Полный текст (316 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ما رفعه من الأسماء بالواو، ونصبه بالألف، خفضه بالياء، وهي خمسة أسماء: أبوك وأخوك وفوك وذومال تقول، جاءني: أخوك ورأيت أخاك ومررت بأخيك. ومن ذلك الاثنان، والجمع الذي يسمى جمع السلامة، وهو الذي يسلم فيه بناء الواحد، وتزاد عليه علامة الجمع، فإن علامة رفع الاثنين الألف، وعلامة رفع الجمع الواو، وعلامة النصب والخفض فيهما الياء، إلا أن ياء الجمع مكسور ما قبلها، وياء الاثنين مفتوح ما قبلها، تقول: مررت بالمسلَمينَ والمسلمَينْ، ومن ذلك الألف التي تدخل في النصب بدلاً من التنوين في الاسم العلم المنصرف، كقولك رأيت زيداً، والألف التي تبدل من النون الخفيفة نحو قولك: اضربا زيداً، وما لا ينصرف لا يدخله التنوين، فليس تبدل في منصوبه ألف، وخفضه بالفتح كنصبه، فإذا أضيف أو دخلته الألف واللام صرف، ومما لا ينصرف: ما لا ينصرف في معرفة ونكرة، ومنه ما ينصرف في النكرة، ولا ينصرف في المعرفة فمما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة خمسة أشياء منها: كل نعت على أفعل وأنثاه على فعلاء نحو: أحمر وحمراء، ومنها كل نعت كل فعلان أثناء فعلى نحو عطشان وعطش، ومنها كل اسم في آخره ألف تأنيث ممدودة نحو أربعاء وكل جمع في آخره هذه الألف نحو فقهاء، ومنها كل اسم في آخره ألف تأنيث مقصورة نحو: حبلى، وكل جمع كذلك نحو: صرعى، وكل جمع لا نظير له في جموع الأسماء، وهو ما كان في وسطه ألف قبلها حرفان وبعدها ثلاثة أحرف، أو حرفان أو حرف مشدد، نحو دنانير، ودراهم ودراب. واما ما لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة، فكل اسم فيه زيادة من زيادات الأفعال المستقبلة، نحو: أحمد وتغلب ويشكر وأصبح وكل اسم لمؤنث فيه هاء التأنيث أو ليست فيه هاء التأنيث، إلا ما كان على ثلاثة أحرف وسطه ساكن، ليست فيه هاء تأنيث، فإنه ينصرف نحو هند ودعد، وأسماء السور والبلدان والقبائل إن اردت بها البلد والرجل ذكرت وصرفت، وإن أردت بها السورة والقبيلة والمدينة أنثت ولم
стр. 212
تنصرف. وكل اسم في آخره ألف ونون زائدتان على أي بناء كان نحو كيسان، فإن كانت النون من أصل الكلمة انصرف نحو: تبان من التبن: وكل اسم أعجمي نحو عج وكنج ويعقوب وزكريا لا ينصر ف في المعرفة، وكل اسم معدول نحو: عمر من عامر، وزفر من زافر، وثلاث من ثالث ورباع من رابع، فكل ذلك لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة فهذه جمل ما [لا] ينصرف، وكل شيء بعد ذلك منصرف. ومما يعرب فيتغير بتغير الإعراب الأسماء التي في أواخرها ياء ساكنة قبلها كسرة، فإن رفعها وخفضها بإسكانها، وحذفها لسكونها، وسكون التنوين والاجتزاء بالكسرة والتنوين منها، ونصبها بالفتح، وإظهار الياء لأنها قد تحركت فزال الحذف، تقول: رأيت قاضياً وغادياً فإن أضيفت أو دخلتها الألف واللام صحت على كل حال، لأن التنوين يفارقها فلا تحذف؛ تقول: جاءني قاضيكم، وجاءني القاضي، ومررت بقضايكم وبالقاضي.
ومن ذلك خمسة أمثلة من الأفعال المستقبلة وهي: تفعلين وتفعلان ويفعلان ويفعلون وتفعلون، رفع هذه بثبات النون، ونصبها وجزمها بحذف النون. والحروف الناصبة والجازمة مذكورة في كتب النحويين.
ومن ذلك كل فعل مستقبل قبل آخره واو أو ألف أو ياء سواكن فإن ذلك يحذف في الجزم، لأن إذا أسكن اجتمع والساكن الذي قبله، وهم لا يجمعون بين ساكنين، فتقول في تقوم: لم تقم وفي تنال لم تنل وفي تبيع لم تبع. وإذا كان آخر الفعل حرفاً ساكناً حذفته نحو يدعو ويقضي ويخشى، تقول: لم يدع، ولم يقض، ولم يخش. وإن كان آخره همزة قبلها ألف أسكنت الهمزة للجزم، وأسقطت الألف لئلا يجتمع ساكنان، فقلت لم يشأ وإذا أمرت غائباً أدخلت في الأمر اللام
стр. 213
فقلت: ليقم زيد، وكذلك إذا أمرت فيما لم يسم فاعله كقولك: ليُدفع إليه ألف درهم، وليخرج من الدار.
وأسماء الإشارة تجري في بعض أحوالها هذا المجرى، وهي: هذا، وهذه وذلك، وتلك، لا يبين الإعراب في واحدها ولا جمعها، ويبين في تثنيها، نقول: ذانك الرجلان جاءا، ورأيت ذينك الرجلين [وتثنية هذا "هذان" وجمعه "هؤلاء" وتثنية هذه وجمعها ذانك وأولئك، وتثنية ذانك وجمعه تانك وأولئك] فالذال والألف، والذال والهاء في هذا وهذه إن ثنى المشار إليه قلت هذان وهؤلاء، الهاء لا تثنى ولا تجمع، وكذلك الذال والألف في ذلك، والتاء واللام في تلك أسماء المشار إليه، والكاف للمخاطب، فإذا أردت أن تثني المشار إليه وتجمعه خاطبت واحداً قلت: ذلك، وأولئك، فإذا أردت أن تثني المخاطب وتجمعه، وتفرد المشار غليه قلت ذلكما، وذاكم فإن أردت أن تثنيهما جميعاً قلت: ذانكما، وإن أردت أن تجمعهما قلت: أولئكم، وكل ذلك قد جاء في القرآن.
وأما أسماء المكى: فهي أيضاً تتغير بتغيير إعرابها في بعض الأحوال دون بعض، فتكون التاء المضمومة، وأنا للمتكلم في الرفع ذكراً أو انثى، وتثنية أنا وجمعه نحن، وتثنية التاء وجمعها بالنون والألف الساكن ما قبلها، تقول: في قمت قمنا في الاثنين والجمع، والنون والياء، وإياي للمتكلم المنصوب، وتثنية النون والياء بالنون والألف
стр. 214
محرك ما قبلهما نحو: قولك ضربنا، والياء للمتكلم المخفوض ذكراً كان أو انثى، وتثنيتها وجمعها بالنون والألف موصولاً بحرف الخفض أو الإضافة، وأنت المخاطب المذكر المرفوع مفتوح التاء [وتثنيته] وجمعه أنتما وأنتم، وأنت للمؤنث المخاطبة بكسر التاء، وتثنيته وجمعه أنتما وأنتن، وكذلك التاء المفتوحة في قوله: ضربت وقمت، والمكسورة في قمت وذهبت وتثنية المذكر وجمعه قمنا وقمتم، وتثنية المؤنث [وجمعه] قمتما وقمتن وإياك مفتوحة الكاف، والكاف وحدها إذا كانت مفتوحة للمخاطب المنصوب، وتثنيته إياكما، وجمعه إياكم، وإياك مكسورة الكاف، فالكاف وحدها إذا كانت مكسورة للمؤنث وتثنية إياك وجمعها إياكما وإلاكن، وتثنية الكاف وجمعها ضربكما وضربكن، والكاف المفتوحة للمخاطب المخفوض إذا كان مذكراً، كقولك: مر بك زيد، وتثنية ذلك وجمعه بكما وبكم، والكاف المكسورة للمؤنث، وتثنيتهما وجمعهما: بكما وبكن. وهو وما في الفعل من ذكر الفاعل إذا أضمر للغائب المذكر المرفوع نحو هو قام، وهما، وهم، وقام وقاما وقاموا. والتاء الساكنة وهي للغائب المؤنث المرفوع نحو قامت وقامتا وقمن، وهي وهما وهن والفعل في سائر الأحوال واحد، وإنما يثنى ويجمع دلالة على الفاعلين وجمعهم، وإلا فالفعل على الحقيقة واحد، ولذلك لا يثنى ولا يجمع إذا تقدم الأسماء، لأنه لا ذكر
стр. 215
فيه منها، ويثنى ويجمع إذا تأخر عنها، لأن فيه ضميراً منها. والهاء المضمومة وتثنية إياه وجمعه: إياهما وإياهم، وإياه للغائب المنصوب إذا كان مذكراً نحو قولك: إياه ضرب وضربته، وتثنية ضربته وجمعه ضربتهما وضربتهم، وكذلك الهاء والألف وإياهما للمؤنث الغائب، وتثنية ذلك وجمعه: إياهما وإياهن وضربتهما وضربتهن، والهاء المكسورة للمكنى الغائب، نحو مررت به، وتثنيتهما وجمعهما بهما وبهن. وإذا جمعت بين الفاعل والمفعول به في الكتابة كان الفاعل بعد الفعل لأنه أحق به، وكان المفعول بعد ذلك نحو ضربته وضربتهما وضربتك، وإن وقع الفعل على مفعولين جئت بهما أيضاً بعد الفاعل، كقولك: كسرتكه وأعطيتكه، وأعطيتها إياه، وكفيتموه، وسيكفيكهم الله، وتقول للرجلين من أجل واحد: فسيكفيكما الله، وللاثنين من أجل رجال فسيكفيكهماهم الله، ولنسوة من أجل رجال فسيكفيكهم ولنسوة من أجل نسوة فسيكفيكهن الله، فإن كان الخطاب واقعاً على غائب من أجل مخاطب قلت: سيكفيه الله إياك، وإن كان واقعاً من أجل اثنين قلت: سيكفيهما الله وإن كان واقعاً على جماعة من أجل جماعة قلت: سيكفيهموكم الله، موإن كان واقعاً على مؤنث من أجل مذكر قلت: سيكفيهاك الله، وللاثنين، فسيكفيهماك الله وللمثلث فسيكفيكهن الله إياك، فقس على هذا كل ما يأتى في هذا الباب.
