← Тараджим

Тараджим · id 20989

العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين

التقي الفاسي

Полный текст (2 722 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وسبعمائة، بدار مظفّر من السّويقة بمكة، وعنى به أبوه، فأحضره فى الرابعة على الشيخ فخر الدين التوزرى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، وصحيح مسلم [ ..... ] (١) وعلى الصفى الطبرى، وأخيه الرضى: صحيح البخارى وغير ذلك، وعلى الرضىّ فقط: مسند الشافعى، واختلاف الحديث له، وصحيح ابن حبّان، ثم سمعه عليه، وسمع عليه صحيح البخارى أيضا، وجامع الترمذى، وسنن أبى داود، والنّسائى، والثقفيات، وعلى العفيف الدلاصى: رسالة القشيرى، وعلى والده: العوارف للسّهروردىّ، وغير ذلك عليهم، وعلى غيرهم من شيوخ مكة والقادمين إليها، وحدّث باليسير. سمع منه من شيوخنا: الحافظان أبو الفضل العراقى، وأبو الحسن الهيثمى وغيرهم. وإنما حدّث باليسير من مروياته، لتوقفه فى التحديث بمكة، فى حياة الشيخ خليل المالكى، ويقول: هو أولى بذلك، كما ذكر لى عنه شيخنا ابن سكّر. وما علمت أنه سمع عليه، إلا أنه أجاز له، وتناول منه بعض مروياته، فى العشر الأول من ربيع الأول، سنة خمسين وسبعمائة، بالحرم الشريف، كذا وجدت بخطه، أعنى ابن سكر، وسألت عنه شيخنا السيد عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى، هو ابن أخيه، فذكر أنه كان ديّنا صالحا، كثير الطواف، خصوصا بالليل، واصلا لرحمه، يصحب أهل الخير كثيرا، ويؤثرهم، وكان صحب الشيخ داود وجماعة بالإسكندرية، وأخذ عنهم، وأذن له فى الفتوى، ودرّس فى الحرم، فى درس قرّره له بدر الدين الخرّوبى، أحد تجار الكارم بمصر، وتصدّق على يده بمائة ألف درهم، وكان قاضى القضاة عز الدين بن جماعة، وغيره من رؤساء الديار المصرية يعظمونه، وكان قاضى القضاة يعتمده فى أمور الحرم بمكة، وفوّض إليه ما له النظر فيه بالحرمين، وكان ولى مباشرة الحرم قبل الأربعين وسبعمائة، وكان الشيخ خليل المالكى، إمام المقام، يعظّمه كثيرا، وأخرج عن الشيخ خليل ألف كفّارة يمين، كان أوصى بها، لما لم يخرجها أوصياء الشيخ خليل. وكان شريف النّفس، عالى الهمة، كريما كثير المكارم، وكان يتكلفها بالدين، وكان حسن الشكالة، طويلا، وكان سافر إلى بالد التّكرور، وحصل له فيها قبول كثير ودنيا طائلة، وكان سفره إليها من مكة، فى شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين، وعاد إلى مكة فى موسم سنة تسع وخمسين، ثم توجّه منها فى آخر سنة إحدى وستّين، وقصد بلاد التّكرور، وتوجه منها بعد أن حصّل دنيا، وأدركه الأجل فى الطريق، فى شهر رمضان سنة تسع وستين وسبعمائة، ووصل خبره مكة فى سنة سبعين، أخبرنى بشهر وفاته والدى، أحسن الله إليه ورحمه.

стр. 2067

٢١١٦ ـ على بن محمد بن على [ ..... ] (١) السكندرى: [ ......................... ] (١). ٢١١٧ ـ على بن محمد بن على الصليحى: صاحب اليمن ومكة. قال صاحب المرآة فى أخبار سنة خمس وخمسين وأربعمائة: وفيها دخل الصليحىّ إلى مكة، واستعمل الجميل مع أهلها، وأظهر العدل والإحسان والأمن، وطابت به قلوب الناس، ورخصت الأسعار، وكثرت له الأدعية، وكان شابا أشقر اللحية أزرق العينين، وليس باليمن أزرق أشقر غيره، وكان متواضعا، إذا جاز على جمع سلّم عليهم بيده، وكان فطنا ما يخبر بشيء إلا ويصحّ، وكسا البيت ثيابا بيضا، وردّ بنى شيبة عن قبيح أفعالهم، ورد إلى البيت من الحلىّ، ما كان بنو أبى الطيب الحسنيون أخذوه، لما ملكوا بعد شكر، وكانوا قد عرّوا البيت والميزاب، ودخل البيت ومعه زوجته، ويقال لها الحرّة الكاملة، وكانت حرة كاسمها، مدبّرة مستولية عليه وعلى اليمن، وكان يخطب لها على المنابر، يخطب أولا للمسنتصر وبعده للصليحى، وبعده لزوجته، فيقال: اللهم وأدم أيّام الحرّة الكاملة السيدة كافلة المؤمنين. وكانت لها صدقات كثيرة، وكرم فائض، وكرم فائض، وعدل وافر. وقال: ذكر الصليحى: محمد ابن هلال الصابى فقال: وورد فى صفر من الحج، من ذكر دخول الصليحى مكة فى سادس ذى الحجة، واستعماله الجميل مع أهلها، وإظهاره العدل فيها، وأن الحجاج كانوا آمنين أمنا لم يعهد مثله، لإقامته السياسة والهيبة، حتى كانوا يعتمرون ليلا ونهارا، وأموالهم محفوظة، ورحالهم محروسة، وتقدّم بجلب الأقوات، فرخصت الأسعار، وانتشرت له الألسنة بالشكر، وأقام إلى يوم عاشوراء، وراسله الحسنيون، وكانوا قد بعدوا من مكة: أخرج من بلادنا، ورتّب منّا من تختاره. فرتب محمد بن أبى هاشم فى الإمارة، ورجع إلى اليمن ـ وقد سبق فى ترجمة ابن أبى هاشم، ما أحسن به إليه الصليحى لما أمّره بمكة ـ قال: وكان الصليحى يركب على فرس له يسمى «الملك» قيمته ألف دينار، وعلى رأسه مائة وعشرون قصبة ملبّسة بالذهب والفضة، وإذا ركبت الحرّة، ركبت فى مائتى جارية، مزينات بالحلى والجوهر،

стр. 2068

وبين يديها الجنائب بمراكب الذهب المرصعّة، وفى رواية: أقام بمكة إلى ربيع الأول، فوقع فى أصحابه الوباء، فمات منهم سبعمائة رجل، ثم عاد إلى اليمن، لأن العلويين تجمّعوا عليه، ولم يبق معه إلا نفر يسير، فسار إلى اليمن، ومنع الحج من اليمن، فغلت الأسعار، وزادت البليّة. انتهى. وذكره الفقيه عمارة الشاعر فى تاريخه، فقال: كان أبوه محمد قاضيا باليمن، سنّىّ المذهب، وكان أهله وجماعته يطيعونه، وكان الداعى عامر بن عبد الله الزّواحىّ يلاطفه ويركن إليه، لرئاسته وسؤدده وصلاحه وعلمه، فلم يزل عامر المذكور، حتى استمال قلب ولده علىّ المذكور، وهو يومئذ دون البلوغ، ولا حت له فيه مخايل النجّابة، وقيل: كانت عنده حلية علىّ الصليحى فى كتاب «الصّور» من الذخائر القديمة، فأوقفه منه على ثقل حاله، وشرف مآله، وأطلعه على ذلك سرا من أبيه وأهله؛ ثم مات عامر عن قرب، وأوصى له بكتبه وعلومه، ورسخ فى ذهن علىّ من كلامه ما رسخ، فعكف على الدرس، وكان ذكيا، فلم يبلغ الحلم، حتى تضلّع من معارفه، التى بلغ بها وبالجد السعيد، غاية الأمل البعيد. وكان فقيها فى مذهب الدولة الإمامية، مستبصرا فى علم التأويل. ثم إنه صار يحج بالناس دليلا على طريق السّراة والطائف خمس عشرة سنة، وكان الناس يقولون له: إنه بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره، ويكون لك شأن، فيكره ذلك وينكره على قائله، مع كونه أمرا قد شاع وكثر فى أفواه الناس، الخاصّة والعامّة. ولما كان فى سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ثار فى رأس جبل مسار، وهو أعلى ذروة فى جبال حراز، وكان معه ستون رجلا، قد حالفهم بمكة فى موسم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، على الموت والقيام بالدّعوة، وما منهم إلا من هو من قومه وعشائره فى منعة وعدد كثير، ولم يكن برأس الجبل المذكور بناء، بل كان قلعة منيعة عالية، فلما ملكها، لم ينتصف نهار ذلك اليوم الذى ملكها فى ليلته، إلا وقد أحاط به عشرون ألف ضارب سيف، وحصروه وشتموه وسفهوا رأيه. وقالوا له: إن نزلت، وإلا قتلناك أنت ومن معك بالجوع! فقال لهم: لم أفعل هذا إلا خوفا علينا وعليكم أن يملكه غيرنا، فإن تركتمونى أحرسه لكم، وإلّا نزلت إليكم، فانصرفوا عنه، ولم يمض عليه أشهر، حتى بناه وحصّنه وأتقنه. واستفحل أمر على الصليحى شيئا فشيئا، وكان يدعو للمستنصر صاحب مصر فى

стр. 2069

الخفية، ويخاف من «نجاح» صاحب تهامة ويلاطفه، ويستكين لأمره، وفى الباطن، يعمل الحيلة فى قتله، ولم يزل حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه، وذلك فى سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة بالكدراء. وفى سنة ثلاث وخمسين، كتب الصليحى إلى المستنصر، يستأذنه فى إظهار الدعوة، فأذن له، فطوى البلاد طيّا، وفتح الحصون والتهائم، ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كله، سهله ووعره، وبرّه وبحره، وهذا أمر لم يعهد مثله فى جاهلية ولا إسلام، حتى قال يوما وهو يخطب الناس فى جامع الجند: فى مثل هذا اليوم نخطب على منبر عدن. ولم يكن ملكها بعد، فقال بعض من حضر مستهزئا: «سبّوح قدّوس» فأمر بالحوطة عليه، وخطب الصليحى فى مثل ذلك اليوم على منبر عدن، فقال ذلك الإنسان ـ وتغالى فى القول ـ: «سبّوحان قدّوسان» وأخذ البيعة، ودخل فى المذهب، ومن سنة خمس وخمسين، استقر حاله فى صنعاء، وأخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم وأسكنهم معه وولىّ فى الحصون غيرهم، واختطّ بمدينة صنعاء عدة قصور، وحلف لا يولى تهامة إلا لمن وزن مائة ألف دينار، فوزنت له زوجته أسماء عن أخيها أسعد بن شهاب، فولاه وقال لها: يا مولاتنا، أنّى لك هذا؟ قالت (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) [آل عمران: ٣٧] فتبسم وعلم أنه من خزائنه، فقبضه وقال: (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) فقالت: (وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا) [يوسف: ٦٥]. ولما كان فى سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، عزم الصليحى على الحجّ، فأخذ معه الملوك الذين كان يخاف منهم أن يثّوروا عليه، واستصحب زوجته أسماء بنت شهاب، واستخلف مكانه ولده منها، الملك المكرم أحمد، وهو ولدها أيضا، وتوجّه فى ألفى فارس، فيهم من آل الصليحى، مائة وستون شخصا، حتى إذا كان بالمهجم (١)، ونزل بظاهرها بقرية يقال لها أم الدّهيم وبئر أم معبد، وخيّمت عساكره والملوك الذين معه من حوله، ولم يشعر الناس حتى قيل: قد قتل الصليحى، فانذعر الناس وكشفوا عن الخبر، فكان سعيد الأحول بن نجاح المذكور، الذى قتله الجارية بالسم، قد استتر فى زبيد، وكان أخوه جياش فى دهلك (٢)، فسيّر إليه وأعلمه أن الصليحى متوجه إلى مكة،

