١١٤٦ ـ خنيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم السهمى:
كان من المهاجرين الأولين، شهد بدرا وأحدا، ونالته بأحد جراحات، فمات منها بالمدينة. وكان تزوج حفصة بنت عمر، قبل النبى ﷺ ، وهو من مهاجرة الحبشة. ذكره بمعنى هذا ابن عبد البر، وابن الأثير، وقال: كان من السابقين إلى الإسلام، وذكر أنه أخو عبد الله بن حذافة. وذكره الذهبى، وقال: له هجرتان.
١١٤٧ ـ خنيس بن خالد، وهو الأشعر الخزاعى الكعبى:
ذكره ابن عبد البر، ورفع فى نسبه أكثر من هذا، وقال: هكذا قال فيه إبراهيم بن سعد وسلمة جميعا عن أبى إسحاق: خنيس ـ بالخاء المنقوطة ـ وغيرهما يقول: حنيش بالحاء والشين المنقوطة، وقد ذكرناه فى الحاء. انتهى.
وذكره ابن الأثير بمعنى هذا. وقد تقدم فى الحاء المهملة. ذكره هكذا ابن عبد البر، وقال: لم يذكروه فى الصحابة، ولا أعلم له رواية. انتهى.
١١٤٨ ـ خويلد بن خالد بن منقذ بن ربيعة الخزاعىّ، أخو أم معبد:
وذكر ابن عبد البر فى نسبه غير هذا، وذلك زيادة «خليف» بين خالد ومنقذ، وقد تقدم ذلك فى ترجمة أخيه حبيش بن خالد، فى باب الحاء المهملة.
١١٤٩ ـ خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى:
هو أبو شريح الخزاعى. سيأتى فى الكنى، للخلاف فى اسمه.
стр. 1367
١١٥٠ ـ خلّاد بن يحيى بن صفوان السلمى، أبو محمد الكوفى:
نزيل مكة، روى عن إسماعيل بن عبد الملك بن أبى الصّفيراء، وعبد الرحمن بن أيمن، ومالك بن مغول، ومسعر بن كدام، وغيرهم.
روى عنه: البخارى، ومحمد بن إسحاق الصاغانى، وبشر بن موسى، وحنبل بن إسحاق، ومحمد بن سليمان الباغندىّ، وأبو زرعة الرازى، وآخرون. وروى له الترمذى وأبو داود.
وقال ابن نمير: صدوق، إلا أن فى حديثه غلطا قليلا. قال أبو داود: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: محله الصدق، ليس بذاك المعروف.
وقال أحمد بن حنبل: ثقة أو صدوق، ولكن كان يرى شيئا من الإرجاء.
وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال البخارى: سكن مكة، ومات بها قريبا من سنة ثلاث عشرة ومائتين.
وقال حنبل بن إسحاق: مات سنة سبع عشرة ومائتين، كذا رأيت فى تهذيب الكمال للمزّى، منقولا عن حنبل، ورأيت فى مختصر التهذيب للذهبى خلاف على ذلك عن حنبل؛ لأن فيه، قال حنبل: مات سنة عشرين ومائتين. انتهى.
ووجدت بخطى فيما نقلته من الثقات لابن حبان، أنه توفى سنة ثلاث عشرة ومائتين بمكة بعد أن سكنها، وقيل مات سنة اثنتى عشرة، وقيل سبع عشرة. حكاهما الذهبى فى الميزان.
* * *
стр. 1368
حرف الدال المهملة
١١٥١ ـ دانيال بن عبد العزيز بن على بن عثمان الأصبهانى، المعروف بابن العجمى المكى:
سمع من قاضى المدينة شمس الذين بن السبع، فى صفر سنة إحدى وستين بالحرم الشريف مع والدى، وهو ابن خالته، وكان شابا خيرا، ذا مروءة وسجايا حسنة. توفى ﵀ شابا سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة بمكة.
١١٥٢ ـ دانيال بن على بن سليمان بن محمود اللّرستانىّ، الكردىّ:
كان من كبار مشيخة العجم المجاورين بمكة، وله سعى مشكور فى إجراء عين بازان.
فإنه فيما بلغنى، توجه بسببها إلى مصر، ثم إلى العراق، ولحق بجوبان نائب العراقين، فحثه على أن يجريها، فأمر بعمارتها حتى جرت فى سنة ست وعشرين وسبعمائة، كما ذكرنا فى ترجمة جوبان، وحصل بها النفع العظيم، فهو شريكه فى الثواب، إذ الدال على الخير كفاعله، كما أخبر به المصطفى ﷺ ، وصح لى فى أنه سعى فى عمارتها بعد ذلك غير مرة، وكان يستدين لأجل عمارتها، وتردد إلى بلاد العجم بسبب عمارتها غير مرة.
توفى ظنّا فى عشر الخمسين وسبعمائة ببلاد العجم، تغمده الله برحمته. وهو جد والدى لأمه.
* * *
من اسمه داود
١١٥٣ ـ داود بن خالد الليثى، أبو سليمان المدنى، ويقال المكى العطار:
روى عن سعيد المقبرى، وعثمان بن أبى خيثمة القرشى. وعنه: معلى بن منصور ويحيى بن قزعة، ويحيى بن عبد الحميد الحمّانىّ.
стр. 1369
وروى له النسائى حديثا واحدا. وهو حديث أبى هريرة ـ رضى الله عنه: «من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين» (١).
وقال الحافظ بن حجر صاحبنا فى ترجمته، قلت: وقال فيه ابن حبان: من أهل المدينة، سكن مكة. وقال عثمان الدارمى: قلت لابن معين: فداود العطار؟ قال: لا أعرفه. انتهى.
ولا يقال: أراد ابن معين ـ داود بن عبد الرحمن العطار الآتى ذكره؛ لأن داود بن عبد الرحمن العطار معروف، ولا يقول فيه يحيى بن معين: لا أعرفه. وقد جعل ابن عدى ترجمة داود بن خالد الليثى هذا، وداود بن خالد بن دينار المدينى واحدة، على ما ذكر المزّى فى التهذيب؛ لأنه ترجم ابن دينار أولا، ثم ترجم الليثى. وقال فى ترجمة الليثى: ذكره البخارى، وأبو حاتم، وابن حبان، وغير واحد، مفردا عن الأول. وذكرهما أبو أحمد ابن عدى فى ترجمة واحدة، وقول من جعلهما اثنتين أولى بالصواب، والله أعلم. انتهى.
ولعل سبب جعلهما واحدا، اتفاقهما فى الاسم واسم الأب، وفى كونهما مدنيين، ولكن يتميز غير الليثى بزيادة «دينار» فى نسبه، وبشيوخه والرواة عنه، فإنهم غير شيوخ
стр. 1370
الليثى والرواة عنه، وبأن ابن دينار لم يرو له من أصحاب الكتب الستة، إلا أبو داود حديثا واحدا فى قبور الشهداء، والليثى لم يرو له إلا النسائى.
وذكر ابن عدى لابن دينار، حديثه فى قبور الشهداء، وحديثه عن محمد بن المنكدر، عن جابر عن النبى ﷺ : «كان إذا نزل عليه الوحى، وهو على ناقته تذرف عيناها وترنف بأذنيها». ثم قال ابن عدى: وله من الحديث غير ما ذكرت، وليس بالكثير. وكانت أحاديثه إفرادات، وأرجو أنه لا بأس به. انتهى. وذكره ابن حبان فى الثقات.
١١٥٤ ـ داود بن سليمان، المعروف بابن كسا:
ذكره ابن مسدى فى معجمه، فقال: داود بن سليمان بن حميد بن إبراهيم المخزومى، أبو سليمان البلنسى الصوفى، يعرف بابن كسا. كان عنده أدب وتصوف ونباهة وتظرف، وقد جال فى طريقه، وتغرب شرقا وغربا بين فريقه، وجاور بمكة مدة ثم عاد إلى وطنه، فكان تربة مدفنه. أخبرنى أن مولده ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.
وتوفى ـ على ما بلغنى ـ أول سنة تسع وأربعين وستمائة، وكان أحد رجال بلده فى فنه، موجودا لكل قاصد عند ظنه. أنشدنا لنفسه [من الكامل]:
لا تصحبن العيس برّا ... والله قد أولاك برّا
وارفض خواطرك التى ... منحتك بعد العسر يسرا
واقنع بما قسم الإل ... هـ تعش خلى البال حرا
كم راكض فى الأرض يق ... طع ركضه سهلا ووعرا
ومخاطر بالنفس فى ... طلب العلا برّا وبحرا
غالته أيدى الحادثا ... ت فكان ذاك الربح خسرا
١١٥٥ ـ داود بن شابور ـ بشين معجمة ـ المكى، أبو سليمان:
روى عن عطاء بن أبى رباح، ومجاهد، وعمرو بن شعيب. وروى عنه شعبة وسفيان ابن عيينة، وداود العطار، وأبو أمية، وطاوس، ووهيب بن الورد المكى، وغيرهم.
وروى له البخارى فى «الأدب المفرد» والترمذى (١) والنسائى (٢)، ووثقه ابن معين،
стр. 1371
وأبو زرعة، وأبو داود، والنسائى، وغيرهم.
وقال صاحبنا ابن حجر الحافظ: قلت: وزاد ـ يعنى ابن حبان ـ وقد قيل: إنه داود ابن عبد الرحمن بن شابور. وقال إبراهيم الحربى: مكى ثقة. وذكر البيهقى فى المعرفة: أن الشافعى قال: هو من الثقات. انتهى.
١١٥٦ ـ داود بن أبى عاصم ـ ويقال ابن أبى عاصم، قاله البخارى ـ بن عروة بن مسعود الثقفى الطائفى المكى:
روى عن عثمان بن أبى العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وسعيد بن المسيب، وأبى سلمة بن عبد الرحمن.
