الباب التاسع عشر
فى عدد أساطين المسجد الحرام وصفتها، وعدد عقودها وشرفاته، وقناديله وأبوابه وأسمائها ومنايره، وفيما صنع لمصلحته، أو لنفع الناس فيه، وفيما فيه الآن من المقامات، وكيفية صلاة الأئمة بها وحكمها (١).
وأما عدد أساطين المسجد الحرام وغير ما فى الزيادتين ـ فأربعمائة أسطوانة وتسعة وستون أسطوانة فى جوانبه الأربع، وعلى أبوابه من داخله وخارجه تسعة وعشرون أسطوانة. فيصير الجميع أربعمائة اسطوانة وستة وتسعين أسطوانة، بتقديم التاء.
وهذه الأساطين رخام إلا مائة وتسعة وعشرون أسطوانة، فهى حجارة منحوتة، إلا ثلاثة أساطين، فهى آجر مجصص، وفى صحن المسجد حول المطاف أساطين، وهى اثنان وثلاثون أسطوانة.
وأما عدد أساطين زيادة دار الندوة، فستة ستون أسطوانة حجارة منحوتة.
وأما عدد أساطين زيادة باب إبراهيم: فسبعة وعشرون أسطوانة حجارة منحوتة.
وأما عدد طاقات المسجد الحرام التى بجوانبه الأربعة غير الزيادتين، فأربعمائة طاقة وأربعة وثمانون طاقا.
وأما عدد طاقات زيادة دار الندوة: فثمانية وستون طاقا.
وأما عدد طاقات زيادة باب إبراهيم: فستة وثلاثون طاقا، والطاقات هى العقود التى على الأساطين.
وأما عدد شرفاته التى تلى بطن المسجد: فأربعمائة وثلاثة عشر شرفة، وسبعة أنصاف شرافات.
وأما عدد الشرفات التى بزيادة دار الندوة: فاثنان وسبعون شرافة.
وأما عدد الشرفات التى بزيادة باب إبراهيم: فبضع وأربعون شرافة.
وأما عدد قناديله الآن المرتبة فيها غالبا ـ فثلاثة وتسعون قنديلا ـ بتقديم التاء ـ وهى نحو الخمس من عدد قناديله التى ذكرها الأزرقى.
стр. 247
وأما عدد أبوابه: فتسعة عشر ـ بتقديد التاء ـ تفتح على ثمانية وثلاثين طاقا.
وأما أسماؤها الآن: فذكرناها فى أصله، وفى أصل هذا الكتاب زيادة بيان فيما يتعلق بالصلاة على الموتى فى المسجد الحرام، وفى الخروج بهم منه.
وأما عدد منايره: فخمس: أربع فى جوانبه الأربع، والخامسة: بزيادة دار الندوة. وبزيادة باب إبراهيم منارة مهدوم أعلاها: وقد أشار إليها ابن جبير. وأشار إلى منارة أخرى كانت على باب الصفا، ولا أثر لها الآن.
وأما ما صنع فى المسجد الحرام لمصلحته:
فقبة كبيرة بين زمزم وسقاية العباس رضى الله عنه، وكانت موجودة فى القرن الرابع على مقتضى ما ذكر ابن عبد ربه فى العقد.
ومزولة بصحن المسجد يعرف بها الوقت: عملها الوزير الجواد، وتسمى ميزان الشمس.
ومنابر للخطبة. وقد ذكرنا منها جملة فى أصله.
وأول من خطب على منبر بمكة معاوية رضى الله عنه.
والمنبر الذى يخطب عليه الآن بمكة أنفذه الملك المؤيد أبو النصر صاحب مصر فى موسم سنة ثمان عشرة وثمانمائة مع درجة الكعبة الموجودة الآن.
وأما المقامات التى هى الآن بالمسجد الحرام: فأربعة. وهى أسطوانتان من حجارة عليهما عقد مشرف من أعلاها، وفيه خشبة معترضة فيها خطاطيف للقناديل، إلا مقام الخليل: فإنه أربعة أساطين عليها سقف مدهون مزخرف. وكان عمله على هذه الصفة فى آخر سنة إحدى وثمانمائة، وكمل فى أول التى تليها، وكان عمل المقامات الأخرى على ما ذكر فى سنة سبع وثمانمائة رغبة فى بقائها. وما ذكر من صفاتها الآن هى غير صفاتها السابقة.
وقد أفتى جماعة من العلماء من المذاهب الأربعة.
منهم: شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى، وابنه مولانا شيخ الإسلام قاضى القضاة جلال الدين: بوجوب هدم مقام الحنفية المشار إليه لما فيه من الحدث وغير ذلك، ورسم ولى الأمر بهدمه، ثم ترك لمعارضة حصلت فى ذلك.
ومقام الشافعى: يلى مقام إبراهيم.
стр. 248
ومقام الحنفى: يلى الحجر بسكون الجيم.
ومقام المالكى: يلى دبر الكعبة.
ومقام الحنبلى: يلى الحجر الأسود.
وفى أصل هذا الكتاب ذرع ما بين كل مقام والكعبة.
وأما كيفية صلاة الأئمة بها: فإن الشافعى يصلى أولا، ثم الحنفى، ثم المالكى، ثم الحنبلى.
وتقدم الحنفى على المالكى: حدث بعد التسعين وسبعمائة، إلا صلاة المغرب فإنهم يصلونها مجتمعين.
وقد انفرد الشافعى بصلاة المغرب فى أيام الموسم من سنة إحدى عشرة وثمانمائة إلى موسم سنة عشر (١) وثمانمائة.
وأما حكم صلاة الأئمة ما عدا الشافعى على الترتيب الذى يفعلونه، فإن ذلك لا يجوز على ما أفتى به أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الجباب المالكى.
وله فى ذلك تأليف حسن، وأفتى بجواز ذلك شداد بن المقدم، وعبد السلام بن عتيق، وأبو الطاهر بن عوف الزهرى، وهم من فقهاء المالكية بالإسكندرية.
ورد عليهم ابن الجباب ذلك فى تأليفه. ونقل ما يوافق فتواه عن جماعة من الشافعية والحنفية والمالكية.
وفى أصل هذا الكتاب زيادة فوائد فى هذا المعنى.
* * *
стр. 249
الباب العشرون
فى ذكر شيء من خبر زمزم وسقاية العباس رضى الله عنه (١)
أما زمزم فإن أول من أظهرها الأمين جبريل ﵇ سقيا لإسماعيل ﵇ عند ما ظمى، ولو لم تحوض عليه أم إسماعيل كانت عينا تجرى على ما فى البخارى.
وذكر الفاكهى أن الخليل ﵇ حضر زمزم بعد جبريل ﵇ ثم غلبه عليها ذو الفرس وقد غيبت بعد ذلك زمزم لاندراس موضعها، ثم منحها الله تعالى عبد المطلب جد النبىصلى الله عليه وسلم لكرامته، فحفرها بعد أن أعلمت له فى المنام بعلامات استبان له بها موضعها. فلم تزل ظاهرة حتى الآن، وعولجت فى الإسلام غير مرة. وذلك مذكور فى أصله.
وزمزم الآن فى بيت مربع فى جدرانه تسعة أحواض يملأ من زمزم المتوضئ منها.
وأعلا البيت مسقوف ما خلا الموضع الذى يحاذى البئر.
وهذه الصفة تخالف الصفة التى ذكرها الأزرقى فى صفة موضع زمزم.
وفى سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة هدمت ظلة المؤذنين التى فوق البيت الذى فيه زمزم لإفساد الأرضة لها، وسلخ من هذا البيت الجدران الغربى والشامى من أعلاها إلى أسفلها، وبنى ذلك بنورة وحجارة منحوتة وغيرها. وسلخ من أعلا جدر هذا البيت الشرقى إلى عتبة الباب العليا فى هذا الجدر. وبنى ذلك من آجر ونورة، وأخرجوا من سقف هذا البيت الخشب المتخرب وأبدلوه بغيره، وبنوا فوق هذا الجدار أسطوانتين من آخر ونورة، لشد الدرابزين فى ذلك، وأصلحوا جميع سقف هذا البيت بالنورة والآجر، وجعلوا له درابزين من خشب مخروط نظيف بجوانبه خلا اليمانى.
وجعلوا فوق بئر زمزم شباكا من حديد، ولم يكن قبله هناك شباك من حديد وبنوا خمسة أساطين دقيقة من آجر بالنورة: ثلاثة فى الجدار الذى بالكعبة، وواحدة فى الشامى، وواحدة فى اليمانى، وجعلوا بين هاتين الأسطوانتين أسطوانة من خشب، وأخشابا بين هذين الأساطين، وسقفا من خشب مدهون ساترا لما بين هذه الأساطين
стр. 250
الست، يكون ظلة للمؤذنين، خلا بعض ما بين الأسطوانة الوسطى والخشب، فجعلوا فيه قبة من خشب مدهونة وطلوها من أعلاها بالجبس، وجعلوا فوق السقف المدهون سقفا آخر ودكوه بالآجر والنورة، ورفرفا من خشب مدهون نظيف بجوانب هذا السقف، وأحكمو شده وشد السقف والقبة بالمسامير والكلاليب الحديد.
وجعلوا درابزين من خشب نظيف بجوانب هذا البيت خلا اليمانى، ودرابزين آخر نظيف بجانبى ظلة المؤذنين اليمانى والشرقى. ولم يكن فى هذين الجانبين درابزين قبل ذلك.
وأوسعوا فى الأحواض التى فى الجدارين الغربى والشامى من داخل بئر زمزم، وأوسعوا فى الدرجة التى يصعد منها إلى سقف بيت زمزم فاستحسنت، وكذا ظلة المؤذنين، وكذا ما عمل فى سطح هذا البيت وجدرانه.
وفرغ من ذلك فى أثناء رجب سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة. والمتولى لهذه العمارة الجناب العالى العلائى خواجا شيخ على الكيلانى نزيل مكة المشرفة. زاده الله رفعة وتوفيقا.
وكان إلى جانب هذا الموضع خلوة فيها بركة تملّأ من ماء زمزم، ويشرب منها من دخل إلى الخلوة.
