أضحت مكارم عيسى كعبة ولقد ... تعجب الناس من ثنتين فى الحرم
فهذه تحبط الأوزار ما برحت ... وهذه تشمل الأحرار بالنّعم
قال: فاستحسنهما غاية الاستحسان، قال: ودخلت عليه فى سنة ستين وخمسمائة، وكنت مجاورا أيضا، وكان نازلا بالمربّع، فوجدت عنده أخاه مالكا، وكان ذلك اليوم ثانى عشر ذى القعدة من السنة المذكورة، ونحن فى حديث الحاج وتوجههم إلى مكة، فأنشدته قصيدة أولها [من المتقارب]:
حملت من الشوق عبئا ثقيلا ... فأورث جسمى المعنّى نحولا
وصيرنى كلفا بالغرا ... م أندب ربعا وأبكى طلولا
نشدتكما الله يا صاحبىّ ... إن جزتما بلواء الطّلح ميلا
نسائل عن حيّهم بالعرا ... ق هل قوّضت أن تراهم حلولا
فقال لى عند إنشاد هذا البيت: لا إن شاء الله، قوضت وتوجّهت إن شاء الله تعالى بالسلامة، ثم أنشدته إلى أن انتهيت منها:
كفا كم فخارا بأنّ الوصىّ ... جدّكم وأمّكم الطهور البتولا
وحسبكم شرفا فى الأنا ... م أن بعث الله منكم رسولا
وجرى فى ولاية عيسى على مكة، بمكة وظواهرها، حوادث، منها: أن فى سنة سبع وخمسين وخمسمائة، كانت بمكة فتنة بين أهلها والحجاج العراقيين، سببها أن جماعة من عبيد مكة، أفسدوا فى الحاج بمنى، فنفر عليهم بعض أصحاب أمير الحاج، فقتلوا منهم جماعة، ورجع من سلم إلى مكة، وجمعوا جمعا، وأغاروا على جمال الحاج وأخذوا منها قريبا من ألف جمل، فنادى أمير الحاج فى جنده بسلاحهم، ووقع القتال بينهم، فقتل جماعة، ونهب جماعة من الحجاج، وأهل مكة، فرجع أمير الحاج ولم يدخل مكة، ولم يقم بالزاهر غير يوم واحد، وعاد كثير من الناس رجّالة لقلة الجمال، ولقوا شدة، ورجع بعضهم قبل إتمام حجّه، وهم الذين لم يدخلوا مكة يوم النحر للطواف والسعى، ذكر هذه الحادثة هكذا ابن الأثير.
وذكر صاحب المنتظم: أن أمير مكة بعث إلى أمير الحاج يستعطفه ليرجع، فلم يفعل، ثم جاء أهل مكة بخرق الدم، فضرب لهم الطبول، ليعلم أنهم قد أطاعوا.
ومنها: غلاء كثير، أكل الناس فيه بمكة الدم والجلود والعظام، ومات أكثر الناس، وذلك فى سنة تسع وستين وخمسمائة.
стр. 2207
ومنها: سيل عظيم فى هذه السنة، دخل من باب بنى شيبة، ودخل دار الإمارة، ولم ير قط سيل قبله دخل دار الإمارة فيما قيل.
وذكر ابن الأثير، أن الوزير الجواد جمال الدين أبا جعفر محمد بن على بن أبى منصور الأصفهانى، وزير صاحب الموصل، لما أراد أن يزخرف الكعبة بالذهب ويرخّمها، ويبنى الحجر بجانب الكعبة، أرسل إلى الأمير عيسى بن فليتة أمير مكة هذا، هدية كبيرة، وخلعا سنية، منها عمامة مشتراها ثلاثمائة دينار، حتى مكنّه من ذلك. انتهى.
وكانت وفاة عيسى بن فليتة هذا، فى الثانى من شعبان سنة سبعين وخمسمائة، وولى مكة بعده بعهد منه، ابنه داود، وقد تقدم خبره، وولاية عيسى بن فليتة بمكة، نحو خمس عشرة سنة، فى غالب الظن.
٢٢٩٤ ـ عيسى بن موسى بن عبد الرحمن بن على بن الحسين بن على القاضى عفيف الدين، أبو موسى الشيبانى الطبرى المكى:
قاضى الحرم الشريف. وجدت خطه على مكتوبين ثبتا عليه، أحدهما فى صفر سنة ثلاثين وستمائة، والآخر فى شهر رمضان من هذه السنة، وشهد عليه جماعة، منهم: أحمد بن عبد الواحد بن إسماعيل العسقلانى، وذكر فى رسم شهادته، أنه نافذ القضاء، ماضى الحكم بمكة وأعمالها، ولا أدرى هل ولى ذلك استقلالا أو نيابة، ولا هل هذه السنة ابتداء ولايته أو قبلها، ولا متى انقضت؟ إلا أنى وجدت ما يدل على أن ابن عمه القاضى عبد الكريم بن أبى المعالى يحيى بن عبد الرحمن الشيبانى، كان قاضيا بمكة فى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، والله أعلم بحقيقة الحال.
وقد وجدت سماعه على الشريف يونس بن يحيى الهاشمى، للجزء الأول من صحيح البخارى، من نسخة بيت الطبرى، فى مجالس آخرها العشر الأوسط من سنة ست وتسعين وخمسمائة بالحرم الشريف، مع أخيه القاضى حسن بن موسى، وترجم بالفقيه، وأخوه بالشيخ.
٢٢٩٥ ـ عيسى بن موسى بن على بن قريش بن داود القرشى الهاشمى المكى، يلقب بالعماد:
عنى ـ وله بضع وعشرون سنة ـ بحفظ القرآن فجوده، وكان كثير التلاوة، وعنى
стр. 2208
بالتجارة، فاستفاد عقارا بمكة والخضراء وخيف بنى عمير، من أعمال مكة، وغير ذلك، وصاهر الشيخ نجم الدين المرجانى على ابنته، فولدت له أولادا، وتزوج قبل ذلك بابنة القاضى سراج الدين عبد اللطيف بن سالم، وكان قبل ذلك فى خدمة أبيها، أيام ولايته بشدّ زبيد، وبه تجمل حاله فى ابتداء أمره، ومات فى ربيع الآخر، أو جمادى الأولى، سنة خمس وعشرين وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، وقد قارب الخمسين، وكان انقطاعه بمنزله نحو يومين أو ثلاثة.
٢٢٩٦ ـ عيسى بن ميمون المكى، أبو موسى الحرشى:
صاحب التفسير، المعروف بابن داسة، روى عن مجاهد، وابن أبى نجيح، وقيس بن سعد. روى عنه السفيانان، وأبو عاصم.
روى له أبو داود فى الناسخ والمنسوخ، وقال: ثقة يرى القدر. ووثّقه ابن معين. كتبت هذه الترجمة من التهذيب.
٢٢٩٧ ـ عيسى بن يحيى الرّيغىّ المغربى المالكى:
نزيل مكة، كان خيّرا متعبدا، معتنيا بالعلم نظرا وإفادة، وله فى النحو وغيره نباهة، وكان كثير السعى فى مصالح الفقراء الطرخى، وجمعهم من الطرقات إلى المرستان المستنصرى، بالجانب الشامى من المسجد الحرام، وربما حمل الفقراء المنقطعين بعد الحج إلى مكة من منى ويحصب، حاشية المطاف بالمسجد الحرام، ويحصب، حاشية المطاف بالمسجد الحرام، ويقوم بما يجب فى ذلك، لمن يحمل الحصباء لهذا المحل.
وقد جاور بمكة سنين كثيرة، تقارب العشرين، وتأهّل فيها بنساء من أعيان مكة، ورزق بها أولادا، وبها توفى ليلة الاثنين، سلخ المحرم، أو مستهل صفر، سنة سبع وعشرين وثمانمائة، ودفن بالمعلاة، وهو فى عشر الستين ظنا، وقد سمع الحديث بمكة على جماعة من شيوخها والقادمين إليها.
والريغى: بمثناة من تحت وغين معجمة وياء للنسبة.
٢٢٩٨ ـ عيسى بن يزيد الجلودى:
نقلت من كتاب «مقاتل الطالبيين» عن أبى العباس أحمد عبد الله بن عمار الثقفى،
стр. 2209
فيما رواه من كتاب هارون بن عبد الملك الزيات، قال: حدثنى أبو جعفر محمد بن عبد الواحد بن النصير بن القاسم، مولى عبد الله بن على، أن عيسى بن يزيد الجلودى، أقام بمكة ـ وهى مستقيمة له ـ والمدينة، حتى قدم هارون بن المسيب واليا على الحرمين، فبدأ بمكة، فصرف الجلودى عنها، وحج وانصرف إلى المدينة، فأقام سنة. انتهى.
وذكر الذهبى، ما يقتضى أن عيسى بن يزيد الجلودى، ولى مكة فى سنة مائتين، بعد هزيمة العلويين منها، وكانت هزيمتهم فى جمادى الآخرة من السنة المذكورة، لأن فى الخبر الذى ذكره فى خبر العلويين بمكة فى هذه السنة، بعد أن ذكر أن مجئ الديباجة إلى مكة، وطلوعه المنبر مع الجلودى، وإشهاده بخلع نفسه: ثم خرج به عيسى الجلودى إلى العراق، واستخلف على مكة ابنه محمد بن عيسى. انتهى.
وذكر ابن حزم فى الجمهرة، ما يدل لولاية الجلودى على مكة، لأنه ذكر أن يزيد بن محمد بن حنظلة المخزومى، استخلفه عيسى بن يزيد الجلودى على مكة، فدخلها عنوة إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين، وقتل يزيد بن محمد. انتهى.
والجلودى هذا، حارب العقيلى الذى قدم من اليمن فى سنة مائتين، لإقامة الحج فى هذه السنة، وأعاد الجلودى ما كان أخذه العقيلى من كسوة الكعبة وأموال التجار، وقد ذكره هذه الحادثة ابن الأثير، لأنه قال فى أخبار سنة مائتين من الهجرة: ذكر ما فعله إبراهيم بن موسى وفى هذه السنة، وجّه إبراهيم بن موسى جعفر، من اليمن، رجلا من ولد عقيل بن أبى طالب فى جند للحج بالناس، فسار العقيلى حتى أتى بستان ابن عامر، فبلغه أن أبا إسحاق المعتصم، قد حج فى جماعة من القواد، فيهم حمدويه بن على بن موسى بن ماهان، وقد استعمل الحسن بن سهل على اليمن، فعلم العقيلى أنه لا يقوى بهم، فأقام ببستان ابن عامر، فاجتاز قافلة من الحاج، ومعهم كسوة الكعبة وطيبها، فأخذوا كسوة الكعبة وطيبها، وقدم الحاج مكة عراة منهوبين، فاستشار المعتصم أصحابه، فقال الجلودى: أنا أكفيك ذلك، فانتخب مائة رجل، وسار بهم إلى العقيلى، فصبّحهم فقاتلهم، فانهزموا وأسر أكثرهم، وأخذ كسوة الكعبة وأموال التجار، إلا ما كان مع من هرب قبل ذلك فرده، وأخذ الأسرى، فضرب كل واحد منهم عشرة أسواط، وأطلقهم، فرجعوا إلى اليمن، يستطعمون الناس، فهلك أكثرهم فى الطريق. انتهى (١).
стр. 2210
٢٢٩٩ ـ غالب بن عيسى بن أبى يوسف الأنصارى، أبو التمام الأندلسى:
كتب عنه السلفى أبياتا لأبى العلاء المعرى عنه، فى المحرم سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وذكر أنه جاور بمكة سنين كثيرة، بعد أن جاوز الستين، وأنه سمع من أبى يعلى بن الفراء، وابن المهندس، وابن المأمون، ونظرائهم.
وروى عنه أبو بكر الطرطوشى، وأثنى عليه، وكان من أعيان فقهاء المالكية، لخصت هذه الترجمة من معجم السفر للسفلى.
٢٣٠٠ ـ غانم بن إدريس بن حسن بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم الحسنى:
ذكر ابن محفوظ، أنه وجمّاز بن شيحة صاحب المدينة، وصلا فى سنة سبعين وستمائة وأخذا مكة، وبعد أربعين يوما، أخرجهما أبو نمى.
ووجدت بخط المؤرخ شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزرى الدمشقى، أن فى التاسع عشر من ربيع الآخر سنة خمس وسبعين، يعنى وستمائة، كانت وقعة بين أبى نمى صاحب مكة، وبين جماز بن شيحة صاحب المدينة، وبين صاحب ينبع إدريس بن حسن بن قتادة، فظهر عليهما أبو نمى، وأسر إدريس، وهرب جماز بن شيحة، وكانت الوقعة فى مر الظهران. وكان عدة من مع أبى نمى، مائتى فارس، ومائة وثمانين راجلا، ومع إدريس وجماز، مائتين وخمسة عشر فارسا، وستمائة راجل، انتهى.
