وقد اختلف فى سماعه من النبى ﷺ ، فأثبته أهل الشام وأنكره أهل المدينة، على ما نقل ابن معين عن الفريقين.
ونقل ابن عبد البر، إنكار سماعه من النبى ﷺ لصغره، عن الواقدى، وابن معين وأحمد، وغيرهم.
وقال ابن يونس، والدارقطنى: إن له صحبة. والله أعلم بالصواب.
روى عنه أيوب بن ميسرة، وجنادة بن أبى أمية وغيرهما. روى له أبو داود والترمذى والنسائى: حديثا واحدا.
وذكر ابن يونس: أنه شهد فتح مصر، وأختط بها دارا، وأنه شهد صفين مع معاوية، وكان من شيعته، وأنه وجهه إلى الحجاز واليمن فى أول سنة أربعين. ففعل بمكة والمدينة أفعالا قبيحة. انتهى بالمعنى.
ومن أفعاله باليمن: أنه ذبح عبد الرحمن وقثم، ابنى عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، بعد هزيمة أبيهما منه، وكانا من أحسن صبيان الناس وأوضاه وأنظفه، فهامت أمهما بهما، وكادت تخالط فى عقلها. وكانت تنشد كل عام فى الموسم، وتقول أبياتا.
أولها [من البسيط]:
ها من أحس بنيى اللذين هما ... سمعى وقلبى فقلبى اليوم مختطف
ها من أحس بنيى اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف
ها من أحس بنيى اللذين هما ... مخ العظام فمخى اليوم مزدهف
حدثت بسرا وما صدقت ما زعموا ... من قولهم ومن الإفك الذى وصفوا
أنحى على ودجى ابنى مرهفة ... مشحوذة وكذاك الإثم يقترف (٣)
من ذا لوالهة حيرى مفجعة ... على صبيين ضلا إذ عدا السلف (٤)
стр. 1087
وذكر ابن عبد البر هذه الأبيات أخصر من هذا. وفى بعضها مخالفة فى اللفظ دون المعنى. وفى الخبر الذى ذكره أن بسرا ذبح الغلامين بين يدى أمهما. قال: وقد قيل: إنه إنما قتلهما بالمدينة. والأكثر على أن ذلك كان منه باليمن.
وقال: أغار بسر بن أرطأة على همدان. وقتل وسبى نساءهم. فكن أول مسلمات سبين فى الإسلام. قال: وقتل أحياء من بنى سعد. انتهى.
وهذا الفعل أيضا باليمن.
ومن أفعاله بالمدينة: أنه هدم بها دورا، وقال: يا أهل المدينة، والله لولا ما عهد إلىّ معاوية، ما تركت فيها محتلما إلا قتلته.
وكان بعث معاوية بسرا إلى الحجاز واليمن، فى أول سنة أربعين، على ما ذكر ابن يونس. وقيل فى سنة تسع وثلاثين. وهذا فى التاريخ الصغير للبخارى.
ولما بلغ أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه خبره، أنفذ له عسكرا فلم يلحقه، ويقال: دعا عليه بسلب عقله ودينه، فلم يمت حتى خرف، على ما ذكر خليفة ابن خياط، وابن يونس وغيرهما. ونقل ابن سعد الواقدى: أنه بقى إلى خلافة عبد الملك ابن مروان.
وذكر خليفة بن خياط: أنه مات بالمدينة فى ولاية عبد الملك بن مروان. وقال ابن يونس: وتوفى بالشام فى آخر أيام معاوية.
وذكر أبو مسهر: أنه مات بدمشق. وذكر ابن عساكر أنه سكن دمشق، وأنه كان على رجاله دمشق يوم صفين. انتهى.
وكان بطلا شجاعا، وهو أحد الأربعة الذين أمد بهم عمر بن الخطاب عمرو بن العاص، رضى الله عنهم، فى فتح مصر، وعد كلا منهم بألف فارس، فى قول بعضهم، وبعضهم يجعل عوضه المقداد بن الأسود، وهو قول الأكثرين، على ما قال أبو عمر. قال أبو عمر: وهو أولى بالصواب إن شاء الله. والأربعة عند من قال بإسقاطه: الزبير بن العوام، والمقداد، وعمير بن وهب، وخارجة بن حذافة، وعند من قال بإثباته: بسر، والمذكورون، خلا المقداد.
ونقل ابن عبد البر عن ابن الكلبى: أن بسرا بارز على بن أبى طالب رضى الله عنه
стр. 1088
فى يوم صفين، فطعنه على فصرعه، فانكشف له بسر، فكف عنه على رضى الله عنه، كما عرض له ـ فيما ذكروا ـ مع عمرو بن العاص، قال: ولهم فيهما أشعار كثيرة. انتهى.
وما ذكرناه فى اسم أبى أرطأة، رأيته فى الاستيعاب. وأما ابن الاثير، فرأيت فى كتابه: أن اسمه عمرو، وقيل: عمير بن عويمر.
وفى تهذيب الكمال ما يوافق ذلك، إلا أنه لم يذكر القول بأن اسمه عمرو. والله أعلم.
٨٤٢ ـ بسر بن جحاش القرشى، ويقال: بشر، بالشين المعجمة:
والأول أكثر، على ما قال ابن عبد البر؛ لأنه ذكره فى باب بشر ـ بالشين - فقال: بشر بن جحاش. ويقال: بسر، وهو الأكثر. انتهى.
وخالف ذلك فى باب بسر ـ بالسين المهملة ـ لأنه ذكره فيه أيضا، فقال: بسر بن جحاش القرشى، هكذا ذكره ابن أبى حاتم فى باب بسر. وقد تقدم ذكره فى باب بشر، وهو الأكثر فى اسمه. انتهى. فهذا يناقض كما ترى.
وأما ابن الأثير فذكره فى البابين. وقال فى باب بشر ـ بالشين المعجمة ـ ويقال: بسر ـ بضم الياء وبالسين المهملة ـ وقد تقدم، وهو الأكثر هناك، ثم قال: قال الدارقطنى: هو بسر، يعنى: بالسين المهملة ـ ولا يصح بشر، ومثله قال الأمير أبو نصر ابن ماكولا. وقال: قال الأنبارى، وابن مندة: أهل الشام يقولون: بسر، وأهل العراق يقولون: بشر. انتهى.
قال ابن عبد البر: وهو من قريش، لا أدرى من أيهم، سكن الشام. ومات بحمص. انتهى.
стр. 1089
روى له ابن ماجة حديثا واحدا. وليس له سواه، وهو: «ابن آدم إنك لن تعجزنى» (١). وهو معدود فى الشاميين.
٨٤٣ ـ بسر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعى الكلبى:
أسلم سنة ست من الهجرة، وبعثه النبى ﷺ عينا إلى قريش بمكة، لما خرج إلى الحديبية، فأخبره خبرهم وشهد الحديبية.
ذكره ابن عبد البر بمعنى هذا، وابن الأثير، ورفع فى نسبه، وقال: كان شريفا، كتب إليه ﷺ يدعوه إلى الإسلام.
* * *
من اسمه بشر بشين معجمة
٨٤٤ ـ بشر بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم القرشى السهمى:
كان من مهاجرة الحبشة، هو وأخواه الحارث، ومعمر ابنا الحارث.
ذكره بمعنى هذا ابن عبد البر، وذكره ابن الأثير نقلا عن أبى موسى المدينى، وذكر أن أبا موسى قال: وكان ممن أقام بأرض الحبشة. ولم يقدم إلا بعد بدر، فضرب له رسول اللهصلى الله عليه وسلم بسهم، لا يعرف له ذكر إلا فى المهاجرين إلى الحبشة.
وذكر ابن الأثير: أن أبا موسى قال فى نسبه: بشر بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعيد بن سعد بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى.
وذكر أن أبا موسى وهم فى موضعين من هذا النسب. أحدهما فى ذكره سعيد بن عدى، وسعد. قال: وإنما هو عدى بن سعد بن سهم. ونقل ذلك عن هشام الكلبى،
стр. 1090
وذكر أن أبا موسى وهم فى موضعين من هذا النسب. أحدهما فى ذكره سعيد بن عدى، وسعد. قال: وإنما هو عدى بن سعد بن سهم. ونقل ذلك عن هشام الكلبى، والزبير وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين. والوهم الآخر فى قوله: سعد بن عمرو، قال: وإنما هو سهم بن عمرو، يعنى أن أبا موسى أسقط بينهما بين سعد وعمرو، وهذا الذى ذكره ابن الأثير صحيح. وقال: قد رأيته فى نسختين صحيحتين من أصل أبى موسى. كذلك فلا ينسب الغلط إلى الناسخ. انتهى.
٨٤٥ ـ بشر بن سحيم بن غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الغفارى:
فى قول الأكثرين، ويقال فيه: بشر بن سحيم البهزى وقيل: ويقال فيه: بشر بن سحيم الخزاعى. قاله الواقدى. وقال: كان ينزل كراع الغميم (١) وضجنان (٢).
روى عنه نافع بن جبير بن مطعم: حديثا واحدا عن النبى ﷺ ، فى أيام التشريق، أنها أيام أكل وشرب (٣).
стр. 1091
قال ابن عبد البر: لا أحفظ له غيره. من الاستيعاب لابن عبد البر بالمعنى. قال: والغفارى فى نسبه أكثر. انتهى.
وحديثه هذا رويناه فى مسند أحمد بن حنبل، وهو فى سنن النسائى وابن ماجة. وقال المزى بعد أن ذكر أن له هذا الحديث عن النبى ﷺ : وقيل عنه عن على بن أبى طالب عن النبى ﷺ ، وقيل غير ذلك. انتهى.
٨٤٦ ـ بشر بن السرى البصرى:
نزيل مكة. أبو عمرو الأفوه، وسمى الأفوه؛ لأنه كان يتكلم بالمواعظ.
روى عن حماد بن سلمة والثورى، ومعاوية بن صالح، وزكريا بن إسحاق ومسعر. روى عنه: بشر بن الحكم، ومحمد بن أبى عمر العدنى، ويعقوب بن حميد بن كاسب، ومحمود بن غيلان، وعلى بن المدينى. روى له الجماعة.
قال أبو حاتم: ثقة ثبت صالح. وقال أحمد: كان متقنا للحديث عجبا. وقال ابن معين: ثقة. وقال الحميدى: جهمى، لا يحل أن يكتب عنه.
وذكر الذهبى أنه رجع عن التجهم، وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: كان بشر ابن السرى رجلا من أهل البصرة، ثم صار بمكة. سمع من سفيان نحو ألف حديث، وسمعنا منه ثم ذكر حديث: «ناضرة إلى ربها ناظرة» فقال: ما هذا. إيش هذا؟ . فوثب به الحميدى وأهل مكة، وأسمعوه كلاما شديدا. فاعتذر بعذر، ولم يقبل منه. وزهد الناس فيه بعد. فلما قدمت مكة المرة الثانية، كان يجئ إلينا فلا نكتب عنه، وجعل يتلطف فلا نكتب عنه.
وقال عبد الصمد بن عبد الله، عن أحمد بن أبى الحوارى: وسمعت بشر بن السرى يقول: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك. انتهى.