وكان لها باب إلى جهة الصفا، ثم سد وجعل فى موضع الخلوة بركة مقبوة. وفى جدرها الذى يلى الصفا زبازيب يتوضأ منها الناس على أحجار نصبت عند الزبازيب، وفوق البركة المقبوة خلوة فيها شباك إلى الكعبة، وشباك إلى جهة الصفا، وطابق صغير إلى البركة.
وكان عمل ذلك على هذه الصفة فى سنة سبع وثمانمائة. ثم هدم ذلك حتى بلغ الأرض فى العشر الأول من ذى الحجة سنة سبع عشرة وثمانمائة لما قيل: إن بعض الجهلة يستنجى هنالك. وعمّر عوض ذلك سبيل للسلطان الملك المؤيد أبى النصر شيخ، ينتفع الناس بالشرب منه. وجاءت عمارته حسنة.
وفرغ منها فى رجب سنة ثمان عشرة وثمانمائة.
وابتدئ فى عمله بإثر سفر الحاج.
وفى موضع هذه الخلوة: كان مجلس عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، على مقتضى ما ذكر الأزرقى والفاكهى.
стр. 251
ولزمزم أسماء كثيرة ذكرها الفاكهى.
منها: ستة وعشرون اسما ذكرناها فى أصله، مع أحد عشر اسما لزمزم لم يذكرها الفاكهى.
وفى أصله فوائد تتعلق بأسماء زمزم.
ولزمزم فضائل مروية عن النبى ﷺ .
منها: «خير ماء على الأرض، ماء زمزم». أخرجه ابن حبان فى صحيحه والطبرانى بإسناد جيد. وصح له عن شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى أنه قال: إن ماء زمزم أفضل من الكوثر؛ لأنه غسل صدر النبى ﷺ به. ولم يكن يغسل إلا بأفضل المياه. انتهى بالمعنى.
ومنها: ما رويناه عن ابن عباس رضى الله عنهما «أن النبى ﷺ كان إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم».
أخرجه الحافظ شرف الدين الدمياطى بسنده. وقال ـ فيما أنبئت به عنه ـ إسناد صحيح.
ومنها: «أنه لما شرب له» وهذا مروى من حديث ابن عباس، وجابر رضى الله عنهم عن النبى ﷺ . وحديث ابن عباس، رويناه فى سنن الدار قطنى، وقد حسن شيخنا الحافظ العراقى حديث ابن عباس رضى الله عنهما. من هذه الطريق. وقال فى نكته على ابن الصلاح: إن حديث ابن عباس أصح من حديث جابر. انتهى.
وقد شربه جماعة من السلف والخلف لمقاصد جليلة فنالوها. وروينا فى ذلك أخبار.
منها: أن أحمد بن عبد الله الشريفى الفراش بالحرم الشريف المكى شربه للشفاء من العمى، فشفى. على ما أخبرنى به شيخنا المفتى عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى.
وفى هذا دليل لصحته.
ولزمزم خواص.
منها: أن ما ماءها يبرد الحمى.
ومنها: أنه يذهب بالصداع وغير ذلك.
وفى أصله زيادة فى فضل ماء زمزم وخواصه.
стр. 252
ويصح التطهر بماء زمزم بالإجماع، على ما ذكر الرويانى فى البحر، والماوردى فى الحاوى، والنواوى فى شرح المهذب.
وقد اتفق العلماء الأئمة الأربعة على جواز نقله.
وأما سقاية العباس رضى الله عنه. فهى الآن على غير الصفة التى ذكرها الأرزقى. وصفتها الآن والأولى مذكورتان فى أصله.
وأحدث عهد عمرت فيه هذه السقاية سنة سبع وثمانمائة بعد سقوط القبة التى كانت بها. وكانت من خشب من عمل الجواد الأصفهانى، فعملت من حجر.
وممن عمرها الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر. والله أعلم.
* * *
стр. 253
الباب الحادى والعشرون
فى ذكر الأماكن المباركة التى ينبغى زيارتها الكائنة بمكة المشرفة، وحرمها وقربه (١).
هذه الأماكن: مساجد، ودور، وجبال، ومقابر.
والمساجد أكثر من غيرها، إلا أن بعضها مشتهر باسم المولد، وبعضها باسم الدور.
وسيأتى ذكر هذين الأمرين قريبا. والمقصود، ذكره هنا: ما اشتهر من ذلك بالمسجد.
فمن ذلك: مسجد بقرب المجزرة الكبيرة من أعلاها، يقال: إن النبى ﷺ صلى فيه المغرب على ما وجدت بخط عبد الرحمن بن أبى حرمى مسند مكة وموثقها.
وفيه: أنه عمر فى رجب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وعمر سنة سبع وأربعين وستمائة.
ومن ذلك: مسجد فوقه، يقال له: مسجد الراية. يقال: إن النبى ﷺ صلى فيه.
وعمره عبد الله بن العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس، ثم عمر فى سنة أربعين وستمائة، وفى سنة إحدى وثمانمائة.
ومن ذلك: مسجد بسوق الليل بقرب المولد النبوى: يقال له المختبى، يزوره الناس فى يوم المواليد.
ومن ذلك: مسجد بأسفل مكة ينسب للصديق رضى الله عنه، يقال: إنه من داره التى هاجر منها.
ومن ذلك: مساجد خارج مكة من أعلاها.
منها: المسجد الذى يقال له مسجد الإجابة فى شعب بقرب ثنية أذاخر، يقال: إن النبى ﷺ صلى فيه.
ومن ذلك: مسجد البيعة، وهى بيعة رسول الله ﷺ الأنصار. وهذا المسجد بقرب عقبة منى، بينه وبين العقبة غلوة أو أكثر، وهو على يسار الذاهب إلى منى.
стр. 254
وعمر فى سنة أربع وأربعين ومائة، وفى سنة تسع وعشرين وستمائة.
ومن ذلك: مسجد بمنى عند الدار المعروفة بدار النحر، بين الجمرة الأولى والوسطى على يمين الصاعد إلى عرفة، يقال: إن النبى ﷺ صلى فيه الضحى ونحر هديه. وما عرفت من خبر عمارته سوى أنه بنى فى سنة خمس وأربعين وستمائة بعد.
ومن ذلك: مسجد بلحف ثبير بمنى، يقال له: مسجد الكبش ـ وهو الكبش الذى فدى به إسماعيل بن إبراهيم، أو إسحاق بن إبراهيم على الخلاف فى أيهما الذبيح.
وذكر الفاكهى خبرا يقتضى أن هذا الكبش نحر بين الجمرتين بمنى. وهذا يخالف ما سبق. والله أعلم.
ومن ذلك: مسجد الخيف بمنى، وهو مشهور عظيم الفضل، لأن فيه صلى سبعون نبيا، وفيه قبر سبعين نبيا، على ما رويناه مرفوعا فى البزار. والأول من الطبرانى الكبير مرفوعا.
وممن قبر فيه على ما قيل: آدم ﵇.
وفى رواية أبى هريرة رضى الله عنه أنه أحد المساجد التى تشد إليها الرحال وإسناد الحديث إليه ضعيف. وجاء عنه ما يقتضى استحباب زيارته كل سبت.
ومصلى النبى ﷺ فيه أمام المنارة قريبا منها، وعمر مرات. وفى أصله طرف من ذلك.
ومن ذلك: المسجد الذى اعتمرت منه عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها فى حجة الوداع.
وهذا المسجد بالتنعيم. واختلف فيه.
فقيل: إنه المسجد الذى يقال له مسجد الهليلجة بشجرة كانت فيه. وهو المتعارف عند أهل مكة على ما ذكر سليمان بن خليل.
وقيل: إنه المسجد الذى أمامه إلى طريق الوادى، وبقربه بئر.
ورجح هذا القول: المحب الطبرى.
وفى كل منهما أحجار قديمة بسبب عمارته مكتوب فيها ما يدل على أنه مسجد عائشة رضى الله عنها. وفى أصله طرف من خبر عمارتهما.
стр. 255
وبين مسجد الهليلجة والأعلام التى هى حد الحرم من جهة التنعيم فى الأرض ـ لا التى فى الجبل ـ سبعمائة ذراع وأربعة وعشرون ذراعا بالحديد.
ومن ذلك: مسجد يقال له مسجد الفتح بقرب الحموم من وادى مر، يقال: إن النبى ﷺ صلى فيه. والله أعلم.
وأما المواضع المشهورة بالمواليد.
فمنها: مولد النبى ﷺ بسوق الليل. وهو مشهور.
وذكر السهيلى فى خبر مولد النبى ﷺ ما يستغرب. وذكرنا ذلك فى أصله.
وأغرب منه ما قيل: إن النبى ﷺ ولد بالرّدم. وقيل: بعسفان. ذكره مغلطاى فى سيرته.
والمراد بالردم: ردم بنى جمح، لا الردم الذى بأعلى مكة. فإنه لم يكن إلا فى خلافة عمر رضى الله عنه.
ومنها: مولد السيدة فاطمة الزهراء بنت المصطفى ﷺ ، وهو مكان مشهور من دار أمها خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها.
ومنها: مولد على بن أبى طالب رضى الله عنه بالشعب، فوق مولد النبىصلى الله عليه وسلم. وهذا الموضع لم يذكره الأزرقى. وذكره ابن جبير، وعلى بابه حجر مكتوب فيه: إنه مولد على بن أبى طالب رضى الله عنه. وفيه ربى النبى ﷺ .
ومنها: مولد حمزة عم النبى ﷺ بأسفل مكة قريبا من باب اليمن.
ومنها: مولد عمر رضى الله عنه بالجبل الذى تسميه أهل مكة التوبى بأسفل مكة.
ولم أر ما يدل بصحة ما قيل فيه، وفى الذى قبله. والله أعلم.
ومنها: مولد جعفر رضى الله عنه فى دار أبى سعيد عند دار العجلة. وبعض الناس ينسب هذا المولد إلى جعفر بن أبى طالب. وعلى بابه حجر مكتوب فيه: إنه مولد جعفر الصادق، ودخله النبى ﷺ . ولا منافاة بين كونه جعفر الصادق، وبين دخول النبى ﷺ إليه لإمكان أن يكون النبى ﷺ دخله قبل أن يولد فيه جعفر. والله أعلم.