وهذا الخبر يقتضى أن الذى حارب أبا نمى فى هذا التاريخ مع جماز، إدريس بن حسن، صاحب ينبع، والظاهر أنه غانم بن إدريس بن حسن المذكور، بدليل ما سبق فى كلام ابن محفوظ، ولعل غانما سقط فى خط ابن الجزرى سهوا، والله أعلم.
٢٣٠١ ـ غانم بن راجح بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم الحسنى:
أمير مكة، ذكر ابن محفوظ، أن فى ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وستمائة، تسلم
стр. 2211
غانم بن راجح من أبيه البلاد ـ يعنى مكة ـ بغير قتال، وأقام بها إلى شوال، فأخذها منه أبو نمى، وإدريس بن قتادة بالقتال، ولم يقتل منهم إلا ثلاثة أنفس، منهم عالى شيخ المبارك.
٢٣٠٢ ـ غانم بن يوسف بن إدريس بن غانم بن مفرج بن محمد بن عيسى بن محمد بن عبيد بن حمزة بن بركات بن عبد الله بن شيبة بن شيبة بن شيبة بن شعيب ابن وهب بن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة عبيد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب بن مرة العبدرى الشيبى:
شيخ الحجبة وفاتح الكعبة. هكذا وجدت هذا النسب بخط الآقشهرى، وقال: هكذا نسبة صاحبنا صاحب مفتاح الكعبة المعظمة المشرفة، ورئيس السدنة الشيبيين. وقال: هذه النسبة نقلتها من نصبة القبر فيها نظر، وذكر مع ذلك أبياتا وجدها على قبر بعض الشيبيين، ثم قال: وكان ذلك فى العشر الأول من شهر جمادى الأولى، من عام ثلاثين وسبعمائة. انتهى.
[ ... ] (١).
وأجاز له فى سنة ثلاث عشرة من دمشق: الدشتى، والقاضى سليمان بن حمزة، والمطعم، وابن مكتوم، وابن عبد الدائم، وابن سعد، ووزيرة، والحجاج، وجماعة من شيوخ ابن خليل، باستدعائه واستدعاء البرزالى، وما عرفت له سماعا.
وتوفى فى رمضان سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة.
[ .... ] (١).
٢٣٠٣ ـ غسان بن الفضل السجستانى، أبو عمرو:
نزيل مكة. روى عن حماد بن زيد، وابن المبارك، وجماعة. وروى له أبو داود فى المراسيل، وأبو زرعة، والأثرم، وغيرهم. وقد كتبت هذه الترجمة من التذهيب (١).
стр. 2212
٢٣٠٤ ـ غيلان بن سلمة بن شرحبيل الثقفى:
أسلم يوم الطائف، وكان عنده عشر نسوة، فأمره النبى ﷺ ، يتخير منهن أربعا، ويفارق باقيهن.
روى حديثه عنه، عبد الله بن عمر، من رواية معمر، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، ولم يتابع معمر على هذا الإسناد. وقد روى عن غيلان هذا بشر بن عاصم.
ومن نسب غيلان هذا، قال: هو غيلان بن سلمة بن معتّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسى، وهو من ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن، وأمه سبيعة بنت عبد شمس.
أسلم بعد فتح الطائف، ولم يهاجر، وكان أحد وجوه ثقيف ومقدميهم، وهو ممن وفد على كسرى، وخبره معه عجيب، قال له كسرى ذات يوم: أى ولدك أحب إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يؤوب. فقال كسرى: زه. ما لك ولهذا الكلام؟ هذا كلام الحكماء، وأنت من قوم جفاة لا حكمة فيهم، فما غذاؤك؟ قال: خبز البر، قال: هذا العقل من البر، لا من اللبن والتمر. وكان شاعرا محسنا.
توفى غيلان بن سلمة، فى آخر خلافة عمر رضى الله عنه. ذكره هكذا ابن عبد البر.
ومعتّب فى نسبه، بفتح العين المهملة.
* * *
стр. 2213
حرف الفاء
٢٣٠٥ ـ فراس الخزاعى:
مخضرم، له شعر. ذكره هكذا الذهبى، ولم أر من ذكره سواه.
٢٣٠٦ ـ فراس بن النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى بن كلاب القرشى العبدرى:
ذكره هكذا ابن قدامة، وقال: من مهاجرة الحبشة، فيما ذكر ابن إسحاق، قتل يوم اليرموك شهيدا، وكان أبوه النضر بن الحارث، شديد العداوة لرسول الله ﷺ ، فأسر يوم بدر، وأمر رسول الله ﷺ بقتله بالصفراء (١).
وذكر الكاشغرى معنى ذلك، وقال: وقيل: كلدة بن علقمة، فاستفدنا من هذا الخلاف فى نسبه، هل هو علقمة بن كلدة، أو كلدة بن علقمة؟ والله أعلم باصواب.
٢٣٠٧ ـ فرقد المكى:
يروى عن عمر بن الخطاب. روى عنه صفوان بن عبد الله. ذكره هكذا ابن حبان فى الطبقة الثانية من الثقات.
٢٣٠٨ ـ فضالة بن دينار الخزاعى:
له إدراك. ذكره المستغفرى هكذا. وذكره الذهبى فى التجريد، وذكره الكاشغرى، وقال: أدرك النبى ﷺ .
٢٣٠٩ ـ الفضل بن عبد الرحمن الهاشمى:
قال أبو موسى: أورده أبو مسعود، وقال: يتأمّل. وقال ابن الأثير: قلت: لا حاجة إلى تأمله، فإن بنى هاشم لم يك فيهم من يعاصر رسول الله ﷺ ، اسمه عبد الرحمن، ولا الفضل، إلا الفضل بن العباس. انتهى.
стр. 2214
وقال الذهبى فى التجريد: الفضل بن عبد الرحمن الهاشمى، وهم فيه بعضهم، ولعله ابن العباس.
٢٣١٠ ـ الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب الهاشمى، ابن عم النبى ﷺ ، أبو عبد الله، وقيل أبو محمد، وقيل أبو العباس:
أمه أم الفضل لبابة الصغرى، بنت الحارث بن حزن الهلالية، أخت ميمونة، زوج النبىصلى الله عليه وسلم، وهى أم إخوته على ما ذكرنا فى باب تمام.
شهد مع النبى ﷺ فتح مكة وحنينا، وثبت معه يوم حنين، حين انهزم عنه الناس، وشهد معه حجة الوداع، وأردفه النبى ﷺ معه من جمع إلى منى، ثم غزا مع النبى ﷺ حنينا، وشهد غسل النبى ﷺ ، وكان يصب الماء على علىّ رضى الله عنه، حين غسل النبى ﷺ ، وكان من أجمل الناس وجها.
قال ابن قدامة: وكان يقال: من أراد الجمال والفقه والسخاء، فليأت دار العباس، الجمال للفضل، والفقه لعبد الله، والسخاء لعبيد الله.
وذكر صاحب الكمال، أن للفضل عن النبى ﷺ ، أربعة وعشرين حديثا، اتفقا على حديثين.
روى عنه أخوه عبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وربيعة بن الحارث، وعباس بن عبيد الله بن العباس.
روى له الجماعة. واختلف فى تاريخ موته، فقال الزهرى: لم يعرف للفضل بعد النبىصلى الله عليه وسلم حال، هذا أو معناه.
وقال بعضهم: مات بالشام فى طاعون عمواس، قال صاحب الكمال: وهو الأظهر، وقيل قتل يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة، وقيل يوم اليرموك.
وهو يروى عن ابن معين، وقيل قتل يوم مرج الصّفّر، ولم يترك ولدا، إلا أم كلثوم،
стр. 2215
تزوجها الحسن بن على بن أبى طالب، ثم فارقها، فتزوجها أبو موسى الأشعرى، رضى الله عنهم أجمعين.
٢٣١١ ـ الفضل بن العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس [ ..... ] (١):
أمير مكة، ذكر ابن جرير الطبرى: أنه حج بالناس سنة إحدى وتسعين ومائة، وكان والى مكة للعباسيين. ولا أدرى هل هذه السنة ابتداء ولايته، أو كانت قبل ذلك.
وذكر أن داود بن عيسى الهادى، حج بالناس وهو والى مكة، سنة ثلاث وتسعين، فلا أدرى هل كان عزل الفضل فى هذه السنة، أو فى سنة اثنتين وتسعين؟ والله أعلم.
٢٣١٢ ـ الفضل بن العباس بن الحسين بن إسماعيل بن محمد العباسى:
أمير مكة، ذكر الفاكهى، أنه كان على مكة فى سنة ثلاث وستين ومائتين، ولم يزد فى نسبه على اسم أبيه، وما ذكرناه فى نسبه، ذكره العتيقى فى كتابه «أمراء الموسم» وذكر أنه حج بالناس فى سنة ثمان وخمسين ومائتين، وسنة تسع وخمسين ومائتين.
ورأيت فى تاريخ ابن جرير الطبرى ما يخالف ما ذكره العتيقى فى نسب الفضل، وفى حجه بالناس فى سنة تسع وخمسين ومائتين، وأنه حج بالناس سنة سبع وخمسين ومائتين. وهذا أيضا يخالف ما ذكره العتيقى، فيمن حج بالناس فى هذه السنة، لأنه ذكر أن محمد بن أحمد بن عيسى المنصور، الملقب كعب البقر، حج بالناس فى سنة سبع وخمسين، ونذكر كلام ابن جرير المخالف لما ذكره العتيقى.
قال فى أخبار سنة سبع وخمسين ومائتين: وفيها حج بالناس، الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس. وقال: وحج بالناس أيضا سنة ثمان وخمسين ومائتين الفضل المذكور. وقال: سنة تسع وخمسين ومائتين حج بالناس فيها، إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس المعروف ببرية. انتهى (١).
وقد ظهر بهذا مخالفة ما ذكره ابن جرير، لما ذكره العتيقى فى نسب الفضل. وقثم حج بالناس سنة سبع وخمسين، وسنة تسع وخمسين، ولعل الخلاف فى نسب الفضل، من ناسخ كتاب ابن جرير، وكتاب العتيقى، فإن النسخة التى رأيتها من كتاب كل منهما سقيمة، والله أعلم بالصواب.
стр. 2216
٢٣١٣ ـ فضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمى اليربوعى، أبو على الزاهد:
نزيل مكة، روى عن: حميد الطويل، وسليمان الأعمش، وسليمان التيمى، ومحمد ابن إسحاق، وجماعة.
روى عنه: سفيان الثورى ـ وهو من شيوخه ـ وسفيان بن عيينة ـ وهو من أقرانه ـ وعبد الله بن المبارك ـ ومات قبله ـ والحميدى، والقعنبى. والإمام الشافعى، وهارون الرشيد أمير المؤمنين، وخلق.
قال إبراهيم بن محمد الشافعى: سمعت سفيان بن عيينة يقول: فضيل ثقة. قال عبد الرحمن بن مهدى: فضيل بن عياض رجل صالح، ولم يكن بحافظ.
وقال الحسين بن إدريس الأنصارى، عن محمد بن عبد الله بن عمار: ليت الفضيل كان يحدثك بما يعرف، قلت: ترى حديثه حجة؟ قال: سبحان الله! وقال إبراهيم بن ميسرة، عن ابن المبارك: ما بقى على ظهر الأرض عندى، أفضل من الفضيل بن عياض. وقال شريك بن عبد الله: لم يزل لكل قوم حجة فى أهل زمانهم، وأن فضيل بن عياض، حجة لأهل زمانه.
وقال النضر بن شميل: سمعت هارون الرشيد يقول: ما رأيت فى العلماء أهيب من مالك، ولا أورع من الفضيل بن عياض. انتهى.
للفضيل بن عياض مع الرشيد موعظة مشهورة، رويناها من طريق أبى نعيم، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا زكريا الغلابى قال: حدثنا أبو عمرو الجرمى النحوى، قال: حدثنا الفضل بن الربيع، قال: حج أمير المؤمنين ـ يعنى هارون الرشيد ـ
стр. 2217
فأتانى فخرجت مسرعا. فقلت: يا أمير المؤمنين! لو أرسلت إلىّ أتيتك، فقال: ويحك، قد حاك فى نفسى شئ، فانظر لى رجلا أسأله، فقلت: هاهنا سفيان بن عيينة. قال: امض بنا إليه فأتيناه، فقرعت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلىّ أتيتك، فقال له، خذ لما جئناك له رحمك الله، فحدثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ فقال: نعم. فقال: يا عباس، اقض دينه.
