← Тараджим

Тараджим · id 20989

العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين

التقي الفاسي

Полный текст (2 722 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وممن ولى أمر مكة فى خلافة الهادى ـ أو خلافة أخيه الرشيد ـ: محمد بن عبد الرحمن السفيانى. ثم ولى مكة فى خلافة الرشيد ابن المهدى جماعة، وهم: أحمد بن إسماعيل بن على ابن عبد الله بن عباس، وحماد البربرى، وسليمان بن جعفر بن سليمان بن على، والعباس ابن موسى بن عيسى بن موسى، والعباس بن محمد بن إبراهيم الإمام، وعبد الله بن محمد ابن عمران بن إبراهيم التيمى، وعبيد الله بن قثم بن العباس ـ السابق، وعبيد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام، وعلى بن موسى بن عيسى ـ أخو العباس السابق، والفضل بن العباس بن محمد بن على، ومحمد بن إبراهيم الإمام، ومحمد بن عبيد بن سعيد بن المغيرة ابن عمر بن عثمان بن عفان، وموسى بن عيسى بن موسى بن محمد ابن على. ثم ولى مكة فى خلافة الأمين ابن الرشيد: داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على. ثم ولى مكة فى خلافة المأمون بن الرشيد: داود بن عيسى ـ المذكور. ثم وليها بالتغلب: الحسين بن الحسن بن على بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب المعروف: بالأفطس فى أيام الحج من سنة تسع وتسعين ومائة، بعد قرار داود ـ المذكور ـ ودامت ولايته إلى أن بلغه قتل مرسله أبى السرايا داعية ابن طباطبا. وبدا من الحسن وأصحابه ما لا يحمد. ثم ولى مكة بعده: محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين على بن الحسين بن على بن أبى طالب الحسينى، الملقب: بالديباجة؛ لجمال وجهه. وبويع فيه بالخلافة فى ربيع الأول سنة مائتين. ودامت ولايته إلى جمادى الآخر سنة مائتين. واستولى عليها أصحاب المأمون بعد قتال جرى بينهم وبين العلويين، انهزم العلويون لأجله. وفارق الديباجة مكة بأمان، ثم عاد إليها بأمان ثانى، وطلع المنبر واعتذر عما وقع منه، واستغفر وخلع نفسه، ولحق بالمأمون، فعفى عنه. وولى مكة ـ بعد هزيمة العلويين ـ عيسى بن يزيد الجلودى. ووليها للجلودى ابنه محمد، ويزيد بن محمد بن حنظلة المخزومى. ووليها بعد عزل الجلودى: هارون بن المسيب.

стр. 317

ووليها فى خلافة المأمون: حمدون بن على بن عيسى بن ماهان، وإبراهيم بن موسى ابن جعفر الحسينى ـ أخو على بن موسى الرضا ـ وعبيد الله بن الحسن بن عبيد الله ابن العباس بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم، صالح بن العباس بن محمد بن على ابن عبد الله بن العباس، وسليمان بن عبيد الله بن سليمان بن على بن عبد الله بن العباس، وابنه محمد بن سليمان. وممن وليها للمأمون: الحسن بن سهل، إلا أنه لم يباشر ولايتها، وإنما عقد له عليها الولاية. ثم وليها فى خلافة المعتصم بن الرشيد: صالح بن العباس ـ السابق، ثم محمد بن داود ابن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبيد الله بن عباس الملقب: ترنجة. ولعل ولايته دامت إلى أثناء خلافة المتوكل. والله أعلم. وأشناس التركى ـ أحد قواد المعتصم ـ وولايته كانت عليها وعلى غيرها عقدا لا مباشرة. ثم وليها فى خلافة المتوكل بن المعتصم: على بن عيسى بن جعفر بن أبى جعفر المنصور، ثم عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى ـ المقدم ذكر أبيه، ثم عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، ثم محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام، المعروف: بالزينبى. وولى مكة فى خلافة المتوكل: ابنه محمد المنتصر، وما أظنه باشر ذلك، وإنما عقد له بالولاية عليها مع غيرها، وإيتاخ الخوزى ـ أحد قواد المتوكل ـ وولايته عليها وعلى غيرها عقد لا مباشرة. ثم ولى مكة فى خلافة المنتصر بن المتوكل: محمد بن سليمان الزينبى، السابق فيما أظن. والله أعلم. ووليها فى خلافة المستعين: أحمد بن محمد بن المعتصم عبد الصمد بن موسى ـ السابق، ثم جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف شاشان، ثم إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، بالتغلب والإحراق، وحصر أهل مكة حتى ماتوا جوعا وعطشا، وذلك فى سنة إحدى وخمسين ومائتين. وقيل: إن قصته كانت فى سنة اثنتين وخمسين، وفيها أهلكه الله بالجدرى.

стр. 318

وولى مكة فى خلافة المستعين: ابنه العباس، ومحمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، ولم يباشرا الولاية على مكة وإنما عقد لهما عليها الولاية مع بلاد أخر. ثم ولى مكة فى خلافة المعتز بن المتوكل عيسى محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المخزومى. وممن ولى مكة فى خلافة المهتدى محمد بن الواثق ـ أو فى خلافة المعتمد أحمد بن المتوكل محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب: كعب البقر. وممن ولى مكة فى خلافة المهتدى: على بن الحسن الهاشمى. ثم ولى مكة فى خلافة المعتمد ابن المتوكل جماعة، وهم أخوه: أبو أحمد الموفق بن المتوكل، وإبراهيم بن محمد بن إسماعيل العباسى، الملقب: بزيه، وأبو المغيرة محمد بن عيسى بن محمد المخزومى ـ السابق ذكر أبيه ـ وأبو عيسى محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الوهاب المخزومى الفضل بن العباس بن الحسين بن إسماعيل العباسى، وهارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على، وأحمد بن طولون صاحب مصر، ومحمد بن أبى الساج، وأخوه يوسف بن أبى الساج. وباشر من هؤلاء ولاية مكة: إبراهيم، وأبو المغيرة، وأبو عيسى، وهارون، والفضل ويوسف، والشك فى الموفق، هل باشر ولاية مكة أم لا؟ . وأما ابن طولون، ومحمد بن أبى الساج: فلم أر ما يدل على مباشرتهما. ثم ولى مكة فى خلافة المعتضد: ابن أبى أحمد الموفق بن المتوكل. وفى خلافة أولاده: المكتفى، والمقتدر، والقاهر. وفى خلافة الراضى: ابن المقتدر. وفى خلافة المتقى: ابن المقتدر. وفى خلافة المستكفى: ابن المكتفى. وفى خلافة المطيع بن المقتدر جماعة، وما عرفت منهم إلا عج بن حاج، ومؤنس بن المظفر، وابن ملاحظ، وابن مخلب، أو ابن محارب ـ على الشك منى ـ ومحمد بن طغج الأخشيد صاحب مصر، وابنيه أبا القاسم، أو نجور، ومعنى أو نجور: محمود، وأبا الحسن عليا، والقاضى أبا جعفر محمد بن عبد العزيز العباسى وولايته فى زمن ولاية الإخشيد بمكة.

стр. 319

وما عرفت أن أحدا من هؤلاء باشر ولاية مكة غير عج بن حاج، وابن ملاحظ، وابن محارب، أو ابن مخلب ـ على الشك فيما يعرف به. ثم ولى مكة بالتغلب: جعفر بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى. هكذا نسبه ابن حزم فى الجمهرة. وذكر أنه غلب على مكة أيام الإخشيدية. وأظن ذلك بعد موت كافور الإخشيدى وقبل استيلاء القائد جوهر خادم المعز العبيدى على مصر. والله أعلم. وولى مكة بعد جعفر هذا: ابنه عيسى. ودامت ولايته على مكة إلى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة على ما ذكر بعض مشايخنا. وذكر أن أبا الفتوح الحسن بن جعفر ولى مكة فى هذا التاريخ. والله أعلم. وولاية أبى الفتوح بمكة مشهورة، ودامت ولايته عليها فيما علمت إلى أن مات فى سنة ثلاثين وأربعمائة، إلا أن صاحب مصر الحاكم العبيدى عزله. وولى مكة عوضه ابن عم له يقال له ابو الطيب؛ لأن أبا الفتوح خرج عن طاعة الحاكم، وبويع فى الحرمين بالخلافة، ويلقب بالراشد، وسار فى ألف عبد إلى الرملة لأن آل الجراح حملوه على ذلك، ثم تخلوا عنه لاستمالة الحاكم لهم عنه بأموال عظيمة، وشفعوا له عند الحاكم وأعادوه إلى ولاية مكة. وكان ذلك من أبى الفتوح فى سنة إحدى وأربعمائة. وقيل: فى سنة اثنتين وأربعمائة. ووليها بعده: شكر بن أبى الفتوح، ودامت ولايته ـ فيما علمت ـ إلى أن مات سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وآل أمر مكة بعد شكر إلى عبد له، على ما ذكر ابن حزم فى الجمهرة. وفى المرآة: ما يقتضى أنه ولى مكة بعد شكر: بنو أبى الطيب الحسنيون، ثم على بن محمد الصليحى صاحب اليمن، ثم محمد بن جعفر بن أبى هاشم عن الصليحى، ومحمد ابن جعفر هذا أحد أمراء مكة المعروفين بالهواشم، وهو أبو هاشم محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن أبى هاشم محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى. وكان تأمير الصليحى له فى سنة ست وخمسين وأربعمائة.

стр. 320

ودامت ولاية ابن أبى هاشم ثلاثين سنة، إلا أن بنى سليمان الحسينيين قصدوه مع حمزة بن وهاس ففر إلى ينبع؛ لأنه لم يكن له بهم طاقة. وذلك بعد سير الصليحى من مكة. وكان سيره بعد يوم عاشوراء، أو فى ربيع الأول من سنة ست وخمسين وأربعمائة. وكان ملك الصليحى بمكة فى سادس ذى الحجة سنة خمس وخمسين، وهرب ابن أبى هاشم فى سنة أربع وثمانين وأربعمائة إلى بغداد لما وصل إلى مكة التركمان، وهو أول من أعاد الخطبة العباسية بمكة بعد قطعها من الحرمين نحو مائة سنة. وولى مكة بعده: ابنه قاسم، ثم أصبهيذ بن سارمتكين. ثم عاد قاسم المذكور لولايتها فى شوال سنة سبع وثمانين وأربعمائة، بعد أن هزم أصبهيذ. واستمر قاسم حتى مات فيما علمت، وكان موته فى سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وولى بعده: ابنه فليتة، ويقال: أبو فليتة، واستمر فيما علمت حتى مات سنة سبع وعشرين وخمسمائة. وولى بعده: هاشم ابنه، واستمر فيما علمت إلى سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وقيل: إلى سنة إحدى وخمسين. وولى بعده: قاسم ابنه إلى وقت الموسم من سنة ست وخمسين. ثم ولى عوضه: عمه عيسى بن فليتة. ثم ولى قاسم مكة فى شهر رمضان سنة سبع وخمسين، ثم قتل بعد أيام يسيرة وعاد عمه عيسى إلى ولايتها. واستمر فيما علمت حتى مات سنة سبعين وخمسمائة، إلا أن أخاه مالك بن قتيبة استولى على مكة نحو نصف يوم. وخرج من مكة مالك بعد قتال جرى بين عسكره وعسكر أخيه، وذلك يوم عاشوراء من سنة ست وستين وخمسمائة. ووليها بعد عيسى: ابنه داود، ثم أخوه مكثر بن عيسى فى نصف رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.

