وذلك فى سنة ست وعشرين وسبعمائة.
ووصلت إلى مكة فى العشر الأخير من جمادى الأولى منها، وعظم نفعها.
وكان الناس بمكة قبل ذلك فى شدة لقلة الماء.
وممن عمرها من الملوك: صاحب مصر الملك المؤيد من مال تطوع به على يد علاء الدين القائد.
وكانت هذه العمارة فى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة.
ووصلت إلى مكة فى شعبان منها ثم قل جريان الماء، فوفق الله القائد علاء الدين لعمارتها، فجرت جريا حسنا، وبلغت بركة الماجن بأسفل مكة.
وذلك فى سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، وجريانها مستمر إلى سنتين بعد ذلك.
ومن العيون التى أجريت بمكة عين أجراها الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر فى مجرى عين بازان، وتعرف العين التى أجراها المذكور: بعين جبل نقبة.
وذلك فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
وعين أجراها الأمير المعروف بالملك نائب السلطنة بمصر من منى إلى بركة السلم بطريق منى.
وذلك فى سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
وأما المطاهر: فمطهرة الملك الناصر محمد بن قلاوون.
عمرت فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وفيها وقفت وهى التى عند باب بنى شيبة.
ومطهرة الأمير صرغتمش الناصرى، بين العطيفية والبيمارستان بالجانب الشمالى من المسجد الحرام.
وتاريخ عمارتها سنة تسع وخمسين وسبعمائة.
ومطهرة طنيفا الطويل بقرب باب العمرة.
عمرت فى أول عشر السبعين وسبعمائة فيما أظن.
ومطهرة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر بالمسعى قبالة باب على.
عمرت فى سنة ست وسبعين وسبعمائة.
стр. 282
ومطهرة خلفها للنسوة.
عمرتها أم سليمان المتصرفة فى سنة ست وتسعين وسبعمائة.
ومطهرة تنسب للواسطى عند باب الحزورة، وما عرفت واقفها ولا متى وقفت.
وأعظمهم نفعا: مطهرة الملك الناصر، وبعض هذه المطاهر معطل لخرابه.
* * *
стр. 283
الباب الرابع والعشرون
فى ذكر شيء من خبر بنى المحض بن جندل، ملوك مكة ونسبهم، وذكر شيء من أخبار العماليق ملوك مكة ونسبهم، وذكر ولاية طسم للبيت الحرام (١).
أما بنو المحض: فقال المسعودى: وقد كان عدة ملوك تفرقوا فى ممالك متصلة ومنفصلة.
فمنهم المسمى: بأبى جاد، وهوز، وحطى، وكلمن، وسعفص، وقرشت، وهم على ما ذكرنا بنو المحض بن جندل.
وأحرف الجمل هى أسماء الملوك، وهم الأربعة والعشرون حرفا التى عليها حساب الجمل.
ثم قال المسعودى: وكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز.
وكان هوز، وحطى: ملكين ببلاد وجّ، وهى أرض الطائف، وما اتصل بذلك من أرض نجد.
وكلمن وسعفص وقرشت: ملوكا بمدين. وقيل: ببلاد مصر.
وكان كلمن على ملك مدين.
ومن الناس من رأى: أنه كان ملك جميع من سميناه مشاعا متصلا، على ما ذكرنا.
وذكر المسعودى فى نسب بنى المحض أكثر من هذه، إلا أنه قال ـ لما ذكر الخلاف فى نسب قوم شعيب ـ: ومنهم من رأى: أنهم من ولد المحصن بن جندل بن يعصب ابن مدين بن إبراهيم.
وأما العماليق: فهم: من ولد عملاق. وقيل: عمليق بن لاود، ويقال: لود بن سام ابن نوح. وقيل: إنهم من ولد العيص، ويقال: عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.
وهذا القول ذكره المسعودى.
стр. 284
وفى تاريخ الأزرقى خبران فيهما: أن العماليق من حمير. وأخذ الخبرين عن ابن عباس رضى الله عنهما.
وفى كون العماليق من حمير نظر بيناه فى أصله.
وذكر الفاكهى أخبارا تتعلق بالعماليق، فى بعضها: أنهم كانوا بمكة لما قدّم. وقد عاد للاستسقاء.
وفى بعضها: أنهم كانوا بعرفة لما أخرج الله زمزم لإسماعيل، وأنهم تحولوا إلى مكة لما علموا بذلك.
وفى بعضها: أنهم كانوا ولاة الحكم بمكة، فضيقوا حرمة البيت، واستحلوا منه أمورا عظاما، ونالوا ما لم يكونوا ينالون، فوعظهم رجل منهم يقال له: عملوق، فلم يقبلوا ذلك منه، فأخرجهم قطورا وجرهم من الحرم كله، وكانوا لا يدخلونه.
وأما ولاية طسم: فذكرها الأزرقى فيما رواه بسنده إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
وذكر أنهم استحلوا حرمة البيت فأهلكهم الله.
ثم وليه بعدهم جرهم، وطسم أخو عجلان، وقد تقدم نسبه.
* * *
стр. 285
الباب الخامس والعشرون
فى ذكر شيء من خبر جرهم ولاة مكة ونسبهم، وذكر من ملك مكة من جرهم، ومدة ملكهم لها وما وقع فى نسبهم من الخلاف، وفوائد تتعلق بذلك، وذكر من أخرج جرهما من مكة وكيفية خروجهم منها، وغير ذلك (١).
أما نسبهم: فقال ابن هشام: إن جرهما هو ابن قحطان بن عابد بن سالح بن أرمخشذ بن سام بن نوح.
وقيل: إن جرهما: ابن ملك من الملائكة أذنب ذنبا فأهبط إلى مكة فتزوج امرأة من العماليق، فولدت له جرهما، فذلك قول الحارث بن مضاض الجرهمى:
اللهم إن جرهما عبادك ... الناس طرف وهم تلادك
وأما من ملك مكة من جرهم ومدة ملكهم له ونسبهم، فذكره المسعودى؛ لأنه قال: ووجدت فى وجه آخر من الروايات: أن أول ملك من ملوك جرهم مضاض بن عمرو ابن سعد بن الرقيب، هو ابن ثبت بن جرهم بن قحطان: مائة سنة.
ثم ملك بعده ابنه عمرو بن مضاض: مائة وعشرون سنة.
ثم ملك الحارث بن عمرو: مائة سنة. وقيل: دون ذلك.
ثم ملك بعده عمرو بن الحارث: مائتى سنة.
ثم ملك بعده مضاض بن عمرو بن الأصفر بن الحارث بن عمرو بن مضاض بن عمرو بن سعيد بن الرقيب بن هنما بن ثبت بن جرهم بن قحطان: أربعين سنة. انتهى. وذكر المسعودى ما يقتضى: أن مدة ملك جرهم لمكة دون ذلك.
وذكر أيضا ما يقتضى: أن أول ملوكهم غير مضاض بن عمرو بن سعد؛ لأنه ذكر: أن الحارث بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن ظالم بن هنما بن ثبت بن جرهم: كان على جرهم حين أتوا من اليمن إلى مكة.
وذكر أن قدومهم إليها كان بعد أن سمعوا لما حصل بها من الخصب لمن تقدمهم من العماليق الذى كان عليها السميدع المذكور.
стр. 286
ثم قال: فكانت على الجرهميين، فافتضحوا وصارت ولاية البيت إلى العماليق، ثم كانت لجرهم عليهم فأقاموا ولاة البيت نحو ثلاثمائة سنة. انتهى.
وذكر ابن إسحاق ما يخالف ذلك؛ لأنه ذكر ما يقتضى: أن جرهما لما قدموا إلى مكة كان عليهم مضاص بن عمرو، وأنه وقومه تقاتلوا مع السميدع وقومه، فقتل السميدع وصار ملك مكة لمضاض.
وما ذكره ابن إسحاق هو المعروف. وما ذكره المسعودى غريب. والله أعلم بحقيقة الحال. وما ذكره فى نسب ملوك جرهم، ذكر السهيلى ما يخالفه.
وكذلك فتح الأندلس؛ لأنه ذكر خبرا يتعلق بجرهم، وفيه: أن الحارث بن مضاض الذى طالت غربته، قال لإياد بن نزار بعد أن أوصله إلى مكة: أنا الحارث بن مضاض ابن عبد المسيح بن نفيلة بن عبد الدان بن خشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هودعليه السلام. انتهى. والله أعلم.
وأما من أخرج جرهما من مكة وكيفية خروجهم منها، فقد اختلفت الأخبار فى ذلك.
ففى بعضها: أن بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة، وعيشان بن خزاعة، لما رأوا استحلال جرهم لحرمة البيت وظلمهم بها قاتلوا جرهما، فغلبهم بنو بكر وعيشان ونفوا جرهما من مكة.
وفى بعضها: أخرجهم ثعلبة بن عمرو بن عامر ماء السماء.
وفى بعضها غير ذلك.
ومما قيل من الشعر عند خروجهم من مكة الأبيات التى أولها:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
والأبيات التى أولها:
يا أيها الناس سيروا إن مصيركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
* * *
стр. 287
الباب السادس والعشرون
فى ذكر شيء من خبر إسماعيل، وذكر ذبح إبراهيم لإسماعيل ﵉ (١).
كان إبراهيم ﵇ حمل إسماعيل، وهو رضيع مع أمه هاجر إلى مكة وأنزلهما عند الكعبة، وليس بها يومئذ أحد، وليس بها ماء، وفارقهما بعد أن وضع عندهما جوابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، فجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء، حتى نفد ما فى السقاء، عطشت وعطش إسماعيل، وجعلت تنظر إليه تتلوى ـ وقال: تتلبط ـ فمنّ الله عليهما بزمزم، سقيا لهما، فشربت وأرضعت ولدها. وقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن هذا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.
