على، وعنان بن مغامس، ثم كحلوا، خلا عنان، بإثر موت أحمد بن عجلان، ودام ضريرا، حتى مات فى يوم الخميس حادى عشرى شعبان، سنة ست عشرة وثمانمائة بمكة. ودفن بالمعلاة. وقد بلغ الستين أو قاربها. وهو آخر أولاد ثقبة الذكور موتا.
٩٨٣ ـ الحسن بن جعفر بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى المكى، أبو الفتوح:
أمير مكة. ولى إمرتها مدة سنين. وذكر شيخنا ابن خلدون: أنه ولى إمرتها بعد أخيه عيسى، فى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. ودامت ولايته عليها ستا وأربعين سنة. انتهى.
وذكر جماعة من المؤرخين: أن أبا الفتوح هذا، خرج عن طاعة الحاكم العبيدى صاحب مصر، ودعا إلى نفسه، وخطب له بالخلافة، وتلقب بالراشد. وسبب ذلك: أن الحاكم قتل أبا الوزير أبى القاسم، المعروف بابن المغربى؛ لأنه اتهمه أنه يضرب بينه وبين وجوه دولته، وقتل معه ولده أخا أبى القاسم، وهرب أبو القاسم وأنفذ وراءه فلم يدركه، وقصد أبو القاسم آل الجراح الطائى بالرّملة. ولزم حسان بن مفرّج، فأجاره ومنع الطلب عنه. وفى ذلك يقول أبو القاسم الوزير من قصيدة له [من الطويل]:
فإنى أتيت ابن الكريم مفرّج ... فأطلق من أسر الهموم عقالى
وغير ذلك.
وحمل الوزير أبو القاسم آل الجراح على مباينة الحاكم. وكان الحاكم قد ولى مملوك أبيه يارختكين الرملة بعد هروب الوزير أبى القاسم إليها، وسير معه جيشا إليها وجعله المقدم عليهم.
ولما بلغ ذلك الوزير أبا القاسم، حسن لحسان بن مفرج قتاله. فأغار عليهم وقاتلهم وأسر مقدمهم، وحمله أسيرا وامتهنه. وسمع غناء جواريه وحظاياه وهو مقيد معه فى المجلس، وارتكب منه فواحش عظيمة، وذبحه صبرا بين يديه.
فعند ذلك قال الوزير أبو القاسم، لحسان بن مفرج: الآن قد قطعت ما بينك وبين الحاكم، ولم يبق لصلحك معه موضع، ولا لك إلى الرجوع إلى طاعته مكان. فقال له: وما الرأى؟ قال: هذا أبو الفتوح أمير مكة والحجاز، فى بيته وفضله وكرمه بمكان رفيع، تنصّبه إماما، وتقوم معه على الحاكم، فأمر حسان الوزير أبا القاسم، بالتوجه إلى أبى الفتوح إلى مكة.
стр. 1192
فلما وصل إليه أطمعه فى الرئاسة والخلافة، وضمن له الوفاء بما بذله حسان بن المفرج من الطاعة له. فشكى أبو الفتوح إلى أبى القاسم قلّ ما بيده من المال، فأشار عليه الوزير أبو القاسم بأخذ ما فى خزانة الكعبة من المال، وما عليها من أطواق الذهب والفضة، وضربه دراهم ودنانير، ففعل ذلك، وهى الدراهم التى يقال لها الفتحيّة، ثم سار أبو الفتوح وأبو القاسم قاصدين آل الجراح، ومعه نحو ألف فارس من بنى حسن، ونحو ألف عبد من قواده.
فلما قرب الرملة، تلقاه حسان وأبوه المفرج وسائر وجوه العرب، وقبلوا الأرض بين يديه، ونزل فى دارهم، وخطب على منبر الرملة الخطيب ابن نباتة، ولما بلغ ذلك الحاكم، اشتد عليه وقلق. وعلم أن أبا الفتوح أهلا لما أهّل له من الخلافة، فعدل عن الحرب إلى الخدعة، وعلم أن آل الجراح بينهم اختلاف فى الرئاسة والرعاية، فأرسل إليهم الأموال إلى الصغير والكبير والعظيم والحقير، وبعث إلى حسان ابن المفرج بخمسين ألف دينار، وكتب إليه يغالطه فى أمر يارختكين ويسهّله. فأصبح أبو الفتوح، وقد عرف تغير نياتهم. فقال للوزير أبى القاسم: أغويتنى وأخرجتنى إلى هؤلاء القوم الغدارين، وأخرجتنى من بلدى ونعمتى وإمارتى، وجعلتنى فى أيدى هؤلاء ينفقون سوقهم بى عند الحاكم، ويبيعونى بيعا بالدراهم، فيجب عليك أن تخلصنى كما أوقعتنى، وتسهل سبيلى بالعودة إلى الحجاز، فإنى راض من الغنيمة بالإياب، ومتى لم تفعل، اضطررت إلى أن أركب فرسى، وأركب التغرير فى طلب النجاة، فشجعه وثبته، وأخذ يفكر فى خلاصه، وطال الأمر على أبى الفتوح، فركب دابته إلى المفرج والد حسان سرّا، وقال له: إنى فارقت نعمتى وكاشفت الحاكم، وذلك لركونى إلى ذمامكم، وسكونى إلى مقامكم، ولى فى عنقك مواثيق، وأنت أحق من وفّى، لمكانك من قومك ورئاستهم، وإن خير ما ورّثه الإنسان ولده، ما يكون له به الحمد والشكر وحسن الذكر، وأرى حسانا ولدك قد أصلح نفسه مع الحاكم، وأتبعه أكثر أصحابه، وأنا خائف من غدره بى، وما أريد إلا العود إلى الوطن، فوعده المفرج بالسلامة، وركب معه وسيره إلى وادى القرى (١)، فتلقاه أصحابه.
[ ... ] (٢).
стр. 1193
وذكر صاحب الدول المنقطعة هذه القضية، وفيها مخالفة لما سبق ذكره مع زيادة فوائد. وقد رأيت أن أذكر كلامه لذلك.
ذكر أن الوزير أبا القاسم بن المغربى بعد قتل الحاكم لأبيه، سار إلى الرملة، واجتمع ببنى الجراح الطائى، ثم سار إلى مكة، واجتمع بأبى الفتوح، وأفسد نيته على الحاكم وحرضه على طلب الخلافة، فأظهر ذلك، وبايعه أهل الحرمين، وفارقه الوزير من مكة وسار إلى الرملة، فاجتمع بمفرج بن دغفل بن الجراح الطائى، وبنيه حسان ومحمود وعلى، وبايعهم لأبى الفتوح. ولما تقرر ذلك، طلع على المنبر يوم الجمعة وخطب الناس، فقال أول ما استفتح به فى تحريض الناس على خلع الحاكم، أن قرأ وهو يشير إليهم: (طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ).
ولما فرغ من أخذ البيعة على آل الجراح، عاد إلى مكة وحمل أبو الفتوح على المسير معه إلى الرملة، فسار فيمن معه من الأعراب، فتلقاه مفرج وأولاده، وترجلوا له وقبلوا الأرض، ومشوا فى ركابه. ودخل الرملة وتغلب على أكثر بلاد الشام، فبعث الحاكم إليهم جيوشه، مع مملوك أبيه ياروخ تكين، فحمل الوزير أبو القاسم حسان بن المفرج على أن اعترضه عند فجّ داروم (٣)، وواقعه وأسره ونقله إلى الرملة أسيرا وانتهبه، وسمع غناء جواريه وحظاياه وهو مقيد معه فى مجلسه، وارتكب منه فواحش عظيمة، ثم قتله صبرا بين يديه، وبقى الشام أكلة لبنى الجراح، ولم يمكن الحاكم أخذهم إلا بالملاطفة، فسير إلى حسان يلاطفه بما يبذله على أن يخذل أبا الفتوح، وترددت الرسل حتى تقرر أنه يدفع إليه خمسين ألف دينار عينا، ولكل واحد من إخوته كذلك، سوى هدايا وثيابا وحظايا، تهدى إليه وإلى إخوته، وسير جميع ذلك إليهم، فمالوا عن أبى الفتوح، ودخلوا فى طاعة الحاكم، ولما أحس أبو الفتوح بذلك، ركب بنفسه إلى الوزير أبى القاسم، وقال له: أنت أوقعتنى فخلصنى، فركب معه إلى مفرج وأخبراه بخبر أولاده، فقال لهما: وما تريدان منى؟ قال له العلوى، وهو أبو الفتوح: إن لى عليك حقا، وأريد أن تجاوبنى
стр. 1194
عليه، بأن تبعث معى من يوصلنى إلى مكة، ولا تحوجنى إلى أن أركب فرسا أملس وأهرب بنفسى، فتخطفنى العرب. فضمن له مفرّج ذلك، وبعث معه جماعة من طيئ، ولم يزالوا معه حتى بلغ مكة. انتهى.
وفى هذا الخبر مخالفة للخبر الأول من أوجه.
وذكر الذهبى هذا الخبر، وفيما ذكره فوائد ليست فى غيره فيما سبق، مع مخالفة فى بعض ذلك. وقد رأيت أن أذكر كلامه لما فى ذلك من الفائدة.
قال فى أخبار سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة: وكان أمير مكة الحسن بن جعفر، أبو الفتوح العلوى، فاتفق أن أبا القاسم المغربى حصل عند حسان بن المفرج الطائى، فحمله على مباينة الحاكم صاحب مصر. وقال له: لا مغمز فى نسب أبى الفتوح، والصواب أن تنصبه إماما، فوافقه، فمضى أبو القاسم إلى مكة، فأطمع صاحبها أبا الفتوح بالخلافة، وسهل عليه الأمر، فأصغى لقوله وبايعه شيوخ الحسنيين، وحسّن له أبو القاسم أخذ ما على الكعبة من فضة، وضربه دراهم، واتفق موت رجل بجدة معه أموال عظيمة وودائع، فأوصى منها بمائة ألف لأبى الفتوح، ليصون بها تركته والودائع، فاستولى أبو الفتوح على ذلك كله، فخطب لنفسه وتسمى بالراشد بالله، وسار لا حقا بآل الجراح.
فلما قرب من الرملة، تلقته الأعراب، وقبلوا له الأرض وسلموا عليه بالخلافة. وكان متقلدا سيفا، وزعم أنه ذو الفقار، وفى يده قضيب ذكر أنه قضيب رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ومعه جماعة من بنى عمه، وبين يديه ألف عبد أسود. فنزل الرملة ونادى بإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فانزعج لذلك صاحب مصر، وكتب إلى آل حسان الطائى متلطفا، وبذل لهم أموالا جزيلة، وكتب إلى ابن عم أبى الفتوح فولاه الحرمين، وأنفذ لشيوخ بنى حسان أموالا، فقيل إنه بعث إلى حسان خمسين ألف دينار، وأهدى إليه جارية جهزها بمال عظيم، فأذعن للطاعة. وعرف أبو الفتوح الحال، وضعف وركب إلى المفرج الطائى مستجيرا به، فأجاره وكتب فيه إلى الحاكم، فرده إلى مكة. انتهى.
وكلام الذهبى يقتضى أن هذه الحادثة فى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وهو وهم؛ لأن الحاكم لم يكن إذ ذاك خليفة، وإنما كان الخليفة بمصر أبوه العزيز. وبعده ولى الخلافة فى سنة ست وثمانين وثلاثمائة.
وقد ذكر سبط ابن الجوزى فى «المرآة»، وغيره من المؤرخين، أنها فى سنة إحدى وأربعمائة، وعليه يدل كلام ابن أبى منصور فى كتابه «الدول المنقطعة».
стр. 1195
ورأيت فى تاريخ شيخنا ابن الفرات: أن عصيان أبى الفتوح على الحاكم كان فى سنة اثنتين وأربعمائة، وأن فيها قتل الحاكم أحمد بن أبى العلاء، مولى أبى الفتوح أمير مكة؛ لأنه كان يستوشى أخباره وينقلها إلى مولاه. وكان مولاه أقامه لذلك، وأقر عليه بذلك عطار.
وذكر بيبرس الدوادار فى تاريخه: أن عصيان أبى الفتوح للحاكم، كان فى سنة خمس وأربعمائة.
وذكر النويرى فى تاريخه، ما يقتضى أنها فى سنة ثلاث وأربعمائة؛ لأنه ذكر أن أبا الفتوح لما بلغه استمالة الحاكم صاحب مصر لآل الجراح عنه، قال لهم: إن أخى قد خرج فى مكة، وأخاف أن يستأصل ملكى، فأعادوه إلى مكة فى شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعمائة.
وذكر شيخنا ابن خلدون فى تاريخه: أن آل الجراح، قبضوا على أبى الفتوح وأسلموه إلى الحاكم، وأنه راجع الطاعة فعفى عنه.
وما ذكره من أن آل الجراح أسلموا أبا الفتوح للحاكم، غريب لم أره لغيره. وذكر أن أبا الفتوح سار إلى المدينة النبوية وأزال عنها إمرة بنى مهنّا. وذلك سنة تسعين وثلاثمائة بأمر الحاكم، ثم رجع إلى مكة وقد عظم شأنه.
وذكر أن القادر العباسى، أرسل إلى أبى الفتوح يأمره بالطاعة له، ويعده ببقاء الإمرة فيه وفى ذريته. فأرسل كتبه إلى الحاكم بن العزيز بن المعز صاحب مصر، فأرسل إليه بالمال والخلع. فقسم ذلك فى قومه.
وذكر ابن الجزرى فى تاريخه، حكاية اتفقت لأبى الفتوح صاحب مكة بالمدينة، نقلها عن تاريخ ابن النجار البغدادى.
وقد رأيت أن أذكرها لغرابتها:
أنبئت عمن أنبأه الحافظ ابن النجار، قال: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن المبارك المغربى، عن أبى المعالى صالح بن شافع الجيلى، قال: أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن محمد المعلم، قال: أنبأنا أبو القاسم عبد الحكيم بن محمد المقرى الزاهد، قال: أشار بعض الزنادقة على الحاكم العبيدى بنبش قبر النبى ﷺ وصاحبيه وحملهم إلى مصر، وقال له: متى تم هذا الأمر، شد الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر، فكانت منقبة يعود
стр. 1196
جمالها على مصر وساكنيها، فدخل ذلك عقل الحاكم، فنفذ إلى أبى الفتوح يأمره بذلك. فسار أبو الفتوح حتى قدم المدينة، وحضر إليه جماعة من أهلها؛ لأنه كان بلغهم ما قدم بسببه، وكان حضر معهم قارئ يعرف بالركيانى. فقرأ بين يدى أبى الفتوح: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ. أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قاتِلُوهُمْ)، قال: فماج الناس وكادوا أن يقتلوا أبا الفتوح ومن معه من الأجناد، وما منعهم إلا أن البلاد كانت للحاكم.