стр. 321

ثم وليها فى هذه السنة: الأمير قاسم بن مهنا الحسينى أمير المدينة ثلاثة أيام بعد الحج من هذه السنة. ثم رأى فى نفسه العجز عن القيام بذلك، فرأى أمير الحاج طاشتكين داود بن عيسى. وكان الأخوان بعد ذلك يتداولان إمرة مكة يليها كل منهما زمنا، ثم انفرد بها مكثر نحو عشر سنين متوالية. وبه انقضت ولاية الهواشم. ووليها ـ فى ولاية أحدهما ـ سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، صاحب مصر والشام فى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وولى مكة بعد مكثر: أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى ابن حسين بن سليمان بن على بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى الينبعى فى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وقيل: فى سنة ثمان وتسعين، وقيل: سنة تسع وتسعين. واستمر حتى مات فى سنة سبع عشرة وستمائة، وقيل: سنة ثمان عشرة. وامتدت ولايته إلى ينبع وإلى حلى، وحارب صاحب المدينة، وغلب كل منهما الآخر حينا. وولى مكة فى ولاية قتادة أقباش الناصرى العباسى، ولم يباشر ولايتها، وإنما عقد له مولاه الولاية على الحرمين، وإمرة الحجاج. وولى مكة بعد قتادة: ابنه حسين بن قتادة، ودامت ولايته إلى سنة تسع عشرة وستمائة، وقيل: إلى سنة عشرين. ووليها بعده: الملك المسعودى، واسمه يوسف، ويلقب: أقسيس بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب صاحب اليمن، بعد أن حارب حسن بن قتادة بالمسعى، وانهزم حسن. ونهب عسكر الملك المسعودى مكة إلى العصر، ودامت ولايته عليها حتى مات فى سنة ست وعشرين وستمائة. ووليها نيابة عنه: نور الدين عمر بن على بن رسول الذى صار سلطانا باليمن بعده، والأمير حسام الدين ياقوت بن عبد الله المسعودى. ووليها بعد المسعودى: والده الكامل صاحب مصر، ودامت ولايته إلى شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وستمائة. ثم وليها الملك المنصور نور الدين ـ المذكور ـ بعد أن بويع بالسلطنة ببلاد اليمن؛ لأنه أنفذ جيشا إليها فيهم راجح بن قتادة، فهرب منها طغتكين متوليها من قبل الكامل.

стр. 322

ثم استولى عليها مع جيش أمده به الكامل فى شهر رمضان سنة تسع وعشرين، وسمى ابن محفوظ المكى أمير مكة الكامل فى هذا التاريخ شجاع الدين الدغدكى وهو تصحيف، إنما هو طغتكين. والله أعلم. وقيل: إن فخر الدين بن الشيخ على، كان على مكة لما وصلها جيش المنصور فى سنة تسع وعشرين. ثم وليها جيش المنصور مع راجح بغير قتال فى صفر سنة ثلاثين. ثم وليها فى آخرها عسكر الكامل، وأقام بها أمير من جهة الكامل يقال له ابن مجلى. ثم وليها: عسكر المنصور مع راجح فى سنة إحدى وثلاثين. ثم وليها فى سنة اثنتين وثلاثين: عسكر الكامل، وكان ألف فارس. وقيل: سبعمائة. وقيل: خمسمائة، وخمسة من الأمراء يقدمهم الأمير جفريل ودامت ولاية الكامل عليها إلى أن استولى عليها المنصور فى سنة خمس وثلاثين وستمائة، وكان قد سار إليها بنفسه فى ألف فارس فيما قيل. ودامت ولايته عليها إلى سنة سبع وثلاثين، وترك بها مائة وخمسين فارسا، قدم عليهم ابن الوليد وابن التغرى. ثم وليها: الملك الصالح أيوب بن الكامل صاحب مصر؛ لأنه أنفذ إليها مع الشريف شيحة صاحب المدينة جيشا فيه ألف فارس، فاستولى على مكة بغير قتال فى سنة سبع وثلاثين. ثم وليها: عسكر المنصور بعد مفارقة شيحة، ومن معه بمكة وفيهم النصرى، وراجح ابن قتادة. وذلك فى سنة سبع وثلاثين، أو ثمان وثلاثين وستمائة. ثم وليها: عسكر الصالح فى سنة ثمان وثلاثين، وممن وليها له الأمير فخر الدين أحمد ابن التركمانى. ثم وليها المنصور فى سنة تسع وثلاثين وستمائة، وسافر إليها بنفسه، ودامت ولايته عليها حتى مات، وأمر عليها فى هذه السنة مملوكه الأمير فخر الدين الشلاح، وابن فيروز، وجعل الشريف أبا سعد بن على بن قتادة بالوادى مساعدا لعسكره. واستمر الشلاح على ولاية مكة إلى سنة ست وأربعين وستمائة، على ما ذكر بعض مؤرخى اليمن فى عصرنا.

стр. 323

ووجدت بخط الميورقى: أن ابن المسيب قدم مكة لعزل الشلاح فى منتصف ربيع الأول سنة خمس وأربعين، والله أعلم بالصواب. وولى مكة بعد ابن المسيب أبو سعد بن على ـ السابق ـ بعد قبضه على ابن المسيب فى ذى القعدة. وقيل: فى شوال سنة سبع وأربعين وستمائة، واستمر إلى أن قتل سنة إحدى وخمسين فى شعبان. وقيل: فى رمضان منها. ثم وليها بعده ـ أحد قتلته ـ: جماز بن حسن بن قتادة، واستمر إلى آخر يوم من الحج سنة إحدى وخمسين. ثم وليها بعده راجح بن قتادة، واستمر إلى ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين. ثم وليها بعده: ابنه غانم بن راجح، واستمر إلى شوال منها. ثم وليها بعده: إدريس بن قتادة، وأبو نمى محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة بعد قتال مات فيه ثلاثة نفر. ثم وليها: المبارز على بن الحسين بن برطاس، وكان المظفر صاحب اليمن قد أنفذه إلى مكة فى مائتى فارس، فقاتل إدريس وأبا نمى، وظهر عليهما فى الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة اثنتين وخمسين. ثم وليها: إدريس وأبو نمى فى المحرم سنة ثلاث وخمسين وستمائة بعد قتالهم لابن برطاس، وكان أسر ففدا نفسه وفارق مكة بمن معه. وفى سنة أربع وخمسين وستمائة: انفرد أبو نمى بالإمرة بها، ثم عاد إدريس لمشاركته فى ولايتها. ثم وليها: أولاد حسن بن قتادة بست أيام من سنة ست وخمسين، ثم أخرجهم منها أبو نمى. ودامت ولاية إدريس، وأبو نمى إلى سنة سبع وستين. ثم انفرد بها أبو نمى قليلا ثم عاد إدريس إلى ولايتها واستمر إلى ربيع الأول سنة تسع وستين. ثم انفرد إدريس بولايتها أربعين يوما. ثم قتل فى هذه السنة بخليص فى حرب كان بينه وبين أبى نمى، وانفرد أبو نمى بولايتها إلى سنة سبعين.

стр. 324

ثم وليها فى صفر: جماز بن شيحة صاحب المدينة، وغانم بن إدريس بن حسن بن قتادة صاحب ينبع، ثم عاد أبو نمى إلى ولايتها بعد أربعين يوما، واستمر إلى سنة سبع وثمانين وستمائة. ثم عاد جماز بن شيحة إلى ولاية مكة، وأقام بها إلى آخر السنة. وذلك مدة يسيرة. ثم وليها أبو نمى، واستمر إلى أوائل صفر سنة إحدى وسبعمائة، وفى رابعه مات. وكان وليها فى حال ولاية أبى نمى وإدريس أمير يقال له: شمس الدين مروان نائب الأمير عز الدين أمير خازندار بأمر من الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر فى سنة سبع وستين وستمائة، بسؤال من إدريس وأبى نمى للظاهر فى ذلك، ثم أخرج مروان من مكة فى سنة ثمان وستين. ووليها ـ قبل موت أبى نمى بيومين ـ: ابناه حميضة، ورميثة، واستمر إلى أن قبض عليهما فى موسم سنة إحدى وسبعمائة. ووليها بعدهما: أخواهما أبو الغيث، وعطيفة ـ ابنا أبى نمى. وقيل: وليها بعدهما أبو الغيث، ومحمد بن إدريس بن قتادة. ثم وليها: حميضة، ورميثة فى سنة ثلاث وسبعمائة. وقيل: فى سنة أربع وسبعمائة، بولاية من الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر، واستمر إلى موسم سنة ثلاث عشرة وسبعمائة. ثم وليها: أخوهما أبو الغيث، بولاية من الناصر المذكور، وجهز معه جيشا كثيفا، واستمر شهرين وجمعة. ثم وليها: حميضة بعد قتال كان بينه وبين أبى الغيث، ثم ظفر به فى حرب آخر فقتله، واستمر حميضة إلى أن هرب إلى الحلف والخليف فى شعبان سنة خمس عشرة. ووليها بعده: أخوه رميثة بولاية من الناصر المذكور، واستمر إلى أن قبض عليه بعد انقضاء الحج من سنة ثمان عشرة وسبعمائة، إلا أن حميضة استولى على مكة فى أوائل هذه السنة، أو بعد الحج من التى قبلها بموافقة رميثة على ما قيل. ووليها: عطيفة بن أبى نمى فى أوائل سنة تسع عشرة وسبعمائة، بولاية من الناصر المذكور، وجهز معه عسكرا، واستمر فى الولاية إلى أوائل سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، إلا أن رميثة شاركه فى ولاية مكة فى بعض سنى عشر الثلاثين.

стр. 325

ثم وليها: رميثة بمفرده فى ربيع الآخر أو جمادى الأولى، من سنة إحدى وثلاثين، واستمر إلى سنة أربع وثلاثين. ثم وليها: عطيفة شريكا لرميثة. ثم انفرد رميثة بإمرتها ليلة رحيل الحاج من السنة المذكورة. ثم وليها: عطيفة شريكا لرميثة فى الموسم من سنة خمس وثلاثين، واستمر إلى أثناء سنة ست وثلاثين. ثم سافر فأقام عطيفة بمكة، ورميثة بالحديد بوادى مر، فقصد رميثة مكة ودخلها، وخرج منها غير ظافر، وذلك فى رمضان من السنة المذكورة. وفى سنة سبع وثلاثين اصطلحا وتشاركا فى الإمرة. ثم انفرد فيها: رميثة، واستمر متولّيا إلى أن ترك ولايتها فى سنة أربع وأربعين وسبعمائة لولديه عجلان، وثقبة، وأبى ذلك ولاة الأمر بمصر، وكتبوا له بالولاية، فاستمر رميثة إلى سنة ست وأربعين وسبعمائة. ثم وليها فيها: ابنه عجلان فى حياة أبيه. وفيها مات أبوه، واستمر عجلان إلى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. ثم وليها معه أخوه ثقبة، ثم صارا يتداولان ولايتها كل منهما وقتا. ثم ولياها معا باتفاقهما على ذلك فى أيام الموسم من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. ثم وليها بعدهما: أخوهما سند بن رميثة، وابن عمهما محمد بن عطيفة فى أثناء سنة ستين وسبعمائة، بولاية من الناصر حسن بن محمد بن قلاوون صاحب مصر، وجهز من مصر عسكرا لتأييدهما. واستمر على ولايتهما حتى انقضى الحج من سنة إحدى وستين وسبعمائة. ثم وليها ـ عوض ابن عطيفة شريكا لسند ـ: أخوه ثقبة بن رميثة؛ لأن الترك الذين قدموا فى موسم هذه السنة إلى مكة للإقامة بها عوض الأولين خرجوا من مكة على وجه مؤ لم بسبب ما نالهم من بنى حسن من القتل والنهب. وكان ابن عطيفة تخطى عن نصرة الترك فلم يستطع المقام بمكة بعد خروجهم منها، فخرج منها خائفا يترقب. ووجدت بخط بعض الناس من أصحابنا ما يقتضى: أنه أقام بمكة بعد الترك. ولعله أقام قليلا ثم رحل.

