← Тараджим

Тараджим · id 20989

العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين

التقي الفاسي

Полный текст (2 722 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وبلغنى أنه لما مات أخوه البهاء الخطيب، كان التاج يبكى عليه مع النّساء، ويلطم فى خدّه، ورآه القاضى شهاب الدين كذلك، أو أخبر عنه بذلك، فأخرجه من عند النّساء. ولما اجتمع الناس للصلاة على أخيه، قدّمه القاضى شهاب الدين للصلاة عليه، فصلى التاج على أخيه، وخطب الناس بأمر القاضى شهاب الدين الطبرى، فجاء خطيبا بليغا، وابتلى بالجذام فى أخرة، نسأل الله العافية. وسألت عنه شيخنا الشريف عبد الرحمن الفاسى، فقال: كان خطيبا بليغا، وناب عن قريبه القاضى شهاب الدين الطبرىّ فى الحكم، فى أواخر عمره، ولم يكن من أهل العلم، وكان ابتلى بجذام فاحش. انتهى. وتوفى سنة ست وخمسين وسبعمائة بمكة، هكذا ذكر وفاته ابن محفوظ، وذكر ما يدل على أنه توفى فى آخر النصف الأول من هذه السنة، أو أوّل شهر النصف الثانى منهان لأنه ذكر أن فى أول رمضان، وصل تقليد من مصر بالخطابة، للقاضى شهاب الدين الطبرى. ٢٠٦٨ ـ على بن عبد الله بن الحسن بن جهضم بن سعيد الهمدانى الصوفى أبو الحسن: نزيل مكة، صاحب كتاب «بهجة الأسرار» (١). حدّث عن أبى الحسن على بن إبراهيم بن سلمة القطّان، وأبى على بن زياد القطّان، وأحمد بن الحسن بن عتبة الرّازىّ، وأحمد بن عطيه بن إبراهيم بن عطية الحدّاد، وأحمد بن عثمان الأدمىّ، وعبد الرحمن بن حمدان الجلّاب وعلىّ بن أبى العقب، وأبى بكر بن أبى دجانة، وجمح بن القاسم المؤذّن، وطائفة.

стр. 2032

روى عنه عبد الغنى بن سعيد الحافظ، وإبراهيم بن محمد الحنائى، وأبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعىّ، وأبو يعلى الأهوازى، وأبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن أبى الحديد، وخلق كثير من المغاربة والحجّاج، وصنف «بهجة الأسرار فى أخبار الصوفية». قال ابن خيرون. تكلّم فيه. قال: وقيل إنه يكذب. وقال شيرويه الدّيلمىّ: وكان ثقة صدوقا عالما زاهدا حسن المعاملة، مذكورا فى البلدان، حسن المعرفة. انتهى. وذكره صاحب المرآة، وقال: ذكره جدّى فى المنتظم، وقال: ذكروا أنه كان كذابا، ويقال إنه وضع حديث صلاة الرغائب. وذكر أن جدّه، ذكر الحديث فى «الموضوعات» وذكر أنه مات بمكة فى سنة أربع عشرة وأربعمائة، وهكذا ذكر وفاته الذهبى فى «تاريخ الإسلام» ومنه كتبت أكثر هذه الترجمة، وأورد فى ترجمته، حديث صلاة الرغائب. وقال: لا يعرف إلا من روايته، واتهموه بوضعه. وكذا ذكر وفاته فى العبر، وترجمه بشيخ الصّوفية فى الحرم. ٢٠٦٩ ـ على بن عبد الله بن حمّود الفاسى، أبو الحسن المكناسىّ: إمام المالكية بالحرم الشريف، حجّ سنة اثنتى عشرة، وأخذ عن أبى بكر الطّرطوشى: سنن أبى داود، وصحيح مسلم ـ أخذه عن ابن طرخان ـ وجامع أبى عيسى بن المبارك، ودخل الأندلس مرابطا، ثم حجّ ثانيا، وجاور وأمّ بالحرم، وأصله من مكناسة الزّيتون. ذكره ابن الأبّار فى تكملة الصّلة لابن بشكوال، وقال: كان زاهدا ورعا محسنا إلى الغرباء، توفى بمكة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، عن سبع وثمانين سنة، انتهى. وألفيت حجرا بالمعلاة مكتوب فيه: إن هذا قبر أبى الحسن على بن حمّود المكناسى. وأنه: توفى ليلة الاثنين فى العشر الأوسط من جمادى الآخرة، سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وترجم فيه: بالفقيه الزاهد، إمام المالكية بالحرم الشريف. وإنما ذكرنا هذا، لأنّ ما فى حجر قبره من تاريخ وفاته، يخالف ما ذكره ابن الأبّار فيها. والصواب ما فى الحجر، والله أعلم. ولا يقال إنهما اثنان، لأنه فى الحجر نسب إلى جدّه، وهو حمّود. وابن الأبّار أكمل نسبه.

стр. 2033

ووجدت بخط شيخنا ابن سكّر: إن ابن أبى الصّيف اليمنى نزيل مكة، قرأ سنن أبى داود، على أبى الحسن على بن خلف بن معرور التلمسانى، عن أبى الحسن هذا، عن الطّرطوشىّ، بسنده المشهور. ٢٠٧٠ ـ على بن عبد الله بن عثمان العسقلانى المكى، يكنى أبا الحسن، ويلقّب شهاب الدين: توفى يوم السبت السّادس والعشرين من شعبان، سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، ودفن بالمعلاة. ومن حجر قبره لخّصت هذا، وفيه مكتوب: هذا قبر الشاب شهاب الدين، وفيه [من البسيط]: إن العزا بشهاب الدين قد منعت ... منه القلوب وقد أودى بها التلف نشو تكامل فيه الظرف واجتمعت ... فيه شمائل لا تنفك تأتلف ومنظر مخجل للشمس إن طلعت ... يا ليته لم يكن بالبين ينكسف إذا بدا ناطقا فى وسط محتفل ... فالدر منتظم والشهد مقتطف محاسن نظم الإجماع صحتها ... كالؤلؤ انتقبت عن حسنه الصدق ٢٠٧١ ـ على بن عبد الله بن على بن محمد بن عبد السلام بن أبى المعالى الكازرونىّ، أبو الحسن المكى، الملقّب نور الدين: مؤذّن الحرم الشريف. سمع من الرضىّ الطّبرىّ: سنن أبى داود وسنن النّسائى، وغير ذلك، عليه وعلى غيره، وما علمته حدّث. وذكر شيخنا ابن سكّر، أنه أجاز له. قال: وكان رجلا صالحا. انتهى. توفى ثالث جمادى الأولى سنة خمس وستين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، أخبرنى بوفاته، ولده بهاء الدين عبد الله بن علىّ، رئيس المؤذنين بالحرم الشريف، وأخبرنى أنه ولد فى سنة ثمان وسبعمائة بمكة. ٢٠٧٢ ـ على بن عبد الله بن عيسار، السّوسى، أبو الحسن: توفى فى العشر الأخير من ذى القعدة سنة ثمان وستين وخمسمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، ومن حجر قبره كتبت ما ذكرته من حاله، وترجم فيه: بالشيخ الفاضل العابد المقرى. ٢٠٧٣ ـ على بن عبد الله بن محمد بن عبد النّور التّلمسانىّ، القاضى أبو الحسن بن أبى محمد: قدم إلى مكة حاجّا، فى سنة أربع وستين وسبعمائة، وطاف بالبيت الحرام، وسعى

стр. 2034

فى يوم قدومه، وتوفى إثر ذلك، وذلك فى يوم الاثنين ثالث شهر ذى الحجة من السنة المذكورة، ودفن بالمعلاة، ومن حجر قبره، كتبت ما ذكرته من حاله، وترجم فيه: بالشيخ الصالح الزكى الفقيه العالم المفتى المدرس الأفضل الأكمل. ٢٠٧٤ ـ على بن عبد الله بن محمد بن محمد: [ ....................... ] (١). ٢٠٧٥ ـ على بن عبد الله بن محبوب الأطرابلسىّ المقرى: ذكره هكذا الذهبى فى تاريخ الإسلام، وقال: قال السّلفىّ: قدم الإسكندرية وكان متفقها، وكان له اهتمام بالتواريخ، صنّف تويريخا لطرابلس، حدّثنى به، وكتب عنّى، وكان فاضلا فى فنون. توفى بمكة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. انتهى. ٢٠٧٦ ـ على بن عبد الله الصّقلّى: إمام المالكية بمكة، ذكره أبو القاسم بن عساكر فى معجمه. وروى رزين عنه، عن أبى الوليد الباجىّ، والقاضى يونس بن مغيث: حديثا من الموطأ. ٢٠٧٧ ـ على بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور البغوىّ، أبو الحسن المكى: صحب أبا عبيد القاسم بن سلّام، وروى عنه تواليفه: غريب الحديث، وفضائل القرآن، والطهور، وغير ذلك. وروى عن أبى نعيم، وحجّاج بن منهال، ومحمد بن كثير العبدىّ، ومسلم بن إبراهيم الأزدى، والقعنبىّ، وعاصم بن علىّ، وغيرهم. وصنّف «المسند». حدث عنه ابن أخيه، أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوى، وعلى بن أحمد [ ........... ] (١) وحدث عنه بالمسند، أبو على حامد بن محمد الرفاء الهروى.

стр. 2035

قال أبو حاتم: كان صدوقا. وسئل عنه الدّار قطنىّ فقال: ثقة مأمون. أخبرنى إبراهيم بن أبى بكر الصالحى، ومحمد بن محمد بن عبد الله المقدسى، إذنا مكاتبة، عن فاطمة بنت سليمان الأنصارى، أن الحافظ أبا بكر محمد بن عبد الغنى بن نقطة البغدادى، أخبرها إجازة، وتفرّدت بها عنه، قال: أنا عبد العزيز بن محمود بن الأخضر الحافظ، قال: أنا أبو منصور محمد بن عبد الملك بن خيرون، إجازة عن أبى بكر الخطيب، قال: أخبرنى القاضى أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن محمد الدّينورىّ بها، قال: حدثنا أبو بكر بن السنى قال: سمعت أبا عبد الرحمن النسائى، وسئل عن على بن عبد العزيز المكى، فقال: قبّح الله علىّ بن عبد العزيز، ثلاثا. فقيل: يا أبا عبد الرحمن، أتروى عنه؟ قال: لا. فقيل: أكان كاذبا؟ فقال: لا، ولكنّ قوم أجمعوا على أن يقرءوا عليه شيئا، ويبرّوه بما يسهل، وكان فيهم إنسان غريب فقير، لم يكن فى جملة من برّه، فأبى أن يقرأ عليهم وهو حاضر، حتى يخرج أو يدفع كما دفعوا، فذكر الغريب أن ليس معه إلا قصعة، فأمر بإحضار القصعة، فلما أحضرها، حدّثهم. وذكره ابن حبّان فى الطبقة الرابعة من الثقات، وقال: مات بمكة يوم الخميس، غرّة ربيع الأول سنة سبع وثمانين ومائتين. ٢٠٧٨ ـ على بن عبد العزيز الدقوقى: كان ذا ملاءة، جاور بمكة، وخلّف بها عقارا وأولادا. توفى يوم الخميس ثامن ذى الحجة سنة خمس وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ٢٠٧٩ ـ على بن عبد الكريم بن أحمد بن عطيّة بن ظهيرة بن مرزوق القرشى المخزومى المكى، يلقّب نور الدين، ويكنى أبا الحسن: سمع على الحافظ صلاح الدين العلائى بعض مؤلفاته الحديثية، وما علمته حدّث ولا أجاز. وتوفى فى سنة ست وثمانمائة بمكة ودفن بالمعلاة، وقد بلغ السبعين أو قاربها، سامحه الله تعالى. وهو أخو أبى عبد الله محمد بن عبد الكريم السابق.