فلما رأى أبو الفتوح ما الناس عليه، قال لهم: الله أحق أن يخشى، والله لا أتعرض لشيء من ذلك، ودع الحاكم يفعل فىّ ما أراد، ثم استولى عليه ضيق الصدر وتقسيم الفكر كيف أجاب، فما غابت الشمس فى بقية ذلك اليوم، حتى أرسل الله تعالى من الريح ما كادت الأرض تزلزل منه، وتدحرجت الإبل بأقتابها والخيل بسروجها، كما تدحرج الكرة على وجه الأرض، وهلك خلق كثيرون من الناس، وانفرج همّ أبى الفتوح لما أرسل الله تعالى تلك الرياح التى شاع ذكرها فى الآفاق، لتكون له حجة عند الحاكم من الامتناع من نبش القبور الكريمة. انتهى.
وذكر أبو عبيد البكرى: أن الحاكم أنفذ إلى أبى الفتوح هذا أيضا، سجلا تنقص فيه بعض الصحابة رضى الله عنهم. وجرح به بعض أزواج النبى ﷺ ، فأنفذه الأمير ـ يعنى أبا الفتوح ـ إلى القاضى الموسوى، أظنه إبراهيم بن إسماعيل السابق، وهو قاضى مكة وما والاها، وأمره بقراءته على الناس، فغضب لذلك المجاورون من القاطنين وغيرهم من قبائل العرب. فلما بلغ ذلك القاضى، أرجأ الخروج وتباطأ، وذلك فى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.
واتفق بمكة فى ولاية أبى الفتوح عليها قضية أخرى عجيبة، ذكرها جماعة من المؤرخين منهم الذهبى، قال فى أخبار سنة ثلاث عشرة وأربعمائة: فيها عمد بعض المصريين إلى الحجر الأسود، فضربه بدبوس كسر منه قطعا، فقتله الحاج، وثار أهل مكة بالمصريين، فنهبوهم وقتلوا منهم جماعة، ثم ركب أبو الفتوح الحسن بن جعفر، فأطفأ الفتنة وردهم عن المصريين.
وهذه الحادثة مذكورة بأكثر من هذا فى كتابنا شفاء الغرام ومختصراته، فأغنى عن ذكر هاهنا.
стр. 1197
وذكر أبو عبيد البكرى، فى كتاب «المسالك والممالك» أن أبا الفتوح هذا، فى سنة اثنتى عشرة وأربعمائة، حشد قبائل العرب وحارب رجلا من بنى حرام، استولى على مدينة حلى، خالف صاحب اليمن، ودعا إلى نفسه، فأخذها أبو الفتوح منه وغلب الحرامى. انتهى.
وكانت وفاة أبى الفتوح هذا فى سنة ثلاثين وأربعمائة، على ما ذكر ابن الأثير.
٩٨٤ ـ الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر بن عبد الله بن ربيعة بن الهدير بن المنكدر التّيمى المدنى:
روى عن محمد بن إسحاق بن أبى فديك، والمعتمر بن سليمان التيمى، وعبد الرزاق ابن همام وغيرهم. روى عنه النسائى وابن ماجة، وابن صاعد، ومحمد بن هارون الحضرمى، وغيرهم.
قال البخارى: يتكلمون فيه. وذكر أنه مات سنة تسع وأربعين ومائتين. وقال صاحب الكمال: مات بمكة. وحديثه فى أهل الحجاز. وقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به.
٩٨٥ ـ الحسن بن سيف بن الحسن بن على الشهراباى:
روى عن زاهر بن طاهر الشحامى. وكان من شهود قاضى القضاة على بن أحمد الدامغانى. حج سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وجاور بمكة حتى مات بها ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
ذكره القطيعى فى تاريخ بغداد. وقد سمع منه بمكة ابن أبى الصّيف.
٩٨٦ ـ الحسن بن صالح، أبو على الحداد:
شيخ كان بمكة، وثقه على البغوى، وحدث عنه وكيع. وروى عن عبد العزيز بن عبد الرحمن الدبّاس المكى، شيخ الحاكم.
стр. 1198
ذكره الذهبى فى الميزان، وقال: تأخر (١).
٩٨٧ ـ حسن بن عبد الله بن عامر المقرئ المكى، يكنى بأبى على:
قال ابن بشكوال فى الجزء العاشر من «برنامجه»: كتب إلينا بإجازة ما رواه بخطه، من مكة فى ذى القعدة سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. انتهى.
وجدت هذه الترجمة بخط بعض أصحابنا الحفّاظ، ولعله الذى بعده. فإنى أظن أن «عامر» تصحف بعمر، والله أعلم.
٩٨٨ ـ الحسن بن عبد الله بن عمر بن على بن خلف القيروانى، أبو علىّ بن أبى محمد المكى، المعروف بابن العرجاء المقرئ الفقيه:
ذكر السّلفىّ فى «معجم السّفر» له، أنه قرأ على أبيه، وتفقه على مذهب الشافعى. وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالحرم الشريف، وكان يفتى ويسمع الحديث على إسماعيل الشاوى وطريف الحيرى، وأبى محمد بن غزال وغيرهم، قال: وكتب عن أبى الأصبغ الأندلسى عنّى. انتهى.
وذكره الذهبى فى طبقات القراء، وقال: الإمام أبو على القيروانى، قرأ على والده تلميذ أبى معشر، وأجاز له أبو معشر، وقد قيل: إنه قرأ على أبى معشر نفسه، وذلك خطأ. طال عمره وقصده القراء. ثم قال: عاش أبو علىّ إلى حدود الأربعين وخمسمائة، وقيل: عاش إلى سنة سبع وأربعين وخمسمائة.
قلت: جزم بوفاته سنة سبع وأربعين القطب الحلبى، كما وجدته بخطه، قال: وقيل سنة ثمان وأربعين. انتهى.
والصواب سنة سبع وأربعين؛ لأنى وجدت فى حجر قبره بالمعلاة، أنه توفى يوم الأحد ثامن من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وترجم فيه: بالفقيه الإمام العالم مفتى الحرمين ومقرئهما.
٩٨٩ ـ الحسن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله الهاشمى المكى، المعروف بابن فهد:
سمع مع أخيه القاضى جمال الدين بن فهد، على يحيى بن محمد الطبرى، ومن الفخر التّوزرىّ وغيرهم. وأجاز له معه جماعة من شيوخ الشام وغيرها، وما علمته حدث.
стр. 1199
وبلغنى أنه كان يتجر لأخيه جمال الدين، ويسافر إلى اليمن، ومات بعد الأربعين وسبعمائة.
٩٩٠ ـ الحسن بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن صالح التيمى المطاميرىّ المكى:
حدث بمكة عن أبى القاسم عبيد الله بن أحمد السّقطىّ.
سمع منه أبو الفتيان عمر بن عبد الكريم الرّواشىّ (١) الحافظ، وتوفى فى جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
ذكره هكذا ابن الأثير فى مختصره لأنساب ابن السمعانى، وقال: المطاميرى: بفتح الميم والطاء وسكون الألف وكسر الميم الثانية وسكون الياء آخر الحروف، وفى آخرها راء، هذه النسبة إلى المطامير، وهى ضيعة بحلوان العراق. وينسب إليها جماعة. انتهى.
٩٩١ ـ الحسن بن عبد الله المنبجىّ:
سمع بمكة من جماعة، منهم أبو محمد عبد الله بن موسى الزّواوىّ، بعض الأحاديث السّباعيّات والثّمانيات، من حديث مؤنسة خاتون بنت الملك العادل، بالحرم الشريف، فى سنة ثلاثين وسبعمائة، بقراءة محمد بن عبد الواحد الزردالى، والسماع بخط القارئ.
وذكر أنه جاور بمكة نحوا من خمس وثلاثين سنة. وأن منبج بلد من ديار بكر، بين الشام والعراق.
٩٩٢ ـ الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن العباس بن جعفر بن الخليفة أبى جعفر المنصور العباسى، أبو على المكى الشافعى الحنّاط (بالنون) لبيع الحنطة:
سمع من أحمد بن إبراهيم بن فراس العبقسىّ المكى العطار: نسخة إسماعيل بن جعفر، ومن أبى القاسم عبيد الله بن أحمد السّقطىّ: جزء ابن عرفة. وحدّث بهما. رواهما عنه الشريف أبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسى المكى النقيب.
وروى عنه أبو المظفر بن السمعانى، وعبد المنعم بن القشيرى، ومحمد بن طاهر، وجماعة من حجّاج المغاربة وغيرهم. وكان أسند من بقى فى الحجاز.
стр. 1200
توفى فى ذى القعدة سنة أربع وسبعين وأربعمائة. وثقه ابن السمعانى فى الأنساب. وسأل شيخه إسماعيل بن محمد الحافظ عنه، فقال: عدل ثقة كبير. انتهى.
قرأت على فاطمة وعائشة بنتى محمد بن عبد الهادى بالسفح، أن أبا الحجار أخبرهما عن أبى الحسن المؤرخ، قال: أنا أبو جعفر النقيب، قال: أنا أبو على الشافعى، قال: أخبرنا ابن فراس، قال: نا محمد بن إبراهيم الدّيبلىّ [ ..... ] (١).
٩٩٣ ـ الحسن بن عبد الأحد بن عبد الرحمن بن محمد الرّسعنىّ، المؤدّب، بدر الدين الحنبلى:
نزيل مكة. سمع بالإسكندرية على بهاء الدين عبد الله بن أبى بكر الدّمامينى المخزومى، منتقى من مشيخة محمد بن عبد السلام الإسكندرى، المعروف بابن المقدسيّة، وحدث به. سمع منه أصحابنا المحدّثون.
وتوفى سنة ست وعشرين وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة فى ربيع الآخر، أو آخر ربيع الأول. وقد جاور بمكة سنين كثيرة، وأدّب بها الأطفال بالمسجد الحرام. وكان متعبّدا خيرا ساكنا.
٩٩٤ ـ الحسن بن عتبة بن إبراهيم بن أبى خداش بن عتبة بن أبى لهب عبد العزّى بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشى الهاشمى المكى:
ذكر الزبير بن بكار: أن حماد البربرى، رفعه ورفع أخاه حمزة فى نفر، رفعهم من مكة إلى الرشيد، ذكر أنهم يتشيعون فى آل أبى طالب، فأدخلوا على الرشيد. فعاتب حمزة على ما نسب إليه من التشيع، فأنكر وأجاب بجواب أعجب الرشيد، يأتى إن شاء الله فى ترجمة حمزة، فخلى عنه وعن أخيه حسن، وأثبتهما فى صحابته.
٩٩٥ ـ حسن بن عجلان بن رميثة بن أبى نمى بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة الحسنى المكى، يلقب بدر الدين:
أمير مكة ونائب السلطنة بالأقطار الحجازية. ولى إمرة مكة من غير شريك، أحد
стр. 1201
عشرة سنة وتسعة أشهر وأياما يسيرة، وهى ستة أيام، ووليها سنة وسبعة أشهر، بتقديم السين، شريكا لابنه السيد بركات، وهو الساعى له فى ذلك، وولى نيابة السلطنة سبع سنين إلا شهرا وأياما، وولى ابنه السيد أحمد عوضه نصف الإمرة الذى كان بيده، قبل أن يلى نيابة السلطنة.
وما ذكرناه فى مدة ولايته لإمرة مكة، مستقلا وشريكا لولده بركات، هو باعتبار تاريخ الولاية بمصر، لا باعتبار وصول الخبر بذلك إلى مكة. وكذلك ما ذكرناه فى مدة ولايته لنيابة السلطنة، هو باعتبار تاريخ الولاية والعزل، لا باعتبار بلوغ الخبر بهما إلى مكة فتكون ولايته على مكة أميرا ونائبا للسلطنة، عشرين سنة وثلاثة أشهر إلا أربعة أيام. وربما زاد ذلك أياما قليلة وبعض أيام قليلة. وسنوضح ذلك أكثر من هذا وغيره من خبره. وذلك أنه ولد فى سنة خمس وسبعين وسبعمائة تقريبا، ونشأ فى كفالة أخيه أحمد مع أخيه على بن عجلان أمير مكة الآتى ذكره، حتى مات أحمد. ويقال: إن أحمد استولى على ذهب جيد تركه عجلان لابنيه حسن وعلى، ولأخ لهما شقيق لعلى، ولاءم المذكوران كبيشا بعد قتل محمد بن أحمد بن عجلان، ثم سافر حسن بعد الحج من سنة تسع وثمانين وسبعمائة إلى مصر، لتأييد أمر أخيه علىّ فى إمرة مكة، فإنه ولى إمرتها فى أثناء سنة تسع وثمانين وسبعمائة، عوض عنان، وما تمكن من دخولها، ثم ولى نصف إمرتها شريكا لعنان بعد أن حضر إلى السلطان بمصر فى النصف الأخير من رمضان من هذه السنة.
ووصل مع الحاج فى هذه السنة، ودخل مكة فى أول ذى الحجة بعد مفارقة عنان وأصحابه مكة، وعاد حسن إلى مكة، ومعه جماعة من التّرك، لتأييد أخيه علىّ، ثم حصل بين مقدمهم وبين حسن منافرة بالمروة. فقال المقدم ـ وأنا أسمع ـ لحسن: أنت صغير، فسمعت حسنا يقول له: إن كنت عندك صغيرا، فأنا عند الله كبير. فاستدللت بذلك على تيقظه.
وكان وصوله بهذا العسكر فى ربيع الآخر أو جمادى الأولى من سنة تسعين وسبعمائة. وكان ملائما لأخيه علىّ فى غالب مدة ولايته، وأخوه مكرم له، وما ظهر بينهما منافرة فاحشة، إلا فى وقتين، بان فيهما حسن عن علىّ، وغزا فى كلا الوقتين أخاه بمكة، فدخلها فى المرة الأولى هجما فى جماعة من أصحابه، وخرجوا منها من فورهم، وقتل بعضهم شخصا يقال له بحر. وذلك فى أول سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، والغزوة الأخرى فى سنة سبع وتسعين وسبعمائة، فى جمادى الآخرة منها.
