← Тараджим

Тараджим · id 20989

العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين

التقي الفاسي

Полный текст (2 722 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ومن ذلك: أن الناس أكلوا الدم والجلود بمكة لغلاء شديد كان بها فى سنة تسع وستين وخمسمائة. ومات كثير من الناس بسببه. ومنها: أن بعض الناس بمكة أكلوا لحم بعض الحمير الميتة على ما قيل، لغلاء شديد جدا بمكة. وذلك فى سنة ست وستين وسبعمائة. وتعرف هذه السنة عند المكيين بسنة أم جرب؛ لأن المواشى عمها الجرب فيها. وأدخلت المسجد الحرام وقت الاستسقاء فيه. وجعلت فى صوب مقام المالكية، وما يسر الله لهم سقيا، ولكن وفق مدير المملكة بمصر الأمير يلبغا الخاصكى، فجهز إلى مكة من القمح الطيب برا وبحرا ما أنعشهم به. فالله تعالى يثيبه ويثيب من نبه على ذلك. ومن ذلك: غلاء فى سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة: بلغت الغرارة الحنطة خمسمائة درهم كاملية، واختبز الناس القطانى وحب الثمام وأكلوهما. وهذا أعظم غلاء شاهدناه بمكة. ومن ذلك: أن الغرارة الحنطة بيعت بعشرين أفرنتيا ذهبا قبيل الموسم من سنة خمس عشرة وثمانمائة وبإثره. ومن ذلك: غلاء فى النصف الثانى من سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، بلغت الغرارة عشرين أفلوريا وأزيد، والذرة قريبا من ذلك. وعم الغلاء سائر المأكولات وفحش فى السمن كثيرا؛ لأن المن منه بلغ سبعة أفرنتية ونصف، فى آخر ذى القعدة. وفى ذى القعدة من سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة: عظم الغلاء جدّا فى السمن بلغ المن أحد عشر أفلوريا وأزيد. ولم يعلم مثل ذلك. ومن أخبار الوباء: أنه وقع الوباء على رأس سنة ستمائة من الهجرة. ومن ذلك: أن فى سنة إحدى وسبعين وستمائة: كان الفناء عظيما بمكة بلغت الموتى فى بعض الأيام اثنتين وعشرين جنازة، وفى بعض خمسين. وعد أهل مكة ما بين العمرتين من أول رجب إلى السابع والعشرين منه: ألف جنازة. ذكر هذه الحادثة بهذا اللفظ غير قليل. فبالمعنى الميورقى. وكذا الأولى. ومن ذلك: وباء فى سنة تسع وأربعين وستمائة. وكان عاما فى الغلاء، وأعظم ما كان بديار مصر.

стр. 352

ومن ذلك: أن فى بعض الأيام على ما قيل: فى سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة: بلغ الموتى بمكة أربعين نفرا. ومنها: فى سنة سبع وعشرين وثمانمائة وباء عظيم عام، لعل الموتى فيه ممن يعرف باسمه أو مكانه يزيدون على ألفين أو يقاربون ذلك. وكان كثيرا ما يجتمع من الجنائز عقيب صلاة الصبح أو العصر سبع أو أكثر. وكان يموت فى كثير من الأيام بضع وعشرين فى كل يوم أو أكثر غير الموتى الذى يؤتى به من بادية مكة إليها. وقد اتضح بما ذكرناه من أخبار الرخص والغلاء والوباء أمور كثيرة. * * *

стр. 353

الباب الأربعون فى ذكر الأصنام التى كانت بمكة وحولها، وشيء من خبرها، وذكر شيء من خبر أسواق مكة فى الجاهلية والإسلام، وذكر شيء مما قيل من الشعر فى الشوق إلى مكة الشريفة، وذكر معالمها المنيفة (١). أما الأصنام المشار إليها: فإن منها الصنم المعروف: بهبل، وكان من أعظم أصنام قريش. ومنها: أساف ونائلة، وهما رجل وأمرأة من جرهم مسخا حجرين؛ لأن الرجل فجر بالمرأة فى الكعبة. وقيل: بل قبلها. ثم كسرهما النبى ﷺ يوم فتح مكة مع ما كسر من الأصنام فى هذا اليوم. ومنها: الخلصة بأسفل مكة ونهيك. ويقال له: محاذر الريح على الصفا، ومطعم الطير على المروة. وكان الذى نصب هذه الأصنام الثلاثة: عمرو بن لحى. وكان جملة ما بمكة من الأصنام حول الكعبة فى يوم الفتح ثلاثمائة وستون صنما، على ما رويناه عن ابن عباس رضى الله عنهما. ونص حديثه، قال: «دخل رسول الله ﷺ مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، منها ما قد شد بالرصاص، وطاف على راحلته، وهو يقول: (وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) [الإسراء: ٨١] ويشير إليها. فما من صنم أشار إلى وجهه إلا وقع على دبره، ولا أشار إلى دبره إلا وقع على وجهه، حتى وقعت كلها». هذا نص حديثه فى تاريخ الأزرقى، ومنه: لخصنا باختصار ما ذكرناه من خبر الأصنام. وفيه: عن ابن إسحاق «لما صلى النبى ﷺ الظهر يوم الفتح، أمر بالأصنام التى حول الكعبة كلها فجمعت، ثم حرقت». ومنها: العزى، وكانت ثلاث شجرات بنخلة، وكان أهل الجاهلية إذا فرغوا من

стр. 354

حجهم وطوافهم بالكعبة، لم يحلوا حتى يأتوا العزى، فيطوفون بها ويحلون عندها، ويعكفون عندها يوما. ثم أزال خالد بن الوليد رضى الله عنه العزى، بأمر النبى ﷺ بعد فتح مكة. وذلك: لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان. وخبر العزى، وما ذكرناه من الأصنام: أبسط من هذا فى أصله، مع كون ذلك مختصرا من تاريخ الأزرقى وغيره. * * * وأما أسواق مكة فى الجاهلية فذكر الأزرقى فيها خبرا طويلا. ذكرنا طرفا منه فى أصله. ونشير هنا إلى ما نبين به المقصود منه بلفظه فى البعض، وبمعناه فى البعض. وذلك: أن أهل الجاهلية كانوا يصبحون بعكاظ يوم هلال ذى القعدة، ثم يذهبون منه إلى مجنة بعد مضى عشرين يوما من ذى القعدة، فإذا رأوا هلال ذى الحجة: ذهبوا من مجنة، إلى ذى المجاز، فلبثوا به ثمان ليال، ثم يذهبون إلى عرفة. وكانوا لا يتبايعون فى عرفة ولا أيام منى، فلما أن جاء الله بالإسلام: أحل الله عزوجل ذلك لهم بقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) [البقرة: ١٨٩] وفى قراءة أبى بن كعب «فى مواسم الحج» يعنى: منى وعرفة، وعكاظ، ومجنة، وذى المجاز، فهذه مواسم الحج. ثم قال: وكانت هذه الأسواق بعكاظ ومجنة وذى المجاز: قائمة فى الإسلام حتى كان حديثا من الدهر. فأما عكاظ: فإنها تركت عام حج الحرورى بمكة مع أبى حمزة المختار بن عوف الأزدى الأباطى فى سنة تسع وعشرين ومائة، وخاف الناس أن ينتهبوا، وخافوا الفتنة، فتركت حتى الآن. ثم تركت مجنة وذو المجاز بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة ومنى وعرفة. قال أبو الوليد الأزرقى: وعكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة على طريق صنعاء فى عمل الطائف على بريد منها، وهى سوق لقيس غيلان، وثقيف، وأرضها: لنضر. ومجنة: سوق بأسفل مكة على بريد منها، وهى سوق لكنانة، وأرضها من أرض كنانة، وهى التى يقول فيها بلال رضى الله عنه:

