← Тараджим

Тараджим · id 20989

العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين

التقي الفاسي

Полный текст (2 722 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

هكذا؟ . فقال: إنا قوم أعزّنا الله بالإسلام، فلم نلتمس العزّ بغيره، ذكر هذا الخبر طارق ابن شهاب. ومنها: ما رويناه عن أنس بن مالك رضى الله عنه، أنه قال: لقد رأيت فى قميص عمر رضى الله عنه أربع رقاع بين كتفيه، وروينا عن أبى عثمان، قال: رأيت عمر رضى الله عنه يرمى الجمرة، وعليه إزار مرقوع بقطعة جراب، وروينا أنه رضى الله عنه، دخل على ابنته حفصة رضى الله عنها، فقدّمت إليه مرقا باردا، وصبّت عليه زيتا، فقال: إدامان فى إناء واحد! لا آكله أبدا. وقام رضى الله عنه بأمر الخلافة أحسن قيام، ولم يأخذه فى الله لومة لائم، واهتم رضى الله عنه بأمر المسلمين، اهتماما لا يشبهه شئ. وله رضى الله عنه فى ذلك أخبار، منها: أنه خرج بنفسه إلى العالية فى يوم صائف، يسوق بكرين من إبل الصّدقة تخلفا، ليلحقهما بالحمى، خشية الضّيعة. وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: خرجنا مع عمر رضى الله عنه إلى مكة، فما ضرب فسطاطا ولا خباء حتى رجع. وكان إذا نزل، يلقى له كساء، أو نطع على شجرة، فيستظلّ بها. ورتّب الناس على سابقتهم فى العطاء؛ وفى الإذن عليه والإكرام. وكان أهل بدر أوّل الناس دخولا عليه، وكان علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، أولهم دخولا عليه، وأثبت أسماءهم فى الديوان، على قربهم من رسول الله ﷺ ، فبدأ ببنى هاشم وبنى المطلب، ثم الأقرب فالأقرب. وهو أول من دوّن الديوان، وأرّخ التاريخ من الهجرة، لقضية أوجبت ذلك، وأول من اتخذ الدّرّة، وأول من لقب أمير المؤمنين، وسبب لقبه بأمير المؤمنين، أنه بعث إلى عامل العراق: أرسل إلىّ رجلين جلدين شابين، أسألهما عن العراق وأهله، فأرسل إليه عامل العراق، لبيد بن ربيعة العامرىّ، وعدىّ بن حاتم الطائى، فلما قدما المدينة، أناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا، فإذا هما بعمرو بن العاص رضى الله عنه، فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فصوّب عمرو مقالتهما، ودخل على عمر، وقال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فسأله عمر رضى الله عنه، عن سبب خطابه بذلك، فأخبره بقول لبيد وعدىّ بن حاتم، فاستحسنه، وجرى الكتّاب بذلك.

стр. 2102

وقيل فى سبب تلقيبه بذلك غير ما سبق، وذلك أن عمر رضى الله عنه لما ولّى قال: كان يقال لأبى بكر رضى الله عنه، خليفة رسول الله ﷺ ، فكيف يقال لى خليفة خليفة رسول اللهصلى الله عليه وسلم، هذا يطول، فقال له المغيرة بن شعبة رضى الله عنه: أنت أميرنا ونحن المؤمنون، فأنت أمير المؤمنين، قال: فذلك إذا. ذكر الزبير بن بكار. وهو أول من كتب: من عبد الله أمير المؤمنين، وهو أول من جمع الناس لصلاة التراويح، وهو أول من ردّ مقام إبراهيم إلى مكانه اليوم، لّما غيّره عنه السّيل، وهو أول من وسّع المسجد الحرام. ثم قبضه الله تعالى إليه سعيدا شهيدا، وكان رضى الله عنه يسأل الله الشهادة، وثب عليه أبو لؤلؤة المجوسى، مولى المغيرة بن شعبة، وقد دخل المسجد لصلاة الصبح، فطعنه بخنجر فى بطنه، وقيل إنه ضربه بسكين مسمومة ذات طرفين، ست ضربات فى كبده، وفى خاصرته، وقد أحرم لصلاة الصبح، وجال أبو لؤلؤة الملعون فى مسجد النبىّصلى الله عليه وسلم، فقتل سبعة نفر، وجرح جماعة، فأخذ عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، بساطا رماه عليه وقبضه، فلما رأى أنه قد أخذ، قتل نفسه، وحمل عمر رضى الله عنه إلى منزله، ودخل الناس يسلّمون عليه ويثنون، وهو يقول: ليت أنى نجوت كفافا، وأمر رضى الله عنه بالاقتصاد فى تجهيزه، وأن يدفن فى بيت عائشة رضى الله عنها بإذنها، فسمحت لهبذلك، ثم مات بعد يوم وليلة، وغسّله رضى الله عنه، ابنه عبد الله، على سرير رسول الله ﷺ ، وصلى عليه فى مسجده، وأمّ بالناس عليه صهيب، فكبّر أربعا، ودفن فى بيت عائشة رضى الله عنها، وكان قتل أبى لؤلؤة لعمر رضى الله عنه، على ما قال ابن عبد البر، لثلاث ليال بقين من ذى الحجة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، هكذا قال الواقدىّ وغيره. وقال الربيع: لأربع بقين من ذى الحجة، وكانت خلافته رضى الله عنه عشر سنين ونصفا، وناحت عليه الجنّ، قبل أن يقتل بثلاث، على ما رويناه عن عبادة بهذه الأبيات [من الطويل]: أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتزّ العضاه بأسؤق جزى الله خيرا من إمام وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزّق فمن يسع أو يركب جناحى نعامة ... ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق من أكمامها لم تفتّق وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفّى سبنتى أزرق العين مطرق وثناء السلف على عمر رضى الله عنه لا يحصى كثرة، فمن ذلك ما رويناه عن ابن

стр. 2103

مسعود رضى الله عنه، قال: لو وضع علم أحياء العرب فى كفّة، ووضع فى الكفة الأخرى علم عمر رضى الله عنه، لرجح علم عمر رضى الله عنه، ولقد كان ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلس مع عمر رضى الله عنه، أوثق فى نفسى من عمل سنة. وقال علىّ رضى الله عنه: خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، أبو بكر وعمر رضى الله عنهما. وقال علىّ رضى الله عنه أيضا، بحضرة الناس، حين وضع عمر رضى الله عنه على سريره، والناس يدعون ويصلون عليه: والله ما خلفت أحدا أحبّ إلىّ أن ألقى الله عزوجل بمثل عمله منك، وترحّم عليه علىّ رضى الله عنه. وقال طلحة بن عبيد الله: كان عمر رضى الله عنه، أزهدنا فى الدنيا، وأرغبنا فى الآخرة. وقال سعد ابن أبى وقاص رضى الله عنه: علمت بأىّ شيء فضلنا عمر رضى الله عنه، كان أزهدنا فى الدنيا. وعن معاوية رضى الله عنه قال: أما أبو بكر رضى الله عنه، فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأمّا عمر رضى الله عنه، فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما عثمان رضى الله عنه، فأصاب منها، وأما نحن فركبناها ظهرا لبطن. انتهى. ومن مناقب عمر رضى الله عنه: أن العناصر الأربعة أطاعته، على ما قيل، وهى الأرض والريح والنار والماء. فأمّا الأرض، فلأنها كانت تزلزلت، فضربها برجله فقال: أتتحركين وأنا عليك! فسكنت. وأما الريح، فإنه خطب يوم جمعة ـ وكان فى ذلك اليوم وتلك الساعة قتال فى نهاوند ـ فصاح عمر: يا سارية، الجبل الجبل، فحملت الريح صوته إلى أمير الجيش سارية بن زنيم، فسمع صوت عمر، فالتجأ إلى جبل بالقرب منهم، وقد كاد يغلبوهم، فلما ارتفعوا، حصل النصر. وأما الماء، فذكر عبد الرحمن بن عبد الحكم، أن المسلمين لما فتحوا مصر، جاء أهلها إلى عمرو بن العاص رضى الله عنه، وقالوا: أيها الأمير إنّ لبلدنا سنّة لا يجرى النيل إلا بها، وذلك أنه إذا كان لاثنتى عشرة ليلة من شهر بؤونة، عمدنا إلى جارية بكر، فأرضينا أباها، وجعلنا عليها من الحلىّ والحلل والثياب أفضل ما يكون، فألقيناها فى النيل ليجرى، فقال لهم عمرو رضى الله عنه: إن هذا لا يكون فى الإسلام، فأقاموا

стр. 2104

بؤونة وأبيب ومسرى، والماء لا يجرى قليلا ولا كثيرا، فهمّ الناس بالجلاء، فلما رأى عمرو رضى الله عنه ذلك، كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب فى جوابه: أما بعد، فقد أصبت فى أن هذا فى الإسلام لا يكون، وقد بعثت إليك بطاقة، فألقها فى داخل النيل، وإذا فيها: من عبد الله أمير المؤمنين، إلى نيل مصر، أمّا بعد، فإن كنت تجرى من قبلك، فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار، هو الذى يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك، فألقى عمرو بن العاص رضى الله عنه البطاقة فى النيل، قبل الصّليب بيوم، وقد تهيّأ أمر مصر للجلاء، فأصبحوا يوم الصليب، وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا فى ليلة واحدة. انتهى. وتوقّف النيل بعد ذلك أيضا، فرميت فيه تمرات من نخل بالمدينة، يقال إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه زرعها، فجرى النيل بإثر ذلك جريانا عمّ البلاد، وهذا الخبر ذكره جدّى أبو عبد الله الفاسى فى تعاليقه، لأنه قال: سمعت الشيخ الصالح أبا على عمر بن عبد الرزاق الجزولىّ الفاسى صاحبنا يقول: سمعت الشيخ أبا الحسن على العينىّ، منسوب إلى رأس العين، يقول: قدم الشيخ الإمام أبو عبد الله القرطبى، وهو محمد بن عمر بن يوسف، من مدينة رسول الله ﷺ إلى مصر فى بعض السنين، فاتفق أنه وافق أيام النيل، وقد أبطأ النيل، وقلق الناس لإبطائه، واتفق أن السلطان ركب البحر، لينظر الأحوال ـ وكان الملك الكامل ـ وقدم الشيخ أبو عبد الله القرطبى، وأخبر بأن السلطان ركب البحر وأخبر بالحال، فجاء الشيخ إلى ساحل البحر، فأخبر الملك الكامل بمكانه، فدخل الساحل، وسلّم على الشيخ أبى عبد الله، وحمله معه فى المركب الذى كان فيه، وشكا إليه ما الناس فيه من القلق، بسب إبطاء النيل، ففتح الشيخ جرابا كان معه فيه تمر، وقال: هذا تمر من نخل بالمدينة، يذكر أنه من نخل زرعه عمر بن الخطاب رضى الله عنه بيده، فأخذ السّلطان من ذلك التّمر حفنة، ثم قال: اللهم إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، كتب إلى نيل مصر: تطلع، فطلع. اللهم إنّ هذا من آثار عمر رضى الله عنه، ورمى بتلك الحفنة فى البحر، قال: فما أصبحوا من الغد إلّا والنيل قد عمّ البلاد جميعها. وكان الشيخ أبو الحسن العينىّ من الصالحين المعروفين، ﵀. انتهى. وكان عمر رضى الله عنه من أشراف قريش فى الجاهلية، قال الزبير: حدّثنى محمد ابن الحسن المخزومى، عن نصر بن مزاحم، عن معروف بن خرّبوذ، قال: من انتهى إليه الشّرف من قريش، فوصله الإسلام، عشرة نفر من عشرة بطون، من هاشم، وأميّة،

стр. 2105

ونوفل بن أسد، وعبد الدار، وتيم، ومخزوم، وعدىّ، وسهم؛ فكان من بنى عدىّ عمر ابن الخطاب رضى الله عنه، كانت إليه السّفارات، إن وقعت حرب بين قريش وبين غيرهم بعثوه سفيرا، وإن فاخرهم مفاخر، بعثوه منافرا ورضوا به. انتهى. وكان رضى الله عنه، على ما ذكر ابن عبد البر: شديد الأدمة، طوالا كثّ اللحية أصلع أعسر يسر، يخضب بالحنّاء والكتم. وروى عن مجاهد، أن عمر رضى الله عنه كان لا يغيّر شيبته. قال: ووصفه رضى الله عنه، أبو رجاء العطاردىّ ـ وكان مغفّلا ـ قال: كان عمر بن الخطاب، طويلا جسيما، أصلع شديد الصّلع، أبيض شديد حمرة العينين، فى عارضيه خفّة، سبلته كثيرة الشّعر، فى أطرافها صهبة. قال: وذكر الواقدىّ من حديث عاصم بن عبيد الله، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: إنما جاءت الأدمة، من قبل أخوالى بنى مظعون، وكان أبيض. قال ابن عبد البر: وعاصم لا يحتج بحديثه، ولا بأحاديث الواقدى. وزعم الواقدىّ، أن سمرة عمر رضى الله عنه إنما جاءت من أكل الزيت عام الرمّادة، قال. وهذا منكر من القول. وأصح ما فى الباب والله أعلم، حديث سفيان الثورى عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: رأيت عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضخما كأنه من رجال سدوس، فى رجليه روح. وقال الذهبى: وقال سماك بن حرب: كان عمر رضى الله عنه أروح، كأنه راكب والناس مشاة، لطوله، والأروح: الذى إذا مشى يقارب خطاه. وذكر الذهبى عن أبى رجاء العطاردىّ، ما ذكره عنه ابن عبد البر بالمعنى من صفة عمر، وزاد الذهبى ـ بعد قوله صهبة ـ: إذا حزبه أمر فتلها، وكان أحول. ثم قال الذهبى: وقيل: كان يأخذ أذنه اليسرى بيده اليمنى، ويثب على فرسه، فكأنما خلق على ظهره، قال: وقيل: وكان فى خدى عمر رضى الله عنه، خطان أسودان من البكاء. انتهى. وأم عمر: حنتمة ـ بحاء مهملة ونون ومثناة من فوق مفتوحة ـ بنت هاشم بن المغيرة. وقيل بنت هشام بن المغيرة، أخت أبى جهل: قاله ابن مندة، وأبو نعيم، ونقله عن ابن إسحاق، وهو غلط، والأول هو الصواب على ما قال الزبير بن بكار، وابن عبد البر، وغيرهما.