وأما الدور المباركة بمكة.
فمنها: دار أم المؤمنين رضى الله عنها. ويقال لها الآن مولد فاطمة رضى الله عنها. وفيها ثلاث مواضع تقصد بالزيارة متلاصقة.
стр. 256
أحدها: الموضع الذى يقال له: مولد فاطمة.
والموضع الذى يقال له: قبة الوحى.
والموضع الذى يقال له: المختبأ. وبها مواضع أخر على هيئة المسجد.
وهذه الدار أفضل الأماكن بمكة بعد المسجد الحرام، على ما ذكر المحب الطبرى. ولعل ذلك لسكنى النبى ﷺ فيها سنين كثيرة، من حين تزوج خديجة، وإلى حين هاجر، ولكثرة نزول الوحى عليه فيها.
وفيها: بنى النبى ﷺ بخديجة.
وفيها: ولدت أولادها منه.
وفيها: ماتت رضى الله عنها.
ومنها: دار تنسب للصديق رضى الله عنه بالزقاق الذى فيه دار خديجة رضى الله عنها. ويعرف الآن بزقاق الحجر، ويقال له فيما مضى: زقاق العطارين. ذكر ذلك الأزرقى.
وفى هذه الدار مسجد عمره المنصور صاحب اليمن قبل سلطنته فى حال نيابته على مكة للمسعود سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
ومقابل هذه الدار حجر ناتئ فى جدار من الدار المقابلة لها يقال: إنه الذى كلم النبى ﷺ ، على ما حكى الميانشى عن كل من لقيه بمكة. وذكر ذلك ابن جبير. فإن صح كلامه للنبى ﷺ : فلعله الحجر الذى كان يسلم عليه ليالى بعث بمكة.
وقيل: إن الذى كان يسلم عليه فى هذا التاريخ: هو الحجر الأسود. والله أعلم.
ومنها: دار الخيزران عند باب الصفا، وهى دار الأرقم المخزومى.
والمقصود بالزيارة منها: مسجد مشهور فيها، ويقال له: المختبأ لأن فيه كان النبىصلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام مستخفيا. وهناك أسلم جماعة من جملة الصحابة، منهم: عمر الفاروق رضى الله عنه.
ولعل دار الأرقم هذه أفضل الأماكن بمكة بعد دار خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها.
ومنها: دار العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه. وهى الآن رباط للفقراء وبها علم يهرول منه وإليه الساعى.
стр. 257
ومنها: رباط الموفق بأسفل مكة لأنه بلغنى عن الشيخ خليل المالكى: أن الدعاء مستجاب فيه أو عند بابه.
ومنها: معبد الجنيد شيخ الطائفة الصوفية. وهو بلحف الجبل الأحمر، أحد أخشبى مكة:
وأما الجبال المباركة بمكة وحرمها:
فأبو قبيس؛ لأن الركن الأسود كان مستودعا فيه عام الطوفان.
فلما بنى الخليل الكعبة نادى أبو قبيس: الركن منى بمكان كذا وكذا. فجاء به جبريل إلى الخليل، فوضعه موضعه فى الكعبة. ولذلك قيل لأبى قبيس: الأمين.
وفيه على ما يقال: قبر آدم ﵇ فى غار يقال له: غار الكنز، فيما قال وهب ابن منبه. وهذا الغار غير معروف.
وقد سبق أن قبر آدم بمسجد الخيف.
وقيل: قبره عند مسجد الخيف.
وقيل: فى الهند فى الموضع الذى نزل فيه من الجنة. وصححه ابن كثير.
وفى تاريخ الأزرقى: ما يوهم أنه بيت المقدس، فيتحصل فى موضع قبره خمسة أقوال.
وفى أبى قبيس، على ما قيل: قبر شيث، وأمه حواء، على ما وجدت بخط الذهبى.
وفى أبى قبيس: انشق القمر للنبى ﷺ ، على ما يروى عن ابن مسعود رضى الله عنه، فيما ذكر الفاكهى. ولم أر ما يدل على ما يقال فى موضع الانشقاق بأبى قبيس. والله أعلم.
ويروى من حديث ابن مسعود «أن القمر انشق بمنى» وهذا فى مسلم فى روايته عن منجاب بن الحارث. والله أعلم.
ومن فضائل أبى قبيس: أن الدعاء يستجاب فيه. وهذا فى الفاكهى. وهو أول جبل وضع فى الأرض. وهذا فى الأرزقى عن ابن عباس رضى الله عنهما.
ومن خواصه ـ على ما ذكر القزوينى فى عجائب المخلوقات ـ ما قيل: إن من أكل عليه الرأس المشوى يأمن من أوجاع الرأس.
стр. 258
قال القزوينى: وكثير من الناس يفعل ذلك. انتهى.
وكان بعض مشايخنا يفضل جبل أبى قبيس على جبل حراء، ويحتج فى ذلك: بكونه أقرب إلى الكعبة من حراء.
وفى النفس من ذلك شيء لكثرة مجاورة النبى ﷺ لحراء، وما نزل فيه من الوحى عليه. ولم يتفق له مثل ذلك فى أبى قبيس، فلا يكون أفضل من حراء. والله أعلم.
ومنها: جبل الخندمة؛ لأن الفاكهى روى بسنده إلى ابن عباس رضى الله عنهما. قال: «ما نظرت مكة قط إلا كان للخندمة عزة. وذلك أن فيها قبر سبعين نبيا» والخندمة معروفة عند الناس بقرب أبى قبيس.
ومنها: جبل حراء بأعلى مكة، لكثرة مجاورة النبى ﷺ فيه. وما خصه الله به فيه من الكرامة بالرسالة إليه ونزول الوحى فيه عليه. وذلك فى غار مشهور فى هذا الجبل يأثره الخلف عن السلف ويقصدونه بالزيارة، وبين حراء ومكة ثلاث أميال.
قاله صاحب المطالع وغيره.
وقيل: ميل ونصف. قاله البكرى ـ وهو بعيد.
وقيل: أربعة أميال. كذا فى تفسير ابن عطية، والله تعالى أعلم.
ومنها: جبل ثور بأسفل مكة لاختفاء النبى ﷺ والصديق رضى الله عنه فى غار به. وهذا الغار مشهور عند الناس ويدخلونه من باب المتسع والضيق، وقد وسع بابه الضيق لانحباس بعض الناس فيه، وذلك فى سنة ثمانمائة أو قبلها أو بعدها بيسير.
وما ذكرناه فى تسمية هذا الجبل «بثور» هو المعروف. وسماه البكرى «بأبى ثور». وذكر أنه على ميلين من مكة، وأن ارتفاعه نحو ميل، وذكر ابن الحاج أنه من مكة على ثلاثة أميال.
ومنها: جبل ثبير بمنى؛ لأنا روينا من حديث أنس رضى الله عنه مرفوعا «أن الله لما تجلى للجبل تشطى فطارت لطلعته ثلاثة أجبل فوقعت بمكة، وثلاث أجبل فوقعت بالمدينة، فوقع بمكة حراء وثبير وثور، وبالمدينة أحد وورقان ورضوى» أخرجه الأزرقى.
وقال القزوينى: إنه جبل مبارك يقصده الزوار.
ذكر النقاش المفسر: أن الدعاء مستجاب فى ثبير.
стр. 259
ومنها: الجبل الذى يلحقه مسجد الخيف، لأن فيه غارا يقال له: غار المرسلات يأثره الخلف عن السلف. ويدل له حديث ابن مسعود رضى الله عنه «بينا نحن مع النبىصلى الله عليه وسلم فى غار بمنى، إذ نزلت عليه سورة المرسلات ـ الحديث».
أخرجه البخارى فى باب ما يقتل المحرم من الدواب.
وفى بعض نسخ مسند ابن حنبل من مسند ابن مسعود رضى الله عنه، ما يقتضى أن هذه السورة نزلت بحراء، فإن لم يكن فى ذلك تصحيفا فهو مخالف لما قيل فى هذا الغار. والله أعلم.
وأما مقابر مكة، فمنها: المقبرة المعروفة بالمعلاة، وهى مشهورة كثيرة الفضل والبركة لما حوته من سادات الصحابة والتابعين، وكبار العلماء والصالحين، ولما جاء فيها من الفضل عن النبى ﷺ لأنا روينا من حديث ابن عباس عن النبى ﷺ قال: «نعم المقبرة هذه، مقبرة أهل مكة».
أخرجه الأزرقى. قال: وكان أهل مكة يدفنون موتاهم فى جنبى الوادى يمنه وشامه فى الجاهلية وفى الإسلام، ثم حول الناس قبورهم إلى الشعب الأيسر لما فيه من الرواية. انتهى.
والرواية التى جاءت فيه، ما يروى عن النبى ﷺ أنه قال: «نعم الشعب ونعم المقبرة». انتهى.
ومن فضائل مقبرة المعلاة: ما حكاه بعض الصالحين عن بعض الموتى بالمعلاة أنهم قالوا: ما يقف حال أحد فى هذا المكان، وأنهم غير محتاجين إلى ما يهدى إليهم من قراءة أو نحوها.
ومنها: المقبرة العليا، وهى على ما ذكر الأزرقى عند ثنية أذاخر.
وقال فى موضع آخر: آل أسيد، وآل سفيان بن عبد الأسد بن قنون بالمقبرة العليا بحائط خرمان، انتهى.
وحائط خرمان هو الموضع المعروف بالخرمانية وهو وديان بأعلى المعابدة وثنية أذاخر فوق ذلك.
ومنها: مقبرة المهاجر بالحصحاص، وهى على مقتضى ما ذكر الأزرقى فى تعريفها عند الثنية التى يتوجه منها إلى المعلاة، وتسميها الناس الحجون الأول. والله أعلم.
стр. 260
ومنها: مقبرة بأسفل مكة دون باب الشبيكة، وقريب منه، وهى مشهورة عند الناس لما حوته من أهل الخير الغرباء وغيرهم.
وذكر الفاكهى: أن الأحلاف كانوا يدفنون بأسفل مكة، والمطيبين بأعلا مكة، والظاهر أن المقبرة التى كان يدفن بها الأحلاف هى مقبرة الشبيكة. والله أعلم.