ثم نزل عليهما ناس من جرهم بأمر هاجر على أن لا حق لهم فى الماء. وشب إسماعيل وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شبّ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، ثم طلقها بإشارة من أبيه لشكواها فى المعيشة.
تم تزوج منهم أخرى، وزاره أبوه فلم يجده أيضا، وأمره بإمساك زوجته لشكرها فى المعيشة.
ثم زاره الثالثة فبنيا البيت، فكان إبراهيم يبنى، وإسماعيل ينقل الحجارة ويناولها له، وهما يقولان: (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة: ١٢٧].
وما ذكره من خبر إسماعيل وأمه وأبيه. ذكر البخارى ما يوافقه.
وفى بعض الأخبار الواردة فى هذا المعنى ما يخالف بعض ذلك. وقد بينا شيئا من ذلك فى أصله.
وأما ذبح إبراهيم لإسماعيل ﵉: فذكر الفاكهى فيه خبرا طويلا عن إسحاق يقتضى: أن إبراهيم لما أراد ذبح ابنه قال: أى بنى خذ الحبل والمدية ـ وهى الشفرة ـ ثم امض بنا إلى هذا الشعب لتحطب أهلك منه قبل أن يذكر له ما أمر به. فعرض لهما إبليس ليصدهما عن طاعة الله فى ذلك فلم يقبلا منه.
فلما خلا إبراهيم فى الشعب، ويقال ذلك إلى ثبير، قال له: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ
стр. 288
قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات: ١٠٢] ثم أدخل الشفرة فى حلقه فقلبها جبريل ﵇ لقفائها فى يده، ثم اجتذبها إليه ونودى: (أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [الصافات: ١٠٤، ١٠٥] فهذه ذبيحتك. فداء لابنك فاذبحها دونه.
وقد تقدم الخلاف فى موضع ذبح هذا الفداء من منى فى الباب الحادى والعشرين.
واختلف فى الذبيح هل هو إسماعيل بن إبراهيم (١)، أو أخوه إسحاق بن إبراهيم والصحيح أنه إسماعيل على ما قال الحافظ عماد الدين بن كثير. ونقل ذلك النووى عن الأكثرين.
وكلام السهيلى يقتضى ترجيح: أنه إسحاق. وكذلك المحب الطبرى. والله أعلم.
وإسماعيل أول من ذللّت له الخيل العراب. وأول من ركب الخيل، وأول من تكلم بالعربية. وقيل فى أول من تكلم بالعربية غير ذلك. والله أعلم.
وقال الفاكهى فى الأوليات بمكة: وأول من أحدث الأرجية يطحن بها بمكة إسماعيل ابن إبراهيم النبى ﵇.
* * *
стр. 289
الباب السابع والعشرون
فى ذكر شيء من خبر هاجر أم إسماعيل ﵇، وذكر أسماء أولاد إسماعيل وفوائد تتعلق بهم وذكر شيء من خبر بنى إسماعيل، وذكر ولاية نابت بن إسماعيل للبيت الحرام (١).
أما هاجر (٢): فقال ابن هشام ـ بعد أن ذكر أن قبرها وقبر ابنها إسماعيل فى الحجر عند الكعبة ـ تقول العرب: هاجر وآجر، فيبدلون الألف من الهاء، كما قالوا: هراق الماء وأراق الماء وغيره. وهاجر من أهل مصر.
وقال السهيلى: وهاجر أول امرأة ثقبت أذناها، وأول من خفض من النساء، وأول من جرت ذيلها.
وذلك: أن سارة غضبت عليه، فحلفت أن تقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها، فأمرها إبراهيم ﵇: أن تبر قسمها بثقب أذنيها، وخفاضها، فصارت سنة فى النساء.
وكانت هاجر أمة لبعض الملوك، فوهبها لسارة زوج الخليل، وهى ابنة عمه فوهبتها للخليل، فولدت له إسماعيل، وشجر بين سارة وهاجر أمر وساء ما بينهما فحمل الخليل هاجر مع ابنها إلى مكة على ما سبق.
وذكر الفاكهى عن بعضهم: أنه أوحى إليها، وهذا غريب، والله أعلم بصحته.
وسن للمحرم السعى بين الصفا والمروة لسعى هاجر بينهما لما طلبت الماء لابنها حين اشتد به الظمأ. وخبرها فى ذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما فى صحيح البخارى.
وأما أولاد إسماعيل ﵇ (٣): فقال ابن هشام: حدثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق قال: ولد إسماعيل بن إبراهيم اثنى عشر رجلا: نابتا، وكان
стр. 290
أكبرهم، وقيدار، وأربل، ومشا، وصمعا، وماشى، وذما، وآزر، وطسما وبطور، ونيشا، وقيدما، وأمهم بنت مضاض بن عمرو الجرهمى. انتهى.
وذكر الأزرقى والفاكهى وغيرهما فى أسماء أولاد إسماعيل ما يخالف هذا. وذكرنا ذلك مع فوائد تتعلق لمعانى بعض أسمائهم وضبطها وغير ذلك فى أصل هذا الكتاب.
وأما خبر بناء إسماعيل ﵇ (١):
فمنه: أن بنى إسماعيل والعماليق من سكان مكة، ضاقت عليهم البلاد، فتفسحوا فى البلاد والتمسوا المعاش، فخلف الخلوف بعد الخلوف، وتبدلوا بدين إسماعيل وغيره، وسلخوا إلى عبادة الأثان، فيزعمون: أن أول ما كانت عبادة الحجارة فى بنى إسماعيل: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتملوا معهم من حجارة الحرم تعظيما للحرم وصبابة لمكة والكعبة حيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة، وهدى البدن مع إدخالهم فيه ما ليس منه.
وكان أول من غيّر دين إسماعيل: عمرو بن لحى، وهذا الذى ذكرناه من خبر بنى إسماعيل. ذكره ابن إسحاق.
وإلياس بن مضر: هو الذى رد بنى إسماعيل إلى سنن آبائهم حتى رجعت سننهم تامة على أولها.
ذكر ذلك الزبير بن بكار.
وأما ولاية نابت بن إسماعيل للبيت الحرام: فذكرها ابن إسحاق، وقال: وليه ما شاء الله أن يليه.
* * *
стр. 291
الباب الثامن والعشرون
فى ذكر ولاية إياد بن نزار بن معد بن عدنان للكعبة، وشيء من خبره، وذكر ولاية بنى إياد بن نزار الكعبة، وشيء من خبرهم وخبر مضر، ومن ولى الكعبة من مضر قبل قريش (١).
أما ولاية إياد: فقال الزبير بن بكار: حدثنا عمر بن أبى بكر الموصلى عن غير واحد من أهل العلم بالنسب، قالوا: لما حضرت نزار الوفاة، آثر إيادا بولاية الكعبة، وأعطى مضر ناقة حمراء، فسميت: مضر الحمراء، وأعطى ربيعة الفرس فرسه، فسمى: ربيعة الفرس، وأعطى أثمار، جارية تسمى: بجيلة، فحضنت بنيه، فسموا: بجيلة أثمار.
ويقال: أعطى إيادا عصاه وحلته.
ورأيت لإياد بن نزار وإخوته المشار إليهم خبرا يستظرف فى ذكائهم ومعرفتهم بما أخبروا به من صفة البعير الذى سئلوا عنه مع كونهم لم يروه، وغير ذلك.
وأما ولاية بنى إياد بن نزار الكعبة: فذكر الفاكهى فيها خبرا طويلا.
فيه: ثم وليت حجابة البيت إياد، وكان أمر البيت إلى رجل منهم يقال له: وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد، ثم قال ـ بعد أن ذكر شيئا من خبره ـ: ثم إن مضر أديلت بعد إياد.
وكان أول من ديل منهم: عدوان وفهم، وأن رجلا من إياد ورجلا من مضر خرجا يتصيدان فمرت بهما أرنب، فاكتنفاها يرميانها، فرماها الإيادى، فنزل سهمه، فنظم قلب المضرى فقتله. فبلغ الخبر مضر، فاستغاثت بفهم وعدوان يطلبون لهم قود صاحبهم، فقالوا: إنما أخطأه، فأبت فهم وعدوان إلا قتله، فتناوش الناس بينهم بالمدور ـ وهو مكان ـ فسمت مضر من إياد ظفرا، فقالت لهم إياد: أجلونا ثلاثا، فلن نساكنكم أرضكم، فأجلوهم ثلاثا، فظعنوا قبل المشرق.
وكانوا حسدوا مضر على ولاية الركن الأسود فدفنوه، بعد أن لم يحملوه على شيء إلا رزح.
стр. 292
وافتقدت مضر الركن بعد يومين، فعظم فى نفسها، ثم تخلوا عن حجابة البيت لخزاعة على أن يدلوهم على الركن، فدلوهم عليه؛ لأن امرأة من خزاعة نظرت بنى إياد حين دفنوه وأعادوه فى مكانه. انتهى بالمعنى فى كثير منه.
وممن ولى الكعبة من مضر أسيد بن خزيمة بن مدركة جد النبى ﷺ .
* * *
стр. 293
الباب التاسع والعشرون
فى ذكر من ولى الإجازة بالناس من عرفة ومزدلفة، ومنى، من العرب فى ولاية خزاعة وقريش على مكة (١).