والأسماء المبهمة: الذي والتي، وما ومن إذا كانا بمعنى الذي والتي، وأي إذا كانت بمعنى الذي أيضاً، فكل هذه نكرات مبهمة لا تقع على
стр. 216
شخص بعينه، بل على كل نوع، وأنواع كل جنس، وإنما يعرفها ويفسرها صلاتها، ولا فائدة فيها قبل أن توصل، وهي وصلاتها بمنزلة الاسم الواحد، فما و"من" و"أي" لا يثنين ولا يجمعن، و"الذي" يثنى في الرفع بالألف، وفي النصب والخفض بالياء، فيقال اللذان واللذين وفي سائر أحوال الجمع بالياء فيقال الذين. ولابد في صلات هذه الأسماء من عائد يعود عليها، إما مظهر وإما مضمر، وإلا لم تقع بها فائدة، و"أي" من بينها تعرف وباقيها مبني غير معرب. وإذا أردت أن تعلم موضع الاسمين من الإعراب فاردد الكلام إلى نفسك، فإن كان اسمك فيه بالتاء أو بانا أو بالنون والألف ونحن، فهو مرفوع، نحو قولك قمت، فإذا رددت إلى غيرك قلت: قام زيد، وكذلك قمنا، وقام القوم، وإن كان اسمك فيه بالنون والياء أو بإياي أو بإيانا أو بالنون والألف فهو منصوب، نحو قولك: ضربني زيد، فإذا رددته إلى غيرك قلت: ضرب عمراً زيد، وإن كان اسمك فيه بالياء فهو مخفوض نحو مر بي زيد، فإذا ردت إلى غيرك قلت مر زيد بعمرو، فلا يغلطنك في ذلك قولهم لعلي وأني فإن أصل ذلك لعلني وإنني، وإنما أدغمت النون في النون وفي اللام وقد قال حاتم.
(أرِيِني جواداً مات هزلاً لعلني ... أرَي ماترين أو بخيلاً مُخلدا)
стр. 217
فأخرجه على الأصل فهذه في معرفة موقع الاسم من الإعراب، وفيما يبين الإعراب في حروفه تدل ذا اللب على ما يحتاج إليه.
وينبغي لمن لم يقو في علم اللغة إذا وقع في كلامه ما لا يدري كيف إعرابه أن يدعه، ويفعل في مكانه ما يعرفه، فإن الكلام واسع، وليس يضطر أن يأتي بذلك اللفظ بعينه، بل يجوز له أن يأتي بالمعنى الذي يريده بلفظ آخر أقل إشكالاً عليه.
وأما المقصود والممدود: فمنها ما يعرف بالقياس، ومنها ما يأتي مختلفاً فيتبع فيه السماع من العرب ويحفظ عنهم، فما يعرف فيه بالقياس من المقصور كل فَعْل على فَعِلَ يَفْعَلُ، والاسم منه على أفعل فإن مصدره مقصور نحو: عَمِي يَعْمىَ فهو أَعْمىَ ومصدره عَمىً، وكذلك إن كان الاسم منه فعلان نحو صَدىَ يصدى صدىً وهو صديان. وكل مفعول بني من فعل زائد على ثلاثة أحرف في آخره ألف فهو مقصور نحو معطى من أعطيت ومقصى من أقصيت، وكل مفعول من فاعلت في آخره ألف فهو مقصور مثل عاقيت وهو معافى، وكل ما كان جمع فُعلة أو فِعلة على فُعَل أو فِعَل نحو عروة وعراً، ولحية ولحى، وما كان مجموعاً على فعلى نحو: جرحى وصرعى أو على فعالى نحو سكارى فهو مقصور، وكل اسم على بناء هذين الجمعين نحو المبدى والحبارى فهو مقصور، وما كان في المثنى من آخره ألف نحو القهقرى والخوزلى. ومما يدرك بالقياس من الممدود كل مصدر من أفعل في أوله زيادة نحو أعطى إعطاء واستدنى استدناء،
стр. 218
وما كان مصدراً من فاعلت نحو: وآليته ولاء، وما كان من المصادر على التفعال نحو الترماء والتقصاء، أو على الاستفعال مثل الاستدناء، والافتعال كالانتهاء والانفعال نحو الانقضاء. وما جاء من الأصوات نحو الدعاء والرغاء والغناء، وكل ما كان جمعه من الأسماء على أفعِلة نحو كساء وأكسية، وغطاء وأغطية. وما جمع من فُعَل على فعال نحو ظبي وظباء، وكذلك مايجمع من فَعْل على أفعال نحو أحياء وآباء وأبناء، وما كان جمعاً لفعله نحو قشوة وقشاء، وركوة وركاء، فأما قرية وقرى فإنه شاذ لا يعمل عليه. وما جمع على أفعلاء نحو أصفياء وأنبياء، وكل ما كان على فعلاء ومذكره على أفعل نحو حمراء وبيضاء، وكل هذا ممدود يطرد فيه القياس، وما سوى ذلك فإنما يؤخذ سماعاً، وقد ذكر الفراء وابن السكيت وغيرهما من ذلك ما يغنينها عن تكلفة وجمعه.
فأما حكم المقصور والممدود في الخط فإن الممدود كله يكتب بالألف، وإذا ثنيته زدت عليه ألفاً للتثنية قلت: رداءان كساءان، وإن شئت اختصرت على ألف وهمزة، فإن كانت المدة للتأنيث قلبت الهمزة واواً
стр. 219
فقلت: حمراوان، وإذا نسبت إلى الممدود قلت كسائي، فإن كانت المدة للتأنيث جعلتها واواً، فقلت: بيضاوى. وماكان من المقصور علىثلاثة أحرف وكان منذوات الياء فاكتبه بالياء، وذوات الياء ما ظهر في تثنيته من الأسماء الياء، أو في تصريفه من الأفعال الياء، كقولك: في فتى فتيان، وفي قضى قضيت أقضى، وما كان من ذوات الواو فاكتبه بالألف كقولك في غزا يغزو، وفي تثنية عصا عصوان. وما كان على أربعة أحرف، وما جاوزها فاكتبه كله بالياء، نحو اعتدى والتوى في الفعل، ومعزى وذكرى في الاسم. وما كان من ذوات الياء واتصل به مكنى فاكتبه بالألف نحو هذه رحاه وهذا فتاه. وكل ما كان قبل آخره ياء فاكتبه بالألف نحو الدنيا والمحيا؛ ولم يأتك في هذا الباب شيء شاذ إلا يحيى اسم رجل بالياء. وإذا أشكل عليك المقصور، فلم تدر أمن ذوات الياء هو أم من ذوات الواو فاكتبه بالالف، لأنها الأصل. وإذا نسيت إلى المقصور قلبت الألف واواً فقلت: رضوى وقروى.
وأما المذكر والمؤنث فإن الأفعال كلها مذكرة، وإنما يحلقها التأنيث دلالة على تأنيث فاعلها، فإذا قلت: قامت هند دللت بالتاء على أن القائمة مؤنثة، والقائم في نفسه مذكر اللفظ.
فأما الحروف فتذكر وتؤنث، تقول: هذا ألف، وهذه ألف وكذلك إلى آخر حروف المعجم، فأما الأسماء فأصلها التذكير أيضاً، والتأنيث داخل عليه، ألا ترى أنك تقول للشخص هو قبل أن تتبينه، والشخص والشيء مذكران وهما واقعان على كل شيء يخبر عنه، فإذا اجتمع المذكر والمؤنث في هذا الباب غلبت التذكير فقلت: عندي عشرة رجال ونساء.
والتأنيث والتذكير في الأسماء على ضربين: أحدهما ما استحق التذكير والتأنيث بالطبع، والآخر ما استحقهما بالوضع، فأما ما استحق
стр. 220
التذكير والتأنيث بالطبع فهو الحيوان الذي خلقه الله تعالى منه ذكراً وأنثى؛ وأما التأنيث والتذكير بالاصطلاح والوضع فكالنجوم والجبال والشجر والدواب، وما أشبه ذلك مما ليس فيه [ذكر] ولا أنثى على الحقيقة. وما كان من الحيوان فهو على ضربين: أحدهما ما يعرف شخص الذكر فيه من الأنثى بالمعاينة، فما كان هكذا فقد فصلت العرب فيه بين الذكر والأنثى لمخالفة الأسماء فقالوا: رجل وامرأة، وديك ودجاجة، وحمار وأتان، وبعير وناقة، وكبش ونعجة، وأشباه ذلك؛ وما اشتبه من ذلك في العيان، فقد فصلوا فيه بالهاء فقالوا: ثعلب وثعلبة، وغلام وغلامة، وفصلوا بين المذكر والمؤنث وأوصافهما بالتاء في قامت، والنون في قمن، والمدة في حمراء، والألف في حبلى والهاء في ظريفة. وأما ما لا يستحق التذكير والتأنيث بطبعه فالأصل فيه التأنيث، والتذكير داخل عليه، فإذا اجتمع المذكر والمؤنث من هذا الباب غلبت التأنيث، كما قال الله : ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وقد قسمت العرب ما كان من هذا الباب فأنثت بعضاً وذكرت بعضاً، وعدلت في ذلك بين الشيء ونظيره، فأنثت الشمس وذكرت القمر، وأنثت الأرض وذكرت الجو، وأنثت الناب وذكرت الباب، وأنثت العقاب وذكرت الغراب، وليس يوصل إلى علم المذكر والمؤنث من هذا الباب إلا بالسماع دون القياس، إلا فيما ظهرت فيه علامات التأنيث التي قدمناها من الهاء والياء والمدة والألف، وما ظهرت في تصغيره مثل نار ونويرة وعين وعينية
стр. 221
وأذن وأذينة، وشمس وشميسة، وما بعد هذا فإنما يؤخذ من أفواههم، ويؤدى كما حفظ، وقد يؤتى منه في كتب القراءة وغيرها ما يغني ذكرنا إياه، وتكلفنا جمعه إن شاء الله.