والأحلاف: طوائف من قريش. وكذلك المطيبون، وهم مذكورون فى أصله.
ومن القبور المباركة التى ينبغى زيارتها: قبر ميمونة أم المؤمنين رضى الله عنها بسرف، وهو مشهور عند الناس، يأثره الخلف عن السلف.
وكان بناء النبى ﷺ ، لميمونة فى سرف، وسرف من مكة على أميال. قيل: ستة، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة ـ بتقديم التاء ـ وقيل: بريد. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 261
الباب الثانى والعشرون
فى ذكر أماكن بمكة المشرفة وحرمها وقربه لها تعلق بالمناسك وهى ستة وعشرون موضعا، مرتبة على ترتيب حروف المعجم (١).
الأول: باب بنى شيبة الذى يستحب للمحرم دخول المسجد الحرام منه ، وهو أول باب الجنب الشرقى بين رباط الشراى، ورباط السدرة، وعليه منارة المسجد الحرام.
وأما الباب الذى يخرج منه المسافر إلى بلده من المسجد الحرام، فينبغى أن يكون باب الحزورة، أو باب إبراهيم، أو باب العمرة.
وقد أو ضحنا دليل ذلك فى أصله، والله أعلم.
الثانى: التنعيم المذكور فى حد الحرم من جهة المدينة النبوية هو أمام أدنى الحل، على ما ذكر المحب الطبرى، قال: وليس بطرف الحل. ومن فسره بذلك يجوز، وأطلق اسم الشيء على ما قرب منه. انتهى.
وهو أفضل مواقيت العمرة بعد الجعرانة عند الأربعة إلا أبا حنيفة رحمة الله عليه.
الثالث: ثبير الذى إذا طلعت عليه الشمس ، سار الحاج من منى إلى عرفة هو على ما قال المحب الطبرى فى شرح الثنية ـ بثاء مثلثة مفتوحة، ثم ياء موحدة مكسورة ـ أعلى جبل بمنى.
ثم قال: وهو يشرق على منى من جمرة العقبة التى تلقاء مسجد الخيف، وأمامه قليلا على يسار الذاهب إلى عرفة. انتهى.
وكلام النووى يقتضى أن ثبير المراد فى مناسك الحج بمزدلفة، وليس ذلك بمستقيم على ما ذكره شيخنا القاضى مجد الدين الشيرازى اللغوى.
الرابع: الجعرانة ، الموضع الذى أحرم منه النبى ﷺ لما رجع من الطائف بعد فتح مكة، هو موضع مشهور على بريد من مكة فيما ذكر الفاكهى.
وقال الباجى المالكى: إن بينه وبين مكة نحو ثمانية عشر ميلا. والله أعلم.
стр. 262
وذكر الواقدى أن النبى ﷺ ، أحرم من المسجد الأقصى الذى تحت الوادى بالعدوة القصوى من الجعرانة، وكان مصلى النبى ﷺ إذا كان بالجعرانة به.
وذكر أن إحرامه ـ من الجعرانة ـ ليلة الأربعاء إلا ثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة.
وذكر كاتب محمد بن سعد خبرا فيه: أن اعتمار النبى ﷺ كان من الجعرانة للثلثين بقيا من شوال، وهذا الخبر ضعيف، والمعروف ما ذكره الواقدى، والله أعلم.
ومن فضائل الجعرانة: ما رويناه عن يوسف بن ماهان، قال: «اعتمر من الجعرانة ثلاثمائة نبى». أخرجه الجندى.
وهى أفضل مواقيت العمرة من مكة على مقتضى مذهب مالك والشافعى، رحمهما الله تعالى.
الخامس: الجمار المذكور فى صفة الحج ، هى بمنى.
ونقل عن ابن سيده اللغوى، ما يقتضى أنها بعرفة. نقل ذلك عنه السهيلى، وهو وهم ذكرنا التنبيه عليه. وهذه الجمار مشهورة بمنى.
السادس: الحجون ـ المذكور فى حد المحصب ـ هو جبل بالمعلاة، مقبرة أهل مكة على يسار الداخل إلى مكة، ويمين الخارج منها إلى منى على مقتضى ما ذكره الأزرقى والفاكهى فى تعريفه؛ لأنهما ذكراه فى شق معلاة مكة اليمانى، وهو الجهة التى ذكرناها.
وإذا كان كذلك: فهو مخالف ما يقوله الناس من أن الحجون: الثنية التى يهبط منها إلى مقبرة المعلاة. وكلام المحب الطبرى يوافق ما يقوله الناس.
ولعل الحجون على مقتضى قول الأزرقى والفاكهى والخزاعى، الجبل الذى يقال: فيه قبر ابن عمر رضى الله عنهما، أو الجبل المقابل له، الذى بينهما الشعب المعروف: بشعب العفاريت. والله تعالى أعلم.
السابع: الحديبية: الموضع الذى نزل عنده النبى ﷺ لما قدم من المدينة محرما، فعاقه المشركون عن دخول مكة، يقال: إنه الموضع الذى فيه البئر المعروفة ببئر شميس بطريق جدة. والله أعلم.
وقد ذكره غير واحد من العلماء، وما قالوه، لا يعرف الآن، وهى بتخفيف الياء
стр. 263
الثانية على الصواب فيها، وقيل: تشديدها، واختلف فى كونها فى الحل أو فى الحرم.
وهى أفضل مواقيت العمرة بعد الجعرانة، والتنعيم على ما قال الشافعية، إلا أن الشيخ أبا حامد، منهم، فضلها على التنعيم. والله أعلم.
الثامن: ذو طوى ، الموضع الذى يستحب الاغتسال فيه للمحرم إذا قدم مكة هو ما بين الثنية التى يهبط منها إلى المعلاة، والثنية الأخرى التى إلى جهة الزاهر على مقتضى ما ذكر الأزرقى فى تعريفه.
وفى صحيح البخارى ما يؤيده. وقال النووى: إنه الموضع المعروف بآبار الزاهر بأسفل مكة. انتهى.
وقيل: هو الأبطح. نقله صاحب المطالع عن الداودى، وهو بعيد، وطاؤه مثلثة.
التاسع: الردم الذى ذكر بعض الشافعية: أن المحرم يقف فيه للدعاء إذا قدم مكة، هو ردم بأعلى مكة مشهور عند الناس، ردمه عمر بن الخطاب رضى الله عنه صونا للمسجد من السيل فى سنة سبع عشرة من الهجرة.
العاشر: الصفا ، الذى هو مبدأ السعى، هو فى أصل جبل أبى قبيس على ما ذكر البكرى والنووى وغيرهما، وهو مكان مرتفع من جبل له درج، وفيه ثلاثة عقود، والدرج من أعلى العقود وأسفلها، وبعض الدرج التى تحت العقد مدفون، وذلك ثمان درجات، ثم فرشة مثل بعض الفرشات الظاهرة تحت العقود، ثم درجتان، وما عدا ذلك فهو ظاهر، وهو درجة تحت العقود، ثم ثلاث درجات ثم فرشة كبيرة، إلا أن هذه الفرشة السفلى ربما غيبت بما يعلو عليها من التراب.
وما ذكرناه من الدرج المدفون شاهدناه بعد حفرنا عنه فى شوال سنة أربع عشرة وثمانمائة، وهذا المدفون ليس محلا للسعى، ومحله: الظاهر.
ويتأيد كون الظاهر محلا للسعى بأن الأزرقى قال: ذرع ما بين الركن الأسود إلى الصفا مائتا ذراع، واثنان وستون ذراعا وثمانية عشر إصبعا. انتهى.
وحررنا ما بين الحجر الأسود، وبين الفرشة السفلى التى يعلو عليها التراب، فجاء مثل ما ذكر الأزرقى فى ذرع ما بين الحجر الأسود والصفا.
ولم يذكر الأزرقى ذرع ذلك إلا ليبين أن ما وراء ذلك محل للسعى.
стр. 264
والفرشة السفلى المشار إليها من وراء الذرع المذكور، ويكون محلا للسعى على هذا.
ويصح إن شاء الله: سعى من وقف عليها فلا يقصر الساعى عنها، ولا يجب عليه الرقى على ما وراء هذا. والله أعلم.
ومن محاذاة نصف العقد الوسط من عقود الصفا إلى الدرج الذى بالمروة من داخله سبعمائة ذراع وسبعون ذراعا وسبع ذراع ـ بتقديم السين ـ فى السبعمائة، وفى السبعين، وفى السبع، وذلك يزيد على ما ذكره الأزرقى فى ذرع ذلك نحو أربعة أذرع.
الحادى عشر: طريق ضب ، التى يستحب للحاج سلوكها إذا قصد عرفة، هى طريق مختصرة من المزدلفة إلى عرفة فى أصل المازمين عن يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة. هكذا عرفها الأزرقى.
وإنما استحب للحاج سلوكها؛ لأن النبى ﷺ سلكها لما راح من منى إلى عرفة على ما نقل الأزرقى عن بعض المكيين.
وروى عن عطاء: أنه سلكها، وقال: هى طريق موسى بن عمران.
الثانى عشر: عرفة ـ بالفاء ـ موضع الوقوف، وهى خارج الحرم قريب منه. وقد ذكر حدها ابن عباس رضى الله عنهما؛ لأنه قال: حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنة على جبال عرفة إلى ملتقى وصيف ووادى عرفة. أخرجه الأزرقى.
وقوله: ووادى عرفة: اختلف فى ضبطه، ففى بعض نسخ الأزرقى ـ بالفاء ـ وفى بعضها ـ بالنون ـ وممن ضبط بالنون ابن الصلاح. واعترض عليه فى ذلك المحب الطبرى؛ لأنه قال بعد أن ذكر ضبط ابن الصلاح: قلت: وفيما ذكره نظر؛ لأنه أراد تحديد عرفة ـ بالفاء ـ أولا وآخرا، فجعله من الجبل المشرف على بطن عرفة فيكون آخره ملتقى وصيف وبطن عرفة بالفاء، ولا يصح أن يكون وادى عرفة ـ بالنون ـ لأن وادى عرنة لا ينعطف على عرفة، بل هو ممتد مما يلى مكة يمينا وشمالا، فكان التقييد بوادى عرفة أصح. والله أعلم.