فلما خرجنا قال: ما أغنى عنى صاحبك شيئا، انظر لى رجلا أسأله، قلت: هاهنا عبد الرزاق بن همام، قال: امض بنا إليه، فأتيناه فقرعنا الباب، فخرج مسرعا، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلىّ أتيتك، فقال: خذ لما جئناك له، فحادثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم. قال: يا عباس، افضل دينه، فلما خرجنا قال: ما أغنى عنى صاحبك شيئا، انظر لى رجلا أسأله، قلت: هاهنا الفضيل بن عياض، قال: امض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلى، يتلو آية من القرآن يردّدها، فقال: اقرع الباب. فقرعت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لى ولأمير المؤمنين! فقلت: سبحان الله، أما عليك طاعة؟ أليس قد روى عن النبى ﷺ : «ليس للمؤمن أن يذلّ نفسه». فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج، ثم ارتقى إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت يد هارون قبلى إليه، فقال: يا لها من كف، ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله عزوجل، فقلت فى نفسى: ليكلّمنّه الليلة بكلام نقى من قلب تقى، فقال له: خذ فيما جئناك له، فقال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة، دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظىّ، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إنى قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا علىّ، فعدّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم الدنيا، وليكن إفطارك منها الموت.
وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله، فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ابنا فوقرّ أباك، وأكرم أخاك، وتحنّن على ولدك.
وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت، وإنى أقول لك هذا، وإنى أخاف عليك أشد الخوف يوما تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك الله مثل هؤلاء، أو من يشير عليك بمثل هذا! فبكى هارون بكاء شديدا، حتى غشى عليه، فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين، فقال: يا ابن أم الربيع، تقتله أنت وأصحابك، وأرفق به
стр. 2218
أنا؟ ثم أفاق فقال له: زدنى رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، بلغنى أن عاملا لعمر ابن عبد العزيز شكا إليه، فكتب إليه عمر: يا أخى، اذكر طول شهر أهل النار فى النار، مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله، فيكون آخر العهد بك وانقطاع الرجاء.
قال: فلما قرأ الكتاب، طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبى بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله عزوجل، فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال: زدنى يرحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطفىصلى الله عليه وسلم، جاء إلى النبى ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أمرنى على إمارة، فقال له النبىصلى الله عليه وسلم: «إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل».
فبكى هارون بكاء شديدا، فقال: زدنى رحمك الله، فقال: يا حسن الوجه، أنت الذى يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقى هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسى وفى قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبىصلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة».
فبكى هارون وقال له: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربّى لم يحاسبنى عليه، فالويل لى إن سألنى، والويل لى إن حاسبنى، والويل لى إن لم ألهم حجّتى، قال: إنما أعنى من دين العيال. قال: إن ربى لم يأمرنى بهذا، أمرنى أن أصدق وعده وأطيع أمره، فقال جل وعز: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.) [الذاريات: ٥٦] فقال له: هذه ألف دينار، خذها فأنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادة ربك، فقال: سبحان الله! أنا أدلك على طريق النجاة، وأنت تكافئنى بمثل هذا! سلمك الله ووفقك، ثم صمت ولم يكلمنا، فخرجنا من عنده.
فلما صرنا على الباب، قال هارون: أيا عباس، إذا دللتنى على رجل، فدلنى على مثل هذا، هذا سيد المسلمين، فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت: يا هذا، قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فتفرحنا به، فقال: إنما مثلى ومثلكم، كمثل قوم لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه، فأكلوا لحمه، فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل، فعسى أن يقبل المال! فلما علم الفضيل، خرج فجلس فى السطح على باب الغرفة، فجاء هارون فجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك، خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا، قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك الله، فانصرفنا.
стр. 2219
وقال هارون بن إسحاق الهمذانى: حدثنى رجل من أهل مكة قال: كنا جلوسا مع الفضيل بن عياض، فقلنا: يا أبا على، كم سنّك؟ فقال [من المتقارب]:
بلغت الثمانين أو جزتها ... فماذا أؤمل أو أنتظر
أتت لى ثمانون من مولدى ... ودون الثمانين لى معتبر
علتنى السنون فأبليننى ... فدق العظام وكل البصر
وقال أبو عمار الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى: كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته، أنه عشق جارية، فبينا يرتقى الجدران إليها، إذ سمع تاليا يتلو: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ) [الحديد: ١٦] فلما سمعها، قال: بلى يا رب، قد آن، فرجع فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها قافلة، فقال بعضهم: نرتحل. وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل فى المعاصى، وقوم من المسلمين هاهنا يخافوننى! وما أرى الله تعالى ساقنى إليهم إلا لأرتدع، اللهم إنى قد تبت إليك، وجعلت توبتى مجاورة البيت الحرام. انتهى.
ذكره خليفة بن خياط فى الطبقة الخامسة من أهل مكة. وذكره محمد بن سعد فى الطبقة السادسة منهم، وقال: ولد بخراسان بكورة أبى ورد، وقدم مكة وهو كبير، فسمع بها الحديث من ابن المعتمر وغيره، ثم تعبد وانتقل إلى مكة، ونزلها، إلى أن مات بها فى أول سنة سبع وثمانين ومائة، فى خلافة هارون الرشيد.
وقال يحيى بن معين، وعلى بن المدينى، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن عبد الله بن نمير، والبخارى، فى آخرين: مات بمكة سنة سبع وثمانين ومائة، وزاد بعضهم: فى أول المحرم. وحكى عن هشام بن عمار أنه قال: مات يوم عاشوراء. انتهى.
وقال مجاهد بن موسى: مات سنة ثمانين ومائة. وقال أبو بكر بن عفان: سمعت وكيعا يوم مات الفضيل بن عياض يقول: ذهب الحزن اليوم من الأرض. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: حدث عنه سفيان الثورى، والحسين بن داود البلخى، وبين وفاتيهما مائة وإحدى وعشرون سنة، وحدث عنه أبو سهل الخياط، وبين وفاته ووفاة البلخى، مائة سنة وسنة وواحد (١).
روى له الجماعة، سوى ابن ماجة.
стр. 2220
[ ..... ] (٢).
٢٣١٤ ـ فليتة بن قاسم بن أبى هاشم محمد بن جعفر بن أبى هاشم محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن على بن أبى طالب الحسنى:
أمير مكة، هكذا سماه غير واحد، منهم ابن القادسى والذهبى، وبعضهم يقول فيه: أبو فليتة، وممن قال بذلك الذهبى أيضا، وذكر بأنه خلف أباه فأحسن السياسة، وأسقط المكس عن أهل مكة.
وذكر ابن الأثير، أنه كان أعدل من أبيه وأحسن سيرة، فأسقط المكوس وأحسن إلى الناس. انتهى.
وتوفى فى يوم السبت الحادى والعشرين من شعبان سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وكان له أولاد، منهم: شكر، ومفرّج، وموسى، وترجم كل منهم بالأمير، وما عرفت شيئا من حالهم سوى ذلك.
٢٣١٥ ـ فواز بن عقيل بن مبارك بن رميثة بن أبى نمى الحسنى المكى:
كان ممن أغار على مكة مع بنى عمه وغيرهم من الأشراف والقواد، فى يوم السبت الثانى عشر من رمضان سنة عشرين وثمانمائة، فقتله فى هذا اليوم بعض عسكر السيد حسن بن عجلان، لما خرجوا من مكة لقتالهم، وهو فى عشر الثلاثين فيما أحسب، وكان كثير التسلط على أهل قرية المبارك من وادى نخلة، والتكليف لهم.
٢٣١٦ ـ فياض بن أبى سويد بن أبى دعيج بن أبى نمى محمد بن أبى سعد الحسنى المكى:
كان من أعيان الأشراف. توفى مقتولا فى الثالث عشر أو الرابع عشر، من عشر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، قتله القواد العمرة، لأن الأشراف كانوا أغاروا على إبل لهم قبل، وذلك فى ثانى عشر الشهر وانتهبوها، فلحقوهم القواد فى التاريخ الذى ذكرناه، وقتلوه مع غيره.
* * *
стр. 2221
حرف القاف
٢٣١٧ ـ قارب بن عبد الله الأسود بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفى:
روى عنه ابنه عبد الله بن قارب، حديثا عن النبى ﷺ : «رحم الله المحلّقين». قال ابن عبد البر: وهو معروف مشهور، من وجوه ثقيف.
قال ابن عيينة: كانت راية الأحلاف أيام قتال رسول الله ﷺ ثقيف، وحصاره لهم بيده، ثم قال: قال فيه الحميدى، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب، أو مارب، هكذا على الشك، عن أبيه، عن جده، ولا أحفظ هذا الحديث من غير رواية ابن عيينة، وغير الحميدى يرويه «قارب» من غير شك، وهو الصواب.
* * *
من اسمه القاسم
٢٣١٨ ـ القاسم بن حسين بن قاسم المكى المعروف بالذويد، بذال معجمة مفتوحة وواو مكسورة وياء مثناة من تحت ساكنة ودال مهملة:
كان رجلا جيدا [ ....... ] (١).
توفى يوم الجمعة خامس صفر سنة سبع وسبعين وسبعمائة، ودفن بالمعلاة.
٢٣١٩ ـ القاسم بن الربيع، أبو العاص:
صهر النبى ﷺ ، ويقال لقيط. ذكره هكذا الذهبى. وذكر الكاشغرى نحوه، ولم أر من ذكره فيمن اسمه القاسم، وسيأتى فى الكنى.
стр. 2222
٢٣٢٠ ـ القاسم بن سلام الأنصارى، مولاهم، وقيل مولى الأزد، وقيل مولى بنى أمية، أبو عبيد البغدادى:
روى عن هشيم، وإسماعيل بن عياش، وأبى بكر بن عياش، وإسماعيل بن جعفر، وسفيان بن عيينة، وشريك بن عبد الله، وعباد بن عباد، وجرير بن عبد الحميد، وابن المبارك، ووكيع، وخلق. حتى إنه روى عن هشام بن عمار.
روى عنه: سعيد بن أبى مريم ـ وهو أحد شيوخه ـ ومحمد بن إسحاق، وعباس الدورى، والحارث بن أبى أسامة، وابن أبى الدنيا، وعلى بن عبد العزيز البغوى، وغيرهم.
روى له أبو داود (١). وقال أبو عمرو الدانى: أخذ القراءة عرضا وسماعا عن الكسائى، وعن شجاع البلخى، وعن إسماعيل بن جعفر، وعن حجاج بن محمد، وعن أبى مسهر.
стр. 2223
وروى عنه القراءات: ورّاقه أحمد بن إبراهيم، ورّاق خلف بن هشام، وأحمد بن يوسف التغلبى، وعلى بن عبد العزيزى البغوى، وغيرهم.
قال الذهبى: وله قراءة منقولة فى كتاب «المنتهى» لأبى الفضل الخزاعى. وأخذ العربية عن أبى زيد الأنصارى، والأصمعى وغيرهما. وله تواليف فى القرآن والحروف والفقه والحديث واللغة والشعر.
قال أبو داود: كان ثقة مأمونا. وقال الدارقطنى: ثقة جبل إمام. وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: كان أحد أئمة الدنيا، صاحب حديث وفقه وورع ودين، ومعرفة بالأدب وأيام الناس، ممن جمع وصنف واختار، وذب عن الحديث ونصره، وقمع من خالف وحاد عنه. وقال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: الحق يحبه الله، أبو عبيد أفقه منى وأعلم. وناهيك بهذه منقبة.
وقال الذهبى: وكان يجتهد ولا يقلد أحدا، وذكر ابن سعد، أنه ولى قضاء طرسوس أيام ثابت بن مضر الخزاعى، ولم يزل معه ومع ولده، وحج فتوفى بمكة سنة أربع وعشرين ومائتين. وهكذا قال ابن حبان فى وفياته، وغير واحد، منهم الذهبى، وقال: وله سبع وستون سنة، وحكى عن الخطيب أنه قال: ولد بهراة، وقال: كان رومىّ الأصل.
٢٣٢١ ـ قاسم بن سليمان بن محمود النجار المكى، يكنى أبا فليتة:
ذكره أبو العباس الميورقى فى تعاليقه، وذكر أنه سمعه يقول: رحلت إلى مصر، وكنت مشتغلا بالبناء، فكنت ذات يوم بالقصير، الذى هو الساحل الذى تشحن منه المراكب فى أيام الملك الكامل، فى نحو سنة ثلاثين وستمائة، وقبور أهل القصير على يمين طريق الحاج ويساره، وكان بها شر [ ... ] (١) الخمر، فأتى فى سكرته، فعاتبته أمه، فضربها بركبته اليمنى، فعاش شهرا ثم مات، فدفنوه وهى عليه ساخطة، وكانت عند ضربته قد قالت له: اغد يا بنى، كشفك الله فى دار الدنيا ودار الآخرة. فلما كان يوم الخميس من دفنه، خرجت من قبره ركبته التى ضرب بها أمه.