стр. 355

ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بواد وحولى إذ خر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لى شامة وطفيل وشامة وطفيل: جبلان مشرفان على مجنة. وذو المجاز: سوق لهذيل عن يمين الموقف من عرفة، قريب من كبكب على فرسخ من عرفة. انتهى. وقد خولف الأزرقى فيما ذكره فى مجنة وشامة، وطفيل من أوجه. منها: أن فى كتاب الفاكهى عن ابن إسحاق: وكانت مجنة بمر الظهران إلى جبل يقال له: الأصغر. ومر الظهران: لا يقال له: أسفل مكة. انتهى. ومنها: أن القاضى عياض ﵀ قال فى المشارق: طفيل وشامة، جبلان على نحو من ثلاثين ميلا. انتهى. وكلام الأزرقى يقتضى: أن مجنة على بريد من مكة، فيكون الجبلان كذلك من مكة على مقتضى قوله. وذلك يخالف ما قاله القاضى. والعيان يشهد لما قاله القاضى. والله أعلم. ومنها: أن الخطابى قال فى شامة وطفيل: كنت أحسبهما جبلين حتى أثبت لى أنهما عينان. انتهى. وكلام الأزرقى: يقتضى أنهما جبلان. ومنها: أن الأزرقى قال: شامة ـ بالميم ـ وقيل فيها شابة ـ بالباء ـ ذكره ابن الأثير، ورجحه الرضى الصنعانى اللغوى. ومجنة ـ بفتح الميم وكسرها، والفتح أكثر ـ على ما ذكر المحب الطبرى. وألفيت فى القرى ما صورته: ومجنة: موضع بأعلى مكة ـ إلى آخر كلامه ـ وقوله: بأعلى مكة: مشكل لمخالفته ما ذكره الناس. والله تعالى أعلم. * * * وأما ما قيل من الشعر فى التشوق إلى مكة الشريفة وذكر معالمها المنيفة، فكثير جدا، وقد ذكرنا منه طرفا فى أصله. ونشير هنا لشيء من ذلك. فمنه ما أنشدناه المسندان: محمد بن محمد بن داود الصالحى فى كتابه، وأم الحسن

стр. 356

بنت المفتى أبى العباس أحمد بن قاسم مشافهة: أن الإمام فخر الدين عثمان بن محمد ابن عثمان الأفريقى. أنشدهما إذنا، قال: أنشدنا أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن رشيد البغدادى من قصيدة طويلة لنفسه، قال فيها: على عرفات قد وقفنا بموقف ... به الذنب مغفور وفيه محوناه ومنها: فظل حجيج الله لليل واقفا فقي ... ـل انفروا فالكل منكم قبلناه أفيضوا وأنتم حامدون إلهكم ... إلى مشعر جاء الكتاب بذكراه وسيروا إليه واذكروا الله عنده ... فسرنا ومن بعد العشا نزلناه وفيه جمعنا مغربا بعشائنا ... ترى عابد جمع بجمع جمعناه وبتنا به منه التقطنا جمارنا ... وربا ذكرناه على ما هداناه ومنه أفضنا حيث ما الناس قبلنا ... أفاضوا وغفران الإله طلبناه ونحو منى ملنا بها كان عيدنا ... ونلنا بها ما القلب كان تمناه فمن منكم بالله عيد عيدنا ... فعيد منى رب البرية أعلاه وفيها رمينا للعقاب جمارنا ... ولا جرم إلا مع جمار رميناه ومنها: وبالخيف أعطانا الإله أماننا ... وأذهب عنا كل ما نحن خفناه وردت إلى البيت الحرام وفودنا ... رجعنا لها كالطير حنّ لمأواه وطفنا طوافا للإفاضة حوله ... ولذنا به بعد الجمار وزرناه ومن بعد ما زرنا دخلناه دخلة ... كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه ونلنا أمان الله عند دخوله ... كذا أخبر القرآن فيما قرأناه ومنها: وبالحجر الميمون لذنا فإنه ... لرب السما فى الأرض للخلق يمناه نقبله من حبنا لإلهنا ... فكم لثمة حال الطواف لثمناه على لثمة للشعث والغبر رحمة ... فكم أشعث كم أغبر قد رحمناه وذاك لنا يوم القيامة شاهد ... وفيه لنا عهد قديم عهدناه ونستلم الركن اليمانى طاعة ... ونستغفر المولى إذا ما لمسناه وملتزم فيه التزمنا لذنبنا ... عهودا وعفو الله فيه لزمناه وكم موقف فيه يجاب لنا الدعا ... دعونا به والقصد فيه نويناه