وإذا أتاك ما لا تعرف أمذكر هو أم مؤنث، وكان مما يستحق التذكير والتأنيث بالطبع فاكبته بالتذكير فإنه الأصل. وإذا أتاك من ذلك ما تذكيره وتأنيثه بالوضع لا بالطبع فاكتبه على التأنيث، فإنه أصله كما قدمنا.
وأما الهجاء فهو على ضربين: ضرب للسمع وضع لإقامة وزن الشعر ولا يثبت في الخط، كالحرف المشدد الذي هو في الشعر حرفان والممدود الذي هو كذلك، والمدغم الذي هو كذلك، وأشباه هذا.
وضرب للخط، فالأصل فيه أن يكون على حروف الكتابة كالرحمن الذي أثبت فيه اللام، وإن كان الإدغام في اللفظ قد أسقطها، لأن الأصل رحمان دخلت عليه الألف واللام اللتان للتعريف. فاصل الكتاب أن يكون هجاؤه على الحروف، إلا أن الكتاب زادوا في بعضه ما ليس فيه ليفصلوا بذلك بين متشابه، ويفصلوا منه ما هو فيه تحقيقاً؛ ولأنهم لم يخافوا لبساً، وخالفوا اللفظ في بعض ذلك لأسباب دعتهم إلى المخالفة له، ووصلوا في وضع ما قطعوه في موضع آخر لمعان فصلت بين ذلك، فأما ما زادوه ليفصلوا به بين متشابه، فواو عمرو التي أدخلوها فيه فرقاً بينه وبين عمر، وأسقطوها في النصب لأنهم جعلوا الألف عوضاً عنالتنوين [الذي] لا يدخل عمر لأنه لا ينصرف، فاجتزءوا بالألف في النصب من الفرق بينهما، وواو أولئك التي أدخلوها فرقاً بينه وبين إليك. وألف مائة التي فرقوا بينها وبين ميه والألف في ذهبوا وكفروا التي فرقوا بينها وبين واو الجمع وواو العطف إذا كان في الكلام كفر وفخر وما أشبه ذلك،
стр. 222
وأما يدعو ويغزو وذوي فالاختيار ألا تثبت فيها الألف لئلا يشبه الواحد الاثنين المجزومين والمنصوبين، وقد أثبتها قوم من الكتاب.
وأما ما حذف اختصاراً أو لأنهم آمنوا اللبس فألف بسم الله في هذا الموضع فقط لكثرة الاستعمال وقلة اللبس، فإذا قلت: باسم ربك أو ما شاكل ذلك رددتها إلى الأصل، وألف ابن إذا كان نعتاً لاسم علم معرفة مضاف إلى اسم علم معرفة، نحو قولنا: زيد بن عمرو. فإذا ابتدئ أو وقع موقع الخبر أثبت فيه الألف، وإن كان مضافاً إلى كنية أو نعتاً لكنية، فإثبات الألف فيه أحسن، ويجوز إسقاطها. والألف التي للتعريف إذا دخلت عليها لام الإضافة نحو قولك: هذا للرجل، والألف التي في دراهم إذا كان قبلها عدد يدل على الجمع، فإذا لم يكن عدد لم تحذف، لئلا يشبه الجمع بالواحد، وألف صالح إذا كان اسماً، فإن كان نعتاً أو خبراً ثبتت. وألف سلام والسلام لكثرة الاستعمال أيضاً، ومنها حذف الواو الثانية من رءوس وكان حقها أن تكتب بواوين، ومنها حذف ألف "ما" إذا كانت استفهاماً، ووقعت بعد حروف الخفض فرقاً بينها وبين الخبر، كقولك فيم عتبت؟ ولم جئت؟ وفرقوا في ذلك بين الاستفهام وبين الخبر كقولهم، مما عتبت عتبت، ولما أمرتني به جئت.
لام الذي أسقطت وكان الأصل أن تكتب بلامين، وإنما فعلوا ذلك لأنها لم تأت منفردة من لام التعريف فلم يخشوا ذلك في هذا فرقاً بينه وبين الذين.
وأما ما خولف اللفظ فيه، فكل فعل صار إلى حرف واحد، فإنك تزيد في الخط كقولك: عه من وعيت، وقه نفسك من وقيت، والصلاة والزكاة والربا والحياة فتكتبه بالواو اتباعاً للمصحف، لأن الذين كتبوه على التفخيم وكانت بلغتهم التفخيم، ومن الكتاب من يكتبه
стр. 223
كله بالألف، فإذا أضفت ذلك كتبته بالألف على كل حال، ومن ذلك المدغم إذا كان الحرفان يتولد عنهما في الإدغام حرف غيرهما مثل مذكّر، والأصل مذتكر منالتذكير.
ومن الهجاء حكم الهمزة، وهي إذا كانتأول الكلمة كتبت ألفاً على أي حركة كانت نحو إنكم وأحمد، وأصبع وإذا كانت في آخر الكلمة، وقبلها حرف ساكن لم تثبت لها صورة نحو الجزء والخبء والدفء، وإذا أضيفت كتبت على حركتها فجعلت الضمة واو، والفتحة ألفاً والكسرة ياء، فقلت: هذا جزاؤك، وقرأت جزأك، وقرأت في جزئك، وإذا كانت آخراً وكانت قبلها فتحة كتبتها ألفاً على كل حال، نحو هو يقرأ وإن كانت آخراً وقبلها ضمة كتبتها واواً نحو قولك بطؤ يبطؤ، وإن كان قبلها كسرة كتبت ياء نحو يستهزئ، وإذا وليها مضمر كان سبيلها سبيل ما قدمنا من كتبها على حركتها، وإذا وليها وقبلها كسرة فإن شئت كتبتها ياء وأثبت الواو بعدها، وإن شئت أسقطتها فاكتفين بالواو مثل يستهزئون يكتب بالياء وبغير ياء، وإذا كانت الهمزة وسطاً وقبلها فتحة كتبت على حركتها، فتكتب إن كانت مضمومة بالواو نحو لؤم فلان، وإن كانت مفتوحة كتبت ألفاً نحو سأل، وإن كانت مكسورة كتبت ياء نحو سئم فلان، فأما يسأم ويسأل فلان قبل الهمزة ساكناً فالاختيار لا تثبت لها صورة قياساً على الجزء وغيره.
ومن الهجاء ما يوصل ويقطع لمعان تفرق بين الموصول والمقطوع فمن ذلك [إلا] إذا كانت استثناء كتبت موصولة، وإذا كانت إن التي للجزاء ووليها لا التي للجحد فقلت: إن لا نقلم أقم فصلتها، وكان ذلك الاختيار،
стр. 224
وقد وصلها قوم على نية الإدغام، وكذلك كلما، وكأنما، وإنما، إذا أردت بها حروف الأدوات وصلتها فإن جعلت ما التي فيها بمعنى الذي قطعتها فقلت: كل ما علمت صواب، وإن ما أعطيتني بعض استحقاقي وأشباه ذلك، وإنما وصلت حروف الأدوات، لأنه لا يجوز الوقف على بعض حروف الأدوات، وقطعت هذه لأنه يجوز الوقف على كل، وإن ما أشبهها، فهذا ما في الهجاء. وإذا أشكل عليك الشيء من الهجاء فلم تدر كيف اصطلاح الكتاب فاكتبه على لفظه فإنه الأصل.
ما يحتاج المحرر إلى استعماله:
ثم يحتاج المحرر بعد هذا إلى مراتب المكاتبين، واستحقاقات كل واحد منهم من الأدعية والرسم في عنوانات الكتب إليهم، وأصناف التحرير وما يليق بكل صنف منها من الخطوط.
فأما مراتب المكاتبين فهي ثلاث مراتب: مرتبة من فوقك، ومرتبة نظيرك، ومرتبة من دونك، والمرتبة العليا تنقسم ثلاثة أقسام:
فأعلاها مرتبة الخليفة ووزيره، ومن كان نظير الوزير عنده. ثم مرتبة الأمراء ومن جرى مجراهم (ممن هو دون) الوزراء، ثم مرتبة الرؤساء بعد هؤلاء من العمال وأصحاب الدواوين.
والمرتبة الوسطى تنقسم ثلاثة أقسام: وأعلاها طبقة الصديق إذا كان شريفاً أو عالماً، أو شيخاً.
