١٠٧٩ ـ حمزة بن محمد بن عبد الحكيم اليمنى، أبو محمد:
توفى يوم السبت سادس عشر ذى الحجة سنة ثمانى عشرة وستمائة بمكة. ودفن بالمعلاة.
ومن حجر قبره نقلت هذا، وترجم فيه: بالفقيه العالم العامل.
١٠٨٠ ـ حمظظ بن شريق بن غانم القرشى العدوى:
ذكره هكذا الذهبى فى التجريد. وقال: توفى بطاعون عمواس ولم يذكروه. انتهى.
وهذا عجيب، فإنه فى كتاب ابن الأثير بمعنى هذا وزيادة فائدة. فإنه قال: حمظظ بن شريق بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب بن لؤى القرشى العدوى. أدرك النبى ﷺ وشهد الفتوح، ومات بطاعون عمواس، له ذكر. أخرجه أبو القاسم الدمشقى.
عبيد وعويج، بفتح العينين. انتهى.
١٠٨١ ـ حمنن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشى الزهرى، أخو عبد الرحمن بن عوف:
ذكره هكذا ابن عبد البر، وقال: قال الزبير بن بكار: لم يهاجر ولم يدخل المدينة. وعاش فى الجاهلية ستين سنة، وفى الإسلام ستين سنة. قال: وأوصى حمنن والأسود ابنا عوف، إلى عبد الله بن الزبير. قال: وفى موت حمنن يقول القائل (١) [من الطويل]:
فيا عجبا إذ لم تفتّق عيونها ... نساء بنى عوف وقد مات حمنن
قال: وأم حمنن ابنة مقيس بن قيس بن عدى بن سهم بن سعد. انتهى.
وذكره ابن عبد البر فى الصحابة، وذكر كلام الزبير السابق.
وذكر الصاغانى فى كتاب «أماكن وفيات الصحابة» أنه توفى بمكة حرسها الله تعالى. ولم أر من ذكر تاريخ وفاته، وهى والله أعلم فى تاريخ موت حكيم بن حزام،
стр. 1297
فإنه لا يستقيم أن يكون عاش ستين سنة فى الجاهلية، وستين سنة فى الإسلام، إلا إذا كان مولده ووفاته كمولد حكيم ووفاته، والله أعلم.
١٠٨٢ ـ حميد بن قيس الأسدى، مولى بنى أسد بن عبد العزى، وقيل: مولى بنى فزارة، أبو صفوان المكى الأعرج القارئ:
قرأ القرآن على مجاهد ثلاث مرات، وحدث عنه، وعن عطاء بن أبى رباح، وعكرمة، مولى ابن عباس، والزهرى، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن عتيق وغيرهم. روى عنه جماعة، منهم: السّفيانان، ومالك.
روى له الجماعة. وثقه ابن معين، وأبو زرعة، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن سعد، وقال: كان ثقة كثير الحديث. وكان قارئ أهل مكة، ذكره فى الطبقة الثالثة من تابعى أهل مكة، وفى الرابعة أيضا.
وقد أخذ عنه القراءة عرضا سفيان بن عيينة. وقال سفيان بن عيينة: كان حميد بن قيس أفرضهم وأحسبهم، يعنى أهل مكة. وكانوا لا يجتمعون إلا على قراءته، ولم يكن بمكة أحد أقرأ منه، ومن عبد الله بن كثير.
قال ابن حبان: مات بمكة سنة ثلاثين ومائة.
وقال محمد بن سعد: توفى فى خلافة السّفّاح. انتهى.
وهو أخو عمر بن قيس.
стр. 1298
١٠٨٣ ـ حميضة بن أبى نمى محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة ابن إدريس بن مطاعن الحسنى المكى، الملقب عز الدين:
أمير مكة. ولى إمرة مكة إحدى عشرة سنة ونصف سنة أو أزيد، فى أربع مرات، منها مرتان شريكا لأخيه رميثة، ومرتان مستقلا بها. والمرتان اللتان شارك فيهما أخاه رميثة نحو عشر سنين إحداهما عشرة أشهر متوالية بعد موت أبيه، فى سنة موته، وهى سنة إحدى وسبعمائة، والمرة الثانية، نحو تسع سنين، بعد الأولى بسنتين أو ثلاث. والمرتان اللتان استقل بالإمرة فيهما، إحداهما نحو سنة ونصف، أولها بعد مضى شهرين من سنة أربع عشرة وسبعمائة.
والمرة الأخرى التى استقل بها، أياما يسيرة فى آخر سنة سبع عشرة وسبعمائة، بعد الحج منها، أو فى أوائل سنة ثمانى عشرة. وسنوضح شيئا من خبره فى ذلك وغيره.
وجدت بخط القاضى نجم الدين الطبرى قاضى مكة، أن حميضة وأخاه رميثة، قاما بالإمرة بعد أبيهما. وكان دعا لهما على قبة زمزم قبل موته يوم الجمعة، ومات يوم الأحد رابع صفر، يعنى من سنة إحدى وسبعمائة، واستمر الدعاء لهما.
وكان قبل ذلك قد وقعت فتنة بين أولاد أبى نمى، وكان حميضة الغالب. انتهى.
ولم يزل حميضة ورميثة فى الإمرة، حتى عزلا فى موسم هذه السنة، بأخويهما أبى الغيث وعطيفة وقبض عليهما. وجهّزا إلى مصر باتفاق الأمراء القادمين إلى مكة ـ وكان كبيرهم بيبرس الجاشنكير، الذى صار سلطانا بعد الملك الناصر محمد بن قلاوون، فى سنة ثمان وسبعمائة. وكان بيبرس إذ ذاك أستادار الملك الناصر ـ تأديبا لهما على ما صدر منهما فى حق أخويهما عطيفة وأبى الغيث، من الإساءة إليهما؛ لأنهما كانا اعتقلا أبا الغيث وعطيفة، فهربا من الاعتقال إلى ينبع، فلما حضر الحاج إلى مكة، حضرا إلى الأمراء المذكورين.
هكذا ذكر ما ذكرناه من سبب القبض على رميثة وحميضة، وتولية أبى الغيث وعطيفة: صاحب نهاية الأرب، النويرى، وإلا فالأمير بيبرس الدوادار فى تاريخه، وهو الغالب على ظنى.
وذكر ذلك صاحب بهجة الزمن فى تاريخ اليمن، إلا أنه خالف فى بعض ذلك؛ لأنه
стр. 1299
قال فى ترجمة أبى نمى فيه: واختلف القواد والأشراف بعده على أولاده، فطائفة مالت إلى رميثة وحميضة، على أخويهما، فلزماهما وأقاما فى حبسهما مدة، ثم احتالا فخرجا وركنا إلى بعض الأشراف والقواد، فمنعوا منهما.
ولما وصل الحاج المصرى، تلقاهم أبو الغيث فمالوا إليه، ولما انفصل الموسم، لزم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير حميضة ورميثة، وسار بهما إلى مصر مقيدين، وأمّر بمكة أبا الغيث ومحمد بن إدريس، وحلفهما لصاحب مصر. انتهى.
وكان من خبر حميضة، أنه وأخاه رميثة وليا إمرة مكة فى سنة أربع وسبعمائة، وقيل: فى سنة ثلاث وسبعمائة، وهذه ولايته الثانية التى شارك فيها أخاه رميثة، ودامت ولايتهما لمكة إلى زمن الموسم، من سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وما ذكرناه من ولايته لإمرة مكة مع أخيه رميثة فى هذا التاريخ، ذكره صاحب بهجة الزمن، وأفاد فى ذلك ما لم يفده غيره، مع شيء من خبرهما. ولذلك رأيت أن أذكره.
قال فى أخبار سنة أربع وسبعمائة: وحج من مصر خلق كثير، وفى جملتهم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير فى أمراء كثيرين، وصل معهم الشريفان رميثة وحميضة ولدا أبى نمى المقدما الذكر فى القبض عليهما.
فلما انقضى الحج، أحضر الأمير ركن الدين الشريفين أبا الغيث وعطيفة، وأعلمهما أن ملك مصر قد أعاد أخويهما إلى ولايتهما. فلم يقابلا بالسمع والطاعة، وحصلت منهم المنافرة، ثم قال: واستمر رميثة وحميضة فى الإمرة يظهران حسن السيرة وجميل السياسة، وأبطلا شيئا من المكوس فى السنة المذكورة والتى قبلها.
وذكر فى أخبار سنة ثمان وسبعمائة: أنه ظهر منهما من التّعسّف ما لا يمكن شرحه.
وذكر أن فى سنة عشر وسبعمائة: حج من الديار المصرية، عسكر قوى فيه أمراء طبلخانات، يريدون لزم الشريفين حميضة ورميثة. فلما علما بذلك، هربا من مكة. فلما توجه العسكر إلى الديار المصرية، عادا إلى مكة.
وذكر أنهما فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، عدلا عن مكة، تخوفا من الملك الناصر صاحب مصر؛ لأنه كان حج فى هذه السنة، ومعه مائة فارس وستة آلاف مملوك، تخوفا منه.
وذكر أنهما فعلا فيها ما لا ينبغى من النهب، وأنهما عادا إلى مكة بعد ذهاب الملك الناصر منها.
стр. 1300
وذكر أنهما هربا من مكة، فى سنة ثلاث عشرة، إلى صوب حلى بن بعقوب، لما علما بوصول أبى الغيث بن أبى نمى من الديار المصرية إلى مكة، ومعه عسكر جرّار، فيهم من المماليك الأتراك، ثلاثمائة وعشرون فارسا، وخمسمائة فارس من أشراف المدينة، خارجا عما يتبع هؤلاء من المتخطفة والحرامية، وكان المقدم الأمير سيف الدين طقصبا.
وذكر أن فى المحرم من سنة أربع عشرة وسبعمائة، سار أبو الغيث وطقصبا إلى صوب حلى بن يعقوب، بسبب حميضة ورميثة، فإنهما لم يجدا خبرا عنهما؛ لأنهما لحقا ببلاد السراة، ووصلا ـ أعنى أبا الغيث وطقصبا ـ إلى حلى بن يعقوب، ولم يدخلها، طقصبا، وقال: هذه أوائل بلاد السلطان الملك المؤيد، ولا ندخلها إلا بمرسوم السلطان الملك الناصر، فعاد على عقبه.
وفى كلام صاحب البهجة، ما يفهم أن أبا الغيث وطقصبا لم يبلغا حلى، والله أعلم.
وقد ذكر صاحب نهاية الأرب فى فنون الأدب، شيئا من خبر حميضة بعد عزله من مكة أخيه أبى الغيث، وشيئا من خبر العسكر الذى جهز معه؛ لأنه قال فى أخبار سنة ثلاث عشرة وسبعمائة.
وفى هذه السنة، جرد السلطان جماعة من الأمراء إلى مكة شرفها الله تعالى، وهم سيف الدين طقصبا الناصرى، وهو المقدم على الجيش، وسيف الدين بكتمر، وصارم الدين صاروجا الحسامى، وعلاء الدين أيدغدى الخوارزمى.
