دعاتهم في إظهارها لهم، والنفس طلعة، وهي ضنينة بما تمنعه، وليس عندها فيما قدرت عليه من الرأي والهوى مثل الذي عندها من الغريب المستطرف، وكل ما كان في ملك غيرها كانت إليه أشوق، ونحوه أتوق، ولهذا صار أزهد الناس في العالِم جيرانه، وصار الإنسان بما استفاده منه أشد ضناً مما ورثه، فاحترس من هذا الباب، ولا تراعين في مستطرف من المور إلا ما كانت أمارات الحق فيه ظاهرة، والشكوك التي تعرضه واهية فقد قال رسول الله ﷺ "شر الأمور محدثاتها وقال: وكل محدثة ضلالة" ولا يثقل عليك الحق، وإن كبر عليك استماعه، ولا تملنه وإن كثر على سمعك مروره، فإن الحق جديد لا تخلقه الأيام.
وأما المقبول والمردود: فإن المقبول كل ما أريد به المنفعة من الأمور التي ذكرناها وعددناها، وكانت القلوب له قابلة، وبفضل اقتنائه غير جاهلة.
والمردود ضد ذلك، فما ينبغي أن يقبل وعظ من واعظ، ونصح من نصحك بما وقرك فيهما، وألان لك القول فيما يورده عليك منهما، وإن تعجرف مخاطبك في ذلك بما يغلظ عليك استماعه، فإن كان ممن تثق بنيته، ولا تثريب بمودته وطويته، تشجعت على الصبر له، والقبول منه، وكنت كالعاقل الذي يتشجع على أخذ الدواء الكريه إذا علم أنه
стр. 195
ينفعه، ويصبر في ساعة الخوف تحت ظلال السيوف إذا علم أن الصبر خير له، فإن كان ممن تعرفه بعداوة وسوء نية، وخبث طوية، رددت عليه قوله على استماعك المكروه الذي حصل له، فإن في الناس من يريد عيب عدوه والإشادة بمساويه، فلا يجد طريقاً إلى ذلك أبلغ وأسهل من الوعظ والنصيحة، لأنهما يشتملان على ذكر عيوبه، فهو يبلغ مراده من فضيحته والإغلاظ من حيث لا يستحق في الظاهر لوماً منه، ولا مكافأة على قبيح ما يلقاه به، وقد ذكر "أردشير" هذه الطبقة وزرايتها على الملوك وتوصلها إلى عيبهم بالوعظ، وحذر منهم، وعرف الملوك كيف السبيل إلى الراحة منهم، ونحن نذكر قوله إذا صرنا إلى موضعه، فاعرفهم أنت وأنزلهم منزلهم، وقد حكي عن بعض أهل هذه الطبقة أنه قال لبعض الخلفاء: "إني أريد أن أنصحك يا أمير المؤمنين بكلمات، فاحتمل إغلاظي فيها"، فقال: لا ولا كرامة، إن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال له: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ومن ذلك قبول العذر ممن اعتذر إليك إن صدق في عذره، وإن كذب، فقد قال الشاعر:
(اقبَل معاذير مَن يأتيكَ مُعتذِراً ... إن بَرَّ عندك فيما قالَ أو فَجرَا)
(فقد أطاعَكَ من أرضَاك ظاهرُهُ ... وقد أجَلَّك من يعصيك مستترا)
فإذا قبلت معذرته، وأقلته عثرته مرة بعد أخرى، وثانية بعد أولى، ورأيته مقيماً على الإصرار، ولا يزيدك على الاعتذار، عند تخوفه عواقب الإنكار، علمت أنه يريد مخادعتك، فيطلب الحيلة عليك، فحينئذ لا تقبل عذره، وتأس برسول الله ﷺ فيما صنعه ببعض أسرائه وأحسبه أبا عزة فإنه أمر بضرب عنقه وقال: "لا تقعد في نادي قومك فتقول
стр. 196
خدعت محمداً ثلاث مرات، ومما يقبله العاقل مدح من مدحه بما فيه، ولم يخرج في وصفه عما يستحقه بمساعيه، فقد سمع رسول الله ﷺ المدح وأثاب عليه، فأما إذا رأيت المادح يزكيك بما ليس فيك، ويواريك ويريد أن يخدعك عن نفسك، ويغمز جانبك، فلا يكونن من شأنك الإصغاء إلى قوله، ولا الاستماع منه، ولا الرضا بمنطقه، فإن ذلك ثلمة في عقلك، فإن لم تسدها اقتحم الناس عليك منها، وتوصلوا إلى حوائجهم منك بها، ثم لم تسلم بعد ذلك من غيبتهم لك، وضحكهم منك. وقد قالت الحكماء: "قابل المدح كالمادح نفسه"، وإنما قالوا ذلك لهذه الطبقة من المادحين، وهم الذين أمر النبي ﷺ بأن يحثي التراب في وجوههم.