стр. 357

وصلى بأركان المقام حجيجنا ... وفى زمزم ماء طهور وردناه وفيه الشفا فيه بلوغ مرادنا ... لما نحن ننويه إذا ما شربناه وبين الصفا والمروة الحاج قد سعى ... فإن تمام الحج تكميل مسعاه وأنشدنى محمد وفاطمة المذكوران أولا إذنا، قالا: أنشدنا الإمام فخر الدين المالكى إجازة، قال: أنشدنا الإمام أبو اليمن بن عساكر الدمشقى، نزيل مكة لنفسه بقراءتى عليه بمسجد الخيف من منى: يا حيرتى بين الحجون إلى الصفا ... شوقى إليكم مجمل ومفضل أهوى دياركم ولى بربوعها ... وجد يثبطنى وعهد أول ويزيدنى فيها العدول صبابة ... فيظل يغرينى إذا ما يعدل ويقول لى لو قد تبدلت الهوى ... فأقول قد عز العزاة تبدل بالله قل لى كيف يحسن سلوتى ... عنها وحسن تصبرى هل يحمل هل فى البلاد محلة معروفة ... مثل المعرف أو محل تحلل أم فى الزمان كليلة النفر التى ... فيها من الله العوارف تجزل أم مثل أيام تقضت فى منى ... عمر الزمان بها أغر محجل فى جنب مجتمع الرفاق ومنزع ... الأشواق حياها السحاب المسبل وأنشدنى الإمام الأديب بدر الدين أحمد بن محمد بن الصاحب المصرى الأثارى إذنا لنفسه: بمكة قد طابت مجاورتى فيا ... إلهى فاجعلها مدى العمر سرمدا فأنت الذى أحللتنى ساحة الهوى ... وعودت قلبى عادة فتعودا والأشعار فى التشوق إلى هذه المشاعر الشريفة كثيرة. ونسأل الله أن يجعل أعيننا بدوام مشاهدتها قريرة. وقد انتهى العرض الذى أردنا جمعه فى هذا الكتاب. ونسأل الله أن يجزل لنا فيه الثواب، بمحمد سيد المرسلين، وآله وصحبه الأكرمين. * * *

стр. 358

[السيرة النبوية] (١) ولنذكر فيه ما أشرنا إليه من السيرة النبوية: فنقول: بعد حمد الله الذى لا يخيب من سأله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير نبى أرسله. فهذا ما وعدت بذكره فى كتابى «العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين» من سيرة نبينا محمد المصطفى، زاده الله شرفا. وذلك: فيما لخصته واختصرته من السيرة الصغرى للحافظ علاء الدين مغلطاى المصرى ﵀ وأكده بلفظه. وقد أخبرنى بكتابه المذكور: شيخنا القاضى الإمام زين الدين أبو بكر بن الحسين الشافعى سماعا وأجازه عن الحافظ علاء الدين مغلطاى سماعا كذلك، وإنما عولت على كتابه دون غيره من الكتب المصنفة فى هذا المعنى على كثرتها: لأن كتابه أكثرها فوائد، وفيه من الفوائد النفيسة ما لا يوجد فى كثير من الكتب المبسوطة فى هذا المعنى، وأضفت إلى ما ذكرته من كتابه فوائد لم يذكرها، وأكثر ذلك مما ذكره شيخنا الحافظ زين الدين العراقى ـ سقى الله ثراه ـ فى كتابه الذى نظمه فى السيرة النبوية. وهو ألف بيت بدا فى كتاب مغلطاى فى كثرة الفوائد. وقد رويت ذلك عن شيخنا العراقى إجازة. وكل ما أوردته من كتابه وغيره أجيزه بقولى: قلت فى ابتدائه، وأجيز آخره بقولى: انتهى. وسميت تأليفى هذا «الجواهر السنية فى السيرة النبوية». * * *

стр. 359

ذكر أسمائه ونسبه وشيء من حاله من حين ولادته وإلى وفاته وغير ذلك من حال عمله للمصطفى: ﷺ أسماء كثيرة تقرب من الثلاثمائة على ما قال ابن دحية، وانتهى بها بعض المتصوفة إلى ألف (١). وأشهرها: محمد، وأحمد، وبهما سماه الله فى القرآن العظيم، الماحى، الحاشر، العاقب، يكنى: أبا القاسم، وأبا إبراهيم. ابن: عبد الله بن عبد المطلب، واسمه: شيبة الحمد، وقيل: عامر بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصى، واسمه: زيد، وقال الشافعى: يزيد ـ فيما حكاه الحاكم أبو أحمد بن كلاب ـ واسمه حكيم، وقيل: عروة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر. وهو جماع قريش فى قول الكلبى، وغيره. ابن: مالك بن النضر، واسمه قيس، وهو: قريش فى قول ابن إسحاق. ابن: كنانة بن خزيمة بن مدركة، واسمه: عمرو. وقال ابن إسحاق: عامر بن إلياس، واسمه: حبيب بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، إلى هنا مجمع عليه، وما فوق ذلك: مختلف فيه (٢). وأشهره: ابن أدد ويقال: أد بن أدد بن مقوم، بن ناجور، بن تيرح، بن يعرب، بن يشجب، وقيل: يشجب بن يعرب، بن يشجب، بن نابت، بن إسماعيل، وتفسيره: مطيع

стр. 360

الله الذبيح، ويلقب: أعراق الثرى، بن إبراهيم خليل الرحمن، ويكنى: أبا الضيفان، وتفسيره: أب راحم، بن تارح، وهو: آزر، بن ناحور بن ساروح، بن راعوا، ويقال: أرغوا، ومعناه: قاسم بن فالح، ويقال: فالع بن عيبر، ويقال عابر، وهو: هود ﵇، بن شالح، ومعناه: الرسول، ويقال: الوكيل، بن إرفخشد، ويقال: الفخشيد، ويقال: الفخشد، ومعناه: مصباح مضئ، بن سام، بن نوح، واسمه: عبد الغفار بن لامك، ويقال: لمكان بن متوشلخ بن خنوخ، ويقال: أخنخ، ويقال: أخنوخ، ويقال: أهنخ، وهو: إدريس ﵇ بن يرد، ويقال: يارد، ويقال: الزايد، ومعناه: الضابط، ابن مهليل، ويقال: مهلابيل، ومعناه: الممدح، بن قينن، ويقال: قينان. ومعناه: المستولى، ابن يانش، ومعناه: الصادق، بن شيث، ويقال: شاث، ومعناه: هبة الله، ويقال: عطية الله، بن آدم أبى البشر، ويقال: أبو محمد لمحمد ابنه ﵉. أمه ﵇: آمنة ابنة وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، ويقال: عبد مناف بن كلاب وزهرة: أمه. فيما قاله ابن قتيبة. والجوهرى. وفى ذلك نظر (١). ولد ﷺ بمكة فى الدار التى كانت لمحمد بن يوسف أخى الحجاج بن يوسف، ويقال: بالشعب، ويقال بالروم، ويقال: بعسفان. قلت: قال السهيلى: ولد بالشعب، وقيل: بالدار التى عند الصفا، وكانت بعد لمحمد ابن يوسف أخى الحجاج، ثم بنتها زبيدة مسجدا حين حجت. انتهى. والدار التى عند الصفا: هى دار الخيزران، ودار ابن يوسف بسوق الليل، وهى الموضع المعروف بمولده ﵊. وهذا الذى قاله السهيلى فى ولادته بالدار التى عند باب الصفا غريب. والله أعلم. انتهى (٢). يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، وقيل: لثمان، وقيل: لعشر، وقيل: لثنتى عشر. وحكى فيه ابن الجزار الإجماع. وفيه نظر. وقيل: لثمان عشرة. وقيل: لسبع عشرة. وقيل: لثمان بقين منه. وقيل: فى أوله حين طلع الفجر يوم أرسل الله الأبابيل ـ وهى: الجماعات. واحدها: أبول. وقيل: لا واحد لها ـ على أهل الفيل. وقيل: عام الفيل. وحكى ابن الجزار فيه الإجماع. وفيه نظر. وقيل بعد الفيل بشهر، وقيل: بأربعين