стр. 2036

٢٠٨٠ ـ على بن عبد اللطيف بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسنىّ الفاسىّ المكى، يلقب نور الدين: إمام مقام الحنابلة بالمسجد الحرام. ولد فى العشر الأخير من شوال سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، قبل موت أبيه بيسير، واستقر عوضه بالإمامة، بمقام الحنابلة بالحرم الشريف، وباشر ذلك عنه، عمه الشريف أبو الفتح الفاسى مدّة سنين كثيرة، حتى تأهّل، ثم باشر هو بنفسه مدّة سنين، واستمرّ على ولايته، حتى مات فى ليلة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ست وثمانمائة، بزبيد من بلاد اليمن، ودفن بمقابرها. سمع من النّشاورىّ، وشيخنا ابن صدّيق، وغيرهما من شيوخنا، وله اشتغال بالعلم، وفيه خير. ٢٠٨١ ـ على بن عبد اللطيف بن محمد بن على بن سالم الزّبيدى الأصل، المكى المولد والدار: ولد بمكة وبها نشأ، وسمع بها فيما أحسب على النشاورى وغيره، وأصابه بعد موت أبيه تعب، لقلّة ما بيده، وتوفى بمكة فى ربيع الأول سنة اثنتى عشرة وثمانمائة، عن نحو ثلاثين سنة. ٢٠٨٢ ـ على بن أبى طالب، واسم أبى طالب، عبد مناف ـ على الأصح فيما قال ابن عبد البر، والمشهور على ما قال النووى وقيل اسمه كنيته ـ بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب القرشى: أمير المؤمنين أبو الحسن، ويكنى أبا تراب، كنّاه بذلك النبى ﷺ ، وكان ذلك إليه أحب ما يدعى به صهر النبى ﷺ ومؤاخيه، وأحد الخلفاء الأربعة الراشدين، والستّة

стр. 2037

الذين جعل عمر بن الخطاب رضى الله عنهم الخلافة فيهم شورى، وأحد العشرة الذين شهد لهم النبى ﷺ بالجنة، وتوفى وهو عنهم راض. وأول من أسلم وآمن بالله ورسوله، على ما روى عن سلمان الفارسى، وأبى ذرّ الغفارىّ، والمقداد بن الأسود، وخباب بن الأرتّ، وجابر بن عبد الله الأنصارى، وزيد ابن أرقم، وأبى سعيد الخدرىّ، رضى الله عنهم على ما نقل عنهم ابن عبد البر، قال: وفضله هؤلاء على غيره. وقد اختلف فى كونه أول من أسلم، فروى سلمان الفارسى رضى الله عنه، عن النبىصلى الله عليه وسلم، أنه قال: «أول هذه الأمة ورودا على الحوض، أولها إسلاما: على بن أبى طالب» وروى هذا موقوفا على سلمان رضى الله عنه، قال ابن عبد البر: ورفعه أولى، لأن مثله لا يذكر بالرأى. وقال ابن عباس: كان على بن أبى طالب رضى الله عنه، أول من آمن من الناس بعد خديجة رضى الله عنها، وساقه ابن عبد البر بسنده إلى ابن عباس: وقال: لا مطعن فيه لأحد، لصحته وثقة نقلته، وهو يعارض ما ذكرناه عن ابن عباس فى باب أبى بكر، والصحيح فى أمر أبى بكر، أنه أوّل من أظهر إسلامه، كذلك قال مجاهد وغيره. وقال ابن شهاب وعبد الله بن محمد بن عقيل، وقتادة، وابن إسحاق: أوّل من أسلم من الرجال على، واتفقوا على أن إسلامه بعد خديجة، وروى ابن عبد البر بسنده إلى محمد ابن كعب القرظىّ، أنه سئل عن علىّ وأبى بكر: أيهما أسلم أولا؟ . فقال: سبحان الله! علىّ أولهم إسلاما، وإنما شبّه على الناس، لأن عليا أخفى إسلامه من أبيه أبى طالب، وأسلم أبو بكر وأظهر إسلامه، قال: ولا شك عندى أن عليا أولهم إسلاما. انتهى. قال النووى: قال العلماء: والأورع أن يقال: أوّل من أسلم من الرجال الأحرار: أبو بكر، ومن الصبيان: علىّ، ومن النساء: خديجة، ومن الموالى: زيد بن حارثة، ومن العبيد: بلال. انتهى. واختلف فى سنّه وقت أسلم، فقيل ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل ابن اثنتى عشرة سنة، وقيل ابن خمس عشرة سنة، وقيل ابن ستة عشرة سنة، وقيل ابن عشرين سنة، وقيل ابن ثمان سنين. والقول بأنه كان ابن ثلاث عشرة سنة، يروى عن ابن عمر من وجهين جيّدين، على ما قال ابن عبد البر. وقال: هذا أصح ما قيل فى ذلك.

стр. 2038

واختلف فى أفضليته على غيره، فقال ابن عبد البر: واختلف السلف أيضا فى تفضيل على وأبى بكر. وحديث ابن عمر: كنّا نقول على عهد رسول الله ﷺ : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ثم نسكت ـ يعنى فلا نفاضل ـ وهم وغلط، وأنه لا يصح، وإن كان إسناده صحيحا، لأن أهل السنة من السلف والخلف، من أهل الفقه والأثر، مجمعون على أن عليّا أفضل الناس بعد عثمان، قال: وهذا مما لم يختلفوا فيه، وإنما اختلفوا فى تفضيل علىّ وعثمان، قال: ووقف فى تفضيل كل منهما على الآخر: مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، وذكر أن ابن معين: تكلّم بكلام غليظ فى الذين يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان، ويسكتون عن تفضيل علىّ. وقد جاء فى فضل علىّ رضى الله عنه، عن النبى ﷺ ، أخبار صحيحة، منها أن النبىصلى الله عليه وسلم قال لعلى رضى الله عنه، لما خلفه فى غزوة تبوك، على المدينة وعلى عياله: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبىّ بعدى» (١). رواه عن النبى ﷺ جماعة من الصحابة، منهم سعد بن أبى وقاص ـ من طرق كثيرة جدا ـ وابن عباس، وأبو سعيد الخدرى، وجابر، وأم سلمة، وأسماء بنت عميس، رضى الله عنهم، وهو مخرّج فى الصحيحين. ومنها أن النبى ﷺ ، قال يوم غدير خمّ عند الجحفة: «من كنت مولاه، فعلىّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» (٢). يروى ذلك عن النبى ﷺ : بريدة، وأبو هريرة، وجابر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وبعضهم لا يزيد على: «من كنت مولاه، فعلىّ مولاه». وأخرجه الترمذى من حديث أبى شريحة، أو زيد بن أرقم، عن النبى ﷺ . وقال الترمذى: حسن، والشك فى غير الصحابى، لا يقطع فى صحة الحديث، لأن الصحابة رضى الله عنهم كلهم عدول. ومنها أن النبى ﷺ ، قال يوم خيبر: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله، ليس بفرّار، يفتح الله على يديه» (٣) ثم دعا بعلىّ رضى الله عنه وهو أرمد، فتفل فى عينيه،

стр. 2039

وأعطاه الراية، ففتح الله على يديه. وهذا الحديث فى الصحيحين من حديث سهل بن سعد، رضى الله عنه. ومنها أن النبى ﷺ ، لّما آخى بين الصحابة رضى الله عنهم، وجاءه على رضى الله عنه تدمع عيناه، يقول له: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بينى وبين أحد، فقال له النبى ﷺ : «أنت أخى فى الدّنيا والآخرة» (٤) أخرجه الترمذى، وقال: حديث حسن. ومنها أن النبى ﷺ ، عهد إلى على رضى الله عنه، أنه «لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق» (٥). وهذا الحديث فى صحيح مسلم، من رواية زرّ بن حبيش، عن على رضى الله عنه. ومنها أن الله تعالى، أمر النبى ﷺ بحبّ على، كما فى الترمذى (٦)، من حديث بريدة بن الحصيب رضى الله عنه، عن النبى ﷺ . والأخبار الواردة عن النبى ﷺ ، فى فضل على بن أبى طالب رضى الله عنه كثيرة مشهورة، وإنما أوردنا ذلك للتبرك. وأما الحديث المروى عن النبى ﷺ ، أنه قال: «أنا دار العلم وعلىّ بابها». وفى رواية: «أنا مدينة العلم» فهو حديث منكر على ما قال الترمذى. وفى بعض نسخ الترمذى: غريب. ولا ريب فى أن عليا رضى الله عنه فى العلم بالمكان الأعلى. قال ابن عباس رضى الله عنهما: أعطى علىّ رضى الله عنه، تسعة أعشار العلم، وو الله لقد شاركهم فى العشر الباقى. انتهى. وكان رضى الله عنه أقضى الصحابة، على ما قال النبى ﷺ فى الصحيح، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يتعوّذ من معضلة ليس هو فيها. وقالت عائشة رضى الله عنها، لّما أخبرت أن عليا أفتى الناس بصوم عاشوراء: أمّا إنه لأعلم الناس بالسّنة.

стр. 2040

وقال معاوية، لما بلغه موت على رضى الله عنه: ذهب الفقه والعلم، بموت ابن أبى طالب. وكان معاوية رضى الله عنه، يكتب إليه فيما ينزل به، يسأله عنه، وسئل عطاء ابن أبى رباح: كان فى أصحاب رسول الله ﷺ أعلم من علىّ؟ قال: لا والله، ما أعلمه. قال ابن المسيّب: ما كان أحد يقول: سلونى، غير علىّ بن أبى طالب. انتهى. وفضائله رضى الله عنه كثيرة. وهاجر رضى الله عنه، بعد هجرة النبى ﷺ بمدّة، لأن النبى ﷺ ، لما هاجر إلى المدينة، أمره أن يقيم بمكة بعده أياما، حتى يؤدّى عنه أمانته. والودائع والوصايا التى كانت عند النبى ﷺ ، ثم يلحقه بأهله، ففعل. وشهد بدرا والحديبية، وسائر المشاهد، إلا تبوك، فإن النبى ﷺ خلّفه على المدينة وعلى عياله، وأبلى ببدر وأحد والخندق وخيبر بلاء عظيما، وأغنى فى تلك المشاهد، وقام فيها المقام الكريم. وكان لواء رسول الله ﷺ ، فى يده فى مواطن كثيرة، منها يوم بدر، على اختلاف فى ذلك، ومنها يوم أحد، بعد قتل مصعب بن عمير. وبويع رضى الله عنه بالخلافة بعد عثمان، يوم قتل عثمان رضى الله عنه، سعى الناس إليه وهو فى داره. فأخرجوه منها، وقالوا: لابدّ للناس من إمام، وحضر طلحة والزبير وسعد بن أبى وقّاص والأعيان فبايعوه، وأوّل من بايعه طلحة، ثم سائر الناس من المهاجرين والأنصار، وتخلّف عن بيعته نفر، فلم يهجهم ولم يكرههم، وسئل عنهم فقال: هؤلاء قوم قعدوا عن الحق، ولم يقوموا مع الباطل. وفى رواية أخرى، : أولئك قوم خذلوا الحق، ولم ينصروا الباطل. وتخلّف عن بيعته رضى الله عنه، معاوية بن أبى سفيان، ومن معه من أهل الشام، غضبا لعثمان، ونعاه معاوية لأهل الشام، فتعاونوا على الطلب بدمه، ونصب ثوب عثمان رضى الله عنه، وهو مضرّج بالدم على منبر دمشق، ثم إن طلحة والزبير رضى الله عنهما، فارقا عليا، ولحقا بمكة، واجتمعا فيها مع عائشة أم المؤمنين رضى الله عنهم، وساروا إلى البصرة للطلب بدم عثمان، لأن قتلته التفّوا على علىّ رضى الله عنه، وصاروا معه من رءوس الملأ، وخاف علىّ رضى الله عنه من أن ينتقض الناس، فسار بمن معه من الناس إلى العراق، فجرى بينه وبين عائشة ومن معهما، الوقعة المعروفة بوقعة الجمل، أثارها سفهاء الفريقين، وخرج الأمر عن على وعن طلحة والزبير، وقتل من الفريقين نحو عشرين ألفا، منهم طلحة والزبير،

стр. 2041

وظفر على رضى الله عنه بعائشة، فأكرمها ورعى لها حرمتها، وجهّز معها من أوصلها إلى المدينة. وكانت وقعة الجمل فى سنة ست وثلاثين من الهجرة، فى عاشر جمادى الأولى، وقيل فى عاشر جمادى الأخرى، والله أعلم. ثم ثار الحرب بينه وبين أهل الشام، لا متناعهم من مبايعته، فسار علىّ نحوهم من العراق فى تسعين ألفا، وقيل فى مائة ألف، وقيل فى خمسين ألفا، والتقى مع معاوية وأهل الشام، وكانوا سبعين ألفا، وقيل ستين، على أرض صفّين بناحية العراق، فى صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة، ودام الحرب والغارة بين الفريقين أياما وليالى، وقتل من الفريقين ستون ألفا، وقيل سبعون ألفا، وغلب أصحاب علىّ رضى الله عنه على الماء، وأزالوا عنه أهل الشام. ولما خاف أهل الشام الكسرة، رفعوا المصاحف بإشارة عمرو بن العاص رضى الله عنه، ودعوا إلى الحكم بما فى كتاب الله، فأجاب علىّ رضى الله عنه إلى تحكيم الحكمين، حكما من جهة علىّ، وحكما من جهة معاوية، على أن من اتفق الحكمان على توليته الخلافة، فهو الخليفة. واختلف على علىّ رضى الله عنه أصحابه، لإجابته إلى ذلك، وخرجت عليه الخوارج، وهم أزيد من عشرة آلاف، وقالوا: لا حكم إلا الله، وكفّروا عليا رضى الله عنه بفعله، واعتزلوه، وشقّوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السّبل، فخرج عليهم على رضى الله عنه بمن معه، ورام رجعتهم، فأبوا إلا القتال، فقاتلهم واستأصل جمهورهم، ولم ينج منهم إلا اليسير. وجملة من قتل منهم أربعة آلاف، على ما قيل. فلما كان شهر رمضان من سنة ثمان وثلاثين، اجتمع الحكمان، وهما أبو موسى الأشعرى، من جهة علىّ رضى الله عنه، فيمن معه من وجوه أصحاب على رضى الله عنه، وعمرو بن العاص، من جهة معاوية، فيمن معه من وجوه أصحاب معاوية، بدومة الجندل، وهى مسيرة عشر أيام من دمشق، وعشرة من المدينة، وعشرة أيام من الكوفة، فلم ينبرم أمر، لأن عمرا رضى الله عنه، خلا بأبى موسى فخدعه، فقال له: نخلع الرجلين ـ يعنى عليا ومعاوية ـ ونولّى من يختاره المسلمون، فأذعن لذلك أبو موسى، وقال له عمرو: تكلم قبلى، فأنت أفضل منى وأكبر سابقة. فلما خرجا إلى الناس، تكلّم أبو موسى، وخلع عليّا ومعاوية، ثم قام عمرو، فقام وقال: أما بعد، فإن أبا موسى قد خلع عليا كما سمعتم، وقد واقفته على خلع علىّ، وولّيت معاوية. وسار الشاميون وقد بنوا فى الظاهر على هذه الصورة، وود أصحاب علىّ الكوفة،