стр. 2070

فتحضر حتى نقطع عليه الطريق ونقتله، فحضر جيّاش إلى زبيد، وخرج هو وأخوه سعيد، ومعهما سبعون رجلا بلا مركب ولا سلاح، بل مع كل واحد جريدة فى رأسها مسمار حديد، وتركوا جادة الطريق، وسلكوا طريق الساحل، وكان بينهم وبين المهجم مسيرة ثلاثة أيام للمجدّ، وكان الصليحى قد سمع بخروجهم، فسيّر خمسة آلاف حربة من الحبشة الذين فى ركابه لقتالهم، فاختلفوا فى الطريق، فوصل سعيد ومن معه إلى طرف المهجم وقد أخذ منهم التعب والحفاء، وقلة الماء، فظن الناس أنهم من جملة عبيد العسكر، ولم يشعر بهم إلا عبد الله أخو الصّليحى، فقال لأخيه: يا مولانا، اركب، فو الله هذا الأحول سعيد بن نجاح، وركب عبد الله، فقال الصليحى لأخيه: إنى لا أموت إلا بالدّهيم وبئر أم معبد، معتقدا أنها أم معبد التى نزل بها رسول اللهصلى الله عليه وسلم، لما هاجر إلى المدينة، فقال له رجل من أصحابه: قاتل عن نفسك، فهذه والله الدّهيم، وهذه بئر أم معبد، فلما سمع الصليحى ذلك، لحقه زمع اليأس من الحياة، وبال ولم يبرح من مكانه، حتى قطع رأسه بسيفه، وقتل أخوه معه وسائر الصليحيين، وذلك فى ثامن عشر ذى القعدة، سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، ثم إن سعيدا أرسل إلى الخمسة آلاف الذين أرسلهم الصليحى لقتاله، فقال لهم: إن الصليحى قد قتل، وأنا رجل منكم، وقد أخذت بثأر أبى، فقدموا عليه وأطاعوه، واستعان بهم على قتال عسكر الصليحى، فاستظهر عليهم قتلا وأسرا ونهبا. ثم رفع رأس الصليحى على عود المظلّة، وقرأ القارئ: (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: ٢٦]. ورجع إلى زبيد، وقد حاز الغنائم ودخلها فى سادس عشر ذى القعدة من السنة وملكها، وملك بلادها وبلاد تهامة، ولم يزل على ذلك حتى قتل فى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، بتدبير الحرّة، وهى امرأة من الصليحيين، وخبر ذلك يطول، ولما قتل الصليحى ورفع رأسه على عود المظلة كما تقدم، عمل فى ذلك القاضى العثمانى [من الكامل] (٣): بكرت مظلّته عليه فلم ترح ... إلا على الملك الأجل سعيدها

стр. 2071

ما كان أقبح وجهه فى ظلّها ... ما كان أحسن رأسه فى عودها سود الأراقم قاتلت أسد الشرى ... وارحمتا لأسودها من سودها ولعلى الصليحى المذكور، شعر جيد، فمن ذلك قوله [من الكامل] (٤): أنكحت بيض الهند سمر رماحهم ... فرءوسهم عوض النثار نثار وكذا العلى لا يستباح نكاحها ... إلا بحيث تطلّق الأعمار انتهى. وذكره العماد الكاتب فى الخريدة، فقال: ومن شعره، وقيل لغيره على لسانه [من الكامل] (٥): وألذّ من قرع المثانى عنده ... فى الحرب ألجم يا غلام وأسرج خيل بأقصى حضر موت أشدّها ... وزئيرها بين العراق ومنبج قال ابن خلكان: والصليحى: بضم الصّاد المهملة وفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحت وبعدها حاء مهملة، ولا أعرف هذه النسبة إلى أى شيء هى، والظاهر أنها إلى رجل، فقد جاء فى الأسماء الأعلام «صليح»، ونسبوا إليه أيضا، وأما الأماكن المذكورة فكلها من بلاد اليمن، ولم أتحقق ضبطها، فكتبتها على الصورة التى وجدتها، وأكثر هذه الترجمة نقلتها من أخبار اليمن للفقيه عمارة الشاعر. ٢١١٨ ـ على بن محمد بن على بن محمد الكردىّ الأصل المكى المولد والدار، أبو الحسن الصّوفى، المعروف باللوّر المنعوت بالسّابق: سمع من أبى الفرج يحيى بن ياقوت الحرمى (١)، ويونس الهاشمى، وزاهر بن رستم، وغيرهم، وحدّث. سمع منه الدمياطى، وأجاز للرضىّ الطبرىّ. وتوفى بمكة ليلة رابع عشر الحجة، سنة ست وأربعين وستمائة. ٢١١٩ ـ على بن محمد بن محمد بن حديد بن على بن محمد بن حديد الحسينى الحضرمىّ اليمنى: كان يعرف عند أهل اليمن بالشريف أبى الحديد. أخذ عن القاضى إبراهيم بن أحمد

стр. 2072

القريظىّ «المستصفى العثمانى» عن مؤلفه، وأخذ عنه جماعة، منهم المحدث محمد بن إبراهيم الفشلى، وكان إذا ذكر عنده قال: أبو حديد رجل ثقة من الحفاظ، وكان توجه إلى زيارة الشيخ مدافع، لما اشتهر عنه من الصّلاح، فلما قبض الملك المسعود على الشيخ مدافع، قبض عليه معه، فلما مات الشيخ مدافع، توجه الشريف أبو الحديد إلى مكة، وذكر أنه مات بها فى سنة عشرين وستمائة. لخصت هذه الترجمة من تاريخ الجندى، وقال: كان إذ ذاك حافظ عصره، لم يكن له إذ ذاك فى اليمن نظير فى معرفة الحديث. ٢١٢٠ ـ على بن محمد بن عمر بن على بن إبراهيم المكى، المعروف بابن الوكيل: كان أبوه من أعيان تجار مكة، وخلّف له مالا جزيلا، نقدا وعقارا، فلما بلغ، أذهب غالب ما كان له من العقار فى غير وجهه، ثم توفيت والدته، وتركت له عقارا فأذهبه. توفى فى حدود سنة ست وثمانمائة، ودفن بالمعلاة. ٢١٢١ ـ على بن محمد بن عمر المصرى الأصل، المكى المولد والدار، نور الدين، المعروف بالفاكهانى: ولد بمكة ونشأ بها، وسافر بإثر بلوغه إلى مصر والشام طلبا للرزق، فسمع بمصر من محمد بن عمر البلبيسى: صحيح مسلم، عن الموسوى، ومال إلى الأدب، وعنى بتعلقاته من العروض والنحو وغير ذلك، فتنبّه فيه، ونظم كثيرا، قصائد وغيرها، كان يقع له فى نظمه ما يستجاد، سمعت منه شيئا من نظمه بوادى الطائف. ومن شيوخه فى الأدب الشيخ يحيى التلمسانى المدنى، أخذ عنه بالمدينة النبوية، وله إقبال على الفقه، وأخذه عن القاضى جمال الدين بن ظهيرة، وصحب الصوفية بزبيد: الشيخ إسماعيل الجبرتى وجماعته، ودخل اليمن غير مرّة، وحصل له فيها ما تجمّل به حاله، وعاد بنفع على ورثته، وممن نال منه البر باليمن، الملك الأشرف، وابنه الملك الناصر، وأستاداره الغياث بن حسان، وغيرهم. وكان ذا دين وحياء ومروءة، صحبناه فرأينا منه ما يحمد.

стр. 2073

توفى ليلة الخميس سادس عشرى شهر رمضان المعظم سنة ثمان عشرة وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، عن نحو خمسين سنة، ولعلّه بلغ الخمسين، والله أعلم. ٢١٢٢ ـ على بن محمد بن المناظر بن سعد الدين العلوىّ علاء الدين، المعروف بالخوارزمىّ: نزيل مكة، هكذا وجدته منسوبا بخط شيخنا السيد عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى، وسمعته يبالغ فى الثناء عليه، ووصفه بالصلاح، ويقول: إنه أخبره أنه أقام بمكة سنين، لا ينام فى شهر رمضان لا ليلا ولا نهارا، وأن له مدة سنين لم يضع جنبه على الأرض، وذكر له مناقب كثيرة، وكتب عنه فوائد، ووجدت بخطه: أنه توفى ظهر يوم الأحد رابع عشر شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وستين وسبعمائة، بمنزله برباط رامشت بمكة (١)، ودفن بالمعلاة، ووجدت فى حجر قبره بالمعلاة: أنه توفى فى يوم الأحد العاشر من ربيع الآخر من السنة المذكورة، وفيه بعد العلوى: الشّعيبىّ الشافعىّ. ٢١٢٣ ـ على بن محمد البغدادى الصوفى، أبو الحسن المعروف بالمزين: صحب بنانا الحمّال، وسهل بن عبد الله التسترى، والجنيد. وجاور بمكة، ومات بها فى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ذكره الخطيب فى تاريخه، قال: كان صاحب تعبد واجتهاد. وقال الخطيب: أخبرنا إسماعيل بن محمد الحيرىّ، قال: أخبرنا محمد بن الحسين السّلمىّ، قال: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا الحسن المزيّن يقول: الكلام من غير ضرورة، مقت من الله للعبد. أخبرنى أبو الحسن محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمى قال: على بن محمد، أبو الحسن المزين الكبير، بغدادى الأصل أقام بمكة، صحب بنانا الحمال، وغيره. وقال لى أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيرى: أبو الحسن على ابن محمد المزين من أهل بغداد، من أصحاب سهل بن عبد الله، والجنيد، مات بمكة مجاورا، سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وكان ورعا كبيرا. انتهى.

стр. 2074

وأصله من بغداد، صحب سهل بن عبد الله والجنيد، ومن فى طبقتهما من البغداديين، وأقام بمكة مجاورا، ومات بها، وكان من أروع المشايخ وأحسنهم حالا. قال أبو عبد الله محمد بن خفيف: سمعت أبا الحسن المزين بمكة يقول: كنت فى بادية تبوك، فتقدمت إلى بئر لأستقى منها، فزلقت رجلى، فوقعت فى جوف البئر، فرأيت فى البئر زاوية واسعة، فأصلحت موضعا وجلست عليه، فقلت: إن كان منّى شيئا، لا أفسد الماء على الناس، فطابت نفسى وسكن قلبى، فبينا أنا قاعد، إذا بخشخشة، فتأملت فإذا بأفعى ينزل، فراجعت نفسى، فإذا هى ساكنة، فنزل ودار بى، وأنا هادى السر لا يضطرب علىّ، ثم لفّ بى ذنبه، وأخرجنى من البئر، وحلّ عنى ذنبه، فلا أدرى، أرض ابتلعته أو سماء رفعته، وقمت ومشيت. وقيل: إنه رئى يوما متفكرا، ثم اغرورقت عيناه، فقيل له: ما لك أيها الشيخ! فقال: ذكرت أيام تقطعّى فى إرادتى، وقطعى المنازل يوما فيوما، وخدمتى أولئك السّادة من أصحابى، وتذكرت ما أنا فيه من الفترة عن شريف تلك الأحوال، وأنشأ يقول [من البسيط] (١): منازل كنت تهواها وتألفها ... أيّام أنت على الأيام منصور وقال جعفر الخلدىّ: ودّعت المزيّن الصوفى، فقلت: زودنى شيئا. فقال: إن ضاع منك شئ، أو أردت أن يجمع الله بينك وبين إنسان، فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، اجمع بينى وبين كذا، فإن الله تعالى يجمع بينك وبين ذلك الشئ، أو ذلك الإنسان، فما دعوت بها فى شيء إلا استجيب. وقال أبو بكر الرزاى: سمعت أبا الحسن المزّين يقول: «الذنب ـ بعد الذنب ـ عقوبة الذنب، والحسنة ـ بعد الحسنة ـ ثواب الحسنة» (٢). وقال: متى ما ظهرت الآخرة، فنيت فيها الدنيا، ومتى ظهر ذكر الله تعالى، فنيت فيه الدنيا والآخرة، فإذا تحقّقت الأذكار، فنى العبد وذكره، وبقى المذكور بصفاته (٣). وقال: الطريق إلى الله تعالى بعدد النجوم، وأنا مفتقر إلى طريق الله عزوجل، فلا أجد (٤).