قال ابن إسحاق: وكان العون بن مدين أو ابن طابخة بن إلياس بن مضر يلى الإجازة للناس بالحج من عرفة، وولده من بعده. وكان يقال له ولوالده صوفه، ثم قال ابن إسحاق: فإذا فرغوا من رمى الجمار فأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بجانبى العقبة، فحبسوا الناس، وقالوا: أجيزى بنى صوفة، فلم يجز أحد من الناس حتى يمروا، فإذا نفذت صوفة ومضت خلى سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم.
فكانوا كذلك حتى انقرضوا، فورثهم ذلك من بعدهم بالقعدة: بنو سعد بن زيد مناة ابن تميم، وكانت من بنى سعد فى الصفوان بن الحارث بن شحنة.
قال ابن هشام: صفوان بن خباب بن شحنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم.
قال ابن إسحاق: فكان صفوان هو الذى يجيز الناس بالحج من عرفة ثم بنوه من بعده حتى كان آخرهم الذى قام عليه الإسلام: كرز بن صفوان.
وذكر ابن هشام: أن الإفاضة من المزدلفة: كانت فى عدوان فيما حدثنى زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق: يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الإسلام أبو سيارة عميلة بن الأعزل. انتهى باختصار.
وذكر الفاكهى خبرا يقتضى: أن أبا سيارة من بنى عبد بن معيص بن عامر بن لؤى، وقيس أخواله.
وذكر أيضا ما يقتضى: أن الإجازة صارت من صوفة إلى عدوان، وهذا مع ما قبله يخالفان ما سبق، والله أعلم.
وفى أصله فوائد تتعلق بهذه الأخبار.
منها: أن الناس إذا نفروا من منى فأجازوا إلى الأبطح اجتمعت كندة إلى بنى بكر ابن وائل فأجازوا بهم حتى يبلغوا البيت. ذكر ذلك الفاكهى وهو غريب.
* * *
стр. 294
الباب الثلاثون
فى ذكر من ولى إنساء الشهور من العرب بمكة، وذكر صفة الإنساء، وذكر الحمس والحلة، والطلس (١).
اختلف الأخبار فى أول من أنسأ: ففى بعضها: أنه مالك بن كنانة. وهذا فى تاريخ الأزرقى.
وفى بعضها: أنه القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة ابن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة. وهذا فى السيرة لابن إسحاق، تهذيب ابن هشام. وفى بعضها غير ذلك.
وآخر من أنسأ أبو ثمامة جنادة بن عوف.
وقيل: أنه أنسأ أربعين سنة. والله أعلم.
وأما صفة الإنساء: فذكر الأزرقى مطولا، والسهيلى مختصرا مفيدا؛ لأنه قال: وأما نسؤهم الشهر الحرام: فكان على ضربين.
أحدهما: ما ذكره ابن إسحاق من تأخير شهر المحرم إلى صفر لحاجتهم إلى شن الغارات وطلب الثأر.
والثانى: تأخيرهم الحج عن وقته تحريا منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخرونه فى كل عام أحد عشر يوما أو أكثر قليلا حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته. انتهى.
وفى الأزرقى ما يقتضى أن الحج يستدير فى كل أربع وعشرون سنة. والله أعلم.
وأما الحمس: فروى الزبير بسنده إلى مجاهد قال: الحمس: قريش وبنو عامر بن صعصعة، وثقيف وخزاعة، ومدلج وعدوان، والحارث بن عبد مناة، وعضل أتباع قريش.
وسائر العرب: الحلة.
стр. 295
وفى تاريخ الأزرقى ما يقتضى: أن من الحمس ناسا غير هؤلاء. وذلك مذكور فى أصله.
واختلف فى سبب تسميتهم بالحمس، فقيل: سموا بالكعبة؛ لأنها حمسا حجرها أبيض يضرب إلى السواد، وقيل: لشدتهم فى دينهم، وقيل: لشجاعتهم، والله أعلم.
وكان للحمس سيرة، منها: أنهم لا يقفون إلا بالمزدلفة، ولا يطوفون بالبيت عراة، وكانت الحلة تقف بعرفة مع وقوفها بالمزدلفة، وتطوف بالبيت عراة.
وقد ذكرنا من سيرتهم الباطلة غير هذا.
وأما الطلس: فقوم كانوا يأتون من أقصى اليمن طلسا من الغبار فيطوفون بالبيت فى تلك الثياب الطلس، فسموا بذلك.
ذكره محمد بن حبيب فيما نقله عنه السهيلى.
* * *
стр. 296
الباب الحادى والثلاثون
فى ذكر شيء من خبر خزاعة ولاة مكة فى الجاهلية ونسبهم، ومدة ولايتهم لمكة، أول ملوكهم بها، وغير ذلك من خبرهم، وشيء من خبر عمرو بن عامر ماء السماء الذى تنسب إليه خزاعة على ما قيل، وشيء من خبر بنيه وغير ذلك (١).
أما نسب خزاعة: فمنهم من ولد قمعة بن إلياس بن نضر بن نزار بن معد بن عدنان. هكذا قال جماعة من أهل العلم بالنسب، منهم: ابن حزم، واحتج لذلك بأحاديث تقوم بها الحجة، وقيل: إنهم من ولد الصلت بن النضير بن كنانة.
ذكر هذا القول ابن قتيبة وقيل: إنهم من قحطان، وخزاعة تقول ذلك.
لأن ابن هشام قال: وتقول خزاعة: نحن بنو عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث. وخندف أمناء فيما حدثنى أبو عبيدة وغيره من أهل العلم، فقال: خزاعة بنو حارثة بن عمرو بن عامر.
وأنما سميت خزاعة لأنهم يخزعون من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام، فنزلوا بمر الظهران، فأقاموا بها. انتهى.
إذا كانت خزاعة من مضر فلا تظهر تسميتها بخزاعة معنى.
وإذا كانوا من قحطان، فذلك لانخزاعهم عن قومهم بمكة، والانخزاع: هو المفارقة.
ومن ذلك يقول القائل:
فلما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة منا فى حلول كراكر
وأما ولاية خزاعة بمكة: فسبق فى باب أخبار خبرهم، وهو الباب الخامس والعشرون: أن بنى بكر بن عبد مناة وغبشان: من خزاعة، قاتلوا جرهما وأخرجوهم من مكة، وهذا يقتضى: أنهم وليوا البيت ومكة.
وسبق فى الباب الثامن والعشرون: أن سبب ولايتهم للبيت إعلامهم مضر بموضع الحجر الأسود لما دفنته بنو إياد.
وفى الخبر الذى فيه ذلك: ووليت خزاعة عند ذلك البيت، ولم يبرح فى أيديهم حتى
стр. 297
قدم قصى، فكان من أمره ما كان. وهذا يخالف ما سبق فى سبب ولايتهم. والله أعلم.
وذكر ابن إسحاق ما يقتضى أن غبشان من خزاعة انفردت بولاية البيت دون بكر ابن عبد مناة.
ولم تزل خزاعة تلى البيت كابرا عن كابر حتى كان آخرهم خليل بن حبشية.
وأما مدة ولاية خزاعة بمكة: فروينا عن ابن إسحاق وابن سريج قالا: قامت خزاعة على ما كانت عليه من ولاية البيت والحكم بمكة ثلاثمائة سنة.
وروينا عن أبى صالح قال: وكان عمرو بن لحى يلى البيت، وولده من بعده خمسمائة سنة حتى كان آخرهم خليل بن حبشية بن سلول، وكانوا هم حجابه وخزانه والقوام به، وولاة الحكم بمكة. انتهى باختصار.
وعمرو بن لحى المذكور فى هذا الخبر: هو عمرو بن لحى، واسمه ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر. كذا فى الخبر الذى فيه ذلك.
وأما أول من ولى البيت ومكة: ففى بعض الأخبار أنه عمرو بن لحى المذكور.
وفى بعضها: أنه أبو ربيعة، وفى بعضها: أنه عمرو بن الحارث الغبشانى. والله أعلم.
وأما آخر من ولى ذلك من خزاعة: فخليل بن حبشية، كما سبق.
وذكر الزبير: أن خليلا جعل إلى أبى غبيشان فتح البيت وإغلاقه، وأن قصيا اشترى ولاية البيت من أبى غبشان بزق خمر أو قعود، وقيل: بكبش وزق خمر. فقال الناس: أخسر من صفقة أبى غبشان، فصارت مثلا.
وأما خبر عمرو بن عامر، الذى تنسب إليه خزاعة على ما قيل. وخبر بنيه.
فمنه أنه كان يقال له: مزيقيا؛ لأنه كان يلبس فى كل يوم حلتين، ثم يمزقهما لئلا يلبسهما غيره. وكان ملك مأرب وهى بلاد سبأ المذكورة فى القرآن العظيم، ثم تحول منها بعد أن باع أمواله بها لما أخبرته به طريفة الكاهنة من خرابها بسيل العرم.
وكان تحوله عنها بولده وولد ولده، وساروا حتى نزلوا بلاد عك، وكان بينهم وبين عك حروب، ثم رحلوا عنها، فتفرقوا فى البلاد على ما ذكر ابن هشام.
وفى بعض الأخبار ما يقتضى: أن تفرقهم كان بمكة لما أصابهم من الحماء. والله أعلم. وخبر عمرو بن عامر وبنيه وخبر خزاعة أكثر من هذا.
* * *
стр. 298
الباب الثانى والثلاثون
فى ذكر شيء من أخبار قريش بمكة فى الجاهلية، وشيء من فضلهم، وما وصفوا به، وبيان نسبهم وسبب تسميتهم بقريش وابتداء ولايتهم الكعبة وأمر مكة (١).