стр. 1372
وروى عنه: قيس بن سعد المكى، وابن جريج، وعبد الله بن عثمان بن خيثم، وسفيان بن عبد الرحمن الثقفى، وقتادة بن دعامة، وغيرهم.
وروى له البخارى تعليقا، وأبو داود (١) والنسائى (٢)، ووثقه أبو زرعة، وأبو داود والنسائى.
١١٥٧ ـ داود بن عبد الرحمن العبدىّ المكى، أبو سليمان العطار:
روى عن عمرو بن دينار، والقاسم بن أبى بزّة، وابن خيثم، وابن جريج، وغيرهم.
стр. 1373
وروى عنه ابن المبارك، وابن وهب، والإمام الشافعى، وابن عمه إبراهيم بن محمد الشافعى، وأحمد بن محمد بن الوليد الأزرقى، وخالد بن يزيد العمرى المكى، وقتيبة، ويحيى بن يحيى النيسابورى، وغيرهم. وروى له الجماعة.
قال الأزدى: يتكلمون فيه. وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح. وقال إسحاق عن يحيى بن معين: ثقة.
ونقل الحاكم عن يحيى، أنه ضعيف فى الحديث. وقال العجلى: مكى ثقة. وذكره ابن حبان فى الثقات.
وقال إبراهيم بن محمد الشافعى: ما رأيت أحدا أعبد من الفضيل بن عياض، ولا رأيت أحدا أورع من داود بن عبد الرحمن العطار، ولا رأيت أحدا أفرس فى الحديث من سفيان بن عيينة. انتهى.
وقال المزى: وكان متقنا، من فقهاء أهل مكة. انتهى. مات بمكة سنة خمس وسبعين ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقال ابن حبان: مات سنة أربع وسبعين ومائة. انتهى. ونقل صاحبنا الحافظ ابن حجر عن ابن حبان، أنه قال: مولد داود العطار سنة مائة بمكة. ونقل أيضا عن ابن سعد، أنه ذكر وفاته، كما ذكر ابن حبان.
وذكر الكلاباذى عن أبى داود عن ولد لداود، أنه ولد سنة مائة، وتوفى سنة خمس وسبعين ومائة، وكان ورعا.
١١٥٨ ـ داود بن عثمان بن على القرشى الهاشمى، المعروف بالنظام العدنى:
كان يسافر من عدن للتجارة إلى مكة، ثم انقطع بها قريبا من عشرين سنة، وسافر لمصر مرتين، وكان يقيم بجدة كثيرا لخدمة أصحابه من التجار، وفيها مات فى ليلة الخميس الثامن عشر من صفر سنة سبع وعشرين وثمانمائة، ودفن بجدة. وكان فيه خير وأمانة.
١١٥٩ ـ داود بن عجلان المكى، أبو سليمان البزار:
أصله خراسانى. روى عن إبراهيم بن أدهم، عن أبى عقال، عن أنس بن مالك ـ رضى الله عنه ـ حديث الطواف فى المطر.
стр. 1374
روى عنه: ابن أبى عمر العدنى، وأحمد بن عبدة الضبى، ومحمد بن يحيى بن محمد بن حرب المكى، والعباس بن الوليد النّرسىّ. الحديث المذكور.
روى له ابن ماجة (١)، وضعفه ابن معين. وقال أبو داود: ليس بشئ.
١١٦٠ ـ داود بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمى العباسى، أبو سليمان:
أمير مكة والمدينة واليمن، واليمامة والكوفة. ولى ذلك لابن أخيه أبى العباس السفاح، وأول ما ولاه الكوفة وسوادها، ثم عزله عن ذلك، وولاه ما ذكر من البلاد، فى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفيها بويع السفاح بالخلافة. وولى عمه مع ما ذكر الحج فى هذه السنة، فقدم مكة، وأقام للناس الحج.
стр. 1375
وأول أحداثه بمكة، أنه هدم البركة التى عمرها خالد القسرى عند زمزم، وساق إليها الماء العذب من الثقبة، ليحاكى بذلك زمزم، ويصرف الناس عنها، وفعل داود بالحرمين أفعالا ذميمة؛ لأن ابن الأثير قال فى أخبار سنة ثلاث وثلاثين ومائة: وفيها قتل داود بن على من ظفر به من بنى أمية بمكة والمدينة، ولما أراد قتلهم، قال له عبد الله بن الحسن ابن الحسن: يا أخى، إذا قتلت هؤلاء، فمن تباهى بملكك؟ أما يكفيك أن يروك غاديا ورائحا فيما يسرك ويسوءهم؟ فلم يقبل منه وقتلهم.
قال: وفيها مات داود بن على بالمدينة، فى شهر ربيع الأول، واستخلف حين حضرته الوفاة ابنه موسى. انتهى.
وعلى ابن الأثير اعتمدت، فيما ذكرته من ولايته للبلاد المذكورة، وتاريخ ولايته لذلك. وقد ذكر غير ولايته لبعض ذلك؛ لأن فى تهذيب الكمال للمزّى، كلاما عن ابن عدى، فيما رواه داود بن عدى، هذا من الحديث: وولى مكة والموسم، واليمن، واليمامة. ذكر ذلك من غير فصل. والظاهر أنه من كلام ابن عدى، والله أعلم.
وذكر يعقوب بن سفيان ولايته على المدينة، وأنه توفى وهو وال عليها، ليلة هلال ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين ومائة. وهذا لا يفهم من كلام ابن الأثير، أعنى كونه توفى ليلة هلال ربيع الأول.
وذكر ابن سعد، أنه توفى فى هذه السنة، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة. وقيل فى سنّه أكثر من ذلك؛ لأن فى تهذيب الكمال للمزّى، قال: وقالوا: ولد سنة ثمان وسبعين، وتوفى سنة اثنتين وثلاثين. وهذا غريب فى تاريخ وفاته. وهو بعيد من الصحة. وقد عقب على ذلك المزى بقوله. وقالوا: سنة ثلاث وثلاثين. وذكر المزى، أن داود روى عن أبيه، عن جده.
وروى عنه الثورى والأوزاعى، وابن جريج وغيرهم، قال: روى له البخارى فى «الأدب» حديثا، والترمذى آخر (١).
стр. 1376
وساق له حديثا من رواية ابن أبى ليلى، عن داود بن علىّ، عن أبيه، عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ قال: قال رسول الله ﷺ : «علقوا السوط حيث يراه أهل البيت».
قال المزى: وذكره ابن حبان فى كتاب الثقات، وقال: يخطئ. قال عثمان بن سعيد
стр. 1377
الدارمى: سألت يحيى بن معين عنه ـ يعنى داود ـ فقال: شيخ هاشمى، إنما يحدث بحديث واحد.
قال أبو أحمد بن عدى: أظن أن الحديث فى عاشوراء. وقد روى غير هذا الحديث الواحد، بضعة عشر حديثا، ثم قال: وولى مكة، فذكر ما سبق.
وذكر الفاكهى، أن داود بن علىّ لما قدم مكة، أطلق سديف بن ميمون من الحبس؛ لأنه كان يجلد كل سبت لتقريبه ولاية بنى العباس، وأن داود صعد المنبر فخطب فأرتج عليه، فقام إليه سديف، فخطب بين يديه، الخطبة التى ذكرناها، وهى مذكورة فى كتاب الفاكهى. وكان داود فصيحا مفوّها.
وذكر ابن سعد، أن أبا العباس السفاح، لما ظهر، صعد ليخطب، فحصر فلم يتكلم، فوثب عمه داود بن على بين يدى المنبر، فخطب، وذكر أمرهم وخروجهم، ومنّى الناس ووعدهم بالعدل، فتفرقوا عن خطبته.
وذكر صاحب العقد له خطبتين بليغتين، إحداهما خطب بها فى المدينة، فقال: أيها الناس، حتى م يهتف بكم صريخكم، أما آن لراقدكم أن تهب من نومه (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: ١٤]. أغركم الإمهال حتى حسبتموه الإهمال. هيهات منكم، وكيف بكم والسوط لقا، والسيف نسيم.
حتى تبيد قبيلة وقبيلة ... ويعض كل مثقف بالهام
والثانية، خطب بها فى مكة، وهى: شكرا شكرا. والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهرا، ولا لنبنى فيكم قصرا، أظن عدو الله أن لن نظفر به إذ مد له فى عنانه، حتى عثر فى فضل زمانه.
فالآن عاد الحق فى نصابه، وأطلعت الشمس من مشرقها، والآن تولى القوس باريها، وعادت النبل إلى النزعة، ورجع الأمر إلى مستقره فى أهل بيت نبيكم، أهل الرأفة والرحمة، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا، ولا تجعلوا النعم التى أنعم الله عليكم، سببا إلى أن تبيح هلكتكم، وتزيل النعمة عنكم. انتهى.
وقد مدحه إبراهيم بن على هرمة على ما ذكر الزبير بن بكار بقوله (٢) [بحر المنسرح]:
стр. 1378
يا أيها الشاعر المكارم بالمد ... ح رجالا ككنه (٣) ما فعلوا
حسبك من قولك الخلاف كما ... نجا خلافا ببوله الجمل
الآن فانطق بما تريد فقد ... أبدت نهاجا وجوهها السبل (٤)
وقل لداود منك ممدحة ... لها زهاء وخلفها نفل (٥)
أروع لا يخلف العدات ولا ... يمنع من سؤاله العلل (٦)
لكنه سابغ عطيته ... يدرك منه السؤال ما سألوا (٧)
لا عاجز عارب (٨) مروءته ... ولا ضعيف فى رأيه زلل
يحمده الجار والمعصب (٩) وال ... أرحام تثنى بحسن ما يصل
يسبق بالفعل ظن صاحبه (١٠) ... ويقلل الريث عرفه العجل
بحل من المجد والمكارم فى ... خير محل يحله رجل
انتهى.