стр. 326

ثم ولى عجلان إمرة مكة عوض سند، شريكا لثقبة. وكان بمصر حين ولايته لذلك، فما وصل إلى وادى مر إلا وثقبة عليل مدنف، فلما مات ثقبة فى شوال سنة اثنتين وستين وسبعمائة ولى عجلان عوضه: ابنه أحمد بن عجلان، وجعل له ربع الحاصل، ثم زاده بعد ذلك ربعا آخر، ثم ترك عجلان الإمرة لابنه: أحمد، على أمور اشترطها، منها: دوام الدعاء مدة له حياته، فوفى له بذلك ابنه. واستمر منفردا بالإمرة حتى أشرك معه فيها ابنه محمد بن أحمد بن عجلان فى سنة ثمانين وسبعمائة بولاية من صاحب مصر، ولم يظهر لذلك أثر لصغر ابنه واستبداده هو بالأمور، واستمرا شريكين فى الإمرة، حتى مات الأب فى العشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة. ثم انفرد شريكين فى الإمرة، حتى مات الأب فى العشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة. ثم انفرد بها الولد مائة يوم، ثم قتل فى مستهل الحجة من السنة المذكورة لما حضر لخدمة المحمل المصرى. فوليها عوضه: عنان بن معامس بن رميثة، واستولى على مكة بعد قتال وقع بينه وبين بعض جماعة الأمير المقتول، واستولى على جدة أيضا، ثم انتزعت منه فى أوائل سنة تسع وثمانين، وأشرك معه فى الإمرة: ابنى عميه أحمد بن ثقبة، وعقيل بن مبارك بن رميثة، ثم على بن مبارك ليستظهر بهم على أعدائه. فما وجد بذلك راحة. ونمى الخبر إلى السلطان الملك الظاهر برقوق بمصر فعزله، وولى على بن عجلان بن رميثة. وتحارب عنان وجماعته مع آل عجلان، ومن معهم بأذاخر فى سلخ شعبان سنة تسع وثمانين، فكان الظفر لعنان وأصحابه. ثم استولى على مكة: على بن عجلان فى موسم هذه السنة بعد مفارقة عنان وأصحابه لمكة، ونزلوا بعد الموسم فى الوادى، وكان له أمر بجدة. ثم فارقهم عنان، وتوجه إلى مصر، فأقام بها مدة مطلقا ومعتقلا. ثم ولى بعد إطلاقه: نصف إمرتها شريكا لعلى بن عجلان، ووصل مكة فى نصف شعبان من سنة اثنتين وتسعين. ودخل مكة بموافقة مع على بن عجلان وجماعته. واستمرا على الولاية إلى الرابع والعشرين من صفر سنة أربع وتسعين وسبعمائة.

стр. 327

ثم استبد بها على وأصحابه بعد أن همّ بعضهم بالفتك بعنان بالمسعى فنجى، ثم دخلها بعد أن أخليت له من جماعتهم لما عزم إلى التوجه إلى مصر مطلوبا، وتوجه بعده: على بن عجلان واجتمعا بمصر عند الملك الظاهر، فعزل عنان. وأقام بمصر حتى مات فى ربيع الأول سنة خمس وثمانمائة بالفالج. وولى مكة: على بمفرده، ووصل إلى مكة فى موسم سنة أربع وتسعين وسبعمائة، وقبض فى آخر يوم منها على جماعة من وجوه الأشراف والقواد، ثم خودع فيهم فأطلقهم، ثم شوشوا عليه كثيرا، فقصد التجار ينبع لقلة الأمن بمكة وجدة. وآخر أمره أنه قتل ففاز بالشهادة فى تاسع شوال سنة سبع وسبعمائة. ثم وليها عوضه: أخوه السيد حسن بن عجلان. وكان حين ولايته بمصر، فدخل مكة فى رابع عشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وسبعمائة. فوجد المجاورين والحاج بولايته راحة ونفعا؛ لأنه لمصالحهم يرعى. واستمر منفردا بالإمرة إلى أن أشرك معه فيها: ابنه السيد بركات فى سنة تسع وثمانمائة بولاية من الناصر فرج بن الملك الظاهر برقوق صاحب مصر. ثم سعى لابنه السيد أحمد فى نصف الإمرة الذى كان بيده، فأجيب لسؤاله وولى هو نيابة السلطنة ببلاد الحجاز. وذلك فى ربيع الأول سنة إحدى عشرة وثمانمائة. وولى هو فى إمرة المدينة النبوية: عجلان بن نعير بن منصور بن جماز بن شيحة الحسنى. وكان يقدم فى الخطبة بالمدينة على أميرها عجلان، ثم قطعت خطبته منها لما زال عجلان عن ولايتها فى العشر الأخير من ذى القعدة سنة اثنتى عشرة وثمانمائة. وفى شوال من هذه السنة عزل السيد حسن وابناه عن ولايتهم، وأسرّ السلطان بمصر ذلك. ثم رضى عليهم وأعادهم إلى ولايتهم فى ثانى عشر ذى القعدة من السنة المذكورة. وبعث إليهم بالعهد والميثاق والتشاريف مع خادمه الخاص فيروز الساقى، فلبسوا ذلك وقرأ العهد بولايتهم فى أول ذى الحجة من السنة المذكورة. وأحمد الله بذلك فتنة عظيمة كادت أن تقع بين المذكورين، وبين أمير الحاج المصرى بيسق. واستمروا على ولايتهم إلى أوائل سنة ثمان عشرة وثمانمائة، ثم عزلوا عن ذلك. ووليه: السيد رميثة بن محمد بن عجلان بن رميثة فى هذا التاريخ. ودخل مكة فى

стр. 328

مستهل ذى الحجة سنة ثمان عشرة. وفيه قرئ توقيعه ودعى له على المنبر فى الخطبة فى سابع ذى الحجة. ثم عزل عن ذلك فى ثامن عشر رمضان سنة تسع عشرة وثمانمائة. وولى عمه السيد حسن: إمرة مكة ـ عوضة ـ ودخلها لابسا لخلعة الولاية بها بكرة يوم الأربعاء سادس عشرين شوال، بعد حرب كان بين عسكر حسن، وابن أخيه فى اليوم الذى قبله، استظهر فيه عسكر السيد حسن على من قاتلهم وفارقوا مكة. واستمر الشريف حسن فى إمرة مكة حتى عزل منها بالشريف على بن عنان بن مغامس بن رميثة بن أبى نمى. وجهز معه مولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر برسباى ـ نصره الله ـ عسكرا قويا من القاهرة، فاستولوا على مكة بغير قتال فى سادس جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة، ثم على جدة. وتوجه قبل ذلك الشريف حسن لصوب اليمن، ثم أتى إلى مكة بأمان من مولانا السلطان، ودخلها مكرما لابسا لخلعة الولاية فى أول ذى الحجة سنة ثمان وعشرين. وتوجه إلى القاهرة فأكرمه كثيرا مولانا السلطان وقرره فى إمرة مكة. وكان ذلك فى العشرين من جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وثمانمائة وهو عليل. واستمر كذلك حتى توفى فى السادس عشر من جمادى الآخرة من السنة المذكورة بالقاهرة بعد أن تجهز للسفر إلى مكة. واستدعى مولانا السلطان ـ نصره الله ـ السيد بركات بن حسن بن عجلان، فوصل إلى الحضرة الشريفة فى الثالث والعشرين من رمضان، وفوضت إليه إمرة مكة فى السادس والعشرين من رمضان من السنة المذكورة. واستقر أخوه السيد إبراهيم نائبا عنه، وخلع عليهما تشريفتين، وتوجها إلى مكة المشرفة فى عاشر شوال من السنة المذكورة، فوصلا إليها فى أوائل العشر الوسط من ذى القعدة منها، وقرئ عهد الشريف بركات بالولاية ولبس الخلعة بذلك. وقد ذكرنا من حال ولاة مكة أكثر من هذا فى أصله، وبسطنا ذلك أكثر فى العقد الثمين، ومختصره عجالة القرى. فمن أراد ذلك فليراجعهما، يرى فيهما من هذا المعنى وفى غيره أخبارا مستعذبة وفوائد مستغربة. ونحمد الله على ما منّ به من ذلك من الإرشاد. ونسأله فى ذلك السداد. * * *

стр. 329

الباب الثامن والثلاثون فى ذكر شيء من الحوادث المتعلقة بمكة فى الإسلام (١) لا ريب فى كثرة الأخبار فى هذا المعنى، وأكثر ذلك خفى علينا لعدم العناية بتدوينه فى كل وقت، وقد سبق مما علمناه أمور كثيرة فى مواضع من هذا الكتاب، ويأتى إن شاء الله تعالى شيء من ذلك بعد هذا الباب. والمقصود ذكره فى هذا الباب: أخبار تتعلق بالحجاج، لها تعلق بمكة أو باديتها. وحج جماعة من الخلفاء والملوك فى حال ولايتهم، ومن خطب له بمكة من الملوك وغيرهم فى خلافة بنى العباس، وما جرى بسبب الخطبة بمكة بين ملوك مصر والعراق. وما أسقط من المكوسات المتعلقة بمكة. فمن الأخبار المقصود ذكرها هنا: أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه، حج بالناس سنة اثنتى عشرة من الهجرة. ومنها: أن الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه حج بالناس فى جميع خلافته إلا السنة الأولى منها. ومنها: أن ذا النورين عثمان بن عفان رضى الله عنه حج بالناس فى جميع خلافته إلا فى السنة الأولى والأخيرة. ومنها: أن فى سنة أربعين من الهجرة: وقف الناس بعرفة فى اليوم الثامن من ذى الحجة، وضحوا فى اليوم التاسع. وليس كل إنسان اتفق له ذلك، والذين اتفق لهم ذلك طائفة كانوا مع المغيرة بن شعبة رضى الله عنه. ومنها: أن معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما: حج بالناس سنتين. ومنها: أن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما حج بالناس فى جميع خلافته إلا السنة الأخيرة منها، وهى سنة اثنتين وسبعين لحصر الحجاج بن يوسف الثقفى له فيها، وحج بالناس سنة ثلاث وستين، فيكون حجه بالناس تسعا، بتقديم التاء. ومنها: أن عبد الملك بن مروان حج بالناس سنتين.

стр. 330

ومنها: أن الوليد بن عبد الملك حج بالناس سنتين على ما قيل. ومنها: أن سليمان بن عبد الملك، حج بالناس مرة. وكذلك أخوه هشام بن عبد الملك. ومنها: أن فى سنة تسع وعشرين ومائة: وافى بعرفة أبو حمزة الخارجى على غفلة من الناس فخافوا منه، فسأله عامل مكة فى المسألة، فوقع الاتفاق على: أنهم جميعا آمنون حتى ينقضى الحج، ثم استولى ـ بغير قتال ـ أبو حمزة على مكة بعد الحج لفرار عاملها عنها. ومنها: أن أبا جعفر المنصور ثانى الخلفاء العباسيين حج بالناس أربع سنين، ورام الحج فى سنة ثمان وخمسين فما ناله لموته ببئر ميمون ظاهر مكة. ومنها: أن المهدى بن المنصور العباسى حج بالناس سنة ستين ومائة. وقيل: إنه حج بالناس سنة أربع وستين أيضا. وفى حجته الأولى: أنفق فى الحرمين أموالا عظيمة، يقال: إنها ثلاثون ألف ألف درهم وصل بها من العراق، وثلاثمائة ألف دينار وصلت إليه من مصر، ومائتا ألف دينار وصلت إليه من اليمن، ومائة ألف ثوب وخمسون ألف ثوب. ومنها: أن الرشيد هارون بن المهدى العباسى حج بالناس تسع حجج ـ بتقديم التاء ـ ولم يحج بعده خليفة من العراق، إلا أن الذهبى ذكر فى العبر فى أخبار سنة اثنتى عشرة ومائتين: أن المأمون بن هارون الرشيد حج فى هذه السنة ولم أر ذلك لغيره. والله أعلم. وفرق الرشيد فى حجاته أموالا كثيرة جدّا فى الحرمين. ومنها: أن فى سنة تسع وتسعين ومائة، وقف الناس بعرفة بلا إمام وصلوا بلا خطبة لفرار أمير مكة عنها، متخوفا من حسين الأفطس العلوى، وكان وصوله إلى مكة فى آخر يوم عرفة، وبها وقف ليلا. ومنها: أن فى سنة مائتين من الهجرة نهب الحاج بستان ابن عامر، وأخذت كسوة الكعبة، ثم استنقذها الجلودى مع كثير من الأموال المنهوبة، وبستان ابن عامر هو: بطن نخلة، على ما ذكر أبو الفتح بن سيد الناس عند ذكر سرية عبد الله بن جحش رضى الله عنه إلى نخلة. ومنها: أن فى سنة إحدى وخمسين ومائتين: لم يقف الناس بعرفة لا ليلا ولا نهارا، إلا أن إسماعيل بن يوسف العلوى وافى الموقف بعرفة فى يومها.