стр. 2042

على أن الذى فعل عمرو حيلة وخديعة لا يعبأ بها، وكانت مصر مرّة يستولى عليها أصحاب على، ومرة يستولى عليها أصحاب معاوية، وقد ندم على التخلف عن على رضى الله عنه فى حروبه، غير واحد من كبار السّلّف، كما روى من وجوه، عن حبيب بن أبى ثابت، عن ابن عمر، أنه قال: ما آسى على شيء إلا أنى لم أقاتل مع أهلى مع علىّ أهل الفئة الباغية. قال الشّعبى: ما مات مسروق، حتى تاب إلى الله تعالى عن تخلّفه عن القتال مع على. قال ابن عبد البر: ولهذه الأخبار طرق صحاح، ذكرناها فى موضعها، قال: وكان علىّ رضى الله عنه يسير فى الفيئ سيرة أبى بكر الصديق رضى الله عنه فى القسم، وإذا ورد عليه مال، لم يبق منه شيئا، إلا قسمه، ولا يترك فى بيت المال منه إلا ما يعجز عن قسمته فى يومه. ويقول: يا دنيا غرّى غيرى. ولم يكن يستأثر من الفئ بشئ، ولا يخصّ به حميما ولا قريبا، ولا يخص بالولايات إلّا أهل الديانات. وروى بسنده عن مجمّع التميمى، أن عليا رضى الله عنه، قسم ما فى بيت المال بين المسلمين، ثم أمر به فكنس، وصلّى فيه، ورجاء أن يشهد له يوم القيامة. روى بسنده عن عاصم بن كليب عن أبيه، قال: قدم على علىّ رضى الله عنه، مال من أصبهان، فقسمه سبعة أقسام، ووجد فيه رغيفا، فقسمه سبع كسر، وجعل على كل جزء كسرة، ثم أقرع بينهم، أيّهم يعطى أولا. وثبت عن ابنه الحسن بن على بن أبى طالب من وجوه، أنه قال: لم يترك إلا ثمانمائة درهم، أو سبعمائة درهم، فضلت من عطائه، كان يعدّها لخادم كان يشتريها لأهله. وروى عن عبد الله بن الهذيل قال: رأيت عليا رضى الله عنه، يخرج وعليه قميص غليظ، إذا مدّ كُمّ قميصه بلغ الظفر، وإذا أرسله صار إلى نصف السّاعد. وروى عن الحسن بن [ ...... ] (٧) عن أبيه قال: رأيت علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، يخرج من مسجد الكوفة، وعليه قطريتّان، متّزرا بالواحدة، متردّيا بالأخرى، وإزاره إلى نصف السّاق، وهو يطوف بالأسواق، وبيده الدّرّة، يأمرهم بتقوى الله تعالى، وصدق الحديث، وحسن البيع، والوفاء بالكيل والميزان. انتهى. ولعلىّ رضى الله عنه فى الزهد، والتقشّف فى المعيشة، والمواعظ البليغة لعمّاله، والأجوبة النفيسة عن مشكلات المسائل، أخبار كثيرة مشهورة. ومن كلامه رضى الله

стр. 2043

عنه فى الزهد: الدنيا جيفة، فمن أراد منها شيئا، فليصبر على مخالطة الكلاب. انتهى. وتوفى رضى الله عنه، وهو أفضل الأمة شهيدا مقتولا، قتله رجل من حمير، عداده فى مراد، وهو عبد الرحمن بن ملجم، أشقى الناس على ما أخبر به النبى ﷺ ، كما فى سنن النسائى وغيره، وهو من الخوارج الذين قتلهم يوم النّهروان، وكان واثنان مثله من الخوارج، تعاقدوا على قتل علىّ، ومعاوية بن أبى سفيان، وعمرو بن العاص، وأن لا يرجع أحد منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه. واتّعدوا لذلك ليلة معيّنة، وذهب كل منهم إلى المصر الذى فيه مراده، فرأى ابن ملجم بالكوفة امرأة من بنى عجل، يقال لها قطام، رائعة الجمال، فأعجبته ووقعت فى نفسه، فخطبها فقالت له: آليت ألا أتزوج إلا على مهر لا أريد سواه، فقال لها: ما هو؟ ، فقالت له: ثلاثة آلاف، وقتل علىّ، فأجابها إلى ذلك، وأخبرها بقصده له، فوعدته بمن يشدّ ظهره، وهو ابن عمها، وكلّمته فى ذلك فأجابها، وتكلّم هو مع شبيب بن بجرة الأشجعىّ فى ذلك، فوافقوه، واتفقوا على أن يكمنوا لعلىّ فى المسجد، فإذا خرج إلى الصلاة قتلوه. فلما خرج ضربه شبيب فأخطأه، وضربه ابن ملجم على رأسه بسيف اشتراه بألف، وسقاه السّم، حتى زعموا أنه لفظه، وقيل إنه ضرب عليّا بخنجر كان معه، وقال لعلى: الحكم لله يا علىّ لا لك ولا لأصحابك، فقال علىّ رضى الله عنه: فزت وربّ الكعبة، لا يفوتكم الكلب، فشدّ الناس عليه من كل جانب وأخذوه، فأمر به فحبس وقال: إن متّ فاقتلوه ولا تمثّلوا به، وإن لم أمت، فالأمر إلىّ فى العفو والقصاص. وروى أن عليّا رضى الله عنه، كان إذا رأى ابن ملجم قال: [من الوافر]: أريد حياته ويريد قتلى ... عذيرى من خليلك من مراد أما إن هذا قاتلى، قيل له: فما يمنعك من قتله؟ فقال: إنه لم يقتلنى بعد. ونقل عن علىّ رضى الله عنه أخبار كثيرة، تدل على أنه كان عنده علم السّنة والشّهر والليلة التى يقتل فيها، وأنه لما خرج لصلاة الصبح، صاحت الأوزّ فى وجهه، فطردن عنه، فقال: دعوهنّ فإنهنّ نوائح. انتهى. واختلف فى قتل ابن ملجم لعلىّ رضى الله عنه، فقيل وهو فى الصلاة، وقيل قبل دخوله فيها. واختلف على القول بأنه فتك فيه وهو يصلّى، هل استخلف علىّ من أتمّ الصلاة بالناس، أو أتمها بنفسه؟ . والأكثر على أنه استخلف جعدة بن هبيرة، فصلّى بالناس تلك الصّلاة، والله أعلم.

стр. 2044

ومات علىّ رضى الله عنه بعد الفتك فيه بيومين، وكان الفتك به على ما ذكر ابن عبد البر: فى ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة، وقيل لإحدى عشرة ليلة، خلت، وقيل بقيت من رمضان سنة أربعين من الهجرة. وقال أبو الطّفيل، وزيد بن وهب، والشّعبىّ: قتل علىّ رضى الله عنه، لثمان عشرة ليلة بقيت من رمضان، وقبض فى أول ليلة من العشر الأواخر منه. انتهى بالمعنى. وقيل إن عليا رضى الله عنه، قتل ليلة الأحد تاسع عشرى شهر رمضان سنة أربعين. وقيل إنه قتل ليلة الجمعة، سابع عشر شهر رمضان سنة أربعين، وغسّله ابناه الحسن والحسين، وابن أخيه عبد الله بن جعفر، رضى الله عنهما، وكفّن فى ثلاثة أثواب، ليس فيما قميص ولا عمامة، وحنّط رضى الله عنه على ما قيل، بحنوط فضل من حنوط رسول الله ﷺ ، كان معه بوصيّة منه فى ذلك، ودفن فى السّحر، وصلى عليه ابنه الحسن رضى الله عنه. واختلف فى موضع قبره رضى الله عنه، فقيل فى قصر الإمارة بالكوفة، وقيل فى رحبة الكوفة، وقيل فى نجف الحيرة، موضع بطريق الحيرة، وقبره رضى الله عنه مجهول. واختلف فى مبلغ سنّه، فقيل سبع وخمسون سنة، وقيل ثمان وخمسون، وقيل ثلاث وستون، قال أبو جعفر محمد بن على الباقر، وأبو نعيم، وغيرهما: وقيل خمس وستون. وقيل ثلاث وستون، أو أربع وستون، ذكر هذه الأقوال ابن عبد البر، وصحّح القول بأن مبلغ سنه، ثلاث وستون من غير زيادة، وذكر أن خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام، وقيل وثلاثة، وقيل أربعة عشر يوما. انتهى. وقيل إن خلافته خمس سنين إلا شهرا. وسئل أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، عن صفة على رضى الله عنه، فقال: كان رجلا آدم شديد الأدمة، ثقيل العينين عظيمهما، ذا بطن، أصلع، ربعة إلى القصر ما هو، لا يخضب. وقال أبو إسحاق السبيعى: رأيت عليا رضى الله عنه، أبيض الرأس واللحية، وقد روى أنه ما خضب وصفّر لحيته. وقال ابن عبد البر: وأحسن ما رأيت فى صفته رضى الله عنه، أنه كان ربعة من الرجال، إلى القصر ما هو، أدعج العينين، حسن الوجه، كأنه القمر ليلة البدر حسنا، ضخم البطن، عريض المنكبين، شثن الكفين، أغيد، كأن عنقه إبريق فضة، أصلع ليس فى رأسه شعر إلا من خلفه، كبير اللّحية، ولمنكبه مشاش كمشاش السّبع الضارى، لا يبين عضده من ساعده، قد أدمجت إدماجا، إذا مشى

стр. 2045

تكفّأ، وإن أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطيع أن يتنفّس، وهو إلى السّمن ما هو، شديد السّاعد واليد، إذا مشى إلى الحرب هرول، ثبت الجنان، قويا شجاعا، منصورا على من لاقاه. انتهى. وذكر خبرا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ذكر فيه أن عليّا رضى الله عنه، كان كثير الدّعابة، وأنه زوى عنه الخلافة لذلك. وقال غيره: كان أبيض اللون، أصلع، ربعة، أبيض الرأس واللّحية، وربما خضب لحيته، وكانت كثّة طويلة، حسن الوجه، ضحوك السّنّ. انتهى. وقد أكثر الناس فى قتل علىّ رضى الله عنه من المراثى، فممّا قيل فى ذلك، قول بكر بن حماد [من البسيط]: قل لابن ملجم والأقدار غالبة ... هدمت ويلك للإسلام أركانا قتلت أفضل من يمشى على قدم ... وأول الناس إسلاما وإيمانا وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سن الرسول لنا شرعا وتبيانا صهر النبى ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورا وبرهانا وكان منه على رغم الحسود له ... ما كان هارون من موسى بن عمرانا وثناء السلف على على رضى الله عنه لا يحصى كثرة، وذلك ما رويناه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، قال: قال عمر رضى الله عنه لأهل الشورى: إن ولّوها الأصيلع، كيف يحملهم على الحقّ! ولو كان السيف على عنقه؟ فقلت: أتعلم ذلك منه ولا تولّيه؟ فقال: إن لم أستخلف وأتركهم، فقد تركهم من هو خير منىّ. وروينا عن ابن عبّاس رضى الله عنهما، أن عمر رضى الله عنه، ذكر له أمر الخلافة بعده، فقال له عمر رضى الله عنه: إنى أراك تقول: إنّ صاحبك أولى الناس بها ـ يعنى عليّا ـ فقال له ابن العباس: أجل والله، إنى لأقول ذلك فى سابقته وعلمه وقرابته من رسول اللهصلى الله عليه وسلم وصهره، فقال له عمر رضى الله عنه: إنه كما ذكرت، ولكنه كثير الدّعابة. انتهى بالمعنى. وسئل عنه ابن عباس رضى الله عنهما فقال: كان قد ملئ جوفه حكما وعلما، وبأسا ونجدة، مع قرابته من رسول الله ﷺ ، وكان يظن أنه لا يمدّ يده إلى شيء إلا ناله، فما مد يده لشيء فناله. انتهى.

стр. 2046

ولما دخل رضى الله عنه الكوفة، قال له بعض حكماء العرب: لقد زيّنت الخلافة وما زانتك، وهى كانت أحوج إليك منك إليها. انتهى. وفضائل على رضى الله عنه كثيرة، وأخباره شهيرة، وقد أتينا على عيون منها. وقد رأيت أن أذكر أولاده رضى الله عنهم، لما فى ذلك من الفائدة. قال ابن قتيبة: ولعلى رضى الله عنه من الولد: الحسن، والحسين، ومحسّنا، وأم كلثوم، وزينب الكبرى، كلهم من فاطمة، ومحمد بن الحنفية، وعبيد الله، وأبو بكر، وعمر، ورقيّة، ويحيى، أمهم أسماء بنت عميس، وجعفر، والعباس، وعبد الله، ورملة، وأم الحسن، وأم كلثوم الصغرى، وحمامة، وميمونة، وخديجة، وفاطمة، وأم الكرام، ونفيسة، وأم علقمة، وأمامة، وأم أبيها، رضى الله عنهم. انتهى. وذكر المزى فى التهذيب: أنه كان لعلى من الولد الذكور، أحد وعشرون: الحسن، والحسين، ومحمد الأكبر، وهو ابن الحنفية، وعمر الأطرف، وهو الأكبر، والعباس الأكبر أبو الفضل، قتل بالطف، ويقال له السقّاء أبو قربة، أعقبوا. والذين لم يعقبوا: محسن، درج سقطا، ومحمد الأصغر، قتل بالطف، والعباس الأصغر، يقال إنه قتل بالطف، وعمر الأصغر، درج، وعثمان الأكبر، قتل بالطف، وعثمان الأصغر، درج، وجعفر الأكبر، قتل بالطف، وجعفر الأصغر، درج، وعبد الله الأكبر، يكنى أبا محمد، قتل بالطف، وعبد الله الأصغر، درج، وعبيد الله، يكنى أبا على، يقال إنه قتل بكربلاء، وعبد الرحمن درج، وحمزة درج، وأبو بكر عتيق، يقال إنه قتل بالطف، وعوف درج، ويحيى، يكنى أبا الحسن، توفى صغيرا فى حياة أبيه. انتهى. ٢٠٨٣ ـ على بن عبد المؤمن بن محمد بن ذاكر بن عبد المؤمن بن أبى المعالى الكازرونى المكى: المؤذن بالحرم الشريف. أجاز له فى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة: الدشتى، والقاضى سليمان بن حمزة، والمطعم، وابن مكتوم، وابن عبد الدائم، وابن سعد، وجماعة من دمشق. وسمع بمكة على: عيسى الحجّى، والزين الطبرى، ومحمد بن الصفى، وبلال عتيق ابن العجمى، وجمال الدين المطرى: جامع الترمذى. وسمع من غيرهم، وما علمتة حدّث بشئ، إلا أنى وجدت بخط شيخنا ابن سكر أنه أخذ عنه، ولم أدر ما أخذ عنه، وقال: كان من أولياء الله تعالى، وأصلح المؤذنين بالحرم الشريف، وله تهجّد وطواف وعمل