стр. 2075

وقال: من طلب الطريق إليه لنفسه تاه فى أول قدم، ومن أريد به الخير، دلّ على الطريق، وأعين على بلوغ المقصد (٥). وقال: «من استغنى بالله، أحوج الله الخلق إليه، ومن افتقر إلى الله وصحّح فقره إليه؛ بملازمة آدابه أغناه الله به عن كل ما سواه». وقال: من أعرض عن مشاهدة ربه، شغله الله تعالى بطاعته وخدمته، ولو بدا له نجم الاحتراق، لغيّبه عن وسواس الافتراق. وقال: المعجب بعمله مستدرج، والمستحسن لشيء من أحواله ممكور به. والذى يظن أنه موصول فهو مغرور. وقال: التصوف، الانقياد إلى الحق. وقيل له: من الفقير الصّادق؟ فقال: الذى يسكن إلى مضمون الله تعالى له، ويزعجه دخول الأرفاق عليه، من أىّ وجه كان. وقال: عرض علىّ طعام فامتنعت منه، فضربت بالجوع أربعين يوما، حتى علمت أنى قد عوقبت، فاستغثت الله تعالى وتبت، فزال ما بى عند ذلك. وقال: كنت مجاورا بمكة، فوقع لى انزعاج، فخرجت أريد المدينة، فلما وصلت إلى قبر ميمونة، إذا بشاب مطروح، فعدلت إليه وهو ينزع، فقلت له: قل لا إله إلا الله، ففتح عينيه، وقال [من الخفيف]: أنا إن متّ فالهوى حشو قلبى ... وبداء الهوى يموت الكرام ثم مات وغسّلته وكفّنته، وصلّيت عليه، فلما فرغت، سكن ما كان بى من إرادة السّفر، فرجعت إلى مكة. وقال: ولما مرض أبو يعقوب النّهرجورىّ مرض وفاته، قلت له وهو فى النزع: قل لا إله إلا الله، فتبسّم إلىّ وقال: إياى تعنى؟ وعزة من لا يذوق الموت، ما بينى وبينه إلا حجاب العزة، وانطفأ من ساعته، فكان المزّين يأخذ بلحيته بعد ذلك يقول: حجّام مثلى يلقّن أولياء الله الشهادة، واخجلتاه منه، ويبكى إذا ذكر هذه الحكاية. وقال: دخلت البادية على التجريد حافيا حاسرا، وكنت قاعدا على بركة الربده؟ ؟ ؟ (٦)،

стр. 2076

فخطر بقلبى أنه ما دخل العام البادية أحد، أشد تجرّدا منى، فجذبنى إنسان من ورائى، وقال: يا حجّام! كم تحدّث نفسك بالأباطيل! . وقال: الذى عليه أهل الحقائق فى وحدانيته، أن الله تعالى غير مفقود، ولا ذو غاية فيدرك، فمن أدرك موجودا معلوما، فهو بالموجود معروف، والموجود عندنا معرفة حال، وكشف علم بلا حال، لأن الحق بان بصفة الوحدانية التى هى نعته فى ذاته (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: ١١]. وقال: من أراد الله بهذا الأمر الذى هو رهبانية الرهبانيين، وأحوال الحواريين، فليصدق الله فيه، وإلا فليرجع إلى ظاهر العلم ورعايته، فيأخذ به ويعطى، ويعمّ ويخص، لا والله، أو تنقطع أوصاله، وتحرق أنفاسه. وسئل عن المعرفة فقال: أن تعرف الله تعالى بكمال الرّبوبية، وتعرف نفسك بالعبودية، وتعلم أن الله تعالى أوّل كل شئ، وبه يقوم كل شئ، وإليه يصير كل شئ، وعليه رزق كل شئ. وقال: ملاك القلب فى التّبرىّ من الحول والقوة. ومات بمكة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، رحمة الله عليه ورضوانه. ٢١٢٤ ـ على بن الحسن البلخىّ الزاهد، برهان الدين أبو الحسن الحنفى: إمام الحنفية بالمسجد الحرام. ذكره ابن عساكر فى تاريخ دمشق فقال: تفقّه بما وراء النهر، على البرهان بن مازة ببخارى، وعلى جماعة من الأئمة، وسمع الحديث بما وراء النهر وبغداد ومكة، وقدم دمشق فى سنة تسع عشرة وخمسمائة، فنزل المدرسة الصّادرية بباب البريد، ومدرسها يومئذ أبو علىّ بن مكى الكاسانى، فعقد له مجلس المناظرة، وجلس للوعظ، وكان عنده صدق، فوقع له القبول فى قلوب الناس، فحسده الكاسانى، وتعصّب عليه الحنابلة، لأنه أظهر خلافهم، فتغيّرت نفسه عن المقام بدمشق، فمضى إلى مكة وجاور بها، وكان إمام الحنفية فى المسجد الحرام، ثم ندم الكاسانىّ على خروجه من دمشق، وكاتبه فى العود إليها، فخرج من مكة وجعل طريقه على بغداد، ووصل دمشق، فوصل الكاسانى المدرسة الصّادرية عن تراض منه.

стр. 2077

قال الحافظ ابن عساكر: وكان صحيح الاعتقاد، حسن السّمت، سخىّ النفس، زاهدا فى الدنيا، وجعلت له دار طرخان مدرسة، ودرّس بها وبمسجد خاتون ووقفت عليه الأوقاف، وكثر عليه الفتوح، فما التفت إليها. وقد كان تزوّج بنت القاضى الشريف أبى الفضل إسماعيل بن إبراهيم، فادعى أخوها عدم الكفاءة، فانتسب البلخىّ إلى جعفر بن أبى طالب، وثبت نسبه، وعرف الناس صحته، وما كان ذنب البلخى عند ابن منير الشاعر، إلا أنه غيّر الأذان فى حلب، وأزال منه «حىّ على خير العمل». وقال ابن عساكر: ثم عاد إلى دمشق فى أول مملكة نور الدين محمود بن زنكى، بعد خروج أبق منها. وتوفى بها فى شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ودفن بالباب الصغير. وقال صاحب المرآة: وقول ابن عساكر: عاد إلى دمشق فى أول مملكة نور الدين محمود بن زنكى، فيه نظر، لأنه قال: توفّى البرهان فى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ونور الدين إنما ملك دمشق سنة تسع وأربعين. ٢١٢٥ ـ علىّ بن محمد المصرىّ: واقف الرباط المعروف برباط غزّىّ، بغين معجمة وزاى مشددة وياء النسبة، لأن على بابه حجرا مكتوب فيه: إنه وقفه على الفقراء والمساكين الرجال المجرّدين، أىّ جنس كان من المسلمين، سنة اثنتين وأربعين وستمائة. ٢١٢٦ ـ على بن محمد الحنديدىّ، ويقال الحندودىّ، موفق الدين، ويقال نور الدين: شاعر مجيد مشهور، من بلاد اليمن فيما أحسب، سكن مكة، ومدح جماعة من أمرائها وغيرهم. وتوفى بمكة فى يوم الأحد الخامس عشر من شهر ربيع الأول، سنة سبع وسبعمائة، ودفن بالمعلاة. ومن حجر قبره نقلت تاريخ وفاته، ولقب فيه بنور الدين، وعرف بالحندودى، وقد تقدّم شيء من شعره فى ترجمة أبى نمىّ صاحب مكة، وولديه: حميضة ورميثة. ومن شعره يتغزّل [من الوافر]: إلى علم الّلوى شدّوا الرّحالا ... وفوق جمالهم حملوا الجمالا وولّوا سائرين إلى إلال ... على الأنضاء يا نائى ألا لا

стр. 2078

وبين هوادج الغادين بدر ... تقلّد فوق لبّته هلالا ترنّح فى غلائله قضيبا ... تشيّع فى مآزره ومالا تبسّم عنبرا وافترّ درّا ... وراح غزالة ورنا غزالا وهزّ من القوام علىّ رمحا ... وسدّد من لواحظه نبالا جعلت هواه دنياى ودينى ... رشادا كان ذلك أم ضلالا ومنها: وكيف أصون دمع جفون عينى ... وقد أمسى ببينهم مدالا وكيف من الهوى يخلو فؤادى ... وقد أبصرت خلخالا وخالا وله أيضا ﵀ [من الكامل]: بفتور حور عيونهم فتنوكا ... وبنافذات سهامهم رشقوكا أما نهاتك عن أميم فلو بدت ... لهم محاسن وجهها أمروكا عذلوك إذ سمعوا بكاك ولو دروا ... ما أنت فيه من الأسى عذروكا سألوك أن تسلو ولو ذاقوا الّذى ... قد ذقت ما سألوك ما سألوكا قالوا كلفت بحب أهل طويلع ... وحفظت عهدهم وهم غدروكا خانوا وفيت وأخلفوا فحفظتهم ... يوم النوى وذكرتهم فنسوكا إن أو عدوك بهجرهم صدقوا وإن ... وعدوا ولو بخيالهم كذبوكا ملّوك حين رأوك واعدت الصّبا ... ولو استدام صباك ما ملوكا صرموا وما وصلوا ولو علموا الّذى ... بك من علاقات الهوى رحموكا فارق هواك إذا أتاك ولا ترى ... من لا يراك ولو يكون أبوكا وله أيضا: دعها فلا تسمع زجر زاجر ... وما لها عن حاجر من حاجر وخلّها وخلّنى فكلّنا ... بلا عقول وبلا خواطر إن كنت لا تعلم عنها فأنا ... أعلم ما تخفى من السرائر لأنّ بى من ظاهر وباطن ... كما بها من باطن وظاهر أغذّك عيسى وكأن تحتها ... من قلق الشّوق شفار جازر هذا ولا تدرى فكيف لو درت ... عن خبر الماطر أو فى الماطر محدّثى عن رامة وحاجر ... زد من حديث رامة وحاجر فأىّ ظلّ غير ظلّ المنحنى ... وأىّ شعب غير شعب عامر

стр. 2079

وله [من الرجز]: نمّ لسرّ الكلف المتيّم ... صبيب دمع بدم منسجم فإن رأت عيناك عين الحرم ... سل عند مىّ الوجنتين عن دمى واستفت معسول اللّما عن ألمى ... كم عبرة يوم النّوى أفضتها ودمعة من مقلتىّ أسلتها ... وزفرة من أضلعى أشعلتها من ناشدى عن كبد أضللتها ... بالعصب ما بين الصفا وزمزم أيدى النّوى جارت علينا وعدت ... وأنجزت فى حيننا ما وعدت والعيس فى الحىّ سرت بى وغدت ... ما زمزم الحادى بهم إلا حدت أكبادنا زمزمة المزمزم ... آل إلال ما عرفت فنّهم ظنّوا فما أخلف قلبى ظنّهم ... كم قلت لمّا أن رأيت ظعنهم لا سلّم الله الحداة إنهم ... ساروا بسلمى عن لوى ذى سلم كيف النوى لآية الصّبا محا ... وغيم جفنى مذ أدرّ ما صحا وبرّحت بى للغريق البرحا ... أخالع البرق عن شمس الضّحى طالعة من ليل شعر أفحم ... أبرا من السلوان قلبى وبرا سويحر اللّحظ بلبىّ سحرا ... طاف به إذ طاف أكباد الورى أحرم بالحجّ فحرّمنى الكرى ... وطيبه أجفان كلّ مغرم كحيل طرف ما رنا إلّا رمى ... بأسهم تقضى بإهراق الدّما ناديته فى حين لبّا محرما ... يا قاتلى فى حرم الله أما تخاف إهراق دمى فى الحرم ... لم أقض من آل إلال وطرا فهات خبّر عنهم بما جرى ... فكم لهم كفكفت دمعى فجرى عرّف دمعى عرفات فترى ... غير ادمعى على البنان العندم