стр. 1202
وأقام بمن معه من الأشراف وغيرهم فى الزّاهر أياما، ثم رحلوا بغير قصد؛ لأن بعض أصحاب علىّ أمر بعض أصحاب حسن بالرحيل، فرحل وتلاه الباقون. وسافر حسن بعد ذلك إلى مصر راجيا لإمرة مكة. فحضر عند الملك الظاهر صاحب مصر بالقلعة غير مرة، ثم اعتقل بقلعة الجبل فى شهر رمضان من السنة المذكورة.
ووصل كتاب السلطان إلى علىّ يخبره بذلك، ويأمره فيه بالعدل مع خلعة، فلبسها وقرأ الكتاب بالمسجد الحرام، فى سلخ رمضان، وبعد جمعة استشهد علىّ، وذلك فى سابع شوال من السنة المذكورة. وبلغ قتله السلطان فى تاسع ذى القعدة من السنة المذكورة، فأطلق حسنا، وولّاه عوض أخيه إمرة مكة، وجعل إلى الأمير يلبغا السالمى تقليد حسن للإمرة. وكان يظن أنه يدرك الحج. فما قدر ذلك.
ووصل الخبر بولايته إلى مكة، فى أثناء العشر الأخير من ذى القعدة. وقام بخدمة الحاج، أخوه محمد بن عجلان. وكان بالبلد من حين قتل علىّ. ووقع فى هذا الموسم فتنة فى يوم التروية، نهبت فيها للحاج أموال كثيرة، وطمع الحرامية فى الحجاج، فنهبوهم بطريق عرفة. وكان معظم النّهب بالمأزمين، مأزمى عرفة، ويسميها أهل مكة المضيق، ورحل الحاج أجمع فى هذه السنة، يوم النفر الأول، وما توجه السيد حسن من مصر إلا بعد وصول الحاج إليها بأيام نحو نصف شهر، وتوجه معه بجماعة من الترك، قيل إنهم مائة وثلاثون، وقيل سبعون، ومعه من الخيل تسعون ـ بتقديم التاء ـ وغير ذلك مما يحتاج إليه ويتجمّل به. ولما انتهى إلى ينبع طالب أميرها وبير بن مخبار، بما أنعم به عليه السلطان عنده؛ لأن السلطان كان بعث قمحا للبيع إلى ينبع، فاستولى عليه وبير، ثم أنعم به السلطان على السيد حسن. فتوقف وبير فى تسليم ذلك إليه، فأمر حسن غلمانه بلبس السلاح والتهيؤ للقتال.
فلما عرف ذلك وبير أرضاه بخمسة وثلاثين ألف درهم، ورحل عنه حسن إلى مكة، وأمر أخاه محمد وأصحابه بلقائه، فاجتمعوا قريبا من ثنيّة عسفان أو السويق.
وكان الأشراف لما سمعوا بإقبال حسن إلى مكة، وخروج محمد ومن معه منها للقائه، رحلوا من عسفان إلى غران إلى شق طريق الماشى، فطلب حسن الأشراف يوما وليلة، فلم يلحقهم لارتفاعهم فى الحرار، وأمر علىّ بن كبيش، أن يخرج من مكة بجماعة من أهلها إلى خيف بنى شديد، ليقطعوا بها نخيلا للأشراف، ففعل ذلك، ثم أشير عليه بالإعراض عن ذلك، فترك وانتهى إلى بئر شميس وأقام بها عشرا، ثم دخل مكة فى يوم
стр. 1203
السبت الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، فلبس الخلعة، وقرئ عهده بالولاية وطاف بالبيت، وأقام بها إلى أثناء ليلة الأحد.
وخرج ومن معه إلى بئر شميس، ثم انتقل منها فى النصف الثانى من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، إلى العدّ، وكان الأشراف قد أقاموا به نحو خمسة وعشرين يوما بمعاونة الحميضات، ثم رحلوا منه إلى جهة اليمن، وأمر فى النصف الثانى من رجب بقطع نخيل الفائجة والبريقة بخيف بنى شديد، وكلاهما لبعض الأشراف. وكانوا قد اجتمعوا بدريب بن أحمد بن عيسى صاحب حلى، وخوّفهم من حسن فى مرورهم عليه إلى وادى مرّ. فذكروا له أنه لا قدرة له عليهم. ووقع كلامه فى قلوبهم؛ لأنهم لما قربوا من الموضع الذى حسن فيه مقيم، أرسلوا يطلبون الجيرة من بعض أصحابه فى حال مرورهم، وأوهموا رسولهم أنهم لا يمرون حتى يعود عليهم بالخبر، وقصدوا بذلك أن يتثّبط عنهم أصحاب حسن.
فلما كان الليل، مروا وأصحاب حسن لا يشعرون حتى انتهوا إلى الوادى. وتأثر لذلك حسن وأصحابه، وتحركوا للأخذ بثأر علىّ بن عجلان.
وكان محمد بن محمود ممن انتصب لذلك لحسن سياسته. فتكلم مع القواد فى ذلك فأجابوه لما طلب، لظنهم أنه لا يتم ذلك على عادة بنى حسن فى التثبط عن القتال بالجيرة فى كل يوم، فيمل الطالب للقتال ويصالح المطلوب، فجاء القدر بخلاف ذلك؛ لأن الفريقين لما التقيا، وبادر الأشراف إلى الحرب، لاستخفافهم بالقواد. وكانوا عرفوا بمكان القواد العمرة، فحملوا عليهم حملة منكرة، زالت بها القواد عن أماكنهم، وكادوا ينهزمون، فعطف الحميضات والسيد حسن، وكان فى القلب، ومن جمع لهذا الحرب، على الأشراف فانكسروا، وقتل من سراة الأشراف سبعة، ومن أتباعهم نحو ثلاثين، وما قتل من أصحاب حسن فيما قيل غير مملوك وعبد.
وكان معه ألف رجل ومائتا رجل من الترك والعبيد والمولدين، وأهل مكة والأعراب، وأجار على حلّة الأشراف من النهب فسلمت، وقصدوا جهة الهدة، وأقام بالجديد، حتى أتى الموسم.
واستفحل أمره بعد هذه الوقعة. وكانت بمكان يقال له الزّبارة، بوادى مر، قريبا من أبى عروة، فى الرابع والعشرين من شوال من السنة المذكورة. وقيل فى هذا التاريخ فى شهر رمضان، وما أتى إلى جدة فى هذه السنة من تجار اليمن غير قليل، ومضى أكثرهم إلى ينبع.
стр. 1204
وكان مقدمهم القاضى وجيه الدين عبد الرحمن بن القاضى نور الدين على بن يحيى ابن جميع؛ لأنهم أتوا إلى جدة أيام الحرب المذكور، فعدلوا عنها إلى ينبع.
ولما عادوا منها فى سنة تسع وتسعين وسبعمائة، تعرض لهم السيد حسن، لأخذ الجبا منهم، فراضوه فى ذلك بعد أن أسقط عنهم الثلث منه، وذبح بعض غلمانه رجلا يقال له محمد بن جمّاز، ويعرف بابن أبى داعس، من غلمان الأشراف، لتحسينه لابن جميع المرور على جدّة. والذى حمله على ذلك، أن نفسه لم تطب بأن يحصل لحسن نفع من التجار. وكان جماعة من التجار واصلين من اليمن لقصد ينبع. فلما سمعوا بذبح المذكور، وبإسقاط حسن لثلث الجبا عمّن تقدم، دخلوا إلى جدة، وعنى حسن بحفظ الواصلين إليه من اليمن فى توجههم إلى مكة، وفى عودهم منها إلى جدة، فعادوا حامدين له، ونال منهم نفعا جيدا تجمّل به حاله.
وما زال يزداد جمالا فى حاله، وهيبته تعظم فى القلوب؛ لأن صاحب مصر بعث إليه بخلعتين فى هذه السنة، وذهب، لشكره له على قتل أعدائه. ووصل ذلك إليه على طريق سواكن (١)، لخوف قصّاده من صاحب ينبع. وكان وصول ذلك إليه فى آخر جمادى الآخرة من سنة تسع وتسعين وسبعمائة.
وفيها قبل ذلك فى ربيع الآخر، غزا بعض بنى شعبة، فأخذ منهم ثلاثمائة بعير وغير ذلك.
وفيها أخرج الأشراف من جدة، وكانوا نزلوها فى شهر رجب بمعونة القواد والحميضات، لغضبهم على حسن، واستمالهم بالإحسان، حتى ساعده على إخراجهم من جدة وتبعهم إلى عسفان، فهربوا إلى خليص، فتبعهم فهربوا أيضا، فرجع عنهم وتوصلوا بغير حريم إلى الخيف، فأجارهم بعض القواد إلى انقضاء السنة، وسكنوا الخيف وما جسروا على فعل ما يخالف هواه، إلى ذى القعدة من السنة المذكورة، وفيها قصدوا نخلة، وتكلموا مع أهلها فى أن يمكنوهم من إنزال أهلهم بنخلة.
وكان الذى حركهم على ذلك الطمع فى التجار الواصلين إلى جدة فى هذه السنة. وكان الواصل منهم كثيرا فى هذه السنة. وبلغ الشريف خبرهم، فأشار إلى هذيل بأن لا يجيبوا الأشراف لقصدهم، وأحسن لهذيل بشيء من المال، والتزم للأشراف بخمسين ألف
стр. 1205
درهم، على أن لا يخالف عليهم ولا يخالفون عليه، إلى انقضاء السنة، وانقضاء شهر المحرم بعدها، وضمن عليه وعليهم جماعة من بنى حسن.
وقدم التجار إلى مكة، وسافروا منها فى المحرم من سنة ثمانمائة فى قافلتين، كل قافلة أزيد من ألف جمل. وصحبهم السيد حسن فى مسيرهم إلى جدة، وحاطهم بالحراسة حتى ركبوا إلى بلادهم، وأعطى الأشراف ما التزم لهم به، وصالحهم فى ربيع الأول فيما أحسب، من سنة ثمانمائة إلى انقضاء سنة ثمانمائة، والتزم لهم على ذلك تسعين ألف درهم.
فلما كان قبل يوم التروية بليلة أو ليلتين، توجه حسن بأمراء الحاج كلهم، وجماعة من الترك والمغاربة، إلى وادى مرّ، لقصد الأشراف بسبب سوء بلغه عنهم، فيما قيل، فانهزموا إلى الهدة، وما ظفروا إلا بأحمد بن فيّاض بن أبى سويد، فقتل. وعادوا إلى مكة.
وفى آخر سنة ثمانمائة قبيل الموسم، كحل بعض غلمان ذوى عمر، لتنجيله بعض الجلاب قبل بلوغها ساحل جدة. وحصل من ذلك رعب فى قلوب بنى حسن، وما جسر أحد على أن ينجل قبل جدة، إلا فى الوقت الذى أذن فيه حسن، وهو هلال ذى الحجة، وما قرب منه بأيام يسيرة.
وفى هذه السنة، حج من اليمن فى البر ناس كثير، مع محمل أنفذه الملك الأشرف صاحب اليمن، وعليهم أمير من جهته، وعضدهم محمد بن عجلان أخو حسن. وكان قدم اليمن فى هذه السنة، وناله برّ طائل من الأشراف، وأصاب الحجاج هؤلاء فى إقبالهم إلى مكة بالقرب منها، عطش عظيم هلك فيه فيما قيل ألف نفس، وتوجه المحمل ومن معه، وفى خدمته السيد محمد لليمن، فى ثانى عشرى ذى الحجة من السنة المذكورة. وكان قد انقطع المحمل من اليمن من سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة.
وفى سنة إحدى وثمانمائة، تغير القواد الحميضات عليه، لطمعهم فيما حصله من الخيل والدروع، وما ظفروا منه بقصد؛ لأنه لما ظهر له ذلك منهم، وصل إليه فى جمادى الآخرة من السنة المذكورة ثلاثة نجابة. وأخبروا أن الأمير بيسق أمير الحاج فى سنة تسع وتسعين وسبعمائة، وصل إلى مكة فى جماعة من الترك، وأنه يتوجه فى سنة إحدى وثمانمائة. ووصل إليه مع النجّابة المخبرين بذلك، خلعتان من قبل السلطان، فلبسهما وقرئ كتاب السلطان بالمسجد الحرام، فتخوف الحميضات منه، ومن الترك الواصلين
стр. 1206
إلى مكة. وسافروا إلى الشرق قبل وصول الخبر بدنوّ الترك من مكة بيوم. وذلك فى أول العشر الأخير من شعبان.
وفى ثالث عشرى شعبان، وصل الأمير بيسق ومعه خمسون فرسا ومائة مملوك وغيرهم من الفقهاء وغيرهم لقصد العمرة والحج. وكان شميلة بن محمد بن حازم، أحد أعيان الأشراف، لاقى الأمير بالطريق. فخلع عليه وأعطاه دراهم، وحمل دقيق وحلوى، وأمره أن يأتيه بأصحابه، ليصلح بينهم وبين السيد حسن، فأجابه إلى ذلك، وبعد مفارقته له، قصد الأمير حلة الأشراف، وكانوا قريبا منه بأم الدّمن، فما وجد لهم أثرا، لفرارهم قبل وصول إلى حلّتهم.
وكان السيد حسن، قد لقى الأمير بقاع بن غزى، ووصل إلى مكة بعد وصوله، وخلع عليه وعلى محمد بن محمود، وعلى بن كبيش، ومكن حسن أهل مكة من لبس السلاح. وكان الأمير قد منعهم من ذلك. ونقص سعر الذهب عما قرره الأمير فى قيمته، لشكوى الناس إليه ذلك. وكان منع من الدعاء لصاحب اليمن بعد المغرب على زمزم، فنهاه السيد حسن عن ذلك، ومكن من الدعاء لصاحب اليمن على العادة.
وفى شهر رمضان من هذه السنة، غزا حسن عربا يقال لهم البقوم، فغنم منهم مائتى ناقة وبقرا وغنما. وعاد بذلك، وكان البقر والغنم قد وكل بحفظه إلى بعض غلمان ممن ليس فيه كبير قوة، فاستنقذ ذلك منهم المنهوبون، وقتلوا من غلمانه جار الله بن أبى سليمان، وتركيّا، وفاتتهم الإبل.