стр. 361

يوما، وقيل: بشهرين وستة أيام، وقيل: بخمسين يوما، وقيل: بخمسة وخمسين يوما، وقيل: بعشر سنين، وقيل: بثلاثين عاما، وقيل: بأربعين عاما، وقيل بسبعين، وقيل: لثنتى عشرة خلت من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين، من غزوة أصحاب الفيل، وقيل: ولد يوم عاشوراء، وقيل: فى صفر، وقيل: فى ربيع الآخر (١). لم تجد لحمله ثقلا ولاحما. وفى حديث شداد عكسه. وجمع بأن: الثقل فى ابتداء العلوق، والخفة عند استمرار الحمل، ليكون فى ذلك خارجا عن المعتاد، مختونا، مسرورا، مقبوضة أصابع يده، مشيرا بالسبابة كالمسبح بها (٢). وقيل: إن جده ختنه ﷺ يوم سابعه. وقيل: جبريل، وختم حين وضعه بالخاتم. ذكره ابن عابد. وسماه الله محمدا، قالته أمه. وقيل: إن جده سماه فى سابعه (٣). واختلف فى مدة الحمل به ﷺ . فقيل: تسعة أشهر، وقيل: عشرة، وقيل: ثمانية. وقيل: سبعة، وقيل: ستة (٤). وتوفى أبوه وهو ﷺ حمل. وقيل: بعد ولادته بشهرين، وقيل: بأكثر من ذلك (٥).

стр. 362

وأرضعته ﷺ : ثويبة عتيقة عمه أبى لهب بلبن ابنها مسروح (١) وأرضعته ﷺ أيضا: حليمة بنت أبى ذؤيب السعدية (٢). وصحح ابن حبان وغيره: حديثا دل على إسلامها بلبان ابنها عبد الله أخى أنيسة، وجذامة (٣). وهى الشيماء القادمة عليه ﵇ بحنين. وقيل: بل كانت أمه ﷺ حليمة أولا عند الحارث بن عبد العزى. واختلف فى إسلامه: روى خالد بن معدان «أن نفرا من الصحابة رضى الله عنهم، قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك؟ فقال ﷺ : نعم. أنا دعوة أبى إبراهيم، بشر بى عيسى ابن مريم، ورأت أمى حين وضعتنى خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ـ وذكر ابن حبان: أن ذلك كان فى المنام. وفيه نظر ـ واسترضعت فى بنى سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لى خلف بيوتنا نرعى بهما لنا: أتانى رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوء ثلجا، فأخذانى فشقا بطنى، فاستخرجا قلبى، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا بطنى وقلبى بذلك الثلج، ثم قال: زنه بمائة من أمته، فوزنانى بهم، فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته فوزنتهم، ثم قال: دعه، فلو وزنته بأمته لوزنها».

стр. 363

وذكر أبو نعيم: أن ذلك كان وعمره ﷺ عشر سنين. وختم بخاتم النبوة بين كتفيه. وكان ينم مسكا، مثل زر الحجلة (١). ذكره البخارى. وفى مسلم: جمع عليه خيلان (٢)، كأنها الثآليل السود عند بعض طرفيه. ويروى غضروف: وفى كتفه الأيسر. وفى كتاب أبى نعيم: الأيمن. وفى مسلم أيضا: كبيضة حمامة. وفى صفة الخاتم: اختلاف كبير. ذكره مغلطاى. وماتت أمه ﷺ ، وهو ابن أربع. وقيل: ست. وقيل: سبع وقيل: غير ذلك. قلت: جزم شيخنا العراقى: بأن أمه ﷺ توفيت وله ست سنين ومائة يوم. وهذا القول لم يذكره مغلطاى. وحكى شيخنا القول بوفاتها: وله ﷺ أربع سنين. ولم يحك غير ذلك. وذكر شيخنا أيضا: ما يقتضى: أن أباه توفى، وهو ﷺ حمل على الصحيح. والله اعلم. وهذا لا يفهم مما ذكره مغلطاى. انتهى. وكانت وفاتها: بالأبواء (٣). وقيل: بشعب أبى دب بالحجون (٤). وكانت أم أيمن بركة: دايته وحاضنته ﷺ بعد موت أمه. ومات جده عبد المطلب كافله، وله ثمان سنين. وقيل: غير ذلك. فكفله أبو طالب، واسمه: عبد مناف. وقيل: اسمه كنيته، فيما ذكره الحاكم. وفيه نظر. بوصية أبيه عبد المطلب، ولكونه شقيق عبد الله (٥). فلما بلغ ﷺ ، اثنتى عشرة سنة. وقيل: تسعا. وقيل اثنتى عشرة سنة وشهرا وعشرة أيام. وقيل: لعشر خلون من ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من الفيل: خرج مع عمه أبى طالب إلى الشام حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرا، واسمه: جرجيس. فعرفه بصفته. فقال: وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين (٦).

стр. 364

فقيل له: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم به من العقبة، لم يبق شجر ولا حجر إلا خرّ ساجدا، ولا يسجدان إلا لنبى. وإنا نجده فى كتبنا. وسأل أبا طالب أن يرده خوفا عليه من اليهود (١). وخرج الترمذى وحسنه، والحاكم وصححه: أن فى هذه السفرة: أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله ﷺ . فاستقبلهم بحيرا. فقال: ما جاء بكم؟ فقالوا: إن هذا النبى خارج فى هذا الشهر. فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس. فقال: أرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه. هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه. ورده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالا. وفيه: وهمان. الأول: بايعوه على أى شئ. والثانى: أبو بكر رضى الله عنه لم يكن حاضرا، ولا كان فى حال من يملك، ولا ملك بلالا إلا بعد ذلك بنحو ثلاثين عاما. ولما بلغ ﷺ عشرين سنة. وقيل: أربع عشرة. حضر مع عمومته حرب الفجار (٢). ورمى فيه بأسهم. وحضر حلف الفضول. وهو حلف عقدته قريش على نصر كل مظلوم بمكة (٣). وكان يرعى غنم أهله بأجياد على قراريط (٤). ثم خرج ﷺ ثانيا مع ميسرة ـ غلام خديجة ابنة خويلد بن أسد ـ فى تجارة لها. وكانت رضى الله عنها استأجرته على أربع بكرات. ويقال استأجرت معه رجلا آخر من قريش حتى بلغ سوق بصرى. وقيل: سوق حباشة بتهامة. وله ﷺ إذ ذاك خمس وعشرون سنة لأربع عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، فنزل ﷺ تحت ظل شجرة، فقال