стр. 2047

صالح، فى كل ليلة فى جوف الليل، وكان ملازما للأذان بمأذنة باب على، والإقامة على قبّة زمزم، حتى توفى فى حدود سنة ستين وسبعمائة. انتهى. ٢٠٨٤ ـ على بن عبد الوهاب بن هبة الله بن عبد الله بن أحمد بن على بن الحسن البغدادى، أبو القاسم، بن أبى الفرج بن أبى الحسن المعروف بابن الشيبى: جاور بمكة سنين كثيرة، وكان أبوه قاضيا. توفى فى آخر ذى الحجة سنة خمس وخمسين وخمسمائة بمكة، ذكره أبى الحسن القطيعى فى تاريخ بغداد، وقال: ذكره صاحب التذيل، ولم يذكر وفاته. ٢٠٨٥ ـ على بن عبد الوهاب بن محمد بن أبى الفرج، القاضى الموفق، أبو الحسن بن القاضى السعيد المفتى أبى القاسم الإسكندرى: صاحب الرباط بأسفل مكة، وعلى بابه حجر عرّف فيه بما ذكرنا، وترجم فيه بتراجم، منها، بعد تعريفه بالموفق: الأمير الكبير جمال الدين ثقة الخلافة، ولى أمير المؤمنين. ومنها بعد أبى الفرج: العدل بالأعمال المصرية. وفيه أنه: وقفه وحبسه وتصدّق به على فقراء العرب الغرباء المتعبدين، ذوى الحاجات المجردين، ليس للمتأهلين فيه حظ ولا نصيب، سنة أربع وستمائة. وضبط كتاب الحجر لفظ العرب، بفتح العين والراء. سمع من السلفى وغيره، وحدث. وكان شامل المبرّات، كثير الطاعات وله على رباطه بمكة وقف. ومات فى شعبان سنة أربع وعشرين وستمائة، وهو جذامىّ النسب. ٢٠٨٦ ـ على بن عثمان المعروف باللبان: سمع من الشيخ رضى الدين الطبرى، وكان يحمل الشيخ رضى الدين الطبرى لما كبر إلى المسجد الحرام، وتزوّج بابنته ستّ الكل، أم الضياء. وولد له منها ابنته فاطمة، وكان رجلا صالحا. مات بمكة ظنّا، بعد أن أقام بها مدة. ٢٠٨٧ ـ على بن عثمان المعروف بالصالحى: جاور بمكة سنين كثيرة نحو العشرين، وتأهل فيها، وولد له بها أولاد، ثم انتقل إلى المدينة وتأهل فيها، وصار يتردد إلى مكة للحج، حتى توفى فى أوائل سنة خمس وتسعين وسبعمائة بالمدينة، ودفن بالبقيع، وكان ذا خير وعبادة.

стр. 2048

٢٠٨٨ ـ على بن عجلان بن رميثة بن أبى نمىّ محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة الحسنى المكى، يلقب علاء الدين، ويكنى أبا الحسن: أمير مكة، ولى إمرة مكة ثمانى سنين، ونحو ثلاثة أشهر، مستقلا بالإمرة، غير سنتين أو نحوها، فإنه كان واليا فيها، شريكا لعنان بن مغامس بن رميثة الآنى ذكره، كما سيأتى بيانه. وأول ولايته فى رجب، وإلا ففى أول شعبان، من سنة تسع وثمانين وسبعمائة، بعد عزل عنان، حنقا عليه، لما اتفق فى ولايته، من استيلاء كبيش، وجماعة عجلان، وابنه أحمد، ومن انضم عليهم، على جدّة، وما فيها من أموال الكارم، وغلال المصريين، وعجز عنان عن دفعهم عن الاستيلاء على جدة، وعن استنقاذ الأموال منهم، ولا شراكة لبنى عمه فى إمرة مكة، ووصل إلى على تقليد وخلعة، بسبب ولايته لإمرة مكة، من الملك الظاهر برقوق، صاحب مصر، مع نجّاب معتبر من العيساويّة، ووصل النجاب إلى عنان فى النصف الثانى من شعبان، من سنة تسع وثمانين، لكى يسلّم مكة لعلىّ وجماعته، فامتنع من تسليمها إليهم أصحاب عنان، وتابعهم على ذلك عنان. ولما علم بذلك علىّ وجماعته، قوى عزمهم على التوجّه إلى مكة، وصرف الجمال محمد بن فرج المعروف بابن بعلجد، نفقة جيدة على من لايم عليا من الأشراف والقواد العمرة والحميضات، وساروا إلى مكة، وخرجوا على الأبطح من ثنيّة أذاخر، وخرج للقائم من مكة عنان وأصحابه، فلما تراءى الجمعان، انحاز الحميضات عن آل عجلان، فلم يكونوا معهم ولا مع عنان، وتقاتل الفريقان، فتم النصر لعنان وأصحابه، ورجع آل عجلان إلى محلّهم، وهو القصر بالوادى، بعد أن قتل منهم كبيش ولقاح بن منصور، من القواد العمرة، وعشرون عبدا فيما قيل، وذلك فى سلخ شعبان من السنة المذكورة. وفى شهر رمضان توجه على إلى مصر، فأقبل عليه السلطان، وولّاه نصف إمرة مكة، وولّى النصف الثانى لعنان بشرط حضور عنان لخدمة المحمل، ووصل علىّ مع المحمل إلى مكة، فدخلها مع الحاج، وقرئ توقيعه على مقام الحنابلة بالمسجد الحرام. وكان عنان قد أعرض عن لقاء المحمل، متخوفا من آل عجلان، وفر إلى الزّيمة بوادى نخلة اليمانية، وكان أصحابه قد سبقوه إليها، فسار إليهم علىّ وجماعته، وجماعة من الترك الحجاج، فوجدوا الأشراف محاربين لقافلة بجيلة.

стр. 2049

ولما عرف بهم الأشراف، هربوا خوفا من سهام الترك، وقتل أصحاب علىّ منهم مبارك بن عبد الكريم من الأشراف، وابن شكوان من أتباعهم، وعادوا إلى مكة، ومعهم من خيل الأشراف خمسة، ومن دروعهم ثلاثة عشر درعا، وتوصلت قافلة بجيلة إلى مكة، فانتفع بها الناس. وبعد سفر الحاج من مكة، صار عنان والأشراف إلى وادى مرّ، واستولوا عليه وعلى جدّة، ونهبوا بعض تجار اليمن، وأفسدوا فى الطرقات، ولأجل استيلائهم على مدّة، احتاج علىّ إلى النفقة، فأخذ من تجار اليمن ومكة، ما استعان به على إزالة سرورته. وفى ربيع الآخر، أو جمادى الأولى من سنة تسعين وسبعمائة، أتاه من مصر أخوه الشريف حسن، بجماعة من الترك استخدمهم له، نحو خمسين فارسا وخلعة من السلطان، وكتاب منه يتضمن استمراره، فلبس الخلعة، وقرئ الكتاب بالمسجد الحرام، ووصل إليه أيضا خلعة، وكتاب يتضمن باستمراره، من الصالح حاجّى بن الأشرف شعبان، لما عاد إلى السّلطنة بمصر، بعد خلع الملك الظاهر، فى أثناء سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. وفى آخر ذى القعدة منها، بلغه أن الأشراف آل أبى نمىّ، يريدون نهب الحاجّ المصرى، فخرج من مكة بعسكره لنصرهم ونصر أخيه محمد، فإنه كان قدم معهم من مصر، بعد أن أجيب لقصده فى حبس عنان، ولم يقع بين الفريقين قتال، لأن أمير الحاج أبا بكر بن سنقر الجمالى، لما عرف قصد الأشراف للحاج، لاطفهم مع الاستعداد لحربهم، فأعرضوا عن الحاجّ. وفى أوائل سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، حصل بين علىّ وأخويه، حسن ومحمد منافرة، فبان عن علىّ أخواه، ونزلا بمن انضم إليهما فى وادى مرّ، ثم هجم حسن مكة فى جماعة، وخرجوا منها من فورهم، وقتل بعضهم شخصا يقال له بحر. وفى سنة اثنتين وتسعين أيضا، اصطلح والأشراف آل أبى نمىّ، بسعى محمد بن محمود، وكان علىّ قد قلّده أمره لنيل رأيه، وحلفوا لعلى وحلف لهم، وأعطاهم إبلا وأصائل بوادى مرّ، وتزوّج بعد ذلك منهم، بنت حازم بن عبد الكريم بن أبى نمىّ. ولما كان قبيل النصف من شعبان سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، وصل عنان من مصر، متوليّا نصف الإمرة بمكة، من قبل الملك الظاهر، شريكا لعلىّ، فسعى الناس

стр. 2050

بينهم فى المؤالفة، وأن يكون لكلّ منهما نوّاب بمكة، بعضهم للحكم بها، وبعضهم لقبض ما يخصه من المتحصّل، وإن كلّا منهما يقدم مكة إذا عرضت له بها حاجة فيقضيها، وأن يكون القواد مع عنان، والأشراف مع على، لملايمتهم له قبل وصول عنان، فرضيا بذلك، وفعلا ما اتفقا عليه. وكان أصحاب كل منهما غالبين له على أمره، فحصل للناس فى ذلك ضرر، سيّما الواردين إلى مكة، لأن حجّاج اليمن، نهبوا بالمعابدة بطريق منى وبمكة نهبا فاحشا، ونهب أيضا بعض الحجاج المصريين، وما خرج الحاج المصريون، حتى استنزل عليهم أمير الحاجّ أبو بكر بن سنقر، من بعض بنى حسن، وكان ذلك فى موسم سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة. ولمّا سمع ذلك السلطان بمصر، استدعى إليه عليا وعنانا، وكان وصول هذا الاستدعاء، فى أثناء سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ووصل مع النجّاب المستدعى لهم، خلعتان من السلطان، لعلى ولعنان، وكان عنان إذ ذاك منقبضا عن دخول مكة، لأن بعض غلمان علىّ بن عجلان، همّ بالفتك به فى آخر صفر من سنة أربع وتسعين وسبعمائة بالمسعى، ففر هاربا، بعد أن كاد يهلك، وأزال أصحاب على نوّابه من مكة، وشعار ولايته بها، لأنهم قطعوا الدعاء له على زمزم بعد المغرب، وأمر الخطيب بقطع اسمه من الخطبة فما أجاب، ثم دخل عنان مكة، بموافقة علىّ وأصحاب رأيه، ليتجهّز منها إلى مصر. فلما انقضى جهازه، سافر منها فى جمادى الآخرة إلى مصر، وتلاه إليها علىّ، وقصد المدينة النبوية، فزار جده المصطفى ﷺ وغيره، وجمع الناس بالحرم النبوى، لقراءة ختمة شريفة للسلطان، والدعاء له عقيبها، وكتب بذلك محضرا يتضمن ذلك، وما اتفق ذلك لعنان، لأنه قصد من بدر ينبع، ليسبق منها عليا إلى مصر، ولما وصل علىّ إلى مصر، أهدى للسلطان وغيره هدايا حسنة، واجتمع السّلطان يوم الخميس خامس شعبان من سنة أربع وتسعين، فى يوم الموكب بالإيوان، فأقبل عليه السلطان كثيرا، وأمره بالجلوس فوق عنان، وكان جلس تحته، وبعد أيام، فوّض إليه إمرة مكة بمفرده، وأعطاه أربعين فرسا، وعشرة مماليك من الترك، وثلاثة آلاف أردب قمح، وألف أردب شعير، وألف أردب فول. ومما أحسن إليه به، فرس خاص، وسرج مغرق بالذهب، وكنبوش ذهب، وسلسلة