١١٦١ ـ داود بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر، المعروف بابن أبى هاشم، الحسنى المكى:
أمير مكة، وجدت ـ فيما أحسب ـ بخط الفقيه جمال الدين بن البرهان الطبرى، أن
стр. 1379
داود هذا، ولى إمرة مكة بعد أبيه بعهد منه، فى أوائل شعبان سنة سبعين وخمسمائة، فأحسن السيرة وعدل فى الرعية.
فلما كانت ليلة منتصف رجب من سنة إحدى وسبعين، أخرجه منها ليلا أخوه مكثر، ولحق داود بوادى نخلة، ثم عاد إلى مكة، واصطلح مع أخيه فى نصف شعبان من هذه السنة، وكان الذى أصلح بينهم، شمس الدولة أخو السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب، لما قدم من اليمن، متوجها إلى الشام. فلما انقضى ـ الحج من هذه السنة، سلمت مكة إلى داود هذا، بعد أن أخرج منها أخوه مكثّر، لما وقع بينه وبين طاشتكين أمير الحاج العراقى من محاربة، وأسقط داود جميع المكوس بها، ورحل الحاج بعد أن أخذوا العهود والمواثيق على داود، أن لا يغير شيئا مما شرط عليه من إسقاط المكوس وغير ذلك من الأرفاق. وكانت مكة سلمت قبله للأمير قاسم بن مهنا الحسينى أمير المدينة؛ لأنه كان قد ورد مع طاشتكين، وأقامت معه ثلاثة أيام، قبل أن تسلم لداود. وسبب تسليم مكة لداود، عجز قاسم بن مهنا عن إمرة مكة؛ لأن ابن الجوزى قال فى المنتظم، فى أخبار سنة إحدى وسبعين وخمسمائة: «فيها عقدت الولاية لأمير المدينة على مكة، فخرج على خوف شديد من قتال صاحب مكة مكثّر بن عيسى، ثم قال بعد أن ذكر شيئا من خبر الفتنة التى كانت بمكة فى هذه السنة: ثم إن أمير مكة المشرفة، الذى كان ولاه الخليفة المستضئ بأمر الله، قال لأمير الحاج وللحجاج: إنى لا أتجاسر أن أقيم بمكة بعد خروج الحاج، فأمروا غيره ورحلوا. انتهى.
ولم تطل ولاية داود بن عيسى لمكة؛ لأنى وجدت ما يقتضى أن أخاه مكثّرا، كان أميرا بمكة فى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، كما سيأتى فى ترجمة مكثّر، ثم عاد داود إلى إمرة مكة، وما عرفت متى كان عوده إليها؛ إلا أنه كان واليا بها فى سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وفيها عزل عنها؛ لأن الذهبى قال فى تاريخ الإسلام: فيها أخذ داود أمير مكة ما فى الكعبة من الأموال، وطوقا كان يمسك الحجر الأسود لتشعثه، إذ ضربه ذاك الباطنى بعد الأربعمائة بالدبوس.
فلما قدم الركب، عزل أمير الحاج داود، وولى أخاه مكثّرا، وأقام داود بنخلة، إلى أن توفى فى رجب سنة تسع وخمسين وثمانين، وهو وآباؤه الخمسة أمراء مكة. انتهى.
والذين ولوا مكة من آبائه أربعة: أبوه عيسى، وجده فليتة، وجد عيسى قاسم، وجد فليتة محمد بن جعفر. فلا يستقيم قول الذهبى إنهم خمسة (١). والله أعلم.
стр. 1380
ولداود ابن اسمه أحمد، رأيته مترجما فى حجر قبره: بالشاب الشريف الأمير السعيد، وليس فى الحجر تاريخ وفاته، وما عرفت من حاله سوى هذا.
١١٦٢ ـ داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الهاشمى العباسى:
أمير الحرمين، ذكر ابن الأثير، أنه كان أمير مكة فى سنة ثلاث وتسعين ومائة، وحج بالناس فيها.
وذكر فى أخبار سنة خمس وتسعين ومائة: أنه كان عاملا على مكة والمدينة لمحمد الأمين.
وذكر فى سنة ست وتسعين: أنه كان عاملا على مكة والمدينة للأمين، وأنه خلع الأمين فيها وبايع للمأمون، وكان سبب ذلك، أنه لما بلغه ما كان بين الأمين والمأمون، وما فعل طاهر، وكان الأمين قد كتب إلى داود بن عيسى، يأمره بخلع المأمون، وبعث أحد الكتابين من الكعبة.
فلما فعل هذا ذلك جمع داود وجوه الناس، ومن كان شهد فى الكتابين، وكان داود أحدهم، فقال: وقد علمتم ما أخذ الرشيد عليكم وعلينا من العهود والميثاق عند بيت الله الحرام لابنيه، لنكونن مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المغدور به على الغادر. وقد رأينا وأنتم، أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغى والغدر والمكر، على أخويه: المأمون والمؤتمن، وخلعهما عاصيا لله تعالى، وبايع لابنه طفل صغير رضيع لم يفطم، وأخذ الكتابين من الكعبة فحرقهما ظالما، وقد رأيت خلعه، والبيعة للمأمون، إذ كان مظلوما، مبغيّا عليه، فأجابوه إلى ذلك، فنادى فى شعاب مكة، فاجتمع الناس، فخطبهم بين الركن والمقام، وخلع محمدا وبايع للمأمون، وكتب إلى ابنه سليمان ـ وهو عامله على المدينة ـ يأمره أن يفعل ما فعل، فخلع سليمان الأمين وبايع للمأمون.
فلما أتاه الخبر بذلك، سار من مكة على طريق البصرة، ثم إلى فارس، ثم إلى
стр. 1381
كرمان (١)، حتى صار إلى المأمون بمرو، فأخبره بذلك، فسر بذلك سرورا شديدا وتيمن ببركة مكة والمدينة، وكانت البيعة لهما فى رجب سنة ست وتسعين ومائة، واستعمل داود على مكة والمدينة. وأضاف إليه ولاية عكّ (٢)، وأعطاه خمسمائة ألف درهم معونة، وسير معه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى، وجعله على الموسم، فسارا حتى أتيا طاهرا ببغداد، فأكرمهما وقربهما.
وذكر ابن الأثير فى أخبار سنة تسع وتسعين ومائة، أن أبا السّرايا ـ داعية ابن طباطبا، بعد استيلائه على الكوفة ـ ولى مكة الحسين بن الحسن، الذى يقال له الأفطس، وجعل إليه الموسم. ولما بلغ داود بن عيسى توجيه أبى السرايا الحسين بن الحسن إلى مكة، لإقامة الموسم، جمع أصحاب بنى العباس ومواليهم، وكان مسرور الكبير، قد حج فى مائتى فارس، فتعبأ للحرب، وقال لداود: أقم لى شخصك أو شخص بعض ولدك، وأنا أكفيك، فقال: لا أستحل القتال فى الحرم، والله لئن دخلوها من هذا الفج، لأخرجن من هذا الفجّ.
وانحاز داود إلى ناحية، وافترق الجمع الذى كان جمعهم، وخاف مسرور أن يقاتلهم، فخرج فى إثر داود راجعا إلى العراق، وبقى الناس بعرفة، فصلى بهم رجل من عرض الناس بغير خطبة، ودفعوا من عرفة بغير إمام. انتهى.
وذكر الذهبى شيئا من خبر داود فى هذه السنة بزيادة فوائد؛ لأنه ذكر أن مسرورا
стр. 1382
قال لداود: تسلم مالك وولايتك إلى عدوك؟ فقال داود: أى مال لى؟ ، والله لقد أقمت معكم حتى شخت، فما وليت ولاية حتى كبرت وفنى عمرى، فولّونى من الحجاز ما فيه الفوت. وإنما هذا الملك لك ولأشباهك، فقاتل عليه أو دع، ثم انحاز داود إلى جهة المشاش بأثقاله، وتوجه منها على درب العراق، وافتعل كتابا من المأمون، بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة الموسم، وقال له: أخرج فصل بالناس بمنى، الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبت بمنى وصل الصبح، ثم اركب دوابك فانزل طريق عرفة، وخذ على يسارك فى شعب عمرو، حتى تأخذ طريق المشاش، حتى تلحقنى ببستان ابن عامر؛ ففعل ذلك فخاف مسرور، فخرج فى إثر داود راجعا إلى العراق، وبقى الوفد بعرفة، فلما زالت الشمس، حضرت الصلاة، فتدافعها قوم من أهل مكة. فقال أحمد بن الوليد الأزرقى ـ وهو المؤذن: إذا لم يحضر الولاة يا أهل مكة، فليصل قاضى مكة محمد ابن عبد الرحمن المخزومى، وليخطب بهم، فقال: فلمن أدعو؟ . وقد هرب هؤلاء، وأظل هؤلاء على الدخول. قال: لا تدع لأحد. قال: بل تقدم أنت، فأبى الأزرقى، حتى قدموا رجلا صلى الصلاتين بلا خطبة، ثم مضوا فوقفوا بعرفة، ثم دفعوا بلا إمام، وحسين بن علىّ ـ يعنى الأفطس ـ متوقف بسرف (٣). فلما بلغه خلوّ مكة، وهرب داود، دخلها قبل المغرب فى نحو عشرة. انتهى.
وذكر ابن الأثير أيضا ما ذكره الذهبى، من توقف الحسين الأفطس بسرف تخوفا، وأن دخوله إليها فى عشرة أنفس، لما خرج إليهم قوم أخبروهم أن مكة قد خلت من بنى العباس. وقد ذكرنا فى ترجمة حسين الأفطس، ما فعله هو وأصحابه من القبائح بمكة، فأغنى ذلك عن إعادته.
١١٦٣ ـ داود بن موسى الغمارىّ الفاسى المالكى:
نزيل الحرمين، عنى فى شبابه بفنون من العلم، وتنبه فى ذلك، وصار على ذهنه فوائد ونكت حسنة يذاكر بها، ثم أقبل على التصوف والعبادة وجد فيها كثيرا، وسكن الحرمين مدة سنين، نحو عشرين سنة، وإقامته بالمدينة أكثر من مكة بيسير.