стр. 365

نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبى، واستشكل. وفى رواية: بعد عيسى (١). وكان ميسرة رضى الله عنه يرى فى الهاجرة ملكين يظلانه من الشمس. وتزوجها بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوما فى عقب صفر وكان سنه ست وعشرين. وقيل: كان سنه ﷺ إحدى وعشرين سنة. وقيل: ثلاثين. وقال ابن جريج: وله سبع وثلاثون سنة. وقال البرقى: تسع وعشرون، قد راهق الثلاثين. وخديجة رضى الله عنها يومئذ ابنة أربعين سنة. وقيل: خمس وأربعين. وقيل: ثلاثين. وقيل: ثمان وعشرين. وأصدقها ﷺ اثنى عشر أوقية ونشا. وقيل: عشرين بكرة (٢). ولما بلغ النبى ﷺ خمسا وثلاثين سنة بنت قريش الكعبة (٣). وفى تاريخ يعقوب: كان بناؤه فى سنة خمس وعشرين من الفيل. ووضع ﵊: الركن اليمانى بيده يوم الاثنين. فلما بلغ ﵇ أربعين سنة. وقيل: وأربعين يوما. وقيل: وعشرة أيام. وقيل: وشهرين، يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان. وقيل: لسبع. وقيل: لأربع وعشرين ليلة. وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل. وقيل: فى أول ربيع. وفى تاريخ النسائى: على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة وضعفه. وعن مكحول: بعد ثنتين وأربعين: جاءه جبريل بغار حراء. قالت عائشة رضى الله عنها: «أول ما بدئ به ﵇ من الوحى: الرؤيا الصادقة. وقال الواقدى، وابن أبى عاصم، والدولابى فى تاريخه: نزل عليه القرآن، وهو ابن ثلاث وأربعين.

стр. 366

وفى كتاب العتيقى: ابن خمس وأربعين، لتسع وعشرين من رجب. قاله الحسين، وجمع: بأن ذلك حين حمى الوحى وتتابع. وقيل: إسرافيل ﵇ وكل به ﷺ ثلاث سنين قبل جبريل ﵇ (١). وأنكر ذلك الواقدى، وصححه الحاكم. فقال: «أبشر يا محمد، وأنا جبريل أرسلت إليك، وأنت رسول هذه الأمة. ثم أخرج لى قطعة نمط، فقال: اقرأ. قلت: والله ما قرأت شيئا قط. فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) [العلق: ١ ـ ٥] ثم قال: انزل عن الجبل. فنزلت معه إلى قرار الأرض، فأجلسنى على درنوك وعليه ثوبان أخضران، ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء، فتوضأ منها جبريل ﵇، ثم أمر النبى ﷺ ، فتوضأ كذلك. ثم قام وصلى بالنبى ﷺ . ثم انصرف جبريل. وجاء ﵇ إلى خديجة رضى الله عنها. فأمرها فتوضأت وصلى بها كما صلى به جبريل ﵇». وكان ذلك أول فرض الصلاة ركعتين، ثم إن الله تعالى أقرها فى السفر ركعتين كذلك وأتمها فى الحضر. وقال مقاتل: كانت الصلاة أول فرضها ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشى. وذكر أبو نعيم «أن جبريل وميكائيل ﵉: شقا صدره وغسلاه، ثم قالا: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ)». وعن ابن عباس رضى الله عنهما «أول شيء رأى النبى ﷺ من النبوة أنه قيل: له استتر ـ وهو غلام ـ فما رؤيت عورته ﷺ بعد». وكان أول من آمن بالله وصدق: خديجة رضى الله عنها. ثم فتر الوحى فترة حتى شق عليه ﷺ وأحزنه، فجاءه جبريل بسورة الضحى (٢). وكان أول ذكر آمن بعدها: أبو بكر رضى الله عنه، وقيل: على رضى الله عنه، ثم زيد بن حارثة رضى الله عنه، ثم أسلم عثمان بن عفان رضى الله عنه.

стр. 367

وذكر مغلطاى: إسلام جماعة من جلة الصحابة رضى الله عنهم. ثم قال: ودخل الناس فى الإسلام أرسالا من الرجال والنساء. ثم إن الله أمر رسوله بأن يصدع بما جاء به، وكان ذلك بعد ثلاث سنين من النبوة. فبينا سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه فى نفر يصلون فى شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد يومئذ بلحى بعير، فشجه فكان أول دم هريق فى الإسلام. فلما نادى النبى ﷺ قومه بالإسلام لم تبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها. قال العتيقى: وكان ذلك فى سنة أربع، فلما فعل أجمعوا على ﷺ خلافه وعداوته إلا من عصم الله. وحدب عليه أبو طالب فخف الأمر وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضا، وتآمرت قريش على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. ومنع الله رسوله بعمه أبى طالب، وبنى هاشم، غير أبى لهب وبنى المطلب. فرماه الوليد بن المغيرة: بالسحر، وتبعه قومه على ذلك. فنزل فيه: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) الآيات [المدثر: ١]. وفى النفر الذين تابعوه على قوله: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) [الحجر: ٩١]. ثم إن قريشا اشتد عليهم الأمر، فكذبوه وآذوه، ورموه بالسحر والشعر والكهانة والجنون، وأغروا به سفهاؤهم، حتى أخذ رجل منهم يوما بمجمع ردائه فقام أبو بكر دونه، وهو يبكى ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول: ربى الله؟ (١). ثم أسلم حمزة بن عبد المطلب عمه رضى الله عنه، وكان أعز فتى فى قريش، وأشد شكيمة، فعزّ به رسول الله ﷺ وكف عنه قريش قليلا. قال العتيقى: وكان إسلامه رضى الله عنه سنة ست، وسألوه إن كنت تطلب مالا جمعنا لك ما لا تكون به أكثرنا مالا، وإن كنت تريد الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا قد غلب عليك بذلنا أموالنا فى طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم ﵇: ما بى ما تقولون، ولكن الله بعثنى رسولا، وأنزل علىّ كتابه، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم، فإن تقلبوا