قال أبو فليتة: فنادانى تاجر من تجار الكارم، فبنيت عليه ورصصت البناء بالحصى والنّورة، فلم يشعر للخميس الآخر، إلا وركبته بارزة كما كانت، وما نفع بنيانى وإتقانى شيئا، فلما رأى الناس تلك الموعظة، راحوا إلى أمه وأتوا بها لتعاين قدرة الله
стр. 2224
تعالى فيه وترحمه، فلما عاينت ذلك منه، وعاينت البناء المرصص الذى لم ينفع فيه [ ... ] (٢) وابتهلت إلى الله تعالى فيه، فستره وعادت الركبة إلى القبر.
حدثنى بذلك يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من رمضان سنة ثمان وستين وستمائة، ودموعه تسيل. انتهى.
٢٣٢٢ ـ قاسم بن عبد المعطى بن أحمد بن عبد المعطى بن مكى بن طراد الأنصارى:
ذكره لى ولده شيخنا أبو بكر، أنه كان كثير المكارم، يجود بما يجد، حتى بقميصه.
مات بفاس من بلاد الغرب، سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة تقريبا. ومولده بمكة [ ... ] (١).
٢٣٢٣ ـ القاسم بن عبد الواحد بن أيمن القرشى، مولاهم، مولى ابن أبى عمرة المكى:
روى عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وأبى حازم الأعرج، وعمرو بن عبد الله بن عمرو. وروى عنه همام بن يحيى، وهو أكبر منه، وعبد الوارث بن سعيد، وآخرون.
روى له الترمذى، والنسائى، وابن ماجة. وذكره ابن حبّان فى الثقات. قال الذهبى: ومات شابا.
٢٣٢٤ ـ القاسم بن على بن أحمد بن على بن عبد المعطى الأنصارى الأندلسى، أبو محمد:
سمع بمصر والشام من جماعة، وحج وأقام بمكة حتى مات بها، فى ذى الحجة سنة ستين وستمائة. ذكره الشريف أبو القاسم الحسينى فى وفياته.
стр. 2225
٢٣٢٥ ـ قاسم بن أبى الغيث بن أحمد بن عثمان العبسى ـ بباء موحدة وسين مهملة ـ اليمنى الزبيدى:
ولد بزبيد ونشأ بها، وتردد منها إلى عدن، وإلى غيرها من بلاد اليمن والهند ومصر للتجارة، وحصّل دنيا طائلة، ثم ذهب كثير منها فى سفرة سافرها إلى مصر، فى سنة خمس وثمانمائة، ثم عاد منها إلى مكة سنة [ ... ] (١) وثمانمائة، وأقام بها حتى مات، بعد أن عمر بها دارا حسنة بالسويقة، وقفها مع دور له بعدن وزبيد، على أولاد له صغار، سنة اثنتى عشرة، وكان حسن الطريقة خيرا.
توفى سحر ليلة الأحد، السادس عشر من شوال سنة أربع عشرة وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، وقد قارب السبعين.
٢٣٢٦ ـ القاسم بن رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمى:
ذكره الذهبى وقال: ذكره الزبير وغيره. وقيل عاش جمعة. وقال الكاشغرى: مات وهو ابن سبعة أيام، وقيل ابن سنتين، قبل الدعوة، ولا يعد فى الصحابة، وقيل توفى بعد الوحى.
٢٣٢٧ ـ قاسم بن محمد بن جعفر بن أبى هاشم بن محمد بن الحسن بن محمد ابن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى، أبو محمد بن أبى هاشم:
أمير مكة. ذكر ابن الأثير: أنه هرب عن مكة فى سنة سبع وثمانين وأربعمائة، لما تولى عليها أصبهبذ عنوة، ثم جمع له وكبسه بعسفان، فانهزم أصبهبذ، ودخل قاسم مكة فى شوال هذه السنة. وفى هذه السنة كان موت أبيه أبى هاشم.
وذكره النّويرىّ فى تاريخه، فى أخبار سنة اثنتى عشرة وخمسمائة: أن أبا محمد قاسم ابن أبى هاشم أمير مكة، عمر مراكب حربية، وشحنها بالمقاتلة، وسيرهم إلى عيذاب، فنهبوا مراكب التجار، وقتلوا جماعة منهم، فحضر من سلم من التجار إلى باب الأفضل، يعنى ابن أمير الجيوش وزير الديار المصرية، وشكوا ما أخذ منهم، وأمر بعمارة حراريق ليجهزها، ومنع الناس أن يحجوا فى سنة أربع عشرة، وقطع الميرة عن الحجاز، فغلت الأسعار، وكان الأفضل قد كتب إلى الأشراف بمكة، يلومهم على فعل صاحبهم، وضمن كتبه التهديد والوعيد، وضاقوا بذلك ذرعا ولاموا صاحبهم، فكتب الشريف إلى الأفضل يعتذر، والتزم برد المال إلى أربابه، ومن قتل من التجار رد ماله لورثته، وأعاد الأموال فى سنة خمس عشرة. انتهى.
وذكر ابن الأثير فى «الكامل»: أن فى سنة خمس عشرة وخمسمائة، ظهر بمكة إنسان
стр. 2226
علوى، وأمر بالمعروف، فكثر جمعه، ونازع أمير مكة ابن أبى هاشم، فقوى أمره وعزم على أن يخطب لنفسه، فعاد ابن أبى هاشم، وظفر به ونفاه عن الحجاز إلى البحرين، وكان هذا العلوى من فقهاء النظامية ببغداد. انتهى.
ولم يبين ابن الأثير، ابن أبى هاشم المشار إليه، وهو قاسم المذكور، لأنه كان أمير مكة فى هذا التاريخ بلا ريب، وتوفى كما ذكر الذهبى فى صفر سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وقد ذكر وفاته فى هذه السنة غير واحد. ورأيت فى بعض التواريخ، أنه توفى يوم السابع عشر من الشهر المذكور. وفى تاريخ ابن الأثير، أنه توفى فى سنة سبع عشرة وخمسمائة، والله أعلم بالصواب.
ومن شعره فى وصف حرب، فخر فيه بقومه، على ما وجدت بخط ابن مسدى، وذكر أن أبا الحسن على بن يعلى السخيلى، أنشد ذلك بمكة، عن غير واحد من مشيخة مكة للمذكور [من الكامل]:
قوم إذا خاضوا العجاج حسبتهم ... ليلا وخلت وجوههم أقمارا
لا يبخلون برفدهم عن جارهم ... عدل الزمان عليهم أم جارا
وإذا الصريخ دعاهم لملمة ... بذلوا النفوس وفارقوا الأعمارا
وإذا زناد الحرب أكبت نارها ... قدحوا بأطراف الأسنة نارا
٢٣٢٨ ـ القاسم بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف بن قصى بن كلاب القرشى المطلبى:
أخو قيس بن مخرمة. أعطاه النبى ﷺ ولأخيه الصلت، مائة وسق من خيبر. قال ابن عبد البر: لا أعلم للقاسم ولا للصلت رواية.
٢٣٢٩ ـ قاسم بن مهنّا بن حسين بن مهنّا بن داود بن أبى أحمد القاسم بن أبى عبد الله بن أبى القاسم طاهر بن يحيى النسابة بن الحسين بن جعفر حجة الله بن أبى جعفر عبد الله بن الحسين الأصغر بن زين العابدين على بن الحسين بن على بن أبى طالب الحسينى، أبو فليتة ال مدنى:
أمير المدينة. ولى إمرتها فى زمن المستضئ العباسى، وأقام على ذلك خمسا وعشرين سنة، على ما وجدت ولايته، وليست فى تاريخ شيخنا ابن خلدون.
ووجدت بخط بعض المكيين، أنه قدم إلى مكة فى موسم سنة إحدى وسبعين وخمسمائة مع الحاج، وأن أمير الحاج سلم إليه مكة ثلاثة أيام، ثم سلّمت بعد ذلك لداود بن عيسى بن فليتة السابق ذكره.
٢٣٣٠ ـ قاسم بن هاشم بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر الحسنى، أمير مكة، المعروف بابن أبى هاشم:
ولى بعد أبيه إمرة مكة، واختلف فى تاريخ ولايته، فذكر عمارة اليمنى الشاعر، فى
стр. 2227
تأليف له سماه «النكت العصرية فى أخبار الوزراء المصرية» ولايته مع شيء من خبره، لأنه قال بعد ذكر شيء من حاله باليمن: خرجت إلى مكة حاجّا، بل هاجّا، سنة تسع وأربعين، يعنى وخمسمائة. وفى موسم هذه السنة، مات أمير الحرمين هاشم بن فليتة، وولى الحرمين، ولده قاسم بن هاشم، فألزمنى السفارة عنه، والرسالة منه إلى الدولة المصرية، فقدمتها فى شهر ربيع الأول، سنة خمسين وخمسمائة، والخليفة بها يومئذ الفائز ابن الظافر، والوزير له الملك الصالح طلائع بن رزّيك. ثم قال: ثم عدت من مصر فى شوال سنة خمسين، وأدركنا الحج والزيارة، فى بقية سنة خمسين وورد أمر الخليفة ببغداد، وهو المقتفى، إلى أمير الحرمين، قاسم بن هاشم، يأمره أن يركب على باب الكعبة المعظمة، باب ساج جديد، قد ألبس جميع خشبه الفضة وطلى بذهب، وأن يأخذ أمير الحرمين حلية الباب القديم لنفسه، وأن يسيّر إليه خشب الباب القديم مجردا، ليجعله تابوتا يدفن فيه عند موته، فلما قدمت من الزيارة، سألنى أمير الحرمين أن أبيع له الفضة التى أخذها من على الباب فى اليمن، ومبلغ وزنها خمسة عشر ألف درهم، فتوجهت إلى زبيد وعدن، من مكة حرسها الله تعالى سنة إحدى وخمسين، وحججت فى الموسم منها، ودفعت لأمير الحرمين ماله، ثم توجهت أريد الخروج إلى اليمن، فألزمنى أمير الحرمين التّرسّل عنه إلى الملك الصالح، بسبب جناية جناها خدمه على حاج مصر والشام، وهو مال أخذ منهم بمكة، فخرج الأمر من عند الصالح إلى الوالى بقوص، أن يعوقنى بقوص، ولا يأذن لى فى الرجوع ولا فى القدوم إلى باب السلطان، حتى يرد أمير الحرمين ما أخذ من مال التجار.
ثم ذكر عمارة فى أخبار الناصر بن الصالح طلائع بن رزيك، أنه قام عن الحجيج بما يستأديه منهم أمير الحرمين، وسير على يد الأمير شمس الخلافة، إما خمسة عشر ألف أو دونها، إلى أمير الحرمين، قاسم بن هاشم، برسم إطلاق الحاج. انتهى.
ووجدت بخط الفقيه جمال الدين بن البرهان الطبرى، أن الأمير قاسم بن هاشم بن فليتة، ولى بعد أبيه يوم الأربعاء ثانى عشر محرم، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وما اختلف عليه اثنان، وأنه أمن البلاد.
وفى ولاية قاسم هذا على مكة، دخل هذيل إلى مكة ونهبوا، وذلك فى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، على ما وجدت بخط ابن البرهان أيضا، ووجدت بخطه أن قاسما المذكور، قتل يوم السابع والعشرين، من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وخمسمائة، ولم يذكر من قتله، ولا سبب قتله.
وذكر ذلك ابن الأثير فى كامله، مع شيء من خبر قاسم هذا، لأنه قال فى أخبار سنة ست وخمسين: كان أمير مكة هذه السنة قاسم بن فليتة بن قاسم بن أبى هاشم العلوى الحسنى، فلما سمع بقرب الحجاج من مكة، صادر المجاورين وأعيان أهل مكة،
стр. 2228
وأخذ كثيرا من أموالهم، وهرب من مكة خوفا من أمير الحاج أرغن.
وكان قد حج هذه السنة زين الدين على بن بالتكين صاحب جيش الموصل، ومعه طائفة صالحة من العسكر، فلما وصل أمير الحاج إلى مكة، رتب مكان قاسم بن فليتة عمه عيسى بن قاسم بن أبى هاشم، فبقى كذلك إلى شهر رمضان، ثم إن قاسم بن فليتة، جمع جمعا كثيرا من العرب، أطمعهم فى مال له بمكة، فاتبعوه، فسار بهم إليها، فلما علم عمه عيسى، فارقها ودخلها قاسم، وأقام بها أميرا أياما، ولم يكن له مال يوصله إلى العرب، ثم إنه قتل قائدا كان معه حسن السيرة، فتغيرت نيات أصحابه، عليه فكاتبوا عمه عيسى، فقدم عليهم، فهرب قاسم وصعد جبل أبى قبيس، فسقط عن فرسه، فأخذه أصحاب عيسى فقتلوه، فسمع عيسى، فعظم عليه قتله، وأخذه وغسله، ودفن بالمعلاة عند أبيه فليتة، واستقر الأمر لعيسى. انتهى بنصه.