стр. 2051

ذهب وأحسن إليه الأمراء لإقبال السلطان عليه، فحصّل غلمانا من الترك، قيل إنهم مائة، وخيلا قيل إنها مائة، ونفقة جيدة، وتوجّه مع الحجاج إلى مكة، فوصلها سالما، وكان يوم دخوله إليها يوما مشهودا، وقام بخدمة الحاج، فى أيام الموسم من سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وحج فى هذه السنة ناس كثير من اليمن بمتاجر، وانكسر من جلابهم ببندر جدّة، ستة وثلاثون جلبة فيما قيل، وسافروا من مكة بعد قضاء وطرهم منها فى قافلتين، وصحبهم فيها علىّ بعسكره، وأطلق القافلة الثانية من المكس المأخوذ منهم بمكة. وكان غالب الأشراف آل ألى نمىّ، لم يحجّوا فى سنة أربع وتسعين وسبعمائة لا نقباضهم منه، فإنه كان نافر رأسهم جار الله بن حمزة، بمصر، وسعى فى التّشويش عليه، فما وسع جار الله إلا أن يخضع لعلىّ فقلّ تعبه، واستدعى علىّ الأشراف آل أبى نمىّ، فحضر إليه جماعة منهم، مع جماعة من القواد والحميضات، فقبض على ثلاثين شريفا، وثلاثين قائدا فيما قيل، وطالبهم بما أعطاه لهم من الخيل والدّروع، فسلّم القواد ما طلب منهم، وسلّم إليه الأشراف بنو عبد الكريم بن أبى سعد، وبنو إدريس بن قتادة، ما كان له عندهم من ذلك. وأما الأشراف آل أبى نمىّ، فلم يسلّموا ما كان عندهم، فأقاموا فى سجنه، حتى سلّم إليه ما طلب منهم، بعد ثلاثة أشهر، وكان سجنه لهم فى آخر ذى الحجة من سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وكان بمكة جماعة من الأشراف والقواد، غير الذين قبض عليهم، ففروا بمكة مستخفين، والتحق كل منهم بأهله، ومضى الأشراف إلى زبيد ونزلوا عليهم بناحية الشام، وراسلوا عليّا فى إطلاق أصحابهم، فتوقف، ثم أطلق منهم محمد بن سيف بن أبى نمى، لتكرّر سؤال كبيش بن سنان بن عبد الله بن عمر له فى إطلاقه، فإنه كان عنده يوم القبض عليه، ومضى محمد بن سيف بعد إطلاقه إلى علىّ، وكان نازلا ببئر شميس، فسعى عنده فى خلاص أصحابه، واستقر الحال معه على أن يسلّم الأشراف إليه أربعين فرسا وعشرين درعا، وأن يردوا إليه ما أعطاه لهم من الأصائل، وأن يكون بين الفريقين مجود، أى حسب إلى سنة، ومضى من عند علىّ جماعة إلى الأشراف لإبرام الصّلح على ذلك، وقبض الخيل والدروع والإشهاد بردّ الأصائل، ففعل الأشراف ذلك. وجاء علىّ إلى مكة، فأطلق الأشراف فى تاسع عشرى ربيع الأول، سنة خمس وتسعين وسبعمائة، وما كان إلا أن خرجوا، فساروا بأجمعهم حتى نزلوا البحرة بطريق

стр. 2052

جدّة، فجمع علىّ الأعراب ومن معه من العبيد والترك، ومضى حتى نزل الحشّافة، فرحل الأشراف من البحرة ونزلوا جدّة، واستولوا عليها، وكان مما حرّكهم على ذلك، الطمع فى مركب وصل إليها من مصر، فيه ما أنعم به السّلطان عليه، من القمح والشعير والفول، وصار فى كل يوم يرغب فى المسير إلى جدّة، لقتال المذكورين، فيأبى عليه أصحابه من القواد، ويحيرون عليه من المسير، ودام الحال على ذلك شهرا، ثم سعى عنده القواد الحميضات، فى أن يعطى للأشراف أربعمائة غرارة قمح، من المركب الذى وصل إليه، ويرحل الأشراف من جدّة، فأجاب إلى ذلك وسلّمها إليهم. فلما صارت بأيديهم، توقفوا فى الرحيل، فزادهم مائة غرارة فرحلوا ونزلوا العدّ، وصاروا يفسدون فى الطريق، وبلغه أن ذوى عمر فى أنفسهم منه شئ، فمضى إلى الأشراف وصالحهم، وردّ عليهم ما أعطوه له، وأقبل على موادّتهم، فكان جماعة منهم يتحملون منه، وجماعة يبدون له الجفاء، ويعملون فى البلاد أعمالا غير صالحة، اقتضت أن التجار أعرضوا عن مكة، وقصدوا ينبع، لقلة الأمن بمكة وجدّة، فلحقه لأجل ذلك شدة. وكان يجتهد فى رضائهم عليه، بكل ما تصل قدرته إليه، وقنع منهم بأن يتركوا الفساد فى البلاد، فما أسعفوه بمراده، ومما ناله من الضرر بسبب حقدهم عليه، أن بعض الشرفاء والقواد، غزوه بمكة فى خدمة أخيه السيد حسن بن عجلان لوحشة كانت بينهما، ونزلوا الزّاهر أياما كثيرة، ثم رحلوا منه لأنهم لم يتمكنوا من دخول مكة، ويقال إن بعضهم ناله برّ من علىّ بن عجلان، فرحل وتلاه الباقون. وكان وصولهم إلى مكة فى جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وسبعمائة، وتوجه بعد ذلك حسن وعلىّ بن مبارك إلى مصر، راجين لإمرة مكة، فقبض عليهما السلطان الملك الظاهر برقوق، وبعث خلعة لعلىّ، وكتابا أخبره فيه بما فعل، وأمره فيه بالإحسان إلى الرعيّة والعدل فيهم، لما بلغه من أن عليّا تعرض لأخذ شيء من المجاورين بمكه، فقرئ الكتاب بالمسجد الحرام، بعد لبسه للخلعة، وأحسن السيرة، ونادى فى البلاد بأن من كان له حق، فليحضر إليه ليرضيه فيه، وكان الذى حمله على الأخذ، فقده لما كان يعهد من النفع بجدة، ومطالبة بنى حسن له بالعطاء، وما زال حريصا على أن يحصل منهم عليه رضا، إلى أن أدرك من بعضهم ما به الله عليه قضى، من سلب روحه وإسكانه فى ضريحه، وكان صوره ما فعل به، أنه لمّا خرج يريد البراز، اتبعه الكردىّ ولد عبد الكريم ابن مخيط، وجندب بن جخيدب بن لحاف، وعبيّة بن واصل، وهم

стр. 2053

مضمرون فيه سوءا فبدر إليه الكردى، فسايره وهو راكب على راحلته، وعلىّ على فرس، ورمى بنفسه على علىّ وضربه بجنبيّة كانت معه، فطاحا جميعا إلى الأرض، فوثب عليه علىّ فضربه بالسيف ضربة كاد منها يهلك. وولّى علىّ راجعا إلى الحلّة، فأغرى به شخص يقال له أبو نمىّ ـ غلام لصهره حازم بن عبد الكريم ـ جندبا وعبيّة وحمزة بن قاسم، وعرّفهم أنه قتل الكردى، فوثبوا عليه فقتلوا وقطعّوه وكفّنوه، وبعثوا به إلى مكة فى شجار، فوصل إلى المعلاة ليلا، وصلّى عليه ودفن فى قبر أبيه. وكان قتله فى يوم الأربعاء سابع شوال سنة سبع وتسعين وسبعمائة، ودفن فى ليلة الخميس ثامنه، وعظم قتله على الناس، سيّما أهل مكة، لأنهم تخوّفوا أن الأشراف يقصدون مكة وينهبونها، وتخيّل ذلك بعض العبيد الذى فى خدمة علىّ، وهمّوا بنهبها، والخروج منها قبل وصول الأشراف إليها، فنهاهم عن ذلك العقلاء من أصحابهم، وحمى الله البلد من الأشراف وغيرهم. وفى الصباح وصل إليها السيّد محمد بن عجلان، وكان عند الأشراف منافرا لأخيه على، ووصل إليها أيضا السيد محمد بن محمود، وكان نازلا بحادثة قريبا من مكة، وقاما مع العبيد والمولّدين بحفظ البلد، إلى أن وصل السيد حسن من مصر، متوليّا لإمرة مكة، عوض أخيه علىّ، وذلك نصف سنة ونحو نصف شهر، وكان لعلىّ من العمر حين قتل، نحو من ثلاث وعشرين سنة، وكان تزوّج الشريفة فاطمة بنت ثقبة، بإثر ولايته بمكة، وتجمّل بها حاله، ثم تزوّج بنت حازم بن عبد الكريم بن أبى نمىّ، ثم بنت النّصيح أحمد بن عبد الكريم بن عبد الله بن عمر، وكان زواجه عليها قبل موته بنحو جمعة أو أقلّ، وكانت قبله عند أخيه السيّد حسن، فأبانها لما تزوّج عليها ابنة عنان، لتحريم الجمع بينهما باعتبار الرضاع. وكان مليح الشّكالة والأخلاق، ذا كرم وعقل رزين، وكان بنو حسن يتعجّبون منه، لأنهم كانوا يكثرون الحديث عنده فيما يريدونه من الأمور، ويرغبون فى أن يخوض معهم فى ذلك، فلا يتكلم إلا بما فيه فصل لذلك، وأصلح الله بوصول السيد حسن البلاد، لا جتهاده فى حسم موادّ الفساد، واستمرّ منفردا بإمرة مكة، إلى شعبان سنة تسع وثمانمائة، ثم شاركه فى ولايتها ابنه السيد بركات، بسعى أبيه له فى ذلك، ثم ولى ما كان بيد السيد حسن من الولاية، وهو نصف الإمرة بمكة، ابنه السيد أحمد،

стр. 2054

بسعى أبيه له فى ذلك أيضا، وولى أبوهما نيابة السّلطنة بالأقطار الحجازيّة، وكان ولايته لذلك، وولاية ابنه أحمد، فى شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وثمانمائة، واستمروا على ذلك إلى أثناء النصف الثانى من سنة اثنتى عشرة وثانمائة، ثم عزلوا عن ذلك مدّة يسيرة نحو شهر، ثم عادوا إلى ولاياتهم، فى ثالث عشر ذى القعدة من السنة المذكورة، وما ظهر لعزلهم أثر بسرعة عودهم للولاية، واستمروا على ولاياتهم، إلى أوائل صفر سنة ثمان عشرة وثمانمائة، ثم عزلوا عن ذلك كلّه، ووليه السيد رميثة بن محمد بن عجلان. وفى توقيعه أنه ولى نيابة السّلطنة عن عمه وإمرة مكة عوض ابنى عمّه، واستمر الدعاء فى الخطبة، وبعد المغرب على زمزم، للسيّد حسن وابنيه، إلى مستهلّ الحجة سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وكان إليهم أمر مكة، من حين بلغهم الخبر بذلك، فى أول النصف الثانى من ربيع الأول سنة ثمانى عشرة وثمانمائة، وإلى استهلال ذى الحجة منها. وفى هذا التاريخ فارقها المذكورون، ودخلها فيه السيد رميثة، واستمرت بيده إلى أن فارقها فى ليلة السادس والعشرين من شوال سنة تسع عشرة وثمانمائة، بعد حرب كان بينه وبين عمّه، فى يوم الأربعاء خامس عشر شوال، ظهر فيه عسكر عمّه على عسكره، ومضوا لصوب اليمن، ثم أتى رميثة لعمه خاضعا، وفى صفر سنة عشرين وثمانمائة، فأكرم عمّه وفادته، وقد خطب لرميثة ودعى له على زمزم، فى مدّة إقامته بمكة على العادة، وضربت السّكة باسمه، فالله يصلح الجميع ويسدّدهم، وإلى الخير يرشدهم. ولوالدى قصيدة فى مدح على بن عجلان منها [من البسيط]: إن بان وجه الصفا من راكد الكدر ... وانشق فجر الضيا عن ظلمة الفكر لأنثرن على أبى عليا أبى حسن ... تال من الحمد أو نظما من الدرر وأوقف القصد فى ساحات مشعره ... كيما أفيض بنسك النجح والظفر ما لى وللنأى والترحال عن أفق ... علا على كرة الإشراق بالقمر نادى على بن عجلان سماء سما ... بنى رميثة والسادات من مضر ومنها: كم طاف حولك من ملوى ومن ملك ... وحول بيتك من حاج ومعتمر ومنها:

стр. 2055

وأمك الملك من مصر به أدب ... إلى لقاك فلاقى الخبر كالخبر إن تابعتك صفوف تلو أفئدة ... فأنت قبلة أهل البدو والحضر لم لا يكون على الدنيا حلى بها ... وأنت جوهرة الأخبار والسير أحييت آثار أسلاف وقد سلفوا ... أحيت مكارمهم أموات مفتقر ومنها: فمذ هبطت إلى الأرضين أصعدنى ... أبو سريع سماء العز والكبر فالله يسكنه جنات مزخرفة ... مع النبيين فى صحب وفى زمر أبقى لنا عدة الأمرا خليفته ... والبدر فى الوهن مثل البدر فى السحر منشى سحائب جود مزنها درر ... تغنى عن السحب والأنواء والمطر ٢٠٨٩ ـ علىّ بن عدىّ بن ربيعة بن عبد العزّى بن عبد شمس القرشى: أمير مكة، ذكره هكذا الذهبى فى تجريد الصحابة رضى الله عنهم، وذكر أنه وليها لعثمان بن عفان رضى الله عنه، وما علمت من حاله سوى هذا. ٢٠٩٠ ـ علىّ بن عرفة بن سليمان المكى: توفى فى الرابع من رجب سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، ومن حجر قبره كتبت هذا. ٢٠٩١ ـ على بن عمر بن على البغدادى الأزجى: الفراش بالحرم الشريف. استجازه القطب القسطلانى لنفسه، ولجماعة من أولاده وغيرهم، فى سنة ثلاث وستين وستمائة بمكة، ولم أدر ما روى. ٢٠٩٢ ـ علىّ بن عيسى بن حمزة بن وهّاس بن أبى الطيّب، الشريف السّليمانىّ الحسنىّ، أبو الحسن المكى، المعروف بابن وهّاس: هكذا نسبه العماد الكاتب فى الخريدة، وقال: من أهل مكة وشرفائها وأمرائها، من بنى سليمان بن حسن، وكان ذا فضل غزير، وله تصانيف مفيدة، وقريحة فى النظم