وفى أول شوال منها، توجه إلى وادى الطائف؛ لأن الحمدة أهل الجبل حشموه فى جيرته أهل الطائف، وهو مكان مخصوص من وادى الطائف، فاسترضاه الحمدة بثمانين ألف درهم، وخلى عن جرمهم، ونال مثل ذلك من بنى موسى أهل ليّة (٢)، وهو مكان مشهور بقرب وادى الطائف، واستدعى آل بنى النمر للحضور إليه فتوقفوا. فبذل له الحمدة أربعين ألفا على أن يسير معهم إلى آل بنى النمر، فسار معهم، وهدم حصن آل بنى النمر، وحصل فيه نهب كثير، وقتل بعضهم، وقتل من جماعته مملو كان، وعاد إلى مكة فى سادس شوال، ومعه أزيد من عشرين فرسا، فأهدى منها للأمير أربعا، ثم راح إلى الوادى.
وفى ليلة ثانى عشر شوال، استدعى إليه من فى خدمة الأمير من الترك، ومن بمكة
стр. 1207
من غلمانه من العبيد والمولّدين، فذهبوا إليه إلى الوادى، ومضوا معه إلى الخيف، فقطعوا فيه ثمر نخيل ذوى راجح، وقطعوا بالبرقة نخيلا لبنى أبى سويد، وقطعوا فى الروضة الخضراء، نخيلا للأشراف؛ لأنهم دخلوا على الحميضات بعد عودهم من الشرق. وحصل بينهم حميل، فأدّبهم السيد حسن بذلك ومضى الأشراف إلى ساية (٣).
فلما توجه الحاج من مكة فى سنة إحدى وثمانمائة، بلغ الشريف حسنا أن القوّاد وغيرهم، طمعوا فى أهل اليمن، فخرج فى صحبتهم إلى جدة، ومعه الأمير بيسق فى آخر ذى الحجة. وعاد إلى مكة بعد سفر اليمنة من جدة سالمين.
وفى أول شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة، توجه إلى الشرق، وأخذ من الطائف وليّة القطعة التى قررها عليهم، وعاد إلى مكة فى الخامس من ربيع الآخر، وفيها اصطلح هو والأشراف آل أبى نمىّ مدة سنة، وصاروا يدخلون مكة برفقة وبغير رفقة. وأظن ذلك اتفق بعد عوده من الشرق. والله أعلم.
وفى آخر جمادى الأولى منها، وصل إليه خلعة من صاحب مصر، فلبسها.
وفى هذه السنة حصل له من التجار الواصلين من اليمن، نفع أزيد من العادة بكثير، لكثرة من وصل منهم فى هذه السنة. وكانت مراكبهم تزيد على العشرة غير الجلاب، ووصلوا جدة فى آخر رمضان، ومكة فى شوال.
وفى سنة ثلاث وثمانمائة فى ثانى صفر، توجه إلى المدينة النبوية زائرا لجده المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، على طريق الماشى، فى مائتى راحلة ومائة جمل وستين فرسا وثلاثمائة رجل، وعاد إلى مكة فى عاشر ربيع الأول.
وفيها ندب إلى مصر القائد سعد الدين جبروه، بهدية ولشراء مماليك ترك وغير ذلك من مصالحه، فوصل إليه فى الموسم من هذه السنة بجماعة من الترك.
وفيها فى ثانى شعبان توجه إلى الشرق، وأخذ من أهل الطائف وليّة القطعة التى قررها عليهم.
وفيها وقف رباطه الذى أنشأ عمارته، وهو بالقرب من مدرسته، وما عرفت هذه المنقبة لغيره من أمراء مكة الأشراف.
стр. 1208
وفى سنة أربع وثمانمائة فى صفر، توجّه إلى حلى؛ لأن كنانة استدعوه إليها عقيب فتنة، كانت بينهم وبين دريب بن أحمد بن عيسى صاحب حلى وجماعته.
وفيه قتل دريب فى يوم عرفة من سنة ثلاث وثمانمائة. وكان الأشراف آل أبى نمىّ فى خدمته، ومن انضم إليه من زبيد. وكان فى خدمته حين توجه إلى حلى القوّاد العمرة والحميضات. وما مرّ فى طريقه بأحد فيه قوة إلا وأمره بالمسير فى خدمته بالظّعن.
وكان قد سار إليها بذلك. ولما دنا من حلى، خضع له موسى بن أحمد بن عيسى أخو دريب. وكان قد قام مقام أخيه؛ لأنه كان شريكه فى حال حياته فى ولاية حلى، ولكن السمعة لدريب. فلاطف موسى حسنا، وأجاب إلى ما طلب حسن من الدروع والخيل والإبل وغير ذلك، وشرط على حسن أن لا ينزل الموضع المعروف بحلى، وأن يقصر دونه، فما تم له قصد؛ لأن حسنا نزل المكان المذكور، وأقام به أياما.
وشق ذلك على بعض من كان فى خدمتة من القواد العمرة والحميضات، لالتزامهم لموسى عن حسن أنه لا يدخل حلى.
وبلغنى أنه لما انتهى إلى حلى، عبّأ من معه فى عدة صفوف، وأن موسى أقبل إليه راجلا يشقّ الصفوف، وهى تفرج له، حتى انتهى إلى حسن وهو راكب. وعاد حسن بعد ذلك بأيام إلى مكة، فانتهى إلى موضع بالقرب منها يقال له الأطوى، فى شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، ثم دخل مكة بعد أيام من وصوله إلى الأطوى، وخلع عليه الأمير بيسق يوم دخوله إلى مكة، واحتفل بلقائه؛ لأنه لما توجه لحلى استنابه فى الحكم بمكة، ثم نقم عليه حسن بعض أوامره بمكة؛ لأن بيسقا منع من الدعاء لصاحب اليمن على زمزم بعد المغرب. فأمر السيد حسن بالدعاء له. فأرسل مرسومين من صاحب مصر، فى أحدهما أن لا يمنع الدعاء بمكة لسلطان اليمن. وفى الآخر، أن ليس لأحد من الأمراء الواصلين من مصر، فى أوساط السنة على صاحب مكة السيد حسن يد ولا حكم، بل يعضدونه ويقوّون كلمته ويعلون شأنه، وإن لم يسمع الأمير، وخالف وطلبكم القتال قاتلوه.
وقرئ هذان المرسومان خلف المقام بحضرة قاضى مكة عز الدين النويرى، وجماعة من أهل الحرم، فى سلخ جمادى الأولى أو مستهل جمادى الثانية. ولم يكن الأمير بيسق ـ إذ ذاك ـ بمكة؛ لأنه توجه من مكة بقصد مصر وقت العصر، من اليوم التاسع والعشرين من جمادى الأولى.
стр. 1209
وفى الليلة التى تلى هذا اليوم بعد المغرب، كان وصول أمر السيد حسن إلى مكة بالدعاء لصاحب اليمن مع قاصد من جهته، ومعه المرسومان، ثم تنافرا بعد ذلك؛ لأن الأمير بيسق، كان كتب شفاعات لنفسه، وذكر فيها أنه أزال من مكة المنكر. فأخذ ذلك منه السيد حسن، وأخذ منه قفل باب الكعبة ومفتاحه.
وكان الأمير بيسق لما أخذ ذلك، عمل قفلا ومفتاحا عوض ذلك، وركبه فى باب الكعبة، وقت العصر من اليوم الثانى والعشرين من جمادى الأولى، وأعيد القفل القديم إلى الكعبة، وكان أمر بسدّ الشبابيك التى بالجانب الغربى، فأذن حسن فى فتحها، وكان أمر بنقل السوق من المسعى إلى سوق اللّيل، فأمر حسن بإعادته إلى المسعى، وكان نقله إلى سوق الليل، فى أول ربيع الآخر، وعوده إلى المسعى فى عاشر جمادى الآخرة، واتفق أن عوده كان بحضوره؛ لأنه كان عاد إلى مكة فى ليلة رابع جمادى الآخرة، بعد أن بلغ كليّة (٤)، ثم سافر منها فى ليلة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة إلى مصر، وهو واجد على أهل مكة، وكانوا نقموا عليه إهانته لكثير منهم؛ لأنه رسم على القاضى الشافعى بمكة بغير موجب، وضرب بعض فقهاء الحرم وفرّاشيه وغيرهم من أهل مكة.
ومما حمد عليه أمره لبوّابى المسجد الحرم، بملازمة أبوابه وتنظيف الطرقات من الأوساخ والقمائم، ونقل الكدى التى كانت بسوق الليل والمعلاة، وأن لا يحمل السلاح بمكة، وإخراج بنات الخطا والمخنّثين وغيرهم من أهل الفساد من مكة.
وكان سبب إقامته بمكة، توليه لأمر عمارة المسجد الحرام؛ لأن فى آخر شوال سنة اثنتين وثمانمائة، احترق منه الجانب الغربى، وبعض الجانب الشمالى، فقدم المذكور إلى مكة فى موسم سنة ثلاث وثمانمائة، وأقام بها لأجل ذلك إلى التاريخ السابق. ووكّل بباقى العمارة جماعة من غلمانه. وقد أوضحنا فى كتابنا «شفاء الغرام» ومختصراته، خبر هذه العمارة وسببها أكثر من هذا.
وفى أول رجب من هذه السنة، وصل بعض الأشراف آل أبى نمىّ، وهم شميلة بن محمد بن حازم، وعلى بن سويد، وابن أخيه، إلى حسن، وسألوه فى الصلح، فأجابهم إلى ذلك مدة سنة، ولم يذكر لهم أن القواد العمرة يدخلون معه فى الصلح، ولما سمع بذلك القواد العمرة، شق ذلك عليهم. فذكر لهم أنه لم يدخلهم معه فى الصلح، وإنما
стр. 1210
صالحهم عن نفسه وجماعته، فرضوا منه بذلك، وغمّ بذلك الأشراف، فتجهزوا ورجعوا إلى أهلهم بحلى أو قربها.
وفيها فى أول شعبان، وصل إليه موسى صاحب حلى، فأعطاه ألف مثقال وعشرة أفراس، وأظنه جاء إليه مستنصرا به على كنانة؛ لأنهم فى جمادى الأولى، دخلوا حلى بالسيف ونهبوها، وهرب هو إلى آل أبى نمىّ إلى الطالعى.
وفيها فى صفر، حصل له خمسة وستون ألف مثقال وأزيد، فيما قيل، من القاضى شهاب الدين أحمد بن القاضى برهان الدين المحلّى، وجماعة من تجار الكارم؛ لأن المركب الذى كانوا فيه انصلح بقرب مكة، فأعطوه هذا المقدار، عوضا عن الربع الذى يأخذه ولاة البلاد، فيما ينصلح فى بلادهم من الجلاب.
ولما بلغ ذلك القاضى برهان الدين المحلّى اشتد غضبه عليه، وسعى فى إرسال شخص من خواص السلطان بمصر، يطالبه بذلك، فوصل إليه فى آخر رجب، وبلغ رسالته، فاعتذر بتفرّق ذلك من يده. ووعد بالخلاص وماطل فيه.
وفى ليلة رابع عشر شوال منها، وصل إليه نجّابه أحمد بن خليل الفراء، بخلعة وكتاب من صاحب مصر، فلبس الخلعة، وقرأ الكتاب بالمسجد الحرام، فى رابع عشر شوال. ومما فى الكتاب الوصية بالرعية، ولما دنا الموسم من السنة التى جرى فيها ذلك، تخوف حسن من لقائه الحاج المصرى، لكثرة من فيه من الترك، فإنهم كانوا نحو مائتى نفر فيما قيل. وكانت خيلهم قليلة، وما خرج إليهم إلا بجمع كثير جدا، فهالهم ذلك، وخلعوا عليه على العادة.
ودخل مكة وخدم الحاج. وكان المحّلى قد غلب على ظنه، أن حسنا لا يعيد إليه شيئا من ذلك. فسعى فى إحضار عنان بن مغامس بن رميثة إلى مصر، فحضر إليها من الإسكندرية. وكان معتقلا بها، ونوّه له المحلّى بولاية مكة، فاخترمت المنيّة عنانا قبل ذلك. ووصل نعيه إلى مكة فى آخر ربيع الآخر من سنة خمس وثمانمائة، وكانت وفاته فى أول الشهر الذى قبله.
وفى خامس عشر جمادى الآخرة سنة خمس وثمانمائة، وصل من مصر خلعة للسيد حسن مع نجّابه أحمد بن خليل، ولبسها يوم السبت سادس عشر الشهر المذكور بالمسجد الحرام.
وفى آخر الشهر، وصل خادم من جهة السلطان، يقال له بلبل العلائى، مشدّ الحوش، وخلع على السيد حسن خلعة، وكان مقيما بعرفة فى هذا التاريخ وقبله بمدة.
стр. 1211
وفى هذه السنة، أرضى المحلّى بعشرة آلاف مثقال، التزم له بها ووعد بخلاصها فى الموسم.
وفى هذه السنة أمر السيد حسن غلمانه بالاستيلاء على غلال أموال الأشراف آل أبى نمى.
وفى سنة ست وثمانمائة، قصده جماعة منهم لاستعطافه، وما شعر بهم إلا عند منزله. فعطف عليهم.
وفى سنة ست وثمانمائة، استخدم بجدة الفقيه جابر بن عبد الله الحراشى، وفوض إليه الأمر فى جميع ما يصل إليها من جهة الشام واليمن. فنهض بخدمته نهوضا لم ينهض بمثله أحد من خدّامه فيما مضى، وعمر الحراشى الموضع الذى يقال له الفرضة بجدة، ليحاكى به فرضة عدن، وقرر لبنى حسن الرسوم التى يتناولونها الآن، وجعلها لهم فى ثلاث حلات، وأبطل رسومهم السابقة. وكانت تؤخذ من التاجر مع الجبا. فلم تجعل لهم على التجار سبيل، فأراح التجار من مطالبتهم.
وفى سنة ست وثمانمائة فيما أظنه، بعث حسن رتبة إلى حلى، مقدمهم علىّ بن كبيش، فاستغفلهم بعض جماعة موسى صاحب حلى. وفتكوا فى أصحاب حسن بالقتل وغيره.
وفى سنة ست أو فى سنة سبع وثمانمائة، توجه الحراشى إلى حلى، وبنى فيها مكانا يتحصن فيه أصحاب حسن ومن انضم إليهم، وحفر حوله خندقا.
وفى سنة ست وثمانمائة، أتى الخبر إلى حسن بوفاة القاضى برهان الدين المحلى، فاستراح من طلبه.
وفى آخرها توفى ابنه القاضى شهاب الدين أحمد بن المحلى بمكة، فى آخر ذى القعدة، وبين وفاتيهما تسعة أشهر أو نحوها. فنال من تركة الولد أشياء طائلة. ووجد فى ديوان ابن المحلى، أن الذى صار للسيد حسن من زكائبه ألف وأربعمائة زكيبة.