ومن المقبول أيضاً إطالة القول فيما أريد به تأنيس المستوحش، وتسكين روع المرتاع، فإن ذلك مما قد امتدحوا به فقال شاعرهم:
(سَلي الطارقَ المَعَترَّ يا أُمَّ مالكٍ ... إذا ما اعتراني بين قِدرِي ومَجزِري)
(وأَبسُط وَجْهي إنه أول القِرَا ... وأبذُل معروفي له دون تنكيِري)
وقال آخر:
(أحدِّثُه إن الحديثَ مِنَ القِرا ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجعُ)
ومما يتسع فيه القول، ويكون عند ذوي العقل مقبولاً، أن يجد القائل فيمن يقصد القول فيه مقالا ًبما يظهر من خلقه وفعله، ونقصه أو فضله، فيكون المادح له، أو الذام لفعله منبسطي اللسان، غير كليلي البيان، ويكون
стр. 197
لسامع ذلك منهما قابلاً مصدقاً، ولقولهما فيه محققاً، وقد قال الشاعر:
(بهواك صيَّرني العذور نَكالا ... وجَدَ السبيلَ إلى المقال فقالا)
وقال آخر يعتذر من تركه مديح قومه:
(فلو أنَّ قومي أنطقتني رِماحُهم ... نطقتُ ولكنّ الرِّماحَ أجَرّتِ)
ومما تقبل فيه الإطالة، المذاكرة بالعلم، فإن مذاكرة الرجال تلقيح لألبابهم، وروي عن الصادقين ﵈ المذاكرة بالعلم عبارة حسنة، فهذا ما في المردود والمقبول.
وأما المهم والفضول: فإن المهم كل ما دعت الإنسان حاجة إليه في قوام معيشته وإصلاح عاقبته، أو سياسة نفسه وخاصته، وذلك مطلق له الكلام فيه، وغير مستقبح منه الطلب له من حيث لا يشوب المبالغة بالهذر، ولا الطلب بالطمع، ولا المسألة بالإلحاف، ولا الوعظ بالتسليط، ولا الأمر بالعنف، ولا النهي بالغلظة، ولا التنبيه على الذنب بالتوبيخ، فقد قال سفيان بن عيينة: يستحب للعالم إذا علم ألا يعنف، وأن يتلطف فيما قاله حتى يأتي به على ما ذكرناه، فيبلغ مراده من حيث لا يلحقه عيب ولا ينسب إلى تقصير، وقد أمر الله بالكلام فيما تدعو الحاجة إليه، وبالرفق واللين والتأني، فقال : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وقال:
стр. 198
﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ولم يقنع من أنبياءه وصلحاء خلقه بترك الكلام في المهم من أمر الدين، بل قد عاب من ترك الكلام في ذلك فقال فيما أمر به نبيه ﷺ من البشارة والنذارة: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال في غير هذا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، وقال أمير المؤمنين ﵇: "إن الله لم يرض للأئمة أن تعصى في أكناف الأرض وهم ممسكون، لا يأمرون ولا ينهون، وقد أجاب الله عباده عما يسألونه عنه من مبهم دينهم فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى آخر الآية وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، وكذلك سائر ما سألوا عنه مما يهمهم في أمر دينهم، فلما سألوا عما لا يهمهم وما هو فضول منهم كانت نتيجة إخلافهم وتفرقهم، أمسك عن جوابهم، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ
стр. 199
مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ولما سألوا عن آبائهم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ فكل ما جرى مجرى المهم الذي ينتفع به، وتدعو الحاجة إلى استعماله فَحَسنُ الكلام فيه، وكل ما خالف ذلك، وجرى غير مجراها فيما لا يعني الإنسان ولا يجدي نفعاً فهو الفضول، الذي سمعت العلماء تذمه، ورأيت الحكماء تنهى عنه فقالوا: إنما يهلك الناس في فضول المال وفضول القول، وقال رجل لابنته وقد نقلها إلى زوجها، لا بنية، أمسكي عليك الفضلين: فضل القول، وفضل الشهوة، ومن ذلك يكون العطب، فكم ممن قتله كثرة فضوله، ولم ير أحد قط قتل لسكوته، ولا ضرب بالسوط على قلة كلامه، وإنما يفعل به تلك الأفاعيل ويورد تلك الموارد، بفضول قوله ولسانه، ولذلك قال الشاعر:
(وجُرحُ الِّلسان كجَرحِ اليَدِ)
وقال الآخر:
(يموتُ الفتى من عثرةٍ بلسانهِ ... وليس يموتُ المرءُ من عثرة الرجلِ)
وأما التام والناقص: فأما التام من الكلام ما اجتمعت فيه فضائل هذه الأقسام، فكان بليغاً صحيحاً، وجزلاً فصيحاً، وكان جداً صواباً، وحسناً حقاً، ونافعاً صدقاً، وعند ذوي العقول مقبولاً، ولم يكن تكلفاً ولا فضولاً، فإذا اجتمع ذلك فيه، ووضعه قائله موضعه، وأتى به في حينه، وأصاب به مقصده، فهو التام.