стр. 368

منى ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم. واشترى أبو بكر رضى الله عنه بلالا رضى الله عنه فأعتقه، وكان يعذب فى الله. وقتلت أم عمار بن ياسر: سمية رضى الله عنها فى الله، فهى أول قتيل فى الإسلام. وقيل: أول قتيل الحارث بن أبى هالة بن خديجة فيما ذكر العسكرى. ثم أذن النبى ﷺ لأصحابه فى الهجرة إلى الحبشة فى رجب سنة خمس من النبوة، وعدتهم: اثنى عشر رجلا وأربع نسوة. وقيل: أحد عشر وامرأتان. وقال الحاكم: بعد موت أبى طالب. وفى كتاب الاقتصار على صحيح الأخبار: كانوا عشرة رجال وأربع نسوة، وأميرهم: عثمان بن مظعون رضى الله عنه، وأنكر ذلك الزهرى فقال: لم يكن لهم أمير غير ملكها النجاشى، واسمه: أصحمة بن بحرى. وقيل: مكحول بن صصة، فخرج المسلمون وهى أول هجرة فى الإسلام. فلما رأت قريش استقرارهم فى الحبشة وأمرهم أرسلوا فيهم إلى النجاشى عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبى ربيعة ليردهم إلى قومهم، فأبى ذلك وردهما خائبين وكان حين ذلك مشركا، ثم أسلم سنة سبع، وتوفى فى رجب سنة تسع، وصلى عليه النبىصلى الله عليه وسلم، ورفع إليه سريره حتى رآه. وقيل: لأنه كان عند الكفار الذين لا يصلون عليه، فلذلك صلى عليه. وأسلم عمر بن الخطاب بعد حمزة رضى الله عنهما بثلاثة أيام، فيما قاله أبو نعيم بدعوة النبى ﷺ : «اللهم أيد الإسلام بأبى جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب». وفى كتاب الحاكم: «اللهم أيد الإسلام بعمر الخطاب» لم يذكر أبا جهل وكان رجلا لا يرام ماوراء ظهره، فامتنع به وبحمزة الصحابة رضى الله عنهم. وكان ابن مسعود رضى الله عنه يقول: ما كنا نقدر على أن نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر رضى الله عنه. فلما رأت قريش عزة النبى ﷺ وعزة أصحابه فى الحبشة وفشو الإسلام فى القبائل: اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدوا فيه على بنى هاشم وبنى المطلب: أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم. وكتبوه فى

стр. 369

صحيفة بخط منصور بن عكرمة. وقيل: بغيض بن عامر، فشلت يده. وعلقوا الصحيفة فى جوف الكعبة هلال المحرم سنة سبع، فانحاز الهاشميون غير أبى لهب، والمطلبيون إلى أبى طالب، فدخلوا معه فى شعبه، فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا. وقال ابن سعد: سنتين حتى جهدوا، وكانوا لا يصل إليهم شيء إلا سرّا. ثم هاجر المسلمون الثانية إلى أرض الحبشة، وعدتهم: ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم، وثمانى عشرة امرأة. ثم قام رجال فى نقض الصحيفة فأطلع الله عزوجل نبيه على: أن الأرضة أكلت ما فيها من القطيعة والظلم، فلم يدع إلا اسم الله فقط. فلما أنزلت لتمزق، وجدت كما قالصلى الله عليه وسلم. وذلك فى السنة العاشرة. ولما أتت عليه ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما، مات عمه أبو طالب. وقيل: فى النصف من شوال من السنة العاشرة. وقال ابن الجزار: قبل هجرته بثلاث سنين. وماتت خديجة رضى الله عنها بعد ذلك بثلاثة أيام. وقيل: بخمسة فى رمضان. وقيل: ماتت قبل الهجرة بخمس، وقيل: بأربع سنين. وقيل: بعد الإسراء. فكان ﵇ يسمى ذلك العام: عام الحزن، فيما ذكره صاعد. وبعد أيام تزوج ﷺ سودة بنت زمعة سنة عشر. وقيل: بعد موت خديجة رضى الله عنها بسنة. وقال ابن عقيل: تزوجها بعد عائشة رضى الله عنها. ثم خرج ﷺ إلى الطائف بعد موت خديجة رضى الله عنها بثلاثة أشهر، فى ليال بقين من شوال سنة عشر، ومعه زيد بن حارثة رضى الله عنه، فأقام به شهرا يدعوهم إلى الله تعالى فلم يجيبوه، وأغروا به سفهاءهم، فجعلوا يرمونه بالحجارة، حتى إن رجليه ﷺ لتدميان وزيد رضى الله عنه يقيه بنفسه، حتى لقد شج فى رأسه، ثم رجع فى جوار المطعم بن عدى، ولم يستجب له إنسان. فلما نزل ﷺ نخلة، وهو موضع على ليلة من مكة صرف إليه سبعة من جنّ نصيبين، فاستمعوا له، وهو يقرأ سورة الجن. وقيل: كان قدوم الجن بعد خمسين سنة وثلاثة أشهر من مولده ﷺ . فلما كانت ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا، وهو نائم فى بيته، أتاه جبريل وميكائيل ﵉، فقالا: انطلق إلى ما

стр. 370

كنت تسأل. وذلك أنه كان يسأل: أن يرى الجنة والنار. فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم، فأتى بالمعراج، فعرجا به إلى السماء السابعة وفرضت عليه الصلوات. وقيل: كان المعراج قبل الهجرة بثلاث سنين. وقيل: ستة. وكان بعد النبوة بخمسة أعوام. وقيل بعام ونصف عام. وقال عياض: بعد مبعثه بخمسة عشر شهرا. وقال الحربى: ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة. وقيل: لسبع عشرة خلت من ربيع الأول. وقال ابن قتيبة: بعد سنة ونصف من رجوعه من الطائف. وقال الواقدى: ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجرة بستة أشهر. وقال ابن فارس: فلما أتت عليه ﷺ إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر: أسرى به من زمزم إلى القدس. وفى البخارى «بينا أنا نائم فى الحطيم ـ وربما قال: فى الحجر. ومنهم من قال: بين النائم واليقظان ـ إذا أتانى آت فشق ما بين هذه إلى هذه ـ يعنى: من ثغرة نحره إلى مراقه ـ فاستخرج قلبى، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا، فغسل قلبى، ثم حشى، ثم أعيد. ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، وهو البراق، يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه. فانطلق بى جبريل إلى السماء ـ وذكر الأنبياء الذين رآهم فى بيت المقدس والسماء. وذكر الجنة والنار وسدرة المنتهى والأنهار الأربعة، والآنية الثلاثة: الماء، والخمر، واللبن، وفرض الصلوات (١)». واختلف فى المعراج والإسراء: هل كانا فى ليلة واحدة، أم لا؟ وهل كانا أو أحدهما: يقظة أو مناما؟ وهل كان المعراج قبل الإسراء؟ وهل كان المعراج مرة أو مرات؟ . والصحيح: أن االإسراء، كان فى اليقظة بجسده ﷺ ، وأنه مرات متعددة، وأنه رأى ربه عزوجل بعين رأسه ﷺ . ولما أصبح أخبر قريشا بالإسراء فكذبوه.