قال البخارى: قال محمود: مات سنة خمس وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
стр. 1092
٨٤٧ ـ بشر بن عاصم الثقفى:
ذكره هكذا ابن عبد البر، وقال: هذا قول أكثر أهل العلم، إلا أن ابن رشدين ذكره فى كتاب الصحابة، فقال: المخزومى، ونسبه فقال: بشر بن عاصم بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم.
قال ابن عبد البر: له حديث واحد، أنه سمع النبى ﷺ يقول: «الجائر من الولاة تلتهب به النار التهابا». رواه عنه أبو هلال الراسبى، ذكره ابن أبى شيبة وغيره.
قال: وذكره ابن أبى حاتم فقال: بشر بن عاصم: له صحبة. روى عنه أبو وائل، سمعت أبى يقول ذلك. انتهى بالمعنى.
وذكره ابن الأثير، وزاد فى نسبه سفيان بعد عاصم. وذكر أن الثقفى فى نسبه أصح من المخزومى، قال: وكان عامل عمر بن الخطاب رضى الله عنه على صدقات هوازن، وذكر له حديثا مرفوعا فى اجتناب الولاية، وذكر فى ترجمته ما ينافى أولها. فليتأمل ذلك، فإن الأمر ليس كما يوهمه كلامه. والله أعلم.
٨٤٨ ـ بشر الثقفى، ويقال بشير:
روت عنه حفصة بنت سيرين. ذكره بمعنى هذا: ابن عبد البر وابن الأثير، وقال: أخرجه أبو عمر هاهنا ـ يعنى فى باب بشر ـ وقد أخرجه ابن مندة وأبو نعيم فى بشير. انتهى.
٨٤٩ ـ بشر بن جحاش القرشى:
تقدم فى باب بسر، لأنه الأكثر فى اسمه، على ما قال الأكثرون.
стр. 1093
٨٥٠ ـ بشير بن حامد بن سليمان بن يوسف بن عبد الله بن الحسين بن زيد بن الحسن بن إسحاق بن محمد بن يوسف بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن على الزينبى ابن عبد الله الجواد بن جعفر الطيار بن أبى طالب القرشى الهاشمى الجعفرى، شيخ الحرم، نجم الدين أبو النعمان بن أبى بكر التبريزى البغدادى الشافعى:
تفقه على يحيى بن فضلان، ويحيى بن الربيع. وسمع من عبد المنعم بن كليب، جزء ابن عرفة، وقرأ على ابن سكينة، جزء الأنصارى، وجزء الغطريف، ومن ابن طبرزد، والحافظ أبى الفرج بن الجوزى، وأبى جعفر الصيدلانى، ويحيى بن محمود الثقفى وغيرهم. وحدث ودرس وأفتى، وتخرج به الفضلاء وسمعوا منه.
وذكر ابن الساعى: أنه رتب معيدا فى المدرسة النظامية ببغداد، ثم عين مع ذلك شيخا للحرم، وفوض إليه النظر فى مصالحه وعمارته فى الأيام المستنصرية، ولم يزل على ذلك، حتى أضر، فنفذ عوضه وانقطع بمنزله يسمع ويفتى، ويشغل بالعلم حتى مات. انتهى.
وكان حاويا لعلوم، منها علم الخلاف، وإليه انتهت الرئاسة فيه بالعراق. وله تصانيف منها: الغنيان فى تفسير القرآن العظيم فى مجلدات. وله نظم حسن ومناقب جمة، منها: أنه لما قرب فى تفسيره للقرآن العظيم إلى الختم، أخذ الله بصره، فقال: يا رب أعرنى إياه حتى أختم. فكان كذلك. كذا وجدت بخط الشيخ أبى العباس الميورقى، ورأيت ما يدل على أنه كان انتهى إلى سورة البلد. وأظن أنى ألفيت ذلك بخط الميورقى. والله أعلم.
ومنها: أن تلميذه المحب الطبرى، ذكر فى شرح التنبيه، أنه رمى معه الجمار. فقال الشيخ نجم الدين: رأيت الحصى يرفع؟ . فقال له المحب: حصى من يا سيدى؟ فقال: حصاى. وقد أثنى عليه غير واحد، منهم: ابن الحاجب الأمينى؛ لأنه قال فى معجمه: شيخنا هذا، أحد الفقهاء المتميزين، مليح المنظر، حسن المخبر، فصيح اللسان، مع عجمة
стр. 1094
فى لسانه، ضحوك السن، محبا للغريب، حسن الإيراد. وكان معيدا للمدرسة النظامية مدة، كتبنا عنه بدمشق، لما قدم مع ابن الجوزى رسولا من الديوان العزيزى الظاهرى قدسه الله. وكان يتحبب لابن الجوزى، وقيل إنه كان عينا عليه، حدث ببغداد ـ ولم أسمع عليه بها ـ وبدمشق وبمصر. انتهى.
وقال ابن الساعى: سافر فى طلب العلم وسماع الحديث، ولقى عدة مشايخ، ثم قال: وكان جميل الوجه، مليح الشيبة، لطيف الأخلاق، حسن العشرة كثير التواضع. وله نظم، وأنشد له شعرا يأتى ذكره.
وذكره ابن مسدى فى معجمه، فقال: أحد الفقهاء الشافعية أصلا وفرعا، المناضلين به وعنه إيجابا ومنعا.
وقد ولى مشيخة الحرم الشريف، فطلع بدرا فى ذلك الأفق المنيف، جبر وصدع، وحبّر ونفع، وغلبت عليه الأبوة والنفس الأبية، فأكرم القصاد، وأنهل الوراد، وجاد وزاد، وأبدأ وأعاد، وتصرف تصرف المستخدمين جاها ومالا، نسأل الله له المسامحة مآلا. وكان فى نفسه قد حوى علوما، وتأدب منثورا ومنظوما. ثم قال: وكان من الرجال المكثرين، ولم يكن فى معرفة هذا الفن بذاك المكين. ولم أر فيما وقفت عليه من رواياته، ووقع إلىّ من سماعاته، شيئا أنكره عليه، إلا أنه أسمع أشياء، زعم أن الحافظ أبا القاسم على بن الحسن المعروف بابن عساكر الشافعى أجازه. وفى الخاطر منها شئ. وأظنه وهم فى ذلك، وإنما المجيز له ولده القاسم. والله أعلم.
ومن شعره على ما ذكر ابن الساعى [من البسيط]:
أمسى ينبه وجد الصب ذى الفكر ... طيف ألم به فى غفوة السهر
فبات مكتئبا حيران تطرقه ... الأشجان عن سعر منها إلى سعر
واها لها إن جرى ذكر العقيق به ... وهنا فأضحى بعيد العين والأثر
مروع الشوق لا يأوى إلى وطن ... ولا يصيح من البلوى لمزدجر
فى كل يوم له خل يفارقه ... ومنزل بدل من منزل دثر
تبا لدار إذا ما أضحكت بشرا ... فى مسى ليلتها أبكته فى السحر
لذاتها رؤية الأحلام تحسبها ... حقا أخو ظلة لم يصح من سكر
فأين كسرى وسابور المقدم أم ... أين المملك فى الدنيا أخو الخضر
أين الخورنق يتلوه السدير فكم ... من مأرب فيهما قضى ومن وطر
стр. 1095
لم يبق إلا جميل الذكر إن له ... صبرا على غابر الآباد والعصر
فاذخر لنفسك مهما اسطعت من عمل ... ينجيك يوم معاد الخلق من سقر
ومن شعره فيما كتب به إلى ابن الخوافى عارض الجيش ببغداد، وقد سرقت مشايته [من الوافر]:
دخلت إليك يا أملى بشيرا ... فلما أن خرجت خرجت بشرا
أعد يائى التى سقطت من اسمى ... فيائى فى الحساب تعد عشرا
قال الشيخ نجم الدين بشير التبريزى: فسير لى نصف مثقال، وهو عشرة قراريط، واعتذر.
حكى هذه الحكاية عنه: تلميذه القطب القسطلانى، فيما حكاه عنه القطب الحلبى.
توفى فى ضحوة يوم الخميس، ثالث صفر سنة ست وأربعين وستمائة بمكة. ودفن بالمعلاة.
هكذا ذكر وفاته المحب الطبرى فى «العقود الدرية والمشيخة الملكية المظفرية»، والميورقى، إلا أنه قال: لثلاث خلون من صفر.
ومولده فى ثانى عشر ربيع الأول، سنة سبعين وخمسمائة بأردبيل (١).
هكذا ذكر تاريخ مولده وموضعه ابن الحاجب الأمينى. وذكر أنه أخبره بذلك لما سأله عنه.
وذكر ذلك هكذا ابن الساعى، وقال: نشأ بتبريز (٢). وقال ابن مسدى: ولد بتبريز، ويقال: بموقان (٣). وذكر نسبه إلى جعفر كما ذكرنا: ابن مسدى وابن الساعى، وابن الحاجب.
стр. 1096
٨٥١ ـ بطال بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبى ـ بباء موحدة ـ نسبة إلى قبيلة كبيرة يسكنون مواضع متفرقة من اليمن:
وسمى محمدا، وإنما اشتهر ببطال. فلذلك ذكرناه فى حرف الباء. ذكره الجندى فى تاريخ أهل اليمن.
وذكر أنه أتقن القراءات والنحو والفقه والحديث واللغة باليمن، ثم ارتحل إلى مكة، فلبث بها أربع عشرة سنة، فازداد علما ومعرفة؛ لأنه لم يترك أحدا من الواردين والمقيمين لديه فضيلة، إلا أخذ عنه، ولازم صحبة ابن أبى الصيف، وأخذ عنه، وأجازه فى سنة إحدى وستمائة، ثم عاد إلى بلده ذى يعمد فقصده الطلبة من أنحاء اليمن. وابتنى مدرسة بقريته التى كان يسكن بها، وتعرف بذى يعمد ـ بفتح الياء المثناة من تحت وسكون العين المهملة وكسر الميم وسكون الدال ـ ووقف كتبه وجملة من أرضه على المدرسة.
وله تواليف، منها: كتاب المستعذب المتضمن لشرح غريب ألفاظ المهذب، والأربعون المستخرجة من أحاديث الحسان، والصحاح الجامعة لما استحب درسه عند المساء والصباح، وأربعون فى لفظ الأربعين. وله أشعار مستحسنة.
وكان مع كماله فى العلم، ذا عبادة وزهادة وورع، وغالب زمانه يختم القرآن فى كل يوم وليلة ختمة. وتوفى لبضع وثلاثين وستمائة ببلده. انتهى.
٨٥٢ ـ بكار بن رباح المكى:
عن ابن جريج. حديثه فى المزاح منكر. ذكره هكذا الذهبى فى المغنى. وذكره فى الميزان بنحو ذلك، وقال: تلو قوله فى المزاح. رواه الزبير بن بكار.
٨٥٣ ـ بكر بن خلف البصرى، أبو بشر:
ختن أبى عبد الرحمن المقرى. روى عن سفيان بن عيينه، وأبى عاصم النبيل، ويحيى ابن سعيد القطان، وجماعة.
روى عنه البخارى تعليقا، وأبو داود، وابن ماجة، والفسوى، وذكره فى رجال مكة فى الأول من مشيخته.
стр. 1097
قال عبيد الله بن واصل: رأيت محمد بن إسماعيل يختلف إلى محمد بن المهلب يكتب عنه أحاديث أبى بشر بكر بن خلف، وكنت أتوهم أن أبا بشر قد مات. فلما قدمت مكة، إذ هو حى فلزمته.