стр. 331

وقتل: من الحجاج نحو ألف ومائة وسلب الناس وهرب الناس إلى مكة. ومنها: أن فى سنة خمس وتسعين ومائتين: وقع بمنى قتال بين الأجناد، وبين عج بن حاج أمير مكة لطلبهم جائزة بيعة المقتدر، فقتل منهم جماعة، وفر الناس إلى بستان ابن عامر. ومنها: أن فى سنة سبع عشرة وثلاثمائة: وافى مكة أبو طاهر القرمطى، فأسرف فى قتل الحاج وأسرهم مع هتكه لحرمة الكعبة. وذلك أنه قتل فى المسجد الحرام نحو ألف وسبعمائة من الرجال والنساء، وهم متعلقون بالكعبة وردم بهم زمزم، وفرش بهم المسجد، وما يليه. وقتل فى سكك مكة وشعابها من أهل خراسان، والمغاربة وغيرهم زهاء ثلاثين ألفا، وسبى من النساء والصبيان مثل ذلك، وقد بطل الحج من العراق بسبب القرمطى ثلاث سنين متوالية من هذه السنة، وبطل بعدها سنين كثيرة فى عشر الثلاثين، وفى عشر الأربعين. وأوضحنا هذه السنين فى أصل هذا الكتاب، وليس كل البطالة فيها لأجل القرمطى. ومنها: أن فى سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، أو فى التى قبلها جرى قتال بين أصحاب ابن طغج والعراقيين بسبب الخطبة بمكة، وجرى مثل ذلك فى سنة اثنتين وأربعين، وفى سنة ثلاث وأربعين. ومنها: ـ أعنى سنة ثلاث ـ خطب بمكة والحجاز لمعز الدولة، ولولده عز الدين بختيار وبعدهم لابن طغج. وذكر بعضهم أن فى هذه السنة: منع أصحاب معز الدولة أصحاب الإخشيد من الصلاة بمنى والخطبة، وأن أصحاب الإخشيد منعوا أصحاب معز الدولة الدخول إلى مكة والطواف. انتهى بالمعنى. ومنها: أن كافور الإخشيدى صاحب مصر، كان يدعى له على المنابر بمكة والحجاز أجمع. ومنها: أن فى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة: خطب بالحرمين واليمن لصاحب مصر المعز العبيدى، وقطعت خطبة بنى العباس. وفيها فرق قائد من جهته أموالا عظيمة فى الحرمين. ومنها: أن فى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة خطب بمكة للقرامطة الهجرتين مع المطيع

стр. 332

العباسى. وقطعت خطبة المعز من مكة، وخطب له بالمدينة، وخطب للمطيع بظاهرها، ثم خطب للمعز بالحرمين فى الموسم سنة ثلاث وستين. ومنها: أن فى سنة خمس وستين خطب بالحرمين لصاحب مصر العزيز بن المعز العبيدى، وضيق جيشه بالحصار فيها على أهل مكة، ودامت الخطبة له ولولده ولولد ولده ولولد ولد ولده، نحو مائة سنة، كما سيأتى مبينا إن شاء الله تعالى. ومنها: أن فى سنة ست وستين وثلاثمائة: حجت جميلة بنت ناصر الدولة بن حمدان، حجا يضرب به المثل فى التجمل وأفعلا البر؛ لأنه كان معها على ما قيل: أربعمائة كجاوة، فلم يدر فى أيها هى لتساويها فى الحسن والزينة، ونثرت على الكعبة لما رأتها ـ وقيل: لما دخلتها ـ عشرة ألف دينار، وأغنت المجاورين بالحرمين. ومنها: أن فى سنة أربع عشرة وأربعمائة، حصل فى الحجاج قتل ونهب بمكة وبظاهرها، وسبب ذلك: أن بعض الملحدة تجرأ على الحجر الأسود فضربه ثلاث ضربات بدبوس، فقتل وقطع وأحرق، وقتل ممن اتهم بمعاونته جماعة، وكثر النهب فى المغاربة والمصريين وغيرهم. وهذه الحادثة أبسط من هذا فى أصله وذكرها الذهبى فى سنة ثلاث عشرة، ونقل ذلك عن غيره، والله أعلم. ومنها: أن فى سنة خمس وخمسين وأربعمائة: حج على بن محمد الصليحى، صاحب اليمن، وملك فيها مكة، وفعل فيها أفعالا حميدة، من العدل والإحسان ومنع المفسدين، فأمن الناس أمنا لم يعهدوه، ورخصت الأسعار لأمره بجلب الأقوات، وكثر البناء عليه. ومنها: أن فى سنة اثنتين وستين وأربعمائة: أعيدت الخطبة العباسية بمكة وخطب بها للقائم عبد الله العباسى، ثم للسلطان البارسلان السلجوقى. وذكر ابن كثير ما يقتضى: أن الخطبة العباسية: أعيدت بمكة فى سنة سبع وخمسين. وذكر بعض مشايخنا: ما يقتضى أن ذلك وقع فى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. ومنها: أن فى سنة سبع وستين أعيدت الخطبة بمكة لصاحب مصر المستنصر العبيدى، ثم خطب للمقتدر العباسى بمكة فى ذى الحجة سنة ثمان وستين. ثم أعيدت الخطبة لصاحب مصر فى سنة سبعين. ثم أعيدت الخطبة للمقتدر فى سنة اثنتين وسبعين. ومنها: أنه خطب بمكة للسلطان محمود بن السلطان ملكشاه السلجوقى فى سنة خمس وثمانين وأربعمائة.

стр. 333

ومنها: أنه خطب فى الحرمين لأخيه السلطان سنجر بن السلطان ملكشاه السلجوقى. ومنها: أن فى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة: نهب الحجاج العراقيون، وهم يطوفون ويصلون فى المسجد الحرام، لوحشة كانت بين أمير الحاج العراقى فى نظر الخادم وأمير مكة هاشم بن فليتة. ومنها: أن السلطان نور الدين محمد بن زنكى صاحب دمشق وغيرها حج فى سنة ست وخمسين وخمسمائة. ثم خطب له بمكة بعد استيلاء المعظم توران شاه بن أيوب، أخى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على اليمن. واستيلاؤه عليه، كان فى سنة ثمان وستين وخمسمائة. وقيل: فى سنة تسع وستين وخمسمائة. ومنها: أن فى سنة سبع وخمسين وخمسمائة: نهب أهل مكة للحجاج العراقيين نحو ألف جمل؛ لفتنة كانت بين الفريقين، قتل فيها جماعة منهما. وعاد جماعة من الحجاج قبل تمام حجهم. ومنها: أن فى سنة إحدى وستين وخمسمائة: أعفى الحجاج من تسليم المكس كرامة لعمران بن محمد بن الذريع اليامى الهمدانى صاحب عدن لوصول تابوته إلى مكة من عدن، وإنما حمل إلى مكة لشغفه فى حياته بالحج، فأحضر فى مشاعره وصلى عليه خلف المقام، ودفن بالمعلاة. ومنها: أن الحجاج مكثوا بعرفة إلى الصباح، خوفا من فتنة كانت بين عيسى بن فليتة ـ أمير مكة ـ وأخيه مالك بن فليتة، وذلك فى سنة خمس وستين وخمسمائة. وبات الحجاج العراقيون بعرفة أيضا فى سنة سبعين وخمسمائة. وهذا لأنهم إنما وصلوا إلى عرفة فى يومها. ومنها: أن فى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة: لم يوف أكثر الحجاج العراقى المناسك؛ لأنهم ما باتوا بمزدلفة وما نزلوا بمنى، ونزلوا الأبطح فى يوم النحر. وسبب ذلك فتنة عظيمة كانت بين طاشتكين أمير الحاج العراقى وبين مكثر بن عيسى بن فليتة أمير مكة، ظفر فيه طاشتكين، وأمر بهدم القلعة التى كانت بمكة، لمكثر على أبى قبيس ونهبت أموال كثيرة. ومنها: أن فى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة: أبطل السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب المكس المأخوذ من الحجاج فى البحر إلى مكة على طريق عبدان.

стр. 334

وكان ذلك معلوما لأمير مكة، فعوضه السلطان صلاح الدين عن ذلك ألفى دينار، وألف أردب قمح وإقطاعات بصعيد مصر وجهة اليمن. وقيل: إنه عوضه عن ذلك مبلغ ثمانية آلاف أردب قمح يحمل إليه كل عام إلى ساحل جدة. والله أعلم. انتهى. وكان يخطب بمكة للسلطان صلاح الدين المذكور بعد مكثر بن عيسى بن فليتة أمير مكة، وما علمت ابتداء وقت الخطبة له بمكة. والله أعلم. ومنها: أن جماعة من الحجاج. وهم أربعة وثلاثون نفر ماتوا فى الكعبة المعظمة من الزحام فى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ومنها: أن فى يوم عرفة من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، تحارب بعض الحجاج الشاميين والعراقيين فى عرفة، فغلب العراقيون الشاميين، وقتلوا منهم جماعة ونهبوهم. ومنها: أن فى سنة ثمان وستمائة حصل فى الحجاج العراقيين قتل ونهب فاحش، حتى قيل: إنه أخذ من المال والمتاع وغيره ما قيمته ألفا ألف دينار. حكى ذلك أبو شامة، وكانت هذه البلية بمكة ومنى. وهى بمنى أعظم. وذكر ابن محفوظ: أنه كان بين العراقيين وأهل مكة فتنة بمنى فى سنة سبع وستمائة. ولم أر ما يدل لذلك. والله أعلم. ومنها: أن صاحب دمشق المعظم عيسى بن العادل أبى بكر بن أيوب: حج فى سنة إحدى عشرة وستمائة وتصدق فيها بالحرمين صدقة كبيرة. ومنها: أنه كان يخطب بمكة لوالده الملك السلطان العادل أبى بكر بن أيوب أخى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر والشام. ومنها: أن فى سنة سبع عشرة وستمائة: منع صاحب مكة حسن بن قتادة الحجاج العراقيين من دخول مكة، ثم أذن لهم فى ذلك بعد قتل أصحابه لأمير الحاج العراقى أقباش الناصرى مملوك الخليفة الناصر لدين الله لاتهامه بأنه يريد أن يولى راجح بن قتادة أخا حسن مكة عوضه. وكان حسن متوليا لها بعد أبيهما قتادة. وفيها مات قتادة ونصب رأس أقباش بالمسعى عند دار العباس، ثم دفن مع جسده بالمعلاة. ومنها: أن جماعة من الحجاج ماتوا بالمسعى من الزحام فى سنة سبع عشرة وستمائة. ومنها: أن المسعود صاحب اليمن: حج من اليمن فى سنة تسع عشرة وستمائة وبدا

стр. 335

منه ما لا يحمد، من رميه حمام مكة بالبندق فوق زمزم، ومن منعه اطلاع علم الخليفة الناصر العباسى جبل الرحمة بعرفة. وقيل: إنه أذن فى ذلك اليوم قبيل الغروب وغير ذلك من الأمور المنسوبة إليه. وذكر ابن الأثير ما يقتضى: أنه حج سنة ثمان عشرة. والله أعلم. وسبق فى الباب قبله أنه ولى مكة، وكان حال الناس بها حسنا فى ولايته لهيبته، وإليه ينسب الدرهم المسعودى المتعامل به بمكة. ومنها: أنه كان يخطب بها لوالده الملك الكامل ناصر الدين أبى المعالى محمد بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب صاحب مصر. ولعل ذلك بعد ملك ولده المسعود لمكة. والله أعلم. ومنها: أن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول صاحب اليمن: خطب له بمكة فى سنة تسع وعشرين وستمائة. وفيها: ولى مكة بعد مبايعته بالسلطنة فى بلاد اليمن فى هذه السنة. وحج الملك المنصور المذكور فى سنة إحدى وثلاثين وستمائة على النجب حجا هينا. وحج أيضا فى سنة تسع وثلاثين وستمائة. وصام رمضان فى هذه السنة بمكة. ومنها: أن فى سنة سبع وثلاثين وستمائة: خطب بمكة لصاحب مصر الصالح أيوب ابن الكامل. وممن خطب له بمكة من بنى أيوب: صاحب مصر الأشرف موسى بن الناصر يوسف ابن المسعود أقسيس بن الكامل فى سنة اثنتين وخمسين وستمائة. وفيها: خطب معه لأتابكه المعز أيبك التركمانى الصالحى. وفيه: تسلطن المعز المذكور فى شعبان. وممن خطب له بمكة من ملوك مصر: الظاهر بيبرس الصالحى، ومن بعده من ملوك مصر، إلى تاريخه، إلا المنصور عبد العزيز بن الظاهر برقوق لكونه لم يصل له نجاب وأشك فى الخطبة بمكة لابنى الظاهر بيبرس والعادل كتبغا، والمنصور لاجين. وأكبر ظنى أنه خطب لهم. والله أعلم. وكان للناصر محمد بن قلاوون من نفوذ الكلمة بمكة واستبداده بأمر الولاية فيها ما لم يكن لمن قبله من ملوك الترك بمصر. واستبد من بعده من ملوك مصر بالولاية بمكة.