وما ذكره ابن الأثير، يقتضى أن قاسم بن هاشم، إنما توفى سنة سبع وخمسين، وهو يخالف ما سبق من أنه توفى فى سابع عشرى جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة. والصواب فى نسبته: قاسم بن هاشم بن فليتة، لا قاسم بن فليتة، كما ذكر ابن الأثير، وقد نبهنا على ذلك فى ترجمة عمه عيسى بن فليتة.
٢٣٣١ ـ القاسم بن أبى بزّة، يسار، وقيل نافع، مولى عبد الله بن السائب بن صيفى، أبو عبد الله، ويقال أبو عاصم المكى القارى:
روى عن أبى الطفيل، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وسليمان بن قيس، وجماعة. روى عنه عمرو بن دينار، مع تقدمه، وابن جريج، وسعيد بن هلال، وشعبة، ومسعر، وداود ابن عبد الرحمن العطار، وطائفة. روى له الجماعة.
قال يحيى بن معين، وأحمد بن عبد الله، وابن سعد: هو ثقة. وذكره ابن حبّان فى الثقات، وقال: لم يسمع التفسير من مجاهد أحد، غير القاسم بن أبى بزة. وقال: يسار جده من فاس، وأسلم على يد السائب بن صيفى. مات سنة أربع عشرة ومائة، أو خمس عشرة، وقد قيل إنه مات سنة خمس وعشرين، والأول أصح. انتهى.
وقال الذهبى: قال الواقدى: توفى بمكة سنة أربع وعشرين، وهكذا ذكر فى الكاشف والعبر. وكذا جزم به صاحب الكمال.
стр. 2229
٢٣٣٢ ـ القاسم، مولى أبى بكر الصديق رضى الله عنه:
له صحبة ورواية. ذكره هكذا ابن عبد البر، وقال الذهبى: القاسم، مولى أبى بكر الصديق، له صحبة، ذكره البغوى، والأشهر فيه أبو القاسم.
٢٣٣٣ ـ القاسم، أبو عبد الرحمن، مولى معاوية:
ذكره هكذا الذهبى وقال: أورده عبدان فى الصحابة، وهو وهم بيّن. وقال الكاشغرى معنى ذلك. قال: قال ابن الأثير: ظن بعض النساخ أنه معاوية بن أبى سفيان، والذى أظنه، مولى بنى معاوية بن مالك الأوسى، يدل عليه ما روى: أنه ضرب رجلا يوم أحد، وقال: خذها وأنا الغلام الفارسى، فقال رسول الله ﷺ : «وما منعك أن تقول: خذها وأنا الغلام الأنصارى، وأنت منهم، وإن مولى القوم منهم».
٢٣٣٤ ـ قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة بن عمرو بن كليب بن أصرم الخزاعى، يكنى أبا إسحاق، وقيل أبا سعيد:
ولد فى أول سنة من الهجرة، وقيل فى عام الفتح، وروى عن أبى هريرة، وأبى الدرداء، وزيد بن ثابت، وغيرهم من الصحابة، رضى الله عنهم.
وروى عنه رجاء بن حيوة، ومكحول، والزهرى، وكان إذا ذكره قال: كان من
стр. 2230
علماء هذه الأمة. روى له الجماعة.
قال ابن عبد البر: كان يقال: له فقه وعلم، وكان على خاتم عبد الملك بن مروان. وذكره ابن سعد فى الطبقة الأولى من أهل المدينة، قال: وكان تحول إلى الشام، وكان أنزل الناس عند عبد الملك بن مروان، وكان يقرأ الكتب إذا وردت، ثم يدخلها على عبد الملك فيخبره بما فيها، وكان البريد إليه، وكان ثقة كثير الحديث.
وقال العلاء، عن يحيى بن معين: أتى رسول الله ﷺ بقبيصة بن ذؤيب الخزاعى، ليدعو له بالبركة بعد وفاة أبيه، فقال رسول الله ﷺ : «هذا رجل يسار». قال الوليد: يعنى أنه لم يبق لأهله ذكر غيره.
وقال الأعمش عن أبى الزناد: فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وقبيصة بن ذؤيب، وعروة بن الزبير، وعبد الملك بن مروان. قال الهيثم بن عدى، عن عبد الله بن عباس، فى تسمية العور من الأشراف: قبيصة بن ذؤيب، ذهبت عينه يوم الحرة. انتهى.
وتوفى قبيصة سنة ست وثمانين، على ما قال خليفة، والفلاس، وعلى بن المدينى، وغيرهم. وله من العمر ست وثمانون، وقيل سنة ست أو سبع، قاله الواقدى، زاد سعد: بالشام. وقيل سنة ثمان وثمانين، قاله خيثمة، عن يحيى بن معين، وقيل سنة تسع وثمانين، قاله المدائنى.
٢٣٣٥ ـ قبيصة المخزومى:
يقال هو الذى صنع منبر النبى ﷺ ، ذكره بعض المغاربة. هكذا ذكره الذهبى فى التجريد.
٢٣٣٦ ـ قبيصة بن الدمون بن عبيد الصدفى:
بايع رسول الله ﷺ ، وهو وأخوه، وهما من ثقيف.
٢٣٣٧ ـ قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله ابن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، يكنى أبا عزيز الينبعىّ المكى:
صاحب مكة وينبع، وغير ذلك من بلاد الحجاز، ولى مكة عشرين سنة أو نحوها،
стр. 2231
على الخلاف فى مبدأ ولايته بمكة، هل هو سنة سبع وتسعين وخمسمائة، على ما ذكر الميورقى، نقلا عن القاضى فخر الدين عثمان بن عبد الواحد العسقلانى المكى، أو هو سنة ثمان وتسعين كما ذكر الذهبى فى العبر، أو هو سنة تسع وتسعين، بتقديم التاء على السين، على ما ذكر ابن محفوظ، وذلك بعد ملكه لينبع، وكان هو وأهله مستوطنين نهر العلقمية من وادى ينبع، وصارت له على قومه الرئاسة، فجمعهم وأركبهم الخيل، وحارب الأشراف بنى حراب، من ولد عبد الله بن الحسن بن الحسن، وبنى على، وبنى أحمد، وبنى إبراهيم، ثم إنه استألف بنى أحمد، وبنى إبراهيم، وذلك أيضا بعد ملكه لوادى الصفراء، وإخراجه لبنى يحيى منه، وكان سبب طمعه فى إمرة مكة، على ما بلغنى، ما بلغه من انهماك أمرائها الهواشم بنى فليتة على اللهو، وتبسطهم فى الظلم، وإعراضهم عن صونها ممن يريدها بسوء، اغترارا منهم بما هم فيه من العز والهسف (١) لمن عارضهم فى مرادهم، وإن كان ظلما أو غيره، فتوحش عليهم لذلك خواطر جماعة من قوادهم، ولما عرف ذلك منهم قتادة، استمالهم إليه، وسألهم المساعدة على ما يرونه من الاستيلاء على مكة، وجرأه على المسير إليها مع ما فى نفسه، أن بعض الناس، فزع إليه مستغيثا به فى ظلامة ظلمها بمكة، فوعده بالنصر.
وتجهز إلى مكة فى جماعة من قومه، فما شعر به أهل مكة، إلا وهو بها معهم، وولاتهم على ما هم فيه من الانهماك فى اللهو، فلم يكن لهم بمقاومته طاقة، فملكها دونهم، وقيل إنه لم يأت إليها بنفسه فى ابتداء ملكه لها، وإنما أرسل إليها ابنه حنظلة فملكها، وخرج منها مكثّر بن عيسى بن فليتة إلى نخلة، ذكره ابن محفوظ، وذكر أن فى سنة ستمائة، وصل محمد بن مكثر، وتقاتلوا عند المتكا، وتمت البلاد لقتادة، وجاء إليها بنفسه بعد ولده حنظلة. انتهى والله أعلم بالصواب فى ذلك.
وذكر ابن الأثير، أن فى سنة إحدى وستمائة، كانت الحرب بين قتادة الحسنى أمير مكة المشرفة، وبين الأمير سالم بن قاسم الحسينى أمير المدينة، ومع كل واحد منهما جمع كثير، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكانت الحرب بذى الحليفة بالقرب من المدينة، وكان قتادة قد قصد المدينة ليحصرها ويأخذها، فلقيه سالم بعد أن قصد الحجرة الشريفة النبوية، على ساكنها السلام، وصلى عندها ودعا، وسار فلقيه، فانهزم قتادة، وتبعه سالم إلى مكة فحصرها، فأرسل قتادة إلى من مع سالم من الأمراء، فأفسدهم عليه، فمالوا إليه وحالفوه، فلما علم سالم ذلك، رحل عنه عائدا إلى المدينة، وعاد أمر قتادة يقوى. انتهى.
стр. 2232
وقد ذكر ابن سعيد، مؤرخ المغرب والمشرق، حرب قتادة وصاحب المدينة فى هذه السنة، وأفاد فيه ما لم يفده ابن الأثير، فنذكر ذلك لما فيه من الفائدة، ونص ما ذكره قال: وفى سنة إحدى وستمائة، كانت بالحجاز، وهى من البلاد التى يخطب فيها للعادل بن أيوب، وقعة المصارع، التى يقول فيها أبو عزيز قتادة الحسنى صاحب مكة [من الطويل]:
مصارع آل المصطفى عدت مثلما ... بدأت ولكن صرت بين الأقارب
قتل فيها جماعة من الفاطميين، وكان أمرها، على ما ذكره مؤرخو الحجاز: أن أبا عزيز، هجم من مكة على المدينة النبوية، فخرج له صاحب المدينة سالم بن قاسم الحسينى، فكسره أبو عزيز، وحصره أياما، وكان سالم فى أثناء ذلك يحسن سياسة الحرب، ويستميل أصحاب أبى عزيز، إلى أن خرج عليه، وهو مغتر متهاون به، فكسره سالم، وأسر جمعا من أصحابه، وتبعه إلى مكة فحصره فيها على عدد أيام حصاره بالمدينة، وكتب إليه: يابن العم، كسرة بكسرة، وأيام حصار بمثلها، والبادى أظلم، فإن كان أعجبكم عامكم، فعودوا ليثرب فى القابل. انتهى.
وذكر أبو شامة شيئا غير هذا من خبر قتادة مع أهل المدينة، لأنه قال بعد أن ذكر أن المعظم صاحب دمشق عيسى بن العادل أبى بكر بن أيوب، حج فى سنة إحدى عشرة وستمائة: ولما عاد إلى المدينة شكا إليه سالم من جور قتادة، فوعده أن ينجده عليه، ثم قال: فجهز جيشا مع الناهض بن الجرخى إلى المدينة، والتقاهم سالم فأكرمهم، وقصدوا مكة، فانهزم قتادة منهم إلى البرية، ولم يقف بين أيديهم. انتهى.
وقال أبو شامة فى أخبار سنة اثنتى عشرة وستمائة: ووصل الخبر من جهة الحجاز، بنزول قتادة صاحب مكة على المدينة حرسها الله تعالى، تاسع صفر، وحصرها أياما، وقطع ثمرها جميعه، وكثيرا من نخيلها، فقاتله من فيها، وقتل جماعة من أصحابه، ورحل عنها خاسرا.
وقال فى أخبار هذه السنة أيضا: وفى ثالث شعبان، سار الأمير سالم صاحب المدينة بمن استخدمه من التركمان، والمراحل إليها من المخيمّ السلطانى بالكسوة، ثم توفى بالطريق قبل وصوله إلى المدينة، وقام ولد أخيه جماز بالإمرة بعده، واجتمع أهله على طاعته، فمضى بمن كان مع عمه، لقصد قتادة صاحب مكة، فجمع قتادة عسكر وأصحابه، والتقوا بوادى الصفراء، فكانت الغلبة لعسكر المدينة، فاستولوا على عسكر قتادة قتلا ونهبا، ومضى قتادة منهزما إلى ينبع، فتبعوه وحصروه بقلعته، وحصل لحميد
стр. 2233
ابن راجب من الغنيمة، ما يزيد على مائة فرس، وهو واحد من جماعة كثيرة من العرب الكلابيين، وعاد الأجناد الذين كانوا مضوا مع الأمير سالم من الشام، من التركمان وغيرهم، صحبة الناهض بن الجرخى خادم المعتمد، وفى صحبتهم كثير مما غنموه من أعمال قتادة، ومن وقعة وادى الصفراء، من نساء وصبيان، وظهر فيهم أشراف حسنيون وحسينيون، فاستعيدوا منهم، وسلّموا إلى المعروفين من أشراف دمشق، ليكفلوهم ويشاركوهم فى قسمهم من وقفهم. انتهى.
وهذا الخبر يقتضى أن سالما لم يحضر القتال الذى كان بين قتادة والعسكر، الذى أنفذه المعظم لقتال قتادة، نصرة لسالم، لموت سالم فى الطريق، وأنه سار مع العسكر من دمشق إلى أن مات بالطريق، والخبر الأول يقتضى أن سالما حضر مع العسكر قتالهم لقتادة، ويقتضى أيضا أن سالما لم يسر مع العسكر من دمشق، وإنما لقيهم بالمدينة أو فى الطريق.