стр. 200
ومثله من الكلام ما روي عن رجل قدم من اليمامة على عمر بن عبد العزيز، فسأله كيف الناس؟ فقال: "ظالم مقهور، ومظلوم منصور، وفقير مجبور، وغني موفور" فقال: سرك الله وأكسن بشراك".
وما روي عن رجل من سمرقند قام بين يدي المهدي فقال: يا أمير المؤمنين: "إنا قوم نأينا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن تحفظ الخطب، وأمير المؤمنين يعرف طاعتنا، ويعلم ما فيه مصلحتنا، فيجتزي منا باليسير من الكثير، وبما في الضمير دون التفسير" فقال له: اصبت وأجدت، أنت خطيب القوم.
وشكا بعضهم حاله إلى بعض الرؤساء، فقال: "إن الدهر كلح فجرح، وجمع فطمح، وأفسد ما صلح، فإن لم تعن عليه فضح".
وأوصى خالد بن صفوان ابنه فقال: "كن يا بني أحسن ما تكون في الظاهر حالاً، أقل ما تكون في الباطن مآلاً، فإن الكريم من تكرمت طبيعته، واللئيم من خبثت عند الحاجة طمعته، وإياك وكثرة الكلام فيما لا يعنيك، فإنه فضل، ولا آمن عليك فيه الوزر، والموت خير من طلب الحاجة إلى غير أهلها".
والناقص عن التمام، وما قصر عن هذه الأقسام، كان معيباً عند ذوي الأفهام.
كما روي أن بعض جلساء عبد الملك تنقص مصعب بن الزبير، وقد أفاضوا في ذكره بحضرته، فقال: مه أما علمت أن من صغر مقتولاً فقد
стр. 201
صغر قاتله، وهو إنما أراد التقرب من قلب عبد الملك بتنقيصه وتصغير شأنه، وجهل ما في ذلك من التقصير بعبد الملك، والوضع من ظفره، فكان كلامه بادي النقص عند ذوي العقول، غير محمود عند ذوي التحصيل.
وكذلك قال بعض الأعراب لرجل رآه نطق بمنطق مذموم غير ناص ولا مقبول، فقال: يا هذا، إن عورات الرجال بين أرجلهم، وإن عورتك لبين فكيك، وهذا في هذا الباب مقنع إن شاء الله.
أدب الحديث:
فأما أدب الحديث فإن أصله وعمدته، وبهاءه وزينته اتقاء الخطأ فيه والزلل واللحن والخطل، ثم أن يكون حقاً سالماً مما يهجنه من معايب القول التي قدمنا ذكرها، ثم أن يقدر المحدث مقدار كلامه، ومقدار نشاط مستمعه فلا يحمله منه ما يضجره ويقصر عنه شيئاً، وإلا وقع من مخاطبه موقع إياس بن معاوية من ابن شبرمة فإن ابن شبرمة قال له: أنا وأنت لا نتفق، قال: ولم؟ قال: لأنك لا تشتهي أن تسكت، وأنا لا أشتهي أن أسمع، وألا يردد القول إذا أعجبه؛ فإن في التوراة لا يعاد الحديث مرتين.
وروي أن ربيعة الرأي تكلم يوماً فأعجبه كلامه فقال لأعرابي:
стр. 202
حضر: ما تعدون العي فيكم؟ قالوا: ما أنت فيه منذ اليوم.
وتكلم ابن السماك في قصصه فردد أشياء من مواعظه، فقالت له جاريته: لم تردد كلامك؟ فقال: ليفهمه من لا يفهمه، فقالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه [يكون] قد مله من فهمه؛ وألا يكون نزر الكلام فينسب إلى العي، ولا كثير الكلام فينسب إلى الهذر. بل يتوسط في منطقة، فإن خبير الأمور أوسطها، وإذا أعجبه الكلام فليصمت، وإذا أعجبه الصمت فليتكلم، فإن البركة في مخالفة الهوى، وأن يتجنب الأيمان في حديثه، فإنما يحمل الرجل على اليمين إحدى ثلاث خلال: إما مهانة يجدها في نفسه، وقد وصف الله - سبحانه - الحلاف بذلك فقال: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ أوعى في الكلام، فهو يجعل الأيمان حشواً له، أو تهمة ظهرت منه، فهو لا يثق من الناس بتصديقه إلا بعد اليمين، ولذلك قال بعض الأعراب في بعض ما تكلم به: والله فإنها مهانة أو فجور أي: بأن الإنسان لا يحلف بالله إلا من فجور قد ظهر منه فأحوجه إلى استعمال اليمين حتى يصدق، أو مهانة يجدها في نفسه، ولا يبتدي كلامه إلا بعد أن يتروى فيه، فإن الرجوع عن الصمت إلى الكلام، أحسن من الرجوع عن الكلام إلى بعد الشروع فيه.
وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه أوصى رجلاً سأله أن يخصه بشيء من العلم، فقال له: أمستوص أنت؟ فقال نعم
стр. 203
فقال: إذا أردت أمراً فتدبر عواقبه، فإن كان خيراً فامضه، وإن كان شراً فانته عنه، وأن يخزن كلامه إلا عند إصابة المواضع، فإنه ليس في كل حين يحسن الصواب. وإنما تمام الإصابة بإصابة الموقع، فإن أخطأه دخل على كلامه الهجنه ولم يبلغ به البغية، وألا يحضر كلاماً لم يحضره، ولا يدخل بين اثنين في شيء لم يدخل فيه، ولا يجيبن عن شيء لم يسأل عنه، وألا يجيب من خاصمه وأغضبه بجواب الغضب والشر، فإنه ربما ظهرت عليه عند الغضب أمارات تصدق عليه قول العائب له، ولكن ليكن جوابه بالحلم والوقار، فإن الغلبة للحليم، وليعلم أن جهل خصمه يبين عن فضله إذا لم يقابله، فقد قيل: لولا جهل الجاهل ما عرف عقل العاقل.
وقد قال أمير المؤمنين ﵇ "الغالب بالشر مغلوب" وألا يتهاون بالكذبة تحفظ عليه في الجدر أو الهزل، فإنها سريعة في إبطال ما يأتي من الحق، وقد قال رسول الله ﷺ "إن الرجل ليكذب الكذبة فلا يزال بها حتى يصير عند الله كاذباً"، وإذا سئل غيره فلا يسلب الجواب منه، وإذا حدث أنصت لمحدثه، وإن كان يعرف الحديث فقد روي عن الأحنف:
تجنب في حديث جليسك ثلاثاً: الإعراض عنه، وسوء الاستماع
стр. 204
منه، وإن تريه أنك قد عرفت ما أراد.
وإذا بلي بالجواب عن شيء قد سئل عنه هو وجماعة معه، فلا يبادرهم بالجواب، فيكونوا متعقبين لقوله، آخذين بأحسنه، ممكنين من عيبه، بل يكون آخرهم جواباً، فإنه يجمع بذلك أخذ محاسن قولهم، وتعقب آثارهم، والسلامة من عيبهم وطعنهم، وليدع التطاول في المجالس على أهلها بالقول مما يعرض له من الصواب لئلا يظنوا أنه يريد التكبر عليهم، والوضع منهم فيعاودوه، وليكن قصده بحضرة العلماء أن يعرفوا منه أنه على الاستماع أحصر منه على القول، فإن نازعته نفسه إلى القول بحضرتهم - وهم نقاد القول وجابذته - فلا يخرجن منه إليهم إلا ما كان صحيحاً جائزاً، وليستحسن من تكذيب صاحبه في حديثه. وإن كذب فأراد تنبيهه على كذبه تلطف له في ذلك بألطف القول، فإنه يجمع بذلك البقيا على مودته، وقضاء حقه في التأني لإصلاح خلقه، وليحدث الناس بما يعرفون، ويعفيهم مما يكرهون، تدوم له بذلك مودتهم. وقد روي عن الصادقين ﵈: "رحم الله من حببنا إلى الناس بأن حدثهم عنا بما يعرفون" وليعلم أن لسانه آفة مرسلة عليه إذا أطلقه فليضبطه.