والثانية طبقة الصديق إذا كان ذا رحم أو ممن يؤنس به، والثالثة طبقة الصديق إذا خلا من هذه الأحوال:
والمرتبة السفلى ثلاثة أقسام:
فأعلاها طبقة من قارب محله عقلك، وإن كان دونك، ثم طبقة من جرت
стр. 225
لك رياسة عليه أو وليت عملاً هو من رعيتك فيه، ثم طبقة الحاشية وممن جرى مجراهم من الخدم والأولياء. ولكل طبقة من هذه الطبقات مرتبة في المخاطبة، ومنزلة من الدعاء متى زيد عليها، أو قصر به عنها وقع في ذلك الخلل والخطأ، وعاد بالضرر والأذى، وذلك أن الرئيس متى قصر به عما يستحقه أغضبه ذلك وأحقده، والتابع [إن] زيد على استحقاقه أبطره ذلك وأفسده، اللهم إلا أن يكون قد أتى في الخدمة ما يستحق به رفع المنزلة، فيجعل الزيادة له في المكاتبة، والرفع في المخاطبة ثمرة فعله وليس في الطبقات من الأتعاب زيادته على مقدار استحقاقها إلا الصديق، فإن كل ما تخاطبه مما تريد أن تستخرج مودته به، وتمكن منابينك وبينه باستعماله الجميل، وقد قال شيخنا أبو علي الحسن بن وهب ﵀ وكان قدوة في الأدب: "كاتب رئيسك بما يستحق، ومن دونك بما يستوجبه، وكاتب صديقك كما تكاتب حبيبتك، فإن غزل المودة أرق من غزل الصبابة". وقال
стр. 226
أبو أيوب ﵁ وكان إماماً في الكتابة -: "طرق الصداقة أملح من طرق العلاقة، والنفس بالصديق، آنس منها بالعشيق"؛ فسرق أبو تمام هذا القول منهم فنظمه فيهم فقال:
(وأجد بالخليل من بُرَحاء الشَّوق وِجدانَ غيره بالحبيب)
وقد كانت المكاتبة في القديم على ترتيب مرتبة الناس، واستحسنوا غيره، وجرت بذلك عادتهم، ثم خولف بعض ذلك في زماننا هذا. ولم يكونوا في الزمان القديم يستعملون كثرة الدعاء، ولا المخاطبة بالسيادة، وكان أول من خاطب بالسيادة في كتبه أو أيوب ﵀، وحدثني الباقطاني قال: قالت لي أمي: رأيت بين يدي أحمد بن إسرائيل كتاباً في صدره: يا سيدي ومولاي، أطال الله بقاءك، ولم أكن أعرف ذلك، فقلت: ما هذا يا سيدي؟ فقال: ملق آل وهب وكانوا يدعون للخلفاء والأمراء وولاة العهود والوزراء بإبقاه الله، وأكرمه الله
стр. 227
وأعزه الله، ونحو هذا، حتى كان أول من غير هذا ورتب فيه الترتيب الذي اقتفى أثره، وجعل سنة من بعده أبو أيوب ﵀ فإنه قال:
إذا قلت أمير المؤمنين أعزه الله، أو أكبره الله، أو أيده الله، فإنه قيل له عزيزاً، والله قد أكرمه بخلافته، ولربما ينبغي أن تسأله له إدامة ما وهب له، فتقول أدام الله تأييده وعزه وكرامته. واستحسن الناس ذلك من قوله، وأخذوا به من بعده، ورتبوا الدعاء على ما رتبه، فجعلوا أطال الله بقاءك أول الدعاء، لأن أول ما يسأل الله الإنسان البقاء، فمن كانت رتبته عالية كانت مكاتبته أطال الله بقاءه، ومن كانت مرتبته دون ذلك كانت مكاتبته بـ "مد الله في عزك"، ومن كانت مرتبته دون ذلك كانت مكاتبته بـ أبقاك الله. وإنما صارت أبقاك الله دون ما تقدمها لأنه يسأل له بقاء قل أو كثر، فصارت مد الله في عمرك أكثر من ذلك، لأنه قد سأله أن يمد له في ذلك، وقد يمد مداً لا يطيله، فإذا سأله أن يطيل بقاءه فقد سأله أكثر ما يسأل في البقاء. ثم يلي ذلك بأدام عزه لمن مرتبته عالية، وبأعزه الله لمن مرتبته دون ذلك، وجعل الإنسان العز تالياً للبقاء، لأن أول ما ينبغي أن يسأل الله للإنسان بعد البقاء العز، ولذلك قيل: الموت في قوة وعز، خير من الحياة في ذل وعجز. فإن كان المكاتب من أهل العز، فإنما ينبغي أن يسأل الله أن يديم له ما منحه منه، وإن كان من غيرهم جعل مكان أدام عزه أعزه، ثم يلي ذلك بالتأييد على هذا الترتيب، وجعل السلطان وحده أولياءه الذين يحتاجون إلى التأييد ويقع لأمثالهم، ولا يجعل لغيرهم، وأسقط من مكابتات النساء وإن جل محلهن، ومن مكاتبات أهل الذمة؛ لأن التأييد من الله لا يقع لأمثالهم.
ثم يلي ذلك بالكرامة والسعادة، ثم النعمة والزيادة في الإحسان وتتابع الآلاء، وجميل البلاء، وجزيل القسم والمواهب، ويستعمل
стр. 228
في كل واحد من ذلك ما مثلناه قبل وكان هذا رسم الصدور فيما استعملوه. وكانوا لا يكتبون: وأتم نعمه عليك، وزاد فيها عندك، أو وأدامها لك، إلا لمن دون طبقات النظراء، ومن في المرتبة العليا من الطبقة السفلى، وكانوا لا يخاطبون بجعلني الله فداك، وقدمني قبلك إلا للنظراء، ولا يخاطبون بهما الرؤساء؛ ويجعلون في كتب الاتباع ومن جرى مجراهم: جعلت فداك، وقدمت قبلك، وكان عندهم: وجعلني من كل سوء ومكروه فداك، فوق وجعلني فداك [وجعلني فداك] فوق وجعلني من السوء فداك. وكانت كتبهم إلى السلطان وولاة العهود: لعبد الله فلان بن فلان، أو للوزير فلان بن فلان، وللأمير فلان بن فلان، إلى قوطم: صلى الله، ويثبتون في آخر الكتاب: أتم الله على أمير المؤمنين نعمته، وهناه وكرامته، وألبسه عفوه وعافتيه، وأمنه وسلامته، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. وعلى العنوان: إلى أمير المؤمنين، بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أبي فلان بن فلان، وإلى الوزير: للوزير أبي فلان بن فلان بن فلان. فأما الكتب عنهم فتبدأ في الكتاب عن الخليفة باسمه، فيقال: من عبد الله فلان ابن فلان إلى فلان بن فلان، سلام عليك، وإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، إلى آخر الصدر، ويقال في العنوان: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله فلان الفلاني، هذا عن يمنة الكتاب، ويقال عن يسرته إلى فلان بن فلان، فإن كان الوزير ملقباً، أو الأمير ولي عهد نحا بهما هذا النحو. ولا يدعي لأحد في الكتب المكتتبة من أمير المؤمنين إلا الوزير وولي العهد، فإنه يدعي لهما بأمتع الله أمير المؤمنين بك، فهذا رسم الخلفاء والملقبين من الوزراء، وولاة العهود من الأمراء في مكاتبتهم ومكاتبة أصحابهم لهم وعمالهم، والإطلاقات فإنه يسقط منها
стр. 229
التقدير، ويقصر فيها الدعاء وذكر الحاجة أو الخبر. وقد ترك الآن في مكاتبة الوزراء وولاة العهد ما ذكرناه، واقتصر بالوزير ملقباً كان أو غير ملقب على أن يخاطب بالوزارة، ويدعي له الدعاء التام، وربما اقتصر من الدعاء على إطالة البقاء، ودوام العز والتأييد، وخوطب مع الوزارة والسيادة فقيل: أطال الله بقاء سيدنا الوزير، وأدام عزه وتأييده. وليس يصلح أن يخاطب بسيدي الوزير، إلا من خص عنده من ولد، ومن ساوت منزلته من أمير، وعلى العنوان ما قدمناه.
فإن كان من الرعية أو خدم الوزير وصنائعه كتب: من خادمه فلان، ومن صنيعته، أو من غرسه، أو من عبده بحسب ما يليق بمحله؛ وعبده أشد في تنظيم المكاتبة من خادمه، وعبده وخادمه من خادمه أجل من خادمه وصنيعته وغرسه، وصنيعته وغرسه أجل من وليه. وإن أحب الحاشية والخدم والعمال أن يسقطوا اسم الوزير من العنوان ويكتبوا يسرة الكتاب عبده أو خادمه أو عبده وخادمه، أو غير ذلك مما قدمنا ذكره، وعليه عمل الناس في هذا الوقت. ومكاتبة الوزير عماله وأصحابه مكاتبة الطبقة السفلى.
أما الطبقة الثانية من المرتبة العليا فقد وقع اصطلاح الناس في هذا الوقت على مكاتبة الأمراء منهم ثلاثة أدعية: فأعلاها: أطال الله بقاء سيدنا الأمير. والثاني: سيدي الأمير، والثالث: الأمير بلا سيادة، فإن قلت سيدنا الأمير اختصرت الدعاء وأما من ليس بأمير وله رياسة تداني الوزارة أو الإمارة أو كان وزيراً أو أميراً فصرف فمخاطبته سيدنا وبالهاء، فيقول: أطال الله بقاء سيدنا وأدام عزه. وكل ما عظم محله يقصر الدعاء له، ودون
стр. 230
هذا: أطال الله بقاء سيدي وإن شئت أن تزيده في الدعاء زدته وخاطبته أيضاً بالهاء؛ ودون هذا أطال الله بقاء السيد، ثم يا سيدي وموالي ورئيسي، وهذان يخاطبان بالكاف.