وهذا الخبر نقله أبو شامة عن صاحب مرآة الزمان، وما ذكره أبو شامة أصوب مما ذكره عن صاحب المرآة، لا تحاد القصة. والله أعلم.
وذكر أبو شامة سبب إنجاد المعظم لسالم على قتادة، لأنه قال لما ذكر حج المعظم: وتلقاه سالم أمير المدينة وخدمه، وقدم له الخيل والهدايا، وسلم إليه مفاتيح المدينة، وفتح الأهراء، وأنزله فى داره، وخدمه خدمة عظيمة، ثم سار إلى مكة، فوصلها يوم الثلاثاء سادس ذى الحجة. ثم قال أبو شامة: قال أبو المظفر سبط بن الجوزى: والتقاه قتادة أبو عزيز أمير مكة، وحضر فى خدمته. قال أبو المظفر: وحكى لى ﵀ يعنى المعظم ـ قال: قلت له ـ يعنى قتادة ـ: أين ننزل؟ فأشار إلى الأبطح بسوطه، وقال: هناك. فنزلنا بالأبطح، وبعث إلينا هدايا يسيرة. انتهى.
وذكر أبو شامة خبرا اتفق لقتادة وقاسم بن مجاز أمير المدينة، ونص ما ذكره فى أخبار سنة ثلاث عشرة وستمائة: فيها وصل الخبر بتسليم نواب الكامل الينبع، من نواب قتادة، حماية له من قاسم بن جماز صاحب المدينة، وبأن قاسم بن جماز أخذ وادى القرى ونخلة من قتادة؛ وهو مقيم به ينتظر الحاج، حتى يقضوا مناسكهم، وينازل هو مكة بعد انفصالهم عنها. انتهى.
وذكر ابن محفوظ شيئا من خبر قتادة وقاسم، لأنه قال: سنة ثلاث عشرة وستمائة، كان فيها وقعة الحميمة، جاء الأمير قاسم الحسينى بعسكر من المدينة، وأغار على جدة، وخرج له صاحب مكة قتادة، والتقوا بين القصر والحميمة، وكانت الكسرة على قاسم، وكان ذلك يوم النحر فى هذه السنة. انتهى.
стр. 2234
هذا ما علمته من حروب قتادة مع أهل المدينة، وقد سبق فى ترجمة ابنه حسن بن قتادة، أن أباه قتادة فى سنة موته، جمع جموعا كثيرة، وسار عن مكة إلى المدينة، ولما نزل بالفرع، سيّر على الجيش أخاه، وابنه حسنا لمرض عرض له، وما عرفت خبر عسكر قتادة هذا مع أهل المدينة، وكان بين قتادة صاحب مكة، وثقيف أهل الطائف، حرب ظهر فيه قتادة على ثقيف، وبلغنى أنه لما ظهر على ثقيف، هرب منه طائفة منهم، وتحصنوا فى حصونهم، فأرسل إليهم قتادة يستدعيهم للحضور إليه، ويؤمنهم، وتوعدهم بالقتل إن لم يحضروا إليه فتشاور ثقيف فى ذلك، ومال أكثرهم إلى الحضور عند قتادة، خيفة أن يهلكهم إذا ظهر عليهم، فحضروا عند قتادة، فقتلهم واستخلف على بلادهم نوابا من قبله، وعضدهم بعبيد له، فلم يبق لأهل الطائف معهم كلمة ولا حرمة، فأعمل أهل الطائف حيلة فى قتل جماعة قتادة، وهى أنهم يدفنون سيوفهم فى مجالسهم، التى جرت عادتهم بالجلوس فيها مع أصحاب قتادة، ويستدعون أصحاب قتادة للحضور إليهم، فإذا حضروا إليهم وثب كل من أهل الطائف بسيفه المدفون، على جليسه من أصحاب قتادة، فيقتله به، فلما فعلوا ذلك، استدعوا أصحاب قتادة إلى الموضع الذى دفنوا فيه سيوفهم، وأوهموهم أن استدعاءهم لهم بسبب كتاب ورد عليهم من قتادة، فحضر إليهم أصحاب قتادة بغير سلاح، لعدم مبالاتهم بأهل الطائف، لما أوقعوا فى قلوبهم من الرعب منهم، فلما اجتمع الفريقان واطمأنت بهم المجالس، وثب كل من أهل الطائف على جليسه، ففتك به، ولم يسلم من أصحاب قتادة إلا واحد، على ما قيل، هرب ووصل إلى قتادة، وقد تخبل عقله لشدة ما رآه من الروع فى أصحابه، وأخبر قتادة بالخبر، فلم يصدقه، وظنه جنّ لما رأى فيه من التخبل، وكان حرب قتادة لأهل الطائف، فى سنة ثلاث عشرة وستمائة، على ما ذكر الميورقى، وذكر أن فى هذه الواقعة، فقد كتاب النبى ﷺ لأهل الطائف، لما نهب جيش قتادة البلاد، ونص ما ذكره الميورقى فى ذلك، قال: قال لى تميم بن حمدان الثقفى العوفى: قتل أبى ﵀، فى نوبة قتل الشريف قتادة لمشايخ ثقيف، بدار بنى يسار، من قرى الطائف، ونهب الجيش البلاد، ففقدنا الكتاب فى جملة ما فقدناه، وهو كان عند أبى، لكونه كان شيخ قبيلته. قال قاضى الطائف يحيى بن عيسى: قتل أبى عيسى ﵀ فى هذه النوبة، بقرية لقيم، لثلاث عشرة من جمادى سنة ثلاث عشرة وستمائة. انتهى.
وذكر أبو شامة لقتادة أخبارا مذمومة، لأنه قال فى أخبار سنة سبع وستمائة: وقال أبو المظفر: وفى عاشر محرم، وصل حسن الحجاز، من مكة سائقا للحاج، وأخبر بأن قتادة صاحب مكة، قتل المعروف بعبد الله الأسير، ثم وصل كتاب من مرزوق
стр. 2235
الطشتدار الأسدى، فى الخامس والعشرين من المحرم، وكان حاجا، يخبر فيه بأن قتادة قتل إمام الحنفية وإمام الشافعية بمكة، ونهب الحاج اليمنيين.
وقال أيضا سنة ثمان وستمائة: فيها نهب الحاج العراقى، وكان حج بالناس من العراق، علاء الدين محمد بن ياقوت، نيابة عن أبيه، ومعه ابن أبى فراس، يثقفه ويدبره، وحج من الشام، الصمصام إسماعيل، أخو سياروج النجمى على حاج دمشق وعلى حاج القدس، الشجاع على بن سلار. وكانت ربيعة خاتون بنت أيوب أخت العادل فى الحج.
فلما كان يوم النحر بمنى بعد رمى الناس الجمرة وثب بعض الإسماعيلية، على رجل شريف من بنى عم قتادة، أشبه الناس به، وظنوه إياه، فقتلوه عند الجمرة، ويقال إن الذى قتله، كان مع أم جلال الدين، وثار عبيد مكة والأشراف، وصعدوا على الجبلين بمنى، وهللوا وكبروا، وضربوا الناس بالحجارة والمقاليع والنّشّاب، ونهبوا الناس يوم العيد والليلة واليوم الثانى، وقتل من الفريقين جماعة، فقال ابن أبى فراس لمحمد بن ياقوت: ارحلوا بنا إلى الزاهر، إلى منزلة الشاميين، فلما حصلت الأثقال على الجمال، حمل قتادة أمير مكة والعبيد، فأخذوا الجميع إلا القليل.
وقال قتادة: ما كان المقصود إلا أنا، والله لا أبقيت من حاج العراق أحدا، وكانت ربيعة خاتون بالزاهر، ومعها ابن السلار، وأخو سياروج، وحاج الشام، فجاء محمد بن ياقوت أمير الحاج العراقى، فدخل خيمة ربيعة خاتون مستجيرا بها، ومعه خاتون أم جلال الدين، فبعثته ربيعة خاتون مع ابن السلار، إلى قتادة تقول له: ما ذنب الناس! قد قتلت القاتل، وجعلت ذلك وسيلة إلى نهب المسلمين، واستحللت الدماء فى الشهر الحرام، فى الحرم، والمال، وقد عرفت من نحن، والله لئن لم تنته، لأفعلن، ولأفعلن.
فجاء إليه ابن السلار، فخوفه وهدده، وقال: ارجع عن هذا، وإلا قصدك الخليفة من العراق ونحن من الشام، فكف عنهم، وطلب مائة ألف دينار، فجمعوا له ثلاثين ألفا من أمير الحاج العراقى، ومن خاتون أم جلال الدين، وأقام الناس ثلاثة أيام حول خيمة ربيعة خاتون، بين قتيل وجريح ومسلوب وجائع وعريان.
وقال قتادة: ما فعل هذا إلا الخليفة، ولئن عاد قرب أحد من بغداد إلى هنا، لأقتلن الجميع. ويقال إنه أخذ من المال والمتاع وغيره، ما قيمته ألفا ألف دينار، وأذن للناس فى الدخول إلى مكة، فدخل الأصحاء الأقوياء، فطافوا وأى طواف. ومعظم الناس ما دخل، ورحلوا إلى المدينة، ودخلوا بغداد على غاية الفقر والذل والهوان، ولم ينتطح فيها عنزان. انتهى.
стр. 2236
وكلام أبى شامة، يقتضى أن العراقيين لما دخلوا للالتجاء بالحجاج الشاميين، كان الشاميون نازلين بالزاهر. وكلام ابن الأثير، يقتضى أن ذلك وقع والشاميون بمنى، ثم رحلوا جميعا إلى الزاهر، وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم.
وأما قول أبى شامة: ولم ينتطح فيها عنزان، فسببه أن قتادة، أرسل إلى الخليفة ببغداد يسأله العفو، فأجيب إلى سؤاله، وسيأتى ذلك إن شاء الله تعالى قريبا.
وذكر ابن سعيد المغربى هذه الحادثة، وذكر فيها أن أصحاب قتادة، فعلوا بمن كان من الحجاج فى مكة، مثل ما فعلوا فيهم بمنى، وذكر أن الأشراف قتلوا القاتل بمنى، وظنوا أنه حشيشى، وذكر ابن سعيد شيئا مما كان بين قتادة وأهل العراق، بسبب هذه الحادثة، وأفاد فى ذلك ما لم أره لغيره، فنذكره.
ونص ما ذكره فى أخبار سنة تسع وستمائة: وصل من قبل الخليفة الناصر، إلى أبى عزيز الحسنى صاحب مكة، مع الركب العراقى، مال وخلع وكسوة البيت على العادة، ولم يظهر له الخليفة إنكارا على ما تقدم من نهب الحاج، وجعل أمير الركب يستدرجه ويخدعه، بأنه لم يصح عند الديوان العزيز، إلا أن الشرفاء وأتباعهم نهبوا أطراف الحاج، ولولا تلافيك أمرهم، لكان الاصطلام، وقال: يقول لك مولانا الوزير: وليس كمال الخدمة الإمامية، إلا بتقبيل العتبة، ولا عز الدنيا والآخرة، إلا بنيل هذه المرتبة، فقال له: أنظر فى ذلك، ثم تسمع الجواب، واجتمع ببنى عمه الأشراف، وعرّفهم أن ذلك استدراج لهم وله، حتى يتمكن من الجميع، وقال: يا بنى الزهراء، عزكم إلى آخر الدهر، مجاورة هذه البنية والاجتماع فى بطائحها، واعتمدوا بعد اليوم، أن تعاملوا هؤلاء القوم بالشر، يوهنوكم من طريق الدنيا والآخرة، ولا يرغبوكم بالأموال والعدد والعدد، فإن الله قد عصمكم وعصم أرضكم بانقطاعها، وإنها لا تبلغ إلا بشق الأنفس، قال: ثم غدا أبو عزيز على أمير الركب، وقال له: اسمع الجواب، ثم أنشده ما نظمه فى ذلك (٢):
ولى كف ضرغام أصول ببطشها ... وأشرى بها بين الورى وأبيع
تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها (٣) ... وفى بطنها للمجدبين ربيع
أأجعلها تحت الثرى ثم أبتغى ... خلاصا لها إنى إذا لرقيع
وما أنا إلا المسك فى كل بلدة ... أضوع وأما عندكم فأضيع
стр. 2237
فقال له أمير الركب: يا شريف، أنت ابن بنت رسول الله ﷺ ، والخليفة ابن عمك، وأنا مملوك تركى، لا أعلم من الأمور التى فى الكتب ما علمت، ولكنى قد رأيت أن هذا من شرف العرب، الذين يسكنون البوادى، ونزعات قطاع الطريق ومخيفى السبيل، حاش لله أن أحمل هذه الأبيات عنك إلى الديوان العزيز، فأكون قد جنيت على بيت الله، وبنى بنت نبيهصلى الله عليه وسلم، ما ألعن عليه فى الدنيا، وأحرق بسببه فى الآخرة، والله لو بلغ هذا إلى حيث أشرت، لترك كل وجه، وجعل جميع الوجوه إليك حتى يفرغ منك، ما لهذا ضرورة، إنه قد خطر لك أنهم استدرجوك، لا تسر إليهم، ولا تمكن من نفسك، وقل جميلا، وإن كان فعلك ما علمت. قال: فأصغى إليه أبو عزيز، وعلم أنه رجل عاقل ناصح، ساع بخير لمرسله وللمسلمين، فقال له: كثر الله فى المسلمين مثلك، فما الرأى عندك؟ قال: أن ترسل من أولادك من لا تهتم به إن جرى عليه ما يتوقعه، ومعاذ الله أن يجرى إلا ما تحبه، وترسل معه جماعة من ذوى الأسنان والهيئات من الشرفاء، فيدخلون مدينة السلام، وفى أيديهم أكفانهم منشورة، وسيوفهم مسلولة، ويقبلون العتبة، ويتوسلون برسول الله ﷺ ، وبصفح أمير المؤمنين، وسترى ما يكون من الخير لك وللناس، والله لئن لم تفعل هذا، لتركبنّ الإثم العظيم، ويكون ما لا يخفى عنك، قال: فشكره ووجه صحبته ولده وأشياخ الشرفاء، ودخلوا بغداد على تلك الهيئة التى رسم، وهم يضجون ويبكون ويتضرعون، والناس يبكون لبكائهم، واجتمع الخلق كأنه المحشر، ومالوا إلى باب النوبى من أبواب مدينة الخليفة، فقبلوا هنالك العتبة، وبلغ الخبر الناصر، فعفى عنهم وعن مرسلهم، وأنزلوا فى الديار الواسعة، وأكرموا الكرامة التى ظهرت واشتهرت، وعادوا إلى أبى عزيز بما أحب، فكان بعد ذلك يقول: لعن الله أول رأى عند الغضب، ولا عدمنا عاقلا ناصحا يثنينا عنه. انتهى.