أما فضلهم، فمنه: قول النبى ﷺ : «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة ـ الحديث». وهو فى مسلم من رواية واثلة بن الأسقع عنه.
وقوله ﷺ : «إن هذا الأمر فى قريش، ولا يعايهم أحد إلا كبه الله تعالى على وجهه ما أقاموا الدين». وهذا فى صحيح البخارى.
وأما ما وصفت به بطون قريش بأن بعضهم يعرف «بقريش البطاح»، وهم «بنو كعب بن لؤى» لأن قريشا حين قسموا بلادهم أصابت كعب الأباطح، وبعضهم يعرف بقريش «الظواهر» وهم: محارب والحارث ابنا فهر، وبنو عامر بن لؤى، والأدرم ابن غالب، وبقية قريش إلا أن الحارث بن فهر دخل مكة من البطاح، وبعضهم يعرف «بقريش العارية»، وهم: ولد سامة بن لؤى بن غالب بن فهر، وبعضهم يعرف «بقريش العائدة» وهم: بنو خزيمة بن لؤى بن غالب بن فهر.
وأما نسب قريش: فاختلف فيه، فقيل: إنهم من ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. ورجحه الزبير بن بكار وغيره. وقيل: إنهم من ولد النضر بن كنانة. ورجحه النووى. والله تعالى أعلم.
وأما سبب تسميتهم: بقريش، فقيل: سموا قريشا من التقرش، والتقرش: التجارة والاكتساب. وقيل: لتفتيشهم عن حاجة الناس، وسدهم لها. وقيل: بتجمعها من تفرقها. وقيل: غير ذلك. والله أعلم.
وأما ابتداء ولاية قريش للكعبة المعظمة وأمر مكة: فسببه قصى بن كلاب بن مرة بن لؤى بن غالب. وذلك: أن الحليل بن حبشية جعل ذلك لقصى حين حضرته الوفاة. وكان قصى قد تزوج ابنته حبى، وولد له منها عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبد بنو قصى.
стр. 299
ولما مات حليل أبت خزاعة أن تدع قصيا وذاك، وأخذوا المفتاح منه فاستنصر قصى برجال من قريش وكنانة فأجابوا، واستنصر أيضا بأخيه لأمه رزاح بن ربيعة، فخرج إليه بإخوته ومن معهم من قضاعة، فقابل بهم قصى خزاعة بعد انقضاء الحج بمفضى مأزمى منى، فسمى ذلك المكان «المفجر» لما فجر فيه وسفك من الدماء، بسبب الجراحات فى الفريقين، وكثرت القتلى فيهما، ثم تداعوا إلى الصلح، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن الليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان شريفا، فحكم: بأن لا تباعد لأحد على أحد فى دم، وحكم: بحجابة البيت وولاية أمر مكة لقصى دون خزاعة، لما جعل له حليل، وأن لا تخرج خزاعة من مساكنها من مكة، فسمى يعمر يومئذ: الشداخ؛ لأنه لما حكم قال: ألا إنى قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدمى هاتين.
وولى قصى حجابة البيت وأمر مكة، وجمع قومه من قريش من منازلهم إلى مكة ليستعزبهم، وتملك على قومه فملكوه.
وخبر ولايته طويل فى تاريخ الأزرقى. وهذا ملخص منه بالمعنى فيه مقنع.
وقد سبق فى الباب الذى قبله أن قصيا اشترى ولاية البيت من أبى غبشان بما سبق ذكره.
وذكر الزبير بن بكار خبرا يقتضى أن قصى بن كلاب: أول من ثرد الثريد فأطعم بمكة وسقى اللبن بعد بنت بن إسماعيل.
وذكر أيضا خبرا يقتضى أن قصيا كان يعشر من دخل مكة من غير أهلها.
ومن خبر قصى بن كلاب: أنه أحدث وقود النار بالمزدلفة، ليراها من دفع من عرفة، وأنه: بنى قزح موضع الوقوف بالمزدلفة، وأنه: اتخذ لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت تقضى قريش أمورها.
وأن أمره فى قومه كدين المتبوع لا يعمل بغيره فى حياته ومن بعده.
وأنه مات بمكة فدفن بالحجون، فتدافن الناس بالحجون بعده.
وأنه أول بنى كعب بن لؤى، أصاب ملكا أطاع له به قومه. والله أعلم.
* * *
стр. 300
الباب الثالث والثلاثون
فى ذكر شيء من خبر بنى قصى بن كلاب، وتوليتهم لما كان بيده من الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، والقيادة، وتفسير ذلك (١).
اختلف فيما صنعه قصى فيما كان بيده من الأمور المشار إليها، فقيل: إنه جعل ذلك لابنه عبد الدار بن قصى لتلحقه فى الشرف بأخيه عبد مناف، ثم إن بنى عبد مناف بن قصى: عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا، أجمعوا على: أن يأخذوا ذلك من أيدى بنى عبد الدار لشرفهم وفضلهم فى قومهم على بنى عبد الدار. وكاد أن يقع بين الفريقين قتال، ثم اصطلحوا على: أن يعطوا بنى عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبنى عبد الدار.
فولى السقاية والرفادة: هاشم بن عبد مناف ليساره، واسمه عمرو، ويقال ما سمى هاشما إلا لهشمه الخبز بمكة لقومه، ويقال: إنه أول من أطعم الثريد بمكة وأنه أول من سنّ لقريش الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف.
ومات بغزة بالشام تاجرا، فولى السقاية والرفادة بعد: عبد المطلب بن عبد مناف.
وكان يسمى: الفيض؛ لسماحته وفضله. ومات بردمان باليمن.
فولى ذلك بعده عبد المطلب بن هاشم.
هذا ملخص بالمعنى مختصر مما ذكره ابن إسحاق فى خبر هذه الأمور.
وذكر الزبير بن بكار خبرا يقتضى أن قصى بن كلاب أعطى ابنه عبد مناف السقاية والندوة، وأعطى عبد الدار: الحجابة واللواء، وأعطى عبد العزى: الرفادة وأيام منى.
قال المروانى ـ شيخ الزبير ـ فى هذا الخبر: والرفادة: الضيافة. وأيام منى: كان الناس لا يجوزون إلا بأمره. وأعطى عبد بن قصى: جلهتى الوادى، ولم أسمع فى جلهتى الوادى بشئ. انتهى باختصار.
وقيل: إن قصى بن كلاب أعطى عبد مناف: السقاية والرفادة والقيادة، وأعطى عبد
стр. 301
الدار: السدانة، وهى الحجابة، ودار الندوة، واللواء. وهذا فى خبر الأزرقى عن ابن جريج، وابن إسحاق. وفيه شيء من خبر هذه الأمور. وقد ذكرنا ذلك فى أصله.
وقد ذكرنا فى أصل هذا الكتاب أخبارا مفيدة تتعلق ببنى عبد مناف وعبد المطلب.
ومنها: ما يخالف ما ذكرناه من خبر هذه الأمور.
ومنها: ما يوافق والله أعلم.
* * *
стр. 302
الباب الرابع والثلاثون
فى ذكر شيء من خبر الفجار والأحابيش (١)
كان الذى هاج حرب الفجار: أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصة بن معاوية بن بكر بن هوازن، أجاز لطيمة للنعمان بن المنذر، فقال له ـ البراص بن قيس أحد بنى حمزة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ـ: أتجيزها على كنانة؟ قال: نعم. وعلى الخلق. فخرج عروة الرحال، وخرج البراض يطلب عزنة، حتى إذا كان يتيمن ذى ظلال بالعالية، قابله عروة فوثب عليه البراض فقتله فى الشهر الحرام، فلذلك سمى: الفجار، فأتى آت قريشا، فقال: إن البراض قد قتل عروة وهم فى الشهر الحرام بعكاظ، فارتحلوا وهوازن لا تشعر، ثم بلغهم الخبر فاتبعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم فاقتتلوا حتى جاء الليل، ودخلوا الحرم فأمسكت عنهم هوازن، ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما، وهذا الذى ذكرناه من خبر الفجار فى سيرة ابن إسحاق، تهذيب ابن هشام.
وذكر ابن هشام: أن حرب الفجار هاجت لما بلغ رسول الله ﷺ ابن عشرين سنة، أو خمس عشرة سنة.
وذكر ابن إسحاق: أنها هاجت ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة. وشهد النبى ﷺ بعض أيام الفجار. وهى على ـ ما ذكر الفاكهى ـ خمسة أيام فى أربع سنين، وبينها الفاكهى، وذكرنا كلامه فى أصله.
وقال مغلطاى فى سيرته: وأيام الفجار أربعة. قاله السهيلى. والصواب: أنها ستة.
وأما الأحابيش: فهم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والحيا والمصطلق من خزاعة، والقارة بنو الهون بن خزيمة. وكانوا خلفاء لقريش. وكانت قريش والأحابيش ندا. وقد أوضحنا من خبرهم أكثر من هذا فى أصله.
* * *
стр. 303
الباب الخامس والثلاثون
فى ذكر حلف الفضول، وخبر ابن جدعان الذى كان هذا الحلف فى داره، وذكر أجواد قريش وحكامهم فى الجاهلية، وملك عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصى عليهم، وشيء من خبره (١).
كان سبب حلف الفضول: أن رجلا من بنى زبيد قدم مكة معتمرا فى الجاهلية، ومعه تجارة له، فباعها من العاص بن وائل السهمى، فآواها إلى بيته، ثم تغيب وابتغى الزبيدى متاعه فلم يقدر عليه، فجاء إلى بنى سهم يستعين بهم على العاص فأغلظوا عليه، فعرف: أن لا سبيل إلى ماله، فطوف فى قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلوا عنه، فلما رأى ذلك أشرف على أبى قبيس حين أخذت قريش مجالسها، ثم قال أبياتا.