قال: وهذا التحديد يدخل عرنة فى عرفة. انتهى.
وحد عرفة من جهة مكة الذى فيه هذا الاختلاف، قد صار معروفا بما بنى فى موضعه من الأعلام، وهى ثلاثة سقط منها واحد، وبقى اثنان، وفيها أحجار مكتوبة فى بعضها: أن المظفر إربل أمر بإنشاء هذه الأعلام الثلاثة بين منتهى أرض عرنة ووادى عرفة، لا يجوز لحاج بيت الله العظيم أن يجاوز هذه الأعلام قبل غروب الشمس.
стр. 265
وفيه مكتوب بتاريخ شعبان سنة خمس وستمائة.
والمسجد الذى يصلى فيه الإمام بالناس فى يوم عرفة ليس من عرفة ـ بالفاء ـ على مقتضى ما ذكر ابن الصلاح والنووى، وكلام المحب الطبرى يقتضى أنه منها. وقيل: إن مقدمه من عرنة ـ بالنون ـ ومؤخره [من عرفة]ـ بالفاء ـ ويظهره ثمرة هذا الخلاف فى إجزاء الوقوف بهذا المسجد.
وتوقف مالك فى ذلك ولأصحابه قولان فيه بالإجزاء وعدمه.
وأفضل المواقف بعرفة الموضع الذى وقف فيه النبى ﷺ ، وهو بقريب فى الموضع الذى تقف فيه المحامل التى تصل من مصر إلى الشام والعراق، وهو مكان معروف عند الناس.
وسميت عرفة: عرفة؛ لتعارف آدم وحواء فيه؛ لأن آدم أهبط إلى الهند، وحواء إلى جدة، فتعارفا بالموقف.
وقيل: لتعريف جبريل المناسك بها للخليل.
وقيل: لاعتراف الناس فيها بذنوبهم.
إلى غير ذلك من الأقوال التى ذكرناها فى أصله الأكبر.
الثالث عشر: عرنة ـ بالنون ـ الموضع الذى يجتنب الحاج فيه الوقوف هو بين العلمين اللذين هما حد عرفة، والعلمين اللذين هما حد الحرم من هذه الجهة.
وقد اختلف فيه فقيل: إنها من الحرم. وهذا يروى عن حبيب المالكى. وقيل: إنها من عرفة. حكاه ابن المنذر عن مالك. وفى صحته عنه نظر لمخالفته ما فى كتب المالكية. والله أعلم.
ومذهب الشافعى: أنها ليست من عرفة. وعرنة ـ بضم العين وفتح الراء المهملتين ـ هذا المشهور فيها.
الرابع عشر: قزح ، الموضع الذى يستحب للحاج أن يقف عنده للدعاء غداة النحر هو مكان مشهور بالمزدلفة، وهو الموضع الذى يسمونه المشعر الحرام.
أشار إلى ذلك المحب الطبرى.
وذكر ابن الصلاح: أن قزح، جبل صغير فى آخر المزدلفة، ثم قال: وقد استبدل الناس بالوقوف على الموضع الذى ذكرناه بناء محدثا فى وسط المزدلفة، ولا تؤدى فيه هذه السنة.
стр. 266
قال المحب الطبرى: والظاهر أن البناء إنما هو على الجبل كما تقدم، والمشاهدة تشهد بصحة ذلك، ولم أر ما ذكره لغيره. انتهى.
وذكر النووى: أن الأظهر أن للحاج تحصيل السنة بالوقوف على البناء المستحدث.
قاله فى الإيضاح.
الخامس عشر: كداء ، الموضع الذى يستحب للمحرم دخول مكة منه هو الثنية التى تهبط منها إلى المقبرة المعروفة بالمعلاة والأبطح، على مقتضى ما ذكره الفاكهى، وسليمان بن خليل، والمحب الطبرى.
وقال المحب الطبرى: هى بالفتح والمد تصرف على إرادة الموضع، وتركه على إرادة البقعة. وما ذكره من أنها بالفتح هو المعروف. وقيل: إنها بالضم.
وسهل بعض المجاورين طريقا فيها غير الطريق المعتادة، ووسعها بعد أن كانت حزنة ضيقة، وصار الناس يسلكونها أكثر من الأولى، وذلك فى النصف الثانى من سنة سبع عشرة وثمانمائة.
السادس عشر: كداء ، الموضع الذى يستحب الخروج منه، لمن كان فى طريقه هو الثنية التى بنى عليها باب مكة المعروف بباب الشبيكة، على مقتضى ما ذكر المحب الطبرى فى شرح الثنية.
وذكر القاضى بدر الدين بن جماعة: ما يقتضى أنها الثنية التى عندها الرجم المعروف بقبر أبى لهب. والله أعلم بالصواب ـ وهى: بضم الكاف، وبالقصر والتنوين ـ على ما هو مشهور فيه.
وقيل: إنها ـ بفتح الكاف ـ وإنما استحب الدخول من كداء ـ ثنية المقبرة ـ والخروج من كداء، التى إلى جهة المدينة؛ لأن النبى ﷺ فعل ذلك فى حجة الوداع.
وأما فى الفتح، فقيل: إنه دخل من كداء ـ ثنية المقبرة ـ وقيل: من ثنية أذاخر.
وأما فى عمرة الجعرانة: فدخل وخرج من أسفل مكة. كما فى خبر ذكره الفاكهى بإسناد فيه من لم أعرفه. والله تعالى أعلم.
السابع عشر: المأزمان ، اللذان يستحب سلوكهما للحاج إذا رجع من عرفة. هو الموضع الذى يسميه أهل مكة الآن المضيق، بين مزدلفة وعرفة.
وذكر النووى ما يقتضى أن هذين المأزمين فى غير هذا المحل؛ لأنه قال فى الإيضاح:
стр. 267
والسنة أن يسلك فى طريقه إلى المزدلفة على طريق المأزمين، وهو بين العلمين اللذين هما حد الحرم من تلك الناحية. انتهى.
وهذا بعيد لمخالفته فيه قوله وقول غيره كما بيناه فى أصله.
والمأزم فى اللغة: الطريق الضيق بين جبلين.
الثامن عشر: محسر ، الموضع الذى يستحب للحاج الإسراع فيه: هو واد عند المكان الذى يقال له: المهلل؛ لأن الناس إذا وصلوا إليه فى حجهم هللوا وأسرعوا السير فى الوادى المتصل به.
والمهلل المشار إليه: مكان مرتفع عنده بركتان معطلتان بلحف قرن جبل عالى، ويتصل بهما آثار حائط. ويكون ذلك كله عن يمين الذاهب إلى عرفة، ويسار الذاهب إلى منى.
التاسع عشر: المحصب ، الذى يستحب النزول فيه للحاج بعد انصرافه من منى، هو مسيل بين مكة ومنى، وهو أقرب إلى مكة بكثير، وحده من جهة مكة: الحجون. على ما ذكر الأزرقى.
ولا يعارض ذلك ما وقع لابن الصلاح، والنووى، والمحب الطبرى، وغيرهم من: أن المقبرة ليست من المحصب؛ لأن مراد هؤلاء الأئمة، والله أعلم ـ استثناء المقبرة من عرض المحصب لا من طوله لحزونة موضعها.
وذلك يخالف صفه المحصب، فإن المحصب ما سهل من الأرض على مقتضى ما ذكر ابن الصلاح وغيره، فى تفسير المحصب.
وأما حده من جهة منى: فجبل العيرة بقرب السبيل، الذى يقال له: سبيل الست، بطريق منى على ما ذكر الأزرقى فى تعريفه.
العشرون: المروة ، الموضع الذى هو منتهى السعى هو فى أصل جبل قعيقعان على ما قال أبو عبيد البكرى.
وقال النووى: إنها أنف من جبل قعيقعان.
وذكر المحب الطبرى: أن العقد الذى بالمروة، جعل علما لحد المروة، ثم قال: فينبغى للساعى أن يمر تحته، ويرقى على البناء المرتفع. انتهى.
والعقد الذى بالمروة الآن حدد فى آخر سنة إحدى وثمانمائة، أو فى أول التى بعدها بعد سقوطه.
стр. 268
وكان بالمروة خمس عشرة درجة على ما ذكر الأزرقى، وليس بها الآن غير واحدة.
الحادى والعشرون: المزدلفة ، الموضع الذى يؤمر الحاج بنزوله والمبيت فيه، بعد دفعه من مزدلفة ليلا: هو ما بين مأزمى عرفة الذى يسميها أهل مكة: المضيق وبين محسر. وقد حد مزدلفة بما ذكره غير واحد من الأئمة.
وسميت بالمزدلفة: لازدلاف الناس إليها، وهو اقترابهم، وقيل: لمجيئهم إليها فى زلف من الليل، أى ساعات.
ويقال لها: جمع، لاجتماع الناس بها، وقيل: لاجتماع آدم وحواء فيها، وقيل: لجمع الصلاتين بها.
وطول المزدلفة من طرف وادى محسر الذى يليها إلى أول المأزمين مما يليها: سبعة آلاف ذراع وسبعمائة ذراع وثمانون ذراعا وأربعة أسباع ذراع.
ومن جدر باب بنى شيبة إلى حد المزدلفة من جهة منى: عشرون ألف ذراع وخمسمائة ذراع وسبعة أذرع ـ بتقديم السين ـ وثلاثة أسباع ذراع.
الثانى والعشرون: المشعر الحرام ، الذى يستحب الوقوف عنده للحاج كى يدعو ويذكر عنده غداة النحر: هو موضع معروف من المزدلفة، وهو: قزح، السابق ذكره.
وأما قول ابن عمر رضى الله عنهما: المشعر الحرام المزدلفة كلها، ومثله كثير من كتب التفسير، فهو، محمول على المجاز.
أشار إلى ذلك المحب الطبرى وغيره.
وأحدث وقت بنى فيه المشعر الحرام سنة تسع وخمسين وسبعمائة، أو فى التى بعدها.