وتوجهوا فى شوال فى جملة الركب، وجرد من دمشق الأمير سيف الدين بلبان تترى. وسبب ذلك ما اتصل بالسلطان من شكوى المجاورين والحجاج من أميرى مكة حميضة ورميثة، ولدى الشريف أبى نمى. فندب السلطان هذا الجيش، وجهز أخاهما الأمير أبا الغيث بن أبى نمى. فلما وصل العسكر إلى مكة، فارقها حميضة. وأقام الجيش بمكة بعد عود الحاج نحو شهرين، فقصر أبو الغيث فى حقهم، وضاق منهم، ثم كتب خطه باستغنائه عنهم، فعادوا.
وكان وصولهم إلى الأبواب السلطانية، فى آخر شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة وسبعمائة. ولما علم حميضة بمفارقة الجيش لمكة، عاد إليها بجمع، وقاتل أخاه أبا الغيث، ففارق أبو الغيث مكة، والتحق بأخواله من هذيل بوادى نخلة، وأرسل حميضة إلى السلطان رسولا وخيلا للتقدمة، فاعتقل السلطان رسوله. انتهى.
стр. 1301
وذكر صاحب المقتفى: أن حميضة لما علم بسفر هذا العسكر من مكة، حضر إلى مكة بعد جمعة، وقاتل أخاه ـ يعنى أبا الغيث ـ وقتل نحو خمسة عشر نفرا، ومن الخيل أكثر من عشرين فرسا، وملك مكة، ولجأ أبو الغيث إلى أخواله من هذيل بوادى نخلة مكسورا، ثم إن حميضة أرسل خيلا إلى السلطان، فحبس رسوله، ولم يرض عنه، وأرسل بعده أبو الغيث هدية، فوعد السلطان بنصره وإرسال عسكر إليه. انتهى.
وهذه ولايته الثالثة التى استقل بها فى المدة التى تقدم ذكرها، أو فى أكثرها، واستقلاله بإمرة مكة فى بعضها متحققة.
وقد ذكر صاحب المقتفى من خبره بعد ذلك؛ لأنه قال: وفى يوم الثلاثاء رابع ذى الحجة، يعنى من سنة أربع عشرة وسبعمائة، وقعت حرب بين الأخوين حميضة وأبى الغيث، ولدى أبى نمى، بالقرب من مكة، وانتصر حميضة، وجرح أبو الغيث، ثم ذبح بأمر أخيه. وكان جماعة أبى الغيث أكثر عددا، ولكن رزق حميضة النصر. واستقر بمكة. انتهى.
وقال فى أخبار سنة خمس عشرة وسبعمائة: ولما بلغ حميضة بن أبى نمى وصول العسكر مع أخيه، وأنهم قاربوا مكة، نزح قبل وصولهم بستة أيام. وأخذ المال النّقد والبز، وهو مائة حمل، وأحرق الباقى فى الحصن الذى فى الجديد، وبينه وبين مكة [ ....... ] (١) وقطع ألفى نخلة. وكان مرض قبل ذلك فى شعبان، وتغير سمعه، وحضر إلى بيت الله الحرام وتاب.
وذكر عنه أنه ما يتعرض لإيذاء المجاورين ولا التجار ولا غيرهم، وكان وصول العسكر إلى مكة يوم السبت منتصف رمضان، وأقاموا بها ثلاثة عشر يوما، ثم توجهوا إلى الخليف، وهو حصن بينه وبين مكة ستة أيام، والتجأ حميضة إلى صاحبه، وصاهره لعله يحتمى به، فواقع العسكر حميضة وصاحب الحصن المذكور، وأخذ جميع أموال حميضة وخزانته، ونهب الحصن وأحرق، وأسر ولد حميضة ابن اثنى عشر سنة، وسلّم إلى عمه رميثة، ثم رجع الجيش إلى مكة، فوصلوها فى الخامس والعشرين من ذى القعدة، واستقروا إلى أن حضروا الموقف، ورجعوا مع المصريين، واستقر الأمير رميثة بمكة. ونجا أخوه حميضة بنفسه، ولحق بالعراق. كتب إلينا بذلك أمين الدين الوانى. انتهى.
وسيأتى إن شاء الله تعالى شيء من خبر هذا العسكر، فى ترجمة رميثة بن أبى نمى.
стр. 1302
وقد ذكر صاحب المقتفى شيئا من خبر حميضة بعد لحاقه بالعراق؛ لأنه قال فى أخبار سنة ست عشرة: وفى التاريخ المذكور ـ يعنى عقيب عيد الأضحى ـ وصل الخبر بأن الشريف حميضة بن أبى نمى الحسنى المكى، كان قد لحق بخربندا فأقام فى بلاده أشهرا. وطلب منه جيشا يغزوا به مكة، وساعده جماعة من الرافضة على ذلك، وجهزوا له جمعا من خراسان، وكانوا مهتمين بذلك. فقدر الله تعالى موت خربندا، وبطل ذلك بحمد الله تعالى.
ثم قال: ثم إن محمد بن عيسى أخا مهنّا، هو وجمع من العرب، وقعوا على حميضة وعلى الدلقندى. وكان معهما جمع وأموال، فقهرهم وغنم ما معهم ودمر حميضة. وكان الدلقندى، وهو رجل رافضى من أعيان دولة التتار، قد قام بنصره وجمع له الأموال والرجال، على أن يأخذ له مكة ويقيمه بها. انتهى.
وقال صاحب نهاية الأرب، فى أخبار سنة سبع عشرة وسبعمائة: فى هذه السنة، وصل كتاب الأمير أسد الدين رميثة أمير مكة إلى الأبواب السلطانية، يتضمن أن أخاه عز الدين حميضة، قدم من بلاد العراق. وكان قد انسحب إليها، والتحق بخربندا كما تقدم، وأنه وصل الآن على فرس واحد، ومعه اثنان من أعيان التتار، روهما درقندى ـ وقيل فيه دقلندى ـ وملك شاه، ومعهم ثلاثة وعشرون راحلة، وأنه كتب إلى أخيه رميثة يستأذنه فى دخول مكة، فمنعه إلا بعد إذن السلطان.
فكتب السلطان إلى حميضة أنه إن حضر إلى الديار المصرية، على عزم الإقامة بها، قابله بالأمان وسامحه بذنوبه السالفة. وأما الحجاز فلا يقيم به.
وكتب إلى درقندى وملك شاه بالأمان، وأن يحضرا، وأخبر من وصل، أنهم لقوا فى طريقهم شدة من العراق إلى الحجاز، وأن العربان نهبوهم، فنهب لدرقندى أموال جمة، وأنه وصل على فرس واحد مسافة عشرين ليلة.
وقد حكى عن الأمير محمد بن عيسى أخى مهنّا، أن الملك خربندا كان قد جهز دقلندى المذكور، فى جمع كثير مع عز الدين حميضة، قبل وفاته إلى الحجاز، لنقل الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، من جوار النبى ﷺ ، وأن الأمير محمد المذكور، جمع من العربان نحو أربعة آلاف فارس، وقصد المقدم ذكره، وقاتله ونهبه، وكسب العسكر منهم أموالا جمة عظيمة من الذهب والدراهم، حتى إن فيهم جماعة، حصل للواحد منهم نحو ألف دينار، غير الدواب والسلاح وغير ذلك، وأخذوا الفوس
стр. 1303
والمجارف التى كانوا قد هيئوها لنبش الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما.
وكان ذلك فى ذى الحجة سنة ست عشرة وسبعمائة.
ثم قال: ولما ورد كتاب الأمير أسد الدين رميثة بما تقدم، ندب السلطان إلى مكة شرفها الله تعالى، الأميرين سيف الدين أيتمش المحمّدى، وسيف الدين بهادر السعيدى أمير علم، وأمرهما أن يستصحب كل واحد منهما عشرة من عدته، وجرد معهما من كل أمير مائة، جنديّين، ومن كل أمير طبلخانة، جنديّا واحدا، وتوجها إلى مكة لإحضار حميضة، ومن حضر من التتار، فتوجها فى يوم السبت سادس عشر ربيع الأول بمن معهما، فوصلا إلى مكة، وأرسلا إلى حميضة فى معاودة الطاعة، وأن يتوجه معهما إلى الأبواب السلطانية، فاعتذر أنه ليس معه من المال ما ينفقه على نفسه ومن معه فى سفره، وطلب منهما ما يستعين به على ذلك، فأعطياه.
فلما قبض المال تغيب، وعادا إلى القاهرة، فوصلا فى يوم الأحد السادس والعشرين من جمادى الآخرة من السنة، يعنى سنة سبع عشرة.
ثم قال فى أخبار سنة ثمانى عشرة وسبعمائة: وفى صفر من هذه السنة، وردت الأخبار من مكة شرفها الله تعالى، أن الأمير عز الدين حميضة بن أبى نمى بعد عود الحاج من مكة، وثب على أخيه الأمير أسد الدين رميثة بموافقة العبيد، وأخرجه من مكة، فتوجه رميثة إلى نخلة، وهى التى كان بها حميضة، واستولى حميضة على مكة شرفها الله تعالى.
وقيل إنه قطع الخطبة السلطانية، وخطب لملك العراقين، وهو أبو سعيد بن خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو، فلما اتصل ذلك بالسلطان، أمر بتجريد جماعة من أقوياء العسكر. فجرد الأمير صارم الدين الجرمكى، والأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى، وجماعة من الحلقة، وأجناد الأمراء، من كل أمير مائة، فارسين، ومن كل أمير طبلخانة، جنديا، وأمر بالمسير إلى مكة، وأن لا يعودوا إلى الديار المصرية، حتى يظفروا بحميضة، فتوجهوا فى العشر الأواخر من شهر ربيع الأول من هذه السنة. انتهى بلفظه.
وذكر أن الإبراهيمى لما توجه لمحاربة حميضة والقبض عليه، ركب إليه، وتقاربا من بعضهما بعض، وباتا على ذلك، ولم يقدر الإبراهيمى على مواجهة حميضة، فاقتضى ذلك القبض على الإبراهيمى وعلى رميثة؛ لأنه نسب إلى مواطأة أخيه حميضة، وأن الذى يفعله من التشعيث باتفاق رميثة، وجهزا إلى الديار المصرية ـ انتهى بالمعنى.
стр. 1304
وهذه ولاية حميضة الرابعة التى أشرنا إليها، ولم يزل حميضة مهجّجا والطلب عليه، وأهل مكة خائفون من شره.
وذكر اليافعى: أنه قصد مكة بجيش يريد أخذها، وقتل جماعة من أهل مكة والمجاورين بها، فخرج إليه أخوه عطيفة. وكان قد استقر فى إمرة مكة بعد القبض على أخيه رميثة، لاتهامه بممالأة حميضة، ومع عطيفة أخوه عطّاف، وآخر من إخوته، وعسكر ضعيف، فنصرهم الله عليه وكسروه، ثم قتل بعد كسرته بأيام. انتهى.