стр. 2106

وذكر ابن عبد البر: أنه يقال لهاشم، جد عمر: ذو الرمحين، وأنه ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة. قال: وروى عنه أنه قال: ولدت قبل الفجار الأعظم بأربع سنين. قال ابن عبد البر: واختلف فى سن عمر رضى الله عنه، فقيل: توفى وهو ابن ثلاث وستين سنة، كسن النبى ﷺ حين توفى، روى ذلك من وجوه، عن معاوية، وهو قول الشعبى. وروى عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه توفى وهو ابن بضع وخمسين سنة. وقال أحمد بن حنبل، عن هشيم، عن على بن زيد عن سالم: أنه توفى وهو ابن خمس وخمسين سنة. وقال الزهرى: توفى وهو ابن أربع وخمسين. وقال قتادة: وهو ابن اثنتين وخمسين. وقيل: مات وهو ابن ستين سنة. انتهى. قال ابن قتيبة: وأولاد عمر رضى الله عنه: عبد الله وحفصة ـ وأمهما زينب بنت مظعون ـ وعبيد الله ـ أمه مليكة بنت جرول الخزاعية ـ وعاصم ـ أمه أم جميل بنت عاصم بن ثابت ـ وفاطمة وزيد ـ أمهما أم كلثوم بنت على بن أبى طالب، من فاطمة رضى الله عنهم ـ ومجبر واسمه عبد الرحمن، وأبو شحمة، واسمه عبد الرحمن أيضا، وفاطمة، وبنات أخر. وأما مواليه، فمنهم: أسلم، وهنى، وأبو أمية، جدّ المبارك بن فضالة بن أبى أمية، ومهجع، مولى عمر ـ استشهد يوم بدر ـ ومالك الدّار، وذكوان، وهو الذى سار من مكة إلى المدينة فى يوم وليلة. انتهى. وقال النووى: وروى لعمر رضى الله عنه، عن رسول الله ﷺ ، خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثا، اتفق البخارى ومسلم منها على ستة وعشرين، وانفرد البخارى بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين. ومناقب عمر رضى الله عنه، وسيرته وزهده وشجاعته وهيبته وأخلاقه، يكوّن مجلدا، وقد أشرنا إلى عيون منها، فيها كفاية إن شاء الله تعالى.

стр. 2107

٢١٦٦ ـ عمر بن سالم الخزاعى ـ وقيل عمرو ـ وافد خزاعة، والأصح عمرو: ذكره هكذا الذهبى فى التجريد، وسيأتى إن شاء الله تعالى فى باب «عمرو». ٢١٦٧ ـ عمر بن سراقة بن المعتمر بن أنس القرشى العدوىّ: ذكره هكذا ابن عبد البر، وقال: شهد بدرا هو وأخوه عبد الله بن سراقة. وقال فيه مصعب الزبيرى: عمرو بن سراقة. انتهى. رواه الذهبى بمعناه وقال: والأصح عمرو. ٢١٦٨ ـ عمر بن سعيد بن أبى حسين القرشى النّوفلىّ المكى: سمع عطاء بن أبى رباح وعبد الله بن أبى مليكة، وطاوس بن كيسان، وعثمان بن أبى سليمان، والقاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، وغيرهم. روى عنه سفيان الثورى، ويحيى بن سعيد بن القطان، وابن المبارك، وأبو عاصم، وروح بن عبادة، وغيرهم. روى له الجماعة، إلا أن أبا داود، إنما روى له فى المراسيل. وثّقه أحمد، وابن معين. وسئل أبو حاتم، فقال: صدوق. ٢١٦٩ ـ عمر بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: أخو الأسود بن سفيان، وهبّار بن سفيان، قال الزبير: هاجر إلى أرض الحبشة، وذكر أن أمه وأم إخوته: الأسود، وهبّار، وعبيد الله، وعبد الله: ريطة بنت عبد بن أبى قيس ابن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤىّ. ٢١٧٠ ـ عمر بن سهل بن مروان المازنى التميمى، أبو حفص البصرى: نزيل مكة. عن أبى الأشهب العطاردىّ، وبحر بن كنيز السّقّاء، ومبارك بن فضالة، وغيرهم.

стр. 2108

روى عنه الحميدى، والفسوى، وابن [وارة] (١)، وهارون الحمّال، ومؤمّل بن إهاب، وغيرهم. روى له ابن ماجة (٢). قال الذهبى: بصرى نزل مكة، ولم يذكره صاحب الكمال. ٢١٧١ ـ عمر بن أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومى: ربيب النبى ﷺ ، أمه أم سلمة، يكنى أبا جعفر. ولد بأرض الحبشة فى آخر السنة الثانية من الهجرة، وقيل إنه كان يوم قبض رسول الله ﷺ ، ابن تسع سنين، وله عن النبى ﷺ اثنا عشر حديثا، اتفق البخارى ومسلم منها على حديثين (١). روى عنه سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزّبير، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف. روى له الجماعة. وشهد مع على بن أبى طالب رضى الله عنه يوم الجمل، واستعمله على فارس، وعلى البحرين.

стр. 2109

وتوفى بالمدينة فى خلافة عبد الملك بن مروان، سنة ثلاث وثمانين، وقيل إنه قتل مع على رضى الله عنه يوم الجمل. قال المزّى: وليس بشئ. وقال الزبير بن بكار: سمعت محمد بن الضحاك وغيره من رواة القرشيين، يقولون: فى عمر بن أبى سلمة، وعاصم بن عمر بن الخطاب، يقول معن بن أوس فى نخلة باحوس بن الأكحل [من الطويل] (٢): لعمرك ما نخلى بحال مضيعة ... ولا ربّها إن غاب عنها بخائف وإنّ لها جارين لن يغدر انها ... ربيب النّبىّ وابن خير الخلائف ٢١٧٢ ـ عمر بن عبد الله بن سليمان بن السّرى الرّيمى اليمنى: ذكره الشيخ عبد الله اليافعى فى تاريخه، وقال: توفى سنة خمسين وخمسمائة حاجّا، وترجمه بالفقيه الفاضل الورع الزاهد، وقال: روى القاضى أبو الطيب طاهر بن يحيى بن أبى الخير اليمنى، أنه كان قد أصابه بثرات فى وجهه، فرام معالجتها على يد الحكيم، وارتحل إليه، وكان فى ذى جبلة. فرأى ليلة وصوله إليها، عيسى بن مريم ﵇، فقال: يا روح الله، امسح على وجهى، وادع لى، ففعل. فلما قام من آخر الليل، وأمرّ الماء على وجهه، وجد فيه خفة، وأحسّ عافية، فاستبشر بصدق رؤياه، فلما أسفر، نظر وجهه فى المرآة، وإذا وجهه قد أصحّ وأنار، فحمد الله، ورجع إلى منزله، قد عافاه الحكيم العليم. انتهى. وذكره الجندىّ. ٢١٧٣ ـ عمر بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عطيّة بن ظهيرة القرشى المخزومى المكىّ الشافعىّ، يلقّب بالسّراج: سمع من الجمال بن عبد المعطى، وأحمد بن سالم، وابن حبيب الحلبىّ، وجماعة، بإفادة أخيه شيخنا القاضى جمال الدين، وأجاز له من شيوخه: ابن أميلة، وابن أبى عمر، وجماعة، وسألت عنه شيخنا المذكور، فقال: بحث «التنبيه» فى الفقه على الشيخ برهان الدين الأبناسىّ، وأجازه بالتدريس، وجلّ اشتغاله علىّ، وفضل. وكان شديد الورع متين الديانة. توفى فى ذى القعدة سنة سبع وتسعين وسبعمائة بمكة. انتهى.

стр. 2110

٢١٧٤ ـ عمر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الضياء محمد بن عمر القسطلّانى المكىّ المالكىّ، ابن اخى الشيخ خليل المالكى: إمام مقام المالكية بالمسجد الحرام. ولى الإمامة بمقام المالكية، بعد عمه الشيخ خليل، حتى مات فى رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ٢١٧٥ ـ عمر بن عبد الله بن يحيى القرشى المخزومىّ المعروف بابن الهليس اليمنىّ: أحد تجار اليمن. توفى فى آخر العشر الأخير من ذى الحجّة، سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، ودفن بالمعلاة. ومن حجر قبره لخصّت ذلك. ٢١٧٦ ـ عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة، عمرو، وقيل حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة القرشى المخزومىّ المدنىّ المكىّ: الشاعر المشهور. ذكره الفضلاء فى كتبهم، وأوسع بعضهم فى ترجمته، وممن أحسن فيها ابن خلّكان، فنذكر كثيرا مما ذكره، ونضم إلى ذلك ما يناسبه، مع عزوه إلى ذاكره. قال ابن خلّكان: كانت ولادته فى الليلة التى مات فيها عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهى ليلة الأربعاء، لأربع بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وغزا فى البحر، فأحرقوا السفينة، فاحترق فى حدود سنة ثلاث وتسعين للهجرة، وعمره مقدار سبعين. رحمه الله تعالى. وفيما ذكره ابن خلّكان فى وفاة عمر بن أبى ربيعة نظر بحكاية رويت، فيها ما يقتضى أنه عاش إلى سنة سبع وتسعين من الهجرة، لأن فيها أنه اجتمع مع الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان فى أيام الحج، لما حجّ سليمان، وخاطب عمر سليمان بأمير المؤمنين، وكان حجّ سليمان فى سنة سبع وتسعين، فيما ذكر غير واحد من أهل الأخبار، فيلزم على مقتضى الحكاية المشار إليها، حياة عمر فى هذا التاريخ، وهو يخالف

стр. 2111

ما ذكره ابن خلكان. والله أعلم. وستأتى هذه الحكاية منقولة عن «التّمهيد» للحافظ أبى عمر بن عبد البر. انتهى. وقال ابن خلّكان: وكان الحسن البصرىّ رضى الله عنه، إذا جرى ذكر ولادة عمر ابن أبى ربيعة فى الليلة التى قتل فيها عمر رضى الله عنه، يقول: أى حق رفع، وأىّ باطل وضع. وقال قبل ذلك: ولم يكن فى قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة، وله فى ذلك حكايات مشهورة، وكان يتغزل فى شعره بالثريّا بنت على بن عبد الله بن الحارث بن أميّة الأصفر بن عبد شمس بن عبد مناف الأموية. وقال السّهيلىّ فى «الرّوض الأنف»: هى الثريا ابنة عبد الله، ولم يذكر عليّا. وقال ابن خلكان، بعد شيء نقله عن السّهيلى: وكانت الثريا موصوفة بالجمال، فتزوّجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهرىّ رضى الله عنهما، ونقلها إلى مصر، فقال عمر المذكور فى زواجها، يضرب المثل بالثّريا وسهيل، النجمين المعروفين [من الخفيف] (١): أيّها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان هى شاميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمانى ثم قال: ومن شعر عمر المذكور [من الخفيف] (٢): حىّ طيفا من الأحبّة زارا ... بعد ما صرّع الكرى السّمّارا طارقا فى المنام تحت دجى اللّي ... ل ضنينا بأن يزور نهارا قلت ما بالنا جفينا وكنّا ... قبل ذاك الأسماع والأبصارا قال إنّا كما عهدت ولكن ... شغل الحلى أهله أن يعارا وله أيضا [من الخفيف] (٣): أيّها الرّاكب المجدّ ابتكارا ... قد قضى من تهامة الأوطارا إن يكن قلبك الغداة خليّا ... ففؤادى بالخيف أمسى معارا ليت ذا الدّهر حتما علينا ... كلّ يومين حجّة واعتمارا