الثالث والعشرون: المطاف المذكور فى كتب الفقهاء: هو ما بين الكعبة ومقام الخليل ﵇، وما يقارب ذلك من جميع جوانب الكعبة.
وأشار إلى تعريفه بما ذكرناه الشيخ أبو محمد الجوينى فيما نقله عنه ابن الصلاح. وقد ذكرنا كلامه مع ذرع ذلك فى أصله.
وهذا الموضع كله مفروش بحجارة منحوتة.
وفى سنة ست وستين وسبعمائة، فرغ من عمله، وفيها عمل منه جانب كبير.
стр. 269
وهذه العمارة من قبل صاحب مصر الأشرف شعبان، وعمره من الملوك: لاجين المنصورى، ومن الخلفاء: المستنصر العباسى.
وأول من فرش الحجارة حول البيت: عبد الله بن الزبير رضى الله عنه، على ما ذكر الفاكهى.
وينبغى الطائف أن لا يخرج فى حال طوافه عن هذا المكان؛ لأن فى صحة طواف من خرج عنه مختارا خلافا فى مذهب المالكية.
الرابع والعشرون: منى ، الموضع الذى يؤمر الحاج بنزوله يوم التروية والإقامة به حتى تطلع الشمس على ثبير من يوم عرفة، وفى يوم النحر وما بعده من أيام التشريق والمبيت بها فى لياليها لأجل رمى الجمار، هو من أعلى العقبة التى فيها الجمرة المعروفة بجمرة العقبة إلى وادى محسر.
وقد حد منى بما يوافق ما ذكرناه: عطاء بن أبى رباح، فيما ذكره عنه الفاكهى وما ذكره الفاكهى عن عطاء فى حد منى: يفهم أن أعلى العقبة من منى.
وذكر الشافعى والنووى: ليست من منى.
وذكر المحب الطبرى ما يقتضى أنها من منى.
وطول منى على ما ذكر الأزرقى سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع.
ومنى: علم لمكان آخر فى بلاد بنى عامر. ذكره صاحب الأغانى. وجاء حديث فى النهى عن البناء بمنى من رواية عائشة رضى الله عنها. أخرجه الترمذى وحسنه وأبو داود، وسكت عليه، فهو صالح.
وجزم النووى فى المنهاج ـ من زوائده ـ بأن منى ومزدلفة لا يجوز إحياء مواتها كعرفة. والله أعلم.
وذكر أبو اليمن بن عساكر ما يوافق ذلك.
ولمنى آيات: منها رفع ما تقبل من حصى الجمار بمنى، ولولا ذلك: لسد ما بين الجبلين.
وممن شاهد رفع ذلك: شيخ الحرم نجم الدين بشير التبريزى، وبلغنى أنه رأى ذلك فيما رمى هو به من الحصى، وهذه منقبة عظيمة.
ومنها: اتساعها للحاج فى أيام الحج مع ضيقها فى الأعين عن ذلك.
стр. 270
ومنها: كون الحدأة لا تخطف اللحم بمنى أيام التشريق، وذلك على خلاف عادتها فى غير هذه الأيام.
ومنها: أن الذباب لا يقع فى الطعام وإن كان لا ينفك عنها غالبا كالعسل.
ذكر هاتين الآيتين المحب الطبرى. وذكر الأزرقى الأولتين.
ومن باب بنى شيبة إلى أعلى العقبة التى فى حد منى ثلاثة عشر ألف ذراع وثلاثمائة ذراع، وثمان وستون ذراعا باليد.
وذكرنا ذلك فى أصله بالأميال. وذكر الرافعى: أن بين منى ومكة ستة أميال. وتعقب النووى عليه فى ذلك، وقال: بينهما ثلاثة. والله أعلم.
الخامس والعشرون: الميلان الأخضران اللذان يهرول الساعى بينهما فى سعيه بين الصفا والمروة، هما: العلمان اللذان أحدهما بركنى المسجد الحرام، الذى فيه المنارة التى يقال لها: منارة باب على رضى الله عنه، والآخر فى جدر باب المسجد الذى يقال له: باب العباس رضى الله عنه.
والعلمان المقابلان لهذين العلمين:
أحدهما: فى دار عباد بن جعفر، ويعرف اليوم بسلمة بنت عقيل.
والآخر: فى دار العباس، ويقال له: رباط العباس رضى الله عنه.
ويسرع الساعى إذا توجه من الصفا إلى المروة إذا صار بينه وبين العلم الأخضر فى المنارة، والمحاذى له ستة أذرع على ما ذكر صاحب التنبيه وغيره.
قال المحب الطبرى: وذلك لأنه أول محل الأنصاب فى بطن الوادى، وكان ذلك الجبل موضوعا على بناء ثم على الأرض فى الموضع الذى يشرع منه ابتداء السعى، وكان السيل يهدمه ويحطمه فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد، ولم يجدوا على السنن أقرب من ذلك الركن، فوقع متأخرا عن محل ابتداء السعى بستة أذرع. انتهى.
ومقتضى هذا: أن الساعى إذا قصد الصفا من المروة ما يزال يهرول حتى يجاوز هذين العلمين بنحو ستة أذرع، لأجل العلة التى شرع لأجلها الإسراع فى التوجه إلى المروة. والله أعلم.
وذكر الأزرقى ما يقتضى: أن موضع السعى فيما الميل بين الذى بالمنارة، والميل المقابل له، لم يكن مسعى إلا فى خلافة المهدى العباسى، لتغيير موضع السعى قبله فى هذه الجهة، وإدخاله فى المسجد الحرام فى توسعة المهدى له ثانيا.
стр. 271
والظاهر: إجزاء السعى فيما بين الميلين المشار إليهما لتوالى الناس من العلماء وغيرهم على السعى بينهما، ولا خفاء فى تواليهم على ذلك، ولم يحفظ عن أحد ممن يقتدى به إنكار على من سعى بينهما، ولا أنه سعى خارجا. والله تعالى أعلم.
السادس والعشرون: نمرة ، الموضع الذى يؤمر الحاج بنزوله إذا توجه من منى فى يوم عرفة هو بطن عرنة ـ بالنون ـ على ما ذكر سليمان بن خليل.
ونقل المحب الطبرى عن الصباغ: أنها من عرفة، قال: والمعروف أنها ليست منها.
وروينا فى تاريخ الأزرقى ما يقتضى: أن نمرة من الحرم. والله أعلم.
* * *
стр. 272
الباب الثالث والعشرون
فيما بمكة من المدارس، والربط، والسقايات، والبرك المسبلة، والآبار، والعيون، والمطاهر، وغير ذلك من المآثر، وما فى حرمها من ذلك (١).
أما المدارس الموقوفة: فإحدى عشر، منها: مدرسة الملك الأفضل العباس بن المجاهد صاحب اليمن بالجانب الشرقى من المسجد الحرام على الفقهاء الشافعية.
وقفت قبل سنة سبعين وسبعمائة. وفى هذه السنة ابتدئ التدريس بها.
ومنها: مدرسة بدار العجلة القديمة على يسار الداخل إلى المسجد الحرام، عملها الأمير أرغون النائب الناصرى للخليفة قبل العشرين وسبعمائة أو بعدها بقليل.
ومنها: مدرسة الأمير الزنجيلى نائب عدن على باب العمرة للحنفية. وقفها سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وتعرف اليوم بدار السلسلة.
ومنها: مدرسة الملك المنصور عمر بن على بن رسول صاحب اليمن، على الفقهاء الشافعية وبها درس حديث أظنه من عمل ولد المظفر. وتاريخ عمارتها سنة إحدى وأربعين وستمائة.
ومنها: مدرسة طاب الزمان الحبشية عتيقة المستضئ العباسى على عشرة من فقهاء الشافعية.
تاريخ وقفها سنة ثمانين وخمسمائة فى شعبان، وهى من دار زبيدة.
ومنها: مدرسة الملك المنصور غياث الدين بن المظفر أعظم شاه صاحب بنجالة من بلاد الهند على فقهاء المذاهب الأربعة.
وكان ابتداء عمارتها فى رمضان سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، والفراغ من ذلك فى جمادى الأولى سنة أربع عشرة.
وفى المحرم من هذه السنة وقفت ودرست بها للمالكية، ولها وقف بالركانى، أصيلتان وأربع وجاب ماء.
стр. 273
ومنها: مدرسة الملك المجاهد صاحب اليمن بالجانب الجنوبى من المسجد الحرام على الفقهاء الشافعية.
وتاريخ وقفها فى ذى القعدة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة.
ومنها: مدرسة أبى على بن أبى زكرى، وهو الموضع المعروف بأبى الطاهر العمرى المؤذن بقرب المدرسة المجاهدية.
وتاريخ وقفها سنة خمس وثلاثين وستمائة.
ومنها: مدرسة الأرسوفى العفيف عبد الله بن محمد، بقرب باب العمرة، ولعلها وقفت فى تاريخ وقف رباطه الآتى ذكره، وسيأتى تاريخه.
ومنها: مدرسة ابن الحداد المهدوى، على المالكية بقرب باب الشبيكة، وتعرف بمدرسة الأدارسة. وتاريخ وقفها سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
ومنها: مدرسة النهاوندى، بقرب الدريبة، ولها نحو مائتى سنة.
وأما الربط: فمنها: رباط السدرة، كان موقوفا فى سنة أربعمائة.
ومنها: رباط المراغى إلى جانبه، ويعرف بالقيلانى.
وتاريخ وقفه سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
ومنها: رباط الأمير إقبال الشرابى المستنصر العباسى تحت منارة باب بنى شيبة.
وتاريخ عمارته سنة إحدى وأربعين وستمائة.
ومنها: رباط أم الخليفة الناصر العباسى.
وتاريخ عمارته سنة تسع وسبعين وخمسمائة، ويعرف الآن بالعطيفية.
ومنها: رباط الحافظ ابن مندة الأصفهانى، ويعرف بالبرهان الطبرى على باب الزيادة زيادة دار الندوة.
ومنها: رباط الميانشى، فى شارع السويقة.
ومنها: رباط يعرف برباط صالحة عند باب الزيادة المنفرد.
ومنها: رباط عنده أيضا، يعرف بالفقاعية.
وقف فى سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
стр. 274
ومنها: رباط القزوينى، على باب السدة خارج المسجد الحرام.