وقد روي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال لابنه عبد الله: يا بني احفظ لسانك إلا مما لك، وانه نفسك إلا عما أمرت به، وإذا غلب على الكلام فلا يغلب على السكوت، فقد قيل: إذا فاتك المنطق،
стр. 205
فلا يفوتك الصمت، واستشعر ما وصى به أكثم بن صيفي بعض ولده فإنه قال له: "ومن الجمال والمروءة أن تكون عالماً كجاهل، وناطقاً؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ، والعلم مرشده والصمت محمدة، وفضل القول على العمل لؤم، وفضل العمل على القول كرم، ولم يلزم الكذب شيئاً إلا غلب، والانقباض عن الناس مكسبة لعدوانهم، والتقرب منهم مجلبة لقريبن السوء، فكن من الناس بين المنقبض والمشترك، فإن خير الأمور أوساطها، ومن لم يكن له من نفسه واعظ تمكن منه عدوه على شر فعله، ولا ينبغي أن يمنعه حذر المراء من حسن المجادلة، ولا خوف العي من استعمال الصمت في وقته، وليعلم أن الرجل قد يكون زميتاً فيحمله الحرص على أن يقال لسن، والخوف من أن يقال عي على أن يتكلم في غير موضعه، فيصير ما هرب منه خيراً مما أقع نفسه فيه وليعلم أن من عاب للناس وذكر مساوئهم جمع مع الإثم في الغيبة التي نهى الله عنها الاستهداف لعيبهم، والتعرض لشر قولهم وقد قال الشاعر:
(ومن دَعَا الناسَ إلى ذَمِّه ... ذَمُّوه بالحقِّ وبالباطِلِ)
(مقَالةُ السُّوء إلى أهلها .. أسرَعُ من مُنْحدِرِ سائلِ)
стр. 206
وقال آخر:
(ولا ينتطلِق منكَ اللِّسان بسَوءة ... فللناس عوراتٌ وللناس ألسن)
وليعلم أنه ليس من علم يذكره عند غير أهله إلا عاوده واستثقلوه، فلا تجالس أحداُ بغير طريقته، ولا تحدثه إلا بما يستحقه فإن للعلم حقين: أحدهما بذلة لمستحقيه، والآخر صرفه عمن ليس من أهله، وألا تستعمل المزاح إلا في الأحوال التي يخرج بها من حد العبوس، ومتى زاد في المزح على إنسان فأجابه بما يحرك من طبعه، فلا يلومن إلا نفسه إذ ليس من العدل أن يغضب من شيء وهو المبتدئ به، فقد قال حكيم العرب:
(وأوّل راضٍ سُنّة من يَسُنّها)
وينبغي أن تتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن القول، وهذا آخر باب العبارة، وقد أتينا بجمل مما حضرنا فيه تغني عن الإطالة إن شاء الله تعالى.
стр. 207
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين
باب
البيان الرابع وهو الكتاب
قال أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب الكاتب: قد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا نعمة الله على عباده فيما ألهمهم إياه من الكتابة، ودللنا على حكمته سبحانه في ذلك، وأنه أراد إتمام منافعهم، وإيجاب الحجة عليهم، فإنه لولا الكتاب الذي قيد علينا أخبار من مضى من الرسل، ونقل إلينا ما أتوا به من الكتب لما قامت - لله سبحانه - حجة علينا إذ كنا لم نشاهدهم، ولم نسمع حججهم، ولم نعاين آياتهم. وانقرضت العلوم والروايات بانقراض أهلها، وموت من تحملها، ولم يبق في أيدي الناس من ذلك، ومن أخبار الماضيين، وآثار المتقدمين إلا اليسير مما يلقاه الخلف عن السلف، وكم عمي أن يكون ذلك، وما يرى أن نبلغ من العلوم الحالية، والأخبار الماضية، فلما أعطاهم هذه الموهبة قيدوا بها ذلك أجمع، وحفظ فصار من قرأ كتب الأولين وتأمل أخبار الماضيي، كمن عمر معهم، وكان في أيامهم، وأخذ عنهم، وسمع منهم، ولذلك قيل: "الكتاب أحد اللسانين لأنك إذا قرأت كتاباً كأنك قد سمعت لفظ صاحبه. وقيل القلم أبقى أثراً واللسان أكثر هذراً.
стр. 208
وقالوا: "اللسان مقصور على الشاهد، والقلم ينطق في الشاهد والغائب".
وقال بعضهم: "استعمال القلم أجدر أن يحضر الذهن عن تصحيح الكتاب، من استعمال اللسان على تصحيح الكلام" والكتاب يقرأ بكل مكان، ويدرس في كل زمان، واللسان لا يعدو سامعه، ولا يتجاوز إلى من بعده، وقد بين الله فضيلة الكتاب والخط ومعوتهما على الحفظ والضبط فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ ثم بين العلة في أمره بذلك فقال: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ وإنما وضع الجناح في ترك كتب التجارة الحاضرة، لأنه ليس يجري فيما يكون مؤجلاً، ولما كان هذا موقع الكتاب في النفوس بين المعونة على الحفظ والنفي للشك خاطب الله الناس من ذلك بما يعرفون، فقال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ فقال: ذلك على المجاز والتعارف، وإلا فهو غير محتاج في علم ما كان ويكون إلى كتاب من ينسى ويغفل، والله لا ينسى ولا يغفل وقد شرف الله منزلة الكتاب وأحوج الناس إليهم، وأمرهم بمعاونة من استعان بهم، فقال: ﴿وَلا يَابَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ولو لم يكن فضل الكتابة إلا أن الله سبحانه مدح الملائكة بها فقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا
стр. 209
كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ والكتاب خمسة: كاتب خط، وكاتب عقد، وكاتب حكم، وكاتب تدبير؛ [وكاتب لفظ] ولكل واحد من هؤلاء مذهب من الكتابة يخالف مذهب غيره، ونحن نذكر منها ما يحضرنا ذكره.