стр. 2056

والنثر مجيدة. قرأ على الزمخشرى بمكة وبرّز عليه، وصرفت أعنّة طلبة العلم بمكة إليه. توفى فى أول ولاية الأمير عيسى بن فليتة أمير مكة، فى سنة ست وخمسمائة، وكان الناس يقولون: ما جمع الله بين ولاية عيسى، وبقاء علىّ بن عيسى. أنشدنى له من قطعة [من البسيط]: أهلا بها من بنات فكر ... إلى أبى عذرهن صاد (١) وله مرثية فى الأمير قاسم جد الأمير عيسى. انتهى ما ذكره العماد من خبره، وسنذكر هذه فى ترجمة قاسم. ومن شعره ما ذكره الحافظ أبو طاهر السلفى فى «معجم السفر» له، وقد روينا عن الحافظ أبى طاهر السّلفىّ. قال: أنشدنا أبو بكر شهم بن أحمد بن عيسى الحسنى المكى بديار مصر. وذكر أنه كتب عنه أشياء من الشعر لابن وهاس لغرابة اسمه، قال: أنشدنى أبو الحسن على بن حمزة لنفسه بمكة [من الطويل]: وسائلة عنّى أهل هو كالذى ... عهدنا صروم الحبل ممن يجاذبه أم ارتجعت منه الليالى وربّما ... تفلّل من حدّ اليمانى مضاربه فقلت لها إنى لترّاك منزل ... إلى حبيب حين يزورّ جانبه ومن شعره ما مدح به شيخه أبا القاسم الزمخشرى حيث يقول: وأحر بأن تزهو زمخشر بامرئ ... إذا عدّ من أسد الشّرا زمخ الشّرا جميع قرى الدنيا سوى القرية الّتى ... تبوأها دارا فداء زمخشرا وللزمخشرى فى ابن وهّاس يمدحه [من الطويل]: ولولا ابن وهّاس وسابق فضله ... رعيت هشيما وانتقيت مصردا ولأجل ابن وهّاس صنّف الزمخشرى «الكشّاف». وبلغنى عن شيخنا القاضى مجد الدين الشيرازى، أن ابن وهّاس هذا، اسمه: علىّ، بضم العين المهملة وفتح اللّام تصغير على، وهذا بعيد أن يقع من الأشراف، لفرط حبهم فى على رضى الله عنه، فلا يصغّرون اسمه، ولم أر ذلك فى شيء من الكتب المؤلفة فى «المؤتلف خطّا والمختلف لفظا» وقد ذكروا فيها من هو دون ابن وهّاس، والله أعلم.

стр. 2057

وكان ابن وهّاس هذا إمام الزّيدية بمكة، كذا ذكر ابن المستوفىّ فى «تاريخ إربل» فى إسناد حديث رواه عن الشريف تاج العلاء أبى زيد الأشرف بن الأعزّ بن هاشم الحسينى عنه، عن أبى طاهر المخلّص، وقال: هكذا أملى علينا هذا الحديث، تاج العلاء، وقد سقط بين «السليمانى» يعنى ابن وهاس، وأبى طاهر، لأنه لا يتصوّر أن يكون السليمانى أدرك أبا طاهر. انتهى. ومن الفوائد المنقولة عن ابن وهّاس، أن «وادى الزّاهر» أحد أودية مكة المشهورة، فيما بين التنعيم ومكة، وهو «فخّ» الذى ذكره بلال رضى الله عنه فى شعره [من الطويل]: ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بفخ وحولى إذخر وجليل كذا فى رواية الأزرقى، وفى البخارى وغيره «بواد» عوض «فخّ». وفى فخّ، كانت وقعة مشهورة بين العلويين، وبين أصحاب الخليفة موسى الهادى، قبيل الوقوف، من سنة تسع وستين ومائة، وقد سبق ذلك فى ترجمة الحسين بن على بن الحسن، رأس العلويّين فى هذا الحرب. ٢٠٩٣ ـ على بن عيسى بن أبى جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس العباسى: أمير مكة. ذكر ابن جرير فى أخبار سنة سبع وثلاثين ومائتين: أنه حجّ بالناس فيها، وكان والى مكة، وذكر أنه حجّ بالناس فى سنة ثمان وثلاثين. وذكر الفاكهى: أنه توفى بمكة، ولم يذكر تاريخ وفاته. وما عرفت أنا ذلك، والله أعلم بذلك. ٢٠٩٤ ـ على بن الجمال عيسى المصرى، أبو الحسن المكى: سمع من العفيف الدلاصى «وصايا العلماء»: لابن زبر، فى ذى القعدة سنة إحدى عشرة وسبعمائة، ثم قرأ على الشيخ خضر بن حسن النابتىّ: الصحيحين، وما أدرى هل حدّث أم لا، ولا متى مات، إلا أنه أجاز لشيخنا ابن سكر، كما ذكر، مع جماعة من الشيوخ، فى استدعاء مؤرّخ بشوال سنة خمس وستين وسبعمائة. ٢٠٩٥ ـ على بن الفضيل بن عياض العابد: روى عن عبد العزيز بن أبى روّاد. روى عنه أحمد بن يونس، وكان من الخائفين.

стр. 2058

كان يقدّم على أبيه فى الخوف والعبادة، مات قبل أبيه. وكان سبب موته، أنه بات يتلو القرآن فى محرابه، فأصبح ميّتا فى محرابه. ذكره هكذا ابن حبّان فى الطبقة الرابعة من الثقات، وذكره ابن الجوزى فى المصطفين من طبقات أهل مكة من التابعين ومن بعدهم، فى كتابه «صفة الصفوة». ٢٠٩٦ ـ على بن قريش بن داود الهاشمى المكى: سمع من عيسى بن عبد الله الحجى، والزين الطبرى، والجمال محمد بن الصفى، وبلال عتيق ابن العجمى، والجمال المطرى، من قوله فى جامع الترمذى: باب التيمّم، إلى سورة الأعراف، بقراءة المحدّث أمين الدين بن الوانى، فى رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة بالحرم الشريف، وما علمته حدّث. وتوفى سنة سبع وسبعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، وكان رجلا خيرا من أعيان الناس بمكة، وكان وكيل أهل المدارس فى قبض الأوقاف باليمن. وبلغنى أن والد المذكور «قريش بن داود» طلع مع القاضى نجم الدين الطبرى، لرؤية هلال رمضان، إلى أبى قبيس، فادّعى أنه رآه، وشهد عند القاضى نجم الدين، فقبل شهادته، مع إنكار الحاضرين عليه وطعنهم، فلما كانت ليلة ثلاثين من رؤيته، طلعوا إلى الجبل فرأوا الهلال كلهم، فقام إليه القاضى نجم الدين، وقبّل ما بين عينيه، وقال: مثلك يشهد. ٢٠٩٧ ـ ٢٠٩٧ على بن أبى القاسم بن محمد بن حسين اليمنى، المعروف بابن الشّقيف الزيدى: كان من أعيان الزيدية بمكة، ممّن يفتيهم ويعقد لهم الأنكحة. وتوفى ليلة الأربعاء السادس عشر من ذى القعدة، سنة ست عشرة وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، وهو فى أثناء عشر الثمانين. ٢٠٩٨ ـ على بن أبى الكرم المعروف بالشولى: تلميذ على بن إدريس. وكان أبو الكرم، أبا الكرم عند اسمه لفظا ومعنى. انتهى. وأخبرنى شيخنا الشريف عبد الرحمن بن أبى الخير الحسنى المكى، أنه سمع الشيخ خليل المالكى يقول: إن الدعاء مستجاب عند قبور بالمعلاة، منها: قبر على بن أبى الكرم

стр. 2059

الشولى، وقبر إمام الحرمين، يعنى عبد المحسن بن أبى العميد الحفيفى المقدم، وقبور سماسرة الخير، وهى الآن لا تعرف، إلا أنها فى محاذاة قبة الملك المسعود بالمعلاة. وأخبرنى شيخنا المذكور عن شيخه المذكور، أنه كان دفن عند الشيخ على الشولى، شخص من بنى النّهاوندىّ، أحد أعيان مكة، فعزم الشيخ عبد الله الدّلاصى على نقله من جوار الشيخ، لكونه كان يخالط السلطنة بمكة، ثم أعرض عن ذلك، لأنه رأى الشيخ وأمره أن لا يفعل، وقال: جاهنا يسعه. قال شيخنا عبد الرحمن: وكان يقول شيخنا: انظروا الفرق بين هذا الشيخ، كيف وسع جاهه غيره، وبين ابن عساكر ـ يعنى عبد الوهاب ـ كيف لم يسع جاهه سواه! فإنه كان فى تربة المؤذنين، فرآه ولده أبو اليمن عبد الصمد فى النوم، وشكى إليه من مجاورتهم، وأمره بنقله عنهم، فنقله عنهم. توفى بمكة يوم الأحد سلخ صفر سنة أربع وأربعين وستمائة، كذا وجدت بخط أبى العباس الميورقى، ووجدت فى حجر قبره بالمعلاة، أنه توفى فى ربيع الأول من السنة. ٢٠٩٩ ـ على بن مبارك بن رميثة بن أبى نمىّ الحسن المكى: كان يأمل إمرة مكة، وقوى رجاؤه لها، لّما انحرف الملك الناصر فرج بن الملك الظاهر برقوق صاحب مصر، على صاحب مكة الشريف حسن بن عجلان، ورسم بالقبض عليه وعلى ولديه، وندب لذلك الأمير بيسق، وأشير عليه بأن يكون علىّ بن مبارك المذكور مع بيسق، فيما ندب إليه، ليتألّف له بنى حسن لا ينفروا منه، وبعث علىّ المذكور إلى الإسكندرية، على أنه يعتقل بها، فإذا خرج الحاجّ من مصر إلى مكة، طلب علىّ وجهّز إلى مكة، بحيث يدرك أمير الحاج قبل وصوله إلى مكة، وكان إرساله إلى الإسكندرية ليبلغ ذلك صاحب مكة فلا ينفر منها، وتتم عليه المكيدة، فوقاه الله السوء، وعطف عليه قلب صاحب مصر، فبعث إليه وإلى ولديه بالتشاريف، والعهد ببقائهم على ولاياتهم، وإلى أمير الحاج بالكف عن حربهم، ورجع على بن مبارك إلى مصر، وقصده أولاده من مكة، رجاء أن يتم له أمر، فأدركه الحمام دون المرام، فى آخر سنة خمس عشرة وثمانمائة، وهو معتقل بقلعة الجبل. وكان اعتقاله فى هذه السنة، بإشارة الملك المؤيد أبى النضر شيخ، قبل توليته الملك، وكان علىّ المذكور فى سنة تسع وثمانين وسبعمائة، لايم آل عجلان بجدّه، وجعلوه سلطانا مع على بن عجلان، وأعطوه نصف ما تحصل فيها، ليصرفه على جماعته، ثم خوّف منهم، ففرّ إلى عنان وأصحابه بمكة، وأشركه عنان فى إمرة مكة، وصار له

стр. 2060

ولأخيه عقيل بن مبارك نصف البلاد، ولعنان وأحمد بن ثقبة النصف، وكان عنان قبل وصول علىّ إليه، جعل مكة أثلاثا، بينه وبين عقيل وابن ثقبة، فلما أشرك معهم عليّا، صار يدعى لأربعة على زمزم، وفى خطبة الصغار فى رمضان، وأما فى خطبة الجمعة، فلا يدعى إلا لعنان، لأن الخطيب بمكة، لم يوافق على الدعاء لغيره، وحضر علىّ بن مبارك حصار مكة فى دولة على بن عجلان، سنة سبع وتسعين وثمانمائة، ثم توجّه بعد انقضاء الحصار إلى مصر فى هذه السنة، فاعتقل بها، ثم نقل إلى الإسكندرية فاعتقل بها، ثم أطلق فيها، ثم أذن له فى القدوم إلى مصر، فقدمها وأقام بها حتى مات، خلا المدّة التى بعث فيها إلى الإسكندرية، للمكيدة المقدّم ذكرها. ٢١٠٠ ـ على بن مبارك بن عيسى بن غانم المكى، المعروف بابن عكاش: كان ورث عن أبيه نقدا وعقارا كثيرا بوادى نخلة ووادى مرّ، وغير ذلك، فأذهبه بالبيع، وأذهب ثمنه فى إطعام من لا يلزمه إطعامه، فاحتاج وصار يتقّوت مما يحصّله أجرة فى كتابة الوثائق والشهادة، ودام على ذلك نحو عشرة أعوام، ثم توفى فى ليلة الثامن والعشرين من شعبان، سنة أربع عشرة وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، عن بضع وثلاثين سنة، سامحه الله تعالى، وبلغنى أنه عمّر مسجد التّنضب بوادى نخلة. * * * من اسمه على بن محمد ٢١٠١ ـ على بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى المكى، يلقّب نور الدين، أخو الرّضىّ والصّفى: سمع من شعيب الزّعفرانىّ: الأربعين الثقفية، وحدّث بها مع أخيه الرضىّ إمام المقام، وغيره من أقاربه، بقراءة ابن عبد الحميد، فى مجلسين، ثانيهما العشرين من ذى الحجة سنة ست وثمانين وستمائة بالمسجد الحرام. ولم أدر متى مات، ولا أعلم من حاله سوى هذا. ٢١٠٢ ـ على بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن ناصر العبدرىّ الشيبى الحجبى المكى الشافعى، الشيخ نور الدين: شيخ الحجبة وفاتح الكعبة. ولد فى ثالث عشر ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وسبعمائة، على ما وجدت بخطّه.