стр. 2112

وقال عبد الله بن عمر، لعمر بن أبى ربيعة: يا ابن أخى، ما اتّقيت الله حيث قلت (٤): ليت ذا الدهر كان حتما علينا ... كلّ يومين حجّة واعتمارا فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنى وضعت ليت حيث لا يعره، قال: صدقت. وبينا عمر يطوف بالبيت، إذ رأى امرأة تطوف فأعجبته، فسأل عنها، فإذا هى من أهل البصرة، فدنا منها وكلّمها، فلم تلتفت إليه، فلما كانت الليلة الثانية تعرّض لها، فقالت: إليك عنى أيها الرجل، فإنك فى حرم الله تعالى، موضع عظيم الحرمة، فلما ألحّ عليها ومنعها من الطّواف، أتت محرما لها فقالت: تعال معى، أرنى المناسك، فإنّى لا أعرفها، فأقبلت وهو معها، وعمر جالس على طريقها، فلما رآها عدل عنها، فتمثّلت بشعر الزّبرقان بن بدر السّعدى [من البسيط] (٥): تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتّقى مربض المستأسد الحامى قال: فبلغ هذا الحديث المنصور، قال: وددت أنه لم تبق فتاة من قريش فى خدرها، إلا سمعت هذا الحديث. ويروى أن يزيد بن معاوية، لما أراد توجّه مسلم بن عقبة إلى المدينة، اعترض الناس، فمرّ به رجل من أهل الشام، معه ترس قبيح، فقال: يا أخا الشام، مجنّ ابن أبى ربيعة، أحسن من مجنّك، يريد قول ابن أبى ربيعة [من الطويل] (٦): فكان مجنّى دون من كنت أتّقى ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر وهذا البيت من جملة قصيدة، وهو من ظريف شعره، ومن جملتها: فحيّيت إذ فاجأتها فتلهّفت ... وكادت بمكتوم التّحيّة تجهر وقالت وعضت بالبنان فضحتنى ... امرؤ ميسور أمرك أعسر أريتك إذ هنّا عليك ألم تخف ... رقيبا وحولى من عدوّك حضّر فو الله ما أدرى أتعجيل حاجة ... سرت بك أم قد نام من كنت تحذر فقلت لها قادنى الشّوق والهوى ... إليك وما عين من النّاس تنظر فلمّا تقضّى الليل إلا أقلّه ... وكادت توالى نجمه تتغوّر

стр. 2113

أشارت بأنّ الحىّ قد حان منهم ... هبوب ولكن موعد منك عزور فما راعنى إلا مناد برحله ... وقد لاح مفتوق من الصّبح أشقر فلمّا رأت من قد تنوّر منهم ... وأيقاظهم قالت أشر كيف تأمر فقلت أباديهم فإمّا أفوتهم ... وإمّا ينال السّيف ثأرا فيثأر فقالت أتحقيقا لما قال كاشح ... علينا وتصديقا لما كان يؤثر وإن كان ما لابدّ منه فغيره ... من الأمر أدنى للخفاء وأستر أقصّ على أختىّ بدء حديثنا ... وما لى من أن تعلم متأخّر لعلّهما أن يبغيا لك مخرجا ... وأن يرخيا سترا بما كنت أحصر فقالت لأختيها أعينا على فتى ... أتى زائرا والأمر للمرء يقدر فأقبلتا فارتاعتا ثمّ قالتا ... أقلّى عليك اللّوم فالخطب أيسر يقوم فيمشى بيننا متنكّرا ... فلا سرّنا يفشو ولا هو يظهر فكان مجنّى دون من كنت أتقّى ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر انتهى ما اخترنا ذكره من كتاب ابن خلكان، فى أخبار عمر بن أبى ربيعة. ومن أخباره وشعره فى غير كتاب ابن خلكان، ما ذكره الفاكهىّ فى كتاب «أخبار مكة»، قال: حدّثنى أحمد بن حميد الأنصارى، عن الأصمعىّ، قال: حدّثنى صالح بن أسلم، قال: نظرت إلى امرأة تطوف بالبيت مستثفرة بثوب، فنظر إليها عمر بن أبى ربيعة من وراء الثوب، ثم قال [من الطويل] (٧): ألمّا بذات الخال فاستطلعا لنا ... على العهد باق عهدها أم تصرّما وقولا لها إن النوى أجنبيّة ... بنا وبكم قد خفت أن يتيمّما فقلت له: امرأة مسلمة محرمة غافلّة، قد سيّرت فيها شعرا، وهى لا تدرى؟ فقال لها: لقد سيّرت من الشعر ما بلغك، وربّ هذه البنيّة، ما حللت إزارى على فرج امرأة حرام قطّ. ثم قال: وحدّثنى محمد بن أبى عمر، قال: حدّثنا ابن القدّاح سعيد بن سالم، قال: كان فلان الأعمى، يسكن فى شعب الخرّازين، وكانت له فيه زوجة، فبلغه أن عمر بن أبى ربيعة أطاف ببيته، فقال لقائده: صلّ بى الجمعة إلى جنب عمر بن أبى ربيعة، فلما انصرف من الجمعة، أخذ بحاشية ثوب عمر، ثم صاح [من الوافر]:

стр. 2114

ألا من يشترى جارا نؤوما ... بجار لا ينام ولا ينيم ويلبس بالنّهار ثياب إنس ... وتحت الليل شيطان رجيم فقال له عمر: أقلنيها، فهى التوبة، فأرسله. وقال الفاكهى، بعد أن ذكر مسجد الشجرة، الذى دون يأجج، قال عمر بن أبى ربيعة يذكر يأجج [من الطويل]: وأسرح لى الدهماء واجعل بمطرفى ... ولا يعلمن حىّ من الناس مذهبى وموعدك البطحاء من أرض يأجج ... أو الشّعب ذى المرخ من بطن مغرب وقال: حدّثنا الزبير بن أبى بكر، قال: حدّثنى بكّار بن رباح، قال: أخبرنى ابن جريج، قال: كنت مع معن بن زائدة باليمن، فحضّر الحج، فلم تحضرنى نيّة، قال: فخطر ببالى قول ابن أبى ربيعة [من البسيط]: بالله قولى له فى غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث باليمن إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بها ... فما أخذت بترك الحجّ من ثمن فدخلت على معن، فأخبرته أنى عزمت على الحج، فقال: ما نزعك إليه، ولم تكن تذكره؟ فقلت: ذكرت قول ابن أبى ربيعة، وأنشدته شعره هذا، فجهزنى وانطلقت. حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهرى البصرى قال: سمعت أبا عاصم الضحّاك بن مخلد، يقول: قدمت مكة، فإذا ابن جريج عند معن بن زائدة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم أو يومين، قال لى رجل قد قدم، فذكر نحو الحديث الأول. وأوّل هذه الأبيات (٨): هيهات من أمة الوهّاب منزلنا ... إذا حللنا بسيف البحر من عدن واحتلّ أهلك أوطانا فليس لهم ... إلّا التذكّر أو همّ مع الحزن قالت لأخت لها سرّا مراجعة ... وما أرادت به إلا لتبلغنى بالله قولى له فى غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث باليمن لو أنّها أبصرت بالجزع عبرته ... إذا تغرّد قمرىّ على فنن إذا رأت غير ما ظنّت لصاحبها ... وأيقنت أنّ لحجا ليس من وطنى ما يملك إن أمسى بصنعاء، فقال: قدم للحج. انتهى. وزاد عبد الله بن إسحاق: فدخل على معن بن زائدة، فقال: عتق ما يملك إن أمسى بصنعاء، فقال: قدم للحج. انتهى.

стр. 2115

وروينا بإسناد لابن جريج، حكايته مع معن بن زائدة، وفيها غير ما ذكره الفاكهى ونقص عنه. أخبرنى الإمام الخيّر أبو اليمن محمد بن أحمد بن الرضىّ إبراهيم الطبرى وغيره سماعا، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن خالد بن محمد بن أبى بكر الفارقى إجازة، قال: أخبرنا قاضى القضاة شمس الدين أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسى، قراءة عليه وأنا أسمع، قال: أخبرنا أبو يعلى حمزة بن السيد بن أبى الفوارس الأنصارى، قال: حدّثنا أبو القاسم الخضر بن الحسين بن عبدان الأزدىّ قال: أخبرنا أبو القاسم على بن محمد بن أبى العلاء المصّيصىّ، قال: أملى علينا الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علىّ بن عبد الله، ابن محمد الغازى فى داره بمصر، سنة تسع عشرة وأربعمائة، قال: حدثنا أبو بكر بن خروف إملاء قال: حدثنا يموت بن المزرّع، قال: حدثنا نصر بن منصور بن المطيعى قال: حدثنا علىّ بن المدينىّ قال: حدثنا سفيان قال: حدثنى ابن جريج قال: لزمنى دين، فضاقت علىّ ساحتى وبلدى، فأتيت معن بن زائدة وهو بأرض اليمن، فنزلت فى منزلى، ثم إنى سرت إليه، فقال لى: أهلا بك وسهلا، ما أقدمك هذه البلدة؟ فقلت: دين ـ أصلح الله الأمير ـ طردنى عن وطنى، فقال: نقضى دينك وتردّ إلى بلدك مجبورا، فأقمت عنده مديدة، ثم إنى رأيت الناس يتجهزون للحج، فحننت إلى مكة، وذكرت قول عمر بن أبى ربيعة (٩): بل ما نسيت غداة الخيف موقفها ... وموقفى وكلانا ثمّ ذو شجن وقولها للثّريّا وهى باكية ... والدمع منها على الخدّين ذو سنن بالله قولى له فى غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث فى اليمن إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها ... فما أفدت بترك الحجّ من ثمن انتهى. ومن أخبار عمر بن أبى ربيعة، الحكاية التى نقلها شيخنا القاضى مجد الدين الشيرازى فى كتابه «الوصل والمنى، فى فضائل منى» قال: لما حجّ سليمان بن عبد الملك، أرسل إلى عمر بن أبى ربيعة يقول له: أنت القائل [من الطويل]: وكم من قتيل لا يباء به دم ... ومن غلق رهنا إذا ضمّه منى ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى

стр. 2116

يسحّبن أذيال المروط بأسؤق ... خدال إذا ولّين أعجازها روى أوانس يسلبن الحليم فؤاده ... فيا طول ما شوق ويا حسن مجتلى فلم أر كالتّجمير منظر ناظر ... ولا كليالى الحج أفلتن ذا هوى قال: نعم. فقال سليمان بن عبد الملك: والله لا يشهد الحج العام مع الناس، أما والله لو اهتممت بحجك، لم تنظر إلى شيء غيرك! فإذا لم يفلت الناس منك فى هذه الأيام، فمتى يفلتون؟ ثم أمر بنفيه إلى الطائف، فقال: يا أمير المؤمنين، أو خير من ذلك؟ قال: ما هو؟ قال: أعاهد الله عزوجل، أن لا أعود لمثل هذا الشعر، ولا أذكر النساء فى شيء أبدا، وأجدّد توبة على يديك، قال: أو تفعل؟ قال: نعم: فعاهد الله على توبته وخلّاه. انتهى. واتفق لعمر بن أبى ربيعة حكاية طريفة بمنى، فى زمن الحج، ألفيتها فى كتاب شيخنا القاضى مجد الدين الشيرازى، قال بعد أن أشار إليها مستظرفا لها: وهى ما حكاه القاسم ابن محمد رحمه الله تعالى، قال: كنت فى مجلس فيه عمر بن أبى ربيعة المخزومىّ رحمه الله تعالى، فقلنا له: يا أبا الخطاب، إن لك مع النساء أحاديث عجيبة، قد نقلها الرّواة، وسارت بها الركبان، فحدّثنا بأعجبها! فقال: نعم، إنى سأحدثكم حديثا ظريفا: إنى كنت ذات يوم بمنى، إذ دخل علىّ الحاجب، فأعلمنى مكان عجوز بالباب، تطلب الإذن، فقلت له: إيذن لها، فدخلت عجوز بها مسحة من الجمال، وعليها كسوة فاخرة، فسلّمت علىّ، وسألتنى عن نسبى، فأخبرتها أنّى عمر بن أبى ربيعة، فقالت: يا أبا الخطاب، هل لك أن أريك أحسن خلق! . قلت: فداك أبى وأمى، كيف لى بذلك! قالت: يا أبا الخطاب، أنت ناظر إليها على شريطة، قلت: وما هى؟ قالت: آخذ عليك العهد، على أنك تريها من نفسك العفاف، ولا تتعرّض لها بسوء، قلت: نعم، ذاك لك، قالت: وعلى أن أعصب عينيك، وألبسك لبس النساء، وأقودك إلى الموضع، قلت: نعم. وذلك أيضا لك. قال: فأخرجت مصحفها من ردفها، فاستحلفتنى به على ذلك، ثم أخرجت عصابة فعصبت بها عينىّ. وألبستنى إزارا وخفّا، ثم قادتنى، حتى أدخلتنى على مضرب، فأخذنى من يدها وصائف، ثم حللن العصابة عن عينىّ، وإذا أنا فى مضرب من الديباج الأحمر، مفروش بالوشى المنسوج بالترهب، وإذا فيه جوار أبهى من البدور، فأجلسننى على سرير من الأبنوس المسجّف بالذهب، ووقفن على رأسى يروّحننى، فبينما أنا جالس على ذلك الحال، وإذا جارية قد طلعت من باب المضرب، أحسن من الشمس، فسلّمت علىّ، ثم