وإن كان المخاطب قاضياً خوطب بالقاضي، وبالهاء، فقيل أطال الله بقاء القاضي وأدام عزه، فإن نقصت منزلته عن ذلك خوطب بأطال الله بقاءك أيها القاضي. والعنوان إلى [من] خوطب بسيدنا الأمير: للأمير ابن فلان بن فلان بلا دعاء، من فلان بن فلان، أو من عبده فلان ابن فلان، وإن شئت اقتصرت على أن تكتب يسرة الكتاب: عبده وخادمه فلان؛ وإلى من خوطب بسيدي الأمير: لسيدي الأمير أبي فلان ابن فلان، وتدعو له الدعاء التام، من فلان بن فلان؛ وإلى من خوطب بأيها السيد وبالكاف. فعبدك أو خادمك أو وليك. وإلى من خوطب بسيدنا وبالهاء: عبده أو خادمه أو عبده وخادمه، على مقدار محل المكاتب له منه. وإلى من خوطب بيا سيدي ومولاي ورئيسي بأن يجعل يمنة الكتاب: حضرة سيدي أبي فلان بن فلان، أطال الله بقاءه والدعاء التام إلى نعمته، ثم يكتب في يسرة الكتاب: عبدك فلان أو خادمك أو وليك.
ولا يخاطب هؤلاء أحدٌ من أهل الذمة، فإن ذلك مما لم يجر عادة الكتاب به، وإنما تركوه لقول الله : ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ وخاطبوهم بالسيادة، لأن الله تعالى قد حكى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾.
والعنوان إلى القاضي إذا كان رفيع المحل وخوطب بالهاء للقاضي
стр. 231
أبي فلان بن فلان بن فلان بن فلان بلا دعاء، وإذا خوطب بالكاف: للقاضي أبي فلان بن فلان، يدعي له من فلان. ولم تكن القدمءا بستجيزون أن يكتبوا إلى القاضي لسيدنا القاضي، ولا يكتبون على عنواناتهم إليهم عبده ولا خادمه، وكانت القضاة تنكر على من يفعل ذلك، ولا تقبله حتى كوتب بذلك أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف فقبله، ورأيت جماعة من القضاة يكتبون به.
ومخاطبة جميع هذه المرتبة في الحاجة: "فإن رأيت" فإن كان ممن يخاطب بالهاء من سائر أصنافها قيل له: "إن رأى أن يفعل كذا فعل إن شاء الله"، وإن كان ممن يخاطب بالكاف قيل له: "فإن رأيت فعلت إن شاء الله".
وأما المرتبة الوسطى: فالدعاء للطبقة العليا منها بيا سيدي ومولاي، أو شيخي وكبيري، على قدر استحقاقه في العلم أو السن أو الشرف.
والطبقة الثانية: بيا سيدي ومولاي، وإن زدت شقيقي وخليلي أو أعز الخلق علي وأقربهم إلي، وآثر الناس عندي وأجلهم لدي، فعلت من ذلك ما توجبه القرابة والمؤانسة، فإن كل ذلك حسن جميل، واستعماله مليح غير مستنكر ولا قبيح.
والطبقة الثالثة من هذه المرتبة: يا سيدي أطال الله بقاءك، ودونه، يا سيدي وأخي، ودون ذلك: يا أخي.
والعنوان إلى الطبقة العليا من هذه المرتبة بسيدي ومولاي، ورئيسي أبي فلان أطال الله بقاءه، والدعاء إلى نعمته، وفي يسرة العنوان:
стр. 232
من فلان إلى فلان، وتحته: سيدي ومولاي ورئيسي أبو فلان بن فلان أدام الله عزه، وإن شئت اقتصرت على عبدك فلان بن [فلان]، وليس يصلح أن يخاطب أهل هذه الطبقة بخادمك.
وإلى الطبقة الثانية: بسيدي ومولاي أبي فلان والدعاء تاما. وفي يسرة الكتاب: من فلان بن فلان، وتحته: سيدي مولاي، أبو فلان بن فلان أيده الله، وإن شئت لأبي فلان والدعاء تاما؛ وفي يسرة الكتاب من فلان ابن فلان، وتحته: أبو فلان فلان بن فلان أدام الله عزه. وإن شئت اقتصرت على أن تكتب يسرة العنوان: عبد إخائك أو شاكر تفضلك، أو أخوك أو ما شاكل ذلك.
وإلى الطبقة الثالثة: إذا كان الصدر بأخي وسيدي: لأخي وسيدي أبي فلان وتدعو له وتسقط من الدعاء النعمة، وتكتب يسرة العنوان تحت اسمك: أخي وسيدي أبو فلان بن فلان أعزه الله، ولا تذكر اسمك، واقتصر على ذلك. وإلى من تخاطبه في الصدر بأخي: لأبي فلان، وتدعو له وتسقط ذكر النعمة، وتجعل اسمه يمنة الكتاب بلا كنية، وتدعو له بأعزه الله.
ومخاطبة أهل هذه المرتبة على صنفين: فإن كان في أعلاها خوطب: بإن رأيت وبفعلت، وإن كان في أدونها: فبأحب وبإن شاء الله.
وأما الطبقة السفلى فأعلى طبقاتها في الدعاء: أطال الله بقاءك: وأعزك وأيدك؛ ودون ذلك: وأعزك وأكرمك؛ ودونه: وأعزك؛ ودونه: أطال الله بقاءك. وقد تستعمل أطال الله بقاءك مفردة في الرقاع للرؤساء إذا كانت ممن بحضرتهم من كتاب المجالس وغيرهم، وتستعمل أيضاً في الخروج وما يجري مجراها. ودون ذلك: أدام الله عزك، ودونه: مد الله
стр. 233
في عمرك، ودونه: أعزك الله ومد في عمرك. ودونه: أكرمك الله وأبقاك ودونه: أكرمك الله، ودونه: أبقاك الله، ودونه: تولاك الله بحفظه، ودونه: عافانا الله وإياك من السوء.
وأعلى طبقات الدعاء في العنوانات لهؤلاء: لأبي فلان أطال الله بقاءه، وأدام عزه وتأييده، وتجعل اسمه في يمنة الكتاب، وتدعو له بأعزه الله، ودونه: أطال الله بقاءه. ودونه: أدام الله عزه، ودونه: أعزه الله، ودونه: أكرمه الله، ودونه: أبقاه الله، وتجعل اسم المكتوب إليه في جميع ذلك يمنة الكتاب، ولا يدعي له. وقد يقتصر بهذه الطبقة إذا كان الكتاب توقيعاً مختوماً، أو يجري مجرى التوقيع في يمينه: أبو فلان فلان بن فلان، ويدعي له بحسب استحقاقه من الأدعية التي قدمناها.
ومخاطبة أهل هذه المرتبة في الأمر على ضربين: فأعلاهم محلا يخاطب برأيك، ويقال بعد انقضاء ما يؤمر به موفقاً إن شاء الله، وإنما ينصب ذلك على تقدير رأيك موفقاً إن شاء الله. وإلى أدناهم محلاً بافعل ذلك، واعلم ذلك، واعمل به، وما شاكل هذا إن شاء الله.
ولما كانت الدول في كثير من الأزمان، وبخاصة زماننا هذا، قد غلب عليها النساء، وصار الرؤساء فيها الخدم والإماء، وكانت لهم أوضاع في المكاتبات، وسنن في الدعاء والمخاطبات، متى خالفها مخالف نسبوه إلى قلة الفهم، ونقص العلم، احتجنا إلى ذكر جمل من ذلك، وإضافتها إلى هذا الباب، فمن ذلك أنه لا يدعي لهن بالكرامة ولا السعادة، لأن كرامة المرأة وسعادتها موتها عندهن، ولا يقال لهن: وتمم الله نعمته عليك، لأنهن يتصون أن يكون شيء عليهن، ولا يخاطبن يجعلني فداكِ، ولا قدمني قبلكِ لأنهما يجريان مجرى المغازلة والمهازلة، ولا يقال بلغني أملي فيكِ ولا كان هذا تقديري فيك، لاستقباحهن أن يكون شيء فيهن.
стр. 234
وقد رأيت شيخنا أبا الحسن علي بن عيسى ﵀ بكاتب أم المقتدر فيتخلص في مكاتبها من هذه الألفاظ المنكرة عندهن، لما ظهر من إنكارهن ذلك على حامد وأمثاله، والسعيد من اتعظ بغيره.
الخط:
وأما الخط فله أجناس قد كان الناس يعرّفونها أولادهم على ترتيب، ثم تركوا ذلك وزهدوا فيه كزهدهم في سائر العلوم والصناعات، وكان أكبرها وأجلها أمر الثلثين وهو الذي تكتب به السجلات بما يقطعه الأئمة ويوزعونه ويسمى قلم السجلات، ثم ثقيل الطومار، والشامي، وكان يكتب بهما في القديم عن ملوك بني أمية، ويكتب إليهم في المؤامرات بمفتح الشامي، ثم استخلص ولد العباس قلم النصف فكتب به عنهم، وترك ثقيل الطومار والشامي، ثم إن
стр. 235
المأمون تقدم إلى ذي الرياستين بأن تجمع حروف قلم النصف، ويباعد بين سطوره ففعل ذلك، وسمي الرياسي، فصارت المكاتبة عن السلطان بقلم النصف الرياسي، والمكاتبة إليهم بخفيفهما، والمكاتبة من الوزير إلى العمال بقلم الثلث، ومن العمال إليهم بصغيره، وكتب الوزير إلى السلطان بقلم المنثور عوضاً عن مفتح الشامي، وبصغير المنثور وسميا قلم المؤامرات وقلم الرقاع، وهو دون صغير الثلث للحوائج والظلامات والجوامع التي تعرض على السلطان، وقلم الحلية وعيار الحلية وصغيرهما للأسرار، والكتب التي تنفذ على أجنحة الأطيار. وأكثر أهل هذا الزمان لا يعرفون هذه الأقلام، ولا يدرون ترتيبها، وليس في أيديهم منها في هذا الوقت إلا قلم المؤامرات، وصغير الثلث، وقلم الرقاع وقد اقتصر كل كاتب على ما وقف عليه خطه من صغر أو كبر، أو ضعف أو قوة، أو وخامة أو حلاوة، كاقتصارهم في سائر أمورهم على البخوت والحظوظ، فهذا ما يحتاج إليه المحرر.