فلما نزل من الجبل أعظمت ذلك قريش وتكلموا فيه، ثم اجتمع بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة وبنو تميم فى دار عبد الله بن جدعان، وعمل لهم طعاما، وتحالفوا بالله: لا يظلم أحد بمكة إلا كنا جميعا مع المظلوم على الظالم، حتى نأخذ له مظلمته ممن ظلمه شريفا ووضيعا، منا أو من غيرنا. ثم انطلقوا إلى العاص بن وائل، فقالوا: والله لا نفارقك حتى تؤدى إليه حقه، فأعطى الرجل حقه، فمكثوا كذلك لا يظلم أحد حقه بمكة إلا أخذه.
وشهد رسول الله ﷺ هذا الحلف قبل أن يوحى إليه، واغتبط به فيما قيل.
وما ذكرناه من خبر حلف الفضول لخصناه من خبرين. ذكرهما الزبير بن بكار، وذكر ما يوهم: أن سبب حلف الفضول غير ذلك. وقد أشرنا إلى شيء من ذلك فى أصله، والمشهور ما ذكرناه هنا.
وكان حلف الفضول فى شوال بعد انصراف قريش من الفجار. كذا فى خبر، ذكره الفاكهى، قال: ويقال بعد فراغهم من بنيان الكعبة. انتهى.
وأما ابن جدعان المشار إليه: فهو عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تميم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب القرشى التيمى المكى، يكنى أبا زهير من رهط أبى بكر الصديق رضى الله عنه.
стр. 304
وكان من رؤساء قريش وأجوادهم.
وله فى الجود أخبار مشهورة.
منها: أنه كانت له جفنة للأضياف يستظل بظلها فى الهاجرة.
ومنها: أنه كان له مناديان بأعلى مكة وبأسفلها، أحدهما يقول: ألا من أراد اللحم والشحم فليأت دار ابن جدعان، وهو أول من أطعم بمكة الفالوذج، وهو: لباب البريلك بالعسل.
ولما مات ابن جدعان نعاه بعض الجن بأبيات إلى رفقة من أهل مكة مسافرين إلى الشام.
وذلك فى خبر، ذكره الفاكهى. ذكرناه فى أصله.
ومن خبر ابن جدعان: أنه دخل شقا فى بعض شعاب مكة يرجو أن يكون فيه حية تقتله، فيستريح من تعب الفقر وغيره، فظفر فيه بكنز عظيم.
وكان فى قريش أجواد، منهم المعروفون: بأزواد الركب: لكفايتهم من معهم المؤنة فى السفر، منهم: الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأخوه زمعة بن عبد المطلب، ومسافر بن عمرو بن أمية بن عبد شمس، وأبو أمية بن المغيرة المخزومى.
وأما حكام قريش بمكة فى الجاهلية، فمنهم: عبد المطلب بن هاشم، وأبناؤه الزبير، وأبو طالب وآخرون، ذكرناهم فى أصله، ولم يكن أحد منهم متملكا على بقية قريش، وإنما ذلك بتراضيهم عليه حسما لمادة الشر.
وسيأتى ما يزيد ذلك قريبا.
وأما تملك عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى على قريش: فإن قيصر ملّكه عليهم وكتب له إليهم، فتلطف بهم عثمان وخوفهم فى تجارتهم من قيصر إن لم يطيعوه، فوافقوه على أن يعقدوا التاج على رأسه عشية، وتملكوه، ثم انتفضوا عن ذلك لتنفير ابن عمه أبى زمعة لقريش عن ذلك، فلحق عثمان بقيصر فأعلمه الخبر، فأمر قيصر عمرو بن جفنة الغسانى أن يحبس لعثمان من أراد حبسه من تجار قريش بالشام. ففعل ذلك عمرو.
ثم مات عثمان بالشام مسموما، وكان من أظرف قريش وأعقلها.
وخبر تملكه وما جرى له بعد رجوعه إلى قيصر، أطول من هذا.
* * *
стр. 305
الباب السادس والثلاثون
فى ذكر شيء من فتح مكة المشرفة، وفوائد تتعلق بذلك (١)
كان سبب فتح مكة أن بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة، عدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة، يقال له: الوتير، فأصابوا منهم رجلا وتحاوروا واقتتلوا، ورفدت قريش بنى بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا حتى حازوا خزاعة إلى الحرم.
ثم خرج ناس من خزاعة إلى النبى ﷺ يستنصرونه؛ لأن خزاعة فى صلح الحديبية: دخلت فى عقد رسول الله ﷺ ، ودخلت بنو بكر فى عقد قريش، فوعد النبى ﷺ الخزاعيين بالنصر.
وقدم المدينة أبو سفيان بن حرب ليشد العقد، ويزيد فى المدة، فلم ينل قصدا، ورجع إلى مكة، وأمر رسول الله ﷺ أهله أن يجهزوه ثم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتأهب، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها فى بلادها، فتحفز الناس.
ولما أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى قريش: يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر فى المسير إليهم، ثم أعطاه امرأة، قيل: إنها مزينة، وقيل: إنها سارة ـ مولاة لبعض بنى عبد المطلب ـ وأعلم الله بذلك رسوله ﷺ ، فبعث على بن أبى طالب، والزبير بن العوام لإحضار الكتاب فأتيا به.
ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان فصام وصام الناس حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران فى عشرة آلاف من المسلمين، وقريش لا تعلم بذلك.
ثم إن أبا سفيان بن حرب حضر عند رسول الله ﷺ بمر الظهران فأسلم. وكان خرج يتحسس الأخبار عن رسول الله ﷺ .
وأمن النبى ﷺ من دخل دار أبى سفيان، ومن أغلق عليه بابه، ومن دخل المسجد.
стр. 306
فلما جاء قومه أخبرهم الخبر، وأن النبى ﷺ قد جاءهم بما لا قبل لهم به، فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد.
ولما انتهى النبى ﷺ إلى ذى طوى، أمر الزبير بن العوام: أن يدخل فى بعض الناس من كداء. وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل فى بعض الناس من كداء.
وأمر النبى ﷺ خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة فى بعض الناس.
وكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى وفيها: أسلم، وسليم، وغفار، ومزينة وجهينة، وقبائل من قبائل العرب.
وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدى رسول اللهصلى الله عليه وسلم.
ودخل النبى ﷺ من أذاخر، حتى نزل بأعلى مكة، وضربت هنالك قبته.
وكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو، وقد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر أحد بنى محارب بن فهر، وحنيش بن خالد بن ربيعة بن أصرم ـ حليف بنى منقذ ـ وكانا فى خيل خالد بن الوليد، فشذا عنه، فسلكا طريقا غير طريقه، فقتلا جميعا.
وأصيب من جهينة سلمة الميلا من خيل خالد.
وأصيب من المشركين ناس قريب من اثنى عشر، أو ثلاثة عشر، ثم انهزموا.
وكان رسول الله ﷺ : قد عهد إلى أمرائه من المسلمين ـ حين أمرهم أن يدخلوا ـ أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا قاتلهم. إلا أنه قد عهد فى نفر سماهم: أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، فقتل بعضهم واستؤمن لبعضهم.
ثم إن رسول الله ﷺ لما نزل مكة واطمأن الناس: خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن فى يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها فوجد فيه حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها. ثم وقف على باب الكعبة، وقد استكف له الناس فى المسجد، فخطب خطبته المشهورة، وفيها: يا معشر قريش، ما ترون أنى فاعل فيكم؟ قالوا: خير، أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
стр. 307
ثم جلس رسول الله ﷺ فى المسجد، فقام إليه على بن أبى طالب رضى الله عنه، ومفتاح الكعبة فى يده، فقال: يا رسول الله: اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. فقال رسول الله ﷺ أين عثمان بن طلحة؟ فدعى له، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، إن اليوم يوم بر ووفاء. وأمر النبى ﷺ بلالا أن يؤذن.
وكان أبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوسا بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيد: أن لا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه.
وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه بحق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عنى هذه الحصا. فخرج عليهم النبى ﷺ فقال: قد علمت الذى قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول: أخبرك.
ولما طاف النبى ﷺ يوم الفتح على راحلته كان حول البيت أصنام مشددة بالرصاص، فجعل النبى ﷺ يشير بقضيب فى يده إلى الأصنام، ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. فما أشار إلى صنم منها فى وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقى منها صنم إلا وقع. فقال يميم بن أسد الخزاعى:
وفى الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقاب
وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشر ليلة يقصر الصلاة، وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة.
وخبر فتح مكة أكثر مما ذكرناه، وما ذكرناه ملخص مختصر مما ذكره أبو إسحاق فى سيرته، بعضه بالمعنى وكثير منه باللفظ.
وأما الفوائد المتعلقة بخبر فتح مكة: فإن بعضها يخالف ما ذكره ابن إسحاق وابن هشام من خبر الفتح، وبعضها يوضح بعض ما أبهماه فى ذلك.
فمنها: أنا الفاكهى، قال: الوتير: ماء بأسفل مكة، فى المشرق عن يمين ملكان على ستة أميال منها.
وهذا بيّن الوتير أكثر مما فى كلام ابن إسحاق.
ومنها: أن ابن أبى عقبة ذكر فى مقارنة ما يقتضى أن إغارة بنى كنانة على خزاعة التى هى سبب فتح مكة، كانت بعرفة.