قال ابن معين: ما به بأس، وقال: صدوق. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال الدولابى: مات سنة أربعين ومائتين.
٨٥٤ ـ بكر بن محمد بن أبى مرة المكى:
هكذا ذكره محمد بن سعد، لأنه قال: حدثنا بكر بن محمد بن أبى مرة المكى، قال: كان مسلم بن خالد ـ يعنى الزنجى ـ أبيض مشربا بحمرة، وإنما الزنجى لقب لقب به وهو صغير.
٨٥٥ ـ بلال بن رباح القرشى التيمى، مولاهم، أبو عبد الله:
ويقال أبو عبد الرحمن، ويقال أبو عبد الكريم، ويقال أبو عمرو المؤذن، مؤذن رسول الله ﷺ . ويقال له: بلال بن حمامة، وهى أمه.
أسلم قديما، وعذب فى الله تعالى، وشهد بدرا وأحدا. والمشاهد كلها مع النبىصلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: قيل من مولدى مكة، وقيل من مولدى السراة. وذكر المدينى القول الثانى.
وروينا من حديث ابن مسعود: أن أول من أظهر الإسلام: رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمار وأمه سمية، وصهيب وبلالا والمقداد، فإنهم ـ إلا رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ـ أخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم فى الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد وآتاهم على ما أرادوا، إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه فى الله، وهان على
стр. 1098
قومه، فأعطوه الولدان وجعلوا يطوفون به فى شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد. وفى رواية: أنهم كانوا يطوفون به والحبل فى عنقه، بين أخشبى مكة. وذكر فى صفة تعذيبه غير ذلك.
وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، هو الذى أراحه من ذلك؛ لأنه اشتراه بخمس أواق. وقيل بسبع. وقيل بتسع. ثم أعتقه. وكان له خازنا، ولرسول الله ﷺ مؤذنا. ويقال: إنه أذن بعده لأبى بكر رضى الله عنه، ثم رغب عن ذلك فى خلافة عمر رضى الله عنه للجهاد، ويقال: إنه رغب عن ذلك فى حياة أبى بكر رضى الله عنه، وخرج إلى الشام مجاهدا. ويقال: إنه أذن مرة لعمر رضى الله عنه، حين قدم إلى الشام. فبكى عمر وغيره من المسلمين. ذكر هذا كله من حاله ابن عبد البر بالمعنى.
وقال ابن الأثير: وهو أول من أذن فى الإسلام. وذكر ابن الأثير خبرا فيه: أن بلالا رضى الله عنه، قدم المدينة زائرا، فقال له الحسن والحسين رضى الله عنهما: نشتهى أن تؤذن فى السحر. فعلا سطح المسجد فلما قال: الله أكبر الله أكبر، ارتجت المدينة. فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله زادت رجتها. فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله، خرج النساء من خدورهن. فما رئى يومئذ أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم. انتهى.
ويقال: إنه لم يكمل الأذان حين أذن بالمدينة، فى قدومه إليها للزيارة، وأنا أستبعد قطعه للأذان بعد شروعه فيه. والله أعلم.
ومن فضائله: ما رويناه فى الترمذى مرفوعا، أن النبى ﷺ ، دعا بلالا، فقال له: «يا بلال، بم سبقتنى إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط، إلا سمعت خشخشتك أمامى» (١).
стр. 1099
روى بلال عن النبى ﷺ ، وروى عنه مولاه الصديق وعمر، وغيرهما من الصحابة رضى الله عنهم، وجمع من التابعين. روى له الجماعة.
قال الواقدى عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول: حدثنى من رأى بلالا، قال: كان رجلا آدم شديد الأدمة نحيفا طوال أجنا، له شعر كثير. وكان لا يغير. انتهى.
وذكر ذلك ابن عبد البر، غير معزو، إلا أنه لم يقل: له شعر، ولا ما بعده. وقد اختلف فى تاريخ موته. فقيل فى طاعون عمواس، قاله الذهبى عن يحيى بن كثير. وقيل سنة عشرين، ذكره ابن البرقى، وابن سعد. وقيل سنة إحدى وعشرين، ذكره ابن عبد البر.
اختلف أيضا فى سنة، فقيل ابن ثلاث وستين. وقيل ابن سبعين. ذكرهما ابن عبد البر.
واختلف أيضا فى موضع قبره، فقيل بمقبرة دمشق عند الباب الصغير. ذكره ابن سعد، وابن عبد البر. وقيل بداريا. وقيل بحلب، ودفن على باب الأربعين، قاله على بن عبد الرحمن. وقيل: إن الذى مات بحلب، هو أخوه خالد. والله أعلم. وهذا فى تهذيب الكمال.
وأما قول من قال: إنه مات فى سنة سبع عشرة أو ثمانى عشرة، فراجع إلى قول من قال: إنه مات فى طاعون عمواس، للخلاف فيه.
٨٥٦ ـ بلال بن عبد الله الحبشى، أبو عتيق بن العجمى:
سمع من أبى شرفى، يوسف بن إسحاق الطبرى: جامع الترمذى، ومن المحب الطبرى: سنن أبى داود، وحدث بالجامع بقراءة أمين الدين بن الوانى فى العشر الأخير من رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة بالحرم الشريف. وسمعه عليه جماعة من شيوخنا، وكان بوابا للمدرسة المنصورية وفراشا بالحرم الشريف.
توفى فى ذى الحجة عام ثلاث وثلاثين وسبعمائة. وهكذا وجدت وفاته بخط الآقشهرى.
* * *
стр. 1100
حرف التاء المثناة
٨٥٧ ـ تمام بن العباس بن عبد المطلب الهاشمى، ابن عم رسول اللهصلى الله عليه وسلم:
اختلف فى صحبته. وله رواية وحديث فى السواك، على ما ذكر ابن عبد البر. قال: قال الزبير: وكان من أشد الناس بطشا. وذكر أن أمه أم ولد، وأنه ليس له عقب. قال: وكان امرأ صدق. انتهى.
وقال ابن عبد البر: وكان تمام بن العباس، واليا لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه على المدينة. وذلك أن عليا لما خرج عن المدينة يريد العراق، استخلف سهل بن حنيف على المدينة، ثم عزله واستجلبه إلى نفسه. وولى المدينة تمام بن العباس، ثم عزله وولى أبا أيوب الأنصارى. فشخص أبو أيوب نحو على. واستخلف على المدينة رجلا من الأنصار. فلم يزل عليها حتى قتل على رضى الله عنه. ذكر ذلك كله خليفة بن خياط.
وذكر ابن عبد البر: أن تماما كان أصغر ولد العباس رضى الله عنه وكان العباس يحمله ويقول [من الرجز] (١):
تموا بتمام فصاروا عشره ... يا رب فاجعلهم كراما برره
واجعل لهم ذكرا وأنم الثمره
قال: ويقال إنه ما رئيت قبور أشد تباعدا بعضها من بعض، من قبور بنى العباس بن عبد المطلب، ولدتهم أم الفضل أمهم فى دار واحد. واستشهد الفضل بأجنادين، ومات معبد وعبد الرحمن بإفريقية، وتوفى عبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقثم بسمرقند، وكثير بينبع، أخذته الذبحة، وذكر أن أمه وأم أخيه كثير، رومية تسمى سبأ.
٨٥٨ ـ تمام بن عدى القرشى:
ذكره هكذا أبو عمر، وقال: لا أدرى من أى قريش هو.
стр. 1101
كان أميرا لعثمان على صنعاء. روى عنه: أبو الأشعث الصنعانى، فى التوجع على عثمان والتلهف والبكاء عليه.
٨٥٩ ـ تمام (١) بن عبيدة:
أخو الزبير بن عبيدة من بنى غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة.
قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وكانت بنو غنم بن دودان أهل الإسلام، قد قدموا إلى المدينة مع النبى ﷺ ، فممن هاجر مع نسائهم: تمام بن عبيدة. أخرجه ابن مندة وأبو نعيم. ذكره هكذا ابن الأثير.
٨٦٠ ـ تمام بن على بن عبد الكافى بن على بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن على بن مسوار بن سوار بن سليم بن أسلم الخزرجى، الشيخ بهاء الدين بن الشيخ تقى الدين السبكى الشافعى، يكنى أبا حامد، ويسمى أيضا أحمد:
ولد فى سنة تسع عشرة وسبعمائة. وسمع صحيح البخارى على أبى العباس الحجار بالقاهرة، فى قدمته الثانية إليها، وسمع من على بن عمر الوانى، وأبى النون يونس بن إبراهيم الدبوسى، ويوسف بن عمر الختنى، والقاضى بدر الدين بن جماعة، وجماعة بالقاهرة ودمشق. وأخذ العلم عن أبيه، والمجد الزنكلونى، والقاضى شمس الدين بن القماح، وأخذ عن الشيخ أبى حيان العربية. ودرس وأفتى من صغره، مع وفور فضيلته. وحدث قليلا.
وبلغنى أنه كان يتخيل فيمن يريد السماع عليه، أن ذلك لكونه يسمى تماما، لا لمعنى سوى ذلك. فلذلك قل إسماعه. والله أعلم.
وولى المناصب الرفيعة، كتدريس الشافعى وغيره، وقضاء العسكر بالقاهرة، وقضاء دمشق، بعد صرف أخيه القاضى تاج الدين السبكى، لأمر اقتضى ذلك. وتوجه أخوه القاضى تاج الدين على وظائفه بالقاهرة، ثم عزل عن قضاء دمشق، وعاد إلى وظائفه بالقاهرة، وعاد أخوه إلى وظائفه بدمشق.
стр. 1102
فكانت ولايته للقضاء بدمشق وما أضيف إليه، فى منتصف سنة ثلاث وستين وسبعمائة. وباشر ذلك ستة أشهر وأزيد قليلا. وله تواليف، منها: كتاب عروس الأفراح، فى شرح تلخيص المفتاح للقاضى جلال الدين القزوينى. وله يد طولى فى العلم، وله شعر رائق، ومجاورات بمكة، وبها توفى ـ رحمه الله تعالى ـ يوم الخميس سابع شهر رجب سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة. ودفن بالمعلاة بقرب الفضل بن عياض رحمهما الله تعالى. وذلك بعد أن زار المدينة النبوية رفيقا لجدى الفاضل أبى الفضل النويرى، رحمهما الله تعالى. وكانت بينهما صداقة أكيدة.
وبلغنى عن شيخنا كمال الدين الدميرى، أنه رأى جدى أبا الفضل النويرى فى المنام، وسأله عن بهاء الدين السبكى هذا، فقال له جدى ما معناه: ذاك الذى لم يبلغه عن النبى ﷺ أمر ولا نهى إلا ائتمر به، ولم يخالفه. انتهى.