ثم إن في الكتاب أشياء من باب اللغة ينبغي أن نذكرها، لأن الكاتب غير مستغن عن ملها، فمنها قولهم: مددت الدوات، إذا خلطت فيها مداداً، كما قال الله - سبحانه -: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، أمددتها: إذا زدتها مداداً، فإذا أمرت من مددت قلت: مد الدواة، ومن أمددت: أمدد وأمد، وتقول: ألقت الدواة فأنا أليقها
стр. 236
إلاقة، فإذا أمرت قلت ألق الدواة، ومعناه أدر كرسفها. وتقول: بريت القلم بالياء ولا يقال برأته، ويقال لما يسقط البراية، وإذا أمرت قلت: ابر يا رجل. وتقول: أحددت السكين، وحد هعو إذا صار حاداً، وسكين يحد، فإذا أمرت قلت: أحِدّ السكين. وتقول: أنشأت الكتاب أنشئه من قولك: أنشأ الله الخلق، فإذا أمرت قلت أنشئ الكتاب يا رجل، وتقول: أعجمت الكتاب: إذا نقطته، أعجمه، فإذا أمرت قلت: أعجم الكتاب. وتقول: أخطأت في الكتاب، فالهمزة. وتقول: وهمت في الكتاب، إذا سهوت فيه، فإذا أسقطت منه شيئاً قلت: أوهمت، وإذا نهيت عن الوهم قلت: لا توهم، وإذا نهيت عن الإسقاط قلت: لا توهم، مثل لا توبق، وتقول: عرضت الكتاب بغير ألف، فإذا أمرت قلت أعرض الكتاب. وتقول: محوت الحرف بالواو، فإذا أمرت قلت امح. وتقول: وقعت في الكتاب، فإذا أمرت قلت: وقع، وعلمت فيه وإذا أمرت قلت: علم، وتقول: وكدت الكتاب وأكدته لغتان جيدتان فإذا أمرت قلت: وكد وأكد، وتقول: ورخته وأرخته وإذا أمرت قلت: ورخ وأرخ، وسحيت الكتاب وسحوته: إذا قشرت منه سحاة، ومنه سميت المسحاة لأنه يقشر بها الأرض، فإذا أمرت من ذلك قلت: أسح وسحيت الكتاب إذا شددته بسحاء فإذا أمرت قلت سح وتربت الكتاب أتربه تتريبا، وإذا أمرت قلت: ترب، وطينت الكتاب أطينه
стр. 237
وأطينه، وإذا أمرت قلت: طين الكتاب وأطينه، وختمت الكتاب بغير ألف أختمه، وإذا أمرت قلت: اختم، ويقال: عنونت بالكتاب: وقد قيل عنونته، والعنوان مشتق من عنيت به كذا وكذا، وكأنك أعلمت بالعنوان ما عنيت به في الكتاب، والعلوان مشتق من الإعلان، كأنك أعلمت بما كنيت به على العنوان ما فيه، وإذا أمرت من العنوان قلت عنونه، ومن العلوان قلت علونه؛ لهذه جوامع ما يحتاج إليه كاتب الخط.
كاتب اللفظ:
فأما كاتب اللفظ فهو المترسل، وقد مضى من ذكر الرسائل والخطب ما فيه كفاية لذوي الأدب، وإذا استشعر الكاتب ما أتينا به هناك، وأخذ محاسنه، وجانب معايبه، رجوت أن يبلغ من هذه الصناعة مبلغاً. وكل ما حسن في الشعر حسن في القول، ولا بأس باستعمال الشعر. وإدخاله في الكتب اقتصاراً وتمثيلاً، وأن يقصد بذلك مكاتبة النظراء، ومن دون النظراء المتوسطي المحل من الرؤساء، ولا يستعمل في الكتب إلى السلطان ووزرائه، لأن محلهم يكبر عن ذلك.
الشعر:
واعلم أن الشعر أبلغ البلاغة، لأنه كلام بليغ موزون مؤلف. وقد قال أبو تمام: "البلاغة بعض الشعر" وحكى عنه [أبو] أيوب ﵀ أنه قال له يوماً وقد أطلع في كتاب يكتبه: يا أبا أيوب: "كلامك ذوب شعري وإذا استعمل المترسل في كتبه التمثيل بآداب الأوائل والاستشهاد بالقرآن، كان ذلك أحلى لمنطقه، وأحسن عند سامعه.
وقد ذكر أبو أيوب ﵀ وحسبنا بقوله في هذه الصناعة
стр. 238
رجلاً بالبلاغة فأني في ذكره بأوصافها، وما يستحسن منها فقال: كان والله بارع المنطق، جزل الألفاظ، فصيح اللسان، ليس بالهذر في منطقه، ولا المتعسف في مقصده، معناه إلى القلب أسبق من لفظه إلى السمع. فجمع في هذه الألفاظ اليسيرة جميعه ما وصفنا به البلاغة، وذكرنا به أهلها، وأمرنا المتعاطي لها أن يستعمله فيها، فمن تهيأ له أن يكون فيها كما وصف، فهو أكتب الناس لساناً، وأحسنهم [بياناً] ولو لم نتقدم من ذكر البلاغة إلا بهذا القول من شيخنا ﵀ لكفى وأجزأ.
كاتب العقد:
وأما كاتب العقد فهو كاتب قد ذكره في كتابه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ وقال: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ وقال: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وعلم الخاصة والعامة والعقلاء والجهال بمنفعة الحساب، وإقرارهم بالحاجة إليه في سائر أمور معايشهم، وأمر دنياهم وآخرتهم يغنينا عن ذكر فضله، والتشاغل بوصف نفعه، وليس في العلوم كلها ما لا يختلف فيه أهله، ولا تتباين فيه آراء علمائه غيره. وليس في العلوم كلها ما إذا أخطأ المخطئ فيه أو أصاب علم بإصابته أو خطئه المرتضاون فيه كما يعلمه المتمهرون فيه غيره. وإذا تبين متبين أصل تركيبه وجد الحكمة التي فيه، وإتقان الصنعة التي في تركيبه يدلان على أن الله هو الذي تولى تركيبه، وأنه ليس من صناعات المخلوقين، فإنك إذا فكرت فيه وجدت كل عدد قل أو كثر
стр. 239
يعادل نصف عدد حاشيته إذا جمعتا بعدتا أم قربتا، وذلك مثل الخمسة التي حاشيتاها القريبتان الستة والأربعة، فإن حاشيتيها إذا جمعتا كانتا عشرة، ونصفها خمسة، وكذلك الحاشيتان اللتان هما أبعد من هاتين، وهما السبعة والثلاثة، وكذلك الثمانية والاثنان، وكذلك التسعة والواحد، وهذا مطرد في سائر الأعداد إلى آخر ما يمكن ضبطه منها. ثم إن الواحد أول الأفراد فليس بعدد، ولكنه مبتدأ العدد. وحد العدد إنما هو ما تركب من الآحاد، فإذا أضفت هذا الفرد الأول إلى الفرد الثاني وهو ثانيه، كان من ذلك أربعة هو أول الأعداد المجذورة، وجذره اثنان، وهما أول العدد الزوج، وإذا أضفت إلى الأربعة الفرد الثالث. خمسة اجتمع من ذلك تسعة، وهو ثاني الأعداد المجذورة، وجذره ثلاثة وهو ثاني الأعداد، وإذا أضفت إلى التسعة الفرد الرابع وهو سبعة كان من ذلك ستة عشر، وهو ثالث الأعداد المجذورة، وجذره أربعة، وهي ثالث الأعداد، وكذلك يجري في تركيب الأفراد، وتولد الأعداد منها بجذور الأعداد المجذورة المتركبة من اجتماعها إلى آخر ما يمكن ضبطه من الحساب، وفي ذلك دليل على الفردانية وقدم الواجد، وتنبيه للعقول عليه، على أن الأشياء عن الواحد تكونت وهو العلة فيها، ولو رمنا استقصاء أعاجيب صنع الله وآثار حكمته في هذا الباب، لطال به الكتاب، وإنما سنذكر منه ما يشوق المبتدئ إلى قراءة كتب الأوائل والنظر فيما جمعوه، فإنه يهجم به على رياض مونقة، وأحوال معجبة إن شاء الله.
كاتب الحساب:
وكتاب الحساب ثلاثة: كاتب مجلس، وكاتب عامل، وكاتب جيش،
стр. 240
والذي يعم هؤلاء أنهم غير محتاجين إلى معرفة اللغة والإعراب لاجتماع الناس في هذا الوقت على تركهما في الحساب، ويحتاجون إلى أن يكونوا عارفين بالتقدير حتى يعلموا مواقع الجمل والتفصيلات، وما ينبغي أن يخرجوه من الرءوس في التقديرات، وما ينبغي أن يكون في حشو الحكايات، وأن يكونوا محتاطين ف ألفاظ حكاياتهم حتى تصح معانيها، ولا يقع عليهم تأول فيها، وأن يكونوا ضابطين لما يشرعون فيه من فنونه الحساب حتى لا يقع عليهم خطأ فيه، وأن خفّت أيديهم في العقود وأسرعت كان ذلك زائداً في كمالهم. والحساب الذي يحتاج إليه الكتاب هو خمسة أشياء: الجمع، التفريق، التضعيف، والتصريف، والنسبة.