стр. 308
وهذا يخالف ما ذكره ابن إسحاق.
ومنها: أن الحافظ عبد الغنى بن سعيد المصرى، ذكر فى مبهماته حديثا فيه: «أن النبى ﷺ ، بعث عليا، وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما لإحضار كتاب حاطب».
وهذا يخالف ما ذكره ابن إسحاق.
ومنها: أن فى البخارى: «أن النبى ﷺ بعث لإحضار كتاب حاطب، أبا مرثد مع على والزبير».
وفى رواية فيه: المقداد، بدل أبى مرثد ـ وكلام ابن إسحاق لا يفهم شيئا من هذا.
ومنها: أن الحافظ ابن عبد الغنى ذكر ما يقتضى: أن حاملة كتاب حاطب: أم سارة مولاة لقريش، وكلام ابن إسحاق يقتضى: أنها سارة.
وذكر مغلطاى أنها: أم سارة كنود المرينة، والله أعلم.
ومنها: إن السهيلى ذكر شيئا فى بيان ما كتبه حاطب؛ لأنه قال: وقد قيل: إنه كان فى الكتاب: «أن رسول الله ﷺ قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم، فإنه منجز له ما وعده».
وفى تفسير ابن سلام: أنه كان فى الكتاب الذى كتبه حاطب: أن محمدا قد نفر، إما إليكم وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر. انتهى.
وكلام ابن إسحاق: ليس فيه شيء من هذا.
ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضى أن النبى ﷺ صام حتى بلغ الكديد بين عسفان وأمج.
وروى الفاكهى عن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه صام حتى بلغ عسفان.
وروى حديثا عن جابر رضى الله عنه: أنه صام حتى بلغ كراع العميم.
وهذان الخبران مخالفان لما ذكره ابن إسحاق.
ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضى أن النبى ﷺ دخل مكة يوم فتحها من أذاخر.
وذكر ابن عقبة ما يقتضى أنه دخلها من ثنية كداء بأعلى مكة.
وذكر الفاكهى عن ابن عمر رضى الله عنهما ما يوافق ذلك.
стр. 309
ومنها: أن ابن عقبة قال: وقتل من بنى بكر قريبا من عشرين، ومن هذيل: ثلاث، أو أربعة، وانهزموا وقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد.
وقال ابن سعد: قيل أربعة وعشرون رجلا من قريش، وأربعة من هذيل.
وروى الفاكهى خبرا فيه: فاندفع خالد فقتل سبعين رجلا بمكة.
وجميع هذه الأقوال يخالف ما ذكره ابن إسحاق من: أن المقتولين من المشركين قريب من اثنى عشر، أو ثلاثة عشر. والله أعلم.
ومنها: أن ما ذكره ابن إسحاق يقتضى: أن الكعبة فتحت للنبى ﷺ يوم الفتح.
وفى صحيح مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ ما يقتضى أن النبى ﷺ فتحها بنفسه يوم الفتح.
ومنها: أن ما ذكره ابن إسحاق يقتضى أن على بن أبى طالب سأل النبى ﷺ أن يجمع لبنى هاشم الحجابة مع السقاية.
وذكر الأزرقى عن الواقدى ما يقتضى: أن العباس بن عبد المطلب هو الذى سأل رسول الله ﷺ فى ذلك.
ومنها: أن ابن هشام ذكر أن أبا سفيان، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام، كانوا جلوسا بفناء الكعبة لما أذن بلال، وأن النبى ﷺ خرج عليهم وأخبرهم بقولهم.
وذكر الفاكهى خبرا يقتضى: أنهم كانوا جلوسا فى الحجر، وأن النبى ﷺ استدعاهم إلى الصفا وأخبرهم بقولهم: إلا أن الخبر الذى ذكره الفاكهى ليس فيه ذكر الحارث بن هشام. وفيه ذكر سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية مع عتاب بن أسيد، وأبى سفيان. ولا يصح ما فيه من: أن صفوان كان معهم لفراره إلى جدة فى يوم الفتح.
وفى الأزرقى ما يقتضى: أن عتاب بن أسيد لم يكن معهم، وإنما كان معهم أخوه خالد بن أسيد مع الحارث، وأبى سفيان، وسهيل، والحكم بن أبى العاص، والله أعلم.
ومنها: أن ابن عقبة ذكر أنه كان مع النبى ﷺ فى فتح مكة اثنى عشر ألفا، على ما قيل. ونقل ذلك مغلطاى عن الحاكم جزما.
وما ذكره ابن إسحاق يقتضى: أنهم عشرة آلاف. والله أعلم.
ومنها: أنه اختلف فى مدة إقامة النبى ﷺ بعد فتحها. ففى البخارى: وأقام بها خمس عشرة ليلة.
стр. 310
وفى رواية: تسع عشرة.
وفى أبى داود: سبع عشرة.
وفى الأكمل: أصحها بضع عشرة يصلى ركعتين. انتهى. نقل هذه الروايات مغلطاى هكذا.
والذى ذكره ابن إسحاق خمس عشرة ليلة، وذلك يخالف هذه الروايات، إلا الأولى التى فى البخارى.
ورأيت فى ذلك غير ما سبق؛ لأن الفاكهى روى بسنده عن أنس رضى الله عنه، قال: أقمنا بمكة عشرا، يعنى زمان الفتح. انتهى.
وقد أتينا فيما يتعلق بخبر الفتح الذى ذكره ابن إسحاق وابن هشام بفوائد أكثر من هذا فى أصله، ومثل ذلك لا يوجد مجموعا فى كتاب، ويتعلق به مسائل كثيرة من الفقة واللغة والعربية، تركنا ذكرها لكونها غير مقصودة بالذكر فى هذا التأليف، وخيفة من الطويل. ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
* * *
стр. 311
الباب السابع والثلاثون
فى ذكر ولاة مكة المشرفة فى الإسلام (١)
لما فتح الله تعالى على رسوله ﷺ مكة ـ استخلف عليها عتاب بن أسيد ـ بفتح الهمزة ـ بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشى الأموى، أميرا على من تخلف عن النبى ﷺ من الناس حين خرج إلى حنين، وذلك فى العشر الأول من شوال سنة ثمان من الهجرة.
ولم يزل عتاب أميرا على مكة إلى أن توفى بها بعد موت الصديق رضى الله عنه أو يوم جاء نعى الصديق إلى مكة.
وفى تاريخ ابن جرير، وابن الأثير ما يقتضى أنه ولى مكة لعمر رضى الله عنه.
وفى الاستيعاب ما يقتضى: أن الصديق عزله عن مكة، وولاها للحارث بن الحارث ابن عبد المطلب بن هاشم.
وفى مغازى موسى بن عقبة ما يقتضى: أن النبى ﷺ استخلف معاذ بن جبل على مكة لما خرج إلى حنين.
وفى الاستيعاب: أن النبى ﷺ استخلف على مكة هبيرة بن شبل بن العجلان الثقفى.
والمعروف: استخلاف عتّاب ودوام ولايته حتى مات. والله أعلم.
وولى مكة: المحرز بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس، نيابة عن عتاب فى سفرة سافرها.
ثم وليها فى أول خلافة عمر رضى الله عنه، المحرز المذكور، ثم قنفذ بن عمير بن جدعان التيمى، ثم نافع بن عبد الحارث الخزاعى، ثم خالد بن العاص، ثم هشام بن المغيرة المخزومى.
وممن ولى مكة فى خلافة عمر رضى الله عنه: طارق بن المرتفع بن الحارث بن عبد مناة، وعبد الرحمن بن أبزى الخزاعى ـ مولاهم ـ نيابة عن نافع بن عبد الحارث لما خرج
стр. 312
للقاء عمر رضى الله عنه إلى عسفان، وأنكر عليه عمر رضى الله عنه استخلافه لابن أبزى، وعزل نافعا لكونه: استخلف على أهل الله مولى.
وقيل: إن الحارث بن نوفل ـ السابق ذكره ـ ولى مكة لعمر رضى الله عنه.
ثم ولى مكة فى أول خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه: على بن عدى بن ربيعة ابن عبد العزى بن عبد شمس، ثم خالد بن العاص ـ السابق ـ ودامت ولايته إلى أن عزله منها على بن أبى طالب رضى الله عنه.
ووليها لعثمان رضى الله عنه أيضا: الحارث بن نوفل ـ السابق ـ وعبد الله بن خالد ابن أسيد، وهو ابن أخى عتاب، وعبد الله بن عامر الحضرمى. على ما ذكره ابن الأثير.
ووليها أيضا فيما قيل: نافع بن عبد الحارث، السابق ذكره.
ثم ولى مكة فى خلافة على رضى الله عنه: أبو قتادة الأنصارى، حارس رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعد عزل خالد بن العاص، ثم قثم بن العباس بن عبد المطلب، ودامت ولايته إلى أن قتل على رضى الله عنه.
وقيل: إن معبد بن العباس بن عبد المطلب وليها لعلى رضى الله عنه.
ثم ولى مكة فى خلاف معاوية بن أبى سفيان: أخوه عتبة بن أبى سفيان، ومروان ابن الحكم بن أبى العاص، وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، وابنه عمرو بن سعيد، المعروف: بالأشدق، وخالد بن العاص، وعبد الله بن خالد بن أسيد ـ السابق ذكرهما.