стр. 336

ومنها: أن فى سنة تسع وثلاثين وستمائة: أسقط السلطان الملك المنصور صاحب اليمن عن مكة سائر المكوسات والجنايات والمظالم. وكتب بذلك مربعة وجعلت قبالة الحجر الأسود، ودامت هذه المربعة إلى أن قلعها ابن المسيب لما ولى مكة فى سنة ست وأربعين وستمائة، وأعاد الجنايات والمكوسات بمكة. ومنها: على ما وجدت بخط الميورقى: لم يحج سنة خمس وخمسين وستمائة من الآفاق ركب، سوى حجاج الحجاز. انتهى. ومنها: أن الملك المظفر يوسف بن المنصور صاحب اليمن: حج فى سنة تسع وخمسين وستمائة، وغسل الكعبة بنفسه وطيبها، وما كساها بعد انقضاء الخلافة من بغداد ملك قبله. وقام أيضا بمصالح الحرم وأهله، وأوسع فى الصدقة حين حج. ومن أفعاله الجميلة بمكة: أنه نثر على الكعبة الذهب والفضة. وكان يخطب له بمكة فى غالب سلطنته. وخطب من بعده لملوك اليمن من ذريته بعد الخطبة لصاحب مصر. ومنها: على ما قال الميورقى: لم ترفع راية لملك من الملوك سنة ستين وستمائة. كسنة خمس وخمسين وستمائة. انتهى منقولا من خطه. وأراد بذلك: وقت الوقوف بعرفة. ومنها: أن الحجاج العراقيين توجهوا إلى مكة فى سنة ست وستين وستمائة. وما علمت لهم بتوجه لهم قبل ذلك من بغداد بعد غلبة التتار عليها. ومنها: أن الملك الظاهر بيبرس الصالحى، صاحب مصر: حج سنة سبع وستين وستمائة، وغسل الكعبة وأمر بتسبيلها فى كل سنة وأحسن كثيرا إلى أميرى مكة بسبب ذلك وعظمت صدقته فى الحرمين. ومنها: أن العراقيين حجوا من بغداد فى سنة تسع وستين وستمائة، ولم يحج فيها من مصر أحد وحج من العراق ركب كبير فى سنة ثمان وثمانين وستمائة. ومنها: أن الحجاج ازدحموا فى خروجهم إلى العمرة من باب المسجد الحرام المعروف بباب العمرة. فمات فى الزحمة منهم جمع كبير يبلغون ثمانين نفرا على ما قيل. وذلك بعد الحج من سنة سبع وسبعين وسبعمائة. ومنها: أن فى سنة ثلاث وثمانين وستمائة: صد الحجاج عن دخول مكة، ثم دخلوها هجما فى يوم التروية، بعد ثقبهم السور وإحراقهم لباب المعلاة، وفرار أبى نمى أمير مكة منها، وهو: الصاد لهم، لوحشة كانت بينه وبين أمير الحاج المصرى، ثم اصطلحا. وقيل: فى سبب هذه الفتنة غير ذلك. والله أعلم.

стр. 337

ومنها: أن الحاج وأهل مكة تقاتلوا فى المسجد الحرام، فقتل من الفريقين على ما قيل: فوق أربعين نفرا، وشهر فيها فى المسجد الحرام من السيوف: نحو عشرة آلاف، وانتهبت الأموال، وتثبت أبو نمى فى الأخذ، ولو قصد الجميع لتم له ذلك. ذكر هذه الحادثة بمعنى ما ذكرناه الشيخ تاج الدين بن الفركاح. وذلك فى سنة تسع وثمانين وستمائة. ومنها: أن الخليفة بمصر، الملقب: بالحاكم أحمد العباسى: حج فى سنة سبع وتسعين وستمائة. وهو أول خليفة عباسى حج من مصر، وثانى خليفة عباسى بعد المستعصم، ونسبته تتصل بالمسترشد، فإنه: أحمد بن أبى على بن على بن أبى بكر المسترشد، وأعطاه لاجين المنصورى صاحب مصر سبعمائة ألف درهم لأجل حجه. ومنها: أن صاحبى مكة حميضة ورميثة ابنى أبى نمى: أسقطا بعض المكوس فى سنة أربع وسبعمائة، وفى التى قبلها. ومنها: أن الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر: حج فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، ومعه نحو أربعين أميرا، وستة آلاف مملوك على الهجن، ومائة فرس. وحج أيضا فى سنة تسع عشرة وسبعمائة، وفى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. وكان معه لما حج فى سنة تسع عشرة وسبعمائة: نحو خمسين أميرا، وأكثر فيها من فعل المعروف فى الحرمين. وفيها: غسل الكعبة بيده. وكان معه لما حج فى سنة اثنتين وثلاثين: نحو سبعين أميرا وتصدق فيها بعد حجه. ويقال: إن خطبته قطعت من مكة، وخطب عوضه بها لأبى سعيد بن خربندا ملك العراقيين، بأمر حميضة بن أبى نمى، بعد أن رجع من العراق فى آخر سنة ست عشرة وسبعمائة، أو فى التى بعدها. والله أعلم. ومنها: أن الحجاج فى سنة عشرين وسبعمائة: صلوا خمس صلوات بمنى، أولها: الظهر من يوم التروية، وآخرها: الصبح من يوم عرفة. وساروا إليها بعد طلوع الشمس، وأحيوا هذه السنة بعد تركها. وفعل مثل ذلك: الشاميون فى سنة سبع وعشرين وسبعمائة. ومنها: أن فى سنة عشرين وسبعمائة: شهد الموقف بعرفة عالم عظيم من جميع البلاد. وكان مع العراقيين محمل عليه حلى من الجوهر واللؤلؤ والذهب، ما قوم بمائتى ألف دينار وخمسين ألف دينار من الذهب المصرى.

стр. 338

ذكر ذلك: الحافظ علم الدين البرزالى. ومنها: أن الناصر محمد بن قلاوون، صاحب مصر: أسقط المكس المتعلق بالمأكول بمكة، وعوض أميرها عطيفة بن أبى نمى عن ذلك: ثلثى دماميل من صعيد مصر وذلك: سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة. ومنها: أن ملك التكرور موسى: حج فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة فى أزيد من خمسة عشر ألف تكروريا. ومنها: أن العراقيين: حجوا فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، ومعهم تابوت جوبان نائب السلطنة بالعراقيين ـ الذى أجرى عين بازان إلى مكة ـ وأحضر تابوته: الموقف بعرفة وطيف به حول الكعبة ليلا. ومنها: أن فى يوم الجمعة الرابع عشر من ذى الحج سنة ثلاثين وسبعمائة: قتل أمير الحاج المصريين: ألدمر وابنه خليل وغيرهما، ونهبت للناس أموالا كثيرة. وذكر النويرى فى تاريخه: أن الخبر بهذه الحادثة وقع بمصر فى يوم وقوعها بمكة. ومنها: أن فى سنة ثلاثين وسبعمائة: حج العراقيون بفيل بعث به ملكهم أبو سعيد ابن خربندا. فحضروا به المواقف كلها ومضوا به إلى المدينة. فمات بالفرش الصغير بقرب المدينة بعد أن لم يستطع التقدم إليها خطوة. ومنها: أن صاحب اليمن، الملك المجاهد على بن الملك المؤيد داود بن الملك المظفر: حج فى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فأطلع علمه جبل عرفات. وكان بنو حسن فى خدمته حتى انقضى الحج. وحج الملك المجاهد أيضا: فى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وقبض عليه المصريون بمنى فى النفر الأول بعد حرب كان بينهم وبين بعض عسكره، وتوقف هو عن الحرب رعاية لحرمة الزمان والمكان، وسلم إليهم نفسه بأمان. فساروا به إلى مصر، فأكرمه متوليها الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، ورده إلى بلاده. ثم رد من الدهنا من وادى ينبع، واعتقل بالكرك ببلاد الشام، ثم أطلق وتوجه إلى مصر، وتوجه منها على طريق عيذاب إلى اليمن. فوصل فى آخر سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة. ومنها: أن الحجاج وأهل مكة تحاربوا كثيرا بعرفة فى يومها من سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، فقتل من الترك نحو ستة عشر، ومن بنى حسن ناس قليل، ولم يتعرض للحاج بنهب، وسافر الحاج أجمع فى النفر الأول، وسلك أهل مكة فى نفرهم بعد عرفة طريق البئر المعروفة بالمظلمة. فعرفت هذه الوقعة عندهم: بسنة المظلمة.

стр. 339

ومنها: أن الحجاج العراقيين كانوا كثيرا فى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وكان لهم أحد عشر سنة لم يحجوا من العراق، ولم يحجوا أيضا سنة خمس وخمسين وسبعمائة. وحجوا بعد ذلك خمس سنين متوالية. وكانوا كثيرين جدّا فى سنة سبع وخمسين. وتصدق فيها بعض الحجاج من العجم على أهل الحرمين بذهب كثير. وفى سنة ثمان وخمسين: كان مع الحجاج العراقيين محملان، واحد من بغداد وواحد من شيراز. ومنها: أن فى آخر جمادى الآخرة، أو فى رجب من سنة ستين وسبعمائة: أسقط المكس المأخوذ من المأكولات بمكة بعد وصول العسكر المجهز من مصر إلى مكة لتأييد أميرها مسند بن رميثة، ومحمد بن عطيفة. ودام هذا الحال إلى رحيل الحاج من سنة إحدى وستين وسبعمائة. ومنها: أن فى سنة ست وستين وسبعمائة: أسقط المكس المأخوذ بمكة فى المأكولات جميعا، وعوض صاحب مكة عن ذلك، بمائة وستين ألف درهم من بيت المال، وألف أردب قمح. ومنها: أن فى أثناء عشر السبعين ـ بتقديم السين ـ وسبعمائة: خطب بمكة للسلطان شيخ أويس بن الشيخ حسن الكبير صاحب بغداد وغيرها، بعد أن وصلت منه قناديل حسنة للكعبة وهدية طائلة إلى أمير مكة عجلان، وهو الآمر لخطيب مكة بالخطبة له. ثم تركت الخطبة لصاحب العراق. وما عرفت وقت ابتداء تركها. ومنها: أن الحجاج المصريين: قلوا كثيرا جدّا فى ثمان وسبعين وسبعمائة لرجوع جزيلهم من عقبة أيلة إلى مصر، بسبب قيام الترك بها على صاحب مصر الملك الأشرف شعبان بن حسين. وكان قد توجه فيها للحج فى أبهة عظيمة. وكان من خبره: أنه رجع إلى مصر واختفى بها؛ لأن الذين تركهم بها قاموا عليه بمصر وسلطنوا ولده عليّا ولقبوه بالمنصور. وظفر به بعد ذلك فأذهبت روحه، وفاز بالشهادة فى ثامن ذى القعدة منها. ومنها: أن فى سنة إحدى وثمانين وسبعمائة: حج بالناس من اليمن فى البر ـ مع محمل جهزه صاحب اليمن ـ الملك الأشرف إسماعيل بن الملك الأفضل العباس بن المجاهد. وجهز الملك الأشرف أيضا محملا إلى مكة فى سنة ثمانمائة، وحج الناس معه