فأما الجمع: فهو تركيب الآحاد من الواحد إلى التسعة، ثم تصير العشرة من العشرات بمنزلة الواحد من الآحاد إلى تسعمائة، ثم يصير الألف من الألفين بمنزلة الواحد من الآحاد إلى تسعة آلاف، وكذلك إلى مبلغ. وأكثر ما يمكن ضبطه باليد من الحساب تسعة آلاف، وتسعمائة وتسعة وتسعون، فإذا زاد على ذلك واحداً، وما زاد صار حفظ ما يجتمع بالقلب دون اليد. وإنما جعل الهند الحروف الهندية لضبط ما لا تضبطه اليد من الحساب، ولا يتسع القلب لحفظه، ولإحصاء ما يدق من ضرب الكسور في الكسور، وجعلوه تسعة أحرف لما قدمنا من ذكر الآحاد وتركيبها، وأن العشرات والمئين والألوف بمنزلتها.
وأما التفريق: فهو تجريد الجمل بالتفصيل والقسمة؛ إن التفصيل قد تكون بعض أجزائه أكثر من بعض، وذلك مثل مائة درهم دفعناها،
стр. 241
وذكرنا أنها جاري عشرة من الرجال، ثم فصلناها، فقلنا: جاري فلان عشرة دراهم، وجاري فلان عشرون درهماً، وجاري فلان خمسة دراهم، وجاري فلان خمسة دراهم، وجاري فلان سبعة دراهم، وكذلك حتى نأتي على تفصيلها. والقسمة لا يجوز أن تكون بعض أجزائها أكثر من بعض، بل تكون متساوية وذلك كقسمتنا مائة على خمسة، فيكون منها عشرون جزءاً متساوية، وإن قسمناها على عشرة كان منها عشرة أجزاء متساوية.
وأما التضعيف: فهو الضرب، ومعنى الضرب تضعيف العدد بمقدار ما تضربه فيه من العدد الصحيح، وذلك كقولنا: كم عشرة في عشرة، فإنما معناه كم تصير العشرة إذا ضوعفت عشرات، فتقول مائة، وكذلك الاثنان في الاثنين إنما معناه كم الاثنان إذا ضوعفا مرتين؟ فتقول: أربعة، وكذلك الواحد في الواحد إنما معناه كم الواحد مرة واحدة؟ فيقال: واحد، فهذا الضرب في العدد الصحيح، فإذا ضرت العدد الآن في الكسور فإنما معناه أن تأخذ من ذلك العدد بمقدار الكسر كقولنا [عشرة] في نصف، فإنما معناه كم نصف في نصف العشرة؟ فيقال: خمسة، وكم تسعة في ثلث؟ فيقال ثلاثة، لأنك إنما سألت عن ثلث التسعة، وكذلك سائر الباب، فإذا قلت: كم نصف، فإنما معناه كم نصف النصف، فتقول: ربع، وكم ثلث في الثلث فإنما معناه: كم ثلث الثلث؟ فيقال: تسع، وكم ربع في ربع؟ فإنمايرادكم ربع الربع؟ فيقال: نصف ثمن.
وأما التصريف: فهو تثمين العين والورق والوزن بالعين، أو تصريف الغلات بعضها ببعض، فإذا فرغت قسمة الدينار في العدد الذي تريده فما
стр. 242
اجتمع فهو قيمة الدنانير، وذلك قولنا: إذا كان الدينار أربعة عشر درهماً فكم لنا بخمسة دنانير؟ فتضرب أربعة عشر في خمسة، فيكون سبعين درهماً، وإن أردت أن تعرف قيمة أقل من دينار، فاعلم أن الدينار ستون حبة والدرهم ستون عشيرا، فإذا كان الدينار بأربعة عشر درهماً، فحبة منه بأربعة عشر عشيرا، وهو دانق، وأربعة أعشرة، وإن سألك عن أقل من حبة أو أكثر فحساب ذلك، وإن أردت أن تعرف كم ثمن الورق من العين، وكان ذلك بأكثر من قيمة الدينار بأربعة عشر درهماً فكم ثمن سبعين درهماً، فيقسم السبعين على أربعة عشر، فتكون خمسة، فهو الذي تريد، وإذا كان الورق أقل من قيمة الدينار فانسبه إلى قيمة الدينار بأربعة عشر درهماً، فكم لنا بسبعة دراهم؟ فتنسب السبعة إلى الأربعة عشر، فتكون نصفا، فتقول: نصف دينار، وكذلك سائر الباب.
وأما تصريف الغلة فإنهم يستعملونه في العبر ومعاملات التحصيل للتقريب، وهو تعديل القيم في الغلات، فيجعلون الكر في السمسم وما شاكله أربعة أكرار شعيرا، والكر من الحنطة وما شاكلها كرين شعيرا والشعير بحاله، وإنما يستقيم هذا التصريف في أثمان الغلات بالسواد لأن سعر الشعير هناك أبداً مقارب لسعر نصف الحنطة، وربع السمسم، فأما في الشام وغيرها فليس يصح ذلك؛ وأما الأكرار فالذي يعمل عليها منها في السواد المعدل والفالج، وهو خمسا المعدل، والنصف هو نصف المعدل، فأما سائر النواحي فتختلف أكرارها كاختلاف أوزاننها، وإن رمنا ذكر جميع ذلك طال
стр. 243
به الكتاب، فهذا ما في التصريف، فأما النسبة فقد جعلها الحساب في أعمالهم من سنين، وليس يستعمل الكتاب نسبة شيئين إلا في تصريف العين بالورق والورق بالعين، فأما غير ذلك فإنما يستعملون فيه الدوانيق إلى الربع قالوا: ثلاثة دوانيق، وخمسة أعشراء، وإذا [ارادوا] أن ينسبوا السدس والعشر قالوا: دانق وستة أعشراء وكذلك سائر الأجزاء.
وإنما ذكرنا هذه الجوامع إذ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ بها لمن علم، ومطالعة بها لمن لم يعلم، فأما شرح أبواب الحساب [فهو] مجموع في كتب الحساب، وقد أتوا منه على ما يحتاج إليه، وهاهنا أشياء تخص كل واحد من كتاب الحساب يحتاج إلى معرفتها فيما هو سبيله دون غيره.
فمن ذلك أن كتاب المجلس محتاج إلى أن يكون حاذقاً باقتصاص الكتب وترتيب أبوابها في المعاملة على ما يقتضيه ترتيب وقوع الجماعات والموافقات، لتقابل بذلك عند وروده، وتخريج ما فيه من خلف في المؤامرة التي يعملها للعامل، ويحكم في ذلك بما يوجبه حكم الكتابة. وأن يكون عالماً برسوم العين المحوجة إلى التكميلات، وما يجوز أن يكثر به في ذلك مما يلزم العمل به، وأن يعرف أحكام الخراج، وما يجب رده على العمال من النفقات
стр. 244
ومردود الجاري والاحتسابات، وما ينبغي أن يحسب لهم، وأن يعلم ما ينبغي أن تحمد فيه آثار العمال، وما تقبح به آثارهم، وأن يكون في ذلك عدلاً [لا] يميل به الهوى في بعض العمال إلى التأول له، ومسامحته بما تفسد عند الكتاب صناعته، ولا يحمله الانحراف عن بعضهم على التأول في أمره ومما حكته بما يعيب عند أهل الصناعة في كتابه، ولا يرخص لنفسه في إخراج شيء لنفسه من الديوان بعد أن قد ثبت فيه، ليزيل بذلك حجة عمن تلزمه الحجة، ولا أن يثبت له شيئاً لا أصل له ليقيم به حجة لمن ليست له حجة، فإن مقام الكاتب مقام العدل الذي متى عرف منه، أو جرب عليه ميل مع الهوى، أو قلة أمانة سقطت عدالته، ولم تقبل شهادته.
وسمعت أبا الحسن علي بن محمد بن فرات ﵀ يوماً وهو يقول: الكاتب فوق الشاهد، قال: لأني وسائر الوزراء نحكم بقوله وبما يخرجه من ديوانه، والقاضي لا يحكم بقول شاهد واحد حتى ينضاف إليه غيره.