وكانت وفاته بالمدينة، فى يوم الخميس مستهل المحرم سنة عشرين وثمانمائة، على
стр. 1383
مقتضى رؤية الناس لهلال المحرم فى غير الحرمين، وعلى مقتضى رؤيته فيهما، سلخ الحجة من سنة تسع عشرة، والأول أصوب، والله أعلم.
وله بمكة ابنة وملك، وكان كثير الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وله فى ذلك إقدام على الولاة وغيرهم، وبينى وبينه مودة ومحبة، تغمده الله تعالى برحمته، وأظنه مات فى عشر الستين.
١١٦٤ ـ دهمش بن وهّاس بن عثور بن حازم بن وهّاس الحسنى السليمانى، الأمير:
ذكره العماد الكاتب فى الخريدة فى شعراء مكة، وذكر أنه وفد إلى الملك الناصر، يعنى صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان على حلب، فى رابع عشرى ذى الحجة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، قال: أنشدنى لنفسه فى الأمير مالك بن فليتة، وقد وفد إلى الشام سنة سبع وستين، ومات فى الطريق بوادى العضاد، ودفن بالأحولية من مرثية فيه، أولها [من الطويل]:
فمنع دموعى الجامدات الصلائب ... مصاب فتى آها له فى المصائب
فأورث قلبى حر نار كأنما ... لظى الجمر ما بين الحشا والترائب
كأن جفونى يوم واريت شخصه ... شآبيب مزن من ثقال السحائب
تعجب صحبى كيف لم تجر مقلتى ... مع الدمع واعتدوا بها فى العجائب
ولم يعلموا أن المدامع أصلها ... من القلب لا من مقلة ذات حاجب
بنفسى من بالأحولية قبره ... تمر به الريح الصبا والجنائب
وهى طويلة، أوردها العماد الكاتب فى الخريدة.
* * *
стр. 1384
حرف الذال المعجمة
١١٦٥ ـ ذاكر بن عبد المؤمن بن أبى المعالى بن أبى الحسن بن ذاكر بن أحمد بن حسن بن شهريار ـ جار سلمان الفارسى ـ الكازرونى المكى:
مؤذن الحرم الشريف، موفق الدين أبو الثناء. يروى عن ابن البنا شيئا من الترمذى. ولعله سمعه كله.
قرأ عليه الدمياطى بمكة، وأخرج عنه فى معجمه، ولم أدر متى مات، إلا أنه كان حيّا فى سنة تسع وأربعين وستمائة.
١١٦٦ ـ ذو الشّمالين:
من أهل مكة، ذكره هكذا، الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسى فى مختصره لألقاب الشيرازى.
وهوذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة بن غبشان الخزاعى. انتهى.
وقد أخل ابن طاهر بذكر اسم ذى الشمالين، وأسقط من نسبه عمرا بين نضلة وغبشان؛ لأن ابن عبد البر قال: ذو الشمالين، واسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عمرو بن غبشان بن سليم بن مالك بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر. انتهى.
وذكر ابن الأثير، أن ابن عبد البر خولف فيما ذكره من نسبه بعد غبشان، واسمه الحارث بن عبد عمرو بن نوى بن ملكان بن أفصى، ثم قال: فجعله من ولد ملكان بن أفصى، وهو أخو خزاعة وأسلم.
ونقل ابن الأثير عن ابن إسحاق، ما يوافق ما ذكره ابن طاهر فى ذى الشمالين؛ لأنه قال: ابن إسحاق: ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة بن غبشان. انتهى.
وذكر ابن إسحاق شيئا من حاله؛ لأن ابن عبد البر قال: وقال ابن إسحاق: هو خزاعى، يكنى أبا محمد، حليف لبنى زهرة، كان أبوه عبد عمرو بن نضلة، قدم مكة فحالف عبد بن الحارث بن زهرة، وزوجه ابنته نعما، فولدت له عميرا ذا الشمالين،
стр. 1385
كان يعمل بيديه جميعا. شهد بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا، قتله أسامة الجشمىّ. انتهى.
قوله: وقتل يوم أحد، غلط من ناسخ كتاب الاستيعاب؛ لأنه قتل يوم بدر، على ما ذكر غير واحد من العلماء، منهم ابن عبد البر. والله أعلم.
وهو غير ذى اليدين القائل للنبى ﷺ ، لما سلم من الصلاة ساهيا: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ .
وذو اليدين اسمه الخرباق بن عمرو من بنى سليم. وكان على ما ذكر ابن الأثير والكاشغرى، ينزل بذى خشب من ناحية المدينة. وكان الزهرى على علمه بالمغازى يقول: إن ذى اليدين هو ذو الشمالين المقتول ببدر.
قال ابن عبد البر: وذلك وهم منه عند أكثر العلماء. انتهى.
وإنما كان ذلك وهما؛ لأن ذا الشمالين من خزاعة، وذا اليدين من بنى سليم، وذا الشمالين استشهد يوم بدر باتفاق، وذا اليدين عاش على ما ذكر ابن عبد البر، وابن الأثير والنووى، بعد النبى ﷺ زمنا، حتى روى عنه المتأخرون من التابعين.
ومما يؤيد أنه غيره، كون أبى هريرة ـ رضى الله عنه ـ شهد قصة السهو على ما فى الصحيحين، وإسلامه كان عام خيبر باتفاق، وهى بعد بدر بخمس سنين، لكن الزهرى ذكر أن قصة ذى اليدين فى الصلاة، كانت قبل يوم بدر، ثم أحكمت الأمور بعد. انتهى.
قال النووى: وتابعه على ذلك أصحاب أبى حنيفة، وادعوا أن كلام الناس فى الصلاة يبطلها، وادعوا أن هذا الحديث منسوخ. والصواب ما سبق. انتهى بالمعنى، والله أعلم.
١١٦٧ ـ ذؤيب بن حلحلة، ويقال ذؤيب بن حبيب بن حلحلة بن عمرو بن كليب بن أصرم بن عبد الله بن قمير بن حبشيّة بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعى الكعبى، أبو قبيصة:
شهد الفتح مع النبى ﷺ ، وله رواية عنه. روى عنه عبد الله بن عباس. روى له
стр. 1386
مسلم، وأبو داود وابن ماجة حديثا واحدا، وهو أن النبى ﷺ ، كان يبعث معه بالبدن، ثم يقول: «إن عطب منها شيء قبل محله، فخشيت عليه موتا فانحرها، ثم اغمس نعلها فى دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعم أنت ولا أحد من أهل رفقتك» (١).
وقال صاحب الكمال: روى له عن النبى ﷺ ، أربعة أحاديث. وقال ابن البرقى، فيما نقل عنه المزّى: جاء عنه حديث واحد.
وذكر أبو عمر بن عبد البر، أنه شهد الفتح مع النبى ﷺ وكان يسكن قديدا، وله دار بالمدينة، وعاش إلى زمن معاوية، قال: وجعل أبو حاتم الرازى، ذؤيب بن حبيب، غير ذؤيب بن حلحلة. ثم قال ابن عبد البر، بعد أن ذكر كلام أبى حاتم فى التفرقة بينهما: ومن جعل ذؤيبا هذا رجلين، فقد أخطأ ولم يصب، والصواب ما ذكرناه، والله أعلم. انتهى.
ونقل صاحبنا الحافظ ابن حجر، عن ابن سعد والبغوى، أنهما قالا: إن ذؤيبا هذا، بقى إلى زمن معاوية.
ولكن ذكر عن ابن معين ما يخالف ذلك؛ لأن فى تهذيب الكمال للمزّى: وقال المفضل بن غسان الغلّابىّ، عن يحيى بن معين، أتى رسول الله ﷺ ، بقبيصة بن ذؤيب الخزاعى، ليدعو له بالبركة بعد وفاة أبيه، فقال النبى ﷺ : «هذا رجل نساء». انتهى.
وهذا يدل على أن ذؤيبا مات فى عهد النبى ﷺ . والله أعلم بالصواب.
وذكر ابن الأثير فى نسبه، غير ما ذكرناه عن ابن عبد البر؛ لأنه قال: ذؤيب بن حلحلة، وقيل ذؤيب بن قبيصة، أبو قبيصة بن ذؤيب الخزاعى، ثم ذكر فى نسبه ما ذكرنا، فوقعت المخالفة فى اسم أبى ذؤيب، هل هو حلحلة أو قبيصة؟ على أن النسخة التى رأيتها من كتاب ابن الأثير سقيمة، والله أعلم بصحة ذلك.
ثم قال ابن الأثير: وقد روى فى بدن رسول الله ﷺ ، أن النبى ﷺ ، بعثها مع ناجية
стр. 1387
الخزاعى، وسيذكر فى بابه إن شاء الله تعالى.
وكان ابن الأثير ذكر مستدركا على أبى عمر، فإنه قال: كان ذؤيب هذا، صاحب بدن رسول الله ﷺ ، كان يبعث معه الهدى. انتهى.
ويمكن نفى المعارضة، بأن يكون ﷺ ، بعث هديه مع ذؤيب وناجية. وكان ذؤيب مقدما فى أمرها، والله أعلم.
وفى النسخة التى رأيتها من الكمال، فى نسبه: طليب، عوض كليب. والصواب بالكاف، وكذا ذكره غير واحد، والله أعلم.
١١٦٨ ـ[ذو النون، يونس بن يحيى بن أبى الحسن بن أبى البركات بن أحمد بن عبد الله القصار البغدادى الهاشمى الفقيه:
كان إماما بارعا، عارفا بالحديث وبطرقه ورجاله، أقام بمدينة زبيد مدة، وأخذ عنه بها جمع كبير، وأقام بمكة مدة، إماما بالمقام، وأخذ عنه بها القاضى إسحاق الطبرى وغيره، وممن أخذ عنه: الفقيه الإمام العلامة إسماعيل بن محمد الحضرمى، قال الجندى: ولم أتحقق ما آل أمره إليه، رحمه الله تعالى.