وفى سنة سبع وثمانمائة، أتاه طالب بمال المحلى فماطل.
وفيها شفع إليه الملك الناصر أحمد بن إسماعيل صاحب اليمن، فى تركه التشويش على موسى صاحب حلى، فما أبعده، وحثه على الموافقة أديب العصر، القاضى شرف الدين إسماعيل بن المقرى اليمنى بقصيدة مدحه فيها أولها [من الكامل]:
стр. 1212
أحسنت فى تدبير ملكك يا حسن ... وأجدت فى تحليل أخلاط الفتن
ومنها:
موسى هزبر لا يطاق نزاله ... فى الحرب لكن أين موسى من حسن
هذاك فى يمن وما سلمت له ... بمن وذا فى الشام لم يدع اليمن
وفى أوائل سنة ثمان وثمانمائة، ورد عليه كتاب الملك الناصر صاحب مصر، يخبره فيه بهزيمته لأعدائه بالسعيدية، ورجوعه إلى كرسى مملكته بقلعة الجبل بمصر، والذى وصل إليه بذلك بعض جماعة الأمير إينال باى، المعروف بابن قشماس. وكان إليه تدبير المملكة بمصر، راجيا للبر من السيد حسن، فما خيب أمله، وأمر بقراءة ختمة وبالدعاء عقيبها للملك الناصر. وكتب بذلك محضرا، أنفذ مع حامل كتابه.
وفى ثانى ربيع الآخر، وصل إليه من صاحب مصر، خلعة مع خلعة القاضى جمال الدين بن ظهيرة بولاية قضاء مكة، فلبس كل منهما خلعته.
وفى آخر هذه السنة، ذهب إلى الشرق، ثم إلى ليّة، وحارب بعض أهلها، واستولى على بعض حصون من حاربه.
وفى هذه السنة، أمر بهدم بيتى حسب الله بن سليمان بن راشد، والخان المعروف به وغيره؛ لأن شخصا يقال له سلمان، شكا إليه من ابن راشد، وبعد أيام قتل سلمان غيلة، فاتهم بقتله بعض أصحاب ابن راشد، وما استطاع ابن راشد أن يتظاهر بمكة، حتى أذن له فى ذلك السيد حسن بعد سنتين، مع كونه صهرا لبعض أعيان القواد العمرة.
وفى سنة تسع وثمانمائة، تغير السيد حسن على الخراشى، لخبث لسانه وامتنانه عليه بالخدمة. فقبض عليه فى رمضان، وبعثه إلى مكة وسجنه بها إلى الموسم، ثم أطلقه بشفاعة الإمام صاحب صنعاء باليمن، وكان قد استقصى أمواله، فمنّ عليه بشيء منها عند إطلاقه.
وفى سنة تسع وثمانمائة، سأله التجار الذين بمراكب الكارم، أن ينجلوا بجدّة لخراب مراكبهم، فأجاب سؤالهم، ووافقوه على تسليم ما شرطه عليهم، وقيل إن الذى حصل له من التجار ومن الحراشى، نحو أربعين ألف مثقال.
وفى سنة تسع وثمانمائة أيضا، سعى لابنه السيد بركات فى أن يكون شريكه فى إمرة
стр. 1213
مكة، فأجيب سؤاله. ووصل لابنه تقليد مؤرخ بشعبان سنة تسع وثمانمائة. وأكبر ظنى أنه فى النصف الثانى من شعبان سنة عشر وثمانمائة. وذهب إلى الشرق فى زمن الصيف، ثم عاد إلى مكة.
وفى هذه السنة، قدم المدينة زائرا من الشرق فى جمع كثير، فخاف منه أهل المدينة. وتزوج ببعض أقارب أميرها جمّاز بن هبة.
وفيها أيضا حمل إلى القاضى الشافعى بمكة جمال الدين بن ظهيرة ثلاثين ألف درهم، عوضا عن مال كان أخذه ليقيم تحت حجر الحكم العزيز بمكة. واستحسن الناس منه تخليص ذمته.
وفيها وقف دارين بمكة صارتا إليه بالشراء، من ورثة العماد عيسى بن الهليس.
وفيها تشوّش لانقطاع أخبار مصر عنه. فبعث القاضى أبا البركات بن أبى السعود ابن ظهيرة يتعرف له الخبر، ويسد ما لعله يجد من خلل. ووكله فيما له من الرسم بمصر، وأمره أن لا يظهر وكالته عنه، إن كان وكيله القاضى نور الدين بن الجلال الطّنبدىّ غير متوار؛ فخالف ما أمره به فى أمر الوكالة، وما وجد عليه خللا؛ لأن صاحب مصر كان بعث إليه تشريفا وكتابا يتضمن دوام ولايته مع أمير من جهته، ووصل ذلك إليه فى رمضان من هذه السنة، قبل وصول قاصده المذكور إلى مصر.
وفى رمضان من هذه السنة. وصل إليه الشريفان: وبير ومقبل ابنا مخبار أميرا ينبع، مواليين له، فأقبل عليهما. وكان بينه وبينهما وحشة، فزالت. وحلفا له وحلف لهما على التناصر. وأحسن إليهما بمال جيد.
وفى رمضان من هذه السنة، وقف عدة وجاب بالهنية والعقيق، والفتيح، والريان، بعضها على رباطه، وبعضها على رباط ربيع، وبعضها على رباط الموفق، وبعضها على رباط العز، ورباط العباس، وبعضها على الأشراف من أقاربه.
وفيها وصل إليه هدية طائلة من صاحب بنجالة، السلطان غياث الدين أعظم شاه، ووزيره خان جهان على يد الناخوذا محمود، ووصلت معه صدقة من السلطان المذكور لأهل الحرمين، وخلع لقضاة الحرم وأئمته وغيرهم من أهله.
وفيها وصل إليه هدية من صاحب كنبايه، وكتاب يخبره فيه، بأنه أنهى إلينا أن الناس فى يوم الجمعة، لا يجدون ما يستظلون به عند سماع الخطبة بالمسجد الحرام، وأن بعض
стр. 1214
الناس، وسمى جماعة، منهم الشيخ موسى ـ يعنى المناوىّ ـ استحسنوا أن يكون هناك ما يستظل به الناس، وإنا أرسلنا بخيام يستظل فيها الناس، فأمر بنصب الخيام، فنصبت حول المطاف مدة قليلة، ثم صارت إليه. وكان فى نصبها ضرر لما يحصل للناس من العثار فى حبالها. وكان نصبها بعد سفر الحاج المصرى من مكة.
وفى هذه السنة أيضا، مكن المصريين من القبض على أمير الحاج الشامى، بسؤالهم له فى ذلك. وصورة ما فعل، أنه أتى إلى أمير الشامى، فى جماعة من أصحابه. وهو عند مقام الخليل لصلاة الطواف، فى نفر قليل جدا. فقال له: تذهب تسلّم على أمير الحاج المصرى. فقال له: فى غير هذا الوقت، فما مكّنه حسن من ذلك، ومضى به إلى أمير الحج المصرى، فقّيد.
وفى سنة إحدى عشرة وثمانمائة فى المحرم. ندب القائد سعد الدين جبروه إلى مصر بهدية طائلة، ليسعى له فى أن يكون ولده السيد أحمد شريكا لأخيه بركات فى إمرة مكة. فأجيب إلى ذلك. وولى حسن نيابة السلطنة بالأقطار الحجازية، وذلك فى العشر الوسط من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. ووصل إليه رسوله بغتة فى النصف الثانى من ربيع الثانى من السنة المذكورة، ووصل معه خلعة للمذكور، وخلعتان لولديه، وكتاب من السلطان يشهد بولايتهم لما ذكر.
وفى آخر ربيع الآخر منها: ولى إمرة المدينة لعجلان بن نعير بن جمّاز بن منصور، عوض أخيه ثابت بن نعير. وكان قد عاد لإمرة المدينة. وعزل عنها جماز، وما وصلت ولايته إلا بعد موته، وبعث حسن إلى جماز يعلمه بعزله، وينهاه عن التعرض لما فى حاصل الحرم، فكان ذلك سبب إغرائه؛ لأنه نهب ما فى حاصل الحرم. وخرج من المدينة قبل أن يصل إليها عجلان، وكان حسن أمره بالمضى إليها، فمضى على طريق الشرق، ليضم إليه جماعته، ويسير بهم إلى المدينة، وبعث حسن ابنه أحمد فى جماعة من بنى حسن إلى المدينة على طريق الجادة، فوصلوها بعد خروج جماز منه.
ولما دخل عجلان إلى المدينة، صار الخطيب بها يدعو للسيد حسن على المنبر فى الخطبة قبل عجلان وبعد السلطان. واستمر له الدعاء فى الخطبة وبعد المغرب على سدّة المؤذنين، إلى أن زالت ولاية عجلان، فى وقت وصول الحاج الشامى للمدينة، فى النصف الثانى من ذى القعدة فى سنة اثنتى عشرة وثمانمائة.
وفى سنة إحدى عشرة وثمانمائة، نزل السيد حسن بعرفة مدة، ثم مضى إلى جهة اليمن، حتى بلغ مكانا يقال له البديح.
стр. 1215
وفى آخر هذه السنة، أخذ من العفيف عبد الله بن أحمد الهبّى خمسة آلاف مثقال على ما قيل، عوضا عن بيت شعر بعثه لصاحب اليمن، لما طلب ذلك منه صاحب اليمن. وما كان عوّضه عن ذلك؟ .
وفى سنة إحدى عشرة، عمّر دورا عدة فى المكان المعروف بدار عيسى، وكان المتولى لأمر عمارتها الحراشى، وكانت قبل عمارتها براحا متسعا مملوءا بالأوساخ، حتى صار كالمزبلة.
وفى سنة اثنتى عشرة وثمانمائة، وصل الخبر إلى مكة، بأن صاحب اليمن أمر بحبس الجلاب عن مكة غضبا على حسن، بسبب ما أخذه من سفيره العفيف عبد الله الهبّى. فشق ذلك على السيد حسن، فأغراه الحراشى بغزو اليمن، وقال له: أنا أقوم بجهازك، وأجمع لك الرجال من اليمن. فتحرك لذلك، ثم أشير عليه بالملاطفة، فمال إليها، وبعث الشبيكىّ إلى اليمن رسولا يعتذر، ويلتزم عنه بما يطيب الخاطر، وهدية للترك، فقبل ذلك السلطان، وأذن للناس فى السفر فقدموا. ولكن دون العادة.
وفى هذه السنة، وصل إليه خلعة من صاحب مصر، فلبسها فى شعبان.
وفيها تغير صاحب مصر على السيد حسن، فرسم بالقبض عليه وعلى ابنيه، وعزلهم والاحتفاظ بهم، وأسرّ ذلك إلى أمير الحاج المصرى الأمير بيسق، فاستعد لحرب المذكور، وحصل مدافعا وسلاحا كثيرا، ثم سعى عند السلطان فى تقرير المذكورين فى ولايتهم، على أن يخدمه السيد حسن بما يليق بمقامه. فأجاب إلى ذلك، وبعث إليهم بالعهد والخلع مع خادمه الخاص فيروز السّاقى.
وكتب إلى أمير الحاج المذكور بالكف عن محاربتهم، وكان قد أعلن بينبع أنه يريد حرب حسن، وكان حسن قد استعد لحربه لما بلغه الخبر فى عاشر ذى القعدة، وما انقضى شهر ذى القعدة إلا وعنده ـ فيما بلغنى ـ نحو ستمائة فرس وأربعة آلاف من الأعراب، غير بنى حسن والمولدين والعبيد. وبينما الناس فى كرب لهذا الحال، أتاهم من اللطف ما لم يخطر لهم ببال، وذلك أنه وصل من أخبر بوصول فيروز، وما معه من العهد والخلع للمذكورين.
وما كان غير قليل، حتى وصل فيروز فألبس المذكورين الخلع السلطانية، وقرئ عهدهم بالولاية، وسعى عند السيد حسن لأمير الحاج فى دخول مكة والإغضاء عنه، فأجاب سؤاله على أن يسلم أمير الحاج ما معه من السلاح، فأجاب إلى ذلك أمير الحاج، على أن يعاد إليه سلاحه عند سفره.
стр. 1216
فأمضى له شرطه ودخل مكة، واجتمع بالسيد حسن بمنزله بأجياد فأحسن ملاقاته، ولم يجتمعا بعد ذلك، وسلم إليه سلاحه عند سفره من منى.
وما حج السيد حسن ولا غالب عسكره فى هذه السنة، وحج قليل من أهل مكة خائفين، وذهب للناس أموال كثيرة وجرحوا، ولولا كف السيد حسن أصحابه عن إذاية الحجيج لكثر عليهم العويل والضجيج.
وتأخر فيروز عن الحجاج بمكة، لقبض ما التزم به السيد حسن من الخدمة. وذلك ألف زكيبة للسلطان غير ما لفيروز، ومضى بعد أيام إلى جدة، فشحنت الزكائب بحضوره، ووصلت سالمة إلى الطور، ثم إلى مصر. ويقال إنها بيعت فيها بخمسين ألف مثقال.
وفى سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، ودى السيد حسن الإمام أبا الخير بن الشيخ أبى اليمن الطبرى من عنده، وسلم الدية دراهم إلى ورثته وإخوته؛ لأن بعض مماليكه ـ فيما قيل ـ طعن أبا الخير ليلا، وهو لا يشعر به لظنه حراميّا، فمات لوقته.
وكان قتله فى صفر، وتسليم ديته فى ربيع الأول فى سنة ثلاث عشرة.
وفيها فى ربيع الآخر، وصل إليه تشريف من صاحب مصر، فلبسه فى العشرين من الشهر المذكور.
وكان جهز إليه مع نجّابه أحمد بن خليل، فقتل فى الطريق. ووصل إليه ذلك مع بعض رفقته.
وفيها وصل له من صاحب بنجالة السلطان غياث الدين هدية طائلة، ومن وزيره خان جهان. ووصل إليه كتاب السلطان بأن يعين رسوله ياقوت الغياثى فيما ندبه له من عمارة مدرسة بمكة، وشراء وقف لها. فباع منه دارين متلاصقتين مجاورتين للمسجد الحرام، صارتا مدرسة للسلطان غياث الدين بعد هدمهما وأنشأ عمارتهما. وباع منه أيضا أصيلتين بالرّكانى وأربع وجاب من عين الرّكانى، ليكون ذلك وقفا على المدرسة، وما رضى فى ذلك إلا باثنى عشر ألف مثقال. فسلم إليه شاشات عوضا عن ذلك؛ لأنه لم يعذره. وأخذ منه أيضا شيئا كان معه لعمارة عين عرفة، على أن يتولى هو ذلك.