стр. 2080

قطّع قلبى من عرى العلائق ... بالأبرقين سائق الأيانق فلا تكن بى عنهم بعائق ... ففى منى منية كلّ عاشق والخيف فيه خوف كلّ مغرم ... جرح فؤادى لا يزال داميا وداء قلبى لم يجد مداويا ... وما له إلا الشّفاء شافيا وللجمار كم رأينا راميا ... من العيون البابليّات رمى ما حجّر النوم عن المحاجر ... إلّا فراقى لحلول حاجر والله مالى عنهم من حاجر ... واندمى فارقت شعب عامر وعامر قدمى واندمى ... ما الحب إلا منحة ومحنة وفرحة طورا وطورا ترحة ... وأهل ودى باللقا أشحة وغادة أسلم جفنى صحة ... من جفنها ممزوجة بالسّقم ممكورة عنها فؤادى ما نوى ... صدّا ولا أمسى عميدا للجوى إنى وقيس فى الصّبابات سوا ... لا تسألن عنى وعنه فالهوى أعظم شجونى وأدقّ أعظمى ... قولك عندى فى هواهم لم يصح فخلّ عنك العذل فيهم واطّرح ... أرح عن قلبى المعنّى واسترح لو سلمت أكبادنا لم تفتضح ... من الهوى وإنها لم تسلم وكان الحنديدىّ المذكور، هجا الأشراف أصحاب المخلاف السّليمانى (١)، فكتب إليه الأديب أبو عامر منصور بن عيسى بن سيحان، بقصيدة يعاتبه على ذلك، ويعظم عليه وينهاه، وهى على روى قصيدته التى هجاهم بها، يقول فيها [من الوافر]: [و] (٢) قل لى يا علىّ بأى وجه ... جعلت قناع حرمتهم مذالا تلقّب بعضهم فيها حميرا ... وتجعل بعضهم فيها بغالا

стр. 2081

أليسوا خير من ركب المطايا ... أليسوا خير من خلع النّعالا وإن زرنا قليل المال منهم ... أبشّ بنا وأنصفنا ووالا أما لك زاجر عن آل طه ... أما تلقى بغيرهم اشتغالا لقد أهلكت نفسك فاستقل ما ... فعلت فكلّ من عثر استقالا أتمدح أخبث العربين آلا ... وتهجو أشرف العربين آلا متى وردت ركائبنا خفافا ... صدرن بجمّ نائلهم ثقالا وإن جاءت إليهم بالقوافى ... وضعن مدائحا وحملن مالا ومنها: فلم وعلاك تهتك غير عرض ... سمين ليس يعتاد الهزالا وكيف تبيع دينارا بفلس ... يكون عليك مكسبه وبالا أترضى أن يقال عمى وولى ... عن الإسلام واختار الضّلالا فتب مما اجترحت من الخطايا ... لعلّ الله يغفرها تعالى فلا والله ما خبثوا نساء ... بنو حسن ولا خبثوا رجالا ولو جمع الورى فى كلّ فجّ ... لما وزنوا لنعلهم قبالا ليوث وغى ولكن لا توارى ... بدور دجى وجوههم تلالا ومنها: فقد أنصفتهم وأجبت عنهم ... بقول يطمس القول المحالا فإن كلّفت شتم الشّمس يوما ... فليس يزيدها إلا كمالا أفى ولد العواتك من قريش ... يصادف قائل الفحشا مقالا فدع ما رمت والتمس التّعطّى ... عسى بمحمد تعطى النّوالا ولا يغررك بعدك فالليالى ... بما ترجو وما تخشى حبالى فبعد هجاك محلاف بن طرف ... فلست لمكّة ترعى وصالا ٢١٢٧ ـ على بن مسعود بن أحمد بن على المكى، المعروف بالأزرق: كان من خدام السلطنة بمكة، كتب للشريف أحمد بن عجلان فى ديوانه، ولابنه أيضا، ولعنان فى ولايته الأولى، ثم توزّر له فى ولايته الثانية، ثم لعلىّ بن عجلان، ثم لأخيه حسن بن عجلان، ومات بإثر ذلك، فى آخر سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، أو فى أول سنة سبع وتسعين بمكة، ودفن بالمعلاة عن نحو خمسين سنة، وكان يحفظ شعرا كثيرا، ويذاكر به.

стр. 2082

٢١٢٨ ـ على بن مسعود بن عبد المعطى بن أحمد بن عبد المعطى بن مكى بن طراد الأنصارى الخزرجىّ المكىّ، يلقّب نور الدين: ولد سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وسمع بمكة من إبراهيم بن محمد بن نصر الله بن النحاس: مسند أهل البيت، من مسند أحمد، عن زينب بنت مكّىّ، ومشيخة العشارىّ، عن أحمد بن شيبان، ومن الصّارم أزبك الشّمسىّ: مجلس رزق الله التميمى، عن الأبرقوهىّ، وغير ذلك، ومن الفخر عثمان بن الصفى الطبرىّ: سنن أبى داود، ومن الفخر عثمان النّويرىّ، والسّراج الدّمنهورى: الموطأ، رواية يحيى بن بكير. وعلى القاضى عز الدين بن جماعة، والقاضى فخر الدين بن بنت أبى سعيد، والشيخ نور الدين على بن محمد الهمدانى، والشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد الهكّارى: قطعة كبيرة من جامع الترمذى، ومن القطب بن المكرّم: جزء الخرقىّ، وأمالى التّنوخىّ، وما فى آخره، وحدّث. سمعت منه مشيخة العشارى، وأحاديث من سنن أبى داود، مع جماعة من أصحابنا. وكان ذا ديانة. توفى ليلة الأربعاء تاسع المحرم، سنة ثلاث عشرة وثمانمائة بمكة، ودفن فى صبيحتها بالمعلاة. ٢١٢٩ ـ على بن مسعود بن فيروز البغدادى، أبو الحسن: نزيل مكة، سمع من أبى زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسى، وما علمته حدّث. وأجاز لابن مسدىّ، وذكر أنه كان مجبّرا بالبيمارستان بمكة. وتوفى فى شوال سنة خمس وخمسين وستمائة، وقد ناهز المائة. لخصت هذه الترجمة من معجم ابن مسدى. ٢١٣٠ ـ على بن مظفّر بن على بن نعيم السّلامىّ، أبو الحسن، المعروف بابن الحبير التاجر: سمع مع ابن البطّىّ وغيره، وحدّث. وتولى النظر فى مصالح المسجد الحرام، ومصالح الكعبة، وتوفى فى رابع صفر سنة ست وعشرين وستمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ومولده سنة ست وأربعين وخمسمائة. والحبير بحاء مهملة مضمومة وباء موحدة مفتوحة وياء مثناة من تحت وراء مهملة، قاله المنذرى، وذكره فى التكملة، وقال: كان شيخا متدينا حسن الطريقة.

стр. 2083

٢١٣١ ـ على بن المفرّج بن عبد الرحمن الصّقلّى: قاضى مكة. سمع أبا بكر محمد بن أبى سعد الإسفرائينى، صاحب أبى بكر الإسماعيلى، وأبا ذر الهروىّ المالكى، وغيرهما. روى عنه الحافظ أبو القاسم بن هبة الله بن عبد الوارث الشيرازى، وأبو بكر محمد ابن عبد الباقى، ذكره هكذا ابن السّمعانى فى الأنساب، ومن مختصره لابن الأثير، كتبت هذه الترجمة. ٢١٣٢ ـ على بن منكبرس الآملىّ الطبرى، سيف الدين أبو الحسن الطبرى: هكذا نسبه البرزالى فى تاريخه، وقال: ذكر أنه ولد يوم الجمعة مستهلّ رمضان، سنة إحدى وأربعين وستمائة، وأنه من أولاد الأمراء. جاور بمكة نحوا من ثلاثين سنة، وفى مدة إقامته، تزوج بنت الشيخ رضىّ الدين الطبرى، ورزق منها بنتا، اسمها فاطمة بنت سيف الدين على بن حسن الآملىّ. وكان معروفا بمعرفة النجوم، وكان أحد الصّوفية بخانقاة سعيد السّعداء بالقاهرة، وبها توفى فى سحر ليلة الاثنين، الثالث من رمضان سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، ودفن بمقبرة الصوفيّة خارج باب النّصر، وعلى قبره لوح فيه رخام، فيه اسمه وتاريخ موته. انتهى. وذكره الجزرىّ فى تاريخه، فقال: كان من السّادات وأكابر القوم من الصوفية، وله من الرياضيات والخلوات والسّياحات، وكان كثير الصوم والصلاة، ولا تخلو أوقاته من الذّكر، ولما كان بدمشق التزم بصيام سنة كاملة متتابعة، وأن كل يوم يفطره يصوم عنه أحد عشر يوما، واجتمع عليه نحو ثلاث سنين، ولم يزل حتى صام الجميع. وله ديوان شعر بالعجمى، ومقدمات كثيرة فى فنون من العلم. انتهى. ٢١٣٣ ـ على بن موسى بن عيسى بن عمران المكى، المعروف بالنور المزرق: خدم الشريف عجلان فى أمواله وغيره من سلطنة مكة، وكان يكتب عنهم الكتب. وتوفى فى أثناء النصف الأول من سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ٢١٣٤ ـ على بن نجم الكيلانىّ، المعروف بخواجا على: كان من أعيان تجار العجم. سكن ديار مصر مدّة، وكانت له فيها وجاهة، وابتنى تربة بظاهر القاهرة، ثم انتقل إلى الحجاز، فأقام بالمدينة مدّة سنين، ثم انتقل إلى مكة،

стр. 2084

فأدركه الأجل بها، فى سلخ ذى الحجة سنة تسع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالمعلاة. ٢١٣٥ ـ على بن نصر بن المبارك بن محمد بن أبى السّيّد الواسطىّ الأصل، ثم البغدادى، أبو الحسن بن أبى الكرم، المكىّ المولد والدار، المعروف بابن البنا: سمع من أبى الفتح الكروخىّ: جامع الترمذى، مع كتاب العلل، فى مجالس آخرها سلخ المحرم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة يمكة، وحدّث به فيها، وبمصر والإسكندرية ودمياط، سمعه منه خلق كثيرون، آخرهم محمد بن إبراهيم بن ترجم ـ بتاء مثناة من فوق وجيم بينهما راء مهملة ـ المازنىّ. توفى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، واختلف فى شهر وفاته. فقال المنذرى: توفى فى الثامن من ربيع الأول، وقد علت سنّه. وقال ابن مسدىّ: توفى يوم الثلاثاء لسبع خلون من صفر، وجزم الرشيد العطار بوفاته فى صفر، ولم يذكر أنه توفى فى ربيع الأول، والله أعلم. والسيد: بفتح السين المهملة وكسر الياء آخر الحروف وتشديدها وبعدها دال، هكذا قال المنذرى، ولما نسبه قال: على بن أبى الكرم نصر بن المبارك بن أبى السيد بن محمد، وهذا يخالف ما ذكرناه فى نسبه الذى ذكر الحافظ ابن نقطة أنه أملاه عليه. وقد نسبه كذلك ابن مسدىّ، إلا إنه ذكر ما يخالف ذلك، لأنه قال: رأى بخطه أن أباه أبا الكرم، هو المبارك بن أبى السّيدّ بن محمد، فهذا يوافق ما ذكره المنذرى، فى تقدم أبى السيد، على محمد، ويخالف قوله وقول الجماعة، فيما ذكر من أن أبا الكرم، هو المبارك، وقد نسبه الرشيد العطار كالمنذرى. والله أعلم. وقال ابن مسدىّ: لا أعلم له شيخا سواه، ولا سماعا إلا ما ذكرناه، وذكر ابن نقطة أن سماعه صحيح. ٢١٣٦ ـ على بن النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيّون القاضى، أبو الحسن بن أبى حنيفة: قاضى الحرمين وغيرهما. ذكره ابن خلكان فى تاريخه، وذكر أن العزيز العبيدىّ،

стр. 2085

أشرك بينه وبين أبى طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله الذّهلىّ، قاضى مصر فى الحكم، فلما تعطل شقّ أبى طاهر، فوّض له المعز القضاء مستقلا، فى ثالث صفر من سنة ست وستين وثلاثمائة، وكان فى سجله: القضاء بالديار المصرية والشامية والحرمين والمغرب، وجميع مملكة العزيز، والخطابة والإمامة والعيار فى الذهب والفضة، والموازين والمكاييل. ولم يزل مستمرا على أحكامه، وافر الحرمة عند العزيز، إلى أن توفى يوم الاثنين لست خلون من رجب سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وصلّى عليه العزيز، ودفن فى داره بالحمراء. وكانت ولادته بالمغرب، فى شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وأقامت مصر بغير قاض ينظر فيها، ثمانية عشر يوما، لأن أخاه محمد بن النّعمان كان مريضا. وكان أبو الحسن هذا، مفنّنا فى عدّة علوم، منها علم القضاء، والقيام به بوقار وسكينة، وعلم الفقه والعربية والأدب والشعر، وأيام الناس، وكان شاعرا مجيدا فى الطبقة العليا. ومن ذلك ما رواه له فى دمية القصر، وابن زولاق فى أخبار القضاة، فى ترجمته [من الخيف] (١): ربّ خود عرفت فى عرفات ... سلبتنى بحسنها حسناتى حرّمت حين أحرمت نور عينى ... واستباحت حشاى باللّحظات وأفاضت مع الحجيج ففاضت ... من جفونى سوابق العبرات ولقد أضرمت على القلب جمرا ... محرقا إذ مشت إلى الجمرات لم أنل من منى منى النفس حتى ... خفت بالخيف أن تكون وفاتى لخصت هذه الترجمة من تاريخ ابن خلكان، رحمه الله تعالى. ٢١٣٧ ـ على بن هاشم بن على بن مسعود بن غزوان القرشى الهاشمى المكى الشافعىّ، الفقيه نور الدين أبو الحسن: سمع الحديث كثيرا على جماعة من شيوخنا، منهم جمال الدين إبراهيم الأميوطىّ، والعفيف عبد الله محمد النّشاورىّ، وإبراهيم بن محمد بن صدّيق، وتفقّه كثيرا بقاضى مكة، جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظهيرة وغيره، وكان بصيرا بالفقه، حسن المذّاكرة خيّرا، وسافر إلى اليمن للتجارة غير مرّة.