وقد ذكر خبر مقتل حميضة، صاحب نهاية الأرب، وأفاد فى ذلك ما لم يفده غيره. وقد رأيت أن أذكر كلامه لذلك. قال فى أخبار سنة عشرين وسبعمائة: كان السلطان لما كان بمكة شرفها الله تعالى، سأله المجاورون بمكة ومن بها من التجار، أن يخلف عسكرا يمنع عز الدين حميضة بن أبى نمى إن هو قصد أهل مكة بسوء، فجرد ممن كان معه الأمير شمس الدين (آق) سنقر ومعه مائة فارس. فأقام بمكة، فلما عاد السلطان إلى قلعة الجبل، جرد الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، وكان هو من الأمراء مقدمى الألوف، ببعض عدته، وجرد معه جماعة من المماليك السلطانية، وكانت عدة من توجه مائة فارس.
وخرج من القاهرة فى يوم الأربعاء السادس من شهر ربيع الأول هذه السنة، ووصل إلى مكة شرفها الله تعالى. وأقام بها ومنع أهلها من حمل السلاح، السكّين فما فوقها، وبعث إلى الأمير عز الدين حميضة، وكان بقرب نخلة يستميله إلى الطاعة والتوجه إلى الأبواب السلطانية. فسأل رهينة عنده من الأمير ركن الدين يكون عند أهله ويحضر، فأجاب الأمير ركن الدين إلى ذلك، وجهز أحد أولاده، وهو الأمير علىّ، وجهز معه هدية لحميضة، ولم يبق إلا أن يتوجه، فأتاه فى ذلك اليوم رجل من الأعراب، وأخبره بقتل حميضة، فأنكر وقوع ذلك.
وظن ذلك مكيدة لأمر مّا، لكنه توقف عن إرسال ولده حتى يتبين له الحال. فلما كان فى مساء ذلك اليوم، طرق باب المعلاة بمكة، ففتح، فإذا مملوك اسمه أسندمر، وهو أحد المماليك الثلاثة الذين كانوا قد التحقوا بحميضة من مماليك الأمراء كما تقدم، وهو راكب حجرة حميضة التى تسمى جمعة ـ وكان السلطان قد طلبها من حميضة، فشح بإرسالها ـ وأخبر أنه قتل حميضة، اغتاله وهو نائم، وجرد سيفه وإذا به أثر الدم، وذلك فى جمادى الآخرة، يعنى من سنة عشرين وسبعمائة، وأرسل الأمير ركن الدين ولديه
стр. 1305
ناصر الدين محمدا وشهاب الدين أحمد، إلى الأبواب السلطانية بهذا الخبر، فوصلا إلى السلطان فأنعم عليهما وجهز الأمير ركن الدين من توجه لإحضار سلب حميضة، والمملوكين اللذين بقيا معه، فأحضر السلب وأحد المملوكين، وقيل: إن الثالث مات، وهو مملوك الأمير سيف الدين بكتمر الساقى، فألزم صاحبه نخلة بإحضاره وتوعده إن تأخر، فأحضره، واستمر الأمير ركن الدين بمكة، إلى أن عاد الجواب السلطانى بطلبه، فتوجه من مكة شرفها الله تعالى، فى مستهل شعبان، وصحبته المماليك الثلاثة، الذين كانوا قد هربوا.
وكان وصوله إلى الأبواب السلطانية، فى العشر الأول من شهر رمضان. فلما وصل، شمله الإنعام والتشريف، فأمر السلطان بقتل أسندمر قاتل حميضة، قودا به، فى شوال من السنة. انتهى.
وقال صاحب المقتفى فى أخبار سنة عشرين وسبعمائة: وفى هذه السنة، قتل الأمير عز الدين حميضة بن الأمير الشريف أبى نمى صاحب مكة. وكان قد خرج عن طاعة السلطان، وولى السلطان بمكة أخاه سيف الدين عطيفة، وبقى هو فى البرّية، والطلب عليه، وأهل مكة خائفون من شره، وكان شجاعا قامعا لأهل الفساد، وكان فى السنة الماضية، سنة حج السلطان، هرب من مماليكه ثلاثة، ولجأوا إلى حميضة، ثم إنهم خافوا من دخوله فى الطاعة، وأنه يرسلهم إلى حضرة السلطان، فقتلوه.
وتوجهوا فى وادى بنى شعبة، وحضروا إلى مكة، فقيد الذى تولى القتل منهم، وأرسل إلى الديار المصرية فاعتقل، ثم قتل فى شوال. انتهى.
وذكره الذهبى فى ذيل سير النبلاء، فقال: كان فيه ظلم وعنف، ثم قال: وقتل كهلا.
وذكر اليافعى فى تاريخه: أنه رأى فى المنام قبيل قتل حميضة، كأن القمر فى السماء قد احترق بالنار. قال: وأظنه سقط إلى الأرض. انتهى. وهذه مزيّة.
وذكر اليافعى: أن حميضة كان يقول: لأبى خمس فضائل: الشجاعة، والكرم، والحلم، والشعر، والسعادة. فالشجاعة لعطيفة، والكرم لأبى الغيث، والحلم لرميثة، والشعر لشميلة، والسعادة لى، حتى لو قصدت جبلا لدهكته. انتهى
وللأديب موفق الدين علىّ بن محمد الحنديدى من قصيدة يمدح بها الشريف حميضة ابن أبى نمى، هذا أولها [من الخفيف]:
стр. 1306
قدح الوجد فى فؤادى زنادا ... منع الجفن أن يذوق الرقادا
وفؤاد الشجى يوم إلال ... ساقه سائق الظعون وقادا
بدلنى بالوصل هجرا وبالزو ... رة صدّا وبالتدانى بعادا
وتمادى بها الجفاء وما ... كان لها فى الجفا أن تمادى
يا معيد الحديث عد فيه عنهم ... ما ألذ الحديث عنهم معادا
هات بالله يا محدث حدث ... بن جياد جاد الغمام جيادا
بلدا بالشريف شرفه الل ... هـ بقاعا شيحانه ووهادا
مملك من قتادة ملك الأر ... ض نصالا محشودة وصعادا
إن أكن فى حميضة زدت فى المد ... ح فقد زاد فى نوالى وزادا
رجل سالم المسالم فى الله ... وفى الله للمعادين عادا
عاد أبدا أولى فوالى تغالى ... عز أعطى سطا أفاد أبادا
جاد أغنى علا سما جل جلا ... ظلم الظلم عدله ساد سادا
حسن الصمت ليس يحسن أن تس ... مع إلا فى مثله الإنشادا
ابن بنت النبى لم يجعل الل ... هـ سواكم لأرضه أوتادا
ومنها:
اركاب الآمال ويحك بالنج ... ح بحصن الجديد أمى نجادا
يا جوادا ما زرت مغناه إلا ... أبت من عنده أقود جوادا
كل شعر أتاكم غير شعرى ... يا أبا زيد ليس يسوى المدادا
وله فيه أيضا [من الكامل]:
إن الفريق النازلين فى منى ... غاية سول القلب منى والمنا
هم أوقفوا جفنى على سبل البكا ... فصرت بالأربع أبكى الدمنا
ومنها:
ومخشف طاف فطفنا حوله ... ندعو إذا يدعو ونعنو إذا عنا
جنى علينا طرفه لكننا ... لا نستطيع أخذه بمال جنا
رضيته فليقض ما شاء ولو ... لم يقض بالعدل علينا ولنا
وسائل بالخيف من طل له ... من المحبين دم قلت أنا
يا حسن الناظر إن ناظرى ... لم ير من بعدك شيئا حسنا
ومنها:
стр. 1307
إن الحجاز لست أرضى غيره ... أرضا ولا أبغى سواه مسكنا
ومن بنى النجم نمى أنجم ... طبقت الأرض سناء وسنا
وسادة يفنون أموال العدا ... بعد النفوس بالمواضى والقنا
أهل المساعى والصفاء وزمزم ... والمشعرين والمصلى ومنى
إن العطايا من يدى حميضة ... أعطين بعد الفقر من كفى الغنا
خليفة لا يخلف الوعد ولا ... يضن عن سائله بما اقتنى
إمام حق جد فى الله فما ... فى الله مذ جد وهى ولا ونا
عار من العار عليه حلة ... مرقومة أثناؤها من الثنا
أخاف فى الله تعالى من بغى ... وأمن الخائف حتى أمنا
أحسن ابنا حسن سجية ... أيقظهم عينا وأوعى أذنا
هو ابن من أسرى به الله ومن ... من قاب قوسين تدلى ودنا
وابن الذى به اللات آلت ... إلى شر مآل ولعزى أوهنا
يا بن أبى الفدا إذا تبسمت ... بيضك أبكين العدا والبدنا
إذا سألت المكرمات منكم ... سالت علينا من هنا ومن هنا
يا عارض الجود الذى شمت سنا ... بارقه اسق ربوعى مزنا
لازلت فى كل أوان ممطرا ... على جميع الخلق غيثا هتنا
وللأديب عفيف الدين عبد الله بن علىّ بن جعفر فيه مدحا، قصيدة أولها [من البسيط]:
تحدثى يا رياح الشيح والغار ... عما تحمّلت من علم وأخبار
منها:
أبقى لى الشوق دمعا من تذكر كم ... مثل الصبير وقلبا غير صبار
فيا أخلاى هل تجزون ذا وله ... وجدا بوجد تذكارا بتذكار
وقد تهيج صبابات الفؤاد لكم ... سجع الحمام وومضى البارق السارى
ما زال دمعى يبدى ما أكتمه ... حتى تشابه إعلانى وإسرارى
لا تحسبونى أنسيت المواثق بل ... حفظتها حفظ عز الدين للجار
حميضة الحسنى التندب خير فتى ... كاس من الحمد بل عار من العار
سلالة من رسول الله أنجبه ... زاك ومختار أصل وابن مختار
من آدم ينبى الله متصلا ... أصلا بأصلٍ وأمحارا بأثمار
ما من تسمى عليا كالوصى ولا ... ما كل جعفر فى الدنيا بطيار
стр. 1308
فلا خلا الدهر من ملك مناقبه ... وشخصه مثل إسماع وإبصار
فما رأى وجهه الميمون ذو أمل ... إلا تبدل إيسارا بإعسار
ومنها:
فلدتنى وأخوك الندب قلدنى ... ما ليس معروفه يلقى بإنكار
يا كعبتان أمام الكعبة اعتمرا ... لقد تمسكت من كل بأستار
لا زال سوحكما العارى كساحتها ... نعم المآب لحجاج وزوار
١٠٨٤ ـ حناش بن راجح بن عبد الكريم بن أبى سعد حسن بن على ابن قتادة، الحسنى المكى:
كان من أعيان الأشراف، وصاهر الشريف أحمد بن عجلان على أخته. وتوفى سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة.
١٠٨٥ ـ حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم المخزومى، جد المطلب عبد الله بن حنطب:
أسلم يوم الفتح. له حديث واحد، أن النبى ﷺ ، قال لأبى بكر رضى الله عنه: «هذان منى بمنزلة السمع والبصر من الرأس». وإسناده ضعيف على ما قال أبو عمر بن عبد البر، وذكره بمعنى هذا فى الاستيعاب.
١٠٨٦ ـ حنظلة بن أبى سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية القرشى الجمحى المكى:
سمع القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، ونافعا، مولى ابن عمر، وعطاء بن أبى رباح، ومجاهدا وسعيد بن جبير، وعكرمة بن خالد المخزومى.