ثم ولى مكة فى خلافة يزيد بن معاوية، جماعة، أولهم: عمرو بن سعيد الأشدق، والوليد بن عتبة بن أبى سفيان بن حرب، وعثمان بن محمد بن أبى سفيان الأمويون، والحارث بن خالد بن العاص المخزومى ـ المقدم ذكر أبيه ـ وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوى، ابن أخى عمر رضى الله عنه، ويحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية الجمحى.
ثم ولى مكة: عبد الله بن الزبير بن العوام رضى الله عنهما بعد موت يزيد بن معاوية.
وبويع بالخلافة فى الحجاز والعراق واليمن وغير ذلك حتى كادت الأمة تجمع عليه.
ودامت ولايته على مكة حتى استشهد فى جمادى الأولى أو الآخرة سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، بعد أن حاصره الحجاج بن يوسف الثقفى أزيد من نصف سنة. وابن الزبير ينتصف منهم وتفضل عليهم.
стр. 313
وكان قد حارب قبل أن يلى الخلافة: الحصين بن نمير أشهرا بمكة، ثم تخلى الحصين عن الحرب لوصول نعى يزيد.
وولى مكة لعبد الله بن الزبير رضى الله عنهما: الحارث بن حاطب الجمحى.
ثم ولى مكة بعد قتل ابن الزبير فى خلافة عبد الملك بن مروان جماعة، أولهم: الحجاج ابن يوسف الثقفى، والحارث بن خالد بن العاص المخزومى، وخالد بن عبد الله القسرى، وعبد الله بن سفيان المخزومى، وعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبى العيص ـ المقدم ذكر أبيه ـ ومسلمة بن عبد الملك بن مروان، ونافع بن علقمة الكنانى، ويحيى بن الحكم بن أبى العاص الأموى.
وولى مكة فى خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان: الإمام العادل عمر بن عبد العزيز ابن مروان، ثم خالد بن عبد الله القسرى.
ثم ولى مكة فى خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان: ثلاثة نفر خالد بن عبد الله القسرى، ثم طلحة بن داود الحضرمى، ثم عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد ـ السابق ذكره.
ثم ولى مكة فى خلافة عمر بن عبد العزيز بن مروان: عبد العزيز بن عبد الله بن خالد، السابق.
وقيل: وليها لعمر بن عبد العزيز: محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وعروة بن عياض بن عدى بن الخيار النوفلى، وعبد الله بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وعثمان بن عبد الله بن سراقة العدوى.
ووليها: ابن سراقة لغير عمر ـ قبله ـ ولعل ولايتهم لعمر على مكة لما كان واليا عليها للوليد. والله أعلم.
ثم ولى مكة فى خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان، ثلاثة نفر، أولهم: عبد العزيز بن عبد الله ـ السابق ـ ثم عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى، ثم عبد الواحد بن عبد الله النصرى، بالنون.
ثم ولى مكة فى خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان جماعة، أولهم: عبد الواحد المذكور، ثم إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومى ـ خال هشام بن عبد الملك ـ ثم أخوه محمد بن هشام.
وولى مكة فى خلافة هشام: نافع بن علقمة الكنانى.
стр. 314
وممن ولى مكة فى خلافة عبد الملك، أو فى خلافة أحد من أولاده المذكورين أو فى خلافة عمر بن عبد العزيز: أبو حراب محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث ابن أمية الأصغر القرشى، وكان على مكة فى زمن عطاء بن أبى رباح.
ثم ولى مكة فى خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك: خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى، ودامت ولايته إلى انقضاء خلافته.
ثم ولى مكة فى خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ـ فيما أظن ـ والله أعلم.
ثم وليها فى خلافة مروان بن محمد بن مروان ـ آخر الخلفاء الأمويين ـ عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز ـ المقدم ذكره ـ ثم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، ثم أبو حمزة المختار بن عوف الخارجى الأباضى بالتّغلّب بعد الحج من سنة تسع وعشرين ومائة، وسار أبو حمزة إلى المدينة.
واستخلف على مكة أبرهة بن الصباح الحميرى، وسار لحربه من الشام: عبد الملك ابن محمد بن عطية السعدى، فالتقوا بالأبطح واقتتلوا إلى نصف النهار، وقيل: أبرهة، وأبو حمزة وخلق من جيشه.
وقيل: إن أبا حمزة قتل بوادى القرى، قتله جيش بن عطية فى آخر هذا العام، وهو عام ثلاثين ومائة، راجعا من اليمن ليقيم الحج بعد قتله لطالب الحق الذى يدعو له أبو حمزة.
وكان قد استخلف على مكة ـ إذ سار إلى اليمن ـ رجلا من أهل الشام يقال له ابن ماعز.
وولى مكة لمروان: ـ السابق ذكره ـ الوليد بن عروة السعدى ـ ابن أخى عبد الملك ـ ودامت ولايته إلى انقضاء خلافة مروان.
ورأيت فى نسخة من كامل ابن الأثير: أن محمد بن عبد الملك بن مروان: كان على مكة والمدينة والطائف فى سنة ثلاثين ومائة، وأنه حج بالناس فيها. ولم أر ما يدل إلا لحجه بالناس دون ولايته. والله أعلم.
ثم ولى فى خلافة أبى العباس السفاح ـ أول الخلفاء العباسيين ـ: عمه داود بن على ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ثم زياد بن عبد الله الحارثى خال السفاح، ثم العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب.
стр. 315
وممن وليها للسفاح على ما قيل: عمر بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الخطاب.
ثم وليها فى خلافة أبى جعفر المنصور: العباس بن عبد الله بن معبد السابق ذكره ـ ثم زياد بن عبد الله الحارثى، ثم السرى بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب، ثم محمد بن الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب بالتّغلّب لأن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم، لما خرج بالمدينة على المنصور استعمله على مكة، واستعمل على اليمن القاسم بن إسحاق، فسار إلى مكة، فلقيهما السرى بأذاخر، فهزماه، ودخل محمد مكة، وأقام بها يسيرا، ثم سار عنها إلى المدينة لنصر محمد بن عبد الله بن الحسن، فأتاه بنواحى قديد نعى محمد بن عبد الله.
وفى كتاب الزبير بن بكار ما يقتضى: أن الذى ولاه محمد بن عبد الله بن الحسن مكة هو: الحسن بن معاوية ـ والد محمد بن الحسن السابق ذكره ـ والله أعلم.
ثم عاد السرى لولاية مكة.
ثم وليها بعده عبد الصمد بن على عم المنصور.
ثم وليها بعده محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
ثم وليها فى خلافة المهدى بن المنصور: إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله ابن عباس، بوصية من المنصور، ثم جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس، ثم عبيد الله بن قثم بن العباس بن عبد الله بن عباس.
وممن وليها للمهدى: محمد بن إبراهيم الإمام السابق ذكره ـ وكذا فيما أظن: قثم ابن العباس، والد عبيد الله بن قثم.
وولايته لمكة، ذكرها ابن حزم، إلا أنه لم يذكر تاريخها.
ثم ولى مكة فى خلافة الهادى بن المهتدى: عبيد الله بن قثم ـ السابق، والحسين بن على بن الحسين بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم بالتغلب؛ لأنه ثار بالمدينة، واستولى عليها، ثم سار إلى مكة واستولى عليها.
وقيل: فى حرب كان بينه وبين أصحاب الهادى بفخ ـ وهو وادى الزاهر ـ يوم التروية من سنة تسع وستين ومائة، ولم يسهل بالهادى قتله. وكان كريما شجاعا. وقبره معروف فى قبة عالية. والمقتولون من أصحابه: أزيد من مائة نفر.
стр. 316
وممن ولى أمر مكة فى خلافة الهادى ـ أو خلافة أخيه الرشيد ـ: محمد بن عبد الرحمن السفيانى.
ثم ولى مكة فى خلافة الرشيد ابن المهدى جماعة، وهم: أحمد بن إسماعيل بن على ابن عبد الله بن عباس، وحماد البربرى، وسليمان بن جعفر بن سليمان بن على، والعباس ابن موسى بن عيسى بن موسى، والعباس بن محمد بن إبراهيم الإمام، وعبد الله بن محمد ابن عمران بن إبراهيم التيمى، وعبيد الله بن قثم بن العباس ـ السابق، وعبيد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام، وعلى بن موسى بن عيسى ـ أخو العباس السابق، والفضل بن العباس بن محمد بن على، ومحمد بن إبراهيم الإمام، ومحمد بن عبيد بن سعيد بن المغيرة ابن عمر بن عثمان بن عفان، وموسى بن عيسى بن موسى بن محمد ابن على.
ثم ولى مكة فى خلافة الأمين ابن الرشيد: داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على.
ثم ولى مكة فى خلافة المأمون بن الرشيد: داود بن عيسى ـ المذكور.
ثم وليها بالتغلب: الحسين بن الحسن بن على بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب المعروف: بالأفطس فى أيام الحج من سنة تسع وتسعين ومائة، بعد قرار داود ـ المذكور ـ ودامت ولايته إلى أن بلغه قتل مرسله أبى السرايا داعية ابن طباطبا. وبدا من الحسن وأصحابه ما لا يحمد.
ثم ولى مكة بعده: محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين على بن الحسين بن على بن أبى طالب الحسينى، الملقب: بالديباجة؛ لجمال وجهه.
وبويع فيه بالخلافة فى ربيع الأول سنة مائتين. ودامت ولايته إلى جمادى الآخر سنة مائتين.
واستولى عليها أصحاب المأمون بعد قتال جرى بينهم وبين العلويين، انهزم العلويون لأجله. وفارق الديباجة مكة بأمان، ثم عاد إليها بأمان ثانى، وطلع المنبر واعتذر عما وقع منه، واستغفر وخلع نفسه، ولحق بالمأمون، فعفى عنه.