كاتب الخط:
أما كاتب الخط فإنه إما أن يكون وراقاً أو محرراً، وهما موصوفان ينقل الألفاظ وتصورها، ويحتاجان إلى أن يجمعا مع حلاوة الخط وقوته وسواد المداد وجودته، وتفقد القلم وإصلاح قطته، إلى جودة التقدير والعلم بمواقع الفصول، وأن يعرفا من النحو المقصور والممدود والمؤنث والمذكر، وحكم الهجاء مايسلمان معه من اللحن والخطأ، ثم يحتاج المحرر إلى إطالة سن قلمه، فإنه أصفى لكتابته، وأن يعفي قلمه فلا يلح على شحمه لأن ذلك أقوى لخطه، وكذلك سائر ما يكتب بالمداد. فأما ما يكتب بالحبر فيخاف على الشحم فيه ليقل ما يحمل من الخبر، ويحتاج الوراق إلى تحنيف قطة قلمة، والمحرر إلى أن يجعلها بين التحنيف والاستواء، فإن ذلك أحسن لخطه، وكلما كان اعتماد الكاتب وراقاً كان أو محرراً على سن قلمه الأيمن كان أقوى لخطه، وأبهى بخطه، ويختار الوراق ألا يكتب في الجلود والرق بالحبر المثلث، فإنه قليل الليث فيهما سريع التفرك منهما، وأن يكتب فيهما بالحبر المطبوخ، وفي الورق بما أحب، ويختار المحرر أن يكتب عن السلطان في أنصاف الطوامير وفي الأدراج المنصورية العريضة، وعن نفسه وعن سائر الناس فيما
стр. 210
أحب بعد أن يكون ذلك ألطف مقداراً من مقادير كتب السلطان ووزرائه، فأما جودة التقدير، فإن يكون ما يفضله من البياض أو القرطاس أو الكاغد أوالورث عن يمين الكتاب وشماله، وأعلاه وأسفله على نسب متساوية وأن تكون رؤوس السطور وأواخرها متساوية، فإنه متى خرج بعضهاعن بعض قبحت وفسدت؛ وأن يكون تباعد ما بين السطور على قسمة واحدة إلا أن يأتي فصل فيزاد في ذلك، والفصل إنما يقع بعد تمام الكلام الذي يبتدأ به واستئناف كلام غيره، وسعة الفصول وضيقها على مقدار تناسب الكلام فإن كان القول المستأنف مشاكلاً للقول الأول، أو متعلقاً بمعنى منه جعل الفصل صغيراً، وإن كان مبايناًله بالكلية جعل أكثر من ذلك، فأما الفصل قبل تمام القول فهو من أعيب العيوب على الكاتب والورَّاق جميعاً، وترك الفصل عند تمام الكلام عيب أيضاً إلا أنه دون الأول.
وأما النحو فقد ذكر النحويون منه، ومن حكم المقصور والممدود، والمؤنث والمذكر والهجاء ما فيه كفاية، إلا أننا نذكر جملاً من ذلك لئلا يخلو كتابنا من سائر ما يحتاج إليه البيان. ونبتدي بذكر النحو فنأتي منه بما يكون إعرابه بالحروف وتعيين أشكالها دون الحركات التي لا تبين في الكتاب، وإنما يعرف بالشكل إذ كان الكتاب لا يشكلون، وإنما الشكل للوراقين؛ ولهم فيما قد سطره النحويون في كتبهم من حكم الإعراب ما يغنيهم عن كتابنا هذا؛ فنقول: إنه ليس يعرب من الكلام إلا الاسم المتمكن، والفعل المستقبل، وما سواهما مبني غير معرب، وليس في المبنيات ما تتغير صورته في الكتاب بتغير الأعراب فيه؛ وإنما يقع ذلك في بعض الأسماء المتمكنة، والأفعال المستقبلة؛ فمن ذلك
стр. 211
ما رفعه من الأسماء بالواو، ونصبه بالألف، خفضه بالياء، وهي خمسة أسماء: أبوك وأخوك وفوك وذومال تقول، جاءني: أخوك ورأيت أخاك ومررت بأخيك. ومن ذلك الاثنان، والجمع الذي يسمى جمع السلامة، وهو الذي يسلم فيه بناء الواحد، وتزاد عليه علامة الجمع، فإن علامة رفع الاثنين الألف، وعلامة رفع الجمع الواو، وعلامة النصب والخفض فيهما الياء، إلا أن ياء الجمع مكسور ما قبلها، وياء الاثنين مفتوح ما قبلها، تقول: مررت بالمسلَمينَ والمسلمَينْ، ومن ذلك الألف التي تدخل في النصب بدلاً من التنوين في الاسم العلم المنصرف، كقولك رأيت زيداً، والألف التي تبدل من النون الخفيفة نحو قولك: اضربا زيداً، وما لا ينصرف لا يدخله التنوين، فليس تبدل في منصوبه ألف، وخفضه بالفتح كنصبه، فإذا أضيف أو دخلته الألف واللام صرف، ومما لا ينصرف: ما لا ينصرف في معرفة ونكرة، ومنه ما ينصرف