стр. 371

وارتد جماعة ممن كان أسلم وسألوه أمارة. فأخبرهم بقدوم العير يوم الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب، فدعا الله، فحبس الشمس حتى قدموا، كما وصف. قال ابن إسحاق: ولم تحبس الشمس إلا له ذلك اليوم، وليوشع بن النون. قال الواقدى: مكث ﷺ ثلاث سنين من أول نبوته مستخفيا، ثم أعلن فى الرابعة، فدعى الناس إلى الإسلام عشر سنين، يوافى الموسم كل عام يتبع الحاج إلى منازلهم بعكاظ، ومجنة، وذى المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه، حتى يبلغ رسالات ربه، فلم يجد أحدا ينصره ولا يجيبه، إلى أن أراد الله عزوجل إظهار دينه، ساقه الله عزوجل إلى هذا الحى من الأنصار ـ وهو لقب إسلامى لنصرتهم النبى ﷺ ، وإنما كانوا يسمون: أولاد قيلة، والأوس، والخزرج ـ فأسلم اثنان، أسعد بن زرارة، وذكوان بن عبد قيس. فلما كان من العام المقبل فى رجب: أسلم منهم ستة. وقيل: ثمانية. فقال لهم النبىصلى الله عليه وسلم: تمنعون ظهرى حتى أبلغ رسالة ربى. فقالوا: يا رسول الله: إنما كانت بعاث عام الأول يوم من أيامنا، اقتتلنا به، فإن تقدم، ونحن كذا لا يكون لنا عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله أن يصلح ذات بيننا، وموعدك الموسم العام المقبل. فكان أول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة: مسجد بنى زريق. فلما كان العام المقبل لقيه اثنى عشر رجلا، وفى الإكليل: أحد عشر. وهى العقبة الأولى، فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء وغير ذلك. ولم يفرض يومئذ القتال، ثم انصرفوا إلى المدينة. فأظهر الله الإسلام. وكان أسعد بن زرارة رضى الله عنه يجتمع بالمدينة بمن أسلم. وكتبت الأوس والخزرج إلى النبى ﷺ : ابعث إلينا من يقرئنا القرآن، فبعث ﷺ إليهم مصعب بن عمير. وقال ابن إسحاق: أرسله معهم، وكان يسمى المقرئ. وهو أول من سمى به. ثم قدم عليهم عبد الله، ويقال: عامر بن أم مكتوم. ثم قدم على النبى ﷺ فى العام المقبل فى ذى الحجة أوسط أيام التشريق منهم سبعون رجلا. وقال ابن سعد: يزيدون رجلا أو رجلين وامرأتان. وقال ابن إسحاق: ثلاثة وسبعون وامرأتان.

стр. 372

وقال الحاكم: خمسة وسبعون نفسا فى نفر من قومهم وهم خمسمائة. فكان أول من ضرب على يده ﵇ البراء بن معرور رضى الله عنه ويقال: أبو الهيثم رضى الله عنه، ويقال: أسعد بن زرارة، على: أنهم يمنعوه ما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وعلى حرب الأحمر والأسود. فكانت أول آية نزلت فى الإذن بالقتال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [الحج: ٣٩]. وفى الإكليل: (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ) [التوبة: ١١١]. ونقب عليهم اثنى عشر منهم. ثم إن النبى ﷺ أذن لأصحابه فى الهجرة إلى المدينة عند إخوانهم الأنصار. وأقام بمكة ينتظر أن يؤذن له فى الخروج. ثم ذكر مغلطاى هجرة جماعة من جلة الصحابة رضى الله عنهم إلى المدينة، ثم قال: حتى لم يبق معه، ﵇، بمكة إلا على بن أبى طالب، والصديق رضى الله عنهما. كذا قاله ابن إسحاق وغيره. وفيه نظر لما يأتى بعد. فلما رأت ذلك قريش اجتمعوا ومعهم إبليس فى صورة شيخ نجدى فى دار الندوة، يتشاورون فيما يصنعون فى أمره، ﵇، حين خافوه، فأجمعوا على قتله. فأتاه جبريل. فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك. فأمر عليا رضى الله عنه فنام مكانه، وغطى ببرد أخضر. فكان أول من شرى نفسه، ثم خرج ﷺ عليهم وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلم يره منهم أحد، ونثر رسول الله ﷺ على رءوسهم كلهم ترابا كان فى يده. وأذن الله تعالى لنبيه ﷺ فى الهجرة، وأمره جبريل، ﵇، أن يستصحب أبا بكر رضى الله عنه واستأجر عبد الله بن الأريقط دليلا وهو على شركه، وعامر بن فهيرة خادما، وذلك بعد العقبة بشهرين وليال. وقال الحاكم: بثلاثة أشهر أو قريبا منها. وكان مدة مقامه ﷺ بمكة من حين النبوة إلى ذلك الوقت بضع عشرة سنة. وفى ذلك يقول صرمة: ثوى فى قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا وقال عروة: عشرا. وقال ابن عباس خمسة عشر سنة. وفى رواية عنه: ثلاث عشرة سنة. قال الخوارزمى: ينقص يوما واحدا.

стр. 373

ولم يعلم بخروجه ﵇ إلا على وآل أبى بكر رضى عنهم. فدخل غارا بثور جبل بأسفل مكة، فأقام فيه ثلاثا. وقيل: بضعه عشر يوما. فأمر الله العنكبوت فنسجت على بابه، والراة فنبتت، وحمامتين وحشيتين فعششتا على بابه. قال السهيلى: وحمام الحرم من نسلهما. ثم خرج منه ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من ربيع الأول على ناقته الجدعاء. قالت أسماء رضى الله عنهما: فمكثنا ثلاث ليال لا ندرى أين وجه النبى ﷺ حتى أنشد رجل من الجن شعرا سمعه الناس وما يرونه: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتى أم معبد هما نزلا بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بنى كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسلوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد فغادره رهنا لديها لحالب ... يدر لها فى مصدر ثم مورد وكان النبى ﷺ نزل بقديد على أم معبد عاتكة بنت خالد، فمسح ضرع شاة مجهودة وشرب من لبنها وسقى أصحابه، واستمرت تلك البركة فيها. ولما مر بها قريش سألوها عنه ووصفوه. فقالت: ما أدرى ما تقولون قد ضافنى حالب الحائل. فقالوا: ذاك الذى نريد. وفى الإكليل قصة أخرى شبيهة بقصة أم معبد. قال الحاكم: فلا أدرى أهى هى أم غيرها؟ . فلما راحوا من قديد تعرض لهما سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى، فدعا عليه النبىصلى الله عليه وسلم فساخت قوائم فرسه، فطلب الأمان فأطلق ورد من وراءه. وأقام على رضى الله عنه بعد مخرجه ﷺ ثلاثة أيام، ثم أدركهم بقباء، وقد نزل ﷺ على كلثوم بن الهدم ـ وقيل: سعد بن خيثمة ـ يوم الاثنين سابع، وقيل: ثامن عشر ربيع. وكان مدة مقامه هناك مع النبى ﷺ ليلة أو ليلتين. وأمر ﷺ بالتاريخ، فكتب من حين الهجرة. قال ابن الجزار: ويعرف بعام الأول. وقيل: إن عمر رضى الله عنه أول من أرخ وجعله من المحرم، وقيل: يعلى بن أمية: إذ كان باليمن. وقيل: بل أرخ بوفاته ﷺ . وكان نزوله ﷺ بقباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول وهو الرابع من برماه،