أنشدنى قاضى القضاة زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغى الشافعى، قراءة عليه وأنا أسمع بمنى، أنه سمع قاضى القضاة بهاء الدين أبا حامد بن الشيخ تقى الدين السبكى، ينشد لنفسه بالحضرة النبوية قائما مكشوف الرأس، قصيدة نبوية أولها [من الطويل]:
تيقض لنفس عن هداها تولت ... وبادر ففى التأخير أعظم خشية
فحتام لا تلوى لرشد عنانها ... وقد بلغت من غيها كل بغية
ومنها:
وأمارة بالسوء لوامة لمن ... نهاها فليست بالمطمئنة
إذا أزمعت أمرا فليس يردها ... عن الفعل إخوان التقى والمبرة
وإن مر فعل الخير فى بالها انثنى ... أبو مرة يثنيه فى كل مرة
ولى قدم لو قدمت لظلامة ... لطارت ولى أنى دعيت لقربة
لكنت كذى رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
ومنها:
وقائلة لما رأت ما أصابنى ... وما أنا فيه من لهيب وزفرتى
رويدك لا تقنط وإن كثر الخطا ... ولا تيأسن من نيل روح ورحمة
مع العسر يسر والتصبر نصرة ... ولا فرح إلا بشدة أزمة
وكم عامل أعمال أهل جهنم ... فلما دنا منه أعيد لجنة
فقلت لها جوزيت خيرا على الذى ... منحت من البشرى وحسن النصيحة
стр. 1103
فهل من سبيل للنجاة من الردى ... وما حيلتى فى أن تفرج كربتى
فقالت فطب نفسا وقم متوجها ... لطيبة تسلم من بوار وخيبة
فكم آيس من رحمة الله قد خطا ... إليها فحطت عنه كل خطيئة
فديتك فاقصدها بذل فإنها ... تقيل بنى الزلات من كل عثرة
وإن لم يكن أهلا للثم ترابها ... فمن شأنها الإغضاء عن ذى الجريمة
وإن لم تكن حصلت زادا من التقى ... فزاد التقى يلقى بتلك المدينة
وقف فى حمى خير الورى بتأدب ... وذل وكسر وافتقار ووحشة
وقل يا أعز المرسلين ومن له ... على ذروة العلياء أعظم رتبة
وخير نبى جاء من خير عنصر ... بخير كتاب قد هدى خير أمة
وأولهم فضلا ونشرا إذا دعوا ... وآخرهم بعثا وأوسط نسبة
لك المعجزات الغر لاحت خوارقا ... وباهر آيات عن الحصر جلت
ومنها:
هديت إلى النجدين هدى دلالة ... فقوم إلى رشد وقوم لشقوة
وأوضحت بالنوعين شرعة ديننا ... فطورا بتفصيل وطورا بجملة
وأسعدت بالأمرين فرقتى الورى ... فريق بلين أو فريق بشدة
وأرشدت للدارين من طاع أو عصى ... فهذا إلى نار وذاك لجنة
وبالقمرين النيرين هديتنا ... كتاب من الله الكريم وسنة
وصليت نحو القبلتين تفردا ... وكل نبى ما له غير قبل
وعندى يمين لا يمين بأن فى ... يمينك وكفا كيف ما السحب ضنت
لقد نزه الرحمن ظلك أن يرى ... على الأرض ملقى فانطوى للمزية
٨٦١ ـ تميم بن أسيد ـ وقيل أسد ـ بن عبد العزى بن جعونة بن عمرو ابن القين بن رزاح بن سعد بن كعب بن عمرو الخزاعى:
أسلم وولاه النبى ﷺ ، تجديد أنصاب الحرم وإعادتها. نزل مكة. قاله محمد بن سعد.
ذكره هكذا ابن الأثير، وذكر له حديثا فى تساقط الأصنام حول الكعبة يوم الفتح. وفيه: فقال: تميم [من الوافر]:
وفى الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا
стр. 1104
أخرجه ابن مندة، وأبو نعيم. انتهى.
ذكره الذهبى فى التجريد، فقال: تميم بن أسيد.
٨٦٢ ـ تميم بن الحارث بن قيس بن عيد بن سعد بن سهم القرشى السهمى:
ذكر ابن عبد البر: أنه كان من مهاجرة الحبشة، هو وأخواه سعيد، وأبو قيس ابنا الحارث، وقتل تميم يوم أجنادين. وكان أبوهم من المستهزئين برسول الله ﷺ ، وهو الذى يقال له ابن الغيطلة، وهو اسم أمه، وهى امرأة من بنى كنانة.
ذكره ابن عبد البر، وقال: لم يذكر ابن إسحاق تميم بن الحارث فى مهاجرة الحبشة فى نسخة ابن هشام. وذكر بشر بن الحارث السهمى مكان تميم.
٨٦٣ ـ تغرى برمش بن يوسف التركمانى الحنفى:
نزيل القاهرة والحرمين، يلقب زين الدين، ويكنى أبا المحاسن.
عنى فى بلاده بالعلم فيما ذكر، ثم أتى القاهرة وهو شاب، وعنى فيها بفنون من العلم، وأخذ بها عن جماعة من الأكابر، منهم: الشيخ جلال الدين التبانى الحنفى. وكان يستحضر فيما يذكره من المسائل، أو يجرى عنده فيها ذكر، ألفاظ بعض المختصرات فى ذلك، ولكنه كان قليل البصارة والذكاء. وكان يستحضر كثيرا من الكلمات المنكرة الواقعة فى كلام ابن عربى الصوفى وغيره من الصوفية. وكان يبالغ فى ذم ابن عربى وأتباعه، وربما أعدم بعض كتبه بالمحو أو الإحراق. وربما ربط «الفصوص» منها إلى ذنب كلب فيما قيل. وكان قد سأل عن ابن عربى، وعن كتبه، شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيتى وغيره من أعيان علماء المذاهب الأربعة بالقاهرة، فأفتوه بذم ابن عربى وكتبه وجواز إعدامها، وصار يعلن ذم ابن عربى وأتباعه وكتبه، ويكرر ذلك عصرا بعد عصر.
وكان قد صحب جماعة من الترك بمصر؛ واستفاد بصحبتهم جاها وتعظيما عند أعيان الناس بالقاهرة وغيرها وقتا بعد وقت، فى دولة الملك الظاهر وابنه الملك الناصر والملك المؤيد ـ زاده الله تأييدا ونصرا ـ وكتب له مرسوما يتضمن الإذن له فى إنكار المنكرات المجمع عليها، وأن يعينه على ذلك الحكام.
стр. 1105
وكان يرسل إليه فى كل سنة من السنين التى جاور فيها بالحرمين، بصلة تقوم بكفايته، وجرت له على يده صدقات بالحرمين، منها صدقة من القمح فى سنة سبع عشرة وثمانمائة، وصدقة من الذهب فى سنة ثمانى عشرة، وصدقة من الدراهم المؤيدية والقمصان فيما بعد ذلك. وكان يخطئ كثيرا فى صرف ذلك، لإعطائه من ذلك جانبا طائلا لمن لا يستحق أو لتفضيله لمن لا يستحق على من يستحق فى العطاء، ونالته الألسنة بسبب ذلك كثيرا، وبسبب منعه المؤذنين من المدائح النبوية وغيرها فى المنائر ليلا، ومنع المداحين من إنشاد ذلك، فى الأوقات التى جرت عادة الناس بكثرة الاجتماع فيها بالمسجد الحرام، ومنعه الخطباء من الصغار فى ليالى ختم القرآن العظيم، فى شهر رمضان، وإيقاد مشاعل المقامات التى بالمسجد الحرام، فى الأوقات التى جرت العادة بها فى العشر الأخير من رمضان، وليلة العيد، وليلة هلال شهر رجب، وليلة هلال شهر ربيع الأول وغيرها، لما يحصل للمصلين والطائفين من كثرة التشويق، بسبب ارتفاع أصوات المشار إليهم، ولما يحصل من كثرة اجتماع الرجال والنساء لسماع الخطب، ورؤية الوقيد.
وكان منعه من ذلك فى أثناء سنة ثمانى عشرة وثمانمائة، بعد أن وافقه على ذلك جماعة من فقهاء مكة. وكتبوا له خطوطهم بذلك. وكتب له بمثل ذلك غيرهم من علماء القاهرة.
ثم إن بعض من كتب له من فقهاء مكة، حمله ما جبل عليه من كثرة الهوى وحط النفس، على أن قال بخلاف ما كتب به خطه، لمخالفة تغرى برمش له فى هواه، وسعى عند بعض حكام مكة من جهة الدولة، فى الإذن فى إيقاد مشاعل المقامات، والمديح فى ليلة هلال رجب من سنة عشرين وثمانمائة. فوافقه الحاكم على ذلك، وفعل ذلك فى الليلة المذكورة.
ولما عرف بالوقيد تغرى برمش، خرج من منزله بالمدرسة المجاهدية بمكة لمنع ذلك، ولم يكن له علم بموافقة الحاكم المشار إليه على ذلك، فناله من العامة أذى عظيم، من عظيم الذم، وربما أن بعضهم أوقع به الفعل، ولولا دفع بعض من يعرفه من الترك عنه، لكثر تضرره مما ناله من ذلك. وكان ذلك فى غيبة صاحب مكة عنها. فلما حضر إليها، أنكر على من أمر به، أو أشار به من جهته وغيرهم، وأمر باتباع اختيار تغرى برمش فى ذلك.
стр. 1106
فلم يتجاسر أحد على فعل ما يخالفه، حتى مات تغرى برمش، إلا أن بعض المؤذنين والمداحين، ربما مدحوا فى أوقات قليلة، بعضها بحضرة تغرى برمش، وكثير منها فى غيبته من مكة، وكان انقطاعه بالحرمين بعد حجه من سنة ست عشرة وثمانمائة.
وقد انتفع بصحبته كثيرا، ناس من أهل الحرمين، منهم من المكيين: القاضى عز الدين ابن القاضى محب الدين النويرى، وأخوه كمال الدين أبو الفضل، وسبب ذلك: أن تغرى برمش، جاور بالمدينة النبوية قبل القرن التاسع، وتوقع حصول سوء بها من الشيخ أبى عبد الله المغربى المعروف بالكركى، ففر إلى مكة، فطيب خاطره، وأحسن إليه، قاضيها محب الدين النويرى.
فلما مات، راعى صنيعه فى ولديه وجماعته، وهو ممن قام مع القاضى عز الدين، فى نزع الخطابة بالمسجد الحرام ونظره والحسبة بمكة له، من قاضى القضاة جمال الدين بن ظهيرة، ولما وصل لأبى السعادات بن أبى البركات بن ظهيرة توقيع بهذه الوظائف، فى أثناء سنة عشرين وثمانمائة ـ خلا الحسبة ـ عارضه فى ذلك تغرى برمش، بتوقيع وصل للقاضى عز الدين بالوظائف المذكورة، وأن يكون أخوه أبو الفضل نائبا عنه فيها، بعد التوقيع الذى وصل لأبى السعادات بأيام قليلة، باعتبار تاريخها.
وكان وصولهما إلى مكة معا فى وقت واحد، واتفق أن القاضى عز الدين، مات قبل وصول توقيعه، كما أن أبا البركات مات قبل وصول توقيعه بالخطابة، ثم كتب بها لابنه، فرأى الشيخ تغرى برمش وغيره من أعيان مكة، أن توقيع القاضى عز الدين، ناسخ لتوقيع ابن أبى البركات، ومانع له من المباشرة، مع كراهة أكثرهم لمباشرته، ونازع ابن أبى البركات فى ذلك، بحضور صاحب مكة وغيره من قضاتها، والشيخ تغرى برمش.