وذكر ابن محفوظ: أن قتادة أرسل إلى الخليفة ولده راجح بن قتادة فى طلب العفو، وكلامه يقتضى أن ذلك وقع بإثر الفتنة. وذكر ابن الأثير ما يوافق ذلك، وما ذكره ابن سعيد، يقتضى أن ذلك بعد سنة من الفتنة، والله أعلم.
وقد ذكر قتادة جماعة من العلماء فى كتبهم، وذكروا ما فيه من الأوصاف المحمودة والمذمومة، مع غير ذلك من خبره، فنذكر ما ذكروه لما فيه من الفائدة.
قال المنذرى فى التكملة: كان مهيبا وقورا قوى النفس شجاعا مقداما فاضلا، وله شعر.
قال: وتولى إمرة مكة مدة، رأيته بها وهو يطوف بالبيت شرفه الله تعالى، ويدعو
стр. 2238
بتضرع وخشوع كثير. قال: وكان مولده بوادى ينبع، وبه نشأ. وذكر أنه قدم مصر غير مرة، وأن أخاه أبا موسى عيسى بن إدريس، أملى عليه نسبه هذا، يعنى الذى ذكرناه حين قدم مصر.
وقال ابن الأثير: وكانت ولايته قد اتسعت، من حدود اليمن إلى مدينة النبى ﷺ ، وله قلعة ينبع بنواحى المدينة، وكثر عسكره، واستكثر من المماليك، وخافه العرب فى تلك البلاد خوفا عظيما. وكان فى أول أمره لما ملك مكة حرسها الله تعالى، حسن السيرة، أزال عنها العبيد المفسدين، وحمى البلاد، وأحسن إلى الحجاج وأكرمهم، وبقى كذلك مدة، ثم إنه أساء السيرة، وجدد المكوس بمكة، وفعل أفعالا شنيعة، ونهب الحاج فى بعض السنين كما ذكرنا.
وقال ابن سعيد، بعد أن ذكر وفاته وشيئا من حال أجداده: وكان أبو عزيز أدهى وأشهر من ملك مكة منهم، وكان يخطب للخليفة الناصر، ثم يخطب لنفسه بالأمير المنصور، ودام ملكه نحو سبع وعشرين سنة، وكان قد ابتاع المماليك الأشراف، وصيّرهم جندا يركبون بركوبه، ويقفون إذا جلس على رأسه، وأدخل فى الحجاز من ذلك ما لم يعهده العرب وهابته، وكان متى قصد منهم فريقا، أمر فيهم بالسهام، فأطاعته التهائم والجنود، وصار له صيت فى العرب لم يكن لغيره، وكانت وراثته الملك عن مكثّر بن قاسم بن فليتة، الذى ورثه عن آبائه المعروفين بالهواشم، ولم كن أبو عزيز من الهواشم، إلا من جهة النساء، وظهر فى مدة مكثر، فورث ملكه، واستقام أمره.
ثم استقام الأمر فى عقبه إلى الآن. قال: وكان أبو عزيز فى أول أمره، حسن السيرة، صافى السريرة، فلما وثب على شبيهه وابن عمه، الرجل الذى توهم أنه من العراق وقتله، انقلبت أحواله، وصار مبغضا فى العراقيين، وفسدت نيته على الخليفة الناصر، وساءت معاملته للحجاج، وأكثر المكوس والتغريم فى مكة، حتى ضج الناس، وارتفعت فيه الأيدى بالدعاء، فقتله الله تعالى على يد ابنه حسن بن قتادة.
ثم قال ابن سعيد: وكان أبو عزيز، أديبا شاعرا ـ وقد تقدم شعره الذى قاله، عند ما حاول الإمام الناصر وصوله إلى بغداد ـ قال: ولما قتلت العرب فى الركب العراقى، حين أسلمه أميره المعروف بوجه السبع وفر إلى مصر بسبب عداوة جرت بينه وبين الوزير العلوى، كتب ابن زياد عن الديوان العزيز: إلى أبى عزيز، وغير خفى عن سمعك، وإن خفى عن بصرك، فيك إلا جاوره فى آرام بكل ريم، وغشيان حرب بين الحرمين، حتى عموا قلب كل محرم كالعميم.
стр. 2239
فكان جواب أبى عزيز: أمّا ما كان بأطراف نجد، فالعتب فيه راجع على من قرب من خدام الديوان العزيز الكاف، وأما ما ارتكبوه بين الحرمين، فهو مشترك بين بنى الحسن والحسين. قال: وكأنهم رأوا فى هذا الكلام استخفافا لم يحتمله الديوان العزيز، فكانت أول الوحشة حتى أظهر التوبة، وأرسل ابنه والأشراف بأكفانهم منشورة بين أيديهم وسيوفهم مجردة. وذكر وزيره النجم الزنجانى أن أبا عزيز، وقع بالفصل الذى كتب إليه من بغداد، ولم يزل هجّيراه، إلى أن أنشده فيما نظمه [من الوافر]:
بآرام فتنت بكل ريم ... وهم عموا فؤادى بالعميم
وفى وادى العقيق رأوا عقوقى ... كما حطموا ضلوعى بالحطيم
فأتى بما لا يخفى انطباعه فيه.
ومن مختار شعره، قوله [من الخفيف]:
أيها المعرض الذى قوله إن ... جئت أشكو فضحتنى فى الأنام
فأرح نفسك التى قد تعيت ... وأرحنى من بث هذا الغرام
كان هذا يكون قبل امتزاجى ... بك مزج الطلا بماء الغمام
ليس لى من رضاك بد وقصدى ... يوم عيد من سائر الأيام
وقال أبو سعيد أيضا. قال الزنجانى: ومما يجب أن يؤرخ من محاسن الأمير أبى عزيز، أن شخصا من سرو اليمن، يعرف بنابت بن قحطان، ورد برسم الحج، وكان له مال يتاجر فيه، فتطرق إليه أبو عزيز، بسبب احتوائه عليه، قال: فبينما هو يتمشى فى الحرم، إذ سمع شخصا يقول، وهو يطوف بالبيت: اللهم بهذا البيت المقصود، وذلك المقام المحمود، وذاك الماء المورود، وذاك المزار المشهود، إلا ما أنصفتنى ممن ظلمنى، وأحوجت إلى غيرك، من إلى الناس أحوجنى، وأريته بعد حلمك أخذك الأليم الشديد، ثم أصليته نارك، وما هى من الظالمين ببعيد.
فارتاع أبو عزيز، ثم حمله طبعه وعادته، على أن وكل به من يعنفه، ويحمله إلى السجن بعنف، وانصرف إلى منزله، وكان له جارية حبشية، نشأت بالمدينة، فقالت: يا أمير حرم الله، إن لك الليلة لشأنا، فأخبرها بخبر الشخص، فقالت: معاذ الله يا ابن بنت رسول الله، أن تأخذك العزة بالإثم، رجل غريب قصد بيت الله، واستجار بحرم الله، تظلمه أولا فى ماله، ثم تظلمه آخرا فى نفسه. أين عزبت عنك المكارم الهاشمية والمراحم النبوية، غير هذا أولى بك يا ابن فاطمة الزهراء! قال: فعمل كلامها فى خاطره، وأمر بإحضار الرجل، فلما حضر، قال: له، اجعلنى فى حل، قال: ولم؟ قال:
стр. 2240
لأنى ابن بنت رسول الله، فقال: لو كنت ابن بنت رسول الله، ما فعلت الذى فعلت، حين ولاك الله أمر عباده وبلاده، فاستعذر أبو عزيز وقال: قد تبت إلى الله، وصدقت عليك مالك فقال الرجل: نعم، الآن أنت ابن بنت رسول الله ﷺ ، وأنا فقد تصدقت بجميع ذلك المال، شكرا الله تعالى على أن أعتق من العار والنار، شخصا يعتزى إلى ذلك النسب الكريم.
فقال أبو عزيز: الحمد لله على كل حال، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم استدعى شاهدين ونص عليهما الحكاية، ثم قال: فاشهدا أنى قد أعتقت هذه الجارية، ووهبت لها من المال كذا وكذا، فإن أراد هذا اليمنى أن يتزوجها، فعلىّ صداقها عنه، وما يتجهزان به إلى بلاده، وما يعيشان به هناك فى نعمة ما شاء الله، فقال اليمنى: قد قبلت ذلك، ولم ينفصل إلى بلاده إلا بها. انتهى.
وقال أبو شامة فى أخبار سنة سبع عشرة وستمائة: وفيها فى جمادى الأولى مات بمكة أبو عزيز قتادة بن إدريس أمير مكة، الشريف الحسنى الزيدى، كان عادلا منصفا، نقمة على عبيد مكة والمفسدين، والحاج فى أيامه مطمئنون، آمنون على أنفسهم وأموالهم.
وكان شيخا مهيبا طوالا، وما كان يلتفت إلى أحد من خلق الله، ولا وطئ بساطا لخليفة ولا غيره، وكان يحمل إليه فى كل سنة من بغداد، الخلع والذهب، وهو فى داره بمكة، وكان يقول: أنا أحق بالخلافة من الناصر لدين الله ولم يرتكب كبيرة على ما قيل: وكان فى زمانه يؤذّن فى الحرم «بحى على خير العمل»، على مذهب الزيدية، وكتب إليه الخليفة يستدعيه ويقول: أنت ابن العم والصاحب، وقد بلغنى شهامتك وحفظك للحاج، وعدلك وشرف نفسك، وعفتك ونزاهتك، وقد أحببت أن أراك وأشاهدك، وأحسن إليك، فكتب إليه:
ولى كف ضرغام
الأبيات الأربعة.
إلا أن فيما ذكره أبو شامة فيها مخالفة لما سبق، فى لفظيات يسيرة، منها أنه قال:
ولى كف ضرغام أذل ببطشها
ومنها: وكل ملوك الأرض.
ومنها: أأجعلها تحت الرحى. ومنها [من الطويل]:
стр. 2241
وما أنا إلا المسك فى كل بقعة ... يضوع وأما عندكم فيضيع
ففى هذا البيت، مخالفة لما سبق فى ثلاث لفظات، والمعنى فى ذلك كله متقارب.