ومنها: رباط آخر قبالته يعرف بالخاتون، وبابن محمود.
وقف سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
ومنها: رباط الزنجيلى، مقابل مدرسته عند باب العمرة، وتاريخهما واحد.
ومنها: رباط الخوزى لسكناه به.
وقفه قرامرز الأفرزى الفارسى سنة سبع عشرة وستمائة.
ومنها: رباط الشيخ أبى القاسم رامشت عند باب الحزورة.
وقف فى سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
وفى أوائل سنة ثمان وعشرين وثمانمائة: أزيل جميع ما فيه من الشعث، وعمر عمارة حسنة من مال صرفه الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة، أثابه الله.
ومنها: رباط الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة.
وهو الذى أنشأ عمارته ووقفه فى سنة ثلاث وثمانمائة، وله عليه أوقاف بمكة ومنى والوادى، وما عرفت مثل هذه الحسنة لغيره من الأشراف ولاة مكة.
ومنها: رباط الجمال محمد بن فرج، المعروف بابن بعلجد.
وتاريخ وقفه سنة سبع وثمانين وسبعمائة.
ومنها: رباط بأول زقاق أجياد الصغير قبالة باب المسجد الحرام.
أمر بإنشائه وزير مصر، تقى الدين عبد الوهاب بن أبى شاكر، ومات قبل تمام عمارته، فاستصاره فخر الدين بن أبى الفرج، الأستادار الملكى المؤيدى، وأمر بتكميل عمارته، فعمر من ذلك جانب كبير.
ومات الآخر قبل تمام عمارته، فى نصف شوال سنة إحدى وعشرين وثمانمائة والفقراء به ساكنون.
ومنها: رباط السلطان شاه شجاع، صاحب بلاد فارس.
وقف سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وينسب للشيخ غياث الدين الأبرقوهى لتوليه لأمره وعمارته.
стр. 275
ومنها: رباط البانياسى، بقرب هذا الرباط عند باب الصفا.
وقف فى سنة خمس وعشرين وستمائة.
ومنها: الدار المعروفة بدار الخيزران.
ومنها: الرباط المعروف برباط العباس رضى الله عنه.
وكان المنصور لاجين عمله مطهرة، ثم عمله ابن أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون رباطا.
ومنها: رباط أبى القاسم ابن كلالة الطبيبى.
وقف سنة أربع وأربعين وستمائة.
ومنها: رباط، بقرب المروة.
وقفه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف التميمى. ووقف عليه الحمام الذى بأجياد.
ومنها: رباط على بن أبى بكر بن عمران العطار.
وقف سنة إحدى وثمانمائة.
ومنها: رباط يعرف برباط أبى سماحة لسكناه به بقرب المجزرة الكبيرة.
وقف فى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة.
ومنها: ربط الأخلاطى، ثلاثة: بعضها وقف على نساء الحنفية، وبعضها على أهل مدينة أخلاط، وبعضها وقف سنة تسعين وخمسمائة، وبعضها فى التى بعدها.
ومنها: رباط الوتش.
وقف فى آخر القرن الثامن.
ومنها: رباط لعطية بن خليفة المطبيز.
أحد تجار مكة فى عصرنا.
ومنها: بزاق الحجر، رباطان.
أحدهما: للسيدة أم الحسين بنت قاضى مكة شهاب الدين الطبرى.
وقفته فى سنة أربع وثمانين وسبعمائة.
стр. 276
والآخر للعز إبراهيم بن محمد الأصفهانى.
وقف فى سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
وبسوق الليل عدة ربط:
منها: رباط سعيد الهندى.
ومنها: بيت المؤذنين. وواقفه هو واقف رباط الخوزى على شرطه فى تاريخه.
ومنها: زاوية أم سليمان المتصوفة، رحمها الله.
تاريخها سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة.
وبأجياد عدة ربط، منها: رباط الزيت.
ومنها: رباط غزى ـ بغين وزاى معجمتين.
وقف فى سنة اثنتين وأربعين وستمائة.
ومنها: رباط السياحة.
وقفه عدة نساء، منهن: أم القطب القسطلانى.
ومنها: رباط ربيع، وهو واقفه عن موكله الأفضل على بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب.
وتاريخ وقفه سنة أربع وتسعين وخمسمائة.
ومنها: رباط بنت التاج، وله أزيد من مائتى سنة.
ومنها: رباط بقرب رباط ربيع.
أمر بإنشائه الشريف حسن بن عجلان فى سنة ست عشرة وثمانمائة، وقد عمر منه جانب كبير.
ومنها: رباط المسيكينة.
ومنها: بالحزامية ـ بحاء مهملة وزاى معجمة ـ الرباط المعروف بالدمشقية.
وقف سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
ومنها: رباط الدورى، وله أزيد من ثلاثمائة سنة.
стр. 277
ومنها: رباط السبتية. وكان موجودا فى سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
ومنها: رباط للنسوة خلف رباط الدورى. كان موجودا فى القرن السابع.
ومنها: رباط بيت الحرابى، بمهملتين وموحدة.
ومنها: رباط الوراق. بقرب باب إبراهيم.
ومنها: رباط الموفق.
وقفه الموفق على بن عبد الوهاب الإسكندرى سنة أربع وستمائة.
وبأسفل مكة إلى جهة الشبيكة عدة ربط:
منها: رباط أبى رقيبة لسكناها به ويقال له: رباط العفيف. وهو عبد الله بن محمد الأرسوفى صاحب المدرسة السابقة.
وقفه عنه وعن موكله القاضى الفاضل عبد الرحيم بن على البيشانى وقف من هذا الرباط نصفه عن نفسه، ونصفه الآخر عن موكله القاضى الفاضل فى سنة إحدى وتسعين وخمسمائة.
ومنها: رباط الطويل.
بنى فى عشر السبعين وسبعمائة فيما أظن.
ومنها: رباط الجهة، جهة السلطان الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل صاحب اليمن، وأم أولاده. ويعرف برباط الشيخ على السعدانى لتوليه لأمره.
وقف فى سنة ست وثمانمائة.
ومنها: رباطان عند الدريبة:
أحدهما: يعرف بابن السوداء لسكناه به.
وقف فى سنة تسعين وخمسمائة.
والآخر: يعرف بابن غنايم.
وقفه السلطان الملك العادل ملك الجبال والغور والهند، محمد بن أبى على فى سنة ستمائة.
стр. 278
فهذه الربط المعروفة الآن بمكة ـ فيما علمت ـ أجزل الله ثواب واقفيها. ومن أحسن النظر فيها. وقد ذكرنا كثيرا من شروط واقفيها وأسماء جماعة منهم. وأوضحنا ذلك أكثر فى أصله «شفاء الغرام».
وبمكة أوقاف كثيرة على جهات من البر غالبها الآن لا يعرف لتوالى الأيدى عليها.
ومن المعروف منها: البيمارستان بالجانب الشمالى من المسجد الحرام.
وقفه المستنصر العباسى.
وتاريخ وقفه سنة ثمان وعشرين وستمائة، ثم عمره السيد حسن بن عجلان عمارة حسنة وأحدث فيها ما يحصل به النفع، وذلك: إيوانان وصهريج وغير ذلك، بعد استئجاره له مائة عام من القاضى الشافعى.
ووقف ما عمره وما يستحقه من منعته على الضعفاء والمجانين فى صفر سنة ست عشر وثمانمائة.
وأما السقايات ـ وهى السبل ـ فهى كثيرة.
منها بمكة خمسة.
ومنها: ما بين مكة ومنى: سبعة.
منها: سبيل بالمعلاة للمقر الأشرف الزينى عبد الباسط ناظر الجيوش المنصورة بالمماليك الشريفة والدعاء له بسببه متكاثر من البادى والحاضر؛ لأن النفع به جزيل. عامله الله بلطفه الجميل.
وله ـ حفظه الله ـ بديار مصر والشام مآثر حسنة مشهورة، وأفعال مشكورة ومنها: السبيل المعروف بسبيل الست، وهى أخت الملك الناصر حسن. وتاريخ عمارتها له سنة إحدى وستين وسبعمائة.
وبمنى: عدة سبل.
ومنها: فيما بين منى وعرفة عدة سبل متخربة.
ومنها: فى جهة التنعيم فيما بينهما وبين مكة عدة سبل.
منها: سبيل للمنصور صاحب اليمن.
ومنها: سبيل الجوخى، وهو الآن معطل لخرابه.
стр. 279
ورأيت مكتوبا فى حجر ملقى فيه: المقتدر العباسى ووالدته أمرا بعمارة هذه السقايات والآثار التى وراءها وتصدقا بها فى سنة اثنتين وثلاثمائة.
وأما البرك المسبلة: فهى كثيرة بمكة وحرمها وبعرفة. وقد أوضحنا أمر السبل والبرك المشار إليها أكثر من هذا فى أصله.
وفى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة عمرت البركتان اللتان بالمعلا على يمين الداخل إلى مكة ويسار الخارج منها عمارة حسنة.
أما الآبار التى بمكة: فهى ثمانية وخمسون بئرا. وذلك فيما حوته أسوار مكة، وكلها مسبلة، إلا بئرا فى بيت لعطية المطيبين بأعلى مكة، وبئرا فى بيت القائد زين الدين سكر مولى الشريف حسن بن عجلان، وبئرا فى بيت أحمد بن عبد الله الدورى العراس، وبئرا فى بيت بقربه تنسب للينبعى. ولم نذكر الآبار التى لا ماء فيها. وقد أوضحنا أمر الآبار كثيرا فى «شفاء الغرام».
وأما الآبار التى فيما بين مكة ومنى: فستة عشر بئرا فيها الماء.
منها: البئر المعروفة ببئر ميمون ابن الحضرمى، أخى العلاء بن الحضرمى، وهى التى فى السبيل المعروف بسبيل الست، على ما وجدت بخط عبد الرحمن بن أبى حرمى فى حجر فى هذه البئر، يتضمن عمارتها فى سنة أربع وستمائة. من قبل المظفر صاحب إربل.