стр. 1309
روى عنه الثورى، ووكيع، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن نمير، وأبو عاصم، وجماعة. روى له الجماعة.
قال أحمد: ثقة، ثقة. وقال ابن معين: حجة، حجة.
وقال يحيى بن سعيد: مات سنة إحدى وخمسين ومائة.
١٠٨٧ ـ حنين، مولى العباس بن عبد المطلب:
كان عبدا وخادما للنبى ﷺ ، فوهبه لعمه العباس فأعتقه. وقيل: إنه مولى على، وهو جد إبراهيم بن عبد الله بن حنين، له عن النبى ﷺ حديث فى الوضوء، ذكره بمعنى هذا ابن عبد البر وابن الأثير (١).
١٠٨٨ ـ حوشب بن يزيد الفهرى:
ذكره هكذا الذهبى فى التجريد، وقال: مجهول. روى عنه ابن يزيد فى ذكر جريج الراهب. وذكره ابن الأثير أبسط من هذا بالمعنى، وقال: أخرجه ابن مندة وأبو نعيم.
١٠٨٩ ـ حوط بن عبد العزى العامرى، من بنى عامر بن لؤى فيما قيل، وقيل فيه: حويطب بن عبد العزى، والصحيح حوط:
روى عنه ابن بريدة، عن النبى ﷺ : «لا تقرب الملائكة رفقة فيها جرس».
قال أبو حاتم الرازى: لا تصح له صحبة. ذكره بمعنى هذا ابن عبد البر، وابن الأثير. وذكره الذهبى، قال: حوط.
стр. 1310
١٠٩٠ ـ حويطب بن عبد العزى بن قيس بن عبدودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى القرشى العامرى، أبو محمد ويقال أبو الإصبع المكى:
روى عن عبد الله بن السعدى حديث العمالة (١)، وروى عنه ابنه أبو سفيان بن حويطب، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن بريدة، وغيرهم.
روى له البخارى ومسلم والنسائى (٣).
стр. 1311
ذكر ابن عبد البر: أنه شهد بدرا مع المشركين، وصلح الحديبية مع سهيل بن عمرو.
وكان أبو ذر قد أمنه يوم الفتح، ومشى معه، وجمع بينه وبين عياله، حتى نودى بالأمان للجميع، إلا النفر الذين أمر بقتلهم، ثم أسلم يوم الفتح. واستقرض منه النبىصلى الله عليه وسلم، أربعين ألفا، فأقرضه إياها. وشهد معه حنينا والطائف مسلما، وأعطاه من غنائمها مائة بعير. وكان من المؤلفة.
وقال مروان بن الحكم يوما لحويطب بن عبد العزى: تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث، فقال: الله المستعان، والله لقد هممت بالإسلام غير ما مرة، كل ذلك يعوقنى أبوك عنه، وينهانى ويقول: تضع شرفك وتدع دين آبائك لدين محدث وتصير تابعا؟ قال: فأسكت مروان، وندم على ما قال. ثم قال له حويطب: أما أخبرك عثمان بما لقى من أبيك حين أسلم؟ . فازداد مروان غمّا. ثم قال حويطب: ما كان من قريش أحد من كبرائها، الذين بقوا على دين قومهم إلى أن فتحت مكة، أكره منى لما هو عليه، ولكن المقادير.
ويروى عنه أنه قال: شهدت بدرا مع المشركين فرأيت عبرا. رأيت الملائكة تقتل وتأسر بين السماء والأرض.
قال ابن عبد البر: أدركه الإسلام، وهو ابن ستين سنة أو نحوها، وهو أحد النفر الذين أمرهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، بتحديد أنصاب الحرام. انتهى بالمعنى.
وقد ذكر الزبير، ومحمد بن سعد كاتب الواقدى، ما يشهد لما ذكره ابن عبد البر من حال حويطب وزيادة فى ذلك. فمن الزيادة: أن النبى ﷺ ، سرّ بإسلام حويطب. وفى كلام الواقدى، الجزم بأنه بلغ مائة وعشرين سنة فى الجاهلية، وستين فى الإسلام، وإنما أعدنا هذا لأن ابن عبد البر، لم يجزم بذلك بالنسبة إلى حياته فى الجاهلية.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: وجدت فى كتاب أبى بخطه: بلغنى عن الشافعى قال: حويطب بن عبد العزى، كان حميد الإسلام، وهو أكثر قريش بمكة ربعا جاهليا. انتهى.
قال يحيى بن بكير، وخليفة بن خياط، وأبو عبيد، وغير واحد: مات سنة أربع وخمسين، وهو ابن عشرين ومائة سنة. انتهى.
وذكر ابن عبد البر ما يشعر بأنه مات فى غير هذا التاريخ؛ لأنه قال: ومات حويطب بالمدينة فى آخر إمارة معاوية. وقيل بل مات سنة أربع وخمسين، وهو ابن مائة وعشرين سنة. انتهى.
стр. 1312
وظاهر هذا، أن المراد بآخر إمارة معاوية، ما بعد السنة التى ذكرها. ولو كان المراد بذلك السنة المذكورة، لم تحسن حكاية ابن عبد البر، القول بتعيين سنة وفاته على الوجه الذى ذكره، فإن كان كلامه يقتضى الإضراب عن الأول. والله أعلم. وكلام ابن عبد البر صريح فى أنه مات بالمدينة. وفى خبر ذكره سفيان بن عيينة، أنه خرج مع من خرج من قريش إلى الشام، فجاهدوا حتى ماتوا.
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: المحفوظ أن حويطبا لم يمت بالشام، وإنما مات بالمدينة. فلعله رجع إليها بعد خروجه إلى الشام. انتهى.
١٠٩١ ـ حيان [بن بسطام] (١) الهذلى البصرى، والد سليم بن حيان:
[روى عن عبد الله بن عمر، وأبى هريرة. روى عنه ابنه سليم بن حبان ذكره أبو حاتم بن حبان فى كتاب الثقات. وروى له ابن ماجة حديث] (٢).
١٠٩٢ ـ حيدر بن الحسين بن حيدر الفارسى:
شيخ رباط رامشت بمكة. وجدت بخط شيخنا ابن سكر: أنه سمع عليه مسند الشافعى، بسماعه له من أبى عبد الله محمد بن عبد الله، المعروف بابن شاهد القيمة، المقدم ذكره، عن أبيه، وعمه المعين أحمد بن على الدمشقى، عن أبيهما، عن أبى زرعة بسنده.
ووجدت بخط شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة: أنه سمع على الرضى الطبرى جزءا، خرج له العفيف المطرى من مسموعاته، فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وأنه توفى فى أخر سنة تسع وخمسين وسبعمائة بمكة، ومولده فيما وجد بخطه، سنة ثمانين وستمائة تقريبا، قال: وكان رجلا صالحا كبير القدر. انتهى.
وسألت عنه شيخنا الشريف عبد الرحمن الفاسى، فقال: كان من الصالحين العباد. وانقطع بمكة أربعين سنة. انتهى.
١٠٩٣ ـ حيىّ بن حارثة الثقفى، حليف بنى زهرة:
أسلم يوم الفتح، وقتل يوم اليمامة شهيدا. ذكره هكذا ابن عبد البر، وحكى فى اسمه
стр. 1313
واسم أبيه، خلافا فى ضبط ذلك، لم يأت فيه بكل البيان، وقد أتى فيه بذلك الأمير أبو نصر بن ماكولا، فيما حكاه عنه ابن الأثير فى أسد الغابة، وحاصل ما ذكره أن فى اسمه أقوالا ثلاثة.
أحدها: أنه حيىّ ـ بحاء مهملة ويائين مثناتين من تحت متواليتين.
والآخر: أنه حبّى ـ بحاء مهملة وباء موحدة مشددة ممالة، ثم ياء مثناة من تحت.
والآخر: أنه حىّ ـ بحاء مهملة وياء واحدة مثناة من تحت.
وحاصل الخلاف فى اسم أبيه، هل هو جارية، بجيم، أو حارثة، بحاء مهملة وثاء مثلثة بعد الراء والله أعلم. وقد بين ابن عبد البر وابن ماكولا، قائل الأقوال فى اسمه اسم أبيه، فليراجع ذلك، والمهم منه ما ذكرناه.
* * *
آخر الجزء الثالث، ويليه بإذن الله الجزء الرابع، وأوله «حرف الخاء المعجمة».
стр. 1314
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حرف الخاء المعجمة
من اسمه خارجة
١٠٩٤ ـ خارجة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب القرشى العدوى:
له صحبة ورواية، روى عنه عبد الله بن أبى مرة الزّوقىّ، وعبد الرحمن بن جبير المصرى. روى له أبو داود والترمذى، وابن ماجة، حديثا واحدا فى الوتر، وليس له سواه (١).
وذكر البخارى، أنه لا يعرف لإسناده سماع من بعضهم. وذكر ابن يونس، أنه من أصحاب النبي ﷺ ، شهد فتح مصر. واختطّ بها دارا، وكان على شرط مصر فى إمرة
стр. 1315
عمرو بن العاص، لمعاوية ﵄. قتله خارجىّ بمصر سنة أربعين، وهو يحسب أنه عمرو. انتهى.
والخارجى: أحد الخوارج الثلاثة، المنتدبين لقتل على بن أبى طالب، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبى سفيان، رضى الله عنهم. وقال الخارجى لما أتى به إلى عمرو: أردت عمرا وأراد الله خارجة. فصارت مثلا.
وذكر الزبير: أن عمرا هو القائل ذلك، وأن خارجة كان يعدل بألف رجل؛ لأنه قال: حدثنى عمى مصعب بن عبد الله، قال: وكان خارجة بن حذافة يعدل بألف رجل. كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، يستمده. فوجه إليه إلى مصر، الزبير بن العوام، وخارجة بن حذافة. وقال: قد أمددتك بألفى رجل، فاستعمل خارجة على شرطته. وخارجة الذى قتله الحرورىّ، فقال عمرو رضى الله عنه للحرورى: أردت عمرا وأراد الله خارجة. انتهى.
وذكر ابن عبد البر: أن قبر خارجة معروف بمصر عند أهلها. قال: وقد قيل إن خارجة الذى قتله الخارجى بمصر، على أنه عمرو، رجل يسمى خارجة من بنى سهم، رهط عمرو بن العاص، وليس بشئ. وقال: وشهد خارجة بن حذافة فتح مصر. وقيل: إنه كان قاضيا لعمرو بن العاص بها. وذكر القول بأنه كان على شرطة عمرو بمصر.
وأفاد ابن الأثير فى خارجة السهمى، الذى قيل إن الخارجى قتله بمصر، ما لم يفده ابن عبد البر؛ لأنه قال: وقيل إن خارجة الذى قتله الخارجى بمصر، هو خارجة بن حذافة، أخو عبد الله بن حذافة، من بنى سهم، رهط عمرو بن العاص. وليس بشئ. انتهى.
١٠٩٥ ـ خارجة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشى الأسدى:
توفى بمكة مقتولا، لما حصر الحجاج عبد الله بن الزبير. وأمه: أم عمرو بنت معتب ابن أبى لهب بن عبد المطلب. ذكره الزبير بن بكار فى كتاب النسب.