وقد قيل إنه توفى سنة ثلاث وستين وستمائة، فيما حكاه ابن نقطة وغيره، وقد قيل إن الذى أخذ عنه هو الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمى، والد الفقيه إسماعيل، وصحح هذا بعض العلماء، وقال: هو الصواب؛ لأن تاريخ الخزرجى ذكره فى حرف الذال المعجمة، ولم يذكره تقى الدين الفاسى، فى حرف الذال، ولا فى حرف الياء، آخر الحروف.
والعجيب أنه قد ذكر فى ترجمة القاضى إسحاق بن أبى بكر الطبرى أنه ولد بمكة وسمع بها من زهران بن رستم: جامع الترمذى ومن يونس بن يحيى الهاشمى: صحيح البخارى. انتهى] (١).
* * *
стр. 1388
حرف الراء
من اسمه راجح
١١٦٩ ـ راجح بن أبى بكر بن إبراهيم بن محمد القرشى العبدرىّ، أبو محمد، وأبو الوفا الميورقىّ، الملقب بمخلص الدين:
ذكره المهدوىّ، وقال بعد أن عرفه بما ذكرنا: أحد فضلاء ميور (١) وساداتها، نشأ ببلاد المشرق، وكان من أحسن الناس خلقا، وألينهم عريكة، وأكثرهم تواضعا وخشوعا، وأحبهم فى الصالحين، وأكثرهم إيثارا.
دخل حلب، فكان شيخ الصوفية بها، ثم ارتحل إلى بغداد، فاهتزت لدخوله، وبعث له الخليفة ضيافة وصلة عظيمة، ومع ذلك فلا يبقى شيئا لكثرة إيثاره. وكان كثير العبادة، لا تكثر عنده البتة، ولا لنفسه عنده حظ، دخلت إليه فى مرضه الذى توفى فيه، يوم الأحد سابع شوال من سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وهو فى بيت سكناه فى الحرم الشريف، فسألته عن حاله، فنظر إلىّ وضحك وقال: غدا أدخل الحمام، وبعد غد أستريح إن شاء الله تعالى، فكان كما قال ـ رضى الله عنه ـ فاشتد عليه المرض فى غد، فأدخل المارستان، وفى بعد غد مات، رضى الله عنه، بعد صلاة الصبح، وقد صلى الصبح ومات فى إثرها، وارتج له الحرم.
وذكر أنه قرأ على أبى زكريا يحيى بن على المغيلىّ: كتاب الموطأ، عن ابن الرّمّانة، عن أبى البحر، عن ابن عبد البر، وكتب له بالإجازة أبو القاسم بن الحرستانىّ، وأبو اليمن الكندى، وعبد العزيز بن منينا، وجماعة.
وذكره ابن منصور بن سليم فى تاريخه، فقال: شيخ حسن، كان من العلماء والمشايخ الصلحاء، قدم الإسكندرية قبل الستمائة، فسمع بها الحديث من أبى القاسم عبد الرحمن بن موقا الأبيارى، وأبى زكريا يحيى بن على المغيلىّ وغيرهما، وتفقه بها، ثم انتقل إلى الشام مدة، وتقدم على الصوفية بحلب، وصحبته إلى بغداد، ثم قدم الثغر زائرا، فسمعت منه. وكان ثبتا صالحا ثقة.
стр. 1389
وذكر الشريف أبو القاسم الحسينى فى وفياته، فقال بعد أن ذكر شيئا من روايته: وكان من الصالحين المشهورين، وجاور بالحرم مدة. وذكر أنه توفى فى تاسع شوال سنة ثلاث وأربعين وستمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، وأن مولده ـ على ما ذكر ـ بميور، فى رجب سنة ثمان، أو أوائل سنة تسع وثمانين وخمسمائة.
١١٧٠ ـ راجح بن أبى سعد بن أبى نمى محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة، الحسنى المكى:
كان من أعيان الأشراف آل أبى نمى، حسن الشكالة، يحفظ شعرا للأشراف آل أبى نمى، ويذاكر به، وفيه خير. وكان يطمع فى إمرة مكة، فاخترمته المنيّة دون ذلك.
وكانت وفاته بالمحرم سنة خمس وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة.
١١٧١ ـ راجح بن على بن مالك بن حسن بن حسين بن كامل بن أحمد بن يحيى بن حسين بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن محمد ابن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى المكى:
توفى يوم السبت رابع المحرم سنة خمس وأربعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ومن حجر قبره نقلت نسبه ووفاته.
١١٧٢ ـ راجح بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم الحسنى المكى:
أمير مكة، ولى إمرتها أوقاتا كثيرة كما سيأتى بيانه، وجرى له فى ذلك أمور نشير إليها؛ لأنه لما مات أبوه، رام الإمرة بمكة، فلم تتهيا له لغلبة أخيه حسن بن قتادة على ذلك.
وذكر ابن الأثير، أنه لما ملك أخوه حسن مكة، كان مقيما فى العرب بظاهر مكة، يفسد وينازع أخاه حسنا فى ملك مكة. فلما سار حجاج العراق، كان الأمير عليهم، مملوك من مماليك الخليفة الناصر لدين الله اسمه آقباش، فقصده راجح بن قتادة، وبذل له وللخليفة مالا ليساعده على ملك مكة، فأجابه إلى ذلك. ووصلوا إلى مكة، ونزلوا بالزاهر، وتقدم إلى مكة مقاتلا لصاحبها حسن، وكان قد جمع جموعا كثيرة من العرب
стр. 1390
وغيرهم، فخرج إليه من مكة وقاتله. وذكر ما سبق فى ترجمة حسن بن قتادة، من قتل أصحابه لآقباش. وسبق ذلك أيضا فى ترجمة آقباش.
وذكر ابن محفوظ: أن راجح بن قتادة باين أخاه حسن بن قتادة، لما ملك مكة بعد موت أبيه. فلما كان الموسم الذى مات فيه أبوه، تعرض راجح لقطع الطريق بين مكة وعرفة، فمسكه أمير الحاج، وكان أمير الحاج اسمه أبا آقباش، يعنى آقباش السابق ذكره، وكأنه تصحف عليه، وأقام معه الحوطة، فأرسل إليه صاحب مكة ـ يعنى حسن بن قتادة ـ يقول له: سلّمه إلىّ وأسلم إليك مالا جزيلا، فاتفقا على ذلك. فقال راجح للأمير: أنا أدفع إليك أكثر مما يدفع، فأجابه إلى ذلك، وعزم على دخول مكة وتسليمها لراجح، فقتل الأمير آقباش على جبل الحبشى، وهرب راجح إلى جهة اليمن، ثم توجه راجح إلى الملك المسعود ملك اليمن. انتهى.
وذكر أيضا: أن الملك المسعود، لما ملك مكة، ولى راجحا حلى ونصف المخلاف. انتهى.
وولى راجح بن قتادة مكة غير مرة، فى زمن الملك المنصور صاحب اليمن، مع عسكر الملك المنصور، وجرى بينهم وبين عسكر صاحب مصر الملك الكامل، وابنه الملك الصالح أيوب، فى ذلك أمور، ذكرها جماعة من المؤرخين، منهم ابن البزورى؛ لأنه قال فى ذيل المنتظم لابن الجوزى فى أخبار سنة تسع وعشرين وسبعمائة: فى ربيع الآخر، تغلب راجح بن قتادة العلوى الحسنى على مكة، وأخرج عنها المتولى عليها من قبل الملك الكامل زعيم مصر. فبلغ ذلك مستنيبه، فنفذ له عسكرا نجدة له، فعرف ذلك راجح فخرج عنها.
وقال فى أخبار سنة ثلاثين وستمائة: فى محرم منها، جمع راجح بن قتادة جمعا عظيما، وقدم مكة شرفها الله تعالى، فدخلها واستولى عليها، وطرد عنها من كان بها من عسكر الملك الكامل زعيم مصر، وأمده الملك المنصور عمر بن على بن رسول (١) زعيم اليمن بعساكره، وأخرج عنها متوليها ألطغتكين، من قبل الكامل.
وفى هذه السنة، وصل عسكر مصر إلى مكة واستولى عليها، وأخرج عنها أميرها راجح بن قتادة، وعدلوا فى أهلها وأحسنوا السيرة.
стр. 1391
وفى أوائل صفر سنة ثلاث وثلاثين، وصل الحاج، وأخبروا بطيب حجهم، وأن الملك الكامل نفذ بعض زعمائه فى ألف فارس إلى مكة، فأخرجوا عنها راجح بن قتادة واستولى عليها.
وذكر النويرى فى كتابه نهاية الأرب، بعض ما ذكره ابن البزورىّ من خبر راجح بن قتادة، وأفاد فى ذلك ما لم يفده البزورىّ؛ لأنه ذكر أن فى صفر سنة ثلاثين وستمائة، تسلم راجح بن قتادة مكة، وكان قصدها فى سنة تسع وعشرين، وصحبته عسكر صاحب اليمن الملك المنصور، وكان الأمير فخر الدين ابن الشيخ بمكة، ففارقها.
وذكر أن فى سنة اثنتين وثلاثين، توجه الأمير أسد الدين جفريل إلى مكة، وصحبته سبعمائة فارس، فتسلمها فى شهر رمضان، وهرب منها راجح بن قتادة، ومن كان بها من عسكر اليمن. انتهى.