стр. 340

أيضا، وأصاب بعضهم شدة من العطش بقرب مكة، ومات بها جماعة ولم يصل بعدها إلى مكة محمل من اليمن. وكان محمل اليمن منقطعا عن مكة فيما علمت نحو ثمانين سنة قبل سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. ومنها: أن فى يوم التروية من سنة سبع وتسعين وسبعمائة: حصل فى المسجد الحرام جفلة، بسبب منافرة حصلت من بعض أهل مكة والحجاج، فثارت الفتنة فنهبت أموال كثيرة للحجاج وقتل بعضهم، وتعرض الحرامية للحجاج، فنهبوهم فى طريق عرفة عند مأزميها وغير ذلك، ونفر الحاج أجمع فى النفر الأول. وفيها: وصل مع الحجاج الحلبيين: محمل على صفة المحامل، ولم يعهد ذلك إلا فى سنة سبع وثمانين وسبعمائة، ولم يعهد ذلك قبلها. وفيها: حج العراقيون فى غاية القلة بمحمل على العادة بعد انقطاعهم مدة يسيرة. ومنها: أن فى سنة ثلاث وثمانمائة: لم يحج أحد من الشام على طريقتهم المعتادة لما أصاب أهل دمشق من القتل والعذاب، والأسر، وإحراق دمشق. والفاعل لذلك: أصحاب تيمور لنك صاحب الشرق. ودام انقطاع الحجاج الشاميين من هذه الطريق سنتين، ثم حجوا منها بمحمل على العادة فى سنة ست وثمانمائة وفى سنة سبع. وانقطعوا عن الحج منها فى سنة ثمان وثمانمائة. ثم حجوا منها بمحمل على العادة فى سنة تسع وثمانمائة، واستمر ذلك إلى تاريخه. ومنها: أن الحجاج العراقيين: حجوا من بغداد بمحمل على العادة فى سنة سبع وثمانمائة بعد انقطاعهم عن الحج منها تسع سنين ـ بتقديم التاء ـ متوالية. والذى جهزهم فى هذه السنة متوليها من قبل تيمور لنك. وفى شعبان منها: مات تيمور لنك. وحج العراقيون من هذه الطريق بعد هذه السنة خمس سنين متوالية بمحمل على العادة، ثم انقطعوا منها ثلاث سنين متوالية. أولها: سنة ثلاث عشرة وثمانمائة بموت سلطان بغداد: أحمد بن أويس، فى هذه السنة مقتولا، وهو الذى جهز الحجاج من بغداد فى بعض السنين السابقة بعد سنة سبع

стр. 341

وثمانمائة، ثم حج الناس من بغداد بمحمل على العادة سنة ست عشرة وثمانمائة. وفى أربع سنين متوالية بعدها، ولم يحجوا من بغداد فى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، ولا فيما بعدها. والذى جهزهم فى هذه السنين: متولى بغداد من قبل قرا يوسف التركمانى. وهو المنتزع الملك من أحمد بن أويس. ومنها: أن الحجاج المصريين غير قليل منهم: تخلفوا عن زيارة رسول اللهصلى الله عليه وسلم، لمبادرة أميرهم بيسق بالمسير إلى مصر، متخوفا من أن يلحقه أحد من أمراء الشام بين عقبة أيلة ومصر، فإنه كان قبض بمكة على أمير الركب الشامى فى موسم هذه السنة، وهى سنة عشر وثمانمائة. وفيه: نفر الحاج أجمع فى النفر الأول. ومنها: أن فى سنة اثنتى عشرة وثمانمائة: حصل فى الحجاج المصريين قتل ونهب، وتعدى النهب إلى غيرهم، ومعظم النهب وقع فى حال توجه الناس إلى عرفة. وفى ليلة النحر بمنى: عقرت جمال كثيرة وعند مأزمى عرفة، والفاعل لذلك: جماعة من غوغاء العرب. والذى جرأهم على ذلك: أن صاحب مكة السيد حسن بن عجلان رحمه الله تعالى، لم يحج فى هذه السنة. وإنما لم يحج فيها: لوحشة كانت بينه وبين أمير الركب المصرى بيسق، فإنه أعلن للناس فى الينبوع: أن صاحب مكة معزول، وأنه يريد محاربته. ثم إن صاحب مصر: الناصر فرج، منعه من حرب صاحب مكة. وأعاده وأعاد بنيه إلى ولايتهم. ولولا أمر صاحب مكة بالكف عن إذاء الحاج لكان أكثرهم رفاتا، وأموالهم أشتاتا. وهذه الحادثة أبسط من هذا بكثير فى أصله. ومنها: أن هذه السنة: أقام الحاج بعرفة يومين لاختلاف وقع فى أول ذى الحجة وأوقفت المحامل بعرفة على العادة. ونفروا بها وقت النفر المعتاد إلى قرب العلمين، ثم ردت إلى مواضعها. وهذا الوقوف فى اليوم الأول، وفيه وصلوا عرفة، وهو يوم التروية على مقتضى رؤية أهل مكة لذى الحجة. ومنها: أن الحجاج لم ينفروا من منى فى سنة ثلاث عشرة: إلا وقت الزوال من اليوم

стр. 342

الرابع عشر من ذى الحجة لرغبة التجار فى ذلك، فازدادوا فى الإقامة بمنى يوما ملفقا. وفى هذه السنة: حج صاحب كلوه، وأحسن إلى أعيان الحرم وغيرهم، وزار المدينة النبوية. ومنها: أن فى يوم الجمعة الثانى والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وثمانمائة: خطب بمكة للإمام المستعين بالله أبى الفضل العباس بن المتوكل محمد بن المعتضد أبى بكر بن المستكفى سليمان بن الحاكم أحمد ـ المقدم ذكر جده ـ لما أقيم فى مقام السلطنة بالديار المصرية والشامية، بعد قتل الملك الناصر فرج بن الملك الظاهر برقوق صاحب مصر، ودعى له على زمزم فى ليلة الخميس الحادى والعشرين من الشهر المذكور، عوض صاحب مصر. ودام الدعاء له عوض السلطان بمصر إلى أن وصل الخبر بأن الملك المؤيد أبا النصر شيخ: بويع بالسلطنة بالديار المصرية فى مستهل شعبان من سنة خمس عشرة وثمانمائة، فدعى للملك المؤيد فى الخطبة وعلى زمزم فى شوال من السنة المذكورة. ودعى قبله للمستعين: دعاء مختصر بالصلاح. ثم قطع الدعاء للمستعين بعد سنة، ثم أعيد بعد أربعين يوما، ثم قطع بعد نحو خمسة أشهر. ومنها: أن فى يوم الجمعة خامس ذى الحجة سنة سبع عشرة وثمانمائة: حصل بين أمير الحاج المصريين جقمق المؤيدى ومن انضم إليه، وبين القواد العمرة: قتال فى المسجد الحرام، وخارجه بالمسفلة، واستظهر الترك على القواد، وأدخل أمير الحاج خيله إلى المسجد الحرام، وجعلها بالجانب الشرقى قريبا من منزله، وأوقدت فيه مشاعله، وأوقدت أيضا مشاعل المقامات، ودام الحال على ذلك إلى الصباح. وفى ضحوة يوم السبت: سكنت الفتنة واطمأن الناس. وسبب هذه الفتنة: أن أمير الحاج المصرى، أدّب غلاما للقواد على حمله السلاح بمكة، لنهى الأمير عن ذلك. فطلب مواليه أن يطلقه من السجن فأبى. فكان من الفتنة ما ذكرناه. فلما أطلقه: سكنت الفتنة. ومات بسببها جماعة من الفريقين. وكثر بسببها انتهاك حرمة المسجد الحرام لما حصل فيه من القتال والدم، وروث الخيل، وسمرت أبوابه إلا باب بنى شيبة والدريبة، والمجاهدية. ومنها: أن فى هذه السنة أيضا حصل خلاف فى هلال ذى الحجة، هل أوله الاثنين

стр. 343

أو الثلاثاء؟ فحصل الاتفاق على أن الناس يخرجون إلى عرفة فى بكرة يوم الثلاثاء تاسع ذى الحجة، على مقتضى قول من قال: إنه رئى بالاثنين، وأن يقيموا بها ليلة الأربعاء، ويوم الأربعاء، ففعل معظم الناس ذلك، ودفعوا من عرفة بعد الغروب ليلة الخميس إلى المزدلفة، وباتوا بها إلى قرب الفجر، ثم رحلوا إلى منى بعد رحيل المحامل. والمعهود أنها لا ترحل إلا بعد الفجر، وكذا غالب الناس، ففاتهم الفضيلة. وما تعرض لهم فى سيرهم من عرفة إلى منى أحد بسوء مما علمناه لعناية أمير الحاج لحراستهم، وتعرض الحرامية للحجاج المكيين وغيرهم عند مأزمى عرفة فى توجههم إليها. وحصل للحجاج هؤلاء قتل ونهب وعقر فى جمالهم، وحصل بمنى نهب كثير فى ليلة الأربعاء وليلة الخميس. ومنها: أن فى سنة ثمان عشرة وثمانمائة: أقام الحجاج بمنى غالب يوم التروية وليلة التاسع، ثم مضوا من منى بعد طلوع الشمس إلى عرفة، وأحيوا هذه السنة بعد إماتتها دهرا طويلا. ومنها: أن فى سنة أربع وعشرين وثمانمائة: مات كثير من الحجاج بمنى فى ليلة التاسع، ومضوا منها إلى عرفات بعد طلوع الشمس صحبة محمل مصر والشام. والفاعل لذلك: أكثرهم من حجاج مصر والشام، وأحيوا هذه السنة، أثابهم الله. ومما ينبغى إحياؤه من السنن بمنى: الخطبة بها فى أيام الحج، فالله يثيب الساعى فى ذلك. ومنها: أنه لم يخطب بمكة ولا فى غيرها لملك أصغر سنا من الملك المظفر أحمد بن الملك المؤيد شيخ؛ لأنه بويع له بالسلطنة بمصر والشام، وله من العمر سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام ـ بتقديم السين ـ على ما وجدت فى تاريخ بعض أصحابنا. وكانت البيعة له: فى ثامن المحرم، سنة أربع وعشرين وثمانمائة، بعد موت أبيه. واستمر حتى خلع فى السابع والعشرين من شعبان، من السنة المذكورة بدمشق. ومنها: أن الملك الظاهر أبا الفتح ططر، لم يخطب له بمكة وهو حى، إلا جمعة واحدة؛ لأنه خطب له بمكة فى يوم الجمعة ثانى ذى الحجة أو ثالثه، سنة أربع وعشرين وثمانمائة. ومات فى الرابع من ذى الحجة، من السنة المذكورة. واستمرت الخطبة له بمكة حتى وصل الخبر بموته فى أثناء شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وثمانمائة، ولم يتفق ذلك لغيره.