في النكرة، ولا ينصرف في المعرفة فمما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة خمسة أشياء منها: كل نعت على أفعل وأنثاه على فعلاء نحو: أحمر وحمراء، ومنها كل نعت كل فعلان أثناء فعلى نحو عطشان وعطش، ومنها كل اسم في آخره ألف تأنيث ممدودة نحو أربعاء وكل جمع في آخره هذه الألف نحو فقهاء، ومنها كل اسم في آخره ألف تأنيث مقصورة نحو: حبلى، وكل جمع كذلك نحو: صرعى، وكل جمع لا نظير له في جموع الأسماء، وهو ما كان في وسطه ألف قبلها حرفان وبعدها ثلاثة أحرف، أو حرفان أو حرف مشدد، نحو دنانير، ودراهم ودراب. واما ما لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة، فكل اسم فيه زيادة من زيادات الأفعال المستقبلة، نحو: أحمد وتغلب ويشكر وأصبح وكل اسم لمؤنث فيه هاء التأنيث أو ليست فيه هاء التأنيث، إلا ما كان على ثلاثة أحرف وسطه ساكن، ليست فيه هاء تأنيث، فإنه ينصرف نحو هند ودعد، وأسماء السور والبلدان والقبائل إن اردت بها البلد والرجل ذكرت وصرفت، وإن أردت بها السورة والقبيلة والمدينة أنثت ولم
стр. 212
تنصرف. وكل اسم في آخره ألف ونون زائدتان على أي بناء كان نحو كيسان، فإن كانت النون من أصل الكلمة انصرف نحو: تبان من التبن: وكل اسم أعجمي نحو عج وكنج ويعقوب وزكريا لا ينصر ف في المعرفة، وكل اسم معدول نحو: عمر من عامر، وزفر من زافر، وثلاث من ثالث ورباع من رابع، فكل ذلك لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة فهذه جمل ما [لا] ينصرف، وكل شيء بعد ذلك منصرف. ومما يعرب فيتغير بتغير الإعراب الأسماء التي في أواخرها ياء ساكنة قبلها كسرة، فإن رفعها وخفضها بإسكانها، وحذفها لسكونها، وسكون التنوين والاجتزاء بالكسرة والتنوين منها، ونصبها بالفتح، وإظهار الياء لأنها قد تحركت فزال الحذف، تقول: رأيت قاضياً وغادياً فإن أضيفت أو دخلتها الألف واللام صحت على كل حال، لأن التنوين يفارقها فلا تحذف؛ تقول: جاءني قاضيكم، وجاءني القاضي، ومررت بقضايكم وبالقاضي.
ومن ذلك خمسة أمثلة من الأفعال المستقبلة وهي: تفعلين وتفعلان ويفعلان ويفعلون وتفعلون، رفع هذه بثبات النون، ونصبها وجزمها بحذف النون. والحروف الناصبة والجازمة مذكورة في كتب النحويين.
ومن ذلك كل فعل مستقبل قبل آخره واو أو ألف أو ياء سواكن فإن ذلك يحذف في الجزم، لأن إذا أسكن اجتمع والساكن الذي قبله، وهم لا يجمعون بين ساكنين، فتقول في تقوم: لم تقم وفي تنال لم تنل وفي تبيع لم تبع. وإذا كان آخر الفعل حرفاً ساكناً حذفته نحو يدعو ويقضي ويخشى، تقول: لم يدع، ولم يقض، ولم يخش. وإن كان آخره همزة قبلها ألف أسكنت الهمزة للجزم، وأسقطت الألف لئلا يجتمع ساكنان، فقلت لم يشأ وإذا أمرت غائباً أدخلت في الأمر اللام
стр. 213
فقلت: ليقم زيد، وكذلك إذا أمرت فيما لم يسم فاعله كقولك: ليُدفع إليه ألف درهم، وليخرج من الدار.
وأسماء الإشارة تجري في بعض أحوالها هذا المجرى، وهي: هذا، وهذه وذلك، وتلك، لا يبين الإعراب في واحدها ولا جمعها، ويبين في تثنيها، نقول: ذانك الرجلان جاءا، ورأيت ذينك الرجلين [وتثنية هذا "هذان" وجمعه "هؤلاء" وتثنية هذه وجمعها ذانك وأولئك، وتثنية ذانك وجمعه تانك وأولئك] فالذال والألف، والذال والهاء في هذا وهذه إن ثنى المشار إليه قلت هذان وهؤلاء، الهاء لا تثنى ولا تجمع، وكذلك الذال والألف في ذلك، والتاء واللام في تلك أسماء المشار إليه، والكاف للمخاطب، فإذا أردت أن تثني المشار إليه وتجمعه خاطبت واحداً قلت: ذلك، وأولئك، فإذا أردت أن تثني المخاطب وتجمعه، وتفرد المشار غليه قلت ذلكما، وذاكم فإن أردت أن تثنيهما جميعاً قلت: ذانكما، وإن أردت أن تجمعهما قلت: أولئكم، وكل ذلك قد جاء في القرآن.