وتعلق فى ذلك بمثال شريف إلى أمير مكة، يتضمن إعلامه لولاية ابن أبى البركات، وزعم أنه كتب بعد توقيع القاضى عز الدين، ونسب إلى زيادة (ين) فيه بعد عشر، وإنما هو مؤرخ بخامس عشر صفر.
وصمم الشيخ تغرى برمش على منعه من المباشرة، فأساء فى حقه ابن أبى البركات، فكاد الشيخ تغرى برمش أن يضربه، وأن يحثو التراب فى وجهه. ووافق صاحب مكة وغيره من أعيانها، على ما اختاره الشيخ تغرى برمش، من منع ابن أبى البركات من الخطابة، فلم يباشرها إلا بعد وفاة الشيخ تغرى برمش بخمسة وأربعين يوما، لوصول
стр. 1107
توقيع إليه بها، وبنظر الحرم والحسبة، مؤرخ بثانى عشر صفر سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة.
وكان قد جاءه توقيع بنظر الحرم والحسبة، فى حادى عشر القعدة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة. فباشر ذلك إلى أوائل ذى الحجة منها، وتغرى برمش عليل مدنف. وكان سبب موته استطلاق بطنه من كثرة الأكل. فإنه لما عرض له الإسهال من ذلك، صار يشتهى أشياء كثيرة ضارة له، فتصنع له ويأكلها، وتكرر ذلك منه، فعظم عليه الضرر والتعب، إلى أن مضى لسبيله فى ليلة مستهل المحرم، سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، ودفن فى صبيحتها بالمعلاة، وحمل إليها فيما يحمل فيه الطرحا. ولم يشيعه من الناس إلا القليل.
ومما يحمد من أفعاله: سعيه فى شراء ماء فى قرار عين السلامة، وهى ساعة، يسقى به البستان المنسوب وقفه لنجم العجمى، عند مشهد حبر الأمة، عبد الله بن عباس بالطائف.
وذكر لى أن ثمن ذلك مائة مثقال.
وكان قد اشترى بالمدينة دارا تنسب لأبى مسلم، وذكر أنه أوصى بوقفها على رجلين، يقرأ أحدهما: شرح معانى الآثار للطحاوى، وكتاب العاقبة لعبد الحق الإشبيلى، والتذكرة للقرطبى، ورياض الصالحين، وسلاح المؤمن، وغير ذلك من الكتب التى سماها. والآخر: يصلى على النبى ﷺ كل يوم ألف مرة، ثم رجع عن هذه الوصية، ووقف هذه الدار على أقاربه، وأثبت ذلك على بعض الحكام من الحنفية بمكة وحكم بها، وأثبت الموقوف عليهما، وقف الدار عليهما، قبل رجوعه، فيما بلغنا.
وذكر أن ما صدر من تغرى برمش، لم يكن كما زعم وصية منه، وإنما نجز وقفيته.
وكان قليل المداراة للناس، كثير الحب للإقدام المؤلم ممن يعارضه، وإذا ظهر له أن فى فعل شيء مصلحة ما، فعل ذلك، وإن كان تركه أصلح، أو المصلحة أكثر فى فعل غير ما يراه، وهو السبب الأعظم فى إزالة الخلوة التى كانت إلى جنب زمزم فى المسجد الحرام، والزبازيب التى تحتها الأحجار التى عندها. وكان الناس يجلسون عليها، ويتوضون من هذه الزبازيب، لما قيل إن بعض الناس يستنجى هناك، وكان زوال ذلك فى العشر الأول من ذى الحجة سنة سبع عشرة وثمانمائة، بعد وجوده عشر سنين. وعوض عنه السبيل الموجود الآن.
стр. 1108
وكان لما جاور بمكة فى سنة عشر وثمانمائة، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل، سد الباب الضيق من الغار الذى بجبل ثور بأسفل مكة، لكون كثير ممن يريد دخوله من بابه الضيق، انحبس فيه لما ولج فيه، وانتقد عليه ذلك كثيرا، شيخنا شمس الدين محمد الخوارزمى، المعروف بالمعيد، إمام الحنفية بالمسجد الحرام، ومنعه من الأخذ عنه، حتى يزيل ما سده. ويحدث توبة بسبب ذلك. وكان فى مجاورته هذه، خامل الذكر كثير التقشف والعبادة، سامحه الله تعالى. وأظنه جاوز الستين.
٨٦٤ ـ تبل بن منصور بن راجح بن محمد بن عبد الله بن عمر بن مسعود العمرى المكى القائد:
كان من أعيان القواد المعروفين بالعمرة، مليا.
توفى فى رمضان أو شوال سنة ست وعشرين وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، وهو فى عشر الخمسين أو بلغها.
٨٦٥ ـ تاج الدين الهندى:
نزيل مكة. كان معتنيا بالعبادة والخير، وللناس فيه اعتقاد. وله اعتقاد قوى فى محيى الدين بن عربى الصوفى.
جاور بمكة عشرين سنة أو نحوها، وسافر منها إلى المدينة النبوية زائرا، وأدركه الأجل بمكة فى العشر الأول من ربيع الأول سنة سبع وعشرين وثمانمائة، ودفن بالشبيكة أسفل مكة، بوصية منه، بعد الصلاة عليه بالمسجد الحرام، وأحسبه بلغ السبعين، وأكثر ظنى أنه من كنباية من بلاد الهند وأعمالها، وكان يسترشدنى فى كثير من المسائل.
* * *
стр. 1109
حرف الثاء المثلثة
٨٦٦ ـ ثامر، صاحب قلعة تكريت، يلقب همام الدين:
حج سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وأدركه الأجل بالمزدلفة، فحمل إلى المعلاة، ودفن بها.
لخصت هذه الترجمة من الكامل لابن الأثير.
٨٦٧ ـ ثامر بن جياش بن أبى ثامر المبارك القاسمى، يكنى أبا حسن:
توفى يوم السبت تاسع شهر رمضان سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ودفن بالمعلاة.
كتبت هذه الترجمة من حجر قبره. وترجم فيه: بالقائد.
والقاسمى: نسبة إلى قاسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن أبى هاشم الحسنى، أمير مكة.
٨٦٨ ـ ثقبة بن رميثة بن أبى نمى محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة بن إدريس بن مطاعن الحسنى، المكى، يلقب أسد الدين، يكنى أبا شهاب:
ولى إمرة مكة مدة سنين، شريكا لأخيه عجلان، ومستقلا بها فى بعضها.
ورأيت فى تاريخ ابن محفوظ وغيره شيئا من خبرهما، ورأيت أن ألخص ذلك بالمعنى. وذلك أن ثقبة ولى إمرة مكة شريكا لأخيه عجلان فى حياة أبيهما، لما تركها لهما أبوهما، على ستين ألف درهم، فى سنة أربع وأربعين وسبعمائة، ثم قبض عليه فى هذه السنة بمصر.
وكان قدمها بطلب من صاحبها الصالح إسماعيل بن الناصر، ثم أطلق، فتوجه إلى مكة. ثم توجه منها فى سنة ست وأربعين إلى نخلة، لما ولى أخوه عجلان إمرة مكة بمفرده فى حياة أبيه، وتوجه ثقبة بعد ذلك إلى مصر فى السنة المذكورة، وقبض عليه
стр. 1110
بها. ولم يزل حتى أطلق هو وأخواه سند ومغامس، وابن عمهم محمد بن عطيفة، ووصلوا إلى مكة فى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. وأخذوا فيها من عجلان، نصف البلاد بغير قتال. وداما على ذلك إلى سنة خمسين، وفيها حصل بينهما وحشة. وكان عجلان بمكة وثقبة بالجديد، ثم خرج عجلان إلى الوادى لقتال ثقبة، فمنعه القواد من ذلك، واصطلح مع أخيه ثقبة، ثم سافر عجلان إلى مصر فى هذه السنة، فاستقل ثقبة بالإمرة وقطع دعاء عجلان من زمزم.
فلما وصل عجلان من مصر متوليا للبلاد بمفرده، فى خامس شوال من السنة المذكورة، توجه ثقبة إلى ناحية اليمن، ثم قصد ذهبان وحمضة.
وتعرض للجلاب، وأخذها، وحمل فيها عبيدة، وجاء بها إلى حلى، ولاءم الملك المجاهد صاحب اليمن من حلى. وكان المجاهد قد توجه إلى مكة للحج فى سنة إحدى وخمسين، ودخل إلى مكة ومعه ثقبة وإخوته. وكان عجلان قد منعهم من ذلك.
وفى سنة اثنتين وخمسين، كان عجلان وبمكة ثقبة بالجديد، وجاءت الجلاب إلى جدة فنجلها ثقبة وجبأها جبأ عنيفا.
وفى هذه السنة، جاء له ولأخيه عجلان طلب من صاحب مصر، فتقدما إلى مصر، كل منهما على انفراده، ثم رجع عجلان من ينبع، واستمر ثقبة حتى بلغ مصر، فولى الإمرة بمفرده، ووصل فى ذى القعدة من هذه السنة، ومعه خمسون مملوكا. فمنعه عجلان من الدخول إلى مكة، فرجع إلى خليص، وأقام بها إلى أن جاء مع الحاج.
وأراد عجلان منعه، ومنع أمير الحاج من الدخول، ثم رضى ثقبة بأن تكون الإمرة بينه وبين أخيه عجلان نصفين، وصالح أخاه عجلان على ذلك. وكان المصلح بينهما الأمير المعروف بالمجدى، أمير الحاج المصرى، ثم استقل ثقبة بالإمرة فى أثناء سنة ثلاث وخمسين، بعد قبضه على أخيه عجلان، وأخذه لما كان معه من الخيل والإبل.
واستمر على ذلك حتى قبض عليه أمير الركب المصرى عمر شاه، فى موسم سنة أربع وخمسين، واستقر عوضه أخوه عجلان، وذلك بعد أن سئل فى الصلح مع أخيه عجلان، على اشتراكهما فى الإمرة، فلم يوافق.
وحمل إلى مصر، فأقام بها معتقلا حتى هرب منها ومعه أخواه المذكوران ومحمد بن عطيفة. وكانوا قد اعتقلوا معه، فوصلوا إلى نخلة فى السابع عشر من رمضان سنة ست وخمسين، وليس معهم إلا خمسة أفراس. وكان عجلان يومئذ بخيف بنى شديد، ثم
стр. 1111
ارتحل إلى مكة، فأقام بها، ثم انتقل ثقبة وأخواه إلى الجديد، وأقاموا به ومعهم ثلاثة وخمسون فرسا.
فلما كان اليوم الثالث عشر من ذى القعدة، نزلوا المعابدة محاصرين لعجلان، ثم رحلوا بعد أن تضرر الناس بهم، فى الرابع والعشرين من ذى القعدة إلى الجديد.
فلما كان وقت وصول الحاج، وصلوا إلى ناحية جدة، وأخذوا الجلاب ودبروا بها إلى بحير، وبعد رحيل الحاج من مكة، توجهوا بالجلاب إلى جدة ونجلوها ونزلوا الجديد، ثم اصطلح ثقبة وعجلان، على أن تكون الإمرة بينهما نصفين، فى تاسع المحرم سنة سبع وخمسين، ثم انفرد ثقبة بالإمرة فى ثالث عشر جمادى الآخرة من هذه السنة، بعد رجوعه من اليمن، وأقام بمكة، وقطع نداء أخيه على زمزم. واستمر منفردا بالإمرة إلى مستهل ذى الحجة من هذه السنة، وأخوه عجلان فى هذه المدة بالجديد.