стр. 2086

وتوفى يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى من سنة ست وعشرين وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة فى عصره، وقد جاوز الستين، بنحو سنة أو سنتين. ٢١٣٨ ـ على بن يحيى بن عبد العليم اليمنى: ذكره الجندىّ فى تاريخ أهل اليمن، وذكر أنه أخذ عن الحافظ على بن أبى بكر العرشانىّ: الأربعين الآجرّية. وتوفى سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمكة، وكان فقيها جليلا كبيرا. ٢١٣٩ ـ على بن يحيى بن محمد بن يحيى بن عبيد بن حمزة بن بركات الشّيبىّ: أحد حجبة البيت الحرام. توفى يوم الجمعة سادس شهر رمضان سنة تسع وسبعين وخمسمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ومن حجر قبره لخّصت هذا، وترجم فيه: بالشاب. ٢١٤٠ ـ على بن يعلى بن على بن عبيد بن حمزة البغدادىّ الأصل، المكىّ المولد والمنشأ، أبو الحسن التميمى، المعرف بالسختيلى، يلقّب بالسّديد: سمع من زاهر بن رستم: جزءا من عوالى أبى الحسين علىّ بن بشران، ومن يونس الهاشمى، من جزء الكوفانى أو جميعه، وحدّث. سمع من الدّمياطى الحافظ بالمسجد الحرام، وذكره فى معجمه، وتوفى سنة اثنتين وخمسين وستمائة بمكة فيما أظن، نقلت وفاته من خطّ أمين الدين القسطلّانى، فى استدعاء أجاز له فيه ولابنه قطب الدين، ووجدت بخط ابنه، أنه كان فقيها فاضلا شاعرا فرضيّا حاذقا. ولعلىّ هذا، ابن اسمه يحيى، سمع بدمشق على إسماعيل العراقى، سنة ثمان وأربعين وستمائة، ولم أدر متى مات. ٢١٤١ ـ على بن يوسف بن أيوب، الملك الأفضل بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين: صاحب دمشق، وليها بعهد من أبيه، واستمرّ بها مدّة، حتى أخرجها منه أخوه العزيز عثمان، وعمه العادل أبو بكر، ثم ولى نيابة السلطنة بمصر، عن ابن أخيه العزيز، فجاء إليها عمّه العادل، فأخرجها منه، واستقر بسميساط، حتى مات فى سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

стр. 2087

وذكره ابن نظيف الحموىّ، فقال: كان سلطانا جوادا كريما حليما رحيما عالما بالفضائل، فعالا للمكارم، خبيرا بالسّير وفضيلة الأدب. انتهى. ومن شعره [من الكامل]: يا من يسوّد شعره بخضابه ... لعساه من أهل الشبيبة يحصل ها فاختضب بسواد حظّى دائما ... ولك الأمان بأنّه لا ينصل وله ـ وقيل إنه كتبه إلى الإمام الناصر العباسى يشكو من أخيه وعمه ـ[من البسيط]: مولاى إنّ أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد أخذا بالسّيف حقّ على فانظر إلى حقّ هذا الاسم كيف لقى ... من الأواخر ما لاقى من الأول وهو صاحب الرباط الذى بأجياد، المعروف برباط ربيع، وسبب شهرته بربيع، أن الذى وقفه عن السلطان نور الدين علىّ المذكور، كان يقال له ربيع بن عبد الله بن محمود الماردينىّ، وكان وقفه عن السلطان فى العشر الأوسط من ذى الحجة سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وقفه على فقراء المسلمين الغرباء، ووقف الملك الأفضل هذا كتبا بالرّباط المذكور، منها: «المجمل فى اللغة، لابن فارس»، و «الاستيعاب لابن عبد البر». ٢١٤٢ ـ على بن يوسف بن عبد الله الجوينى، أبو الحسن، المعروف بشيخ الحجاز: حدّث عن أبى نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرايينى بصحيح أبى عوانة، سمعه منه شيخ القضاة، إسماعيل بن أبى بكر البيهقىّ، وسمع بالبصرة من أبى عمر الهاشمىّ، وبدمشق من ابن أبى نصر، وبمصر من ابن البخارى. وروى عنه جماعة، آخرهم وجيه ابن طاهر الشّحامى، ومن طريقه روينا حديثه. وقال ابن السّمعانى: كان دمث الأخلاق، سافر وجال فى الأقطار، جاور بمكة، وصنّف كتاب «السّلوة»، يشتمل على حكايات. توفى فى ذى القعدة سنة ثلاث وستين وأربعمائة. ٢١٤٣ ـ على بن يوسف بن أبى بكر بن أبى الفتح السّجزى المكى، يلقّب بالتاج الحنفى: إمام الحنفية بالحرم الشريف. سمع على ابن أبى الفضل المرسى: أحاديث الجزء الأول

стр. 2088

والثانى والثالث من صحيح ابن حبّان، ولعله سمعه كله، وذلك فى سنة أربع وأربعين وستمائة، وسمع من أبى نصر محمد بن أبى طاهر بن أبى الشجاع البغدادى: الأول من جامع الترمذى عن ابن البنّا، فى سنة اثنتين وأربعين وستمائة ـ وما علمته حدّث ـ وغيرهما بمكة، . وولى الإمامة بالحرم، ولم أدر متى ولّى، إلا أنه كان إماما فى سنة تسع وخمسين وستمائة، ولم أدر متى مات، إلا أنه كان حيّا فى سنة خمس وسبعين وستمائة، لأنى وجدت رسم شهادته فى مكتوب فيها. ٢١٤٤ ـ على بن يوسف بن سالم بن عطية بن صالح بن عبد النبى الجهنىّ المكى، المعروف بابن أبى إصبع: هكذا أملى علىّ نسبه ابن أخيه عبد الرحمن بن يحيى. سمع من القاضى عز الدين بن جماعة، والفخر النويرى: بعض سنن النسائى، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وكان يتردّد إلى اليمن للتجارة، فأدركه الأجل بعدن منها، فى آخر سنة أربع وثمانمائة. ٢١٤٥ ـ على الدّكّالى [ ............ ] (١). ٢١٤٦ ـ على العجمى، الشهير بالشّماع: سكن الديار المصرية، وخدم بها الشيخ أبا بكر المغربى، الرجل الصالح الذى كان عند جامع الأزهر، ثم حجّ إلى مكة فى سنة تسع وثمانين وسبعمائة، صحبة الحاجّ المصريين، ودخل الكعبة المشرّفة، فى ليلة السبت ثانى ذى الحجة من السنة المذكورة، وخرج منها، فتوفى من ساعته تحت قبة زمزم بالمسجد الحرام، بعد أن شرب من ماء زمزم، ودفن بالمعلاة. ٢١٤٧ ـ عمّار بن أبى عمار، مولى بنى هاشم، وقيل مولى بنى الحارث بن نوفل، أبو عمرو، ويقال أبو عبد الله المكى: روى عن أبى قتادة، وأبى هريرة، وأبى سعيد الخدرىّ، وعمران بن حصين، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، رضى الله عنهم.

стр. 2089

روى عنه عطاء بن أبى رباح، ونافع مولى ابن عمر ـ وهما من أقرانه ـ وحميد الطويل، ويونس بن عبيد، وخالد الحذّاء، وسعيد، ومعمر، وحماد بن سلمة. روى له مسلم، وأصحاب السنن. قال أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. مات فى ولاية خالد بن عبد الله القسرىّ. ٢١٤٨ ـ عمّار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة العنسىّ ـ بالنون ـ ثم المذحجىّ: حليف بنى مخزوم، فى قول الزهرى وغيره، وقيل مولى لهم، فى قول الواقدىّ، وطائفة من أهل العلم بالنّسب. وذكر الواقدى، أن أباه عرنىّ قحطانى مذحجىّ من عنس. قدم مكة مع أخوين له، يقال لهما: الحارث ومالك، فى طلب أخ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وزوّجه أبو حذيفة أمة له، يقال لها سميّة بنت خياط، فولدت له عمارا، فأعتقه أبو حذيفة، انتهى بالمعنى. يكنى عمّار: أبا اليقظان، وهو وأبوه وأمه سميّة، ممن عذّبهم المشركون فى الله على الإسلام، ويمرّ بهم النبى ﷺ ، ويقول: «اصبروا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». وأطاعهم عمار فيما أمروه به بلسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان. وفيه أنزل الله عزوجل قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) [النحل: ١٠٦]، ثم هاجر إلى أرض الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة فى الأولين، وفى هجرته إلى

стр. 2090

الحبشة خلاف ذكره النووى. وصلى إلى القبلتين، وشهد بدرا والمشاهد كلها، وأبلى ببدر بلاء حسنا، وكذلك فى يوم اليمامة، وقطعت فيها أذنه. وقال النبى ﷺ : «إن عمّارا ملئ إيمانا إلى مشاشه»، وروى «إلى إخمص قدميه» ويروى «إلى شحمة أذنيه» (١). وقال فى حقه أيضا، «واهتدوا بهدى عمّار» (٢) أخرجه الترمذى بإسناد حسن، وهو ممن اشتاقت الجنة إليه، كما جاء عن النبى ﷺ ، من حديث أنس. وهو أول من بنى مسجدا لله عزوجل، وهو مسجد قباء، على ما ذكر النووى، واستعمله عمر رضى الله عنه على الكوفة، وكان من خواص على بن أبى طالب رضى الله عنه، واستشهد مع علىّ يوم صفّين، وذلك فى سنة سبع وثلاثين. وذكر ابن عبد البر أنّ صفّين فى شهر ربيع الأول من هذه السنة، وأن عليا دفنه فى ثيابه، ولم يغسّله، ونقل عن أهل الكوفة أنه صلّى عليه. وروى عن أبى عبد الرحمن السّلمىّ قال: شهدنا مع على رضى الله عنه صفّين، فرأيت عمار بن ياسر رضى الله عنه، لا يأخذ ناحية أو واد من أودية صفّين، إلا رأيت أصحاب محمدصلى الله عليه وسلم، يتبعونه، كأنه لهم علم. قال ابن عبد البر: وتواترت الأخبار عن النبى ﷺ . أنه قال: «تقتل عمّارا الفئة الباغية» (٣). وكان سنّه رضى الله عنه حين قتل، إحدى وتسعين سنة، وقيل اثنتين وتسعين، وقيل ثلاثا وتسعين. وكان فيما ذكر الواقدى: طويلا أشهل، بعيد ما بين المنكبين. ٢١٤٩ ـ عمارة بن جيّاش بن أبى ثامر المبارك القاسمي: توفى فى يوم الأربعاء ثانى رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ودفن بالمعلاة، ومن حجر قبره كتبت هذه الترجمة، وترجم فيه: بالقائد. والقاسمى نسبة إلى أبى القاسم محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن أبى هاشم الحسنى أمير مكة.