١٠٩٦ ـ خارجة بن عمرو الجمحى:
روى عنه قدامة بن عبد الملك، أن النبى ﷺ قال: «ليس لوارث وصيّة» (١) أخرجه أبو
стр. 1316
موسى، وقال: هذا الحديث يعرف لعمرو بن خارجة، لا لخارجة بن عمرو. وذكره أبو أحمد العسكرى، فقال: خارجة بن عمرو. انتهى.
ذكره هكذا ابن الأثير فى أسد الغابة، وذكره الذهبى، فقال: خارجة بن عمرو. وروى عنه قدامة بن عبد الملك. والأصح عمرو بن خارجة. انتهى.
* * *
من اسمه خالد
١٠٩٧ ـ خالد الأشعر الخزاعى الكعبى:
اختلف فى اسم أبيه. فقيل حليف بنى منقذ بن ربيعة. وقيل اسمه منقذ بن ربيعة. وقد سبق ذلك فى ترجمة ولده حبيش بن خالد، وسبق فيها الخلاف فى الأشعر، هل هو حبيش أو أبوه خالد؟ قال ابن عبد البر: قال الواقدى: قتل مع كرز بن جابر، بطريق مكة عام الفتح. وذكر ذلك ابن عبد البر فى ترجمة خالد الأشعر فى باب الخاء. وذكر أيضا أن حبيش بن خالد، قتل مع كرز بن جابر يوم الفتح. وقد سبق ذلك فى ترجمة حبيش. وهذا تناقض ظاهر. والله أعلم بالصواب.
١٠٩٨ ـ خالد بن أسيد ـ بفتح الهمزة ـ بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس الأموى:
أسلم عام الفتح، من حديثه عن النبى ﷺ : «أنه أهلّ حين راح إلى منى». وروى عنه
стр. 1317
ابنه عبد الرحمن بن خالد. وله بنون عدد، وهو معدود فى المؤلفة قلوبهم. وتوفى بمكة، وهو أخو أميرها عتاب بن أسيد. ذكره بمعنى هذا ابن عبد البر.
وذكر فى ترجمة أخيه عتاب، ما يخالف ما ذكره فى تاريخ وفاته، وما يشعر بعدم إسلامه؛ لأنه قال: وأما أخوه خالد بن أسيد، فذكر محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت عبد العزيز بن معاوية، من ولد عتّاب بن أسيد، ونسبه إلى عتّاب بن أسيد، يقول: مات خالد بن أسيد، وهو أخو عتاب بن أسيد لأبيه وأمه، يوم فتح مكة، قبل دخول النبى ﷺ مكة. انتهى.
وروينا فى تاريخ الأزرقى خبرا فيه: أن خالد بن أسيد كان فى الحجر حين أذّن بلال رضى الله عنه للظهر على الكعبة. وفيه قال خالد بن أسيد: الحمد لله الذى أكرم أبى فلم يسمع بهذا اليوم، وكان أسيد مات قبل الفتح بيوم. روى هذا الخبر الأزرقى عن جده عن الإمام الشافعى عن الواقدى عن أشياخه.
وفى السيرة لابن إسحاق، تهذيب ابن هشام، ما يخالف ما ذكرناه عن الأزرقى؛ لأن فيها أن النبى ﷺ ، دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذّن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام، جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه. انتهى.
قال ابن عبد البر: قال ابن دريد: كان أسيد بن أبى العيص جزارا. انتهى.
١٠٩٩ ـ خالد بن البكير بن عبد ياليل الليثى العدوى، حليف بنى عدى:
كان جده حالف فى الجاهلية نفيل بن عبد العزى، فصار هو وولده من حلفاء بنى عدى، شهد بدرا، وقتل يوم الرجيع (١)، فى صفر سنة أربع من الهجرة. ذكره أبو عمر ابن عبد البر وقال: لا أعلم لهم رواية، يعنى خالدا وإخوته.
وذكر ابن الأثير من حال خالد ما ذكره ابن عبد البر، وزيادة، منها: وكان عمر خالد لما قتل، أربعا وثلاثين سنة. أخرجه الثلاثة. انتهى.
стр. 1318
١١٠٠ ـ خالد بن أبى جبل ـ بجيم مفتوجة وباء موحدة مفتوحة، وقيل بجيم مكسورة وياء مثناة من تحت ساكنة ـ العدوانى، من عدوان بن قيس بن عيلان:
سكن الطائف، كان ممن بايع تحت الشجرة، له حديث واحد. روى عنه ابنه عبد الرحمن. ذكره بمعنى هذا ابن عبد البر وابن الأثير، وأورد له حديثا من رواية ابنه عبد الرحمن عنه، أنه أبصر النبى ﷺ فى مشربة ثقيف، قائما على قوس وهو يقرأ: (وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ) [الطارق: ١] حتى ختمها، فوعيتها فى الجاهلية وأنا مشرك. الحديث (١).
وذكر أن بعضهم رواه عن خالد بن أبى جبل، عن أبيه، قال: وهو وهم.
وحكى ابن الأثير فى ضبط أبى جبل الوجهين اللذين ذكرناهما. ونقل الوجه الأول عن يحيى بن معين، وإسحاق بن إسماعيل الطّالقانى، وهشام بن عمار. ونقل عن ابن ماكولا أنه أصح. ونقل الوجه الثانى من البخارى. والله أعلم بالصواب. ونقل عن العسكرى أنه نزل الكوفة. انتهى بالمعنى. وقال ابن الأثير: أخرجه الثلاثة.
١١٠١ ـ خالد بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشى الأسدى:
أخو حكيم بن حزام، وابن أخى خديجة بنت خويلد. قال الزبير: حدثنى عبد الرحمن ابن المغيرة الحزامى، وحدثنى عمى مصعب بن عبد الله، عن غير واحد من الحزاميين، وعن الواقدى عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزامى، أن عبد الرحمن بن المغيرة، أخبره أن خالد بن حزام، خرج من مكة مهاجرا. وبلغ الزبير خبره، فسر بذلك، فمات خالد فى
стр. 1319
الطريق، فأنزل الله عزوجل فيه: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ). [النساء: ١٠٠] انتهى.
وذكر ابن عبد البر، أنه هاجر إلى الحبشة فى الثانية، فمات فى الطريق قبل أن يصل، من حية نهشته، فنزلت على ما روى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً). ولم أره فى «عيون الأثر» فى أسماء المهاجرين إلى الحبشة. وذكره ابن الأثير والكاشغرى والذهبى، وذكر أن عروة بن الزبير قال: إن الآية نزلت فيه. وذكر ابن قدامة أنه أسلم قديما. وكذلك قال ابن الأثير.
١١٠٢ ـ خالد بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد الأسدى:
ابن أخى المذكور قبله. ذكر ابن عبد البر: أنه أسلم يوم الفتح، هو وإخوته: هشام وعبد الله ويحيى، وأن لهم صحبة.
روى له حديث منقطع على ما ذكر الذهبى، وهو على ما ذكر ابن الأثير والكاشغرى حديث: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة أشدهم عذابا فى الدنيا». وذكر أبو عمر، أن حديثه عند بكير بن الأشج عن الضحاك عنه.
وبخالد هذا، كان يكنى أبوه. وذكره ابن الأثير بمعنى ما سبق، وقال: أخرجه الثلاثة.
١١٠٣ ـ خالد بن الحويرث القرشى المخزومى المكى:
روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعنه ابنه محمد بن خالد، وعلى بن زيد بن جدعان، وهو صاحب حديث: «إن الأرنب تحيض» (١).
روى له أبو داود هذا الحديث، ولم يرو له حديثا سواه. وسئل عنه يحيى بن معين، فقال: لا أعرفه. وذكره ابن حبان فى الثقات.
стр. 1320
١١٠٤ ـ خالد بن سارة، ويقال: خالد بن عبيد بن سارة القرشى المخزومى المكى:
روى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن جعفر بن أبى طالب. وروى عنه ابنه جعفر، وخالد، وعطاء بن أبى رباح. روى له أصحاب السنن الأربعة، إلا أن النسائى، إنما روى له فى اليوم والليلة حديثا. وليس له عند الثلاثة أيضا إلا حديث واحد. وذكره ابن حبان فى الثقات (١).
١١٠٥ ـ خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب القرشى الأموى، أبو سعيد:
قال الزبير بن بكار: وكان إسلام خالد متقدما، يقولون: كان خامسا، وأسلم أخوه عمرو، وهاجرا جميعا إلى أرض الحبشة. وكانا ممن قدم على رسول الله ﷺ فى السفينتين. قال: ولعمرو وخالد، يقول أبان أخوهما ـ وكان إسلامه تأخر، يعاتبهما على إسلامهما، فذكر بيتين لأبان، وثلاثة أبيات لعمرو بن سعيد، قد سبق ذلك فى ترجمة أبان. وقال: حدثنى رجل عن الأصمعى، عن ابن أبى الزناد، عن إبراهيم بن
стр. 1321
عقبة، عن أم خالد بنت خالد، عن أبيها قالت: أبى أول من كتب: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ).
قال الزبير: توفى رسول الله ﷺ ، وهو عامله على اليمن. وقال: قتل يوم مرج الصّفّر شهيدا. وقال: ووهب له عمرو بن معدى كرب الصّمصامة. وقال حين وهبه أبياتا، منها قوله [من الوافر]:
حبوت به كريما من قريش ... فصنّ به وصين عن اللئام
وأمه أم خالد بنت خباب بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر. انتهى.
وذكره ابن عبد البر، فقال: أسلم قديما بعد أبى بكر الصديق رضى الله عنه فيما قيل، فكان ثالثا أو رابعا. وقيل: أسلم مع إسلام الصديق رضى الله عنه، قاله ضمرة بن ربيعة. وقيل: كان خامسا. وهذا يروى عن أم خالد بنت خالد بن سعيد المذكور. وسئلت عمن تقدمه، فقالت: علىّ بن أبى طالب وابن أبى قحافة، وزيد بن حارثة، وسعد بن أبى وقّاص رضى الله عنهم، وذكرت ابنته أيضا، أنه هاجر فى الهجرة الثانية إلى الحبشة، وأقام بها بضع عشرة سنة، وقدم على النبى ﷺ ، مع جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه فى السفينتين إلى خيبر، فكلم النبى ﷺ المسلمين، فأسهموا لهم، ورجع خالد رضى الله عنه إلى المدينة مع النبى ﷺ وشهد معه عمرة القضية، وفتح مكة وحنينا والطائف وتبوك، وبعثه رسول الله ﷺ على صدقات اليمن، كذا فى رواية عن أم خالد.
وفى رواية أخرى، أن النبى ﷺ ، استعمل خالد بن سعيد على صدقات مذحج، واستعمله على صنعاء اليمن، فلم يزل عليها، إلى أن مات النبى ﷺ . ويروى أنه وأخويه أبان وعمرا، رجعوا عن عمالتهم بعد النبى ﷺ ، فسألهم الصديق رضى الله عنه البقاء عليها. فقالوا: لا نعمل لأحد بعد النبى ﷺ ، ثم مضوا إلى الشام، فقتلوا جميعا. وكان قتل خالد بأجنادين على ما قاله ابن عقبة عن ابن شهاب، وقيل يوم مرج الصّفّر.