стр. 2061

سمع من الجمال محمد بن أحمد بن عبد المعطى، والكمال محمد بن عمر بن حبيب الحلبى، وغيرهما، من شيوخ مكة والقادمين إليها، واشتغل بالعلم فى فنون، وكتب بخطه كتبا كثيرة، فى الفقه والأدب وغير ذلك، وكان يذاكر بأشياء حسنة فى الأدب وغيره، وله نظم وهمّة ومروءة، وإحسان إلى أقاربه، وولى مشيخة الكعبة، بعد على بن أبى راجح، من جهة أمير مكة، نحو ثلاث سنين فى نوبتين، لأنه ولى ذلك فى صفر سنة سبع وثمانين، إلى العشر الأخير من رمضان، سنة ثمان وثمانين، لعزله حينئذ عن ذلك، بأخيه أبى بكر بن محمد، إلا أنه لم يباشر ذلك لغيبته، وباشر عنه ابنه أحمد بن أبى بكر، حتى مات أحمد فى ذى القعدة من السنة المذكورة، وعاد حينئذ عمه نور الدين إلى ولاية ذلك، واستمر حتى عزل ثانيا بأخيه أبى بكر بن محمد، فى أوائل سنة تسعين وسبعمائة، واستمرّ معزولا حتى مات، غير أنه ولى ذلك نيابة عن أخيه أشهرا، فى أوائل السنة التى مات فيها، وكانت وفاته بعد علّة طويلة، فى يوم الأحد ثالث ذى القعدة الحرام، سنة خمس عشرة وثمانمائة ضحى، ودفن فى عصر يومه بالمعلاة. ٢١٠٣ ـ علىّ بن أبى راجح محمد بن يوسف بن إدريس بن غانم بن مفرّج العبدرىّ الشيبى: شيخ الحجبة وفاتح الكعبة، نور الدين. سمع من الزين الطبرى: سنن النسائى، فى مجالس آخرها فى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وما علمته حدّث، ولى فتح الكعبة بعد أخيه يوسف بن أبى راجح الآتى ذكره، وكان هو الأكبر، حتى مات فى صفر سنة سبع وثمانين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة عن سبعين سنة فيما بلغنى، وكان رجلا جيّد الحفظ للقرآن ويتلوه. ٢١٠٤ ـ على بن محمد بن أبى بكر بن عبد الله بن مفرّج الأنصارى، الفقيه شمس الدين الشافعى الإسكندرى: ذكره هكذا الصلاح الصّفدى فى أعوان النصر، وكان جيّد القريحة، ذكىّ الفطرة الصحيحة له مشاركات فى الأصول والفروع، سمع الحديث من الدمياطى، ومن الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد ولازمه، وأملى عليه «شرح الإلمام»، وفى الفقه والأصول، والنحو، على العلم العراقى، وتوجه إلى قوص وأعاد بمدرسة السّديد، ثم أعرض عن ذلك، وحصل له فقر شديد مدقع مدّة، ثم تعرف بفخر الدين ناظر الجيش، فأعطاه

стр. 2062

شهادة الكارم بعيذاب (١)، وحصّل مالا، وشفع فيه عند قاضى القضاة جلال الدين القزوينى، فولاه قضاء فوّة، وأجازه بالفتوى، ثم نقله إلى قضاء أسيوط، ثم عزله، فتوجه إلى مكة، فتوفى هناك سنة أربعين وسبعمائة، وقد جاوز الستين، وكتب بخطه كثيرا. ومن شعره [من الكامل]: سائلى عن شامة فى أنف من ... فضح الغصون بميسة فى عطفه إن الذى برأ الحواجب صاغها ... نونين فى وجه الحبيب بلطفه فتنزع النّونان نقطة حسنه ... فأقرّه ملك الجمال بأنفه انتهى. ٢١٠٥ ـ على بن محمد بن حسب الله القرشى، المعروف بالزعيم، يلقب نور الدين: كان أكثر تجار مكة مالا، لاحتوائه على ما خلفّه أبوه من الأموال الكثيرة، وأصرف كثيرا منها على الدولة فرعوه، وعلى عوامّ مكة فخدموه، وكانوا يغتبطون بحمل نعله، ثم تغيّر حاله فى الحرمة لنقص ماله، ولم يزل به النقص حتى احتاج وسأل، وتوجّه وهو بهذه الصّفة إلى اليمن، فأدركه الأجل بزبيد، سنة ست عشرة وثمانمائة، فى ربيع الثانى منها ظنّا، والله أعلم، وسمع الحديث على القاضى عز الدين بن جماعة، ولم يحدّث، والله يغفر له. ٢١٠٦ ـ على بن محمد بن داود البيضاوى، المعروف بالزمزمى: نزيل مكة، كان مشهورا بالخير، وكان شيخنا قاضى القضاة صدر الدين المناوىّ يثنى عليه كثيرا، وذكر أنه أعطاه شيئا يدخل فى الأدوية، كان محتاجا إليها، من غير سؤاله ولا إعلامه، وعدّ ذلك له مكاشفة، وسمع من القاضى عز الدين بن جماعة، والشيخ فخر الدين النويرى: بعض السنن، لأبى عبد الرحمن النسائى، فى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، والسماع بخط شيخنا ابن سكر، إلا أنه سمّى أباه شمسا، ولم يذكر محمدا، فلعل شمسا لقب غلب عليه، وقد أملى علىّ نسبه هكذا، ولده صاحبنا الأديب مجد

стр. 2063

الدين إسماعيل عنه، وأخبرنى أنه أخبره أنه قدم مكة عام قدمها الفيل من العراق، وأنه خدم عند الشيخ سالم بن ياقوت المؤذن فى بئر زمزم، فلما بلغ له خبره، نزل له عنها، وزوّجه بابنته، فولد له منها ولده المذكور، وغيره من إخوته، وصار لهم أمر البئر، وكان معه أيضا سقاية العبّاس، وذكر لى ولده المذكور، أنه توفى فى حادى عشر شهر ربيع الآخر، سنة خمس وثمانين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. انتهى. وكان قدوم الفيل مكة، فى سنة ثلاثين وسبعمائة. ٢١٠٧ ـ على بن محمد بن سند المصرى: الفرّاش بالمسجد الحرام. ولى الفراشة به قبل الثمانمائة بسنين، ولم يزل متولّيا لها، حتى تركها قبيل موته بسنة، لصهريه زوجى ابنتيه، ونزل لهما عن البوابة بالمطهرة الناصرية بمكة، وكان وليها فى سنة عشر وثمانمائة، وكان سافر من مكة فى موسم سنة ثمان عشرة وثمانمائة إلى مصر، فأقام بها حتى توّجه إلى مكة مع الحجّاج المصريين، فى سنة عشرين وثمانمائة، وعرض له قبل موته ضعف فى ظهره، عسر عليه لأجله المشى، وكان حضر دروس بعض الفقهاء بمصر، وعلق بذهنه شيء من مسائل الفقه، وكان قزازا ببعض القياسر بمصر، ثم عانى التجارة بمكة، ووقف كتبا اقتناها، وجعل مقرها برباط ربيع بمكة، وبها مات فى ربيع الأول سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وقد بلغ السبعين أو قاربها، رحمه الله تعالى. ٢١٠٨ ـ على بن المحب محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن الصّفىّ أحمد الطبرى المكى: ولد بمكة، وكان ينطوى على عقل وسكون، وخدمة لأصحابه، وباشر الإمامة بقرية التّنضب من وادى نخلة الشامية، نيابة عن أخويه أوقاتا قليلة. توفى بمكة فى يوم الجمعة ثانى عشر صفر، سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، ودفن بالمعلاة عند أسلافه، عقيب صلاة الجمعة، وهو فى عشر الأربعين ظنّا غالبا. ٢١٠٩ ـ على بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن على بن الحسين الطبرى المكى: سمع من جدّه لأبيه، الفقيه عماد الدين عبد الرحمن: صحيح البخارى، فى أوائل سنة

стр. 2064

سبع وتسعين وستمائة والسماع بخط أبيه، ومنه نقلت. وأجاز له من دمشق القاضى سليمان بن حمزة وطائفة سواه من شيوخ عبد الله بن الرضى بن خليل، والبرزالى، وما علمته حدّث. وذكر لى شيخنا أبو بكر بن قاسم بن عبد المعطى المكى المصرى، أنه كان يشتغل بعلم الرّوحانيات، وأن بعض الناس فيما قيل شكا إليه فراق امرأته، وأنها تريد سفرا لنخلة، فكتب له على هذا، ورقة، وأمره بوضعها فى الموضع الذى تركب فيه، ففعل ذلك الرجل، فأعرضت المرأة عن السفر، هذا معنى ما حدّثنى به شيخنا ابن عبد المعطى. وقد اتفق لعلىّ هذا وأبيه محمد حكاية عجيبة، تقدّم ذكرها فى ترجمة أبيه، وملخصها: أن بعض الناس بالشام، حمل عنهما مرضا كان بهما فشفيا، وأعطاهما درهمين، وأمرهما أن لا يشتريا بهما جميعا حاجة، فكانا يشتريان بأحدهما الحاجة، ويرجع إليهما ذلك الدرهم، فاتفق أنهما اشتريا بالدرهمين حاجة، فما عادا إليهما. ولم أدر متى مات علىّ هذا. والله أعلم. ٢١١٠ ـ علىّ بن محمد بن عبد السلام بن أبى المعالى بن أبى الخير بن ذاكر بن أحمد بن الحسن بن شهريار الكازرونى الأصل، المكىّ، يلقّب بالتاج: مؤذّن الحرم الشريف. سمع من والده، ويعقوب الطبرى: بعض الترمذى، ومن أبى عبد الله محمد بن على الطبرى النجار: أربعين المحمدّين للجيّانى، وروى عن محمد بن أبى الفضل المرسىّ. كذا ذكر البرزالى، ولم أدر ما يروى عنه، وذكر أنه أجاز له. توفى فى رجب سنة خمس وتسعين وستمائة، وقعت عليه صاعقة على سطح زمزم، فمات هناك. ٢١١١ ـ على بن محمد بن عبد العزيز العباسى الشريف النقيب، أبو الحسن: توفى ليلة الأحد لثمان بقين من [ ......... ] (١) سنة إحدى عشرة وخمسمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، ومن حجر قبره لخصت ما ذكرته. ٢١١٢ ـ على بن محمد بن عطيّة بن على بن عطيّة الحارثى، أبو الحسن بن أبى طالب المكىّ: ذكره الخطيب البغدادى، وقال: حدّث عن أبيه، وأبى طاهر طاهر المخلّص، كتب

стр. 2065

عنه أصحابنا، ولم أسمع منه شيئا، وذكر أن سماعه صحيح، ومات فى ذى الحجة من سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. انتهى. ٢١١٣ ـ على بن محمد بن على الإستراباذى، أبو مسعود: تقدّم فى ترجمة أبى النصر إبراهيم بن محمد بن على الإستراباذى، أن المسجد المعروف بمسجد الهليلجة، الذى أحرمت منه عائشة الصدّيقة رضى الله عنها، لما حجّت، عمّر بأمر أبى النصر وأخيه أبى مسعود هذا، وذلك فى رجب سنة ست وستين وأربعمائة، وترجم أبو مسعود هذا فى الحجر الذى فى المسجد المكتتب بسبب هذه العمارة: بالرئيس الأجلّ السيّد ذى المحاسن. ٢١١٤ ـ على بن الزين محمد بن الأمين محمد بن القطب محمد بن أحمد بن على ابن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد القسطلانى المكى، يلقب نور الدين: وجدت بخطه، أنه ولد فى الحادى والعشرين من شهر رمضان سنة تسعين وستمائة، وسمع من جده أمين الدين القسطلانى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، من أوله إلى قوله: إعادة الصلاة مع الإمام. وأجاز له، وسمع من يحيى بن محمد الطبرى: نسخة أبى مسهر الغسّانى: وما معها، وسمع من الفخر التوزرى: الموطأ أيضا، وصحيح البخارى، وصحيح مسلم، وسنن أبى داود، وعلى الصفى الطبرى، وأخيه الرضى: من قوله فى صحيح البخارى: (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً) [الإعراف: ٨٥]، إلى باب: مبعث النبىصلى الله عليه وسلم، وسمعه كاملا على الرضى، وسمع من غيره. وحدّث سمع منه جماعة من شيوخنا، منهم ابن سكّر، ووجدت بخطه، أنه توفى فى التاسع والعشرين من شهر رجب سنة تسع وخمسين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، بقرب جدّه أبى العباس القسطلانى. انتهى. وكان مشهورا بالخير، معتبرا عند الناس، وكان وافر العقل، ولذلك صحب قاضى مكة نجم الدين الطبرى، وأخاه القاضى زين الدين، وكانت بينهما عداوة، فلذلك عسرت صحبتهما على كثير من الناس، وتيسر ذلك لعلىّ بن الزين هذا. وبلغنى أنه نفى حمل أمة له، ولاعن على نفيه، وأستبعد أن يكون لاعن، والله أعلم. ٢١١٥ ـ على بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن على الحسنى، الشريف نور الدين أبو الحسن بن الشريف أبى عبد الله الفاسى، المكى المولد والدار: وجدت بخط أبيه أنه ولد بعد العصر من يوم الخميس سادس جمادى الآخرة سنة ثمان