وولى مكة ـ بعد هزيمة العلويين ـ عيسى بن يزيد الجلودى.
ووليها للجلودى ابنه محمد، ويزيد بن محمد بن حنظلة المخزومى.
ووليها بعد عزل الجلودى: هارون بن المسيب.
стр. 317
ووليها فى خلافة المأمون: حمدون بن على بن عيسى بن ماهان، وإبراهيم بن موسى ابن جعفر الحسينى ـ أخو على بن موسى الرضا ـ وعبيد الله بن الحسن بن عبيد الله ابن العباس بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم، صالح بن العباس بن محمد بن على ابن عبد الله بن العباس، وسليمان بن عبيد الله بن سليمان بن على بن عبد الله بن العباس، وابنه محمد بن سليمان.
وممن وليها للمأمون: الحسن بن سهل، إلا أنه لم يباشر ولايتها، وإنما عقد له عليها الولاية.
ثم وليها فى خلافة المعتصم بن الرشيد: صالح بن العباس ـ السابق، ثم محمد بن داود ابن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبيد الله بن عباس الملقب: ترنجة. ولعل ولايته دامت إلى أثناء خلافة المتوكل. والله أعلم.
وأشناس التركى ـ أحد قواد المعتصم ـ وولايته كانت عليها وعلى غيرها عقدا لا مباشرة.
ثم وليها فى خلافة المتوكل بن المعتصم: على بن عيسى بن جعفر بن أبى جعفر المنصور، ثم عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى ـ المقدم ذكر أبيه، ثم عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، ثم محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام، المعروف: بالزينبى.
وولى مكة فى خلافة المتوكل: ابنه محمد المنتصر، وما أظنه باشر ذلك، وإنما عقد له بالولاية عليها مع غيرها، وإيتاخ الخوزى ـ أحد قواد المتوكل ـ وولايته عليها وعلى غيرها عقد لا مباشرة.
ثم ولى مكة فى خلافة المنتصر بن المتوكل: محمد بن سليمان الزينبى، السابق فيما أظن. والله أعلم.
ووليها فى خلافة المستعين: أحمد بن محمد بن المعتصم عبد الصمد بن موسى ـ السابق، ثم جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف شاشان، ثم إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، بالتغلب والإحراق، وحصر أهل مكة حتى ماتوا جوعا وعطشا، وذلك فى سنة إحدى وخمسين ومائتين.
وقيل: إن قصته كانت فى سنة اثنتين وخمسين، وفيها أهلكه الله بالجدرى.
стр. 318
وولى مكة فى خلافة المستعين: ابنه العباس، ومحمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، ولم يباشرا الولاية على مكة وإنما عقد لهما عليها الولاية مع بلاد أخر.
ثم ولى مكة فى خلافة المعتز بن المتوكل عيسى محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المخزومى.
وممن ولى مكة فى خلافة المهتدى محمد بن الواثق ـ أو فى خلافة المعتمد أحمد بن المتوكل محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب: كعب البقر.
وممن ولى مكة فى خلافة المهتدى: على بن الحسن الهاشمى.
ثم ولى مكة فى خلافة المعتمد ابن المتوكل جماعة، وهم أخوه: أبو أحمد الموفق بن المتوكل، وإبراهيم بن محمد بن إسماعيل العباسى، الملقب: بزيه، وأبو المغيرة محمد بن عيسى بن محمد المخزومى ـ السابق ذكر أبيه ـ وأبو عيسى محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الوهاب المخزومى الفضل بن العباس بن الحسين بن إسماعيل العباسى، وهارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على، وأحمد بن طولون صاحب مصر، ومحمد بن أبى الساج، وأخوه يوسف بن أبى الساج.
وباشر من هؤلاء ولاية مكة: إبراهيم، وأبو المغيرة، وأبو عيسى، وهارون، والفضل ويوسف، والشك فى الموفق، هل باشر ولاية مكة أم لا؟ .
وأما ابن طولون، ومحمد بن أبى الساج: فلم أر ما يدل على مباشرتهما.
ثم ولى مكة فى خلافة المعتضد: ابن أبى أحمد الموفق بن المتوكل.
وفى خلافة أولاده: المكتفى، والمقتدر، والقاهر.
وفى خلافة الراضى: ابن المقتدر.
وفى خلافة المتقى: ابن المقتدر.
وفى خلافة المستكفى: ابن المكتفى.
وفى خلافة المطيع بن المقتدر جماعة، وما عرفت منهم إلا عج بن حاج، ومؤنس بن المظفر، وابن ملاحظ، وابن مخلب، أو ابن محارب ـ على الشك منى ـ ومحمد بن طغج الأخشيد صاحب مصر، وابنيه أبا القاسم، أو نجور، ومعنى أو نجور: محمود، وأبا الحسن عليا، والقاضى أبا جعفر محمد بن عبد العزيز العباسى وولايته فى زمن ولاية الإخشيد بمكة.
стр. 319
وما عرفت أن أحدا من هؤلاء باشر ولاية مكة غير عج بن حاج، وابن ملاحظ، وابن محارب، أو ابن مخلب ـ على الشك فيما يعرف به.
ثم ولى مكة بالتغلب: جعفر بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى. هكذا نسبه ابن حزم فى الجمهرة. وذكر أنه غلب على مكة أيام الإخشيدية. وأظن ذلك بعد موت كافور الإخشيدى وقبل استيلاء القائد جوهر خادم المعز العبيدى على مصر. والله أعلم.
وولى مكة بعد جعفر هذا: ابنه عيسى. ودامت ولايته على مكة إلى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة على ما ذكر بعض مشايخنا.
وذكر أن أبا الفتوح الحسن بن جعفر ولى مكة فى هذا التاريخ. والله أعلم.
وولاية أبى الفتوح بمكة مشهورة، ودامت ولايته عليها فيما علمت إلى أن مات فى سنة ثلاثين وأربعمائة، إلا أن صاحب مصر الحاكم العبيدى عزله.
وولى مكة عوضه ابن عم له يقال له ابو الطيب؛ لأن أبا الفتوح خرج عن طاعة الحاكم، وبويع فى الحرمين بالخلافة، ويلقب بالراشد، وسار فى ألف عبد إلى الرملة لأن آل الجراح حملوه على ذلك، ثم تخلوا عنه لاستمالة الحاكم لهم عنه بأموال عظيمة، وشفعوا له عند الحاكم وأعادوه إلى ولاية مكة.
وكان ذلك من أبى الفتوح فى سنة إحدى وأربعمائة.
وقيل: فى سنة اثنتين وأربعمائة.
ووليها بعده: شكر بن أبى الفتوح، ودامت ولايته ـ فيما علمت ـ إلى أن مات سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وآل أمر مكة بعد شكر إلى عبد له، على ما ذكر ابن حزم فى الجمهرة.
وفى المرآة: ما يقتضى أنه ولى مكة بعد شكر: بنو أبى الطيب الحسنيون، ثم على بن محمد الصليحى صاحب اليمن، ثم محمد بن جعفر بن أبى هاشم عن الصليحى، ومحمد ابن جعفر هذا أحد أمراء مكة المعروفين بالهواشم، وهو أبو هاشم محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن أبى هاشم محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى.
وكان تأمير الصليحى له فى سنة ست وخمسين وأربعمائة.
стр. 320
ودامت ولاية ابن أبى هاشم ثلاثين سنة، إلا أن بنى سليمان الحسينيين قصدوه مع حمزة بن وهاس ففر إلى ينبع؛ لأنه لم يكن له بهم طاقة. وذلك بعد سير الصليحى من مكة.
وكان سيره بعد يوم عاشوراء، أو فى ربيع الأول من سنة ست وخمسين وأربعمائة.
وكان ملك الصليحى بمكة فى سادس ذى الحجة سنة خمس وخمسين، وهرب ابن أبى هاشم فى سنة أربع وثمانين وأربعمائة إلى بغداد لما وصل إلى مكة التركمان، وهو أول من أعاد الخطبة العباسية بمكة بعد قطعها من الحرمين نحو مائة سنة.
وولى مكة بعده: ابنه قاسم، ثم أصبهيذ بن سارمتكين.
ثم عاد قاسم المذكور لولايتها فى شوال سنة سبع وثمانين وأربعمائة، بعد أن هزم أصبهيذ.
واستمر قاسم حتى مات فيما علمت، وكان موته فى سنة ثمان عشرة وخمسمائة.
وولى بعده: ابنه فليتة، ويقال: أبو فليتة، واستمر فيما علمت حتى مات سنة سبع وعشرين وخمسمائة.
وولى بعده: هاشم ابنه، واستمر فيما علمت إلى سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وقيل: إلى سنة إحدى وخمسين.
وولى بعده: قاسم ابنه إلى وقت الموسم من سنة ست وخمسين.
ثم ولى عوضه: عمه عيسى بن فليتة.
ثم ولى قاسم مكة فى شهر رمضان سنة سبع وخمسين، ثم قتل بعد أيام يسيرة وعاد عمه عيسى إلى ولايتها.
واستمر فيما علمت حتى مات سنة سبعين وخمسمائة، إلا أن أخاه مالك بن قتيبة استولى على مكة نحو نصف يوم.
وخرج من مكة مالك بعد قتال جرى بين عسكره وعسكر أخيه، وذلك يوم عاشوراء من سنة ست وستين وخمسمائة.
ووليها بعد عيسى: ابنه داود، ثم أخوه مكثر بن عيسى فى نصف رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.