стр. 344

وخطب بعد ذلك بمكة لولده الملك الصالح محمد. وفى موسم سنة أربع وعشرين وثمانمائة، أبطل الملك الظاهر ططر بعض المكوسات المأخوذة بمكة فى الخضر وغير ذلك من المأكولات وغيرها. وألزم به أمير مكة الشريف حسن بن عجلان، فوافق على ذلك، وكتب ذلك فى أساطين المسجد الحرام، قبالة باب بنى شيبة وغيره. ومنها: أن مولانا السلطان الملك الأشرف برسباى ـ نصره الله وأيده ـ انفرد بالخطبة بمكة أشهرا، ولم يخطب معه لصاحب اليمن ولا لغيره من الملوك، وكانت العادة جارية بالخطبة بعده لصاحب اليمن، فترك ذكر صاحب اليمن فى الخطبة بمكة فى أيام الموسم، فى سنة ست وعشرين وثمانمائة إلى جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة. وفى سابعه: أعيدت الخطبة بمكة لصاحب اليمن المشار إليه، وهو الملك الناصر أحمد ابن الملك الأشرف إسماعيل صاحب اليمن. وأول ما خطب لمولانا السلطان الملك الأشرف برسباى بمكة فى الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وثمانمائة. وكانت مبايعته بالسلطنة فى ثامن ربيع الآخر من السنة المذكورة بعد خلع الصالح محمد بن الظاهر ططر. وكان الصالح ولى بعد أبيه، وله من العمر عشر سنين فيما قيل، وهو والمظفر حيان، وابتدأ مولانا السلطان الملك الأشرف ـ نصر الله دولته الشريفة ـ بشيء حسن، وهو: أنه منع من تقبيل الناس له الأرض بين يديه، تدينا وتعظيما لله ، ولم يتفق ذلك لغيره من ملوك مصر. وامتاز أيضا ـ نصره الله ـ بغزوه الفرنج فى بلادها بنواحى قبرص وغيرها، وأظفره الله بهم؛ لأن عسكر المنصور أسروا كثيرا من الفرنج، وغنموا من أموالهم طائلا، ووصلوا بذلك إلى مصر فى شوال سنة ثمان وعشرين وثمانمائة. وهابه الفرنج كثيرا، ورغبوا أن يكون لهم من السوء مجيرا، وبعثوا إليه بالهدية ليسعفهم بالأمنية. ومن مزاياه على ملوك مصر ـ بعد الناصر حسن بن محمد بن قلاوون ـ: أنه أرسل إلى مكة المشرفة عدة عساكر برا وبحرا، واستولوا عليها، ولم يقاومهم أحد من بنى حسن ولا غيرهم. وساروا من مكة حتى قاربوا بلاد حلى، فلم يتعرض لقتالهم أحد من الناس هيبة له. وعادوا إلى مكة المشرفة سالمين. وذلك سنة ثمان وعشرين وثمانمائة.

стр. 345

وفى ربيع الآخر منها: وصل طائفة من عسكره المنصور من مصر إلى مكة. وفى سادس جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة: كان وصول طائفة من عسكره المنصور إلى مكة. فاستولوا عليها كما سبق ذكره فى آخر الباب قبله. وفى شوال سنة ثمان وعشرين وثمانمائة: وصل طائفة من عسكره المنصور فى موكبين عظيمين إلى مرسى زبيد باليمن، على ليلة منها وفى أحدهما هدية لصاحب اليمن، فقوبل الرسول بالكرامة. ومنها: أن فى سنة تسع وعشرين وثمانمائة: تخوف الناس فى أيام الموسم حصول فتنة بمكة، وفى أيام الحج. وسلم الله وله الحمد. وسبب ذلك: أنه قدم إلى مكة جماعة من الأمراء المقدمين وغيرهم من المماليك السلطانية الأشرفية فى أوائل العشر الأخير من ذى القعدة. وكان الشريف حسن بن عجلان غائبا عن مكة بناحية الخريفين فى جهة اليمن، واستدعوه إلى مكة فلم يحضر لتخوفه، وحضر إليهم ولده الشريف بركات وأكرموه. ولما أيسوا من حضور الشريف حسن استدعوا سرّا إلى مكة الشريف رميثة بن محمد ابن عجلان، وأطمعوه ولاية مكة. وذلك فى يوم عرفة أو يوم التروية، فلم يستطع الوصول إليهم؛ لأنه كان مقيما عند عمه، ولعظم هيبة الأمراء جماعتهم لم يتظاهر الحرامية بنهب فى طرقات الحج بمكة. وخرج الأمراء والترك والحجاج من مكة إلى منى فى يوم التروية، وباتوا بها إلى الفجر من اليوم التاسع أو قربه وساروا إلى عرفة فأقاموا بها إلى الغروب، ودفعوا إلى مزدلفة، فلم يستطع أحد من الحرامية التعرض للحاج بسوء فى مأزمى عرفة ولا غيره لعناية الأمراء وجماعتهم بحراسة الحاج، وانقضت أيام الحج وأحوال الناس من الحجاج وغيرهم مستقيم. وكان الأمراء يرجعون فى مصالح الحاج والرعية بمكة إلى رأى مولانا المقر الأشرف الكريم الزينى عبد الباسط ناظر الجيوش المنصورة بالمماليك الشريفة ـ أعلى الله قدره وبلغه وطره ـ لحسن تدبيره وجودة رأيه. وكان مولانا السلطان الملك الأشرف برسباى صاحب مصر والشام ـ نصره الله: قد فوض إليه أمر مكة، وعمل المصلحة فيها، لكفايته وعظم رتبته، فمشت الأحوال

стр. 346

بمكة على السداد ـ بلغه الله المراد ـ وبدت منه على عادته بمكة صدقات مبرورة وأفعال مشكورة. وهذه حجته الثانية. وحج قبلها فى سنة سبع عشرة وثمانمائة ـ تقبل الله منه العمل، وبلغه الأمل وفسح له فى الأجل. وهذا آخر ما قصدنا ذكره من الحوادث فى هذا الباب. ونسأل الله تعالى أن يجزل لنا على ذلك الثواب. ولولا مراعتنا للاختصار فى ذكرها، لطال شرح أمرها. * * *

стр. 347

الباب التاسع والثلاثون فى ذكر شيء من أمطار مكة وسيولها، فى الجاهلية والإسلام، وشيء من أخبار الصواعق بمكة، وذكر شيء من أخبار الرخص والغلاء والوباء بمكة (١). أما: أمطار مكة، وسيولها، فى الجاهلية، والإسلام. فذكر الأزرقى شيئا من ذلك: منها: فى الجاهلية: سيلان. أحدهما: كان عظيما، ويعرف بسيل فارة، على عهد خزاعة. والآخر: كسى ما بين الجبلين، ولم يبين زمنه. ومنها: سيول فى الإسلام، وهى السيل المعروف: بأم نهشل، وهو الذى ذهب بالمقام من موضعه إلى أسفل مكة. وكان فى زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، بعده عمل الردم الذى بأعلى مكة صونا للمسجد الحرام. والسيل المعروف: بسيل الحجاف فى يوم التروية سنة ثمانين من الهجرة، ذهب بناس من الحجاج وبمتاعهم، وخرب دورا كبيرة شارعة على الوادى، فهلك فيها أناس كثيرة. وسيلان عظيمان: أحدهما: يعرف بالمخبل؛ لأنه أصاب الناس بعده شبه الخبل، وكانا فى سنة أربع وثمانين ومائة. وسيلان عظيمان كانا فى خلافة المأمون: أحدهما: يعرف: بسيل ابن حنظلة، فى سنة اثنين ومائتين. والآخر: فى شوال سنة ثمان ومائتين. وكل هذه السيول دخلت المسجد الحرام، وحالها أبسط من هذا فى أصله. وفى تاريخ الأزرقى من سيول مكة فى الجاهلية والإسلام سوى ما ذكرناه.

стр. 348

ومن سيولها فى الإسلام مما كان قبل الأزرقى، ولم يذكره: سيل عظيم كان فى سنة ثمان وثمانين من الهجرة. ذكره ابن جرير الطبرى. وسيل يعرف: بأبى شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك؛ لأنه جاء فى سنة عشرين ومائة، عقيب حجه بالناس. وحج أبو شاكر فى التى قبلها. وسيل اللبيرى فى آخر المحرم سنة ستين ومائة. ذكر هذين السيلين: الفاكهى. وذكر سيولا أخر ثلاثة، تحتمل أن تكون فى زمن الأزرقى، وأن يكون بعده واحد فى سنة ثلاث وخمسين ومائتين. وواحد فى سنة اثنتين وستين ومائتين. وواحد فى سنة ثلاث وستين ومائتين. وكلها دخلت المسجد الحرام وأثرت فيه. وأوضحنا من خبرها فى أصله أكثر من هذا. ومن أمطار مكة وسيولها بعد الأزرقى: أمطار كثيرة. سال بها وادى مكة أسيالا عظيمة، وكثر فى بعضها ماء زمزم، حتى لم يبق بينه وبين شفتها العليا إلا سبعة أذرع أو نحوها، وعذبت جدّا، حتى كانت أعذب مياه مكة إذ ذاك. وذلك فى سنة تسع وسبعين ومائتين، وسنة ثمانين ومائتين. ذكر ذلك: إسحاق الخزاعى راوى تاريخ الأزرقى، وأدخله فيه. ومنها: ما ذكره المسعودى؛ لأنه قال فى أخبار سنة سبع وتسعين ومائتين: ورد الخبر إلى مدينة السلام: بأن أركان البيت الحرام الأربع غرقت حتى جرى الغرق فى الطوّاف، وفاض بئر زمزم. وذلك لم يعهد فيما سلف من الزمان. انتهى. ومنها: مطر فى جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، أقام سبعة أيام. فسقطت الدور وتضرر الناس به كثيرا. ومنها: مطر فى سنة تسع وأربعين وخمسمائة، سال منه وادى إبراهيم، ونزل برد بقدر البيض وزن مائة درهم. ومنها: مطر فى سنة تسع وستين وخمسمائة، جاء سيل كثير، ودخل السيل من باب بنى شيبة، ودخل دار الإمارة عنده. ولم ير مثله فى دخوله من هذه الجهة.

стр. 349

ومنها: فى سنة تسعين وخمسمائة: أمطار كثيرة وسيول، سال منها وادى إبراهيم خمس مرات. ومنها: فى ثامن صفر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة: سيل دخل الكعبة، وأخذ أحد فرضتى باب إبراهيم، وحمل المنبر ودرجة الكعبة. ورأيت بخط بعضهم: ما يقتضى أن هذا السيل دخل الكعبة، فبلغ قريبا من الذراع، وحمل فرضتى باب إبراهيم وسار بهما، وهذا لا يفهم مما ذكرناه أولا. ومنها: فى منتصف ذى القعدة سنة عشرين وستمائة: سيل عظيم قارب دخول الكعبة ولم يدخلها. ومنها: سيل كبير فى سنة إحدى وخمسين وستمائة. ومنها: سيل دخل الكعبة، ومات منه عالم عظيم، بعضهم حملهم وبعضهم طاحت الدور عليهم. ذكره الميورقى بمعنى هذا. وذكر: أنه كان سنة تسع وستين وستمائة، فى ليلة منتصف شعبان. ومنها: سيل عظيم بلا مطر فى سنة ثلاثين وسبعمائة بعد الحج. ومنها: فى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة: أمطار وصواعق. منها: صاعقة على أبى قبيس فقتلت رجلا، وصاعقة بالخيف فقتلت رجلا، وأخرى بالجعرانة، فقتلت رجلا. ومنها: فى ليلة الخميس عاشر جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة: مطر عظيم، وسيل هائل دخل الكعبة، وعلا الماء فوق عتبتها شبرين، وعبر فى ببعض قناديل المطاف منه فوقها، فأطفأها، وقلع من أبواب الحرم أماكن، وطاف بها الماء، وطاف بالمنابر كل واحد إلى جهة. وفعل أمورا أخر عجيبة. وخبره: أبسط من هذا فى أصله، ويعرف: بسيل القناديل. ولم يأت بعده سيل يشبهه فيما علمت، إلا سيل اتفق فى ليلة الخميس عاشر جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانمائة؛ لأنه دخل الكعبة وعلا فوق عتبتها ذراعا أو أكثر على ما قيل. ورمى بدرجة الكعبة إلى باب إبراهيم، وهدم عمودين فى المسجد، ودور للناس كثيرة. ومات تحت الهدم وفى الغرف منه نحو ستين نفرا على ما قيل. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