стр. 2117

جلست إلى جانبى، وأقبلتّ علىّ تحدّثنى، وسألتنى عن حالى، وأنا والله منها فى غمرات شديدة، وقد زال عقلى حين شاهدت جمال صورتها، فلما مضى لى معها ساعة، قالت: يا عمر، من الذى يقول (١٠): وناهدة الثديين قلت لها اتّكى ... على الرّمل من جبّانة لم توسّد فقالت على اسم الله سمعا وطاعة ... وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد فلمّا دنا الإصباح قالت فضحتنى ... فقم غير مطرود وإن شئت فازدد فزّودت منها واتّشحت بمرطها ... وقلت لعينىّ اسكبا الدّمع فى غد وقامت تعفّى بالرداء مكانها ... وتطلب شيئا من جمان مبدّد فقلت لها: أنا قائل ذاك، فداك أبى وأمى، قالت: يا عمر، من كانت هذه الناهدة الثديين، التى كانت هذه حالها معك؟ قلت لها: أطال الله بقاءك، ما كان هذا منّى من قصد ولا عمد، ولا قلته فى امرأة بعينها، غير أنى أحبّ الغزل، وأقول الشعر، والتّشبّب بالنساء، فقالت: أنت كذاب على الحرائر، فاضح للنساء، وقد فشا شعرك فى الحجاز والعراق والشام، ولم يكن فى امرأة بعينها! يا وصائف، أخرجن هذا الكذاب الفضاح للنساء الحرائر، فعصبن عينى، ودفعننى إلى العجوز، فقادتنى إلى مضربى، ثم قالت: يا أبا الخطاب، لا تيأس، فبتّ ليلتى قلقا لم أذق مناما، فلما كان الغد، دخل علىّ الحاجب، وقال: إن العجوز التى كانت أمس بالباب قد جاءت، فقلت: ائذن لها، فدخلت وسلمت وقالت: هل لك أن تراها ثانية؟ قلت: نعم. قالت: أأنت ناظر إليها على الشرط المتقدم، قلت: نعم. فأخرجت المصحف واستحلفتنى، وعصبت عينىّ، وقادتنى إلى مضربها، فأخذنى منها الوصائف، وحللن العصابة عن عينى، وإذا أنا فى مضرب من الديباج الأسود، منقوش بالذهب، مفروش بالحرير، وإذا فيه جوار كالظباء، فجلست على السرير، وإذا هى قد طلعت علىّ كالبدر بتمامه، فسلّمت علىّ وصافحتنى، فوجدت برد كبدها فى يدى، ثم جلست إلى جانبى، وسألتنى عن خبرى، وكيف كان بيتى فى ليلتى، وحادثتنى ساعة، فما رأيت أطيب من حديثها، ثم قالت لى فى غضون ذلك: يا أبا الخطاب، من الذى يقول [من الرمل]: بينما ينعتننى أبصرننى ... دون قيد الميل يعدو بى الأغرّ قالت الكبرى أتعرفن الفتى ... قالت الوسطى نعم هذا عمر قالت الصغرى وقد تيّمتها ... قد عرفناه فهل يخفى القمر

стр. 2118

وإذا ما عثرت فى مرطها ... عثرت باسمى وقالت يا عمر قلت: أنا قائل ذاك، فدك أبى وأمى، قالت: فمن هذه الكبرى والوسطى والصغرى؟ قلت: أطال الله بقاك، قد تقدم عذرى عن هذا أمس، وإنى لم أقل ذلك فى جارية بعينها، ولا كان منى عن قصد ولا عمد، قالت: يا فضّاح الحرائر، يا كذابا على النساء، ما حملك على أن تقول على النساء ما لم يكن حقا، حتى شاع فى أقطار الأرض، وظن الناس أنه حق فى امرأة بعينها! يا وصائف، عزّرن هذا الفاسق على كذبه على الحرائر. وضربننى على وجهى ورأسى ضربات شديدة، ثم شددن العصابة على عينى، ودفعننى إلى العجوز، فقادتنى إلى مضربى، ثم قالت: لا تيأسنّ، فبتّ ليلتى قلقا مفكرا، لم أذق مناما، حتى برق الصبح، فلما طلعت الشمس، دخل علىّ الحاجب وأعلمنى بمكان العجوز، فقلت: اشغلها عنى ساعة، إلى أن يخرج إليك رسولى، ثم أمرت جارية أن تضرب لى فى باطية خلوقا، ففعلت، فغمست يدى فيه إلى معصمى، ثم أسدلت إزارى، وأمرت بإدخال العجوز، فدخلت فسألتنى عن حالى، ثم قالت: هل لك أن تراها ثالثة؟ قلت: نعم. فداك أبى وأمى، قالت: أنت ناظر إليها على الشرط؟ قلت: نعم. فأخرجت المصحف واستحلفتنى، ثم عصبت عينىّ، وقادتنى إلى الموضع، فلما حسّيت بباب المضرب، أخرجت يدى فمسحتها ببابه، وجعلت أمسك الطّنب بكفّى، ثم ناولتنى الوصائف، فأخذتنى منها وصيفة، وأدخلتنى الموضع، وفتحت عينىّ، فإذا أنا بمضرب من الديباج الأبيض، منقوش بالذهب، مفروش بالحرير، فجلست على السرير، فإذا هى قد طلعت، فلما نظرت إليها، سقطت على وجهى مغشيا علىّ، فلما أفقت، تناولت كفّى وجعلت تغمره، وقالت: كيف حالك يا أبا الخطاب؟ قلت: سوء حال، والنظر يغنى عن الشكوى، فتبسمت، فما رأيت شيئا أحسن من ثغرها، ثم جعلت تسائلنى عن أخبار أهل الحجاز، وأيام العرب، وأخبار أهل العشق، حتى انتصف النهار، وأنا والله يخيّل إلىّ كأنى فى بعض قصور الجنة مع حورها، فبينما أنا كذلك فى أسرّ حال، إذا التفتت إلىّ وقالت: يا أبا الخطاب، من الذى يقول [من الكامل] (١١): سجج الغراب ببين ذات الدّملج ... ليت الغراب ببينها لم يسحج ما زلت أتبعهم لأسمع حدوهم ... حتى دخلت على ربيبة هودج قالت وحقّ أبى وحرمة والدى ... لأنبّهنّ أبى إن لم تخرج فتناولت كفّى لتعلم مسّه ... بمخضّب الأطراف غير مشنّج

стр. 2119

فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج فقلت لها: أنا قائل ذاك، فداك أبى وامى، فقالت: من هذه الجارية التى دخلت عليها، وأخذت بقرونها، ولثمت فاها؟ قلت: يا سيدتى، إن عذرى قد تقدّم والمحنة فيه واحدة، قالت: فأراك مقيما على الكذب وفضيحة النساء، وهتك أسرار الحرائر، أخرجن عنى هذا الفاسق الكذاب، مجرورا مدحورا معزّرا على كذبه وافترائه على النساء، فبادرن الوصائف إلىّ، وسحبننى على وجهى، وضربننى بأيديهنّ وأرجلهن ضربا موجعا، ثم عصبن عينىّ، وسلّمننى إلى العجوز، فأخرجتنى وأنا لا أعقل، فقادنى ساعة، سنح لها جمّال فى بعض الطريق، فقالت له: خذ هذه المرأة الضريرة إلى مضرب عمر بن إلى ربيعة، ولك هذه الدراهم، فبادر الجمال وأخذنى من يدها، وهو يظن أنى امرأة ضريرة، حتى وصل بى إلى مضربى، فأخذنى منه بعض غلمانى، فدخلت المضرب، ولبست ثيابى، وأمرت بإدخال الناس علىّ، ثم قلت لهم: أىّ غلام وجد لى باب مضرب عليه كفّ خلوق، فهو حرّ لوجه الله تعالى، وأىّ رجل من أهلى وجد ذلك، فله ألف درهم. فخرج الناس من عندى واجتهدوا فى طلب ذلك، فعاد بعض غلمانى وقال: يا سيدى، قد عرفت المضرب، ثم قمت معه، فانتهى بى إلى مضرب مروة بنت عبد الملك ابن مروان، فأمرت بمضربى أن يقلع ويضرب حيال مضربها، فلما علمت أنى قد عرفتها، فحرجت من ذلك، ثم أسدلت الستور بينى وبينها، وكان لعبد الملك عيون، فكتبوا بذلك، شعرا، فشاع فى الناس، وهو [من الطويل] (١٢): نظرت إليها بالمحصّب من منى ... ولى نظر لولا التحرّز عارم فقلت أشمس أم محاريب بيعة ... بدت لك بين السّجف أم أنت حالم بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها، وغما عبد شمس وهاشم ثم أزف خروجها إلى الشام، فرحلت معها، أنزل بنزولها، وأرحل برحيلها، واشتد بى الوجد والدّنف، حتى ركبت فى العمّاريّة من ضعفى وشدة مرضى، وأنا أكتم حالى وأخفيه عن أهلى وعوّادى، ولم أفش سرى على أحد، إلى أن صرنا من دمشق على مرحلتين، فتلقاها رسول عبد الملك يأمرها بالنزول فى موضعها إلى أن يخرج إليها، وأقبل عبد الملك إلى نحوها فى سادات بنى أمية، ووجوه القوّاد، حتى إذا صار قريبا منها، اعتزل عنه الناس، فدخل إليها فى مضربها وبارك لها فى حجّتها، وهنأها بمقدمها، ثم قال: يا مروة، ألم أنهك عن الطواف نهارا، حتى لا تقع عين أحد عليك! فقالت: والله ما طفت إلا ليلا، فخرج من عندها، فحانت منه التفاتة، فإذا هو بمضربى، فقال:

стр. 2120

لمن هذا؟ فقيل: لعمر بن أبى ربيعة، فقال: علىّ به، فلما جئت إليه، دخلت عليه فسلّمت، فقال: لا سلّم الله عليك ولا أقرّ بك عينا، فقلت: بئست التحية من ابن العم، على بعد الدار وشحط المزار، فقال: ألست القائل: نظرت إليها بالمحصّب من منى ... ولى نظر لولا التحرّز عارم قاتلك الله، أما لك مندوحة عن ابنة عمك، حتى شبّبت بها فى شعرك! فقلت: يا أمير المؤمنين، إنى لم أقل فى امرأة بعينها، ولا كان منى عن قصد ولا عمد، فقال: كذبت يا فاسق، ثم إنه أطرق ساعة ورفع رأسه إلىّ، وقال: يا عمر، هل لك فى واحدة! قلت: نعم، وما هى فداك أبى وأمى يا أمير المؤمنين؟ . فقال: أزوّجك مروة، فقلت: أنا! فعبد من عبيدك يا أمير المؤمنين، وطاعتك علىّ واجبة، فاصنع ما شئت، فأمر بإحضار خمسمائة ألف درهم، فأحضرت، ثم دعا وجوه بنى أمية، وخطب خطبة حسنة، وعقد نكاحى على ابنته مروة بالمال الحاضر، ثم قال لى: قم فادخل على أهلك، فقمت فدخلت عليها، فلما أحسّت بى، نفرت نفور الظبى، وقالت: ويلك! من أنت ثكلتك أمك؟ فقلت: أنا بعلك وابن عمك عمر بن أبى ربيعة، صبرت وقدرت فظفرت، فأنست إلىّ عند ذلك، وعادلتها فى هودجها إلى دمشق، فأقر الله تعالى بها عينى. ٢١٧٧ ـ عمر بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوى: أمير مكة. هكذا نسبه صاحب الجمهرة، وقال: ولى مكة للسفاح، وولى اليمن لدواد ابن علىّ، خمسة أشهر، وكان فى غاية الفضل. وذكر أن والده عبد الحميد، ولى الكوفة لعمر بن عبد العزيز. انتهى. ٢١٧٨ ـ عمر بن عبد الرحمن بن محيصن السهمى، مولاهم، المكى: قارئ أهل مكة، مع ابن كثير، وحميد الأعرج. وقد اختلف فى اسمه على ستة أقوال، أصحهما «عمر» هكذا سماه عبد الله بن المؤمل، وسفيان بن عيينة، وابن معين، وابن عدى. وقيل: محمد بن عبد الله بن محيصن، وقيل: عبد الرحمن بن محمد بن محيصن، وقيل: محمد بن عبد الرحمن بن محيصن، حكى هذه الأقوال ابن مجاهد. وقال مصعب الزبيرى: هو عبد الرحمن بن محيصن بن أبى وداعة. وقيل عبد الله بن محيصن، كذا سمّاه أبو أحمد السامرى، وأبو عبد الله الحاكم. قرأ على سعيد بن جبير، ومجاهد، ودرباس، مولى ابن عباس. قرأ عليه شبل بن

стр. 2121

عبّاد، وأبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر القارئ، وغيرهم، وله رواية شاذّة منقولة فى كتاب «المبهج» للإمام أبى محمد، وفى غير ما مصنفّ، والله أعلم بصحتها. وهو فى الحديث ثقة، احتجّ به مسلم وغيره، حدث عن أبيه، وصفيّة بنت شيبة، وعطاء بن أبى رباح، ومحمد بن قيس بن مخرمة. وحدّث عنه ابن جريج، وابن عيينة، وهشيم، وعبد الله بن المؤمل المخزومى، وغيرهم. روى له مسلم (١) والترمذى (٢) والنسائى (٣) فى كتبهم، وليس له فيها إلا حديث واحد فى قوله: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [النساء: ١٢٣]. وذكره ابن حبان فى الثقات. قال ابن القاسم الهذلى: مات سنة ثلاث وعشرين ومائة بمكة، ومن طبقات القراء للذهبى، لخّصت هذه الترجمة، وقال فى التذهيب: هو ثقة فى الحديث، مقلّ، ضعيف فى القراءة، له فى روايته أشياء شاذة. ٢١٧٩ ـ عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشى الأموى، أبو حفص: أمير المؤمنين، الإمام العادل. ولى مكة والمدينة، ولاه ذلك الوليد بن عبد الملك، فى

стр. 2122

سنة ست وثمانين من الهجرة، إلى سنة ثلاث وتسعين، وحج بالناس فيها، وفى سنة اثنتين وتسعين، وسنة تسعين، وسنة تسع وثمانين، هكذا ذكر ذلك ابن كثير، ولعله أخذه من تاريخ ابن الأثير، عن تاريخ ابن جرير الطبرى. ووجدت فى تاريخ ابن جرير، ما يدلّ لما ذكر ابن كثير، من أنه ولى ذلك، لأنه قال فى أخبار سنة تسعين: وفيها حجّ بالناس عمر بن عبد العزيز، وهو عامل بالمدينة ومكة والطائف. وقال فى أخبار سنة إحدى وتسعين: وكانت عمّال الأمصار فى هذه السنة، العمال فى التى قبلها، إلا مكة، وقيل إن مكة كانت فيها إلى عمر بن عبد العزيز. وقال فى أخبار سنة ثلاث وتسعين: وفيها عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة فى قول، وكان عزله، أن عمر كتب إلى الوليد يخبره، بعسف الحجاج أهل عمله بالعراق واعتدائه عليهم، وطلبه لهم بغير حق ولا جناية، فبلغ ذلك الحجاج، فاصطنعه على عمر، وكتب إلى الوليد: إنّ من قبلى من أهلى العراق وأهل الشقاق، قد لجأوا إلى المدينة ومكة، وأن ذلك وهن. فكتب الوليد إلى الحجاج: أشر لى برجلين، فكتب إليه يشير بعثمان بن خالد، وخالد ابن عبد الله القسرى، فولّى خالدا مكة، وعثمان المدينة، فخرج عمر من المدينة وأقام بالسويداء، وذكر أنه كان قدم المدينة واليا بعد عزل هشام بن إسماعيل المخزومى، فى شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين، وأنه حج بالناس فى هذه السنة، وفى سنة ثمان وثمانين. وهذا يدل على أنه كان واليا على مكة فى هذا التاريخ، كما ذكر ابن كثير، لأن الحج إنما يقيمه أمير المدينة غالبا، إلا إذا كانت مكة مضافة إليها، وكانت مكة كثيرا ما تضاف إلى أمير المدينة، مع كونه مقيما بالمدينة، وإنما كان يقيم بالمدينة، لقربها من الشام، بلد الخليفة إذ ذاك. وذكر ابن جرير، أنه لما حجّ بالناس فى سنة ثمان وثمانين، ذكر له بعض أهل مكة، قلّة الماء بها، وأنهم يخشون على الحجاج من العطش، فدعا عمر، فجاء المطر، وسال الوادى، حتى خاف أهل مكة، وأمطرت عرفة ومنى، وجمع، يعنى المزدلفة، فما كانت إلا أعين، وكانت مكة تلك السنة مخصبة. انتهى بالمعنى. وكان عمر بن عبد العزيز كثير الفضائل والمناقب، ولذلك عهد إليه بالخلافة، ابن

стр. 2123

عمه سليمان بن عبد الملك بن مروان متكرّها، واستمرّ عليها حتى مات فى رجب سنة إحدى ومائة، بدير سمعان من أرض المعرة، ودفن هناك وله أربعون سنة، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأياما، كمدّة خلافة الصديق رضى الله عنه، وهو خامس الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم، وكان أبيض جميلا، نحيف الجسم، حسن اللحية، بجبهته أثر حافر فرس شجه وهو صغير، وكان يقال له أشجّ بنى أمية، ولما حفظ القرآن فى صغره، بعث به أبوه من مصر إلى المدينة، فتفقه فيها حتى بلغ رتبة الاجتهاد. روى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن جعفر بن أبى طالب، وسعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وأبى سلمة بن عبد الرحمن، وجماعة، وأرسل عن عقبة بن عامر، وخولة بنت حكيم. روى عنه: الزهرى، وأيوب، وابن المنكدر، ويحيى بن سعيد الأنصارى، وغيرهم. حتى إن أبا سلمة، روى عنه. روى له الجماعة. وأمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأخبار عمر بن عبد العزيز وفضائله كثيرة مشهورة. ٢١٨٠ ـ عمر بن عبد المجيد بن عمر بن حسين القرشى العبدرى، تقى الدين أبو حفص، المعروف بالميانشىّ: نزيل مكة وشيخها وخطيبها، لقى بالإسكندرية أبا عبد الله محمد بن أحمد الرازى، وفرّط فيه، لأنه لم يأخذ عنه إلا سداسيّاته، تناولها منه، وسمع من أبى عبد الله محمد بن على بن عمر المازرىّ، كتابه «المعلم بفوائد مسلم»، وبمكة من أبى العباس أحمد بن معد ابن الأقليشىّ، كتابيه «النجم» و «الكوكب»، ومن أبى القاسم الكروخى «جامع الترمذى» ومن أبى المظفر محمد بن على الشيبانى الطبرى قاضى مكة. روى عنه خلق، منهم: ابن أبى الصيف، وابن أبى حرمىّ، والصّدر البكرى، وهو خاتمة أصحابه. ذكره منصور بن سليم فى «تاريخ الإسكندرية» وقال: المالكى، وترجمه بالفقيه، وذكر أن من تواليفه «المجالس المكية» و «إيضاح ما لا يسع المحدث جهله» وكتاب «الروضة، فى الرقائق». وذكر أنه حدث بمصر وبمكة، وصار خطيبا بها، وكان عالما ورعا ثقة، أخذ عنه العلم خلق كثيرون. انتهى.

стр. 2124

وذكره الذهبى فى تاريخ الإسلام، وترجمه بشيخ الحرم، وقال: كان محدثا متقنا صالحا. انتهى. وقد روى فى كتابه «المجالس المكية» أحاديث باطلة، وسكت عليها، لشهرة رواتها بالكذب. توفى فى جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بمكة، هكذا أرخ وفاته المنذرى فى «التكملة» والذهبى. وذكر ابن مسدى فى أثناء ترجمة سليمان بن خليل العسقلانى، سبط الميانشى، أنه توفى سنة ثلاث وثمانين، كذا وجدت بخط الحافظ أبى الفتح بن سيّد الناس، فيما انتخبه من معجم ابن مسدى، وهذا هو الصواب والله أعلم، لأن فى حجر قبره فى المعلاة: أنه توفى لتسع من المحرم ليلة عاشوراء، من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. ووجدت بخط الشيخ عبد الله بن خليل المالكى: الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المجيد الصفراوى، سمع من قاضى الحرمين أبى حفص الميانجىّ، لقيه بمكة، سمع عليه فى شهور سنة سبع وسبعين وخمسمائة جامع الترمذى، عن الكروخى، وكتاب «المعلم» فى ذى الحجة من سنة التاريخ. انتهى. وهذا يدل على أمرين، أحدهما: أن أبا حفص الميانشىّ، يقال له: الميانجىّ، ولا يقال إنه غيره، لأنه كان بمكة فى هذا التاريخ، يروى الكتابين المذكورين، والثانى: أنه ولى قضاء الحرمين، وهذا عجيب، وقد تقدّم أنه خطيب مكة. أنشدنى أبو هريرة عبد الرحمن ابن الحافظ أبى عبد الله الفارقىّ إذنا، عن القاضى سليمان بن حمزة إجازة، والقاسم بن مظفر محمود بن عساكر الطبيب إجازة، إن لم يكن سماعا، أن الحافظ أبا الفتح عمر بن محمد الأمينى، أنبأهما قال: أنشدنا عبد الواحد، يعنى ابن إسماعيل بن إبراهيم العسقلانى، قال: أنشدنى جدى لأمى الإمام عمر بن عبد المجيد الميانشى لنفسه [من الطويل]: سألت طبيبى عن دوائى فقال لى ... تموت فتنجو أو تعيش فتسلما فإن متّ من وجدى ظفرت بجنتى ... وإن عشت محزونا كتبت محسّنا كذا سيرتى فى أهل ودى وصفوتى ... فإن كنت تعشقنا تأهب لقربنا فقلت مليكى ليس لى ما أريده ... فجد لى بعفو منك يا غاية المنى ومن الفوائد المنقولة عنه: أن الحجر الناتئ فى الدار المقابلة للدار التى تنسب لأبى

стр. 2125

بكر الصديق رضى الله عنه، فى الزقاق المعروف بزقاق الحجر بمكة، كان يكلّم النبىصلى الله عليه وسلم، وقد ذكر ذلك عن الميانشى خطيب سبتة، الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر ابن محمد بن عمر بن رشيد ـ بضم الراء ـ الفهرى فى رحلته، لأنه ذكر أن ممن لقى بمكة، فقيهى الحرم: الرضى محمد بن أبى بكر بن خليل، وأخاه العلم أحمد، ثم قال: فلما زرناهما، جزنا بالطريق ـ طريق دارهما ـ بحجر يتبرّك به الناس بالتمسّح به، فسألت عنه علم الدين، فقال: أخبرنى عمى سليمان قال: أخبرنى محمد بن إسماعيل بن أبى الصيف، قال: أخبرنى أبو حفص الميانشى قال: أخبرنى كلّ من لقيته بمكة، أن هذا الحجر، هو الذى كلمّ النبى ﷺ . وهذا الحجر المذكور الذى مررنا به، هو الذى بجهة باب النبى ﷺ ، أمام دار أبى بكر رضى الله عنه، بارزا هنالك عن الحائط قليلا. انتهى. وهذا الحجر إن صح كلامه للنبى ﷺ ، فلعله الحجر الذى عناه النبى ﷺ فى قوله: «إنى لأعرف حجرا بمكة، كان يسلمّ علىّ ليالى بعثت». انتهى بالمعنى. وقد اختلف فى هذا الحجر، فقيل هو الحجر الأسود، وقيل حجر غيره بمكة، ولعله هذا والله أعلم. وباب النبىّ ﷺ الذى أشار إليه ابن رشيد، هو باب المسجد الحرام، المعروف بباب الجنائز، ونسب إلى النبى ﷺ ، لكونه فى طريقه إلى منزله، دار خديجة بنت خويلد رضى الله عنها، وهى بقرب الدار المشار إليها. ٢١٨١ ـ عمر بن أبى عبيدة بن الفضيل بن عياض التميمى اليربوعى: ما عرفت من حاله، سوى أنه مدفون فى قبر جده الفضيل بن عياض بالمعلاة، لأن فى حجر قبره مكتوبا: هذا قبر الفضيل بن عياض وولده أبى عبيدة، وولد ولده عمر بن أبى عبيدة. ٢١٨٢ ـ عمر بن عطاء بن أبى الخوار الهاشمى مولاهم المكى: روى عن عبد الله بن عباس، والسائب بن يزيد، وعبيد بن جريج، وعبد الله بن عياض، وعطاء بن بخت، ونافع بن جبير. روى عن إسماعيل بن أمية، وابن جريج. روى له مسلم (١)، وأبو داود (٢).