وكان السلطان المذكور قد ندب حاجى إقبال مولى خان جهان بصدقة لأهل المدينة، وهدية لأميرها جمّاز. فإنه لم يكن سمع بعزله ولا موته، وكان موته بإثر نهبه للمدينة
стр. 1217
مقتولا، وأمر بعمارة مدرسة له بالمدينة، وشراء وقف لها بالمدينة، فاتفق أن المركب الذى فيه ما بعث به السلطان لأجل ذلك، انصلح فى بعض مراسى الشّقان، فأخذ السيد حسن ربعه مع ما كان لجماز. ويقال إن الذى أخذه من إقبال وياقوت يساوى ثلاثين ألف مثقال.
وكان مع ياقوت صدقة لأهل مكة، ففرقها عليهم وانتفع بها الناس. وكان معه خلع لقضاة الحرم وأئمته وشيخ الحجبة وزمزم، فأوصلها إليهم.
وفى آخر هذه السنة بعد الحج، قبض السيد حسن ما كان للقاضى وجيه الدين عبد الرحمن بن جميع مع سفرائه من الأموال، واستقصى فى ذلك. ويقال إن بعض غلمانه من المولدين هموا فيه بسوء، لكونه لم يسمح لهم ولا لغيرهم بشيء من ذلك، فما تمكنوا منه لتيقظه لهم، فإن خبرهم بلغه من بعض من كان حالفهم عليه من القوّاد، وأحسن لمن أعلمه بذلك ولغيره من القواد، وأعرض عن المولدين ونفر منهم، فبانوا عنه ولا يموا القواد مدة أشهر، وما كل المولدين بان عنه. وإنما بان منهم المسئ فى حقه، وبعث إلى صاحب اليمن يخبره بما أخذ، ويذكر له أن سببه ما وقع من ابن جميع من استيلائه على ما كان بيد سفير شكر مولاه، من المال لشكر.
وكان ابن جميع قد تعرض لسفير شكر، لما بلغه ما أخذ بمكة من خاله العفيف عبد الله الهبّى، وبعث مع كتابه بكتاب وصل إليه من مصر، من صاحبها الناصر، يتضمن ذمّ ابن جميع.
وأمر صاحب اليمن بالقبض عليه، وتخليص حقوق الناس منه، وإرساله إلى مصر معتقلا. فشق ذلك على صاحب اليمن، وأعرض عن الكتابه إلى صاحب مكة، ثم تلطف به، فكتب له كتابا، أوله بعد البسملة والصلاة على النبى ﷺ : (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ) [الصف: ٢]، نحن لا نقول ما نفعل إلا حسنا، ولا نرى الأرض وأهلها إلا ودائع معنا، ولا نريد المال إلا للصنائع وحسن الثناء، ولا ندين إلا بالوفاء لمن عاقدنا، وبالجفاء لمن خادعنا. وشر الكلام كلام ينقض يومه غده، وشر المواعيد موعد من لا يصدق لسانه يده. وقفنا على كتاب المجلس السامى ـ وذكر له ألقابا ـ ثم قال: فوجدنا فيه ألفاظا تدعى بالمودة، وهى مستوحشة من دعواها، مستخيبة ممن سمعها أو رآها، وما بالمجلس حاجة إلى أن يقول بلسانه ما ليس فى قلبه، ويضمر أمرا ويودع غيره فى كتبه، قارئا [من الكامل]:
стр. 1218
فارغب بنفسك أن ترى ... إلا عدوّا أو صديقا
أما الشكوى من عبد الرحمن، فقد عرفت ممن كان الابتدا، ومن كأفاك فما اعتدى.
ومع ذلك فقد حصلت عقود وحساب، وحصل منا تفضل واحتساب، وأمرناه فعوض وانسد الباب. وأما المال فما لعبد الرحمن مال فيستلف، ولا حال فيستخفّ. وأما دفعه فى العام الماضى عن التاجر الذى أوذى ببلده وهو حاضر، فما كنا نستغرب منه حفظ الجار، ولا نظنه يستغربه، وإنا لنعجب ممن يمن حفظ جاره والمصون منصبه وأمر التمادى فى الذى هو بيننا يكفيك، فاستأخر به أو تقدم. انتهى.
وربما بعض ألفاظ هذا الكتاب، أمليت هنا بالمعنى، ولم يفت منه إلا ألفاظ يسيرة فى ألقاب المكتوب إليه.
ووصل إليه هذا الكتاب مع القاضى شرف الدين إسماعيل بن المقرى، وهو فى جهة اليمن فى آخر رمضان، أو فى شوال من سنة أربع عشرة وثمانمائة.
ووصل إليه قبيل هذا التاريخ من هذه السنة، وهو بهذه الجهة، كتاب من الناصر صاحب مصر وخلعة، وعرفه الرسول بذلك أن السلطان يعتب عليه تقصيره فى الخدمة. وكان هذا الرسول قد تعوق كثيرا فى الطريق، وتشوف حسن لمعرفة الأخبار، فأمر قبل وصول هذا الرسول إليه مولاه، مفتاح الزفتاوى بالسفر إلى مصر، يتعرف له الأخبار، وما قدر أنه سافر من مكة إلا بعد وصول الرسول المذكور إليها.
فلما وصل مصر، وجد الأطماع كثيرة فى مولاه، فحضر عند السلطان، وبلغ رسالته واعتذر عن مولاه فى تأخير الجواب.
وذكر أنه يقوم بواجب الخدمة. وعاد إلى مكة مع الحاج. وشاع أن السلطان أعد نجباء كثيرة ومزادات. فظن حسن أنه يريد الحج فما حج، وظهر أن تجهزه إلى الشام. ولما انقضى الحج من سنة أربع عشرة وثمانمائة، ندب السيد حسن سعد الدين جبروه إلى مصر، بهدية لصاحبها الناصر، فى مقابلة ما التزم له به، فوجده قد توجه للشام.
وفى سنة أربع عشرة وثمانمائة، تصدق السيد حسن بصدقة جيدة قيل إنها عشرة آلاف درهم، والصدقة من عادته. والذى حركه عليها فى هذا الوقت، أنه مرض مرضا شديدا، خيف عليه منه. فرأى فيما قيل، النبى ﷺ فى النوم، ومسح بيده الشريفة عليه، وأمره فشفى بإثر ذلك، وفعل ما ذكرنا من الصدقة.
стр. 1219
وفى العشرين من جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وثمانمائة، وصل للسيد حسن وابنيه خلع، وكتاب للسيد حسن من الخليفة المستعين بالله أمير المؤمنين أبى الفضل العباسى، بعد عوده إلى مصر من الشام، وقيامه فى مقام السلطنة، عوض الناصر فرج، لقتله فى صفر من هذه السنة.
وكان وصول الكتاب والخلع على يد سعد الدين جبروه، وكتاب أمير المؤمنين يتضمن إعلامه بقتل الناصر فرج بسيف الشّرع. وأنه فوض تدبير الأمور بالممالك للأمير شيخ، ولقبه بنظام الملك، وأنهم على ولاياتهم. وقرئ الكتاب بالمسجد الحرام، ولبس المذكورين الخلع، وذلك فى يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة. ودعى فى هذا المجلس للخليفة وللأمير شيخ، ودعى للخليفة على زمزم بعد المغرب وفى الخطبة. وكان الدعاء للخليفة بمكة مقطوعا من دهر طويل جدا. وبعد ذلك بقليل، وصل كتب الخليفة إلى السيد حسن يخبره فيه بالقبض على علىّ بن مبارك. وذلك فى شعبان، أعنى وصول كتابه.
وفى شوال من السنة المذكورة، وهى سنة خمس عشرة. وصل خلع للمذكورين من السلطان الملك المؤيد أبى النصر شيخ، بعد ما بويع بالسلطنة بالديار المصرية، فى مستهل شعبان من السنة المذكورة. ووصل منه كتاب يخبر فيه بذلك، وباستقرار المذكورين فى ولايتهم.
وفى سنة خمس عشرة أيضا، نفر الأشراف أولاد محمد بن عجلان، من عمهم السيد حسن؛ لأن أحمد بن محمد، ضرب مسعود الصبحى نائب عمه بجدة، لكثرة مطله له فى بقية حوالة عليه، وأمر بإخراجه من البلاد، والأمر أهون من ذلك. فغضب لأحمد أخوه رميثة، وأظهر التجهز للخروج، فما ترضاه عمه. فمضى على جهازه حتى كمل، وخرج وإخوته، غير واحد منهم، صوب القواد العمرة. فمكثوا عندهم أياما، وتكلموا مع عمهم فى تطييب خواطرهم فأعرض، فمضوا إلى ينبع، ثم إلى مصر. فما وجدوا بها كبير وجه، وحسن لهم القاضى نور الدين بن الجلال، الرجوع إلى عمهم، وأنه يرضيهم، فمالوا إلى ذلك، وتوجهوا مع الحاج حتى بلغوا ينبع. ولما سمع عمهم بوصولهم، منع من دخولهم مكة، فأقاموا بينبع إلى أثناء السنة الآتية.
وفى أثناء سنة خمس عشرة، أجاب السيد حسن إلى أن يعوض صاحب اليمن عما أخذه لابن جميع، بثلاثين ألف مثقال، تؤدى إليه فى كل سنة عشرة آلاف؛ لأن ابن
стр. 1220
جميع أظهر أن الذى أخذه له حسن بمكة، لا يساوى إلا هذا المقدار، لئلا يكثر فيه طمع مخدومه، وقال سرّا: إن ذلك يساوى ثمانين ألف مثقال. حكى لى ذلك عنه الجمال المصرى بنخل زبيد. وكان ممن سعى فى ذلك عند السيد حسن، مولاه القائد زين الدين شكر؛ لأنه كان قدم إلى اليمن فى أثناء هذه السنة، بعد أن وصلته ذمة من صاحب اليمن.
فلما اجتمع بصاحب اليمن، سأله فى إطلاق الجلاب إلى مكة، فقال: لا يكون إلا بعد تسليم المال، فوافقه على القدر المذكور، فرضى به السلطان. وعاد شكر إلى مكة، فبلغها فى العشر الأخير من رمضان. فعرف مولاه الخبر، فما أمكنه إلا الموافقة، وسافر من مكة فى أوائل شوال، بعد أن حصّل عروضا من القماش والحرير يساوى ذلك، فلما بلغ كمران أقبلت الجلاب إلى مكة؛ لأن السلطان قال لهم: إذا وصل إليكم شكر، فاذهبوا إلى مكة، وكان لهم بكمران مدة على نية التنجيل بينبع، وكان المقدم على الجلاب، القاضى أمين الدين مفلح التركى الملكى الناصرى. فوصل إلى مكة فى أوائل العشر الوسط من ذى القعدة، ونجلت الجلاب بجدة، وتوجه بعد الحج إلى اليمن، بعد أن جمع أعيان الناس من أهل مكة والمجاورين بها، لقراءة ختمة شريفة بالمسجد الحرام ليلا، وأمر بإهداء ثوابها لمخدومه، والدعاء له. واحتفل بإحضار شمع كثير أوقد فى حالة القراءة، وإحضار بخور وطيب للحاضرين، وعمل فى صبيحة هذه الليلة سماطا عظيما، حضره الأعيان من الناس وغيرهم، وفعل فى مدة مقامه بمكة معروفا كثيرا.
وفى موسم هذه السنة، أقبل السيد حسن، على الحراشى. وكان قد نافر السيد حسن فى سنة اثنتى عشرة، ووشى به إلى الناصر صاحب مصر، مع من وشى به. وكان ممن أبلغ فى ذلك لكونه يعرف حاله لخدمته له.
فلما خاب سعيه فى حسن، لرجوع الناصر عما كان وافق عليه من عزله، أقام الحراشى بينبع، ولايم ولاتها، واكتسب مالا، وصار يغرى صاحب اليمن بحسن، فأشار حسن إلى إخراجه من ينبع فتوجه إلى مصر، فلقى بها سوءا، وأمر السلطان بإيصاله إلى حسن. ووصل مع الحاج إلى مكة والباشة فى عنقه.
فرآه حسن فى هذه الحالة وحيّاه، ونزل برباط الشّرابى عند الأمير. وكان يخرج ليلا للطواف مع بعض غلمان الأمير. فلما كانت ليلة يوم التروية، خرج كذلك وانفلت ممن هو موكل به، ومضى إلى مكى بن راجح. وكان موادّا له، فعرف به حسنا، فما راعاه
стр. 1221
ولا دل عليه. فلما انقضى الموسم، ظهر جابر وكثر تردده للسيد حسن، وحلف كل منهما للآخر على الوفاء بالصحبة. ففوض إليه السيد حسن أمر جدة، فحصل له ما أرضى به صاحب اليمن من التجار، من غير كثير ضرر يلحقهم فى ذلك، وما زال فى خدمته حتى شنق للتهامه بالميل مع رميثة بن محمد بن عجلان، فى ليلة النصف من ذى الحجة سنة ست عشرة وثمانمائة بباب المعلاة. وفى هذه الليلة شنق ابنه محمد بن جابر بباب الشّبيكة.
وفى سنة ست عشرة وثمانمائة، تقرب السيد حسن بتسبيل البيمارستان المستنصرى بالجانب الشامى من المسجد الحرام للضعفاء والمجانين، وتصرف غلّة القيساريّة المعروفة بدار الإمارة عند باب بنى شيبة، فى مصالح المشار إليهم وذلك لأنه كان استأجر المكانين المذكورين فى سنة خمس عشرة، مدة مائة سنة هلالية، من القاضى الشافعى بمكة، بأجرة معلومة، على أن يصرفها فى عمارة المكانين لخرابهما فعمرهما. وزاد فى البيمارستان فأكثر فيه النفع، ووقف ما زاده وما يستحقه من منفعة المكانين، فى باقى المدة المذكورة على الوجه السابق.
وثبت ذلك عند حاكم مالكى، وحكم به لموافقته رأى بعض متأخرى المالكية فى وقف المنافع، وبعضهم يمنع ذلك، وهو مقتضى مذهب الشافعى وأبى حنيفة وابن حنبل، ﵏.
وكان إثبات ذلك والحكم به، فى صفر من السنة المذكورة.
وفيها شرع فى عمارة رباط آخر بأجياد للفقراء، وكمل فى التى بعدها، وفيه بقية تحتاج للعمارة، فالله تعالى يتقبل منه ذلك.