стр. 350

وكان بعد مطر هائل كأفواه القرب. ومن العجيب: اتفاق هذين السيلين باعتبار الليلة والشهر بأن كليهما فى ليلة الخميس عاشر جمادى الأولى. فسبحان الفعال لما يريد. ومنها: فى آخر ذى الحجة سنة خمس وعشرين وثمانمائة سحرا: سيل هائل دخل المسجد الحرام من عدة أبواب، وقارب باب الكعبة المعظمة، وعام فيه بعض المنابر. وألقى فى المسجد الحرام من الأوساخ شيئا عظيما، جمع: فصار أكواما كبيرة، وأخرب فى سور باب المعلاة، جانبا كبيرا بين البابين اللذين فى هذا السور. ومنها: سيل كان فى ليلة ثالث جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة: دخل المسجد الحرام، وقارب الحجر الأسود، وأخرب جانبا من سور باب الماجن، وموضع الباب فى هذا السور. وقد خفى علينا أشياء فى هذا المعنى لعدم ظفرنا بتأليف فى ذلك. وأما أخبار الرخص والغلاء والوباء بمكة: فقد ذكرنا فى أصله أشياء كثيرة من ذلك لا يوجد مثلها مجموعا فى كتاب. ونشير هنا لشيء من ذلك. فمن أخبار الرخاء: أن القمح المصرى بيع الأردب منه بثمانية عشر درهما كاملية وذلك فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة بساحل جدة، على ما ذكر ابن العديسة فيما نقله عنه المؤرخ شمس الدين الجزرى الدمشقى. ومن ذلك: أن الغرارة المكية من الحنطة ـ المعروفة: باللقيمية ـ بيعت بأربعين درهما كاملية. وهذا أرخص شيء سمعناه فى سعر اللقيمية. وما عرفت متى كان ذلك. وأرخص ما بيعت به الذرة: الغرارة ثلاثة وثلاثين درهما كاملية وثلث درهم. وربما بيعت بثلاثين درهم كاملية فيما بلغنى. والأول شاهدناه. وبيع المن السمن: باثنى عشر درهما كاملية، وهو اثنى عشر أوقية، كل أوقية رطلان مصريان، ونصف رطل. والعسل: كل منّ بدرهمين كاملين وهو ثلاثة أرطال مصرية. واللحم: كل منّ بأربعة مسعودية، وهو سبعة أرطال مصرية، إلا ثلث. ومن أخبار الغلاء بمكة: أن الخبر بمكة بيع ثلاث أواق بدرهم، واللحم بأربعة دراهم الرطل، وكل شربة ماء بثلاثة دراهم. وذلك فى سنة إحدى وخمسين ومائتين. ومن ذلك: أن الخبر بلغ عشرة أرطال بدينار مغربى. ثم تعذر وجوده وأشرف الحجاج والناس على الهلاك. وذلك سنة سبع وأربعين وأربعمائة.

стр. 351

ومن ذلك: أن الناس أكلوا الدم والجلود بمكة لغلاء شديد كان بها فى سنة تسع وستين وخمسمائة. ومات كثير من الناس بسببه. ومنها: أن بعض الناس بمكة أكلوا لحم بعض الحمير الميتة على ما قيل، لغلاء شديد جدا بمكة. وذلك فى سنة ست وستين وسبعمائة. وتعرف هذه السنة عند المكيين بسنة أم جرب؛ لأن المواشى عمها الجرب فيها. وأدخلت المسجد الحرام وقت الاستسقاء فيه. وجعلت فى صوب مقام المالكية، وما يسر الله لهم سقيا، ولكن وفق مدير المملكة بمصر الأمير يلبغا الخاصكى، فجهز إلى مكة من القمح الطيب برا وبحرا ما أنعشهم به. فالله تعالى يثيبه ويثيب من نبه على ذلك. ومن ذلك: غلاء فى سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة: بلغت الغرارة الحنطة خمسمائة درهم كاملية، واختبز الناس القطانى وحب الثمام وأكلوهما. وهذا أعظم غلاء شاهدناه بمكة. ومن ذلك: أن الغرارة الحنطة بيعت بعشرين أفرنتيا ذهبا قبيل الموسم من سنة خمس عشرة وثمانمائة وبإثره. ومن ذلك: غلاء فى النصف الثانى من سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، بلغت الغرارة عشرين أفلوريا وأزيد، والذرة قريبا من ذلك. وعم الغلاء سائر المأكولات وفحش فى السمن كثيرا؛ لأن المن منه بلغ سبعة أفرنتية ونصف، فى آخر ذى القعدة. وفى ذى القعدة من سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة: عظم الغلاء جدّا فى السمن بلغ المن أحد عشر أفلوريا وأزيد. ولم يعلم مثل ذلك. ومن أخبار الوباء: أنه وقع الوباء على رأس سنة ستمائة من الهجرة. ومن ذلك: أن فى سنة إحدى وسبعين وستمائة: كان الفناء عظيما بمكة بلغت الموتى فى بعض الأيام اثنتين وعشرين جنازة، وفى بعض خمسين. وعد أهل مكة ما بين العمرتين من أول رجب إلى السابع والعشرين منه: ألف جنازة. ذكر هذه الحادثة بهذا اللفظ غير قليل. فبالمعنى الميورقى. وكذا الأولى. ومن ذلك: وباء فى سنة تسع وأربعين وستمائة. وكان عاما فى الغلاء، وأعظم ما كان بديار مصر.

стр. 352

ومن ذلك: أن فى بعض الأيام على ما قيل: فى سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة: بلغ الموتى بمكة أربعين نفرا. ومنها: فى سنة سبع وعشرين وثمانمائة وباء عظيم عام، لعل الموتى فيه ممن يعرف باسمه أو مكانه يزيدون على ألفين أو يقاربون ذلك. وكان كثيرا ما يجتمع من الجنائز عقيب صلاة الصبح أو العصر سبع أو أكثر. وكان يموت فى كثير من الأيام بضع وعشرين فى كل يوم أو أكثر غير الموتى الذى يؤتى به من بادية مكة إليها. وقد اتضح بما ذكرناه من أخبار الرخص والغلاء والوباء أمور كثيرة. * * *

стр. 353

الباب الأربعون فى ذكر الأصنام التى كانت بمكة وحولها، وشيء من خبرها، وذكر شيء من خبر أسواق مكة فى الجاهلية والإسلام، وذكر شيء مما قيل من الشعر فى الشوق إلى مكة الشريفة، وذكر معالمها المنيفة (١). أما الأصنام المشار إليها: فإن منها الصنم المعروف: بهبل، وكان من أعظم أصنام قريش. ومنها: أساف ونائلة، وهما رجل وأمرأة من جرهم مسخا حجرين؛ لأن الرجل فجر بالمرأة فى الكعبة. وقيل: بل قبلها. ثم كسرهما النبى ﷺ يوم فتح مكة مع ما كسر من الأصنام فى هذا اليوم. ومنها: الخلصة بأسفل مكة ونهيك. ويقال له: محاذر الريح على الصفا، ومطعم الطير على المروة. وكان الذى نصب هذه الأصنام الثلاثة: عمرو بن لحى. وكان جملة ما بمكة من الأصنام حول الكعبة فى يوم الفتح ثلاثمائة وستون صنما، على ما رويناه عن ابن عباس رضى الله عنهما. ونص حديثه، قال: «دخل رسول الله ﷺ مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، منها ما قد شد بالرصاص، وطاف على راحلته، وهو يقول: (وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) [الإسراء: ٨١] ويشير إليها. فما من صنم أشار إلى وجهه إلا وقع على دبره، ولا أشار إلى دبره إلا وقع على وجهه، حتى وقعت كلها». هذا نص حديثه فى تاريخ الأزرقى، ومنه: لخصنا باختصار ما ذكرناه من خبر الأصنام. وفيه: عن ابن إسحاق «لما صلى النبى ﷺ الظهر يوم الفتح، أمر بالأصنام التى حول الكعبة كلها فجمعت، ثم حرقت». ومنها: العزى، وكانت ثلاث شجرات بنخلة، وكان أهل الجاهلية إذا فرغوا من

стр. 354

حجهم وطوافهم بالكعبة، لم يحلوا حتى يأتوا العزى، فيطوفون بها ويحلون عندها، ويعكفون عندها يوما. ثم أزال خالد بن الوليد رضى الله عنه العزى، بأمر النبى ﷺ بعد فتح مكة. وذلك: لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان. وخبر العزى، وما ذكرناه من الأصنام: أبسط من هذا فى أصله، مع كون ذلك مختصرا من تاريخ الأزرقى وغيره. * * * وأما أسواق مكة فى الجاهلية فذكر الأزرقى فيها خبرا طويلا. ذكرنا طرفا منه فى أصله. ونشير هنا إلى ما نبين به المقصود منه بلفظه فى البعض، وبمعناه فى البعض. وذلك: أن أهل الجاهلية كانوا يصبحون بعكاظ يوم هلال ذى القعدة، ثم يذهبون منه إلى مجنة بعد مضى عشرين يوما من ذى القعدة، فإذا رأوا هلال ذى الحجة: ذهبوا من مجنة، إلى ذى المجاز، فلبثوا به ثمان ليال، ثم يذهبون إلى عرفة. وكانوا لا يتبايعون فى عرفة ولا أيام منى، فلما أن جاء الله بالإسلام: أحل الله عزوجل ذلك لهم بقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) [البقرة: ١٨٩] وفى قراءة أبى بن كعب «فى مواسم الحج» يعنى: منى وعرفة، وعكاظ، ومجنة، وذى المجاز، فهذه مواسم الحج. ثم قال: وكانت هذه الأسواق بعكاظ ومجنة وذى المجاز: قائمة فى الإسلام حتى كان حديثا من الدهر. فأما عكاظ: فإنها تركت عام حج الحرورى بمكة مع أبى حمزة المختار بن عوف الأزدى الأباطى فى سنة تسع وعشرين ومائة، وخاف الناس أن ينتهبوا، وخافوا الفتنة، فتركت حتى الآن. ثم تركت مجنة وذو المجاز بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة ومنى وعرفة. قال أبو الوليد الأزرقى: وعكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة على طريق صنعاء فى عمل الطائف على بريد منها، وهى سوق لقيس غيلان، وثقيف، وأرضها: لنضر. ومجنة: سوق بأسفل مكة على بريد منها، وهى سوق لكنانة، وأرضها من أرض كنانة، وهى التى يقول فيها بلال رضى الله عنه:

стр. 355

ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بواد وحولى إذ خر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لى شامة وطفيل وشامة وطفيل: جبلان مشرفان على مجنة. وذو المجاز: سوق لهذيل عن يمين الموقف من عرفة، قريب من كبكب على فرسخ من عرفة. انتهى. وقد خولف الأزرقى فيما ذكره فى مجنة وشامة، وطفيل من أوجه. منها: أن فى كتاب الفاكهى عن ابن إسحاق: وكانت مجنة بمر الظهران إلى جبل يقال له: الأصغر. ومر الظهران: لا يقال له: أسفل مكة. انتهى. ومنها: أن القاضى عياض ﵀ قال فى المشارق: طفيل وشامة، جبلان على نحو من ثلاثين ميلا. انتهى. وكلام الأزرقى يقتضى: أن مجنة على بريد من مكة، فيكون الجبلان كذلك من مكة على مقتضى قوله. وذلك يخالف ما قاله القاضى. والعيان يشهد لما قاله القاضى. والله أعلم. ومنها: أن الخطابى قال فى شامة وطفيل: كنت أحسبهما جبلين حتى أثبت لى أنهما عينان. انتهى. وكلام الأزرقى: يقتضى أنهما جبلان. ومنها: أن الأزرقى قال: شامة ـ بالميم ـ وقيل فيها شابة ـ بالباء ـ ذكره ابن الأثير، ورجحه الرضى الصنعانى اللغوى. ومجنة ـ بفتح الميم وكسرها، والفتح أكثر ـ على ما ذكر المحب الطبرى. وألفيت فى القرى ما صورته: ومجنة: موضع بأعلى مكة ـ إلى آخر كلامه ـ وقوله: بأعلى مكة: مشكل لمخالفته ما ذكره الناس. والله تعالى أعلم. * * * وأما ما قيل من الشعر فى التشوق إلى مكة الشريفة وذكر معالمها المنيفة، فكثير جدا، وقد ذكرنا منه طرفا فى أصله. ونشير هنا لشيء من ذلك. فمنه ما أنشدناه المسندان: محمد بن محمد بن داود الصالحى فى كتابه، وأم الحسن
следующие страницы →