فلما وصل الحاج المصرى، دخل معهم عجلان مكة بعد أن فارقها ثقبة، ثم طلب ثقبة إليها أمير الركب المصرى. وكان يقال له الهذبانى، فلم يجبه ثقبة، مع كونه أمنه، وقصد ناحية اليمن، ونهب قافلة الفقيه البركانى، وأخذ ما معهم من البضائع والقماش، وكان مالا كثيرا.
وفى سنة ثمان وخمسين وصل ثقبة إلى الجديد، ونزل به وأقام به مدة، ثم ارتحل بعد ذلك إلى ناحية اليمن، وأقام بها مدة، ثم عاد إلى الجديد ثانية، فعمل عليه القواد، وحالفوا أخاه عجلان، فارتحل إلى خيف بنى شديد، ثم أتى نخلة، ثم التأم عليه الأشراف جميعهم، ورموا معه فى خيف بنى شديد، والتأم القواد جميعهم مع عجلان، وخرج من مكة ونزل الجديد، ثم ارتحل منه إلى البرقة طالبا قتال ثقبة، فلم يمكنه القواد من ذلك، ثم عاد إلى الجديد بعد شهر.
فلما كان أول ذى القعدة، قصد ثقبة مكة، فلم يمكن من دخولها، بعد أن وصل إلى الدرب من ناحية الأبطح، ثم اصطلح ثقبة وعجلان، وتشاركا فى الإمرة عند وصول الحاج فى سنة ثمان وخمسين. واستمرا على الشرك والاصطلاح فى الإمرة، إلى أن عزلا فى أثناء سنة ستين وسبعمائة، بعد أن استدعيا فيه للحضور إلى حضرة السلطان بمصر، فاعتذرا عن ذلك، وولى عوضهما أخوهما سند وابن عمهما محمد بن عطيفة. انتهى ما ذكره ابن محفوظ، وغالبه بالمعنى.
وذكر لى بعض من أثق به من الفقهاء المكيين: أن ثقبة اشترك مع أخيه سند فى
стр. 1112
الإمرة بمكة، لما توجه محمد بن عطيفة، والعسكر الذى كان بمكة إلى مصر، بعد الفتنة التى كانت بين العسكر والأشراف بمكة، بعد الحاج فى سنة إحدى وستين وسبعمائة، وأن ثقبة سكّن الشر عن العسكر، وساعدهم على التوجه إلى مصر، فرعى له ذلك، وأشرك مع أخيه عجلان فى الإمرة، فلم يصل أخوه عجلان من مصر إلا وهو ضعيف مدنف، فأقام أياما، ثم مات فى شوال سنة اثنتين وسبعمائة بالجديد، وحمل إلى مكة فدفن بالمعلاة انتهى. وكان كثير الرعاية للزيدية، موصوفا بكرم وشجاعة، ومدحه ابن غنائم بقصيدة حسنة، أولها [من المنسرح]:
ما خفقت فوق منكب عذبه ... على فتى كابن منجد ثقبه
ولا اعتزى به لفخار منتسب ... إلا وفاقت علاه منتسبه
منتخب من سليل منتخب ... منتجب من سليل منتجبه
كم جبرت راحاته منكسرا ... وفك من أسر غيره رقبة
وخلف ثقبة عدة أولاد، وهم: أحمد، وحسن، وعلى، ومبارك، وفاطمة، وسبق خبر أحمد، وسيأتى ذكر حسن، وعلى، ومبارك، وأما فاطمة فموجودة فى تاريخه.
* * *
стр. 1113
حرف الجيم
٨٦٩ ـ جابر بن أسعد بن جابر بن عبد الله بن محمد بن على الحميرى اليمنى الحضورى، الفقيه أبو محمد:
نزيل مكة. ولد بحضور، وهى قرية من مخاليف صنعاء باليمن، فى حدود سنة ستين وخمسمائة، وقدم مكة. وسمع بها زاهر بن رستم جامع الترمذى، وعلى أبى الفتوح الحصرى، مسند الشافعى، سنة عشر وستمائة. وسمع بالشام من القاسم بن عساكر والخشوعى، وحدث.
سمع منه ابن مسدى، وذكره فى معجمه. ومنه كتبت أكثر هذه الترجمة. وذكر أنه توفى سنة تسع وأربعين وستمائة بمكة، سقط من علو منزله ﵀ وأن أثباته ذهبت فى السيل الذى طم مكة، على رأس العشرين وستمائة.
وقال الدمياطى فى معجمه: ذكر لى جابر فى سنة أربع وأربعين وستمائة، أنه قدم من اليمن، وله من العمر ما يزيد على العشرين. وأقام بمكة نحوا من خمس وستين سنة.
٨٧٠ ـ جابر بن عبد الله المعروف بالحراشى:
تردد إلى مكة مرات كثيرة، ولايم فى بعضها الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة، ففوض إليه أمر جدة وغيرها. فقام بمصالحه أحسن قيام، وقرر لبنى حسن الرسوم التى يتناولونها اليوم، وكانت على غير هذه الصفة، مع نقصها عما قرره، وكان يحسن السياسة معهم فى أدائها إليهم، ويحسن السياسة أيضا فى استيفاء المكوس، ولكنه زاد فيها كثيرا عما كانت عليه قبل ولايته، وبنى الفرضة التى بجدة، ليحاكى بها فرضة عدن. وكانت فرضة جدة على غير هذه الصفة.
ثم تغير عليه صاحب مكة، لخبث لسانه وامتنانه عليه بقيامه بمصالحه، فقبض عليه فى أوائل رمضان سنة تسع وثمانمائة، بعد ثلاث سنين وأشهر، من حين ولاه، ثم أطلقه وقت الحج من سنة تسع وثمانمائة، وأحسن إليه واستحلفه على ترك أذاه.
وتوجه إلى اليمن، وأقام به نحو سنة، ثم عاد إلى مكة فى موسم سنة عشر وثمانمائة،
стр. 1114
ولايم صاحب مكة، وتولى عمارة الدور التى أنشأها فى الموضع المعروف بدار عيسى بالسويقة بمكة، ثم توجه من مكة فى أثناء سنة اثنتى عشرة وثمانمائة إلى مصر، فسعى فى أذى صاحب مكة، فأجيب لقصده.
وخرج من مصر، وهو واثق بذلك، فخاب أمله؛ لأن صاحب مصر الملك الناصر فرج، استعطف على صاحب مكة، فرضى عنه وأقره على ولايته، ومنع من محاربته، وعلم ذلك جابر، فاستوطن ينبع ولايم ولاتها، وبنى لهم بها قلعة وسورا، وهو فى غضون ذلك يرغب كثيرا فى العود إلى مكة، على أن يضمن له بعض القواد عن صاحب مكة، أن لا يصيبه منه سوء، فلم يوافق على ذلك صاحب مكة.
ثم رغب فى سنة خمس عشرة وثمانمائة فى إخراج جابر من ينبع، لما بلغه عنه من تحسينه لصاحب اليمن، التجويد على جدة إلى ينبع لتكدر خاطر صاحب اليمن على صاحب مكة، فى أمر فعله صاحب مكة، لم يسهل بصاحب اليمن.
فتوجه جابر إلى مصر، وأخذ يؤذى صاحب مكة، فلم يقبل منه، وصودر وبعث به معتقلا إلى صاحب مكة، فوصلها مع الحجاج، فى موسم خمس عشرة وثمانمائة، ودخلها والزنجير فى حلقه، ورآه صاحب مكة، وهو على هذه الصفة، فحياه بالسلام، وأقام بمنزل أمير الحاج برباط الشرابى، ثم خلص فى ليلة الثامن من ذى الحجة من السنة المذكورة؛ لأنه خرج يطوف تلك الليلة، ومعه بعض المماليك، فتسحب منه، ولجأ إلى بعض القواد فأجاره، وأخبر به صاحب مكة، وجمعه عليه بعد أن توثق منه، فعفا عنه صاحب مكة، وأقبل عليه كثيرا من أموره بجدة وغيرها، فنهض بذلك.
ثم تغير عليه صاحب مكة، لما نسب إليه من تقويته للسيد رميثة بن محمد بن عجلان، على دوام عصيانه لعمه، فإن رميثة هجم على مكة فى رابع عشرى جمادى الآخرة، من سنة عشرة وثمانمائة، وهجم على جدة فى رمضان من السنة المذكورة، ونهب جدة والهدة، وسعى بعد ذلك جابر وغيره فى الإصلاح بينهما، فشرط رميثة ما لم تطب به نفس عمه، وصمم على ذلك، فاتهم فى ذلك جابر ومن معه، ووقع مع ذلك من جابر مخالفة لمخدومه فى بعض أوامره، فقبض عليه بمنى فى النفر الأول، ثم قرر على أمواله، وأشعر بقتله، فصلى ركعتين، وخرج من أجياد مع الموكلين بقتله إلى باب المعلاة، فشنق به، ولم يظهر منه جزع فى حالة شنقة ولا فى ذهابه إلى الشنق، ولا كلم الموكلين به كلمة واحدة.
стр. 1115
وكان شنقه بعد المغرب، فى ليلة الخميس الخامس عشر من ذى الحجة، سنة ست عشر وثمانمائة، ودفن بالمعلاة.
وكانت أدعية الحجاج عليه كثيرة فى موسم هذه السنة، بسبب كثرة زيادته عليهم فى أمر المكس، فأصيب مع المقدور بسبب دعائهم، فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، كما صح عن النبى ﷺ .
ومن الأسباب التى أصيب بها، أنه كان قليل المراعاة لبعض أخصاء مخدومه، لظنه أن الكلام فيه لا يقبل، بسبب نهوضه بما لا ينهض به غيره من الخدم، وكان يظهر له مع ذلك فساد ظنه، وهو لا يعتبر، وتمادى فى ذلك إلى أن أدركه ما عليه قدر. وكان له إلمام بمذهب الزيدية، وحظ فى التجارة. وبلغ ستين سنة؛ لأنه ذكر لى أنه ولد سنة ست وخمسين وسبعمائة.
٨٧١ ـ جابر بن محمد بن عبد العزيز بن العربى، افتخار الدين أبو محمد ابن أبى عبد الله الخوارزمى الكاثى ـ بكاف وألف وثاء مثلثة ـ نسبة إلى بلد من أعمال خوارزم، الحنفى الصوفى:
قدم مكة، وقرأ بها على الشيخ فخر الدين التوزرى صحيح البخارى، فى سنة أربع وستمائة، وتكلم على أماكن فيه من جهة العربية. ذكر أنه رأى الناس يغلطون فيها، ولا يذعنون فيها للصواب، جريا منهم على عادة المحدثين فى بقائهم على كلام السلف، وجمع فى ذلك ورقة رأيتها بخطه، قرأها عليه القاضى جمال الدين بن فهد الهاشمى، وكتب السماع عليها بخطه، ووصفه بالإمام العلامة، نزيل حرم الله، فاستفدنا من هذا أنه سكن مكة.