стр. 2066

وسبعمائة، بدار مظفّر من السّويقة بمكة، وعنى به أبوه، فأحضره فى الرابعة على الشيخ فخر الدين التوزرى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، وصحيح مسلم [ ..... ] (١) وعلى الصفى الطبرى، وأخيه الرضى: صحيح البخارى وغير ذلك، وعلى الرضىّ فقط: مسند الشافعى، واختلاف الحديث له، وصحيح ابن حبّان، ثم سمعه عليه، وسمع عليه صحيح البخارى أيضا، وجامع الترمذى، وسنن أبى داود، والنّسائى، والثقفيات، وعلى العفيف الدلاصى: رسالة القشيرى، وعلى والده: العوارف للسّهروردىّ، وغير ذلك عليهم، وعلى غيرهم من شيوخ مكة والقادمين إليها، وحدّث باليسير. سمع منه من شيوخنا: الحافظان أبو الفضل العراقى، وأبو الحسن الهيثمى وغيرهم. وإنما حدّث باليسير من مروياته، لتوقفه فى التحديث بمكة، فى حياة الشيخ خليل المالكى، ويقول: هو أولى بذلك، كما ذكر لى عنه شيخنا ابن سكّر. وما علمت أنه سمع عليه، إلا أنه أجاز له، وتناول منه بعض مروياته، فى العشر الأول من ربيع الأول، سنة خمسين وسبعمائة، بالحرم الشريف، كذا وجدت بخطه، أعنى ابن سكر، وسألت عنه شيخنا السيد عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى، هو ابن أخيه، فذكر أنه كان ديّنا صالحا، كثير الطواف، خصوصا بالليل، واصلا لرحمه، يصحب أهل الخير كثيرا، ويؤثرهم، وكان صحب الشيخ داود وجماعة بالإسكندرية، وأخذ عنهم، وأذن له فى الفتوى، ودرّس فى الحرم، فى درس قرّره له بدر الدين الخرّوبى، أحد تجار الكارم بمصر، وتصدّق على يده بمائة ألف درهم، وكان قاضى القضاة عز الدين بن جماعة، وغيره من رؤساء الديار المصرية يعظمونه، وكان قاضى القضاة يعتمده فى أمور الحرم بمكة، وفوّض إليه ما له النظر فيه بالحرمين، وكان ولى مباشرة الحرم قبل الأربعين وسبعمائة، وكان الشيخ خليل المالكى، إمام المقام، يعظّمه كثيرا، وأخرج عن الشيخ خليل ألف كفّارة يمين، كان أوصى بها، لما لم يخرجها أوصياء الشيخ خليل. وكان شريف النّفس، عالى الهمة، كريما كثير المكارم، وكان يتكلفها بالدين، وكان حسن الشكالة، طويلا، وكان سافر إلى بالد التّكرور، وحصل له فيها قبول كثير ودنيا طائلة، وكان سفره إليها من مكة، فى شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين، وعاد إلى مكة فى موسم سنة تسع وخمسين، ثم توجّه منها فى آخر سنة إحدى وستّين، وقصد بلاد التّكرور، وتوجه منها بعد أن حصّل دنيا، وأدركه الأجل فى الطريق، فى شهر رمضان سنة تسع وستين وسبعمائة، ووصل خبره مكة فى سنة سبعين، أخبرنى بشهر وفاته والدى، أحسن الله إليه ورحمه.

стр. 2067

٢١١٦ ـ على بن محمد بن على [ ..... ] (١) السكندرى: [ ......................... ] (١). ٢١١٧ ـ على بن محمد بن على الصليحى: صاحب اليمن ومكة. قال صاحب المرآة فى أخبار سنة خمس وخمسين وأربعمائة: وفيها دخل الصليحىّ إلى مكة، واستعمل الجميل مع أهلها، وأظهر العدل والإحسان والأمن، وطابت به قلوب الناس، ورخصت الأسعار، وكثرت له الأدعية، وكان شابا أشقر اللحية أزرق العينين، وليس باليمن أزرق أشقر غيره، وكان متواضعا، إذا جاز على جمع سلّم عليهم بيده، وكان فطنا ما يخبر بشيء إلا ويصحّ، وكسا البيت ثيابا بيضا، وردّ بنى شيبة عن قبيح أفعالهم، ورد إلى البيت من الحلىّ، ما كان بنو أبى الطيب الحسنيون أخذوه، لما ملكوا بعد شكر، وكانوا قد عرّوا البيت والميزاب، ودخل البيت ومعه زوجته، ويقال لها الحرّة الكاملة، وكانت حرة كاسمها، مدبّرة مستولية عليه وعلى اليمن، وكان يخطب لها على المنابر، يخطب أولا للمسنتصر وبعده للصليحى، وبعده لزوجته، فيقال: اللهم وأدم أيّام الحرّة الكاملة السيدة كافلة المؤمنين. وكانت لها صدقات كثيرة، وكرم فائض، وكرم فائض، وعدل وافر. وقال: ذكر الصليحى: محمد ابن هلال الصابى فقال: وورد فى صفر من الحج، من ذكر دخول الصليحى مكة فى سادس ذى الحجة، واستعماله الجميل مع أهلها، وإظهاره العدل فيها، وأن الحجاج كانوا آمنين أمنا لم يعهد مثله، لإقامته السياسة والهيبة، حتى كانوا يعتمرون ليلا ونهارا، وأموالهم محفوظة، ورحالهم محروسة، وتقدّم بجلب الأقوات، فرخصت الأسعار، وانتشرت له الألسنة بالشكر، وأقام إلى يوم عاشوراء، وراسله الحسنيون، وكانوا قد بعدوا من مكة: أخرج من بلادنا، ورتّب منّا من تختاره. فرتب محمد بن أبى هاشم فى الإمارة، ورجع إلى اليمن ـ وقد سبق فى ترجمة ابن أبى هاشم، ما أحسن به إليه الصليحى لما أمّره بمكة ـ قال: وكان الصليحى يركب على فرس له يسمى «الملك» قيمته ألف دينار، وعلى رأسه مائة وعشرون قصبة ملبّسة بالذهب والفضة، وإذا ركبت الحرّة، ركبت فى مائتى جارية، مزينات بالحلى والجوهر،

стр. 2068

وبين يديها الجنائب بمراكب الذهب المرصعّة، وفى رواية: أقام بمكة إلى ربيع الأول، فوقع فى أصحابه الوباء، فمات منهم سبعمائة رجل، ثم عاد إلى اليمن، لأن العلويين تجمّعوا عليه، ولم يبق معه إلا نفر يسير، فسار إلى اليمن، ومنع الحج من اليمن، فغلت الأسعار، وزادت البليّة. انتهى. وذكره الفقيه عمارة الشاعر فى تاريخه، فقال: كان أبوه محمد قاضيا باليمن، سنّىّ المذهب، وكان أهله وجماعته يطيعونه، وكان الداعى عامر بن عبد الله الزّواحىّ يلاطفه ويركن إليه، لرئاسته وسؤدده وصلاحه وعلمه، فلم يزل عامر المذكور، حتى استمال قلب ولده علىّ المذكور، وهو يومئذ دون البلوغ، ولا حت له فيه مخايل النجّابة، وقيل: كانت عنده حلية علىّ الصليحى فى كتاب «الصّور» من الذخائر القديمة، فأوقفه منه على ثقل حاله، وشرف مآله، وأطلعه على ذلك سرا من أبيه وأهله؛ ثم مات عامر عن قرب، وأوصى له بكتبه وعلومه، ورسخ فى ذهن علىّ من كلامه ما رسخ، فعكف على الدرس، وكان ذكيا، فلم يبلغ الحلم، حتى تضلّع من معارفه، التى بلغ بها وبالجد السعيد، غاية الأمل البعيد. وكان فقيها فى مذهب الدولة الإمامية، مستبصرا فى علم التأويل. ثم إنه صار يحج بالناس دليلا على طريق السّراة والطائف خمس عشرة سنة، وكان الناس يقولون له: إنه بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره، ويكون لك شأن، فيكره ذلك وينكره على قائله، مع كونه أمرا قد شاع وكثر فى أفواه الناس، الخاصّة والعامّة. ولما كان فى سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ثار فى رأس جبل مسار، وهو أعلى ذروة فى جبال حراز، وكان معه ستون رجلا، قد حالفهم بمكة فى موسم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، على الموت والقيام بالدّعوة، وما منهم إلا من هو من قومه وعشائره فى منعة وعدد كثير، ولم يكن برأس الجبل المذكور بناء، بل كان قلعة منيعة عالية، فلما ملكها، لم ينتصف نهار ذلك اليوم الذى ملكها فى ليلته، إلا وقد أحاط به عشرون ألف ضارب سيف، وحصروه وشتموه وسفهوا رأيه. وقالوا له: إن نزلت، وإلا قتلناك أنت ومن معك بالجوع! فقال لهم: لم أفعل هذا إلا خوفا علينا وعليكم أن يملكه غيرنا، فإن تركتمونى أحرسه لكم، وإلّا نزلت إليكم، فانصرفوا عنه، ولم يمض عليه أشهر، حتى بناه وحصّنه وأتقنه. واستفحل أمر على الصليحى شيئا فشيئا، وكان يدعو للمستنصر صاحب مصر فى

стр. 2069

الخفية، ويخاف من «نجاح» صاحب تهامة ويلاطفه، ويستكين لأمره، وفى الباطن، يعمل الحيلة فى قتله، ولم يزل حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه، وذلك فى سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة بالكدراء. وفى سنة ثلاث وخمسين، كتب الصليحى إلى المستنصر، يستأذنه فى إظهار الدعوة، فأذن له، فطوى البلاد طيّا، وفتح الحصون والتهائم، ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كله، سهله ووعره، وبرّه وبحره، وهذا أمر لم يعهد مثله فى جاهلية ولا إسلام، حتى قال يوما وهو يخطب الناس فى جامع الجند: فى مثل هذا اليوم نخطب على منبر عدن. ولم يكن ملكها بعد، فقال بعض من حضر مستهزئا: «سبّوح قدّوس» فأمر بالحوطة عليه، وخطب الصليحى فى مثل ذلك اليوم على منبر عدن، فقال ذلك الإنسان ـ وتغالى فى القول ـ: «سبّوحان قدّوسان» وأخذ البيعة، ودخل فى المذهب، ومن سنة خمس وخمسين، استقر حاله فى صنعاء، وأخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم وأسكنهم معه وولىّ فى الحصون غيرهم، واختطّ بمدينة صنعاء عدة قصور، وحلف لا يولى تهامة إلا لمن وزن مائة ألف دينار، فوزنت له زوجته أسماء عن أخيها أسعد بن شهاب، فولاه وقال لها: يا مولاتنا، أنّى لك هذا؟ قالت (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) [آل عمران: ٣٧] فتبسم وعلم أنه من خزائنه، فقبضه وقال: (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) فقالت: (وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا) [يوسف: ٦٥]. ولما كان فى سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، عزم الصليحى على الحجّ، فأخذ معه الملوك الذين كان يخاف منهم أن يثّوروا عليه، واستصحب زوجته أسماء بنت شهاب، واستخلف مكانه ولده منها، الملك المكرم أحمد، وهو ولدها أيضا، وتوجّه فى ألفى فارس، فيهم من آل الصليحى، مائة وستون شخصا، حتى إذا كان بالمهجم (١)، ونزل بظاهرها بقرية يقال لها أم الدّهيم وبئر أم معبد، وخيّمت عساكره والملوك الذين معه من حوله، ولم يشعر الناس حتى قيل: قد قتل الصليحى، فانذعر الناس وكشفوا عن الخبر، فكان سعيد الأحول بن نجاح المذكور، الذى قتله الجارية بالسم، قد استتر فى زبيد، وكان أخوه جياش فى دهلك (٢)، فسيّر إليه وأعلمه أن الصليحى متوجه إلى مكة،

стр. 2070

فتحضر حتى نقطع عليه الطريق ونقتله، فحضر جيّاش إلى زبيد، وخرج هو وأخوه سعيد، ومعهما سبعون رجلا بلا مركب ولا سلاح، بل مع كل واحد جريدة فى رأسها مسمار حديد، وتركوا جادة الطريق، وسلكوا طريق الساحل، وكان بينهم وبين المهجم مسيرة ثلاثة أيام للمجدّ، وكان الصليحى قد سمع بخروجهم، فسيّر خمسة آلاف حربة من الحبشة الذين فى ركابه لقتالهم، فاختلفوا فى الطريق، فوصل سعيد ومن معه إلى طرف المهجم وقد أخذ منهم التعب والحفاء، وقلة الماء، فظن الناس أنهم من جملة عبيد العسكر، ولم يشعر بهم إلا عبد الله أخو الصّليحى، فقال لأخيه: يا مولانا، اركب، فو الله هذا الأحول سعيد بن نجاح، وركب عبد الله، فقال الصليحى لأخيه: إنى لا أموت إلا بالدّهيم وبئر أم معبد، معتقدا أنها أم معبد التى نزل بها رسول اللهصلى الله عليه وسلم، لما هاجر إلى المدينة، فقال له رجل من أصحابه: قاتل عن نفسك، فهذه والله الدّهيم، وهذه بئر أم معبد، فلما سمع الصليحى ذلك، لحقه زمع اليأس من الحياة، وبال ولم يبرح من مكانه، حتى قطع رأسه بسيفه، وقتل أخوه معه وسائر الصليحيين، وذلك فى ثامن عشر ذى القعدة، سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، ثم إن سعيدا أرسل إلى الخمسة آلاف الذين أرسلهم الصليحى لقتاله، فقال لهم: إن الصليحى قد قتل، وأنا رجل منكم، وقد أخذت بثأر أبى، فقدموا عليه وأطاعوه، واستعان بهم على قتال عسكر الصليحى، فاستظهر عليهم قتلا وأسرا ونهبا. ثم رفع رأس الصليحى على عود المظلّة، وقرأ القارئ: (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: ٢٦]. ورجع إلى زبيد، وقد حاز الغنائم ودخلها فى سادس عشر ذى القعدة من السنة وملكها، وملك بلادها وبلاد تهامة، ولم يزل على ذلك حتى قتل فى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، بتدبير الحرّة، وهى امرأة من الصليحيين، وخبر ذلك يطول، ولما قتل الصليحى ورفع رأسه على عود المظلة كما تقدم، عمل فى ذلك القاضى العثمانى [من الكامل] (٣): بكرت مظلّته عليه فلم ترح ... إلا على الملك الأجل سعيدها
следующие страницы →