وأما أسماء المكى: فهي أيضاً تتغير بتغيير إعرابها في بعض الأحوال دون بعض، فتكون التاء المضمومة، وأنا للمتكلم في الرفع ذكراً أو انثى، وتثنية أنا وجمعه نحن، وتثنية التاء وجمعها بالنون والألف الساكن ما قبلها، تقول: في قمت قمنا في الاثنين والجمع، والنون والياء، وإياي للمتكلم المنصوب، وتثنية النون والياء بالنون والألف
стр. 214
محرك ما قبلهما نحو: قولك ضربنا، والياء للمتكلم المخفوض ذكراً كان أو انثى، وتثنيتها وجمعها بالنون والألف موصولاً بحرف الخفض أو الإضافة، وأنت المخاطب المذكر المرفوع مفتوح التاء [وتثنيته] وجمعه أنتما وأنتم، وأنت للمؤنث المخاطبة بكسر التاء، وتثنيته وجمعه أنتما وأنتن، وكذلك التاء المفتوحة في قوله: ضربت وقمت، والمكسورة في قمت وذهبت وتثنية المذكر وجمعه قمنا وقمتم، وتثنية المؤنث [وجمعه] قمتما وقمتن وإياك مفتوحة الكاف، والكاف وحدها إذا كانت مفتوحة للمخاطب المنصوب، وتثنيته إياكما، وجمعه إياكم، وإياك مكسورة الكاف، فالكاف وحدها إذا كانت مكسورة للمؤنث وتثنية إياك وجمعها إياكما وإلاكن، وتثنية الكاف وجمعها ضربكما وضربكن، والكاف المفتوحة للمخاطب المخفوض إذا كان مذكراً، كقولك: مر بك زيد، وتثنية ذلك وجمعه بكما وبكم، والكاف المكسورة للمؤنث، وتثنيتهما وجمعهما: بكما وبكن. وهو وما في الفعل من ذكر الفاعل إذا أضمر للغائب المذكر المرفوع نحو هو قام، وهما، وهم، وقام وقاما وقاموا. والتاء الساكنة وهي للغائب المؤنث المرفوع نحو قامت وقامتا وقمن، وهي وهما وهن والفعل في سائر الأحوال واحد، وإنما يثنى ويجمع دلالة على الفاعلين وجمعهم، وإلا فالفعل على الحقيقة واحد، ولذلك لا يثنى ولا يجمع إذا تقدم الأسماء، لأنه لا ذكر
стр. 215
فيه منها، ويثنى ويجمع إذا تأخر عنها، لأن فيه ضميراً منها. والهاء المضمومة وتثنية إياه وجمعه: إياهما وإياهم، وإياه للغائب المنصوب إذا كان مذكراً نحو قولك: إياه ضرب وضربته، وتثنية ضربته وجمعه ضربتهما وضربتهم، وكذلك الهاء والألف وإياهما للمؤنث الغائب، وتثنية ذلك وجمعه: إياهما وإياهن وضربتهما وضربتهن، والهاء المكسورة للمكنى الغائب، نحو مررت به، وتثنيتهما وجمعهما بهما وبهن. وإذا جمعت بين الفاعل والمفعول به في الكتابة كان الفاعل بعد الفعل لأنه أحق به، وكان المفعول بعد ذلك نحو ضربته وضربتهما وضربتك، وإن وقع الفعل على مفعولين جئت بهما أيضاً بعد الفاعل، كقولك: كسرتكه وأعطيتكه، وأعطيتها إياه، وكفيتموه، وسيكفيكهم الله، وتقول للرجلين من أجل واحد: فسيكفيكما الله، وللاثنين من أجل رجال فسيكفيكهماهم الله، ولنسوة من أجل رجال فسيكفيكهم ولنسوة من أجل نسوة فسيكفيكهن الله، فإن كان الخطاب واقعاً على غائب من أجل مخاطب قلت: سيكفيه الله إياك، وإن كان واقعاً من أجل اثنين قلت: سيكفيهما الله وإن كان واقعاً على جماعة من أجل جماعة قلت: سيكفيهموكم الله، موإن كان واقعاً على مؤنث من أجل مذكر قلت: سيكفيهاك الله، وللاثنين، فسيكفيهماك الله وللمثلث فسيكفيكهن الله إياك، فقس على هذا كل ما يأتى في هذا الباب.
والأسماء المبهمة: الذي والتي، وما ومن إذا كانا بمعنى الذي والتي، وأي إذا كانت بمعنى الذي أيضاً، فكل هذه نكرات مبهمة لا تقع على
следующие страницы →