كاتب العامل:
وأما كاتب العامل فيحتاج إلى أن يكون متحرماً بعلم الزرع والمساحة لكثرة ما يجري في عمله وحساباته من ذلك، وأصل ما نمسح به الأرضون: أشل، وباب، وذراع، فالأشل: حبل طوله ستون ذراعاً، والباب قصبة طولها ستة أذرع، والذراع التي يمسح بها السلطان مسائحه اثنتان وثلاثون
стр. 245
أصبعاً وتسمى الذراع الهامشية، والسوداء أيضاً والتي تمسح بها الدور وغيرها أربع وعشرون إصبعاً، وتسمى الذراع الحديد، والتي تمسح بها الأنهار والرياض ستون إصبعاً، وتسمى الميزان، والأشل عشرة أبواب. والباب ستة أذرع، وأشل في أشل جريب، وأشل في باب قفيز، لأنه أشل في عشر أشل، فيكون عشر الجريب، والجريب عشرة أقفزة، وأشل في ذراع عشير وثلثا عشير، لأن واحداً في ستين ستون، والعشير ستة وثلاثون ذراعاً، لأنه من باب في باب فتكون الستون عشيرا وثلثي عشير، وباب في باب عشير كما قلنا، وباب في ذراع سدس عشير، وذراع في ذراع ربع تسع عشير، والأشكال التي تقع عليها المساحة في الأصل ثلاثة أشكال، وهي المربع، والمثلث، والمدور. والمربع خمسة أصناف: مربع متساوي الأضلاع، ومربع مستطيل [الأضلاع] ومربع مختلف الأضلاع، ومربع معين، ومربع مشبه بالمعين، فأما المربع متساوي الأضلاع، فإذا ضرت أحد أضلاعه في نفسه كان ما يجتمع تكسيره، وذلك مربع متساوي الأضلاع كل ضرع منه عشر أذرع، فتسكيره مائة ذراع، وكذلك المربع المستطيل، وأما المربع المختلف الأضلاع فإن المساح يجمعون طوليه وعرضيه، ويضربون نصف الطولين في نصف العرضين، وما اجتمع فهو التكسير عندهم، وفي هذا عند الحساب غلط يسير، إلا أنا لما كنا إنما نصف ما يستعمله المساح والعمال لم نكن
стр. 246
بنا حاجة إلى ذكر ما يقوله الحساب في الحساب في ذلك، وأما [المربع] المعين فإن استخراج تكسيره بضرب أحد قطريه في نصف الآخر، فما اجتمع من ذلك فهو تكسيره، وأما الشبيه بالمعين، فيقطع مثلثات ومربعات، وتمسح كل قطعة منها على حسابها وتجمع.
وأما المثلث فهو ثلاثة أصناف مثلث متساوي الأضلاع، ومثلث متساوي الضلعين، وهذا على صنفين أحدهما قائم الساقي، والآخر منفرج الزاوية، ومثلث مختلف الأضلاع.
فأما المثلث إذا تساوت أضلاعه أو تساوت اثنتان منها، فإن عموده مضروباً في نصف القاعدة تكسير، وذلك مثل مثلث عموده عشرة أذرع، ونصف قاعدته خمس أذرع، فإن تكسيره خمسون ذراعاً، فأما استخراج ذراع العمود من قبل الضلع، فإنه أن نضرب الضلع في نفسه، ونقص منه نصف القاعدة مضروباً في نفسه، وتأخذ جذر ما بقي فهو العمود، وإن أردت استخراج الضلع من قبل العمود ضربت العمود في نفسه، ونصف القاعدة في نفسها وجمعتهما وأخذت جذرهما، فهو الضلع. وإن أردت استخراج نصف القاعدة ضربت الضلع في نفسه، ونقصت من ذلك العمود مضروباً في نفسه، وأخذت جذر ما بقي فهو نصف القاعدة، ومثال
стр. 247
ذلك مثلث كل واحد من ضلعيه عشرة، وقاعدته اثنا عشر، إذا أردنا أن نستخرج عموده ضربنا نصف القاعدة في نفسها فكانت ستاً وثلاثين، ونقصناها من الضلع مضروباً في نفسه وهو مائة فبقي أربعة وستون وجذره ثمانية وهو العمود، وإذا ضربنا العمود وهو ثمانية في نفسه كان أربعة وستين، وضربنا نصف القاعدة في نفسها كانت ستاً وثلاثين، فإذا جمعناهما كانا مائة، وجذر مائة عشرة، وهو الضلع، وإذا ضربنا العمود في نفسه كان أربعاً وستين وضربت الضلع في نفسه كان مائة، وحططت الأربع والستين من المائة كان ما تبقى ستاً وثلاثين، وجذره ست، وذلك نصف القاعدة، فهذا ما في المثلث المتساوي الأضلاع، وذي الضلعين المتساويين، فإذا اختلفت أضلاع المثلث، فإن باب مساحته أن تجمع الأضلاع الثلاث، ونأخذ نصف ما يجتمع معك من ذلك فتحفظه، ثم تنظر ما بين كل واحد من الأضلاع وبين هذا النصف فتضرب بعضه في بعض، ثم في هذا النصف تأخذ جذر جميع ذلك فهو تكسير المثلث، ومثال ما قلناه مثلث أحد أضلاعه خمس عشرة ذراعاً، والأخرى أربع عشرة والأخرى ثلاث عشرة، بابه أن تجمع الخمس عشرة والأربع عشرة والثلاث عشرة فيكون ذلك اثنين وأربعين، وتأخذ نصف ذلك فيكون إحدى وعشرين، ثم تنظر كم بين الخمس عشرة والإحدى والعشرين، فتكون ستاً، وكم بينها وبين الأربع عشرة فيكون سبعاً، وكم بينها وبين الثلاث عشرة فيكون ثمانية، فتضرب ستاً في سبع فيكون اثنين وأربعين، ثم في ثمان فيكون ثلاثمائة وستاً وثلاثين، ثم تضرب ذلك في إحدى وعشرين فيكون ثمانية
стр. 248
آلاف وستاً وخمسين ذراعاً، فنجذر ذلك وهو أربع وثمانون ذراعاً تكسير المثلث.
وأما المدور فإن استخراج تكسيره بضرب قطره في مثله، وإسقاط سبع ما يجتمع معك، فنصف سبعه، وذلك مثل مدور قطره أربع عشرية ذراعاً، فإنك تضرب أربع عشرة في مثلها فيكون مائة وستاً وتسعين ذراعاً ويكفي من ذلك سبعة ونصف سبعة ومبلغه اثنان وأربعون ذراعاً فنبقي مائة وأربع وخمسون ذراعاً، وهو تكسير المدور [وإن عرفت تكسير المدور] ولم تعرف القطر وأردت أن تستخرجه من التكسير فاضرب التكسير في أربعة عشر واقسمه على أحد عشر، فما خرج فخذ جذره فهو القطر. وإن أردت معرفة المدور ضربت القطر في ثلاثة وسبع فما اجتمع فهو المدور.
ويحتاج كاتب العامل مع هذا أن يكون مشفقاً محترساً من حيل الزارعين والعاملين، فهما بوجوه سرقاتهم وحيلهم في تلف الغلة ومغالطاتهم في إقطاع المساحة، عالماً بأحكام المظالم والتحييل وغيرهما، مما يرفد به أصحاب الخراج والمقاسمة حتى لا يجري عليه غبن منهم، ولا يتم عليه صاحبه حيلة من جهتهم.
كاتب الجيش:
وأما كاتب الجيش فإنه يحتاج مع العلم بالحساب وضبطه إلى أن يعرف الأطماع وأوقاتها والحلي وأحكام أخذها. والأرزاق وما يتوفر منها:
стр. 249
والطمع: هو الوقت الذي يستحق فيه الجاري، والحلية هي وصف الرجل الذي يفصل به بينه وبين غيره ممن يوافق اسمه اسمه، والأصل في أرزاق الجند والمقاتلة المساواة بينهم، وكذلك قسم رسول الله ﷺ ووضع الديوان عمر، وفضل بعض الناس على بعض ولم يخالفه في ذلك أحد بعده غير أمير المؤمنين ﵇ فإنه رد الأمر إلى ما كان عليه في أيام النبي ﷺ فنقم في ذلك عليه من خالف عليه، ثم رجع الناس بعد مضيه إلى سنة عمر - رضوان الله عليهما - وكان الجند فيما تقدم يفضلون في الأرزاق وشهورهم واحدة، وكانت استحقاقاتهم تتوافى في وقت واحد، فمتى تأخذ عنهم ما لهم اجتمعت كلمتهم على الطلب، ولقي معاملهم ملأ من الشغب، فلما تقلد شيخنا أبو القاسم عبيد الله بن سليمان ﵀ [وزارة] المعتضد بالله لطف لتفرقة أرزاقهم، والمخالفة بين أوقات استحقاقاتهم، بأن زاد من أخر رزقه بمقدار الزيادة في الأيام واقتصر، بمن قدم رزقه على ما لا يقصر عن مئونته، فسلم بذلك من شغبهم، وذمهم، وجمع ما صنع ترفيه نفسه وسلطانه، لأن معظم الأموال والأرزاق الوافرة إذا تأخرت إلى أمد بعيد يحمل في مثلها أموال النواحي، ويلحق فيها الغلات درت الأرزاق، وقل الخلاف وتفرقت مع ذلك كلمة الجند باختلاف أوقات أطماعهم، ولم يكن
стр. 250
لمن لم يجب له رزق أن يشغب مع من وجب رزقه، ولا أن يطالب بما لم يستحقه، وإذا تفرقت الكلمة وتشتت الجماعة انكسرت الشوكة، وقلت المئونة، وجعل أقرب الأطماع النوبة، وهي في المشاهرة في كل ثلاثين يوماً أرزاق الحشم، وهي في كل أربعين يوماً، ثم أرزاق المماليك من الخدم والغلمان الحجرية ومن جرى مجراهم في كل شهر ثم أرزاق المختارين في كل خمسة وسبعين يوماً، ثم التسعينية وأرزاقهم في كل تسعين يوماً، ثم الأحرار العظم في كل مائة وخمسية أيام، ثم الأحرار الحليين في كل مائة وعشرين يوماً، ثم الموسابادية وأصحاب الرقاب في كل مائة وثمانين يوماً، يجري الأمر على هذا، وعلى انتخاب الأولياء، واختيارهم ومطالبتهم بالعرض في السلاح التام وعلى الخيل الفرهة ووسمها عليهم لئلا تكون عارية أو كراء، وكتب اسم السلطان [و] ولي عهده على المجان والترسة والامتحان لهم فيما يعالجونه من السلاح، فمن كان في المحنة مرضياً وكانت أداته كاملة، وفرسه فارها وبزته جميلة على مقدار رزقه أمضى أمره إلا حلق على اسمه، ووفر رزقه، فلم يزل الأمر جارياً على
следующие страницы →