وفى ليلة سادس جمادى الأولى من سنة ست عشرة وثمانمائة، وصل رميثة إلى حدّا من وادى مرّ، على غفلة من أهلها؛ لأن عمه رغب فى إخراجه من ينبع، وما وجد مذهبا غير هذا.
ولما بلغ عمه خبره، أمر بالمبادرة بإبعاده، وصمم على ذلك، وركب إلى جهته. فما وسع الذين نزل عليهم إلا إبعاده. فمضى إلى ينبع، والتحق به فيها بعض القوّاد العمرة. فعاد به إلى منزلهم بالعدّ، وأخبر السيد حسن بوصوله، فتوجه للعدّ بعسكره.
وكان رميثة قد توجه منه بعض القوّاد والشريفين: ميلب وشفيع ابنى علىّ بن مبارك. وما شعر الناس به إلا وقد هجم مكة من درب اليمن، فى ضحى يوم الخميس رابع
стр. 1222
عشرى جمادى الآخرة سنة ست عشرة وثمانمائة، وما قدر الذين بمكة من جماعة حسن على دفعهم، وانضم إليه منهم جماعة، وما أحدث بمكة سوءا ولا من معه، ثم خرجوا منها لتخوّفهم من قصد حسن لهم.
وكان من خبر حسن أنه أخبر بقصدهم لمكة، فشق ذلك عليه لتخيله أنهم ينهبونها، ويتقوون بذلك ويتحصنون فيها.
فلما انتهى إلى الزاهر، أتاه بعض أصحابه من مكة، فأخبره بخروجهم منها وعدم إفسادهم، وقصدهم إلى الأبطح. فنزل على الأبطح من ثنيّة المقبرة، ورأى سوابق عسكره رميثة ومن معه، فاتبعوهم وتلاهم الباقون.
ثم إن السيد حسن سئل فى الرجوع عنهم رحمة لهم، فرحمهم وعاد إلى مكة، ثم بلغه أنهم مقيمون بنخلة، فتوجه إليهم حتى انتهى إلى نخلة، ففارقوها وقصدوا الطائف، فبعث بعض خواص حسن إلى أهل الطائف، بالإعراض عن المذكورين، فأعرض عنهم ناس، وأكرمهم ناس، بما ليس فيه كبير جدوى. فقصدوا نعمان ليتوصلوا منه إلى اليمن، فسلكوا طريق النقب حتى بلغوه. وانتهوا إلى عرب باليمن، فحاربوهم وكسبوا منهم ما تجمل به حالهم، وبدا من رميثة فى هذا اليوم، ما يدل على كثرة شجاعته، وأقاموا باليمن مدة، ثم عادوا فقصدوا جدة، وخفى مسيرهم إليها على السيد حسن.
ولما وصلوا جدة نهبوها وأخربوا بيت الصبحى. وذلك فى العشر الوسط من رمضان سنة ست عشرة، وبلغ خبرهم السيد حسنا، فبادر إليهم ولقوه بقرب جدة متأهبين للقائه، فمنعه من محاربتهم القواد، فلم يمكنه المخالفة، وطيبوا نفسه بإخراج رميثة ومن معه من جدة ومكنوه منها، ثم قطعوا بين الفريقين حسبا، وسعوا فى الصلح بين الفريقين.
فلم يتفق ذلك؛ لأن حسنا لم يوافق على دخول من التف على رميثة من العبيد والمولدين فى الصلح، وأبى رميثة إلا دخولهم، وعرف كل من حسن ورميثة، أن القواد لا تمكن أحدا منهما من الآخر، فتسالموا من القتال حتى انقضى الحج من هذه السنة.
وبعد الحج توجه السيد حسن إلى العد بعسكره، ومعه مقبل بن مخبار وجماعة من أصحابه. وكانوا قدموا فى هذه السنة للحج ولنصر حسن، وعرف رميثة وأصحابه أنه لا قدرة لهم على المذكورين، وأن من يتخيلون منه النصر من ذوى عمر، الملايمين لحسن، لا يمكنهم النصر فى هذا الوقت. فقصد رميثة والأقوياء من أصحابه إلى جهة اليمن فى
стр. 1223
البر، وركب الضعفاء منهم البحر، واجتمعوا بحلى، وكان السيد حسن بعد دخول رميثة إلى مكة، أمر بعمارة سور باب المعلاة، وباب الماجن، لتخلل البناء فيهما، وقصّر جدريهما، فعمّرا حتى كملا بالبناء، غير موضع فى سور باب المعلاة، فإنه متخلّل من البناء، ولكن الذى تحته مهواة، وارتفع جدرانهما.
وكان الحجاج من اليمن فى هذه السنة كثيرين، ومعهم متاجر كثيرة، ومقدمهم القاضى أمين الدين مفلح، فجباهم غلمان السيد وعنّفوا بهم. وكانوا يتوسلون فى التخفيف عنهم بالقاضى أمين الدين. فيتكلم لهم ولا يجدى كلامه فتأثر لذلك. ومضى على ذلك إلى اليمن، فلقى رميثة بحلى فأكرمه وأزال كثيرا من ضروراته، وكتب إلى مولاه الملك الناصر يخبره بخبره، وسأله فى كرامته، فسر الملك الناصر بقدوم رميثة، وأمر بتلقيه وإكرامه حتى انتهى إليه، فرأى من السلطان ما سره.
وكان قد تجدد فى نفس السلطان حنق على السيد حسن وشكر، لكونه لم تصل إليه العشرة الآلاف المثقال، المقررة له فى كل سنة عن مال ابن جميع، ولا قيمة ما بعث به من الطعام إلى مكة مع شكر.
وكان ما قرره لرميثة مدّ طعام فى كل يوم، وهو أربع غرائر مكية، وخمسون دينارا جددا، غير المقرر لهم من التمر فى أيام النخل، وهو قلّ أن ينفصل عن السلطان وقت الأكل، وطلع مع السلطان إلى تعزّ، ونزل معه إلى زبيد، وتوجه منها إلى مكة بعد أن أحسن له السلطان بذهب جيد، وإبل وطعام وكسوة. فوصل فى رمضان من سنة سبع عشرة إلى وادى الأبيار، ونزل بها على ذوى حميضة، وما سهل ذلك بعمه، وهمّ بمحاربتهم، ثم سعى الناس فى الصلح بينهم على مائتى ألف درهم يسلمها حسن لرميثة، ويكون لحسن جبا الجلاب الواصلة فى هذه السنة، وأن يكون الفريقان سلما إلى انقضاء العشر الأول من المحرم سنة ثمانى عشر وثمانمائة، فرضيا بذلك. وضمن على كلّ منهما جماعة أصحابه. فما حصل فى ذلك خلل منهما.
وكان السيد حسن بعد توجه ابن أخيه إلى اليمن، عاد إلى مكة بعد مقامه مدة بالعدّ وجدة، وتوجه إلى الشرق، وتلاه بنو حسن يرجون المنافع منه، فتعذر منهم، وراحوا بغير طائل. فشق عليه ذلك، وأخذ من أهل الطائف وليّة القطعة التى قررها عليهم، وعاد إلى مكة بعد أن أقام بالشرق مدة، وأتاه وهو بمكة كتاب السلطان المؤيد صاحب مصر، يخبره فيه بقتله لأعدائه، نوروز الحافظى ومن تبعه، وعوده إلى مصر منصورا.
стр. 1224
وفى الكتاب بيتان من نظم الأديب الكبير تقى الدين أبى بكر بن حجة الحموى. وهما [من الطويل]:
أيا ملكا بالله أضحى مؤيدا ... ومنتصبا فى ملكه نصب تمييز
كسرت بمسرى نيل مصر وتنقضى ... وحقّك بعد الكسر أيام نوروز
وفى هذين البيتين من الكياسة، والتورية بالنوروز الذى يكون بإثر كسر النيل ـ وهو يوم مشهور عند المصريين، لما يقع فيه من المجون ـ ونوروز الذى كان أميرا بالشام وقتله السلطان، ويقال له نوروز. وفيهما من الكياسة أيضا، صحة الاتفاق المقول، فإنه قد لا يتمّ الظّفر بنيروز فتّم.
وكان السيد حسن فى موسم سنة سبع عشرة، تخوف من أمير الحاج المصرى، وتوقف عن ملاقاة المحمل بنفسه. فما قنع منه أمير الحاج بغير حضوره بنفسه. فوافق على ذلك، لما أن لم يجد منه بدّا، بعد أن توثق من أمير الحاج، والتزم له مما يحسن من الخدمة وللسلطان، بثمن ما أخذه من الغلة التى بعثها السلطان للبيع، وخلع عليه الأمير وعلى ولديه لما خدموا على العادة، ثم حصل بينهما نفرة؛ لأن أمير الحج أدب بعض غلمان القواد العمرة، على حمله السلاح بمكة، لنهيه عن ذلك، وتشفع مواليه فى إطلاقه بالسيد حسن عند أمير الحاج، فأبى أن يطلقه، فهجم جماعة منهم المسجد الحرام، راكبين خيولهم لابسين سلاحهم، فقاتلهم الحاج حتى أخرجوهم من المسجد، وظن أمير الحاج أن الشريف حسن ينضم إليه، فقدر أنه انضم إلى المذكورين بالطّنبداوية، ولكنه منعهم من التعرض للحاج، ولولا ذلك لتم على الحاج بلاء عظيم، فسبحان المسلّم، وأدخل الأمير خيله إلى المسجد. فباتت به حتى الصباح، وسمّر أبوابه خلا باب بنى شيبة والدّريبة وباب المجاهدية.
وأوقدت فيه المشاعل ثم فتحت؛ لأن السيد حسن بعث ولده السيد أحمد، إلى أمير الحج مطمّنا له، فخلع عليه وأطلق مولى القواد، وأعرض السيد حسن عن الحج فى هذه السنة بغالب عسكره، وكذا القواد. فقام بحفظ الحاج من أهل مكة وغيرهم أمراء الحاج.
وأصاب بعض الحجاج نهب فى توجههم إلى عرفة، وغالب المنهوبين من أهل مكة واليمن، لتخلفهم بمكة إلى الظهر.
وكان الحجاج توجهوا منها بعد طلوع الشمس. ولما نفر الحاج من منّى وطافوا
стр. 1225
للوداع، لم يتمكنوا من الخروج من أسفل مكة، بإغلاق باب الشّبيكة دونهم، فخرجوا من باب المعلاة، وتأثر أعيان الحجاج لذلك، فكان كذلك من الأثر ما يأتى ذكره.
وفى ليلة رابع عشر المحرم سنة ثمانى عشرة وثمانمائة، قبض السيد حسن على القاضى كمال الدين موسى بن جميع، والخواجا بدر الدين المزلق، والشهاب أحمد العينى، وكيل الخواجا برهان الدين بن مبارك شاه، وضيق عليهم حتى أرضوه بما شرط من المال، فأخذ من ابن جميع ما يساوى سبعة آلاف مثقال، ومن ابن المزلق ما يساوى ثلاثة وثلاثين ألف افرنتيا، ومن العينى ما ظهر من مال موكله، ثم أطلقهم متعاقبين، ابن جميع أولا فى أول صفر، وابن المزلق فى آخره، وتلاه العينى.
وفى آخر المحرم أو صفر من السنة المذكورة، ورد إلى جدة القاضى مفلح بما فى صحبته من المراكب والطراريد والمؤلفات والجلاب فاستقوا من جدة بمعاونة رميثة. وأخذ منهم الزالة ومضوا إلى ينبع.
وكان حسن يرغب فى أن يعينه بنو حسن على منع المراكب من السّقية بجدة فما أعانوه، وعاد رميثة بعد سفر الجلاب من جدة إلى الجديد. وأقام به إلى شعبان من سنة ثمانى عشر.
وفى سادس عشر ربيع الأول منها، وصل إليه الخبر بولايته لإمرة مكة، عوض عمه وابنيه.
وكان عمه بمكة، فرغب فى أن يعينه بنو حسن على حرب رميثة قبل أن يصل إليه المدد من مصر، فما أعانوه، فمضى إلى الشرق، وترك ابنيه فى البلد، وشكرا مولاه، وجماعة من أصحابه، ثم إن القواد العمرة استدعوه من الشرق، وأطمعوه بنيل أربه من محاربة ابن أخيه ومن معه، ومضى إليه بعض كبارهم لإحضاره إليهم، فوصل إلى مكة فى سلخ جمادى الأولى، وهم بالمسير من فوره إلى الوادى؛ لأن ابن أخيه كان نازلا بالجديد من الوادى، فما طله الذين استدعوه، وآخر الأمر أنهم لم يوافقوه على المسير إلا بشيء جيد يأخذونه منه، فلم يسمح به، فعاد إلى الشرق ثانيا فى أول العشر الوسط من رجب من السنة المذكورة.
وأقام به مدة، وذهب من هناك إلى المدينة النبوية، فزار جده المصطفى ﷺ ، وعاد إلى مكة وتوجه إلى جدة، فأزال منها رميثة وأصحابه. وكانوا قد أقاموا بها بعد رحيلهم من الوادى، واندفع رميثة إلى جهة الشام.
стр. 1226
ووصل الحجاج بإثر ذلك، فلايم رميثة الحجاج، ووصل معهم مكة، لتقرير السلطان الملك المؤيد له على ولايته وهو بحلب.
وكان خرج إليها لقتال بعض أعدائه، فظفر بهم غير واحد أو اثنين، فأقام لتحصيل عدوه، وبعث مبشرا بالنصر إلى رميثة، فوصله فى شوال من السنة المذكورة وهو بجدة. واستمر الدعاء للسيد حسن وابنيه فى الخطبة وعلى زمزم، إلى استهلال ذى الحجة منها، لاستيلاء حسن على مكة إلى هذا التاريخ، ثم فارقها فى هذا التاريخ، وقصد الشّقان فأخذ منها زالة وتعرف ما فى الجلاب فجباه، وأمرهم بالتدبير أو المضى إلى ينبع. وكان بعضهم نفر منه لما سمع باستيلائه على الجلاب، ودبر إلى اليمن قبل أن يصل إليه.
فلما كان فى صفر سنة تسع عشرة وثمانمائة، وصلت المراكب الكارمية والجلاب الينبعيّة إلى الشّقان، فأخذ منها زالة له ولخواصه ثلاثة عشر ألف مثقال ومائتا مثقال، ومكنهم من السّقية من جدة ومضوا إلى ينبع.