وسبب إسلامه، قضية رآها فى النوم، وهى أنه رأى أنه وقف على شفير النار، وأن أباه يدفعه فيها، والنبى ﷺ آخذ بحقويه لا يقع، فذكرها لأبى بكر رضى الله عنه، فأشار عليه بالإسلام، فأسلم. فغضب عليه أبوه وضربه وامتنع من بره، ثم دعا خالد على أبيه بالهلاك، فاستجيب له، وذلك أن أباه مرض فقال: لئن رفعنى الله من مرضى هذا، لا يعبد إله ابن أبى كبشة بمكة أبدا، فقال خالد بن سعيد عند ذلك: اللهم لا ترفعه، فتوفى فى مرضه ذلك.
стр. 1322
ذكر هذا الخبر ابن سعد مسندا. وذكره ابن عبد البر، ومن كتابه الاستيعاب لخصنا بالمعنى ما نقلناه عنه من حال خالد بن سعيد. وقد ذكر ما ذكرناه من حاله ابن الأثير بالمعنى، وزاد على ذلك؛ لأنه قال: وتأخر خالد وأخوه أبان عن بيعة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فقال: لبنى هاشم: «إنكم لطوال الشجر طيبوا الثمر، ونحن تبع لكم». فلما بايع بنو هاشم أبا بكر، بايعه خالد وأبان، ثم استعمل أبو بكر رضى الله عنه خالدا على جيش من جيوش المسلمين حين بعثهم إلى الشام. انتهى.
وفى خبر إسلامه الذى ذكره ابن الأثير، وابن عبد البر، أن النبى ﷺ سرّ بإسلامه.
١١٠٦ ـ خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومى:
أمير مكة. قال صاحب الاستيعاب فى ترجمته: وولّى عمر بن الخطاب خالد بن العاص رضى الله عنهما هذا مكة، إذ عزل عنها نافع بن عبد الحارث الخزاعى، وولاه أيضا عليها عثمان بن عفان رضى الله عنه. انتهى.
وذكر ابن عبد البر فى الاستيعاب أيضا: ما يقتضى أن خالدا هذا قام فى ولاية مكة لعثمان، إلى أن عزله علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، لما ولى الخلافة بعد عثمان رضى الله عنه، بأبى قتادة الأنصارى؛ لأنه قال فى ترجمة قثم بن العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه: وكان قثم بن العباس واليا لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه على مكة. وذلك أن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، لما ولى الخلافة، عزل خالد بن العاص بن هشام ابن المغيرة المخزومى عن مكة، وولاها أبا قتادة الأنصارى، ثم عزله وولّى قثم بن العباس، فلم يزل واليا عليها، حتى قتل علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، هذا قول خليفة. انتهى.
وذكر الذهبى: أنه ولى مكة لعمر وعثمان رضى الله عنهما. انتهى.
وقال ابن جرير فى أخبار سنة ثلاث وأربعين: وكان على مكة خالد بن العاص بن هشام. وذكر ذلك فى أخبار سنة خمس وست وسبع وثمان وأربعين. فاستفدنا من هذا، أنه ولى مكة لمعاوية فى هذا التاريخ وحياته فيه.
وقال ابن عبد البر فى ترجمة خالد هذا: له رواية عن النبى ﷺ ، ويقولون: لم يسمع منه. روى عنه ابنه عكرمة بن خالد. انتهى.
стр. 1323
وذكره ابن الأثير، وذكر من حاله تولية عمر وعثمان له على مكة. وذكر له حديثين، أحدهما أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن بيع الخمر، فقال: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها». ذكره من رواية ابنه عكرمة عنه بغير إسناد (١).
والحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تدخلوها» (٢).
رواه ابن الأثير بإسناده إلى الطبرانى، وساق إسناد الطبرانى فيه إلى حمّاد بن سلمة، عن عكرمة بن خالد، عن أبيه، عن جده، ثم قال ابن الأثير بعد ذكره للحديث: كذا أورده الطبرانى، وهو وهم؛ لأن جدّ عكرمة على ما ذكره، هو العاص، وخالد والد عكرمة لا جدّه. انتهى.
وإسناد الطبرانى فيه حديث محمد بن عبد الله الحضرمى، قال: حدثنا شيبان بن فرّوخ، قال: حدثنا حمّاد بن سلمة، عن عكرمة بن خالد، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول الله ﷺ . فذكر الحديث، ثم قال: وروى أبو موسى بإسناده عن حبان بن هلال،
стр. 1324
عن حمّاد ابن سلمة، عن عكرمة بن خالد، عن أبيه أو عمه، أن النبى ﷺ قال فى غزوة تبوك: «إذا كان الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها».
وذكر الذهبى، أن ابنه عكرمة روى عنه قليلا. وذكر ابن عبد البر أيضا، أن عمر قتل العاص، وأنه خال عمر، فيكون خالدا ابن خاله.
١١٠٧ ـ خالد بن عبد الله الخزاعى، ويقال السّلمىّ:
حديثه عن النبى ﷺ ، أنه رجع يوم حنين بالسّبى، حتى قسمه بالجعرّانة، وإسناد حديثه هذا لا تقوم به حجة؛ لأنهم مجهولون. ذكره ابن عبد البر هكذا.
١١٠٨ ـ خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز بن عامر البجلىّ، يكنى أبا القاسم وأبا الهيثم، ويعرف بالقسرىّ:
أمير مكة والعراق. ولى مكة للوليد بن عبد الملك، ولأخيه سليمان بن عبد الملك. وولى العراق لهشام بن عبد الملك، نحو خمس عشرة سنة، ثم عزل عن ذلك، وعذّب عذابا شديدا حتى مات.
ورأيت فى بعض الأخبار، ما يوهم أنه ولى مكة لهشام بن عبد الملك، وسيأتى إن شاء الله ذلك، وأستبعد صحته. والله أعلم.
وذكر الأرزقى: أنه ولى مكة لعبد الملك بن مروان، فى موضعين من كتابه؛ لأنه قال
стр. 1325
فى الترجمة التى ترجم عليها بقوله: «ما جاء فى أول من استصبح حول الكعبة، وفى المسجد الحرام بمكة وليلة هلال المحرم» بعد ذكره للمصباح الذى وضعه عقبة بن الأزرق ابن عمرو الغسّانى، على داره الملاصقة للمسجد: فلم يزل يضع ذلك ـ يعنى عقبة ـ على حرف الدار، حتى كان خالد بن عبد الله القسرى، فوضع مصباح زمزم مقابل الركن الأسود، فى خلافة عبد الملك بن مروان، فمنعنا أن نضع ذلك المصباح.
والموضع الآخر، فى الترجمة التى ترجم عليها بقوله: «أول من أدار الصفوف حول الكعبة» لأنه قال فيها: فلما ولى خالد بن عبد الله القسرىّ مكة لعبد الملك بن مروان، فذكر قصة يأتى ذكرها.
وقد اختلف فى تاريخ ولاية خالد على مكة، فى خلافة الوليد بن عبد الملك، فحكى ابن الأثير فى ذلك ثلاثة أقوال.
أولها: ان ذلك سنة تسع وثمانين. وثانيها: سنة إحدى وتسعين. وثالثها: سنة ثلاث وتسعين.
ورأيت فى مختصر تاريخ ابن جرير الطبرى، ما يشهد للقول الثانى والثالث فى تاريخ ولاية خالد.
وقد ذكر الأزرقى أشياء من خبر خالد بن عبد الله القسرى بمكة، يناسب ذكرها عنه هنا.
ونص ما ذكره: حدثنى جدى عن سفيان بن عيينة، قال: أول من أدار الصفوف حول الكعبة، خالد بن عبد الله القسرى، حدثنى جدى، قال: حدثنى عبد الرحمن بن حسن بن القاسم بن عقبة الأزرقى، عن أبيه قال: كان الناس يقومون قيام شهر رمضان، فى أعلا المسجد الحرام، تركز حربة خلف المقام بربوة، فيصلى الإمام خلف الحربة والناس وراءه، فمن أراد صلى مع الإمام، ومن أراد طاف بالبيت وركع خلف المقام، فلما ولى خالد بن عبد الله القسرى مكة لعبد الملك بن مروان، وحضر شهر رمضان، أمر خالد القرّاء، أن يتقدموا فيصلوا خلف المقام، وأدار الصفوف حول الكعبة. وذلك أن الناس ضاق عليهم أعلا المسجد، فأدارهم حول الكعبة فقيل له: تقطع الطواف لغير المكتوبة! قال: فأنا آمرهم ليطوفوا بين كل ترويحتين بطواف سبع، فأمرهم ففصلوا كل ترويحتين بطواف سبع. فقيل له: فإنه يكون فى مؤخر الكعبة وجوانبها، من لا يعلم بانقضاء طواف الطائف، من مصلّ وغيره، فيتهيأ للصلاة، فأمر عبيدا للكعبة أن يكبروا حول الكعبة يقولون: الحمد لله والله أكبر، فإذا بلغوا الركن الأسود فى الطواف
стр. 1326
السادس، سكتوا بين الركنين سكتة، حتى يتهيأ الناس ممن فى الحجر ومن فى جوانب المسجد، من مصلّ أو غيره، فيعرفون ذلك بانقطاع التكبير، ويصلى ويخفف المصلى صلاته ثم يعودون إلى التكبير حتى يفرغوا من السبع، فيقوم مسمّع فينادى: الصلاة رحمكم الله، قال: وكان عطاء بن أبى رباح، وعمرو بن دينار، ونظراؤهم من العلماء، يرون ذلك ولا ينكرونه.
قال: وحدثنى جدى، قال: أول من استصبح بين الصفا والمروة، خالد بن عبد الله القسرى، فى خلافة سليمان بن عبد الملك، فى الحج وفى رجب.