ووجدت بخط التوزرى نحوا من ذلك، فى بعض سماعاته عليه.
ووجدت بخط القطب: أنه أقام بالقدس مدة، ودرس فيها بمدارس الحنفية. وتولى مشيخة الخانقاة الركنية بالقاهرة، وعزل عنها، ثم تولى مشيخة خانقاة الأمير علم الدين الجاولى بالكبش، قال: وهو فاضل حسن الشكل، مليح المحاضرة.
ووجدت بخط الشيخ محيى الدين عبد القادر الحنفى: أنه تفقه على خاله أبى المكارم محمد بن أبى المفاخر الخوارزمى، وقرأ المفصل والكشاف على أبى عاصم الإسفندرى،
стр. 1116
عن سيف الدين عبد الله بن أبى سعيد الخوارزمى، عن أبى عبد الله البصرى، عن الزمخشرى، وسمع من الدمياطى.
وتوفى فى المحرم سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بظاهر القاهرة، ودفن بالقرافة.
ومولده فى عاشر شوال سنة سبع وستين وستمائة بخوارزم (١).
٨٧٢ ـ جار الله بن حمزة بن راجح بن أبى نمى الحسنى المكى، يكنى أبا منيف:
كان شجاعا عاقلا، له مكارم ومحاسن، معظما عند الناس.
ولما ولى عنان بن مغامس إمرة مكة، بعد محمد بن أحمد بن عجلان، لجأ إليه فعضده، وأجزل له عنان العطية، وأعلا كلمته، وعظم أمره عند الناس بسبب ذلك، وأنشأ فى هذه المدة، مدرسة بدار العجلة، وفتح لها فى جدار المسجد بابا وستة شبابيك. وذلك فى سنة تسع وثمانين وسبعمائة.
ولما ولى على بن عجلان إمرة مكة، استماله بعد مدة، وأجزل له العطية وأكرمه وصار يرعاه.
ودخل إلى مصر بإثر دخول على بن عجلان وعنان، فى سنة أربع وتسعين وسبعمائة، طمعا فى الأمر بمكة، فسعى على بن عجلان فى اعتقال جار الله، فداهن عن نفسه بالمدرسة التى أنشأها بدار العجلة بمكة وسلم من الاعتقال، وأمر بمعاضدة على ابن عجلان، ووصلا إلى مكة منفردين.
ولما قبض علىّ بن عجلان على الأشراف، لم يظفر بجار الله، وسعى فى إطلاق من قبض عليه علىّ، وأجاب إلى تسليم ما شرطه علىّ فى إطلاقهم، من الخيل والدروع وغير ذلك.
فلما خلص بنو عمه، تصدى لحرب على، واستولى هو وجماعته على جدة أياما، ثم رحلوا عنها، بعد أن أعطاهم علىّ على ذلك خمسمائة غرارة قمح، ثم إن على بن عجلان، قصده واستعطفه، وصار يحسن إليه. ولجأ إليه، ونصر على بن عجلان، لما ثار أخوه حسن بن عجلان عليه، فى جماعة من الأشراف وغيرهم، سنة سبع وتسعين وسبعمائة.
стр. 1117
فلما قتل على بن عجلان، كره ذلك كثيرا، ولم يسعه إلا معاضدة بنى عمه آل بنى نمى، وأشار عليهم بعدم الخروج من الخيف، عند ما عزم آل عجلان على محاربتهم، وأن يكون قتالهم لآل عجلان عند الخيف.
فلم يقبل ذلك من أصحابه وخرجوا منه، فخرج معهم، فلما التقى الجمعان، رغبوا فيما أشار به أولا، فقال: الآن لا يمكن، وبدر إلى القتال، وقاتل أشد القتال، حتى قتل فى المعرك، يوم الثلاثاء خامس عشرى شوال، سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، بالموضع المعروف بالزبارة، وقد قارب الخمسين أو بلغها.
وبلغنى أنه أعطى تسعين فرسا ـ بتقديم التاء ـ من حين قبض على بن عجلان على بنى عمه آل بنى نمى، وإلى حين قتله، لمن ينصره فى هذه المدة.
وبلغنى أنه كتب إلى قاضى الحرمين محب الدين النويرى، وهو إذ ذاك على قضاء مكة، يسأله عن السيد حسن بن عجلان، بعد قدومه إلى مكة متوليا لإمرتها، عوض أخيه على. فكتب إليه منشدا قول القائل:
أرى جذعا إن يثن لم تبق ريضا ... فبادر بحزم قبل أن يثنى الجذع
وأردا القاضى بذلك تعظيم أمر حسن وتخويفه منه. فكان هلاك المذكور مع المقدور بسعى حسن، لأنه الداعى على حرب الزبارة.
وبلغنى أن حسن ذو كريمن قتل فى هذه الوقعة، فلم يعتد منهم فى أخيه على إلا جار الله وقال: ليس على مطالبة بالباقين.
وبلغنى أن جار الله كان يتلو ما يحفظ من القرآن تلاوة حسنة، ويديم التلاوة ليلا، ولم يبق له ولد ذكر.
٨٧٣ ـ جار الله بن زايد بن يحيى بن محيى السنبسى المكى:
كان أحد التجار بمكة بعد الفقر. توفى سنة تسعين وسبعمائة، ودفن بالمعلاة وكان خيرا.
٨٧٤ ـ جار الله بن صالح بن أحمد بن عبد الكريم بن أبى المعالى الشيبانى المكى الحنفى. يلقب بالجلال:
سمع من ابن بنت أبى سعد، وشهاب الدين الهكارى، ونور الدين الهمذانى، والقاضى
стр. 1118
عز الدين بن جماعة، جانبا جيدا من جامع الترمذى، ومن الشيخ خليل المالكى الشفاء، وغيره. وحدث.
سمعت منه شيئا من جامع الترمذى بقراءتى، وسمع منه غير واحد من أصحابنا المحدثين رغبة فى اسمه. وكان أحد طلبة الحنفية بدرس يلبغا الخاصكى بمكة وغيره. وتردد إلى مصر مرات، وأدركه الأجل بها، فى آخر سنة خمس عشرة وثمانمائة، بخانقاة سعيد السعداء، ودفن بمقابر الصوفية بها، وقد بلغ السبعين. وأظنه توفى فى ذى الحجة.
٨٧٥ ـ جبريل بن عمر بن يوسف الكردى، أبو الأمانة، وأبو محمد:
نزيل مكة، سمع من أبى اليمن بن عساكر: وصايا العلماء لابن زبر، وحدث به عنه وعن الشيخ محيى الدين النووى بأربعينه، وحدث بها عنه الشيخ عبد الله اليافعى، وقرأ عليه أحاديث منها ابن رافع.
وذكر أنه توفى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وأن له بمكة ثلاثا وخمسين سنة.
٨٧٦ ـ جبير بن مالك، وقيل جبر بن مالك بن القشب الأزدى، حليف بنى المطلب، ويقال جبير بن بحينة، نسبة إلى أمه، وهى بحينة بنت الحارث بن المطلب، وهو أخو عبد الله بن بحينة، والأكثر فى اسمه جبير:
استشهد يوم اليمامة.
٨٧٧ ـ جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف بن قصى بن كلاب القرشى النوفلى، أبو محمد، وقيل أبو عدى المدنى، أحد الأشراف:
قال ابن عبد البر: أسلم فيما يقولون يوم الفتح، وقيل عام خيبر. انتهى.
وقال النووى: أسلم قبل عام خيبر، وقيل أسلم يوم فتح مكة.
стр. 1119
وقال الزبير بن بكار: وحدثنى سعيد بن هاشم، أحد بنى قيس بن ثعلبة. قال: ثنا يحيى بن سعيد بن سالم القداح عن أبيه، عن ابن جريج عن عطاء، قال: لا أحسبه إلا رفعه إلى ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ ، ليلة قربه مكة فى غزوة الفتح: «إن بمكة لنفر أربا بهم عن الشرك، وأرغب بهم فى الإسلام: عتاب بن أسيد، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو».
وقال الزبير: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن زكريا بن عيسى، عن ابن شهاب: أن عمرو بن العاص، وأبا موسى الأشعرى، اختلفا فى حكمهما، لا يدعوه عمرو بن العاص إلى شيء إلا خالفه. فلما رأى ذلك عمرو، قال له: هل أنت مطيعى، فإن هذا الأمر لا يصلح لنا أن ننفرد به، حتى يحضره رهط من قريش، ثم نستعين بهم ونستشيرهم فى أمرنا، فإنهم أعلم بقومهم. فقال له: نعم ما رأيت، فابعث إلى من شئت منهم، فبعث إلى خمسة رهط من قريش: عبد الله بن عمر، وأبى الجهم بن حذيفة، وعبد الله بن الزبير، وجبير بن مطعم، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكتب إليهم أن أقبلوا حين تنظرون فى كتابنا هذا، فإنه لا يحبسنا أن نحكم بين الناس غيركم، فانطلقوا يسيرون حتى قدموا عليه بدومة، فوجدوهما جالسين بباب المدينة، فى حديث يطول. انتهى.
وقال مصعب الزبيرى: كان جبير بن مطعم من حلماء قريش وسادتهم، وكان يؤخذ عنه النسب.
قال ابن إسحاق عن يعقوب بن عيينة: كان جبير بن مطعم من أنسب قريش لقريش وللعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب عن أبى بكر الصديق. وكان أبو بكر رضى الله عنه من أنسب العرب.
وقال الزبير: حدثنى سعد بن هاشم البكرى، ثم أحد بنى قيس بن ثعلبة، عن يحيى بن سعيد بن سالم القداح قال: أول قرشى لبس تاجا: جبير بن مطعم اشتراه من غنائم العجم بألفى درهم، قال: لا أحسبه إلا قال من: حلوان أو جلولاء الوقيعة.
وقال ابن عبد البر: يقال إن أول من لبس طيلسانا بالمدينة: جبير بن مطعم، قال: وذكره بعضهم فى المؤلفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه منهم. انتهى.
وقال النووى: له عن رسول الله ﷺ ، ستون حديثا، اتفق البخارى ومسلم على ستة، وانفرد البخارى بثلاثة ومسلم بحديث واحد. انتهى.
стр. 1120
روى عنه سليمان بن صرد الخزاعى، وأبو سروعة عقبة بن الحارث القرشى. وهما صحابيان، وابناه محمد، ونافع، ابنا جبير بن مطعم، وسعيد بن المسيب وآخرون. روى له الجماعة.
اختلف فى وفاته: فقيل سنة ثمان وخمسين. قاله المدائنى.
وقيل: سنة سبع وخمسين. وقيل سنة تسع وخمسين، قاله خليفة بن خياط والهيثم بن عدى، وابن البرقى، حكاهما ابن عبد البر، وقال: فى خلافة معاوية، وجزم به. وحكى القول بوفاته فى سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين. كذا وجدته فى نسخة من تهذيب الأسماء واللغات للنووى، وجزم به. وقال ابن قتيبة: سنة تسع وخمسين.
وكانت وفاته بالمدينة على ما ذكر ابن عبد البر والنووى.
وقال ابن الأثير: إنه أسلم بعد الحديبية، وقبل الفتح. وقيل: أسلم فى الفتح. انتهى.