فاستفدنا من هذا، تعيين مقدار عسكر الكامل الذى أنفذه إلى مكة، فى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وتعيين أميره، وتعيين استيلائهم على مكة، ووقت خروج راجح منها، وكل ذلك لا يفهم مما ذكره ابن البزورىّ. واستفدنا مما ذكره فى أخبار سنة ثلاثين، أن استيلاء راجح بن قتادة على مكة فيها، كان فى صفر من هذه السنة، وهو يخالف ما ذكره ابن البزورى فى تاريخ استيلاء راجح على مكة فى هذه السنة، وأن الأمير فخر الدين ابن الشيخ، كان بمكة في هذه السنة.
وذكر ابن محفوظ هذه الأخبار، وأفاد فيها ما لم يفده غيره؛ لأنه قال: سنة تسع وعشرين وستمائة، جهز الملك المنصور فى أولها جيشا إلى مكة وراجح معه، فأخذها، وكان فيها أمير الملك الكامل، يسمى شجاع الدين الدغدكينى، فخرج هاربا إلى نخلة، وتوجه منها إلى ينبع، وكان الملك الكامل وجه إليه بجيش، ثم جاء إلى مكة فى رمضان، فأخذها من نواب الملك المنصور، وقتل من أهل مكة ناسا كثيرا على الدرب، وكانت الكسرة على من بمكة.
وقال أيضا فى سنة ثلاثين وستمائة: ثم جاء الشريف راجح بعسكر من اليمن، فأخرج من كان بمكة من المصريين بالإرجاف بلا قتال، وفى آخرها حج أمير من مصر، يقال له الزاهد، فى سبعمائة فرس، فتسلم مكة وحج بالناس، وترك فى مكة أميرا يقال له ابن المحلى، فى خمسين فارسا، أقام بمكة سنة إحدى وثلاثين.
وذكر بعض العصريين فى بعض تواليفه، شيئا من خبر ولاية الأمير راجح بن قتادة لمكة، فى زمن الملك المنصور صاحب اليمن، وما جرى لراجح وعسكر المنصور، مع
стр. 1392
عسكر الملك الكامل، وابنه الملك الصالح؛ لأنه ذكر أن الملك المنصور، لما تسلطن باليمن بعد الملك المسعود، بعث راجح بن قتادة، وابن عبدان، فى جيش إلى مكة، فنزلوا الأبطح (٢)، وراسل راجح أهل مكة، وذكرهم إحسان المنصور إليهم، أيام نيابته بمكة عن المسعود، فمال رؤساؤهم إليه، وكانوا حالفوا طغتكين، متولى مكة من قبل الملك الكامل صاحب مصر، بعد أن أنفق عليهم، فلما عرف طغتكين ذلك، هرب إلى ينبع، فاستولى راجح وأصحابه على مكة المشرفة، وذلك فى ربيع الآخر من سنة تسع وعشرين وستمائة، ولما عرف بذلك صاحب مصر الملك الكامل، بعث إلى مكة عسكرا كثيفا، مقدمهم الأمير فخر الدين بن الشيخ، فتسلموا مكة، وقتل ابن عبدان وجماعة من أهل مكة، ثم إن راجحا جمع جمعا، وأمده صاحب اليمن بعساكر، وقصد مكة فتسلمها فى صفر سنة ثلاثين، وخرج منها فخر الدين ابن الشيخ.
فلما كان فى آخر هذه السنة، وصل من مصر أمير يقال له الزاهد، فى سبعمائة فارس، فتسلم مكة وحج بالناس.
فلما كانت سنة إحدى وثلاثين، جهز الملك المنصور عسكرا جرّارا وخزانة إلى راجح، فنهض الشريف راجح فى العسكر المنصورى، وأخرجوا العسكر المصرى، ثم إن راجحا هرب من مكة، لما قدمها المنصور حاجّا فى هذه السنة، ثم رجع إليها بعد توجهه إلى اليمن، وأرسل المنصور إلى راجح فى سنة اثنتين وثلاثين، بخزانة كبيرة على يد بن النّصيرى، وأمره باستخدام الجند، فلم يتمكن راجح من ذلك، لوصول العسكر المصرى، الذى أنفذه الكامل مع الأمير جفريل المقدم ذكره، وتوجه راجح وابن عبدان إلى اليمن.
فلما كانت سنة ثلاث وثلاثين، بعث المنصور عسكرا من اليمن، مقدمهم الأمير الشهاب بن عبدان، وبعث بخزانة إلى راجح، وأمره باستخدام العسكر، ففعل.
فلما صاروا قريبا من مكة، خرج إليهم العسكر المصرى، والتقوا بمكان يقال له الخريقين، بين مكة والسّرّين، فانهزمت العرب أصحاب راجح، وأسر ابن عبدان، وبعث به إلى مصر مقيدا، ثم انهزم العسكر المصرى من مكة، لما توجه راجح إلى مكة فى صحبة المنصور، وذلك فى سنة خمس وثلاثين، وأقام عسكر المنصور بمكة سنة ست
стр. 1393
وثلاثين، ولا أدرى هل كان راجح معهم أم لا، ثم خرج العسكر المنصورى فى سنة سبع وثلاثين من مكة، لما وصل إليها الشريف شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنا الحسينى أمير المدينة، فى ألف فارس من مصر، فجهز المنصور راجحا وابن النّصيرى فى عسكر جرّار.
فلما سمع به شيحة وأصحابه هربوا من مكة، ثم أخذها العسكر المصرى فى سنة ثمان وثلاثين.
فلما كانت سنة تسع وثلاثين، جهز المنصور جيشا كثيفا إلى مكة مع راجح، فبلغه أن صاحب مصر الصالح أيوب بن الكامل، أنجد العسكر المصرى الذى بمكة بمائة وخمسين فارسا. فأقام راجح بالسّرّين، وعرف المنصور الخبر، فتوجه المنصور فى جيش كثيف، فدخل مكة فى رمضان فى سنة تسع وثلاثين، بعد هرب المصريين، واستناب بمكة مملوكه فخر الدين الشلّاح، ولا أدرى هل استناب معه راجحا أم لا، والظاهر أنه لم يستنبه، ثم عاد راجح لإمرة مكة؛ لأن ابن محفوظ ذكر أنه تسلم مكة فى آخر يوم ذى الحجة سنة إحدى وخمسين وستمائة، لما انتزعها من جمّاز بن حسن بن قتادة بلا قتال.
وذكر أن راجحا أقام بمكة متوليا، حتى أخرجه منها ولده غانم بن راجح، فى ربيع الأول من سنة اثنتين وخمسين.
وذكر شيخنا ابن خلدون: أن راجحا عاد إلى مكة فى سنة خمس وثلاثين مع الملك المنصور، وخطب له بعد المستنصر الخليفة العباسى، واستمر إلى سنة سبع وأربعين، فتوجه إلى اليمن هاربا لما استولى عليها ابن أخيه أبو سعد بن علىّ بن قتادة، وسكن السّرّين، يعنى الموضع المعروف اليوم بالواديين، ثم قصد مكة فى سنة ثلاث وخمسين، وانتزعها من جمّاز بن حسن. انتهى.
قلت: هذا فيه نظر من وجوه: منها: أن راجحا لم يستمر على مكة من سنة خمس وثلاثين، إلى سنة سبع وأربعين؛ لأنه وليها فى هذه المدة جماعة، كما تقدم بيانه.
ومنها: أن راجحا لم ينتزع مكة من جماز فى سنة ثلاث وخمسين، وإنما انتزعها قبل ذلك، كما تقدم بيانه فى هذه الترجمة، وترجمة جماز.
وكانت وفاة راجح فى سنة أربع وخمسين وستمائة، على ما ذكر الميورقىّ فيما وجدت بخطه، ولم أستفد ذلك إلا منه. وبلغنى أنه كان مفرطا فى الطول، بحيث تصل يده وهو قائم إلى ركبته.
стр. 1394
١١٧٣ ـ راجح بن أبى نمى بن أبى سعد حسن بن علىّ بن قتادة بن إدريس بن مطاعن، الحسنى المكى:
أمير مكة. ذكر لى شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة، أنه استولى على مكة أشهرا، ثم انتزعت منه، ولم يذكر متى كان ذلك، وما ذكر لى ذلك غيره، والله أعلم. ولم أدر متى مات، إلا أنه كان حيّا فى رمضان، سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة؛ لأنه وفد فيها على الناصر محمد بن قلاوون، صاحب مصر وأكرمه.
١١٧٤ ـ راجح بن محمد بن عبد الله بن عمر بن مسعود العمرى المكى:
كان من أعيان القواد المعروفين بالعمرة، وله مكانة عند الشريف أحمد بن عجلان صاحب مكة. توفى فى سنة ست وثمانين وسبعمائة.
١١٧٥ ـ راشد العطار، أبو مسرّة، جد يحيى بن أبى مسرّة:
روى عنه سعيد بن سلام العطّار حديثا، عن هنّاد، الآفة فيه من سعيد، كما قال الذهبى. وذكر أن بعضهم وهّاه.
١١٧٦ ـ راشد الغيثىّ:
وجدت فى مجاميع الميروقىّ بخطه، أو خط غيره، أنه من بقايا الصالحين بمكة.
والغيثى ـ بغين معجمة ثم ياء مثناة من تحت ثم ثاء مثلثة ثم ياء للنسبة ـ نسبة إلى الشيخ أبى الغيث بن جميل، الولى المشهور ببلاد اليمن.
* * *
من اسمه رافع
١١٧٧ ـ رافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى:
تقدم نسبه عند ذكر أبيه، قتل يوم بئر معونة، له ولإخوته: عبد الله وعبد الرحمن وسلمة صحبة.
ذكره هكذا ابن الأثير، وذكر عن ابن إسحاق، فيما رواه عن غير واحد من أهل العلم، قالوا: بعث رسول الله ﷺ ، المنذر بن عمرو فى جماعة، منهم: رافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى. وذكر الحديث فى قتلهم.