وذكر ابن الجوزى فى كتاب «الأذكياء» ما يقتضى أن بعض هذه الأبيات لغير قتادة، لأنه قال: كان لأحمد بن الخطيب، وكيل له فى ضياعه، فرفع إليه عنه جناية، فعزم على القبض عليه، والإساءة إليه فهرب، فكتب إليه أحمد يؤمّنه ويحلف له على بطلان ما اتصل إليه، ويأمره بالرجوع إلى عمله، فكتب إليه [من الطويل]:
أنا لك يا ذا سامع ومطيع ... وإنى لما تهوى إليه سريع
ولكن لى كفا أعيش ببطشها ... فما أشترى إلا بها وأبيع
أأجعلها تحت الرحى ثم أبتغى ... خلاصها لها إنى إذا لرقيع
ورأيت من ينسب هذه الأبيات لأبى سعد بن قتادة، واعتمد فى ذلك على ورقة رأيتها معه: أن أبا سعد على بن قتادة، توجه إلى العراق، فلما أشرف على نخيل بغداد أو غيرها من البلاد ـ الشك منى ـ رجع وقال هذه الأبيات، ولا دلالة فى ذلك، لاحتمال أن يكون أبو سعد، قالها استشهادا، والله أعلم. ولم أرها معزوة لأبى سعد، إلا فى هذه الورقة، وقد عزاها ابن سعيد، وأبو شامة، وغيرهما، لقتادة كما ذكرنا، وفى ذلك النظر الذى ذكرناه من كلام ابن الجوزى.
وذكر المنذرى: أن قتادة توفى فى آخر جمادى الآخرة، من سنة سبع عشرة وستمائة بمكة. وذكر وفاته فى هذه السنة: أبو شامة والذهبى، وابن كثير، وقالوا: إنه مات فى جمادى الأولى.
وذكر ابن الأثير فى «الكامل»: أنه توفى سنة ثمان عشرة وستمائة، فى جمادى الآخرة، قال: وكان عمره نحوا من تسعين سنة. انتهى.
وقد سبق فى ترجمة ابنه حسن بن قتادة، أن الملك المسعود صاحب اليمن، لما ملك مكة بعد غلبه لحسن بن قتادة، أمر بنبش قبر قتادة وإحراقه، فوجدوا فى القبر تابوتا ليس فيه شئ، فعرف الناس بذلك، أن حسنا قتل أباه، ودفن التابوت فى قبره، ليخفى أمره. ويقال: إن سبب قتل حسن بن قتادة لأبيه، أن أباه قتادة، توعده بالقتل، لما بلغه أنه قتل عمه، بعد أن ندبه أبوه بجيش إلى المدينة مع ابنه حسن، وبلغ ذلك حسنا، فدخل على أبيه بعد عوده من المدينة، فبالغ أبوه فى ذمه وتهديده، فوثب إليه حسن فخنقه لوقته. هذا معنى ما ذكره ابن الأثير، فى سبب قتل حسن بن قتادة لأبيه، وصورة قتله.
стр. 2242
ونقل ابن سعيد المغربى، عن سليمان بن الزنجانى، وزير قتادة، أن أخا حسن بن قتادة وأقاربه، يزعمون أن حسن قتل أباه خنقا، واستعان على ذلك بجارية كانت تخدم أباه، وغلام له، فى إمساك يديه، ثم قتلهما بعد ذلك ليخفى سبب قتله أبيه، وزعم أن قتله الغلام والجارية، لكونهما قتلا أباه.
ورأيت ما يقتضى، أن حسن بن قتادة قتل أباه بالسم، والله أعلم أى ذلك كان. وقيل إن قتادة بلغ تسعين سنة، فيتحصل فى سنه قولان، أحدهما: أنه تسعون، والآخر أنه نحو تسعين. وهذا القول ذكره ابن الأثير والأول ذكره الذهبى فى تاريخ الإسلام، ويتحصل فى سنة وفاته قولان، أحدهما: أنه سنة سبع عشرة، والآخر: أنه سنة ثمان عشرة وستمائة، ويتحصل فى شهر وفاته قولان، أحدهما: أنه جمادى الأولى، والآخر: أنه جمادى الآخرة، من سنة سبع عشرة. ويتحصل فى صفة قتله قولان، أحدهما: أنه خنق، والآخر: أنه سمّ، والله أعلم بالصواب.
وكان لقتادة من الولد: حسن، الذى ولى إمرة مكة بعده، وراجح، وهو الأكبر الذى كان ينازع حسن فى الإمرة، وعلىّ الأكبر، جد الأشراف المعروفين بذوى علىّ، وعلىّ الأصغر، جد أبى نمى، جد الأشراف ولاة خليص. ولكل من أولاد هؤلاء ذرية إلى الآن.
ومما صنع قتادة أيام ولايته على مكة، أنه بنى عليها سورا من أعلاها على ما بلغنى، وأظنه سورها الموجود اليوم. وبلغنى أن الذى بوادى نخلة الشامية، فيما بين التنضب وبشرا، بناء على هيئة الدروب فى مسيل الوادى، ليمكس عنده حجّاج العراق، وآثار هذا البناء فيه إلى الآن، وأنه بنى على الجبل الذى بأسفل السبط، من وادى نخلة المذكورة، مصبّا على جبل يقال له العطشان، وآثار ذلك باقية إلى الآن، والله أعلم.
٢٣٣٨ ـ قتادة بن ربعى:
له صحبة. كان عامل علىّ رضى الله عنه على مكة، ذكره هكذا ابن حبان فى الطبقة الأولى من الثقات. انتهى.
هكذا رأيت هذه الترجمة فى «ترتيب ثقات ابن حبان» لشيخنا الحافظ نور الدين الهيثمى، وفى ذلك نظر. والصواب فى ذلك والله أعلم: أبو قتادة بن ربعى الأنصارى، صاحب رسول اللهصلى الله عليه وسلم وفارسه، ويدل لذلك قول ابن حبان: عامل على رضى الله عنه على مكة. لأن أبا قتادة المشار إليه، كان عامل على رضى الله عنه على مكة، كما ذكر ابن عبد البر فى الاستيعاب، فى ترجمة قثم بن العباس.
وستأتى ترجمة أبى قتادة فى الكنى، للخلاف فى اسمه، والله تعالى أعلم.
стр. 2243
٢٣٣٩ ـ قتادة بن عبد الكريم بن أبى سعد بن عبد الكريم بن أبى سعد بن على بن قتادة الحسنى المكى:
كان من أعيان الأشراف ذوى عبد الكريم، ذا ملاءة، توفى فى شهر رمضان سنة عشر وثمانمائة [ .... ] (١) ونقل إلى المعلاة ودفن بها.
٢٣٤٠ ـ قتادة بن ملحان الجمحى، والد عبد الملك:
له رواية، ذكره هكذا الكاشغرى. وجعله ابن مندة: قتادة أيضا، وسماه الذهبى: قدامة، كما سيأتى فى بابه.
٢٣٤١ ـ قثم بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمى:
ابن عم النبى ﷺ ، وأمير مكة، رآه النبى ﷺ ، هو وعبد الله بن جعفر، فقال: «ارفعوا لى هذا» يعنى قثم، فرفع إليه، فأردفه خلفه، وجعل عبد الله بين يديه، ودعا لهما. الحديث كما رواه النسائى فى الخصائص، من حديث عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، وهو آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ ، لأنه آخر من خرج من قبره ﷺ ، ممن نزل فيه، وقد ادعى المغيرة بن شعبة، أنه آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ ، فأنكر ذلك عبد الله بن عباس، وقال: آخرنا عهدا بالنبى ﷺ ، قثم بن العباس، وروى عن علىّ مثل ما روى عن ابن عباس.
ولقثم رواية عن النبى ﷺ . روى عنه أبو إسحاق السبيعى وغيره. روى له النسائى فى الخصائص، وله ذكر فى اللباس، من صحيح البخارى.
стр. 2244
قال ابن عبد البر: وكان قثم واليا لعلىّ على مكة، وذلك أن على بن أبى طالب لما ولى الخلافة، عزل خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة عن مكة، وولاها أبا قتادة الأنصارى، ثم عزله، وولى قثم بن العباس، فلم يزل واليا عليها، حتى قتل على بن أبى طالب رضى الله عنه. هذا قول خليفة. انتهى.
ورأيت فى تاريخ ابن الأثير: أن قثم بن العباس، كان عامل على بن أبى طالب رضى الله عنه على مكة والطائف، وأنه كان عاملا على مكة فى سنة ثمان وثلاثين، وحج بالناس فيها، وأنه كان عامل علىّ رضى الله عنه على مكة، وأن معاوية بن أبى سفيان فى هذه السنة، لما بويع بالشام، بعد مبايعة على رضى الله عنه، بعث إلى مكة فى سنة تسع وثلاثين من الهجرة، يزيد بن سخبرة الرهاوى، فى ثلاثة آلاف فارس، ليقيم الحج للناس بمكة، ويأخذ له البيعة بها، وينفى عنها عامل أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه، ولما علم قثم بن العباس، وهو عامل على رضى الله عنه على مكة، بمسير يزيد بن سخبرة، خطب الناس وعرّفهم مسير الشاميين، ودعاهم إلى غزوهم، فلم يجيبوه بشئ، وأجابه شيبة بن عثمان العبد رى بالسمع والطاعة، فعزم قثم على مفارقة مكة، واللحاق ببعض شعابها، ومكاتبة أمير المؤمنين بالخبر، فإن أمدّه بالجيوش، قاتل الشاميين، فنهاه أبو سعيد الخدرى عن مفارقة مكة، وقال: أقم، فإن رأيت منهم القتال وبك قوة، فاعمل برأيك، وإلا فالمسير عنها أمامك، فأقام وقدم الشاميون، فلم يعرضوا لقتال أحد.
وأرسل قثم إلى أمير المؤمنين يخبره، فسيّر جيشا فيهم الريان بن ضمرة بن هوذة بن على الحنفى، وأبو الطفيل، أول ذى الحجة، وكان قدوم يزيد بن سخبرة، قبل التروية بيومين، فنادى فى الناس: أنتم آمنون، إلا من تعرض لقتالنا أو نازعنا، واستدعى أبا سعيد الخدرى، وقال له: إنى لا أريد الإلحاد فى الحرم، ولو شئت لفعلت، لما فيه أميركم من الضعف، فقل له يعتزل الصلاة بالناس، وأعتزلها أنا، ويختار الناس من فصلى بهم فقال أبو سعيد لقثم ذلك، فاعتزل الناس، واختار الناس شيبة بن عثمان، فصلى بهم وحج بهم، فلما قضى الناس حجهم، سار يزيد إلى الشام، وأقبل خيل على، فأخبروهم بعود أهل الشام، فتبعوهم إلى وادى القرى، وظفروا بنفر منهم، فأخذوهم أسارى، وأخذوا ما معهم، ورجعوا بهم إلى أمير المؤمنين، ففادى بهم أسارى كانت لهم عند معاوية. انتهى من تاريخ ابن الأثير، وغيره.
وذكر الزبير بن بكار: أن على بن أبى طالب رضى الله عنه، استعمل قثم على المدينة، ولم يذكر استعماله على مكة، فالله أعلم. قال: وكان يشبّه بالنبى ﷺ ، ومر به رسول الله ﷺ ، وهو يلعب، فحمله خلفه.
стр. 2245
وذكر ابن عبد البر أيضا أن قثم بن العباس، كان يشبه بالنبى ﷺ ، قال: وفيه يقول الشاعر، وهو داود بن سلم من بنى سليم [من السريع]:
عتقت من حلّى ومن رحلتى ... يا ناق إن أدنيتنى من قثم
إنك إن أدنيت منه غدا ... حالفنى اليسر ومات العدم
فى وجهه بدر وفى كفه ... بحر وفى العرنين منه شمم
أصم عن قيل (١) الخنا سمعه ... وما عن الخير به من صمم
لم يدر ما «لا» و «بلى» قد درى ... فعافها واعتاض منها «نعم»
وقال الزبير فى الشعر الذى أوله (٢) [من البسيط]:
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
إنه قاله بعض شعراء المدينة، لقثم بن العباس، وزاد فى الشعر الزبير بيتين أو ثلاثة، منها قوله (٣):
كم صارخ بك مكروب وصارخة ... يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم
وقد ذكرنا فى «بهجة المجالس» الشعر الذى أوله هذا البيت وهو (٤):
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
ولمن هو، والاختلاف فيه، ولا يصح أنه لقثم بن العباس، وذلك شعر آخر على عروضه وقافيته. وما قاله الزبير، فهو صحيح، والله أعلم. انتهى.
قلت: لم يذكر الزبير بن بكار فى ترجمة قثم بن العباس هذا الشعر، الذى أوله: يا ناق ... ولا الشعر الذى فيه: كم صارخ، ولم يذكر فى ترجمته هذا الشعر ولا غيره، وإنما ذكر هذا الشعر فى ترجمة قثم بن العباس بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، الآتى ذكره تلو هذه الترجمة، فليعلم ذلك.
وقال الحاكم، بعد أن ذكر شيئا من حال قثم بن العباس هذا، منه: أنه كان أخا الحسين بن على من الرضاعة، وإنما وفاة قثم بن العباس، وموضع قبره فمختلف فيه، فقيل إنه توفى بسمرقند، وبها قبره، وقيل إنه توفى بمرو. قال: الصحيح أن قبره [ .... ] (٥) انتهى.