وأما الآبار التى بمنى: فخمسة عشر بئرا. وذكرنا فى أصله مواضعها، وما تعرف به. وبلغنى أن بمنى غير ذلك فى بعض البيوت.
وأما الآبار التى بمزدلفة: فثلاثة.
وأما الآبار التى بعرفة: فكثيرة. والذى منها فيه الماء الآن: ثلاثة.
وفيما بين عرفة ومزدلفة بئر يقال لها: السقيا، على يسار الذاهب إلى عرفة.
وأما الآبار التى بظاهر مكة من أعلاها فيما بين بئر ميمون، والأعلام التى هى حد الحرم فى طريق نخله: فخمسة عشر بئرا.
منها: أربعة آبار تعرف بآبار العسيلة، وفى رأس طى بعضها ما يقتضى أن المقتدر العباسى أمر بحفر بئرين منها.
стр. 280
وفى طى بعضها ما يقتضى: أن العجوز ـ والدة المقتدر العباسى ـ عمرتها مع سقايات هناك، ومسجد لا يعرف منه الآن شئ.
وبقية هذه الآبار لا ماء فيها، إلا بئرا لأبى بكر الحصار، وهى تلى آبار العسيلية.
وأما الآبار التى بأسفل مكة فى جهة التنعيم: فثلاثة وعشرون بئرا بجادة الطريق.
منها بئر الملك المنصور صاحب اليمن عند سبيله، وتعرف بالزاكية.
ومنها: الآبار المعروفة بآبار الزاهر الكبير.
وبعض هذه الآبار من عمارة المقتدر العباسى.
وبقرب باب الشبيكة، من خارجه آبار يقال لها: آبار الزاهر الصغير، وهى ثلاثة آبار.
وبقرب هذه الآبار بئر ببطن ذى طوى على مقتضى ما ذكره الأزرقى فى تعريف ذى طوى.
وبأسفل مكة بئر يقال لها: الطنبداوية.
وبأسفل مكة مما يلى باب الماجن عدة آبار.
منها: بئر بقربه من خارجه.
وبئر بالشعب الذى يقال له خم، وهو غير خم الذى يروى أن النبى ﷺ ، قال عند غديرة: «من كنت مولاه فعلى مولاه» لأن خمّا هذا عند الجحفة.
وأما العيون: التى أجريت بمكة وبظاهرها: فكثيرة، وليس منها الآن جار غير العين المعروفة بعين بازان، وهى فى غالب الظن من عمل زبيدة، ولها فى عينها نفقة عظيمة، يقال: إنها ألف ألف وسبعمائة ألف دينار.
نقل ذلك عن المسعودى عن محمد بن على الخراسانى الأخبارى.
وقد عمرت عين بازان مرات كثيرة، من قبل جماعة من الخلفاء، والملوك والأعيان.
منهم: المستنصر العباسى فى سنة خمس وعشرين وستمائة، وفى أربع وثلاثين وستمائة.
ومنهم: الأمير جوبان نائب السلطنة بالعراقين عن السلطان أبى سعيد بن خربندا ملك التتر.
стр. 281
وذلك فى سنة ست وعشرين وسبعمائة.
ووصلت إلى مكة فى العشر الأخير من جمادى الأولى منها، وعظم نفعها.
وكان الناس بمكة قبل ذلك فى شدة لقلة الماء.
وممن عمرها من الملوك: صاحب مصر الملك المؤيد من مال تطوع به على يد علاء الدين القائد.
وكانت هذه العمارة فى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة.
ووصلت إلى مكة فى شعبان منها ثم قل جريان الماء، فوفق الله القائد علاء الدين لعمارتها، فجرت جريا حسنا، وبلغت بركة الماجن بأسفل مكة.
وذلك فى سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، وجريانها مستمر إلى سنتين بعد ذلك.
ومن العيون التى أجريت بمكة عين أجراها الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر فى مجرى عين بازان، وتعرف العين التى أجراها المذكور: بعين جبل نقبة.
وذلك فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
وعين أجراها الأمير المعروف بالملك نائب السلطنة بمصر من منى إلى بركة السلم بطريق منى.
وذلك فى سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
وأما المطاهر: فمطهرة الملك الناصر محمد بن قلاوون.
عمرت فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وفيها وقفت وهى التى عند باب بنى شيبة.
ومطهرة الأمير صرغتمش الناصرى، بين العطيفية والبيمارستان بالجانب الشمالى من المسجد الحرام.
وتاريخ عمارتها سنة تسع وخمسين وسبعمائة.
ومطهرة طنيفا الطويل بقرب باب العمرة.
عمرت فى أول عشر السبعين وسبعمائة فيما أظن.
ومطهرة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر بالمسعى قبالة باب على.
عمرت فى سنة ست وسبعين وسبعمائة.
стр. 282
ومطهرة خلفها للنسوة.
عمرتها أم سليمان المتصرفة فى سنة ست وتسعين وسبعمائة.
ومطهرة تنسب للواسطى عند باب الحزورة، وما عرفت واقفها ولا متى وقفت.
وأعظمهم نفعا: مطهرة الملك الناصر، وبعض هذه المطاهر معطل لخرابه.
* * *
стр. 283
الباب الرابع والعشرون
فى ذكر شيء من خبر بنى المحض بن جندل، ملوك مكة ونسبهم، وذكر شيء من أخبار العماليق ملوك مكة ونسبهم، وذكر ولاية طسم للبيت الحرام (١).
أما بنو المحض: فقال المسعودى: وقد كان عدة ملوك تفرقوا فى ممالك متصلة ومنفصلة.
فمنهم المسمى: بأبى جاد، وهوز، وحطى، وكلمن، وسعفص، وقرشت، وهم على ما ذكرنا بنو المحض بن جندل.
وأحرف الجمل هى أسماء الملوك، وهم الأربعة والعشرون حرفا التى عليها حساب الجمل.
ثم قال المسعودى: وكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز.
وكان هوز، وحطى: ملكين ببلاد وجّ، وهى أرض الطائف، وما اتصل بذلك من أرض نجد.
وكلمن وسعفص وقرشت: ملوكا بمدين. وقيل: ببلاد مصر.
وكان كلمن على ملك مدين.
ومن الناس من رأى: أنه كان ملك جميع من سميناه مشاعا متصلا، على ما ذكرنا.
وذكر المسعودى فى نسب بنى المحض أكثر من هذه، إلا أنه قال ـ لما ذكر الخلاف فى نسب قوم شعيب ـ: ومنهم من رأى: أنهم من ولد المحصن بن جندل بن يعصب ابن مدين بن إبراهيم.
وأما العماليق: فهم: من ولد عملاق. وقيل: عمليق بن لاود، ويقال: لود بن سام ابن نوح. وقيل: إنهم من ولد العيص، ويقال: عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.
وهذا القول ذكره المسعودى.
стр. 284
وفى تاريخ الأزرقى خبران فيهما: أن العماليق من حمير. وأخذ الخبرين عن ابن عباس رضى الله عنهما.
وفى كون العماليق من حمير نظر بيناه فى أصله.
وذكر الفاكهى أخبارا تتعلق بالعماليق، فى بعضها: أنهم كانوا بمكة لما قدّم. وقد عاد للاستسقاء.
وفى بعضها: أنهم كانوا بعرفة لما أخرج الله زمزم لإسماعيل، وأنهم تحولوا إلى مكة لما علموا بذلك.
وفى بعضها: أنهم كانوا ولاة الحكم بمكة، فضيقوا حرمة البيت، واستحلوا منه أمورا عظاما، ونالوا ما لم يكونوا ينالون، فوعظهم رجل منهم يقال له: عملوق، فلم يقبلوا ذلك منه، فأخرجهم قطورا وجرهم من الحرم كله، وكانوا لا يدخلونه.
وأما ولاية طسم: فذكرها الأزرقى فيما رواه بسنده إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
وذكر أنهم استحلوا حرمة البيت فأهلكهم الله.
ثم وليه بعدهم جرهم، وطسم أخو عجلان، وقد تقدم نسبه.
* * *
стр. 285
الباب الخامس والعشرون
فى ذكر شيء من خبر جرهم ولاة مكة ونسبهم، وذكر من ملك مكة من جرهم، ومدة ملكهم لها وما وقع فى نسبهم من الخلاف، وفوائد تتعلق بذلك، وذكر من أخرج جرهما من مكة وكيفية خروجهم منها، وغير ذلك (١).
أما نسبهم: فقال ابن هشام: إن جرهما هو ابن قحطان بن عابد بن سالح بن أرمخشذ بن سام بن نوح.
وقيل: إن جرهما: ابن ملك من الملائكة أذنب ذنبا فأهبط إلى مكة فتزوج امرأة من العماليق، فولدت له جرهما، فذلك قول الحارث بن مضاض الجرهمى:
اللهم إن جرهما عبادك ... الناس طرف وهم تلادك
وأما من ملك مكة من جرهم ومدة ملكهم له ونسبهم، فذكره المسعودى؛ لأنه قال: ووجدت فى وجه آخر من الروايات: أن أول ملك من ملوك جرهم مضاض بن عمرو ابن سعد بن الرقيب، هو ابن ثبت بن جرهم بن قحطان: مائة سنة.
ثم ملك بعده ابنه عمرو بن مضاض: مائة وعشرون سنة.
ثم ملك الحارث بن عمرو: مائة سنة. وقيل: دون ذلك.
ثم ملك بعده عمرو بن الحارث: مائتى سنة.
ثم ملك بعده مضاض بن عمرو بن الأصفر بن الحارث بن عمرو بن مضاض بن عمرو بن سعيد بن الرقيب بن هنما بن ثبت بن جرهم بن قحطان: أربعين سنة. انتهى. وذكر المسعودى ما يقتضى: أن مدة ملك جرهم لمكة دون ذلك.
وذكر أيضا ما يقتضى: أن أول ملوكهم غير مضاض بن عمرو بن سعد؛ لأنه ذكر: أن الحارث بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن ظالم بن هنما بن ثبت بن جرهم: كان على جرهم حين أتوا من اليمن إلى مكة.
وذكر أن قدومهم إليها كان بعد أن سمعوا لما حصل بها من الخصب لمن تقدمهم من العماليق الذى كان عليها السميدع المذكور.