стр. 2126

قال يحيى بن معين، وأبو زرعة: هو ثقة. قال الذهبى: وبعضهم كذبه، ولم يصحّ.

стр. 2127

٢١٨٣ ـ عمر بن عكرمة بن أبى جهل بن هشام المخزومى: ذكره هكذا الذهبى، وقال: قتل باليرموك، وقيل بأجنادين. ٢١٨٤ ـ عمر بن على بن إبراهيم الحلوىّ الأصل المكى: كان من أعيان تجار مكة، وفيه خير. توفى فى العشرين من شهر رجب سنة خمس وستين وسبعمائة، ودفن بالمعلاة. والحلوىّ بحاء مهملة، نسبة إلى حلى (١) ابن يعقوب. ٢١٨٥ ـ عمر بن على بن رسول ـ واسم رسول فيما قيل: محمد ـ بن هارون بن أبى الفتح بن نوحى بن رستم التركمانى الغسانى، من ذرية جبلة بن الأيهم، الملك المنصور، نور الدين أبو الفتح: صاحب اليمن ومكة. قيل إن جدّه محمد بن هارون، كان بعض الخلفاء العباسيين يأنس به، فرفع بينه وبينه الحجاب، واختصه برسالته إلى الشام وإلى مصر، فعرف برسول، وترك اسمه الحقيقى، لاشتهاره برسول، حتى صار لا يعرفه بذلك إلا النادر من الناس، ثم انتقل من العراق إلى الشام، ومن الشام إلى مصر، فيمن معه من أولاده، ولايم جماعة من بنى أيوب بمصر لما ملكوها، فرأى بعض بنى أيوب، إرسالهم إلى اليمن لنبلهم، وكره ذلك بعض بنى أيوب، خيفة من تغلبهم على اليمن، ثم أجمعوا على تسييرهم إلى اليمن، صحبة الملك المعظم توران شاه بن أيوب، أخى صلاح الدين يوسف بن أيوب، بعد أن استحلفهم له أخوه صلاح الدين بن أيوب، وأوصاهم بحسن صحبته، والنصح له، فساروا معه إلى اليمن، ثم إن الملك المسعود بن الملك الكامل بن الملك العادل أبى بكر ابن أيوب، بعد ملكه اليمن، ولّي نور الدين عمر بن على بن رسول، صاحب هذه الترجمة، الحصون الوصابيّة، وأقام فيها مدة، ثم ولّاه مكة المشرفة، بإثر ملكه لها، ورتب معه فيها ثلاثمائة فارس على ما قيل، وقصد حسن بن قتادة مكة، بجيش جاء به معه من ينبع، فخرج إليه نور الدين وقاتله، وكسر نور الدين حسن بن قتادة، وأقام نور الدين

стр. 2128

على ولاية مكة مدة، وفى مدة ولايته لمكة، عمّر المسجد الذى أحرمت منه أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، بعد حجها مع النبى ﷺ ، وهذا المسجد بالتّنعيم، وهو المسجد الذى يقال له مسجد الهليلجة. وعمارته لهذا المسجد، فى سنة تسع عشرة وستمائة، وعمّر فى ولايته على مكة أو فيما بعدها، الدّار التى يقال لها دار سيدنا أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فى الزقاق المعروف بزقاق الحجر، وتاريخ عمارته لها فى المحرم سنة ثلاث وعشرين وستمائة، واستناب الملك المسعود نور الدين، هذا على بلاد اليمن، لما توجه منها قاصدا الديار المصرية، فى نصف رمضان سنة عشرين وستمائة، نيابة عامة، خلا صنعاء، فإنه استناب فيها بدر الدين حسن بن على بن رسول، أخا نور الدين هذا، وجرى بين نور الدين وبين مرغم الصوفى، لما دعا إلى نفسه، حرب، غلبه فيه نور الدين، ولما عاد الملك المسعود من الديار المصرية، قبض على نور الدين فيما قيل، وعلى أخيه حسن، وأخيه فخر الدين أبى بكر، وشرف الدين موسى، تخوفا منهم، لما ظهر منهم من النجابة فى غيبته، فإن نور الدين غلب مرغما كما ذكرنا، وبدر الدين غلب الشريف عز الدين محمد بن الإمام المنصور عبد الله بن حمزة، وبعث بهم إلى الديار المصرية مستحفظا بهم، خلا نور الدين، فإنه على ما قيل أطلقه من يومه، لأنه كان يأنس به كثيرا، واستخلفه وجعله أتابك عسكره، فلما عزم الملك المسعود على التوجّه من اليمن، إلى الديار المصرية والشامية، استناب نور الدين هذا مرة ثانية على جميع البلاد، وقال له: إن متّ، فأنت أولى بملك اليمن من إخوتى، لخدمتك لى ونصحك لى، وإن عشت فأنت على حالك، وإياك أن تترك أحدا من أهلى يدخل اليمن، ولو جاء الملك الكامل والدى مطويا فى كتاب. وسار الملك المسعود إلى مكة، فمات بها. فلما بلغ نور الدين خبر موته، أضمر الاستقلال بملك اليمن، وأظهر أنه نائب للملك المسعود، ولم يغيّر سكّة ولا خطبة، وجعل يولّى فى الحصون والمدن من يثق به، ويعزل من يخشى منه خلافا، ويعمل على من ظهر منه عصيان، حتى يقتله أو يأسره، ولما استوسق له الأمر فى البلاد التهامية، واستقرت قواعده فيها، قصد حصن تعز فحاصره حتى أجهد أهله، بحيث إنهم ابتاعوا حنطة بثلاثين ألف دينار ملكية، وذلك فى سنة ست وعشرين وستمائة. وفى سنة سبع وعشرين، تسلّم حصن التّعكر (١) وحصن خدد (٢)، وتسلم صنعاء

стр. 2129

وأعمالها، واستناب بها ابن أخيه أسد الدين محمد بن الأمير بدر الدين حسن، ثم سلم إليه الأمير نجم الدين أحمد بن زكى، براش، لما اضطرب أمره، حين حاصره فيها نور الدين. فلما كان سنة تسع وعشرين وستمائة، دعا نور الدين إلى نفسه، وأمره بالخطبة له والسّكّة، وقيل إن ذلك كان فى سنة ثلاثين. وفى سنة إحدى وثلاثين، بعث إلى الخليفة المستنصر العباسى، والد الخليفة المستعصم أبى أحمد عبد الله، خاتمة خلفاء بنى العباس، الذى يترّحم عليه خطباء اليمن على منابرهم، هدية عظيمة وسأله أن يقلده بلاد اليمن، ويكتب له بذلك، ويرسل به إليه تقليدا وخلعة، فعاد إليه الجواب، بأن التشريف والتقليد، يصل إليه فى عرفة، فخرج من اليمن على النّجب يريد الحج، فحجّ، فلم يصله شئ، ورجع إلى اليمن، وهو متغير من راجح بن قتادة، لكونه لم يواجهه لما حج وفر منه. ولما وصل إلى اليمن، وصله ما طلبه من الخليفة، فى سنة اثنتين وثلاثين فى البحر على طريق البصرة، مع رجل يقال له معالى، والسلطان نور الدين فى الجند، فصعد الرسول المنبر، وقال: يا نور الدين! الديوان السعيد يقريك السّلام، ويقول: قد تصدّقنا عليك باليمن، وألبسه الخلعة على المنبر. ولم يزل نور الدين يستزيد فى الولايات، حتى ملك من عدن إلى عيذاب، وكان المقوّى له على طلب السلطنة، إشارات من صاحبى عواجة، الشيخ البجلى والفقيه الحكمىّ، ومنامات رآها، منها المنام الذى أشرنا إليه، وجرى بينه وبين الملك الكامل، والد الملك المسعود حروب بسبب مكة، وجرى ذلك بينه وبين الملك الصالح، بن الملك الكامل أخى الملك المسعود. وأوّل ملكه لمكة، فى سنة تسع وعشرين وستمائة، وذلك أنه بعث فى هذه السنة إلى مكة، أميرا يقال له ابن عبدان، مع الشريف راجح بن قتادة، وبعث معهما خزانة كبيرة، فنزلوا الأبطح وحصروا الأمير الذى بمكة من جهة الملك الكامل، وكان يقال له ظغتكين، وأرسل الشريف راجح بن قتادة إلى من مع طغتكين، وذكرهم إحسان نور الدين إليهم، أيام ولايته على مكة، نيابة عن الملك المسعود، فمال إليه رؤساؤهم، فلما أحسن بذلك طغتكين، هرب إلى ينبع، وعرف الملك الكامل الخبر، فجهز جيشا كثيفا

стр. 2130

من مصر، وأمر الشريف أبا سعد صاحب ينبع، والشريف شيحة أمير المدينة، أن يكونا مع عسكره، ففعلا. فلما وصل العسكر إلى مكة، قاتلوا راجحا وابن عبدان، فقتل ابن عبدان، وانكسر أهل مكة، واستولى عليها طغتكين، وأظهر حقده فى أهلها. فلما كانت سنة إحدى وثلاثين، أرسل السلطان نور الدين، عسكرا جرارا وخزانة عظيمة، إلى راجح بن قتادة، فنهض راجح بمن معه من العسكر المنصورى، وأخرجوا من بمكة من عسكر صاحب مصر. فلما كانت سنة اثنتين وثلاثين، أرسل السلطان نور الدين بخزانة كبيرة، إلى راجح بن قتادة، على يد ابن النصيرى، وأمره باستخدام الجند، ليمنعوا العسكر المصرى الواصل إلى مكة من دخولها، فوصل ابن النصيرى إلى راجح، فى وقت لم يمكنه فيه استخدام من يقوى به على مقاومة العسكر المصرى، وكان العسكر المصرى خمسمائة فارس، فيه خمسة من الأمراء، مقدمهم الأمير جفريل، ففر راجح وابن النصيرى إلى اليمن. فلما كانت سنة ثلاث وثلاثين، أرسل السلطان نور الدين عسكرا، مقدمه الشهاب ابن عبدان، ومعه خزانة إلى راجح، ليستخدم بها عسكرا، ففعل. فلما صاروا قريبا من مكة، جهز إليهم العسكر المصرى، فالتقوا بمكان يقال له الخريقين، بين مكة والسّرّين، فانهزمت الأعراب، وأسر ابن عبدان، وبعث به جفريل إلى الديار المصرية مقيدا. فلما كانت سنة خمس وثلاثين، توجه السلطان نور الدين إلى مكة فى ألف فارس، وأطلق لكل جندى يصل إليه من أهل مصر المقيمين بمكة، ألف دينار وحصانا وكسوة، فمال إليه كثير من الجند، فأرسل إليه راجح بن قتادة، فواجهه فى أثناء الطريق، وحمل إلى راجح النقّارات والكؤوسات، واستخدم من أصحابه ثلاثمائة فارس، وسار راجح مسايرا للسلطان على الساحل، ثم تقدم إلى مكة، فلما تحقق جفريل وصول الملك المنصور، أحرق ما كان معه من الأثقال، وتقدم إلى الديار المصرية، فبعث راجح إلى السلطان يخبره الخبر وهو بالسّرّين، فبشره بذلك، فقال له السلطان: من أين جئت؟ قال: من مكة، قال: ومتى خرجت من مكة؟ قال: أمس العصر، قال له: ما أمارة ذلك؟ قال: هذا كتاب من الشريف راجح، فكثر تعجب السلطان من سرعة سيره، وأمر السلطان الأمراء والمماليك، أن يخلعوا عليه ما كان عليهم من الثياب، فخلعوا عليه ما أثقله. وسار السلطان من فوره إلى مكة، فدخلها معتمرا فى شهر رجب، وتصدق فى مكة