стр. 2091

٢١٥٠ ـ عمارة بن حمزة [بن عبد المطلب بن هاشم: أمه خولة بنت قيس بن فهر من بنى مالك بن النجار، وبه كان يكنى حمزة بن عبد المطلب. وقيل: إن حمزة كان يكنى بابنه يعلى بن حمزة. وقيل: كانت له كنيتان؛ أبو يعلى، وأبو عمارة، بابنيه يعلى وعمارة، ولا عقب لحمزة فيما ذكروا. توفى رسول الله ﷺ ولعمارة ولد حمزة ولأخيه يعلى أعوام، ولا أحفظ لواحد منهما رواية] (١). ٢١٥١ ـ عمارة بن رويبة [الثقفى: من بنى جشم بن ثقيف، كوفى. روى عنه ابنه أبو بكر بن عمارة، وأبو إسحاق السبيعى، وحصين، وعبد الملك بن عمير. من حديثه عن النبى ﷺ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يلج النار امرؤ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها»] (١). ٢١٥٢ ـ عمارة بن عقبة بن أبى معيط، واسمه أبان بن أبى عمرو، واسمه ذكوان بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب القرشى العبشمىّ الأموى: ذكره الزبير بن بكّار، بعد أن ذكر شيئا من خبر أخيه الوليد بن عقبة، فقال: وأخوه

стр. 2092

عمارة بن عقبة، نزل الكوفة، وله يقول الوليد بن عقبة [من الطويل]: وإن يك ظنى يابن أمّى صادقا ... عمارة لا يدرك بذحل ولا وتر ألا إنّ خير النّاس بعد ثلاثة ... قتيل التّجيبىّ الذى جاء من مصر يريد عثمان رضى الله عنه. وذكره ابن عبد البر فى الاستيعاب، وقال: كان عمارة والوليد وخالد، بنو عقبة بن أبى معيط، من مسلمة الفتح. انتهى. * * * من اسمه عمر ٢١٥٣ ـ عمر بن أحمد بن أحمد بن مهدى المدلجىّ، عز الدين النّشائىّ الشافعىّ: ذكره الإسنائى فى طبقاته، وقال: كان إماما بارعا فى الفقه والنحو والعلوم الحسابية، أصوليا محققا ديّنا ورعا زاهدا متصوفا، يحب السّماع ويحضره، وكانت فى أخلاقه حدّة، ودرّس بالمدرسة الفاضلية، وأعاد بالظاهرية، والكهاريّة، وفيها كان سكنه، وكان متصدّرا لإقراء النحو بجامع الأقمر، وانتفع به خلق كثيرون، منهم الشيخ مجد الدين الزّنكلونىّ، وصنّف على «الوسيط» نكتا حسنة كثيرة الفائدة، إلا أنها لم تكمل، وحج فى البحر من عيذاب، سنة ست عشرة وسبعمائة، وتوفى فى تلك السنة بمكة المشرفة، فى العشر الأخير من ذى القعدة، ودفن بالمعلاة. انتهى. ووجدت بخطّى فيما نقلته من تاريخ البرزالىّ، أنه قدم مكة فى رمضان، وتوفى فى ثانى ذى الحجة، وهذا مخالف لما ذكره الإسنائى، إلا أن النسخة التى نقلت منها من تاريخ البرزالى فيها سقم، ولا أدرى هل ذكر ذلك البرزالى هكذا، أو كما ذكر الإسنائى، والله أعلم. وهو والد الشيخ كمال الدين أبى العباس أحمد، مدرس جامع الطيرى ومؤلف المنتقى، وجامع المختصرات، والنكت على التنبيه، المتوفى فى عاشر صفر سنة سبع وخمسين وسبعمائة. ونشا: بنون وشين معجمة، بلدة فى الغربية من مصر المحروسة.

стр. 2093

٢١٥٤ ـ عمر بن أحمد المكين الزّبيدى: هكذا وجدته مذكورا فى حجر قبره بالمعلاة، وترجم فيه: بالسيد الشريف شجاع الدين، وفيه أنه توفى يوم الاثنين سادس عشر ذى الحجة، سنة ست وسبعين وسبعمائة. ٢١٥٥ ـ عمر بن أحمد المعروف بابن الحداد التّعزّىّ: كان ممّن يتردد إلى مكة للتجارة، وقدمها فى بعض السنين، بتجارة لصاحب اليمن، الناصر بن الأشرف، وكان رزق منه قبولا، ثم تغيّر عليه، وعلى أخويه العفيف عبد الله، وإبراهيم، وقدم مكة فى سنة إحدى عشرة وثمانمائة وأقام بها حتى توفى فى آخر رجب، سنة ثلاث عشرة وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، بعد علة طويلة أصابته. ٢١٥٦ ـ عمر بن إبراهيم بن أبى بكر بن خلّكان، نجم الدين أبو حفص الإربلىّ الشافعىّ: ذكره المنذرى فى التكملة، وترجمه بالفقيه الأجلّ، وقال: تفقه على مذهب الشافعى رضى الله عنه، وسمع بإربل من شيخنا أبى حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وسمع بمكة شرّفها الله تعالى، من الفقيه أبى عبد الله محمد بن إسماعيل بن أبى الصّيف، وأجاز له أبو الفرج يحيى بن محمود الثقفى، وعبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب، وغيرهما. وجاور بالحرم الشريف سنين، وحدّث بمكة شرفها الله تعالى، وبإربل، ودرّس بالمدرسة المجاهدية بإربل، وهو من بيت الفقه والرواية، حدّث من بيته غير واحد. وذكر أنه توفى فى الثالث عشر من شهر رمضان، سنة سبع وستمائة بإربل، ودفن بالمقبرة العامة. ٢١٥٧ ـ عمر بن إبراهيم بن محمود الزّبيدىّ: كان من تجار اليمن، تردد إلى مكة وأقام بها، وله بها الآن ذريّة، وفيها توفى فى يوم الأحد النصف من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ودفن بالمعلاة. نقلت وفاته من حجر قبره بالمعلاة، وكان رجلا خيّرا. ٢١٥٨ ـ عمر بن أبى أثاثة العدوىّ، وقيل عمرو: وسيأتى إن شاء الله تعالى فى بابه.

стр. 2094

٢١٥٩ ـ عمر بن حبيب القاضى: من أهل مكة. انتقل إلى اليمن وسكنها، يروى عن عطاء، وعمرو بن دينار. روى عنه رباح بن يزيد من أهل اليمن، وكان حافظا متقنا، وليس هو معمر بن حبيب القاضى الذى كان على البصرة، ذاك ضعيف. هكذا ذكره ابن حبّان فى الطبقة الثالثة من الثقات، ووثّقه أحمد، ويحيى، كما ذكر الذهبىّ. ٢١٦٠ ـ عمر بن الحسن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس ابن محمد بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب العباسى: قاضى مكة ومصر وغيرهما. ذكره المسعودى فى تاريخه، وقال بعد أن نسبه كما ذكرنا: حجّ بالناس خليفة لأبيه سنة عشرين وثلاثمائة، ولم يزل يحج بالناس إلى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، قال: وهو على قضاء مكة فى هذا الوقت، وهو جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وإليه قضاء مصر وغيرها. وذكر أن أباه حجّ بالناس سنة اثنتى عشرة وثلاثمائة. انتهى. وذكره ابن حزم فى الجمهرة، وقال: حجّ بالناس نحو عشرين سنة، ولم يذكر من حاله سوى هذا. ٢١٦١ ـ عمر بن حسين بن عبد الله الجمحىّ، أبو قدامة المكى: روى عن مولاته عائشة بنت قدامة بن مظعون، وعن نافع مولى بن عمر، وعبد الله ابن أبى سلمة الماجشون. وروى عنه ابن إسحاق، وابن أبى ذئب، ومالك، وغيرهم. وروى له مسلم (١) وابن ماجة (٢)، وولى قضاء المدينة.

стр. 2095

٢١٦٢ ـ عمر بن حسين بن على بن أحمد بن عطيّة بن ظهيرة القرشىّ المخزومى المكىّ، يلقّب بالسّراج: مولده سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بمكة، ونشأ بها. وسمع بها على القاضى عز الدين بن جماعة بعض «منسكه الكبير» وعلى غيره. وأجاز له من دمشق جماعة من أصحاب ابن البخارى وغيره، وقرأ فى «الرسالة» على مذهب مالك، ولم ينجب، ودخل ديار مصر والشام لطلب الرزق مرات، ودخل اليمن، ثم انقطع بأخرة بمكة، حتى مات بها، سامحه الله تعالى، وقد حسن حاله فى أمر دنياه، بما صار إليه من مال أخيه ظهيرة بن حسين، ولما حضره الأجل، أقر بجانب من ذلك لابنة له طفلة، قاصدا بذلك إيثارها به على ورثته، أولاد أولاد أخيه أبى السعود، فليم فى ذلك، وقيل له: كنت تعيب على أخيك ظهيرة إقراره بما فى يده، لابن أخيه القاضى أبى البركات بن أبى السعود، وتعلّل ذلك بكونه قصد حرمانك من ميراثه، وغير ذلك. فقال: إنه راض بأن يكون فى درك فى النار، أسفل من درك أخيه ظهيرة، أو كلاما معناه هذا، نعوذ بالله من الضّلال. وقد أثبت القاضى الشافعىّ بمكة، إقراره لابنته، بصورة أنه وكلّ فى الدعوى لابنته بحقوقها وأثباتها، ووكّل وكيلا يجاوب عنه بالإنكار فيما أقرّ به، فادّعى الذى وكّله لا بنته على وكيله، فأجاب بالإنكار، وسأل البيّنة، فشهدت بإقراره، وأشهد الحاكم بثبوت ذلك لديه، وحكم به، وفى النفس من ذلك شئ، لا تحاد المدّعى والمدّعى عليه، وتوكيل الأب فى الدعوى بذلك لا بنته، إقرار منه، لها به، فلا يقبل توكيله من يجاوب عنه بإنكار ذلك، فإن قيل: توكيل الأب فى الدعوى لا بنته بحقوقها وأثباتها عام، وذلك لا يقتضى أنّ الأب مقرّ لا بنته بما يدّعى لها به، ولا أنه وكّل فى الدعوى لها بذلك. فالجواب: أن تعميم الأب التوكيل لا بنته، فى الدّعوى لها بحقوقها، يستلزم الدعوى لها بما أقرّ به لها، ولولا ذلك بطلت الدعوى لها بإقراره، وما ترتّب عليها من الثبوت والحكم، فيكون على هذا تعميم الأب التوكيل لا بنته، بالدعوى لها بحقوقها، مثل توكيله فى الدعوى لها بما أقرّ به لها، ويكون المدّعى والمدعّى عليه متّحدا، وهو مما لا يجوز، وإلى عدم جواز ذلك، وعدم صحة الثبوت المترتّب على هذه الدعوى، مال كثير غير واحد من فقهاء الشافعيّة والحنفيّة، وكتب بعض الشافعية بذلك خطه، فى سؤال صورته:

стр. 2096

«الحمد لله رب العالمين، المسئول من الأنظار السّديدة، الجواب عن مسألة: ما إذا أقرّ المريض فى مرض موته، بعين لبعض ورثته الصغار، الذين هم تحت حجره ونظره، هل يصح توكيله فى الدعوى لا بنته عليه، حتى تقام البينة على ذلك، أو لا تتحدّ الدعوى والمدعى والمدعى عليه فى ذات واحدة؟ وهل يصح الحكم المسند إلى هذه الدعوى أم لا؟ وسواء كان التوكيل فى مطلق الحقوق والمخاصمة، ومطالبة الحقوق أو غيره، وهل إذا أقام بعض الورثة بينة بأن العين كانت فى ملك المريض، إلى أن أقرّ، فهل تسمع دعواه وبنيته أم لا؟ وكذلك إذا ادعى أن المريض فسّر إقراره بالهبة، هل تسمع الدعوى والبينة أم لا؟ أفتونا مأجورين». وصورة الجواب: «الحمد لله الذى هدانا لهذا بمحمد ﷺ ، الله يهدى للحق، لا شك أنّ الحكم فى ذلك، مترتب صحته على الدعوى، والاتحاد فى الذات فى هذه الصّورة مانع من الصحة، لا سيّما إذا أقام بعض الورثة البيّنة الشرعية، أن العين المقرّ بها، فى ملك المقرّ، إلى أن أقرّ، لرجوع ذلك إلى تعليل ما شرط فى المقرّ به، أن لا يكون ملكا للمقرّ، وكذا إذا فسّر ذلك بالهبة على ما رجّح وللحال ما ذكر. قال ذلك وكتب: عمر ابن المخزومى الشافعىّ». وجواب آخر: «هذا أمر لا يتصور صحته، كيف والحال الاتحاد، وأمّا عدم صحة هذا الإقرار، مع وجود هذه البيّنة، فظاهر لا يحتاج إلى شئ، والقول قوله فيما يفسر به، والحالة هذه والله أعلم. كتبه محمد الصفطى». انتهى الجوابان بنصهما، وكذا السؤال. وتوفى المذكور وقت العصر، أو قريبا من ذلك، فى يوم الثلاثاء رابع عشر ذى القعدة الحرام، سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة بمكة، ودفن فى صبح الخميس بالمعلاة، بعد الصلاة عليه بالمسجد الحرام، تجاه الحجر الأسود، والصّلاة عليه بهذا المحلّ، قيل إن العادة جرت لبنى مخزوم. ٢١٦٣ ـ عمر بن الحسين النّسوىّ: هكذا وجدته مذكورا فى حجر قبره بالمعلاة، وترجم فيه: بالشيخ الزاهد العابد، الشهيد الغريب، شيخ الشيوخ. وفيه: أنه توفى فى مستهل المحرم سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. انتهى. وهو والله أعلم، الذى ذكر ابن النجار، أنه نزل إلى الحجر الشريفة النبوية، لكشف أثر يتعلقّ بها، احتيج إلى تحقيقه، ونص [ ........... ] (١).

стр. 2097

٢١٦٤ ـ عمر بن حفص، أبو حفص المكى: يروى عن سالم. روى عنه هاشم بن القاسم. ذكره هكذا ابن حبّان فى الطبقة الثالثة من الثقّات، وما علمت من حاله سوى هذا. ٢١٦٥ ـ عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح ـ براء مهملة مكسورة وياء مثناة من تحت ـ بن عبد العزّى بن قرط بن رزاح بن عدىّ بن كعب ابن لؤىّ بن غالب القرشى العدوىّ، أبو حفص الفاروق: سمى بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، أمير المؤمنين، أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وتوفّى وهو عنهم راض وصهر النبى ﷺ ، وأحبّ الرجال إليه بعد أبى بكر رضى الله عنه، على ما جاء عن النبىّ ﷺ ، من حديث عمرو بن العاص رضى الله عنه فى الصحيحين، وسيّد كهول أهل الجنة، من الأولين والآخرين، غير النبيين والمرسلين، كما جاء عن النبى ﷺ ، من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه، فى جامع الترمذى، وغيره بإسناد حسن على ما ذكر الترمذى، ووزير النبىّ ﷺ من أهل الأرض، كما جاء عن النبى ﷺ ، من حديث سعد بن أبى وقّاص رضى الله عنه، فى جامع التّرمذى، بإسناد حسن، على ما ذكر الترمذى، إلا أن أبا بكر الصّدّيق رضى الله عنه، يشركه فى هاتين الفضيلتين، ولعمر رضى الله عنه فضائل أخر: منها: «أن الله تعالى جعل الحقّ على لسانه وقلبه» (١). رواه الترمذى بإسناد حسن صحيح، على ما ذكر من حديث ابن عمر مرفوعا.

стр. 2098

ومنها: أمر النبى ﷺ بالاقتداء به وبأبى بكر الصديق رضى الله عنهما (٢)، كما فى الترمذى وغيره بإسناد حسن، من حديث أنس رضى الله عنه مرفوعا. ومنها: «أن الشيطان ما لقى عمر رضى الله عنه سالكا فجّا، إلا سلك فجّا غير فجّه» (٣) كما فى الصحيحين من حديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه، عن النبىصلى الله عليه وسلم. ومنها: «أنه لو كان بعد النبىّ ﷺ نبىّ لكان عمر» (٤)، كما فى الترمذى، من حديث عقبة بن عامر بإسناد حسن. ومنها: «نزول القرآن الكريم بموافقته، فى أسارى بدر، وفى الحجاب، وتحريم الخمر [ ....... ] (٥). ومنها: «إعزاز الإسلام به، حسب دعاء النبى ﷺ بذلك» (٦)، روينا عن ابن مسعود

стр. 2099

رضى الله عنه قال: كان إسلام عمر رضى الله عنه فتحا، وهجرته نصرا، وإمامته رحمة، فلقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلّى فى البيت، حتى أسلم عمر رضى الله عنه، فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا فصلينا. وعن حذيفة رضى الله عنه، قال: لما أسلم عمر رضى الله عنه، كان الإسلام كالرجل المقبل، لا يزداد إلا قربا، فلما غيل، كان الإسلام كالرجل المدبر، لا يزداد إلا بعدا. وكان إسلامه فى السنة السّادسة من النبوة، على ما قال ابن سعد، وذلك بعد دخول النبى ﷺ دار الأرقم، وهى الدار المعروفة بدار الخيزران عند الصفا، بعد أربعين رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وقيل عبد أربعين رجلا، وعشرة نسوة، قاله سعيد بن المسيّب. وسبب إسلامه، أن فاطمة أخته، زوجة سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلمت هى وزوجها، فسمع بذلك عمر، فقصدهما ليعاقبهما، فلما صار إليهما، قرئ عليه القرآن، فأوقع الله فى قلبه الإسلام فأسلم، فجاء إلى النبى ﷺ وأصحابه، وهم مختفون فى دار الأرقم، فأظهر إسلامه، فسرّ المسلمون بذلك كثيرا، ثم خرج إلى مجامع قريش، فنادى بإسلامه، فضربه جماعة منهم، فأجاره خاله العاصى بن وائل السّهمىّ، فكفّوا عنه، ثم لم تطب نفس عمر حين رأى المسلمين يضربون، وهو لا يضرب فى الله تعالى لجوار خاله، فردّه عليه، وصار يضارب المشركين ويضاربونه كسائر المسلمين، إلى أن أظهر الله الإسلام. وكان قبل إسلامه شديدا على المسلمين، فاستجاب الله فيه دعوة نبيّهصلى الله عليه وسلم، وكان دعا الله أن يعزّ به الإسلام، أو بأبى جهل بن هشام، ولما همّ بالهجرة إلى المدينة تقلد سيفه، وتنكّب قوسه، وانتضى فى يده أسهما، وأتى إلى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعا، وصلّى ركعتين عند المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة، ثم قال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمّه، ويوتم ولده، وترمل زوجته، فليلحقنى وراء هذا الوادى، فما تبعه منهم أحد. روينا ذلك عن على بن أبى طالب رضى الله عنه.

стр. 2100

وروينا عنه أنه قال: ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا، إلا عمر رضى الله عنه، فإنه لما همّ بالهجرة، تقلدّ سيفه، وذكر الخبر. وكان هاجر مع أخيه زيد بن الخطاب، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وغيرهما من سادات الصحابة رضى الله عنهم، وشهد مع النبى ﷺ ، بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وخيبر، وفتح مكة وحنينا والطائف وتبوك، وسائر المشاهد، وكان شديدا على الكفار والمنافقين، وبويع رضى الله عنه بالخلافة، بعد موت أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنه، وكان عهد إليه بذلك، فقام بعده بمثل سيرته وجهاده، وثباته وصبره على العيش الخشن وخبز الشعير، والثوب الخام المرقوع، والقناعة باليسير، ففتح الله فى خلافته الفتوحات الكبار والأقاليم الشاسعة، فافتتح عسكره مملكة كسرى، وكانت جيوش كسرى مائة ألف أو يزيدون، فكسرهم المسلمون غير مرّة، وسبوا نساءهم وأولادهم، وغنموا أموالهم، وكان على المسلمين يومئذ، سعد بن أبى وقّاص رضى الله عنه، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وبنى المسلمون حينئذ الكوفة والبصرة، وافتتحت فى خلافته رضى الله عنه جميع مدائن الشام، بعد مصافّات أربعة، أكبرها وقعة اليرموك بحوران بالشام، وكان المسلمون أكثر من عشرين ألفا، وكانت جيوش قيصر ملك النصارى، يزيدون على مائة ألف فارس، فقتل من الكفار نصفهم أو أقلّ، واستشهد من المسلمين جماعة من الصحابة، وافتتح فى خلافته رضى الله عنه بيت المقدس، وقتل فى خلافته فى وقعة جلولاء بالعراق، خلائق من المجوس، وغنم المسلمون منهم غنيمة عظيمة، يقال إنها ثلاثون ألف ألف درهم. وافتتح فى خلافته الموصل والجزيرة وديار بكر والعراق وأرمينيّة وأذربيجان وبلاد فارس وخوزستان ـ واختلفوا فى خراسان، فقيل فتحت فى زمانه، ثم انتقضت، وفتحت فى زمن عثمان رضى الله عنه، وقيل إن عثمان افتتحها وهو الصحيح، وإصطخر، وبلد الرىّ وهمذان وجرجان والدّينور ونهاوند وديار مصر ـ بعضها بالسيف وبعضها صلحا ـ والإسكندرية عنوة، وطرابلس من أوائل بلاد المغرب، وزهت له الدنيا إلى الغاية، فلم يغترّ بها، ولم يردها، وأنزل نفسه فى مال الله تعالى، منزلة رجل من المسلمين. وله رضى الله عنه فى الزهد أخبار عجيبة، منها: أنه لما قدم الشام، لقيته الجنود، وعليه إزار فى وسطه وعمامة، قد خلع خفّيه، وهو يغوص الماء آخذا بزمام راحلته، وخفّاه تحت إبطه، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، الآن تلقاك الأمراء وبطارقة الشام، وأنت

стр. 2101

هكذا؟ . فقال: إنا قوم أعزّنا الله بالإسلام، فلم نلتمس العزّ بغيره، ذكر هذا الخبر طارق ابن شهاب. ومنها: ما رويناه عن أنس بن مالك رضى الله عنه، أنه قال: لقد رأيت فى قميص عمر رضى الله عنه أربع رقاع بين كتفيه، وروينا عن أبى عثمان، قال: رأيت عمر رضى الله عنه يرمى الجمرة، وعليه إزار مرقوع بقطعة جراب، وروينا أنه رضى الله عنه، دخل على ابنته حفصة رضى الله عنها، فقدّمت إليه مرقا باردا، وصبّت عليه زيتا، فقال: إدامان فى إناء واحد! لا آكله أبدا. وقام رضى الله عنه بأمر الخلافة أحسن قيام، ولم يأخذه فى الله لومة لائم، واهتم رضى الله عنه بأمر المسلمين، اهتماما لا يشبهه شئ. وله رضى الله عنه فى ذلك أخبار، منها: أنه خرج بنفسه إلى العالية فى يوم صائف، يسوق بكرين من إبل الصّدقة تخلفا، ليلحقهما بالحمى، خشية الضّيعة. وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: خرجنا مع عمر رضى الله عنه إلى مكة، فما ضرب فسطاطا ولا خباء حتى رجع. وكان إذا نزل، يلقى له كساء، أو نطع على شجرة، فيستظلّ بها. ورتّب الناس على سابقتهم فى العطاء؛ وفى الإذن عليه والإكرام. وكان أهل بدر أوّل الناس دخولا عليه، وكان علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، أولهم دخولا عليه، وأثبت أسماءهم فى الديوان، على قربهم من رسول الله ﷺ ، فبدأ ببنى هاشم وبنى المطلب، ثم الأقرب فالأقرب. وهو أول من دوّن الديوان، وأرّخ التاريخ من الهجرة، لقضية أوجبت ذلك، وأول من اتخذ الدّرّة، وأول من لقب أمير المؤمنين، وسبب لقبه بأمير المؤمنين، أنه بعث إلى عامل العراق: أرسل إلىّ رجلين جلدين شابين، أسألهما عن العراق وأهله، فأرسل إليه عامل العراق، لبيد بن ربيعة العامرىّ، وعدىّ بن حاتم الطائى، فلما قدما المدينة، أناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا، فإذا هما بعمرو بن العاص رضى الله عنه، فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فصوّب عمرو مقالتهما، ودخل على عمر، وقال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فسأله عمر رضى الله عنه، عن سبب خطابه بذلك، فأخبره بقول لبيد وعدىّ بن حاتم، فاستحسنه، وجرى الكتّاب بذلك.