стр. 1395
وقال ابن الأثير: أخرجه هكذا ابن مندة وأبو نعيم، وقال أبو نعيم فى هذه الترجمة: صحف فيه بعض المتأخرين، وإنما هو نافع بالنون لا يختلف فيه. وقال فيه ابن رواحة [من الخفيف]:
رحم الله رافع بن بديل ... رحمة المبتغى ثواب الجهاد
عليه تواطأ أصحاب المغازى والتاريخ، والحق بيد أبى نعيم، وقد وهم فيه ابن مندة. انتهى. ولم يذكره ابن عبد البر لكونه تصحف. والله أعلم.
وذكره الذهبى، فقال: رافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى، صحفه بعضهم، وإنما هو نافع بالنون، وسيأتى إن شاء الله تعالى. انتهى.
١١٧٨ ـ رافع بن نصر البغدادى، أبو الحسن المعروف بالحمّال، بحاء مهملة مفتوحة وميم مشددة:
فقيه الحرم الشريف. قال محمد بن طاهر المقدسى فى ترجمة هيّاج بن عمير الحطّينىّ الآتى ذكره:
كان هياج فقيه الحرم بعد رافع الحمّال، وسمعته يقول: كان لرافع الحمال فى الزهد، قدم، وإنما تفقه أبو إسحاق الشيرازى، وأبو يعلى بن الفراء بمراعاة رافع، كانوا يتفقهون وكان يكون معهما. ثم يروح يحمل على رأسه ويعطيهما ما يتقوتان به.
وذكره السبكى فى طبقاته فقال: تفقه على الشيخ أبى حامد الإسفرايينى، وقرأ الأصول على القاضى أبى بكر الباقلانى، وسمع الحديث من أبى الحسن رزقويه وغيره. روى عنه جعفر السراج، وعبد العزيز الكتّانى وغيرهما.
ومن شعره [من الرمل]:
اقطع الآمال عن فض ... ل بنى آدم طرّا
أنت ما استغنيت عن مث ... لك أعلا الناس قدرا
وذكره الإسنائى فى طبقاته، وقال: كان فقيها أصوليّا زاهدا، أخذ الأصول عن أبى بكر الباقلّانىّ، والفقه عن الشيخ أبى حامد المروزىّ، ثم قال: توجه إلى مكة وأقام بها إلى حين وفاته، يتعبد ويفتى. توفى بها سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
١١٧٩ ـ رافع بن يزيد الثقفى:
مذكور فى الصحابة. روى عنه الحسن بن أبى الحسن. ذكره هكذا ابن عبد البر،
стр. 1396
وذكره ابن الأثير أفود من هذا؛ لأنه قال: رافع بن يزيد الثقفى، عداده فى البصريين.
روى أبو بكر الهذلى عن الحسن بن أبى الحسن البصرى، عن رافع، أن النبىصلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان يحب الحمرة، فإياكم والحمرة، وكل ثوب فيه شهرة». ورواه قتادة عن الحسن عن عبد الرحمن بن يزيد بن رافع، عن النبى ﷺ . أخرجه الثلاثة.
١١٨٠ ـ رافع، مولى بديل بن ورقاء الخزاعى:
له صحبة. قال ابن إسحاق: لما دخلت خزاعة مكة، لجأوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعى، ودار مولى لهم يقال له رافع.
ذكره هكذا ابن عبد البر. وقال ابن عبد البر (١) أيضا فى ترجمة بديل بن ورقاء الخزاعى مولى رافع؛ وذكر ابن إسحاق، أن قريشا يوم فتح مكة، لجأوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعى، ودار مولاه رافع. انتهى.
وهذا يخالف الأول، فإن القصة واحدة، إلا أن يكون ما ذكر عن خزاعة حين لجأوا إلى مكة، بعد أن قتلهم بنو بكر على الوتير (٢)، وهى الواقعة التى أهاجت فتح مكة (٣)،
стр. 1397
ويكون ما ذكر عن قريش، وقع فى الفتح، كما هو ظاهر قول ابن إسحاق، ويبعد أن تلجأ قريش فى الفتح إلى دار بديل ومولاه، لاستغنائهم عن ذلك بمنازلهم، سيما عن دار رافع، فإنها كمنازلهم فى عدم الأمن فيها، بمجرد دخولها، وإنما يأمن داخلها بإغلاقها، ولا كذلك دار أبى سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، إن صح تأمين من دخل داره، والله أعلم.
وما ذكره ابن عبد البر عن ابن إسحاق، من أن خزاعة حين دخلوا مكة لجأوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعى، ودار مولى لهم يقال له رافع. ذكره ابن إسحاق فى سيرته تهذيب ابن هشام؛ لأن فيها بعد أن ذكر قتل بنى بكر لخزاعة على الوتير: فلما دخلت خزاعة مكة، لجأوا إلى دار بديل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له رافع. انتهى.
ولم أر فيها ما ذكره ابن عبد البر عن ابن إسحاق، من دخول قريش يوم الفتح دار بديل ودار مولاه رافع، والله أعلم بصحة ذلك.
стр. 1398
١١٨١ ـ رامشت بن الحسين بن شيرويه بن الحسين بن جعفر الفارسى، يكنى أبا القاسم، واسمه إبراهيم، وإنما اشتهر برامشت، ولذلك ذكرناه هنا:
كان من أعيان تجار العجم وخيارهم، له فى الكعبة وفى الحرم ومكة المشرفة آثار تحمد.
منها: الرباط المشهور بمكة عند باب الحزورة من المسجد الحرام، وقفه على جميع الصوفية الرجال دون النساء، أصحاب المرقّعة، من سائر العراق، سنة تسع وعشرين وخمسمائة، كما فى الحجر الذى على بابه الذى بالمسجد، ووقفت على كتاب وقفه، وأظنه عندى.
وقد خرب كثيرا لما احترق المسجد فى آخر شوال سنة اثنتين وثمانمائة، فتطوع بعمارته غير واحد، أعظمهم جدوى فى ذلك، الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة، فإنه بذل لعمارته مائتى مثقال ذهبا، فأزيل بها غالب ما كان فيه من الشعث، أثابه الله.
ومنها: أنه عمل للكعبة المعظمة ميزابا وزنه سبعون منا، وصل به بعد موته، خادمه مثقال، مع مكبّة للمقام، ومجمرتين، وركب الميزاب فى الكعبة، ثم قلع وأبدل بميزاب أنفذه الخليفة المقتفى العباسى، كما ذكرنا فى تأليفنا «شفاء الغرام ومختصراته».
ومنها: أن فى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، كسى الكعبة المعظمة، لما لم يصل لها كسوة من جهة الخليفة، لاشتغاله بالحرب الذى كان بينه وبين الملك السلجوقى إذ ذاك، وكانت كسوة رامشت بثمانية عشر ألف مثقال مصرية، على ما ذكر ابن الأثير، وذكر أنها من حبرات وغيرها.
ورأيت فى بعض التواريخ، أن كسوة رامشت للكعبة، استقامت عليه بستة آلاف دينار وأنه كساها فى سنة إحدى وثلاثين.
ومن مآثره فى الحرم، حطيم عمله لإمام الحنابلة بالمسجد الحرام، على ما ذكر ابن جبير فى أخبار رحلته؛ لأنه قال فيها: وللحنبلى حطيم معطل، وهو قريب من حطيم الحنفى، وهو منسوب إلى رامشت، أحد الأعاجم ذوى الثراء. وكانت له فى الحرم آثارا كريمة من النفقات، رحمه الله تعالى. انتهى.
توفى رامشت هذا، فى شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وحمل إلى مكة، فوصل
стр. 1399
إليها سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، ودفن بها بالمعلاة، ومن حجر قبره نقلت نسبه وتاريخ وفاته.
١١٨٢ ـ رباح بن أبى معروف بن أبى سارة المكى:
روى عن عبد الله بن أبى مليكة، وعطاء بن أبى رباح، وقيس بن سعد المكى، ومجاهد، وأبى الزبير المكى، ومغيرة بن حكيم.
روى عنه سفيان الثورى، وابن أبى فديك، وأبو داود الطيالسى، وأبو نعيم، ووكيع، وغيرهم.
روى له البخارى فى الأدب، ومسلم (١)، وأبو داود فى المراسيل والنسائى (٢). ضعفه
стр. 1400
ابن معين والنسائى. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: صالح.
وقال ابن حبان: كان ممن الغالب عليه التثبت ولزوم الورع والاجتهاد والعبادة. وكان يهم فى الشيء بعد الشئ. انتهى.
ورباح: بباء موحدة؛ لأن ابن الأثير، ذكره فى باب الراء والباء، ثم عقّبه بربعىّ.
١١٨٣ ـ رباح بن المعترف:
وقال الطبرى: ابن عمرو بن المعترف. قال أبو عمر بن عبد البر: يقولون اسم المعترف: وهب بن حجوان بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر ابن كنانة القرشى الفهرى. كانت له صحبة. وكان شريك عبد الرحمن بن عوف فى التجارة.
روى أنه كان مع عبد الرحمن يوما فى سفر، فرفع صوته، رباح، يغنى غناء الركبان، فقال له عبد الرحمن: ما هذا؟ قال: غير ما بأس، نلهو ويقصر عنا السفر. فقال عبد الرحمن: إن كنتم فاعلين، فعليكم بشعر ضرار بن الخطاب، ويقال إنه كان معهم فى ذلك السفر، عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ وكان يغنيهم غناء النصب. انتهى.
ذكره هكذا ابن عبد البر. وقال: وابنه عبد الله بن رباح أحد العلماء. انتهى.
وذكره ابن الأثير بمعنى هذا، وقال: أسلم يوم الفتح. وقال: وقيل: اسم المعترف: وهيب أو أهيب. انتهى. وهذا الكلام لا يستقيم هكذا، ولعل سقط منه شيء أو تصحف. والله أعلم.
стр. 1401
وقال: ضرار بن الخطاب: رجل من بنى محارب بن فهر. انتهى.