стр. 2131

بأموال جزيلة، وأنفق على عساكره، وجعل فيها رتبة مائة وخمسين فارسا، وجعل عليهم ابن الوليدى وابن التعزى، وفى هذه الوقعة يقول الأديب جمال الدين محمد بن حمير يمدح الملك المنصور بقصيدة، منها [من البسيط]: من ذا يلوم أميرا فرّ من ملك ... لا ذاك ذاك ولا كالخنصر العضد ولم يزل عسكر المنصور بمكة، حتى خرجوا منها فى سنة سبع وثلاثين، لما وصل الأمير شيحة صاحب المدينة إلى مكة، فى ألف فارس، من جهة صاحب مصر. ثم إن السلطان نور الدين، جهّز ابن النصيرى والشريف راجحا إلى مكة فى عسكر جرار، فلما سمع بهم شيحة وأصحابه، خرجوا من مكة هاربين، فتوجّه شيحة إلى مصر قاصدا صاحبها الملك الصالح نجم الدين أيوب، فجهز معه عسكرا، فوصلوا إلى مكة فى سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وحجّوا بالناس. فلما كانت سنة تسع وثلاثين، جهّز السلطان نور الدين جيشا كثيفا إلى مكة، فلما علم بهم العسكر المصرى الذى بمكة، كتبوا إلى ملكهم صاحب مصر، يطلبون منه نجدة، فأرسل إليهم مبارز الدين على بن الحسين بن برطاس، وابن التركمانى، فى مائة وخمسين فارسا، فلما علم بذلك عسكر صاحب اليمن، عرفوه الخبر، وأقاموا بالسرين، فتجهز السلطان بنفسه إلى مكة، فى عسكر جرار، فلما علم المصريون بقدومه، خرجوا هاربين، وأحرقوا ما فى دار السلطنة بمكة، فدخلها السلطان نور الدين، وصام بها شهر رمضان، وأرسل السلطان نور الدين إلى أبى سعد صاحب ينبع، فلما أتاه أكرمه وأنعم عليه واستخدمه، واشترى منه قلعة ينبع، وأمر بخرابها، حتى لا تبقى قرارا للمصريين، وأبطل السلطان نور الدين من مكة سائر المكوسات والجبايات والمظالم، وكتب بذلك مربّعة، وجعلت قبالة الحجر الأسود، ورتّب فى مكة مملوكه الأمير فخر الدين الشلاح وابن فيروز، وجعل الشريف أبا سعد بالوادى مساعدا لعسكره الذين بمكة ولم تزل مكة فى ولاية الملك المنصور، وبها نوابه حتى مات، إلا أن الشريف أبا سعد، تغلب على نائبه ابن المسيب، الذى ولى مكة بعد الشلاح، وأظهر أبو سعد أنه إنما تغلب على ابن المسيب، لما رأى منه من الخلاف فى حق الملك المنصور. وممّا صنعه الملك المنصور من المآثر بمكة: أنه أرسل بقناديل من الذهب والفضة للكعبة، فى سنة اثنتين وثلاثين، على يد ابن النصيرى، وعلق القناديل فيها، وعمر بها المدرسة التى له بالجانب الغربى من المسجد الحرام، ملاصقة لمدرسة الزنجيلى، وتاريخ عمارتها سنة إحدى وأربعين وستمائة.

стр. 2132

وذكر الجندى: أن ملوك الأرض غبطوه على هذه المدرسة. وله مدارس أخر باليمن، منها مدرستان أنشأهما بمغربة تعز: الوزيرية، والغرابية ـ فالوزيرية سميت بمدرس كان بها، يقال له الوزيرى، والغرابية سميت بمؤذن كان بها يقال له الغراب ـ ومدرسة بعدن. وأما المساجد، فلا تكاد تحصى على ما قيل، وكان فى بدايته حنفى المذهب، ثم صار شافعيّا. وسبب انتقاله إلى مذهب الشافعى على ما قيل، أنه رأى النبىصلى الله عليه وسلم، فقال له: يا عمر! صر إلى مذهب الشافعى، أو كما قال. فأصبح ينظر فى كتب الشافعى ويعتمد مذهبه، وكان ذا هيبة، شجاعة وإقدام وحزم وعزم، دانت له البلاد والعباد، وأدرك فى نفسه المراد. وقضى الله له بالشهادة، وذلك أنه توفى مقتولا فى ليلة السبت، تاسع ذى القعدة، سنة سبع وأربعين وستمائة بقصر الجند، قتله مماليكه بتشجيع ابن أخيه الأمير أسد الدين محمد بن الحسن فيما قيل: لكون عمه أراد عزله من صنعاء، وكانت إقطاعه، ليولّيها الملك المنصور لابنه الملك المظفر يوسف. وأخباره كثيرة، وسيرته شهيرة، وقد أتينا على عيون منها كافية، ونسأل الله تعالى أن يختم لنا بخير وعافية، ولا منافاة بين نسبته إلى غسّان، ونسبته إلى التركمان، لأنه يجوز أن يكون أحد أجداده، نزل فى بلاد التركمان، فنسب إليهم، وسرت هذه النسبة إلى أولاده من بعده، والله أعلم. ٢١٨٦ ـ عمر بن على بن عمر الهيثمى السحولى: نزيل مكة. سمع بمكة على الآقشهرى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، بقراءة إبراهيم بن يونس البعلبكّىّ، فى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، وكان صالحا خيرا، جاور بمكة سنين، وتزوج فى مكة بامرأة من أهلها، يقال لها عائشة [ ..... ] (١) الزاهدية، فولدت له شيخنا أبا الطيب محمد بن عمر السحولى السابق ذكره وخبره، وكان جدّى القاضى أبو الفضل يشكره لمرافقته له فى رحلته، وكانت رحلة القاضى أبى الفضل من مكة فى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وغاب عنها سنة أربعين وسبعمائة، فاستفدنا من هذا حياة عمر فى هذا التاريخ، وأظنّه مات بعد ذلك بكثير، والله أعلم، وبلغنى أنه توفى باليمن.

стр. 2133

٢١٨٧ ـ عمر بن على بن مرشد بن على الحموىّ الأصل، المصرى المولد والدار، أبو حفص، ويقال أبو القاسم، بن أبى الحسن شرف الدين المعروف بابن الفارض، الشاعر المشهور الملقب بسلطان العشاق: ذكره ابن مسدى فى معجمه، وقال: برع فى الأدب، وكان فصيح العبارة، دقيق الإشارة، وقد سمع من أبى محمد القاسم بن على بن عساكر وغيره، وحدث. سألته عن مولده، فقال: فى ذى القعدة من سنة ست وستين وخمسمائة بالمعزية، وتوفى ﵀ بها فى يوم الثلاثاء الثامن من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وقد جاور بمكة مدة، ورجع فانقطع بالجامع الأزهر، وهناك سمعت شيئا عليه من روايته وشعره، قال: وكان أبوه فارضا على يدى الحاكم بمصر، من أهل العلم والطب. وذكره الرشيد العطار فى مشخته، وقال: يعرف بابن المفرّض هكذا، والفارض أصح، كان حسن النظم متوقد الخاطر، وكان يسلك طريق التصوف، وينتحل مذهب الشافعى، والأصل فيه من حماة، أقام بمكة مدة، وصاحب جماعة من المشايخ، ثم عاد إلى بلده وأقام بها إلى أن مات. وذكره الشيخ عبد الله اليافعى فى تاريخه، وذكر له حكاية بليغة فى مبدأ حاله، منها أنه وصل إلى مكة فى الحال مع بعض المشايخ وأقام بها اثنتى عشرة سنة، وفتح عليه، ونظم فيها ديوانه المشهور. ثم قال: ومن المشهور أنه وقع للشيخ الدين السّهروردىّ قبض فى بعض حجّاته، فخطر بقلبه: ترى هل ذكرت فى هذا الموسم؟ فسمع قائلا يقول: من فطيمة فى سوق الغزل! . فأتى إليه الشيخ شرف الدين بن الفارض المذكور فأنشده، وقيل إن الشيخ شهاب الدين، استنشده من قريضه قصيدة، فأنشده قصيدة مفتتحها [من البسيط] (١):

стр. 2134

ما بين معترك الأحداق والمهج ... أنا القتيل بلا ذنب ولا حرج ثم استمر فى إنشادها إلى أن قال [من البسيط] (٢): أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه ... قول المبشّر بعد اليأس بالفرج لك البشارة فاخلع ما عليك لقد ... ذكرت ثمّ على ما فيك من عوج فقام الشيخ شهاب الدين، وتواجد هو ومن عنده من شيوخ الوقت الحاضرين، وكان المجلس عامرا، شيوخ أجلاء وسادة من الأولياء، فخلع عليه هو والحاضرون، فبلغ أربعمائة خلعة. انتهى. وذكره الذهبى فى الميزان، وقال: ينعق بالاتحاد الصريح فى شعره، وهذه بلية عظيمة، فتدبّر نظمه ولا تستعجل، ولكنك حسن الظن بالصوفية، وما ثم إلا زىّ الصوفية، وإشارات مجملة، وتحت الزى والعبارة، فلسفة وأفاعى، فقد نصحتك، والله الموعد. انتهى. وذكره فى العبر فقال: حجّة أهل الوحدة، وحامل لواء الشعراء. وسئل عنه شيخنا العلامة المحقق الحافظ أبو زرعة أحمد بن الحافظ زين الدين بن الحسين العراقى، فقال: وأما ابن الفارض، فالاتحاد فى شعره ظاهر، وأمرنا أن نحكم بالظاهر، وإنما يؤوّل كلام المعصومين. انتهى باختصار. وسئل عنه شيخنا الإمام الأصولى البارع، ولىّ الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمى المالكى، قاضى المالكية بالقاهرة، عن ابن عربى الصوفى السّابق ذكره، فذكر من حاله أشياء، واستطرد فى كلامه إلى ابن الفارض هذا، لأنه قال فيما أنبأنا به، إذنا مشافهة: وأما حكم هذه الكتب المتضمنة لتلك العقائد المضلة، وما يوجد من نسخها بأيدى الناس، مثل الفصوص، والفتوحات لابن عربى، والبدّ لابن سبعين، وخلع النعلين لابن قسىّ، وعين اليقين لابن برّجان، وما أجدر الكثير من شعر ابن الفارض، والعفيف التلمسانى وأمثالهما أن يلحق بهذه الكتب، وكذا شرح ابن الفرغانى للقصيدة التائية، من نظم ابن الفارض، فالحكم فى هذه الكتب كلها وأمثالها، إذهاب أعيانها متى وجدت، بالتحريق بالنار والغسل بالماء، حتى ينمحى أثر الكتابة، لما فى ذلك من المصلحة العامة فى الدين، بمحو العقائد المضلة. إلى آخر كلامه السابق فى ترجمة ابن عربى.

стр. 2135

أنشدنا الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن إسماعيل الطبرى، إذنا عن قريبه الإمام رضىّ الدين أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطبرى، قال: أنشدنا الحافظ محمد ابن يوسف بن مسدىّ، إجازة، إن لم يكن سماعا، قال: أنشدنا أبو القاسم المفرض لنفسه [من الطويل] (٣): أخذتم فؤادى وهو بعضى فما الذى ... يضرّكم لو كان عندكم الكلّ وماذا عسى عنّى يقال سوى غدا ... بنعم له شغل نعم لى بها شغل إذا أنعمت نعم علىّ بنظرة ... فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل ومن لم يجد فى حبّ نعمى بنفسه ... وإن جاد بالدنيا إليه انتهى البخل ومن هذه القصيدة مما لم يروه، وهو (٤): فإن شئت أن تحيى سعيدا فمت به ... شهيدا وإلا فالغرام له أهل فمن لم يمت فى حبه لم يعش به ... ودون اجتناء النّحل ما جنت النّحل ومنها وما أحسنه: نصحتك علما بالهوى والذى أرى ... مخالفتى فاختر لنفسك ما يحلو ٢١٨٨ ـ عمر بن قيس المكىّ، ويعرف بسندل أخو حميد بن قيس القارى: روى عن عطاء بن أبى رباح، وعمرو بن دينار، والزهرى، ونافع، ومولى عمر، وطائفة. روى عنه ابن عيينة، وابن وهب، ومحمد بن بكر البرسانى، وآخرون، منهم: الأوزاعى، وهو من أقرانه، وعمرو بن قيس الرازى. روى له ابن ماجة (١).