وقال الأزرقى: حدثنى جدى، عن عبد الرحمن بن حسين بن القاسم، عن أبيه، قال: كان الرجال والنساء يطوفون معا مختلطين، حتى ولى مكة خالد بن عبد الله القسرى لعبد الملك بن مروان، ففرق بين الرجال والنساء فى الطواف، فأجلس عند كل ركن حرسا معهم السياط، يفرقون بين الرجال والنساء، فاستمر ذلك إلى اليوم. قال جدّى: سمعت سفيان بن عيينة يقول: خالد القسرى، أول من فرق بين الرجال والنساء فى الطواف. انتهى
وقال: «ذكر ما عمل فى المسجد الحرام من البرك والسّقايات»: حدثنى جدّى قال: ثنا عبد الرحمن بن حسين بن القاسم بن عقبة بن الأزرقى، عن أبيه، قال: كتب سليمان ابن عبد الملك بن مروان إلى خالد بن عبد الله القسرى: أن أجر لى عينا، تخرج من الثقبة من مائها العذب الزّلال، حتى تظهر بين زمزم والركن الأسود، ويضاهى بها زعم ماء زمزم، قال: فعمل خالد بن عبد الله القسرى البركة التى بفم الثقبة. ويقال لها بركة القسرى. ويقال لها أيضا بركة البردى بئر ميمون، وهى قائمة إلى اليوم بأصل ثبير، فعملها بحجارة منقوشة طوال، وأحكمها، وأنبط ماءها فى ذلك الموضع، ثم شق لها عينا تسكب فيها من الثقبة، وبنى سدّ الثقبة وأحكمه، والثقبة شعب يفرع فيه وجه ثبير، ثم شق من هذه البركة عينا تجرى إلى المسجد الحرام، فأجراها فى قصب من رصاص، حتى أظهرها فى فوّارة تسكب فى فسقية من رخام، بين زمزم والركن والمقام. فلما أن جرت وظهر ماؤها. أمر القسرى بجزر فنحرت بمكة وقسّمت بين الناس، وعمل طعاما، فدعا عليه الناس، ثم أمر صائحا فصاح: الصلاة جامعة، ثم أمر بالمنبر فوضع فى وجه الكعبة، ثم صعد فحمد الله سبحانه وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، احمدوا الله ﵎، وادعوا لأمير المؤمنين الذى سقاكم الماء العذب الزّلال النقاخ بعد الماء المالح الأجاج، الذى لا يشرب إلا صبرا ـ يعنى زمزم ـ قال: ثم تفرغ تلك الفسقية فى سرب من رصاص، يخرج إلى وضوء كان عند باب المسجد ـ باب الصفا ـ فى بركة كانت فى
стр. 1327
السوق. قال: فكان الناس لا يقفون على تلك الفسقية، ولا يكاد واحد يأتيها. وكانوا على شرب ماء زمزم أرغب ما كانوا فيها، قال: فلما رأى ذلك القسرى صعد المنبر، فتكلم بكلام يؤنّب فيه أهل مكة.
فلم تزل تلك البركة على حالها، حتى قدم داود بن على بن عبد الله بن عباس ـ رضوان الله عليهم ـ مكة، حين أفضت الخلافة إلى بنى هاشم، فكان أول ما أحدث بمكة، هدمها، ورفع الفسقية وكسرها، وجرف العين إلى بركة كانت بباب المسجد. قال: فسر الناس بذلك سرورا عظيما حين هدمت. انتهى.
وذكر الفاكهى أخبارا عن خالد القسرى يحسن ذكرها أيضا. ونص ما ذكره: وكان من ولاة مكة من غير قريش، رجال من أهل اليمن، منهم خالد بن عبد الله القسرى، وليها للوليد بن عبد الملك، ثم أقره سليمان عليها حين ولى زمانا، فأحدث أشياء بمكة، منها ما ذمه الناس عليه، ومنها ما أخذوا به، فهم عليه إلى اليوم.
فأما الأشياء التى تمسكوا بها من فعله، فالتكبير فى شهر رمضان حول البيت، وإدارة الصف حول البيت، والتفرقة بين الرجال والنساء فى الطواف، والثريد الخالدى.
وأما الأشياء التى ذموه عليها: فعمله البركة عند زمزم والركن والمقام، لسليمان بن عبد الملك، والحمل على قريش بمكة، وإظهار العصبية عليهم. وكان هو أول من أظهر اللعن على المنبر بمكة فى خطبته.
فحدثنى عبد الله بن أحمد بن أبى مسرة، قال: حدثنا يوسف بن محمد العطار، عن داود بن عبد الرحمن العطار، إن شاء الله تعالى، قال: كان خالد بن عبد الله القسرى فى إمرته على مكة، فى زمن الوليد بن عبد الملك، يذكر الحجاج فى خطبته كل جمعة إذا خطب ويقرظه. فلما توفى الوليد وبويع لسليمان بن عبد الملك، أقر خالدا على مكة، وكتب إلى عماله يأمرهم بلعن الحجاج بن يوسف. فلما أتاه الكتاب، قال: كيف أصنع! . كيف أكذب نفسى فى هذه الجمعة بذمه، وقد مدحته فى الجمعة التى قبلها؟ ما أدرى كيف أصنع؟ فلما كان يوم الجمعة خطب، ثم قال فى خطبته: أما بعد، أيها الناس، إن إبليس كان من ملائكة الله فى السماء وكانت الملائكة ترى له فضلا بما يظهر من طاعة الله وعبادته، وكان الله عزوجل قد اطّلع على سريرته، فلما أراد أن يهتكه أمره بالسجود لآدم ﵇، فامتنع، فلعنه وإن الحجاج بن يوسف، كان يظهر من طاعة الخلفاء، ما كنا نرى له بذلك علينا فضلا، وكنا نزكّيه، وكان الله قد أطلع سليمان أمير المؤمنين من سريرته وخبث مذهبه، على ما لم يطلعنا عليه. فلما أراد الله
стр. 1328
تبارك وتعالى هتك ستر الحجاج، أمرنا أمير المؤمنين سليمان بلعنه فالعنوه لعنه الله. وكانت قريش بمكة أهل كثرة وثروة، وأهل مقال فى كل مقام، هم أهل النادى والبلد، وعليهم يدور الأمر، وفى الناس يومئذ بقية ومسكة، فأحدث خالد بن عبد الله فى ولايته هذه حدثا منكرا. فقام إليه رجل من بنى عبد الدار بن قصى، يقال له طليحة بن عبد الله بن شيبة، ويقال بل هو عبد الله بن شيبة الأعجم، كما سمعت رجلا من أهل مكة يحدث بذلك، فأمره بالمعروف ونهاه عما فعل، فغضب خالد غضبا شديدا، وأخاف الرجل، فخرج الرجل إلى سليمان بن عبد الملك يشكو إليه ويتظلم منه. فحدثنا الزبير بن أبى بكر قال: حدثنا محمد بن الضحاك، عن أبيه، قال: أخاف رجلا من بنى عبد الدار، خالد بن عبد الله القسرى، وهو عامل على مكة، فخرج إلى سليمان بن عبد الملك فشكا إليه أمره. فكتب إلى خالد، أن لا يتعرض له بأمر يكرهه. فلما جاء الكتاب، وضعه ولم يفتحه، وأمر به فبرز وجلده، ثم فتح الكتاب فقرأه، فقال: لو كنت دريت بما فى كتاب أمير المؤمنين لما ضربتك. فرجع العبدرىّ إلى سليمان فأخبره فغضب، وأمر بالكتاب فى قطع يد خالد. فكلمه فيه يزيد بن المهلب، وقبّل يده، فوهب له يده، وكتب فى قوده منه، فجلد خالدا مثل ما جلده. فقال الفرزدق (١) [من الطويل]:
لعمرى لقد صبّت (٢) على ظهر خالد ... شآبيب ما استهللن من سبل القطر
أيجلد فى العصيان من كان عاصيا (٣) ... ويعصى (٤) أمير المؤمنين أخا قسر
وقال أيضا (٥) [من الطويل]:
سلوا خالدا لا قدس (٦) الله خالدا ... متى وليت قسر قريشا تهينها (٧)
أبعد رسول الله أم قبل عهده (٨) ... وجدتم قريشا قد أغث سمينها (٩)
رجونا هداه لا هدى الله قلبه (١٠) ... وما (١١) أمه بالأم يهدى جنينها
стр. 1329
حدثنى عبد الله بن أحمد بن أبى مسرة، قال: حدثنى الشّويفعىّ، قال: حدثنى بعض المحدثين، أن هشام بن عبد الملك، كتب إلى خالد القسرى يوصيه بعبد الله بن شيبة الأعجم، فأخذ الكتاب فوضعه، ثم أرسل بعد ذلك إلى عبد الله بن شيبة، يسأله أن يفتح له الكعبة، فى وقت لم ير ذلك عبد الله بن شيبة، وامتنع عليه، فدعا به، فضربه مائة سوط على ظهره، فخرج عبد الله بن شيبة، هو ومولى له على راحلتين، فأتى هشاما، فكشف عن ظهره بين يديه، وقال: له: هذا الذى أوصيته بى! فقال: إلى من تختار أكتب لك؟ قال: إلى خالك محمد بن هشام، قال: فكتب إليه: إن كان خالد ضربه بعد أن أوصل إليه كتابى وقرأه، فاقطع يده، وإن كان ضربه ولم يقرأ كتابى، فأقده منه، قال: فقدم بالكتاب على محمد بن هشام، فدعا بالقسرى فقرأه عليه، فقال: الله أكبر يا غلام، إيت بالكتاب، قال: فأتاه به مختوما لم يقرأه، قال: فأخرجه محمد بن هشام إلى باب المسجد، وحضره القرشيون والناس، فجرده، ثم أمر به أن يضرب، فضرب مائة، فلما أصابه الضرب، كأنه تمايل بعد ذلك فى ضربه، قال: ثم لبس ثيابه فرجع إلى امرأته، فقال الفرزدق فى ذلك:
سلوا خالدا
فذكر نحو حديث الزبير الأول، وزاد فيه، قال: فقالت أم الضحاك، وهى يمانية [من الطويل]:
فما جلد القسرى فى أمر ريبة ... وما جلد القسرى فى شرب الخمر
فلا يأمن النمام من كان محرما ... بملقى الحجيج بين زمزم والحجر
له جلم يسمى الحسام وشفرة ... هذام فما يفرى الشفار كما تفرى
تعرض للأعجم أنه يسرق الحاج. انتهى.
وهذا الخبر الأخير، الذى فيه ذكر هشام بن عبد الملك، هو الخبر الذى أشرنا إليه، أنه يدل على أن خالد القسرى، ولى مكة لهشام بن عبد الملك.
وذكر ابن جرير فى موضع البئر التى حفرها القسرى، وأجرى منها الماء إلى المسجد، ما يخالف ما ذكره الأزرقى، وذكر خطبة القسرى فى ذلك، وفيما ما هو أشنع مما ذكره الأزرقى؛ لأنه قال فى أخبار سنة تسع وثمانين: ولى خالد بن عبد الله القسرى مكة، فيما زعم محمد بن عمر الواقدى، قال: سمعت خالد بن عبد الله يقول على منبر مكة،
стр. 1330
وهو يخطب: أيها الناس، أيّما أعظم، أخليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة، إلا أن إبراهيم ﷺ خليل الرحمن، استسقى فسقاه ملحا أجاجا، واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا، بئرا حفرها الوليد بن عبد الملك بالثّنيّتين: ثنّية طوى وثنّية الحجون. فكان ينقل ماؤها فيوضع فى حوض من أدم إلى جنب زمزم، ليعرف فضله على زمزم. قال: ثم غارت البئر، فلا يدرى أين هى اليوم. انتهى.
وقد أنكر الذهبى وقوع هذا من خالد القسرى؛ لأنه قال بعد أن ذكر كلام ابن جرير هذا: قلت: ما أعتقد أن هذا وقع. انتهى.
ومن السوء المحكى عن خالد القسرى، أنه كان يقع فى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، لأن الذهبى نقل عن يحيى بن معين، أنه قال: كان رجل سوء يقع فى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. انتهى. وذكره الذهبى فى المعنى، فقال: ناصبىّ سبّاب. انتهى.
ولم يمت خالد القسرى، حتى أمر الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بتعذيبه، فعذب خالد عذابا شديدا، حتى مات تحت العذاب. وقال البخارى: إنه مات قريبا من سنة عشرين ومائة.