стр. 2102

وقيل فى سبب تلقيبه بذلك غير ما سبق، وذلك أن عمر رضى الله عنه لما ولّى قال: كان يقال لأبى بكر رضى الله عنه، خليفة رسول الله ﷺ ، فكيف يقال لى خليفة خليفة رسول اللهصلى الله عليه وسلم، هذا يطول، فقال له المغيرة بن شعبة رضى الله عنه: أنت أميرنا ونحن المؤمنون، فأنت أمير المؤمنين، قال: فذلك إذا. ذكر الزبير بن بكار. وهو أول من كتب: من عبد الله أمير المؤمنين، وهو أول من جمع الناس لصلاة التراويح، وهو أول من ردّ مقام إبراهيم إلى مكانه اليوم، لّما غيّره عنه السّيل، وهو أول من وسّع المسجد الحرام. ثم قبضه الله تعالى إليه سعيدا شهيدا، وكان رضى الله عنه يسأل الله الشهادة، وثب عليه أبو لؤلؤة المجوسى، مولى المغيرة بن شعبة، وقد دخل المسجد لصلاة الصبح، فطعنه بخنجر فى بطنه، وقيل إنه ضربه بسكين مسمومة ذات طرفين، ست ضربات فى كبده، وفى خاصرته، وقد أحرم لصلاة الصبح، وجال أبو لؤلؤة الملعون فى مسجد النبىّصلى الله عليه وسلم، فقتل سبعة نفر، وجرح جماعة، فأخذ عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، بساطا رماه عليه وقبضه، فلما رأى أنه قد أخذ، قتل نفسه، وحمل عمر رضى الله عنه إلى منزله، ودخل الناس يسلّمون عليه ويثنون، وهو يقول: ليت أنى نجوت كفافا، وأمر رضى الله عنه بالاقتصاد فى تجهيزه، وأن يدفن فى بيت عائشة رضى الله عنها بإذنها، فسمحت لهبذلك، ثم مات بعد يوم وليلة، وغسّله رضى الله عنه، ابنه عبد الله، على سرير رسول الله ﷺ ، وصلى عليه فى مسجده، وأمّ بالناس عليه صهيب، فكبّر أربعا، ودفن فى بيت عائشة رضى الله عنها، وكان قتل أبى لؤلؤة لعمر رضى الله عنه، على ما قال ابن عبد البر، لثلاث ليال بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، هكذا قال الواقدىّ وغيره. وقال الربيع: لأربع بقين من ذى الحجة، وكانت خلافته رضى الله عنه عشر سنين ونصفا، وناحت عليه الجنّ، قبل أن يقتل بثلاث، على ما رويناه عن عبادة بهذه الأبيات [من الطويل]: أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتزّ العضاه بأسؤق جزى الله خيرا من إمام وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزّق فمن يسع أو يركب جناحى نعامة ... ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق من أكمامها لم تفتّق وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفّى سبنتى أزرق العين مطرق وثناء السلف على عمر رضى الله عنه لا يحصى كثرة، فمن ذلك ما رويناه عن ابن

стр. 2103

مسعود رضى الله عنه، قال: لو وضع علم أحياء العرب فى كفّة، ووضع فى الكفة الأخرى علم عمر رضى الله عنه، لرجح علم عمر رضى الله عنه، ولقد كان ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلس مع عمر رضى الله عنه، أوثق فى نفسى من عمل سنة. وقال علىّ رضى الله عنه: خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، أبو بكر وعمر رضى الله عنهما. وقال علىّ رضى الله عنه أيضا، بحضرة الناس، حين وضع عمر رضى الله عنه على سريره، والناس يدعون ويصلون عليه: والله ما خلفت أحدا أحبّ إلىّ أن ألقى الله عزوجل بمثل عمله منك، وترحّم عليه علىّ رضى الله عنه. وقال طلحة بن عبيد الله: كان عمر رضى الله عنه، أزهدنا فى الدنيا، وأرغبنا فى الآخرة. وقال سعد ابن أبى وقاص رضى الله عنه: علمت بأىّ شيء فضلنا عمر رضى الله عنه، كان أزهدنا فى الدنيا. وعن معاوية رضى الله عنه قال: أما أبو بكر رضى الله عنه، فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأمّا عمر رضى الله عنه، فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما عثمان رضى الله عنه، فأصاب منها، وأما نحن فركبناها ظهرا لبطن. انتهى. ومن مناقب عمر رضى الله عنه: أن العناصر الأربعة أطاعته، على ما قيل، وهى الأرض والريح والنار والماء. فأمّا الأرض، فلأنها كانت تزلزلت، فضربها برجله فقال: أتتحركين وأنا عليك! فسكنت. وأما الريح، فإنه خطب يوم جمعة ـ وكان فى ذلك اليوم وتلك الساعة قتال فى نهاوند ـ فصاح عمر: يا سارية، الجبل الجبل، فحملت الريح صوته إلى أمير الجيش سارية بن زنيم، فسمع صوت عمر، فالتجأ إلى جبل بالقرب منهم، وقد كاد يغلبوهم، فلما ارتفعوا، حصل النصر. وأما الماء، فذكر عبد الرحمن بن عبد الحكم، أن المسلمين لما فتحوا مصر، جاء أهلها إلى عمرو بن العاص رضى الله عنه، وقالوا: أيها الأمير إنّ لبلدنا سنّة لا يجرى النيل إلا بها، وذلك أنه إذا كان لاثنتى عشرة ليلة من شهر بؤونة، عمدنا إلى جارية بكر، فأرضينا أباها، وجعلنا عليها من الحلىّ والحلل والثياب أفضل ما يكون، فألقيناها فى النيل ليجرى، فقال لهم عمرو رضى الله عنه: إن هذا لا يكون فى الإسلام، فأقاموا

стр. 2104

بؤونة وأبيب ومسرى، والماء لا يجرى قليلا ولا كثيرا، فهمّ الناس بالجلاء، فلما رأى عمرو رضى الله عنه ذلك، كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب فى جوابه: أما بعد، فقد أصبت فى أن هذا فى الإسلام لا يكون، وقد بعثت إليك بطاقة، فألقها فى داخل النيل، وإذا فيها: من عبد الله أمير المؤمنين، إلى نيل مصر، أمّا بعد، فإن كنت تجرى من قبلك، فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار، هو الذى يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك، فألقى عمرو بن العاص رضى الله عنه البطاقة فى النيل، قبل الصّليب بيوم، وقد تهيّأ أمر مصر للجلاء، فأصبحوا يوم الصليب، وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا فى ليلة واحدة. انتهى. وتوقّف النيل بعد ذلك أيضا، فرميت فيه تمرات من نخل بالمدينة، يقال إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه زرعها، فجرى النيل بإثر ذلك جريانا عمّ البلاد، وهذا الخبر ذكره جدّى أبو عبد الله الفاسى فى تعاليقه، لأنه قال: سمعت الشيخ الصالح أبا على عمر بن عبد الرزاق الجزولىّ الفاسى صاحبنا يقول: سمعت الشيخ أبا الحسن على العينىّ، منسوب إلى رأس العين، يقول: قدم الشيخ الإمام أبو عبد الله القرطبى، وهو محمد بن عمر بن يوسف، من مدينة رسول الله ﷺ إلى مصر فى بعض السنين، فاتفق أنه وافق أيام النيل، وقد أبطأ النيل، وقلق الناس لإبطائه، واتفق أن السلطان ركب البحر، لينظر الأحوال ـ وكان الملك الكامل ـ وقدم الشيخ أبو عبد الله القرطبى، وأخبر بأن السلطان ركب البحر وأخبر بالحال، فجاء الشيخ إلى ساحل البحر، فأخبر الملك الكامل بمكانه، فدخل الساحل، وسلّم على الشيخ أبى عبد الله، وحمله معه فى المركب الذى كان فيه، وشكا إليه ما الناس فيه من القلق، بسب إبطاء النيل، ففتح الشيخ جرابا كان معه فيه تمر، وقال: هذا تمر من نخل بالمدينة، يذكر أنه من نخل زرعه عمر بن الخطاب رضى الله عنه بيده، فأخذ السّلطان من ذلك التّمر حفنة، ثم قال: اللهم إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، كتب إلى نيل مصر: تطلع، فطلع. اللهم إنّ هذا من آثار عمر رضى الله عنه، ورمى بتلك الحفنة فى البحر، قال: فما أصبحوا من الغد إلّا والنيل قد عمّ البلاد جميعها. وكان الشيخ أبو الحسن العينىّ من الصالحين المعروفين، ﵀. انتهى. وكان عمر رضى الله عنه من أشراف قريش فى الجاهلية، قال الزبير: حدّثنى محمد ابن الحسن المخزومى، عن نصر بن مزاحم، عن معروف بن خرّبوذ، قال: من انتهى إليه الشّرف من قريش، فوصله الإسلام، عشرة نفر من عشرة بطون، من هاشم، وأميّة،

стр. 2105

ونوفل بن أسد، وعبد الدار، وتيم، ومخزوم، وعدىّ، وسهم؛ فكان من بنى عدىّ عمر ابن الخطاب رضى الله عنه، كانت إليه السّفارات، إن وقعت حرب بين قريش وبين غيرهم بعثوه سفيرا، وإن فاخرهم مفاخر، بعثوه منافرا ورضوا به. انتهى. وكان رضى الله عنه، على ما ذكر ابن عبد البر: شديد الأدمة، طوالا كثّ اللحية أصلع أعسر يسر، يخضب بالحنّاء والكتم. وروى عن مجاهد، أن عمر رضى الله عنه كان لا يغيّر شيبته. قال: ووصفه رضى الله عنه، أبو رجاء العطاردىّ ـ وكان مغفّلا ـ قال: كان عمر بن الخطاب، طويلا جسيما، أصلع شديد الصّلع، أبيض شديد حمرة العينين، فى عارضيه خفّة، سبلته كثيرة الشّعر، فى أطرافها صهبة. قال: وذكر الواقدىّ من حديث عاصم بن عبيد الله، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: إنما جاءت الأدمة، من قبل أخوالى بنى مظعون، وكان أبيض. قال ابن عبد البر: وعاصم لا يحتج بحديثه، ولا بأحاديث الواقدى. وزعم الواقدىّ، أن سمرة عمر رضى الله عنه إنما جاءت من أكل الزيت عام الرمّادة، قال. وهذا منكر من القول. وأصح ما فى الباب والله أعلم، حديث سفيان الثورى عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: رأيت عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضخما كأنه من رجال سدوس، فى رجليه روح. وقال الذهبى: وقال سماك بن حرب: كان عمر رضى الله عنه أروح، كأنه راكب والناس مشاة، لطوله، والأروح: الذى إذا مشى يقارب خطاه. وذكر الذهبى عن أبى رجاء العطاردىّ، ما ذكره عنه ابن عبد البر بالمعنى من صفة عمر، وزاد الذهبى ـ بعد قوله صهبة ـ: إذا حزبه أمر فتلها، وكان أحول. ثم قال الذهبى: وقيل: كان يأخذ أذنه اليسرى بيده اليمنى، ويثب على فرسه، فكأنما خلق على ظهره، قال: وقيل: وكان فى خدى عمر رضى الله عنه، خطان أسودان من البكاء. انتهى. وأم عمر: حنتمة ـ بحاء مهملة ونون ومثناة من فوق مفتوحة ـ بنت هاشم بن المغيرة. وقيل بنت هشام بن المغيرة، أخت أبى جهل: قاله ابن مندة، وأبو نعيم، ونقله عن ابن إسحاق، وهو غلط، والأول هو الصواب على ما قال الزبير بن بكار، وابن عبد البر، وغيرهما.
следующие страницы →