١١٨٤ ـ الربيع بن زياد، ويقال ابن زيد، ويقال، ربيعة بن زياد الخزاعى، ويقال الحارثى:
مختلف فى صحبته، له عن النبى ﷺ حديث واحد. روى عنه أبو كرز الحارثى.
روى له أبو داود فى المراسيل، والنسائى حديثا، وهو: «بينما رسول اللهصلى الله عليه وسلم يسير، أبصر شابا من قريش يسير معتزلا، فسأل عنه، فأخبر به، وأمر فدعى له، فجاء فسأله عن اعتزاله للطريق، فقال: كرهت الغبار. قال: لا تعتزله، فو الذى نفسى بيده، إنه ـ يعنى الغبار ـ لذريرة الجنة» (١). الحديث.
قال البغوى: لا أدرى له صحبة أم لا؟ . وقال ابن حبان فى الثقات: ربيعة بن زياد: يروى المراسيل. كتبت هذه الترجمة من التهذيب للمزى، ملخصة باختصار.
وقال ابن عبد البر: ربيعة بن زياد الخزاعى، ويقال، ربيع، روى: الغبار فى سبيل الله ذريرة الجنة. فى إسناده مقال. انتهى. وهو المذكور؛ لأن فى الحديث المشار إليه فى ترجمة المذكور نحوا من هذا.
وذكر ابن الأثير فى نسبه خلاف ذلك؛ لأنه قال: ربيع بن زياد، وقيل ربيعة بن يزيد، وقيل ابن يزيد السلمى. روى عنه أبو كرز، وبرّة، قال: بينما رسول اللهصلى الله عليه وسلم يسير، إذ أبصر شابا. فذكر الحديث. وفى آخره: فو الذى نفسى بيده، إنه ـ يعنى الغبار ـ لذريرة الجنة. أخرجه أبو نعيم، وأبو موسى، وقال أبو موسى: أخرجه ابن مندة فى ربيعة. انتهى.
стр. 1402
وصاحب هذه الترجمة، وإن كان يقال له الربيع بن زياد الحارثى على أحد الأقوال، فليس هو الربيع بن زياد الحارثى، الذى استخلفه أبو موسى على قتال مناذر؛ لأن هذا لم يختلف فى صحبته فيما علمت. والله أعلم.
* * *
من اسمه ربيعة
١١٨٥ ـ ربيعة بن أكثم بن سخبرة الأسدى، أسد خزيمة:
أحد حلفاء بنى أمية بن عبد شمس، وقيل حليف بنى عبد شمس، يكنى أبا يزيد، وكان قصيرا دحداحا شهد بدرا، وهو ابن ثلاثين سنة، وشهد أحدا والخندق، والحديبية، وقتل بخيبر، قتله الحارث اليهودى بالنّطاة.
ومن حديثه: قال كان رسول الله ﷺ «يستاك عرضا، ويشرب مصّا، ويقول: هو أهنأ وأمرأ».
روى عنه سعيد بن المسيب، ولا يحتج بحديثه هذا؛ لأن من دون سعيد لا يوثق بهم لضعفهم، ولم يره سعيد، ولا أدرك زمانه بمولده؛ لأنه ولد فى زمن عمر ـ رضى الله عنه.
ذكره هكذا ابن عبد البر إلا أنا اختصرنا شيئا مما ذكره للاستغناء عنه بما ذكرناه. وقد روينا حديثه المذكور فى الغيلانيّات.
١١٨٦ ـ ربيعة بن أمية بن خلف الجمحى:
ذكره هكذا ابن الأثير؛ وقال: روى حديثه يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، من روايته عن يحيى بن عباد، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: كان ربيعة بن أمية ابن خلف الجمحى، هو الذى يصرخ يوم عرفة، تحت لبّة ناقة رسول الله ﷺ ؛ وكان صيتا. وكان يصرخ بما يقوله له رسول الله ﷺ ، فى تحريم الدماء والأموال، الحديث المشهور، وقال: أخرجه ابن مندة، وأبو نعيم. انتهى بالمعنى.
وذكر ذلك كله أيضا الذهبى. وقال: قال ابن المسيب: إن عمر ـ رضى الله عنه ـ غرّب ربيعة بن أمية فى الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل، فتنصر، فقال عمر ـ رضى الله عنه: لا غرّبت بعده أحدا أبدا. رواه معمر عن الزهرى عنه.
стр. 1403
١١٨٧ ـ ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب القرشى الهاشمى:
يكنى أبا أروى، على ما ذكر الزبير بن بكار، قال: وكان أسنّ من عمه العباس بن عبد المطلب، ولم يشهد بدرا مع المشركين، كان غائبا بالشام، وأطعمه رسول اللهصلى الله عليه وسلم بخيبر، مائة وسق كل سنة.
قال: ومن ولد ربيعة بن الحارث، آدم بن ربيعة، كان مسترضعا فى هذيل، فقتلته بنو ليث بن بكر، فى حرب كانت بينهم وبين هذيل، وكان الصبى يحبو أمام البيت، فأصابه حجر فرضخ رأسه. وهو الذى يقول له رسول الله ﷺ يوم الفتح: «ألا إن كل دم كان فى الجاهلية، فهو تحت قدمى، وأول دم أضعه، دم ابن ربيعة بن الحارث» (١).
стр. 1404
قال: وكان ولد ربيعة بن الحارث: عبد الله ومحمد والعباس، لا بقية له، وأمية وعبد شمس لا بقية له ـ وكان يقال لهم: الموره، لم يتموا اثنتين قط: ـ وعبد المطلب، وأروى ـ تزوجها حبان بن منقذ ـ وأمهم جميعا أم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم. انتهى.
وهذا الذى ذكره الزبير، من أن النبى ﷺ قال: «وأول دم أضعه دم ابن ربيعة بن الحارث». ذكره ابن البرقىّ عن أبى هشام عن زياد البكّائىّ عن ابن إسحاق، وجاء ما يوهم خلافه؛ لأن النبى ﷺ قال فى حجة الوداع: «وأول دم أضع، دم ربيعة بن الحارث». وهذا لا ينافى الأول؛ لأن إضافة الدم إلى ربيعة، باعتبار أنه ولى الدم؛ لأن المقتول ولد له صغير. وأما ربيعة فلم يقتل، وقد أشار إلى التوفيق بين الخبرين بما ذكرناه ابن الكلبى.
وأما قول الزبير: ومن ولد ربيعة بن الحارث: آدم بن ربيعة، كان مسترضعا فى هذيل، إلى قوله: فأصابه حجر فرضخ رأسه، فإنه يقتضى أن المقتول من ولد ربيعة، هو آدم. وذكر ذلك ابن حزم فى الجمهرة.
وذكر ابن الأثير أن ذلك خطأ؛ لأنه حكى فى اسم المقتول من ولد ربيعة، ثلاثة أقوال، أحدها: أنه آدم، وعزاه للزبير. والآخر: تمام، والآخر: إياس. ولم يعزهما، ثم قال: ومن قال إنه آدم فقد أخطأ؛ لأنه رأى: دم ربيعة. فطن أنه آدم بن ربيعة، ويقال: إن حماد بن سلمة، هو الذى غلط فيه. انتهى. وفيه نظر؛ لأنه تغليط بالوهم، والله أعلم.
وذكر ابن عبد البر فى اسم المقتول من ولد ربيعة، قولين، أحدهما: آدم، والآخر تمام، والله أعلم.
وإما ما ذكره الزبير فى أولاد ربيعة بن الحارث، فقد ذكر ابن البرقىّ فيهم ما لم يذكره الزبير؛ لأنه قال: وكان لربيعة من الولد: عبد الله وأبو حمزة، وعون وعباس وعبد المطلب وعبد شمس وجهم وعياض ومحمد والحارث. انتهى كلام ابن البرقىّ. فزاد كما ترى على الزبير ونقص، والله أعلم.
وأما قول الزبير: إن ربيعة بن الحارث كان أسن من عمه العباس، فليس فيه بيان الزيادة، وقد بينها غيره؛ لأن ابن عبد البر قال فى ترجمته: وكان ربيعة هذا أسن من العباس فيما ذكروا بسنتين. انتهى.
стр. 1405
وقال ابن سعد: هاجر مع العباس ونوفل بن الحارث، وشهد الفتح والطائف. وثبت يوم حنين، وتوفى بعد أخويه نوفل وأبى سفيان.
وقال خليفة والعسكرى وغيرهما: مات بالمدينة فى أول خلافة عمر رضى الله عنه.
وقال الطبرانى: توفى سنة ثلاث وعشرين. وكذلك قال ابن حبان، وابن عبد البر، إلا أنه لم يجزم به. وحكاه بصيغة التعريض.
وذكره ابن الأثير جزما وقال: بالمدينة، قال: وهو الذى قال عنه النبى ﷺ : «نعم الرجل ربيعة، لو قصر من شعره وشمر ثوبه». وهذا الحديث يرويه سهل بن الحنظلية فى خريم بن فاتك الأسدى. وكان ربيعة شريك عثمان بن عفان فى التجارة.
وذكر ابن الأثير ما ذكره الزبير، من إعطاء النبى ﷺ لربيعة بن الحارث مائة وسق من خيبر.
وقال ابن عبد البر: روى عن النبى ﷺ أحاديث. منها: «إنما الصدقة أو ساخ الناس» فى حديث فيه طول من حديث مالك وغيره (٢).
ومنها: حديثه فى الذكر فى الصلاة. والقول فى الركوع والسجود، روى عنه عبد الله بن الفضل. انتهى.
ولا أعلم فى الرّواة عنه أحدا اسمه عبد الله بن الفضل، ولعله عبد الله بن نافع بن العمياء، فإنه روى عنه على خلاف فيه.
وروى عنه أيضا: ابنه عبد المطلب بن ربيعة، ويقال المطلب بن ربيعة. وروى له الترمذى (٣) والنسائى حديثا واحدا، وقع لنا عاليا عنه، وهو حديث: «الصلاة مثنى مثنى،