وكان قبل وصولهم إلى جدة، قد نزل بالجديد من وادى مر، واستولى على غلال أموال أصحاب رميثة، وما قدروا على أخذها منه، وهو بالجديد ساكن إلى آخر جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وثمانمائة.
وفى شهر رجب منها، بعث ولده السيد بركات ومولاه القائد زين الدين شكرا، لاستعطاف مولانا السلطان الملك المؤيد نصره الله، فأنعم على السيد حسن بإمرة مكة. وكتب له بذلك عنه توقيع ومثال شريف، مؤرخ بثامن عشر رمضان سنة تسع عشرة، وجهز له مع ذلك خلعة شريفة، مع بعض الخاسكيّة المؤيدية والنجابة السلطانية وانتهوا إلى السيد حسن، وهو فى ناحية جدة، فى أوائل العشر الوسط من شوال، وبعث إلى القواد العمرة، وكانوا قد بانوا عنه فى شعبان، وانضموا إلى السيد رميثة بمكة، يأمرهم بالخروج من مكة، فتوقفوا فى ذلك، ولما تحقق أنهم ورميثة، ومن انضم إليهم، مجمعون على المقام بمكة، قصدهم وانتهى إلى وادى الزّاهر ظاهر مكة، فى بكرة يوم السبت ثانى عشرى شوال، فخيم بوادى الزاهر، ومعه الأشراف آل أبى نمى، وذوى علىّ، وذوى عبد الكريم، والأدارسة، وصاحب ينبع الشريف مقبل بن مخبار، فى عسكر جاء به معه من ينبع، غير من فى خدمته من عبيده ومن الترك.
وكان الترك مائة وعشرين فيما قيل، وأرسل إلى مشايخ القوّاد العمرة، فحضر إليه منهم ثلاثة نفر، فخوفهم من داهية الحرب، فسألوه أن يمهلهم هذا اليوم والذى يليه،
стр. 1227
ليلزموا أصحابهم بالخروج من مكة، فأتوا أصحابهم فعرفوهم الخبر. فصمم أكثرهم على عدم الخروج، فلم يسع الراغبون فى ذلك إلا الموافقة.
ولما تحقق ذلك للسيد حسن، رحل فى بكرة يوم الاثنين رابع عشرى شوال من الزاهر، وخيم بقرب العسيلة على الأبطح، وأتى بعض أصحابه إلى رءوس القواد المعروفين بالحميضات، وكانوا مع رميثة، فثبطهم عن القتال وخوفهم غائلته، فلم يصغوا لذلك.
فلما كان بكرة يوم الثلاثاء خامس عشرى شوال، ركب السيد حسن فى عسكره وكانوا فيما قيل ثلاثمائة فارس، وأزيد من نحو ألف راجل، وكان الذين بمكة على نحو الثلث من ذلك. ولما انتهى إلى المعابدة، بعث إلى الذين بمكة، يحذرهم عاقبة القتال، لرغبته فى الإبقاء على أكثرهم، فلم يقبلوا نصحه، ومثله ومثلهم فى ذلك كما قيل [من الطويل]:
بذلت لهم نصحى بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
وسار بمن معه حتى دنوا من باب المعلاة، فأزالوا من كان على باب المعلاة وقربه من أصحاب رميثة بالرمى بالنشاب والأحجار، وعمد بعضهم إلى باب المعلاة، فدهنه وأوقد تحته النار، فاحترق حتى سقط إلى الأرض، وقصد بعضهم طرف السور الذى يلى الجبل الشامى مما يلى المقبرة، فدخل منه جماعة من الترك وغيرهم، ورقوا موضعا مرتفعا من الجبل المشار إليه، ورموا منه بالنشّاب والأحجار من كان داخل الدرب من أصحاب رميثة. فتعبوا لذلك كثيرا، ونقب بعضهم مما يلى الجبل الذى هم فيه من السور نقبا متسعا، حتى اتصل بالأرض، فدخل منه جماعة من الفرسان من عسكر حسن، ولقيهم جماعة من أصحاب رميثة، وقاتلوهم حتى أخرجوهم من السور، وحصل فى الفريقين جراحات، وهى فى أصحاب رميثة أكثر، وقصد بعض أصحاب حسن، وهم عسكر صاحب ينبع، السور مما يلى بركة الصارم، فنقبوه نقبا متسعا، ولم يتمكنوا من الدخول منه، لأجل البركة، فإنها مهواة. فنقبوا موضعا آخر فوقه، ثم إن بعض الأعيان من أصحاب السيد حسن، أجار من القتال لرغبة بعض القواد فى ذلك على ما قيل. وكان السيد حسن كارها للقتال، ولو أراد الدخول إلى مكة بكل عسكره من الموضع الذى دخل منه بعض عسكره لقدر على ذلك، وأمضى الجيرة بترك القتال، وبإثر ذلك وصل إليه جماعة من القضاة والفقهاء والصالحين بمكة، ومعهم ربعات شريفة، وسألوه فى
стр. 1228
كف عسكره عن القتال فأجاب إلى ذلك، على أن يخرج من عانده من مكة. فمضى الفقهاء إليهم وأخبروهم بذلك، فتأخروا عنه إلى جوف مكة، بعد أن توثقوا ممن أجار فى كف القتال. فدخل السيد حسن من السور بجميع عسكره، وخيم حول بركتى المعلاة.
وأقام هناك حتى أصبح، فدخل مكة فى بكرة يوم الأربعاء سادس عشرى شوال، لابسا للخلعة الشريفة والعسكر فى خدمته، فطاف بالكعبة الشريفة سبعا، والمؤذن يدعو له على زمزم، وبعد فراغه من الطواف وركعتيه، أتى إلى جهة باب الصفا، فقرئ هناك توقيعه بإمرة مكة، وكتاب السلطان بذلك، فحضرت القضاة والأعيان وخلق لا يحصون كثرة، وركب بعد ذلك فدار البلد ونادى بالعدل والأمان، وكان قد أمن المعاندين له خمسة أيام، فتوجهوا إلى جهة اليمن، وبعث لابن أخيه رميثة بزوادة ومركوب فيما بلغنا.
وانتهى رميثة، ومن معه إلى قرب حلى، وأمر السيد حسن بعمل باب لباب المعلاة عوض الباب المحرّق، فعمل وعمر من هذا السور ما كان أخرب فى وقت الحرب، وبعث إلى القواد العمرة يستميلهم. فقدم عليه منهم جماعة أيام الحج، وسألوه فى مصافاتهم والإحسان إليهم، فأجابهم إلى ذلك بشرط أن يبينوا عن ابن أخيه ويلجئوه للسفر إلى اليمن. فإذا فارق حلى مسافرا لليمن قدموا عليه فأنالهم قصدهم، فأظهروا له الموافقة على ذلك، وبعث إلى خواص ابن أخيه يستميله بالدخول فى طاعته، فمال إلى ذلك ابن أخيه، لما بلغه عن القواد، ولتقصير من معه من موالى عجلان وابنه أحمد بن عجلان فى حقه، لقلة طواعيتهم له، ولإمساك سعد الدين سعيد جبروه يده عن إعطائه ما ظن رميثة أن صاحب اليمن بعث به إليه من النقد والكسوة والطعام على يد سعد الدين، فإن صاحب اليمن كان استدعى سعيدا ليوصله برا لنفسه ولرميثة، وقدم رميثة إلى مكة بإخوته وزوجته، وهى أعظم من حمله على ملاءمة عمه.
وكان عمه قد توجه من مكة لقصد الشرق. ولما أتاه الخبر بإقبال ابن أخيه إليه، أمر خواص غلمانه بتلقيه وكرامته، فخرجوا للقائه موكبين له، ودخل معهم مكة، فأنزلوه بمكان أعدوه له، وكسوه وضيفوه وخدموه واستحلفوه على إخلاص الود منه لعمه، وحلفوا له كذلك عن أنفسهم وعن عمه، واستحلفوا إخوته كذلك لعمهم وحلفوا لهم. فكان هذا الحلف فى يوم الجمعة العشرين من صفر سنة عشرين وثمانمائة فى جوف الكعبة.
стр. 1229
وفى يوم الخميس قبله، قدم مكة رميثة ومن معه، ومضى بعد ذلك بأيام قليلة ومعه إخوته لعمهم، فأكرم ملاقاتهم وأحسن إليهم، وبالغ فى الإحسان إلى رميثة وأظهر للناس الاغتباط به كثيرا، وما سهل ذلك بأكثر بنى حسن لتخيلهم أن حالهم لا يروج كثيرا إلا فى زمن الفتنة، ورام الشريف حسن حفظ القواد العمرة والحميضات، فأخذ ما معهم من الخيل والدروع، وألزمهم بذلك بعد عوده إلى مكة من الشرق، فى جمادى الأولى سنة عشرين وثمانمائة، أو الجلاء من بلاده ومحل ولايته، وأجلهم للجلاء نحو نصف شهر وعاد إلى الشرق، وأمر بعض خواصه بأخذ المطلوب من القواد، أو إخراجهم من البلاد، وظن أنه لابد من حصول أحد الأمرين لإطماع الشرفاء ذوى أبى نمى له بالموافقة على ذلك، والمساعدة له عليه، فتلطف القواد بالشرفاء وخضعوا لهم وخوفوهم من غائلة هذا الأمر، لما فيه من إضعاف الفريقين. فإن الشرفاء كانوا وافقوه على تسليم خيلهم ودروعهم إذا فعل ذلك القواد، وقصد الشرفاء بذلك إضعاف القواد، فمال الشرفاء لقول القواد، وأعطوا الشرفاء دية قتيل شريف قتله بعض القواد فى دولة رميثة.
وكان القواد ممتنعين من ديته، ويقولون: نحاسبكم به مما لنا عندكم من القتلى، وتحالف الفريقان على كف الأذى، واستعطف القواد ذوى رميثة، أولاد أحمد بن ثقبة ابن رميثة وأولاد على بن مبارك ولفيفهم، فعطفوا على القواد، ومالوا لما قال إليه ذوو أبى نمى وحلفوا عليه.
وبلغ ذلك الشريف حسن، فعاد من الشرق إلى مكة فى أول النصف الثانى من رجب، ولم يجد أكثر الشرفاء على ما كان يعهد منهم، وهم مع ذلك يظهرون له الطاعة والموافقة على قصده، ويشرطون عليه فى ذلك، أن يجزل الإحسان إليهم بالمال والخيل والدروع، وتوقف هو فى ذلك، لما عهد من الفريقين من الأخذ وعدم الإسعاف بالقصد، كعادة أسلافهم مع أسلافه، وبعد قدومه إلى مكة بأيام قليلة، استولى على جدة الشرفاء من بنى ثقبة، ومبارك والقواد ولفيفهم، وأعلنوا بالسلطنة لثقبة بن أحمد بن ثقبة، وميلب بن على بن مبارك وجعلوا لكل منهما بجدة نوابا، وأخذوا طعاما كثيرا بجدة، وجبا بعض الجلاب الواصلة إليه، فشق ذلك على الشريف حسن، وحمله الشرفاء على النزول عندهم بالدكناء، ففعل. ثم رحل منها إلى الجديد، ثم إلى حدّا، وأشار عليه جماعة من الشرفاء بأن يذهبوا عنه إلى القواد. وكانوا نزولا بالعد، مع جماعة من آل أبى نمى، ومع ذوى ثقبة وذوى مبارك، ليأمروا المشار إليهم بالدخول فى طاعته، ويخوفونهم
стр. 1230
من غائلته، فمضى جماعة من الشرفاء الذين فى خدمة الشريف، إلى الذين بالعدّ، وغابوا عنهم مدة، وعادوا إلى الشريف بما لم يعجبه، وحضوه على الإحسان إلى الذين بالعدّ، وأن يلين لهم جانبه، فلم يمل لذلك لما غلب على ظنه ـ وهو الواقع ـ أن الإحسان إليهم لا ينال به منهم قصدا، وبعث خيلا ورجلا إلى جدة، فاستولوا عليها .. وكانت خالية من أكثر المباينين له، وتواطأ الأشراف والقواد على أن يرحل جماعة من القواد من العد، حتى ينزلوا فى حلّة الأشراف بالدكناء بوادى مرّ، للاستنصار بالأشراف، ففعل القواد ذلك لحزمهم، فأكرمهم الأشراف، وقصد المريدون لذلك من الأشراف، أن الشريف إذا أمرهم بقتال القواد ومن انضم إليهم، قالوا له الأشراف: كيف نقاتل من استجار بنا ونزل بحلّتنا، لكون ذلك لا يحسن عند العرب.
ولما اتفق ذلك، خرج جماعة من آل أبى نمى، وذوى مبارك وغيرهم من الدكناء لقصد مكة، فخرج إليهم منها نائبها مفتاح الزفتاوى، فتى الشريف حسن بن عجلان، فى خيل ورجل، فالتقوا مع القواد والشرفاء، فكان النصر للشرفاء ومن انضم إليهم، وخفروا جماعة من عسكر مكة، وأخذوا خيلهم وسلاحهم ولجأ الزفتاوى إلى جبل قرب المعركة، وما زال به حتى قتل وقتل غيره من جماعته، وقتل من الشرفاء فوّاز بن عقيل ابن مبارك.
وكانت هذه الوقعة فى يوم السبت ثانى عشر رمضان سنة عشرين وثمانمائة. ورجع الشرفاء ومن انضم إليهم إلى العدّ، وشق على الشريف كثيرا ما صدر منهم وقتلهم لنائبه، ثم سعى جماعة من الشرفاء من ذوى أبى نمى وغيرهم، فى الصلح بينه وبين الذين بالعدّ، على مال يبذله لهم الشريف، ولا يحدثون حدثا فى طريق من طرق مكة، إلى انقضاء هذه السنة، وعشرة أيام من المحرم سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. فرضى بذلك الفريقان وتعاقدوا عليه وتواثقوا، وأحسن إليهم الشريف بتسليم ما وقع الاتفاق على تسليمه معجّلا، واطمأن الناس، وقدم التجار من اليمن أكثر من كل سنة. من غير توقف فى الدخول إلى جدة لإذن السلطان لهم فى ذلك.
وكان دخول التجار إلى جدة فى صفر من هذه السنة بغير إذن من السلطان باليمن، وإنما ذلك باختيار المتقدمين فى أمر المراكب، لعدم قدرتهم على التّجوير على جدة إلى ينبع، لكون تجويرهم عليها يوافق اختيار صاحب اليمن.
ولما دخلوا إلى جدة لم يشوش عليهم نواب الشريف، وساهلهم الشريف فى المكس