٨٧٨ ـ جبير بن الحويرث بن نفيل بن عبد بن قصى بن كلاب:
ذكره ابن شاهين وغيره، أدرك النبى ﷺ ، ورآه ولم يرو عنه شيئا، وروى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه، عن النبى ﷺ : «ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة» (١).
روى عنه: سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، وذكره عروة بن الزبير، فسماه حبيبا.
стр. 1121
وقتل أبوه الحويرث يوم فتح مكة قتله على بن أبى طالب رضى الله عنه، وهذا يدل على أن جبير صحبته ورؤية، أخرجه أبو عمر وأبو موسى. وقال أبو عمر: فى صحبته نظر. انتهى من كتاب ابن الأثير بهذا اللفظ.
٨٧٩ ـ جخيدب بن لحاف بن راجح بن أبى محمد بن أبى أسعد الحسنى المكى:
كان من كبار الأشراف، فى دولة الشريف أحمد بن عجلان، وله عنده مكان يكرمه لها. ودخل بلاد اليمن فى جماعة من بنى عمه. وخدموا الملك الأشرف صاحب اليمن، ثم فارقوه وعاشوا فى أطراف بلاده، وملكوا المحالب. وقتلوا متوليها من قبله، ثم قصدوا حرض (١)، فلقيهم الشمسى، فقتل بعضهم وفلّ جمعهم، وعادوا إلى مكة فى سنة أربع وثمانين وسبعمائة.
وتوفى فى العشر الوسط من شوال سنة خمس وثمانين وسبعمائة.
٨٨٠ ـ جسار بن أبى دعيج بن أبى نمى محمد بن أبى سعد الحسنى المكى:
كان من أعيان الأشراف، وصاهر الشريف أحمد بن عجلان على أخته.
ومات قريبا منه فى عشر التسعين وسبعمائة، وذلك فى آخر سنة ثمان وثمانين، أو فى التى بعدها، أو قبل ذلك بيسير. والله أعلم.
٨٨١ ـ جسار بن قاسم بن [ ........ ] (١) أبى نمى الحسنى المكى:
كان من أعيان الأشراف شجاعا، برز إلى مبارزة كبيش يوم أذاخر، فعقر كبيش فرسه.
توفى فى سادس عشر ذى الحجة، سنة إحدى عشرة وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة.
٨٨٢ ـ جعال، ويقال جعيل بن سراقة الضمرى، ويقال الثعلبى، ويقال إنه فى عديد بنى سواد من بنى سلمة:
كان من فقراء المسلمين، وكان رجلا صالحا دميما قبيحا، وأسلم قديما. وشهد مع
стр. 1122
رسول الله ﷺ أحدا. ويقال: إنه الذى تصور إبليس فى صورته يوم أحد. من روايته عن النبى ﷺ ، أنه سمعه يقول: «أو ليس الدهر كله غدا».
ذكره هكذا ابن عبد البر، وذكره قبل ذلك، فقال: جعيل بن سراقة الغفارى (١)، ويقال الضمرى. أثنى عليه رسول الله ﷺ ، ووكله إلى إيمانه، وأشار ابن عبد البر بذلك، إلى أن النبى ﷺ ، أعطى المؤلفة يوم حنين، وترك جعيلا، فقيل له فى ذلك. فقال رسول الله ﷺ : «جعيل خير من طلاع الأرض مثل هؤلاء». وفى رواية: «ووكلت جعيل بن سراقة إلى إيمانه». قال ابن عبد البر: غير ابن إسحاق يقول فيه بالألف. انتهى.
وذكر ابن الأثير غالب هذا، وزاد: وهو أخو عوف من أهل الصفة وفقراء المسلمين.
وزاد: وأصيبت عينه يوم أحد. انتهى.
والضمرى: منسوب إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. قال الحازمى: وبلادهم بسيف البحر.
والغفارى منسوب إلى غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر.
٨٨٣ ـ جعدة بن هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشى، المخزومى:
أمه أم هانئ بنت أبى طالب، على ما ذكر الزبير بن بكار، وقال: وجعدة بن هبيرة الذى يقول [من الطويل]:
أبى من مخزوم إن كنت سائلا ... ومن هاشم أمى لخير قبيل
فمن ذا الذى ينأى علىّ بخاله ... وخالى على ذو الندى وعقيل (١)
وقال: ولاه على بن أبى طالب خراسان. انتهى.
وقال ابن عبد البر: قالوا: إنه كان فقيها. انتهى.
وروى عن خاله على بن أبى طالب. روى عنه ابن الطفيل ومجاهد وغيرهما.
روى له النسائى فى خصائص على رضى الله عنه.
стр. 1123
وقال عباس الدورى عن يحيى بن معين: لم يسمع جعدة بن هبيرة من النبىصلى الله عليه وسلم شيئا.
وقال المزى فى التهذيب: له صحبة. انتهى. وهذا يخالف قول ابن معين. والله أعلم.
وقال المزى أيضا: وقال ابن عبد البر أيضا، يقال: إن الذى أجارته أم هانئ يوم الفتح: فلان ابن هبيرة انتهى.
وهذا لم أره فى الاستيعاب فى ترجمة جعدة ولا غيره. وفيه بعد بيناه فى كتابنا: شفاء الغرام فى الباب السادس والثلاثين فى أخبار فتح مكة.
وذكر فيه ابن مندة، وأبو نعيم ما يستغرب؛ لأنهما قالا: جعدة بن هبيرة بن وهب ابن بنت أم هانئ. هكذا نقل عنهما ابن الأثير. ولم يتعقبه. ولعل ذلك لوضوحه، فإنه ابن أم هانئ لا ابن بنتها. وقال فى ترجمته: وقد اختلف فى صحبته. انتهى.
* * *
من اسمه جعفر
٨٨٤ ـ جعفر بن أحمد بن طلحة بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، الخليفة المقتدر بن المعتضد بن أبى أحمد الموفق، بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى بن المنصور العباسى:
بويع بالخلافة عند موت أخيه المكتفى، وعمره ثلاث عشرة سنة وأربعون يوما، ولم يل أمر الأمة صبى قبله.
فلما استهلت سنة ست وثلاثمائة، استصغره أهل دولته، وتكلموا فى خلافته. فاتفق جماعة من الأعيان على عزله، وكلموا عبد الله بن المعتز، فى أن يلى الخلافة، فأجاب بشروط، منها: لا يتم قتال.
فلما كان فى ربيع الأول منها، ركب ابن المعتز فى موكب الخلافة. فقتل وزير المقتدر وغيره من خواصه وقصد قتله، وهو يلعب بالصوالجة، فأغلقت الأبواب دونه،
стр. 1124
وبويع ابن المعتز، وكتب الكتب إلى الأقاليم بخلافته، وأمر المقتدر بالتحول من دار الخلافة فأجاب، ثم تحصن هو وخواصه بدار الخلافة فحصروا فيها.
ثم خرج خواصه على حمية وحملوا على ابن المعتز، فانهزم غالب من حوله. وقصد ابن المعتز سامرّا ليبرم أمره بها، فما تبعه أحد من الجند، وخذل، ثم أسر، ثم قتل سرا.
واستقام أمر المقتدر، ووزر له ابن الفرات فنشر العدل، وقام بأعباء الملك. واشتغل المقتدر باللعب، ثم خلع المقتدر فى محرم سنة سبع عشرة وثلاثمائة، بأخيه القاهر بالله محمد، وبويع بالخلافة بعد أن أشهد المقتدر بخلع نفسه، ثم ثار عليه جماعة من الجند، فقتلوا حاجبه وغيره من خواصه، وأتوا بالقاهر يجرونه إلى المقتدر فأكرمه، وقال: أنت لا ذنب لك.
والقاهر يقول: الله الله يا أمير المؤمنين فىّ. فقال: والله لا تؤذى، وجددت الطاعة للمقتدر، واستمر إلى أن قتل فى شوال سنة عشرين وثلاثمائة، فى حرب كان بينه وبين مؤنس الخادم، وحمل رأسه إليه. فبكى مؤنس، وأظهر الندم. وقال: والله لنقتلن كلنا، فقتل فيما بعد، وسلب المقتدر بعد قتله حتى بقى مهتوكا وستر بالحشيش، ثم حفر له وطموه، وعفى أثره كأن لم يكن.
وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة إلا الأيام التى خلع فيها بابن المعتز وأخيه القاهر.
وكان مسرفا مبذرا للمال، ناقص الرأى، أعطى جارية له الدرة اليتيمة، وزنها ثلاثة مثاقيل، وما كانت تقوّم. وقيل إنه محق من الذهب ثمانين ألف ألف دينار، وعاش ثمانيا وثلاثين سنة.
ذكرناه فى هذا الكتاب، لما صنع فى أيامه من المآثر بمكة. وهى زيادة دار الندوة وآبار الزاهر، وبعض الآبار المعروفة بالعسيلة، كما ذكرناه فى كتابنا شفاء الغرام ومختصراته.
٨٨٥ ـ جعفر بن أحمد بن محبوب بن المنهال بن مطر بن دينار بن عبد الله الربعى المكى:
ابن مريم بنت الحسين بن عمران بن عيينة.
سمع من أبى عبد الله محمد بن جعفر المعقرى فى سنة خمس وخمسين ومائتين، وروى عنه.
стр. 1125
وسمع منه ابن المقرى، وروى عنه فى معجمه وغيره.
وذكره المزى فى الرواة عن أحمد بن جعفر المعقرى، فقال: روى عنه مسلم، وأبو محمد جعفر بن أحمد بن محبوب الربعى المكى، ربيب الحسين بن عمران بن عيينة.
٨٨٦ ـ جعفر بن أحمد بن أبى الغنائم الموصلى، أبو الفضل المنعوت بالشرف، الأديب:
سمع من أبى الحسن على بن عبد العزيز الإربلى البغدادى، وكان صاحب نعم. جاور بحرم الله ، وبمدينة النبى ﷺ . ومات بمر الظهران محرما.
ذكره هكذا ابن رافع، فى مسودة ذيل تاريخ بغداد، وبخط العفيف المطرى أن وفاته سنة ثلاث وتسعين وستمائة.
٨٨٧ ـ جعفر بن إدريس:
مؤذن مسجد مكة. روى عن يحيى بن عبدك. سمع منه ابن المقرى، وروى عنه فى معجمه وغيره.
٨٨٨ ـ جعفر بن الحسين الشيبى، أبو الفضل المكى:
ذكره أبو القاسم على بن الحسن الباخرزى فى كتابه «دمية القصر وعصرة أهل العصر»، فى القسم الأول منه، وهو من شعراء البدو والحجاز.
وقال: شاب حسن الرواء والرواية، رأيته بين يدى الشيخ عميد الحضرة، مدليا إليه بحرمة العربية، مدلا عليه بهذه الدالية. وأنشدنى لنفسه من قصيدة [من الوافر] (١):
تولى الصبر تتبعه الدموع ... لترجعه وقد عز الرجوع
وطار بمهجتى للبين حاد ... يقصر دونه الوهم السريع
وأوحشنى الخيال وكان أنسى ... لو ان العين كان لها هجوع
أرى أدم الظباء لها امتناع ... وأطيب ما يقاربه (٢) المنوع
وفى العشاق مفتون بمعنى ... وموضع فتنتى منك الجميع
ومنهم من يشير ولا يسمى ... ومنهم فى المحبة من يذيع