стр. 2136

ضعفه ابن معين وغيره. وقال أحمد والنسائى: متروك. وقال البخارى: منكر الحديث. ٢١٨٩ ـ عمر بن أبى ليلى المكى: يروى عن محمد بن كعب. روى عنه أهل الحجاز. ذكره ابن حبّان هكذا فى الطبقة الثالثة من الثقات. ٢١٩٠ ـ عمر بن محمد بن أحمد بن منصور، بهاء الدين الهندى الحنفى: نزيل الحرم النبوى. كان عالما بالفقه والأصول والعربية، مع حلم وأدب، وعقل راجح وحسن خلق، جاور بالمدينة مدّة، وحجّ فى سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، فسقط عن مركوبه إلى الأرض، فيبست أعضاؤه وبطلت حركته، وحمل إلى مكة، وتأخر عن الحج، ولم يقم بعده إلا قليلا، وانتقل إلى رحمه الله تعالى. ذكره ابن فرحون فى كتابه «نصيحة المشاور». ومنه لخصت هذه الترجمة، إلا أنه لم يقل: وسبعمائة، بعد سنة ثمان وخمسين، ولابدّ من ذلك، وإنما تركه لوضوحه فى كتابه. ٢١٩١ ـ عمر بن محمد بن أبى بكر بن على بن يوسف الأنصارى الذّروىّ الأصل، المكىّ المرشدىّ المعروف بابن الجمال المصرى، يلقب بالشجاع: عنى بالعلم قليلا وبالتجارة، وسافر لأجلها إلى بلاد شتّى، وكان ينسخ، وليس بخطه بأس، وتردّد إلى مكة للحج والتجارة غير مرّة، منها فى سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، وكان قد أودع شيئا من دنياه مع بعض المسافرين، ففات غرقا، فعظم أسفه عليه، وتعلّل لأجل ذلك، حتى مات فى يوم الخميس السابع والعشرين من ذى الحجة، من سنة ثلاث

стр. 2137

وعشرين وثمانمائة بمكة المشرفة، ودفن بالمعلاة، وهو فى عشر الأربعين أو بلغها. ٢١٩٢ ـ عمر بن محمد بن أبى بكر بن ناصر بن أحمد العبدرى الشيبى الحجبى المكى، يلقب بالسراج: إمام الحنفية بمكة، ولى ذلك بعد أبى الفتح الحنفى، فى سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، حتى مات فى آخر ذى القعدة سنة تسع وسبعين وسبعمائة بخليص، وهو قادم إلى مكة، فحمل إلى مكة صحبة الرّكب، ودفن بالمعلاة عند والده، فى العشر الأول من ذى الحجة، وولى الإمامة بعده الشيخ شمس الدين محمد الخوارزمى، المعروف بالمعيد، السابق ذكره، وكان قرأ على المعيد فى العربيّة، وعلى الشيخ ضياء الدين الهندى فى الفقه، وسمع من الشيخ خليل، ومولده فى أوائل جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وصاهر القاضى شهاب الدين بن ظهيرة، على ابنته أم الحسين. ٢١٩٣ ـ عمر بن محمد بن على بن عطية، يكنى أبا حفص بن أبى طالب المكى: ذكره الخطيب فى تاريخ بغداد، وقال: سمع أباه، وأبا حفص عمر بن شاهين، ويوسف بن القواس، كتبت عنه وكان صدوقا، سكن ناحية باب الطاق، سألته عن مولده فقال: فى سنة ست وستين، وثلاثمائة، ومات فى شهر ربيع الآخر، سنة خمس وأربعين وأربعمائة. انتهى. ٢١٩٤ ـ عمر بن محمد بن على بن فتّوح، سراج الدين أبو حفص الشافعى المقرى الدمنهورى: نزيل مكة. سمع من الشريف موسى بن على بن أبى طالب الموسوى: الموطأ، رواية يحيى بن بكير، وعلى أبى العباس الحجّار، ووزيرة بنت المنجّا: صحيح البخارى، وعلى حسن بن عمر بن على الكردى: مسند الدارمى، وعلى جماعة بالقاهرة وبدمشق، على النجم محمد بن محمد بن عبد القاهر العسقلانى: الموطأ، رواية يحيى بن أبى مصعب، وعلى جماعة بدمشق وبمكة، على الرضى الطبرى: صحيح ابن حبان، وتفقه على جماعة، منهم العلامة نور الدين على بن يعقوب البكرى. وأذن له فى الإفتاء جماعة من الأكابر، آخرهم العلامة شمس الدين الأصفهانى، وقرأ

стр. 2138

على قاضى القضاة علاء الدين القونوىّ: مختصر ابن الحاجب، وعلى قاضى القضاة جلال الدين القزوينى: التلخيص فى علم المعانى والبيان، وصحبه مدة، واستفاد منه وعظم به، وأخذ العربية عن الإمام شرف الدين محمد بن على الحسنى الشاذلى، وأقرأ القراءات على شمس الدين بن الشوّاء، ثم قرأ أيضا على التقى الصايغ وغيره، وحدث وأفتى ودرّس وأقرأ، وانتفع به جماعة، وجاور بمكة مدة، وتأهّل فيها إلى أن مات بها، فى شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، ودفن بالمعلاة. ومولده بعد الثمانين وستمائة. نقلت مولده ووفاته وشيوخه فى العلم، من ذيل طبقات القراء للذهبى، الظاهر أنه من إملاء العفيف المطرى، وقال: أقرأ القراءات، بالحرمين الشريفين وأفاد، وكان ضنينا بعلمه، وخلّف جملة من الكتب والدنيا، ولم يعمل فيها خيرا، وهلكت بعده، [فلم] (١) ينتفع به ولا بها، سامحه الله وغفر له. وهكذا ذكر وفاته شيخنا ابن سكر فيما وجدت بخطه، وذكر أنه توفى فى يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المذكور، أعنى شهر ربيع الأول، ودفن فى عصر يومه بالمعلاة، قريبا من الفضيل بن عياض، وذكر شيخنا الحافظ العراقى، أنه توفى فى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بمكة، وهذا وهم، وقال: برع فى النحو والقراءات والحديث والفقه، وكان جامعا لعلوم. وقرأت عليه عشر ختمات، لأبى عمرو وابن كثير ونافع، وعنه أخذت النحو. وذكر لى شيخنا أبو بكر بن قاسم بن عبد المعطى، أنه قرأ عليه ختمات، لهؤلاء ولابن عامر، وأنه تزوج رقية بنت الإمام شهاب الدين الحنفى، وكان لجدى به خصوصية، وكذلك الضياء الحموى، واستولى الضياء على تركته لأنه أوصى إليه، وقد حدثنا شيخنا الإمام أبو اليمن الطبرى عنه. ٢١٩٥ ـ عمر بن محمد بن عمر بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن ميمون التوزرى الإمام أبو البركات القسطلانى المكى: إمام مقام المالكية بالحرم الشريف. سمع بالحرم الشريف من أبى عبد الله بن أبى الفضل المرسى: الجزء الثانى والثالث والرابع من صحيح مسلم، من تجزئة أربعة، وأظنّه سمع الجزء الأول، إلا أنّى لم أجد سماعه له، والسماع بقراءة الفقيه سليمان بن خليل، فى

стр. 2139

ذى القعدة سنة تسع عشرة وستمائة، وبخط عبد الله بن محمد بن أبى بكر الطبرى، وترجمه: بالفقيه الإمام، إمام مقام المالكية. ولم أتحقق متى كانت ولايته للإمامة، لأنّى وجدت بخط الجدّ أبى عبد الله الفاسى، ورقة ذكر فيها وفاته ومولده: وأخبرنى أبو المعالى محمد بن شيخنا أبى بكر محمد بن أحمد القسطلانى، وهو ابن ابنته، أنه صلّى فى مقام المالكية سنة ست عشرة وستمائة. ووجدت بخط جدى على بن أبى عبد الله الفاسى أنه ولى الإمامة فى سنة أربع عشرة، بعد امتناعه منها، وإكراهه عليها، والله أعلم بالصواب. وكانت وفاته بين الظهر والعصر، من يوم الأربعاء رابع صفر سنة أربع وأربعين وستمائة بمكة، ومولده فى السابع عشر من شوال، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، كذا وجدت بخط الجد أبى عبد الله، وذكر أنه وجد ذلك بخط شيخه أبى بكر القسطلانى، يعنى قطب الدين، ووجدت أنا ذلك بخط أبى بكر المذكور. وأخبرنى شيخنا عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى، أن الإمام تقىّ الدين القسطلانى، كان يحفظ «الجواهر» لابن شاس، وأنه كان جالسا عند سيدى الشيخ خليل المالكى، فجاء إليه شيخنا شمس الدين بن سكر بشيء ترجمه فيه وترجم أباءه، وقرأ ذلك عليه، فلما وصل إلى تراجم الإمام أبى البركات عمر هذا، قال الشيخ خليل: إنه فوق ذلك. انتهى. ومن المشهور أن شيخنا ابن سكر، يبالغ غالبا فى ألقاب آحاد الناس، فما بالك بالإمام أبى البركات عمر القسطلانى على جلالة قدره! ومن المعلوم ورع الشيخ خليل المالكى، رحمهم الله تعالى ونفعنا بهم. أنشدنى غير واحد من شيوخى إذنا، عن الحافظين: قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبى، وأبى الفتح محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمرىّ، إجازة إن لم يكن سماعا، قالا: أنشدنا الإمام قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن القسطلانى، إمام المالكية بمكة المشرفة، قال: أنشدنا أبو الحسين بن جبير الكيلانى [من الكامل]: نزل البلاء بجسم كلّ من هو ... متفلسف فى دينه متزندق بالمنطق اشتغلوا فقيل حقيقة ... إن البلاء موكل بالمنطق نقلت هذين البيتين من خط جدى أبى عبد الله الفاسى، وذكر أنه وجدهما بخط شيخه أبى بكر القسطلانى، قال: وأظن أنى سمعت منه من غير تحقيق.

стр. 2140

٢١٩٦ ـ عمر بن محمد بن مفرّج القابسى : إمام المالكية بالحرم الشريف. سمع منه أبو بكر يحيى بن سعدون القرطبى، ومن ترجمة يحيى فى تاريخ القطيعى، استفدت ذلك. ٢١٩٧ ـ عمر بن محمد بن مسعود بن إبراهيم النشاوري اليمنى المعروف بالعرابىّ: نزيل مكة. كان ذا خط جيد من الصلاح والخير، وللناس فيه اعتقاد، وكان مقصودا بالزيارة والفتوح من أماكن بعيدة، وكان الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة، يعتقده ويزوره كثيرا، ويرجع إليه فى بعض ما يقول، واتفق فى سنة ست وعشرين وثمانمائة، أنه خالف صاحب هذه الترجمة فيما ذكره له، فتأثر لذلك خاطر الشيخ عمر، وأفهم أنه يتغير حال الشريف حسن فى ولايته، فبلغ ذلك الشريف حسنا، فأتاه مستعطفا له، وسائلا له فى أن لا يتغير عليه حاله، فقال له: فات الأمر، فقدّر أن الشريف تخوف من الأمراء الذين قدموا للحج فى السنة المذكورة، ولم يجتمع بهم، ومضوا لمصر وبعضهم عليه متغير، وحصل فى خاطر السلطان بمصر ما قوّى حنقه على الشريف حسن، فعزله عن إمرة مكة، بالسيد نور الدين على بن عنان، وجهز معه عسكرا من الترك، فتسلموا مكة فى جمادى الأولى من سنة سبع وعشرين وثمانمائة، بعد أن بان عنها الشريف حسن قبل الموسم من السنة الماضية، وبعد أن بان عنها نوابه، لّما سمعوا باقتراب العسكر من مكة، وقد جاور الشيخ عمر العرابى، بمكة سنين كثيرة، لعلّها تقارب العشرين ومضى منها للمدينة النبوية زائرا غير مرة، آخرها فى سنة ست وعشرين، وسافر فى سنة تسع عشرة وثمانمائة إلى اليمن، وعاد فيها إلى مكة، وأخذ باليمن عن جماعة من الصالحين، منهم الشيخ أحمد الحرضى المقيم بأبيات حسين ونواحيها، كان من جلة أصحابه، ذا حظ من العبادة، منوّر الوجه، حسن الأخلاق والمعاشرة، ابتنى منزلا على المروة قبيل موته بسنين، وبه مات، فى آخر اليوم السابع والعشرين من رمضان، يوم الأربعاء قبيل الغروب، سنة سبع وعشرين وثمانمائة، ودفن بكرة يوم الخميس بالمعلاة، بعد الصلاة عليه، خلف مقام به إبراهيم ﵇، وخرجوا من باب الجنائز بوصية منه، وكثر الازدحام على نعشه، رحمه الله تعالى.
следующие страницы →