وقال خليفة: مات سنة ست وعشرين ومائة. وبه جزم الذهبى فى العبر، وزاد فى المحرم، وله ستون سنة.
وكان جوادا ممدحا خطيبا مفوّها، ولخالد رواية عن جده، ولجده صحبة.
روى عنه حميد الطويل، وإسماعيل بن أبى خالد، وحبيب بن أبى حبيب، وجماعة.
روى له البخارى فى خلق أفعال العباد، قصة ذبحه للجعد بن درهم. وروى له أبو داود، أنه أضعف الصاع فجعله ستة عشر رطلا (١٢).
وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال غيره: كان أشرف من أن يكذب. وله فى الجود أخبار، منها على ما قال الأصمعى: حدثنى الوليد بن نوح، قال: سمعت خالد القسرى على المنبر يقول: إنى لأطعم كل يوم ستة وثلاثين ألفا من الأعراب، من تمر وسويق.
стр. 1331
وقال الأصمعى: دخل أعرابى على خالد بن عبد الله فى يوم يجلس الشعراء عنده، وقد كان قال فيه بيتى شعر فمدحه. فلما سمع قول الشعراء أصغر عنده ما قال، فلما انصرف الشعراء بجوائزهم، بقى الأعرابى، فقال خالد: ألك حاجة؟ فأنشده البيتين. وهما [من الطويل]:
تعرضت لى بالجود حتى نعشتنى ... وأعطيتنى حتى ظننتك تلعب
فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى ... حليف الندى ما للندى عنك مذهب
فقال: سل حاجتك، فقال: علىّ من الدّين خمسون ألفا، قال: قد أمرت لك بها وشفعتها.
١١٠٩ ـ خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن سلمة المخزومى المكى:
عن إسماعيل بن أمية، ومسعر، والثورى، وغيرهم. وعنه: يحيى بن عبدك القزوينى، وأبو الدرداء عبد العزيز بن منيب، وأبو يحيى عبد الله بن أحمد بن أبى مسرّة المكى، ويحيى بن المغيرة المخزومى المكى، ومحمد بن الفرح المكى، ومحمد بن ميمون الخياط المكى وغيرهم.
قال البخارى: ذاهب الحديث. وقال أبو حاتم: تركوا حديثه. وقد جعل ابن عدى خالد بن عبد الرحمن المخزومى هذا، وخالد بن عبد الرحمن الخراسانى واحدا. وفرق بينهما العقيلى وغيره. قال المزى: هو الصحيح. والله أعلم. كتبت هذه الترجمة من التهذيب للمزى. وذكر أنه ذكرها للتمييز.
وقال صاحبنا الحافظ أبو الفضل: «وفرق بينهما أيضا ابن أبى حاتم، والمخزومى ذكر ابن يونس أنه مات سنة اثنتى عشرة ومائتين. بمصر، ثم قال: وقال الحاكم أبو أحمد: خالد بن عبد الرحمن المخزومى الخراسانى، سكن مكة، حديثه ليس بالقائم. قلت: قوله الخراسانى خطأ أيضا». انتهى.
١١١٠ ـ خالد بن عبد العزى بن سلامة الخزاعى، أبو جياش:
يعد فى الحجازيين. له صحبة. روى عنه ابنه مسعود بن خالد، أن النبىصلى الله عليه وسلم، نزل عليه فأجزره شاة. وكان عيال خالد كثيرا، فأكل منها النبى ﷺ ، وأعطى فضله عيال
стр. 1332
خالد، فأكلوا منها وأفضلوا. أخرجه ابن مندة وأبو نعيم. ذكره هكذا ابن الأثير.
١١١١ ـ خالد بن عرفطة الليثى، ويقال البكرى، من بنى ليث بن بكر بن عبد مناة، ويقال بل هو من قضاعة من بنى عذرة:
وهذا القول هو الصواب فى نسبه، والحق إن شاء الله تعالى على ما قال ابن عبد البر، وذكر نسبه إلى قضاعة ورفع فيه، ورفع أيضا فى نسبه إلى ليث قليلا. وتعقب عليه ابن الأثير شيئا فيما ذكره من نسبه إلى عذرة.
قال ابن الأثير: وأما قول ابن مندة: إنه خزاعى، فليس بشئ، والله أعلم. انتهى.
والقول بأنه بكرى، قاله أبو حاتم؛ وقال: إنه حليف بنى زهرة. وقال البخارى أيضا: إنه حليف بنى زهرة. وذكر ذلك ابن عبد البر، وابن الأثير وأورد له حديثين، عن النبى ﷺ أحدهما: «من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (١) من رواية مسلم، مولى خالد بن عرفطة عنه. والآخر: أن النبى ﷺ قال له: «إنها ستكون أحداث وفرقة واختلاف، فإذا كان كذلك، فإن استطعت أن تكون المقتول لا القاتل، فافعل» (٢). وهذا الحديث من رواية أبى عثمان النهدى، عن خالد بن عرفطة.
وذكر له الترمذى حديثا اختلف فيه، هل هو من روايته أو من رواية سليمان بن صرد، عن النبى ﷺ ، حديث: «من قتله بطنه لم يعذب فى قبره» (٣).
стр. 1333
وهذا الحديث رواه النسائى والطبرانى، ووقع لنا من حديث الطبرانى عاليا جدا، وصرح أبو حاتم بصحبته؛ لأنه قال: خالد بن عرفطة الليثى حليف بنى زهرة، له صحبة. وقال الطبرانى: كان ـ يعنى خالد بن عرفطة ـ خليفة سعد بن أبى وقاص على الكوفة.
وقال خليفة بن خياط: لما سلم الأمر الحسن إلى معاوية، خرج عليه عبد الله بن أبى الجوشن بالنحلة، فبعث إليه معاوية خالد بن عرفطة العذرىّ ـ حليف بنى زهرة ـ فى جمع من أهل الكوفة، فقتل ابن أبى الجوشن، ويقال ابن أبى الحمساء.
قال ابن عبد البر: سكن خالد بن عرفطة الكوفة، ومات بها سنة ستين، وقيل سنة إحدى وستين، عام قتل الحسين رضى الله عنه. وممن قال بهذا القول، أبو بكر بن ثابت. وقال صاحبنا أبو الفضل الحافظ: قلت: وذكر الدولابى، أن المختار بن أبى عبيد، قتله بعد موت يزيد بن معاوية. فيكون ذلك بعد سنة أربع وستين. والله أعلم. انتهى.
١١١٢ ـ خالد بن عقبة بن أبى معيط أبان بن أبى عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب القرشى الأموى:
أسلم يوم فتح مكة، على ما ذكر ابن عبد البر، وذكره الزبير بن بكار، فقال: كان حسن المذهب. شهد الحسن بن علىّ من بين أهله وأمسكوه، فتفلّت عنهم حتى شهده، وهو الذى رثى سعيد بن عثمان بن عفان رضى الله عنهم فقال (١) [من البسيط]:
يا عين جودى بدمع منك تهتانا ... وابكى سعيد بن عثمان بن عفانا
إن ابن زبية لم تصدق مودته ... وفر عنه ابن أرطأة بن سيحانا
قال الزبير: أنشدنيهما عمى مصعب بن عبد الله هكذا. قال: يعنى: عبد الرحمن بن أرطأة بن سيحان المحاربى، حليف بنى أمية، قال: وكان مع سعيد بن عثمان حين قتله غلمانه من الصغد. فقال عبد الرحمن بن أرطأة يعتذر [من الطويل]:
يقول رجال (٢): قد دعاك فلم تجب ... وذلك من تلقاء مثلك رائع
стр. 1334
فإن كان نادى دعوة فسمعتها ... فشلت يدى واستك منى المسامع
يلوموننى (٣) أن كنت فى الدار حاسرا ... وقد حاد عنها خالد وهو دارع
فقال خالد بن عقبة يرد عليه:
لعمرك ما نادى ولكن رأيته ... بعينك إذ مسعاك فى الدار واسع
قال الزبير: حدثنى إسماعيل بن أبى أويس، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، أن خالد بن عقبة بن أبى معيط، لما أخرج أهل المدينة مروان بن الحكم قال [من الطويل]:
فو الله ما أدرى وإنى لقائل ... تعاجزت يا مروان أم أنت عاجز
فررت ولما تغن شيئا وقد ترى ... بأن سوف يثنو الفعل حاد وراجز
قال: فأجابه عبد الرحمن بن الحكم فقال [من الطويل]:
أخالد أكثرت الملامة والأذى ... لقومك لما هزهزتك الهزاهز
أخالد إن الحرب عوصاء مرة ... لها كفل ناب على الكفل ناشز
تعجز مولاك الذى لست مثله ... وأنت بتعجيز امرئ الصدق عاجز
هو المرء يوم الدار لا أنت إذ دعا ... إلى الموت يمشى حاسرا من يبارز
وذكره ابن عبد البر فى الاستيعاب، وقال: كان هو وأخواه الوليد وعمارة من مسلمة الفتح، ليست له رواية فيما علمت، ولا خبرا نادرا، إلا أن له أخبارا فى يوم الدار، منها قول أزهر بن سيحان فى خالد هذا، معارضا له فى أبيات قالها، منها:
يلوموننى أن جلت فى الدار حاسرا (٤) ... وقد فر منها خالد وهو دارع
قال: وخالد بن عقبة هذا، إليه ينسب المعيطيون الذين عندنا بقرطبة. انتهى.
وذكره ابن الأثير، فقال: وخالد هذا، هو أخو الوليد بن عقبة، وهو من مسلمة الفتح، ونزل الرقة وبها عقبه، لا تعرف له رواية.
وقال أبو نعيم: يقال: إنه أدرك النبى ﷺ . وهذا صحيح؛ لأن أباه عقبة قتل يوم بدر.
فيكون خالد يوم الفتح له صحبة، وله يوم الدار فى حصر عثمان أثر، قال الأزهر بن سيحان فذكر البيت، ثم قال: وإلى خالد هذا ينسب المعطيون الذين بقرطبة. أخرجه الثلاثة.
стр. 1335
١١١٣ ـ خالد بن منقذ بن ربيعة الخزاعى الكعبى:
هو خالد الأشعر، على الخلاف فى اسم أبيه. وتقدم فى أول من اسمه خالد.
١١١٤ ـ خالد بن نافع الخزاعى، أبو نافع:
من أصحاب الشجرة. حديثه عن أبى مالك عن نافع بن خالد عن أبيه خالد.
ذكره ابن عبد البر، إلا أنه قال: أبو نافع الخزاعى. فقدم كنيته على نسبته، وخالفناه فى ذلك، لئلا يتصحف أبو نافع بابن نافع، فتصير الكنية اسما، وذكره ابن عبد البر فى ترجمة أخرى؛ لأنه قال: خالد الخزاعى. روى عنه ابنه نافع، لم يرو عنه غيره عن النبى ﷺ : «سألت ربى ثلاثا فأعطانى اثنتين ومنعنى الثالثة» (١). انتهى.
والترجمتان واحدة، على ما صرح به ابن الأثير. وذكر هذا الحديث، خالد بن نافع الخزاعى، وقال: أخرجه الثلاثة، وتعقب على ابن عبد البر فى ذكره ذلك بترجمتين، والله أعلم.