стр. 374

والعاشر من أيلول سنة تسعمائة وثلاثة وثلاثين لذى القرنين ويقال: لاثنتى عشرة ليلة خلت منه حين اشتد الضحى، ويقال: لهلال ربيع. ويقال فى أوله. فأقام بها أربع عشر ليلة، ويقال: خمسا، ويقال: أربعا، ويقال: ثلاثا، فيما ذكره الدولابى، ويقال: اثنتين وعشرين ليلة. وأسس به مسجدا، وهو أول مسجد أسس فى الإسلام. وفى كتاب ابن البرقى: قدمها ليلا، ثم خرج ﷺ من قباء يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع فى قول ابن الكلبى. وقال ابن الجوزى: لليلتين خلتا منه. وفيهما نظر. فجمع فى بنى سالم بن عوف ببطن الوادى. ثم قدم المدينة. فبركت ناقتهصلى الله عليه وسلم على باب مسجده ثلاث مرات، وهو يومئذ مربد لسهل وسهيل ابنى عمرو، يتيمين فى حجر أسعد بن زراة. ويقال معاذ بن عفراء، فاشتراه ﷺ بعشرة دنانير. ونزل برحله ﷺ على أبى أيوب لكونه من أخوال عبد المطلب فأقام ﷺ عنده سبعة أشهر، وقيل: إلى صفر من السنة الثانية. وقال الدولابى: شهرا. فكان أول كلمة سمعت منه ﵊: «أفشو السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (١). وكان بالمدينة أوثان يعبدها رجال، فأقبل حينئذ قومهم عليها فهدموها. وبعث النبىصلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، وأبا رافع ببعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة، فقدما بفاطمة، وأم كلثوم، وسودة بنت زمعة، وأسامة بن زيد، وأمة بركة، المكناة: أم أيمن رضى الله عنهم. وخرج عبد الله بن أبى بكر رضى الله عنهما معهم بعيال أبيه. وكان ﷺ يصلى حيث أدركته الصلاة حتى بنى المسجد باللبن، وسقفه بالجريد، وجعل عمده خشب النخل، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: بابا فى مؤخره، وبابا يقال له: باب الرحمة، والباب الذى يدخل منه. وكان ﷺ يخطب إلى جذع فى المسجد. فلما اتخذ ﷺ المنبر ثلاث درجات بينه وبين الحائط ممر الشاة: خار عند ذلك الجذع كالبقرة أو الناقة: فنزل ﷺ واحتضنه حتى سكن، وقال: «لو لم ألتزمه لحن إلى يوم القيامة» (٢).

стр. 375

وكانت المدينة أوبأ أرض الله بالحمى، فأصاب أصحابه رضى الله عنهم منها بلاء وسقم، فدعى بنقل ذلك الوباء إلى مهيعة، وهى الجحفة. وبعد مقدمه بخمسة أشهر، وقال أبو عمر: بثمانية: آخى ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا من كل طائفة أربعون. وقيل: مائة على الحق والمواساة والتوارث. وكانوا كذلك إلى أن نزل بعد بدر: (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً) [الأحزاب: ٦]. وكتب كتابا بين المهاجرين وادع فيه يهود، وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم. واشترط عليهم، وشرط لهم ﷺ . وبنى بعائشة رضى الله عنها على رأس تسعة أشهر. وقيل: ثمانية عشر شهرا فى شوال. وأرى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الأذان. وقيل: كان ذلك فى السنة الثانية. وبعد شهر من مقدمه ﷺ المدينة زيد فى صلاة الحضر، لاثنى عشر خلت من ربيع الأول. قال الدولابى: يوم الثلاثاء. وقال السهيلى: بعد الهجرة بعام أو نحوه. وكانت الصلاة قبل الإسراء: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. قال الدولابى: وروى عن عائشة وأكثر الفقهاء: أن الصلاة نزلت بتمامها. [الغزوات والسرايا] [سرية حمزة إلى سيف البحر] (١) وعلى رأس سبعة أشهر عقد ﷺ لعمه حمزة رضى الله عنه فى شهر رمضان لواء أبيض، وأمره على ثلاثين رجلا من المهاجرين. وقيل: ومن الأنصار. وقيل: فى ربيع الأول سنة اثنتين. وقيل: بعد انصرافه ﷺ من الأبواء. وقيل: بعد ربيع الآخر يعترض عيرا

стр. 376

لقريش، فيها أبو جهل فى ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فلما تصافوا حجز بينهم نجدى بن عمرو الجهنى. [سرية عبيدة بن الحارث إلى بطن رابغ] (١) ثم سرية عبيدة بن الحارث إلى بطن رابغ فى شوال، وتعرف: بودان، فى ستين رجلا تلقى أبا سفيان، وكان على المشركين. وقيل: مكرز بن حفص. وقيل: عكرمة ابن أبى جهل. ورمى فيها سعد بن أبى وقاص بسهم، فكان أول سهم رمى فى الإسلام. وأما ابن إسحاق: فيزعم أن هذه أول راية عقدت. قال: وإنما أشكل أمرهما؛ لأن النبى ﷺ شيعهما جميعا. وذكر أبو عمر: أن أول راية عقدت لعبد الله بن جحش. [سرية سعد بن أبى وقاص إلى الخرار] (٢) ثم سرية ابن أبى وقاص إلى الخرار: واد بالحجاز نصب فى الجحفة فى ذى القعدة فى عشرين رجلا. وقال أبو عمر: كانت بعد بدر. وقال ابن حزم نحوه. وقال: كانوا ثمانية يعترض عيرا لقريش، فخرجوا على أقدامهم فصبحوها صبح خامسة، فوجدوا العير قد مرت بالأمس. [غزوة الأبواء] (٣) ثم غزوة الأبواء: جبل بين مكة والمدينة. ويقال لها: ودان، فى صفر سنة اثنتين يعترض عيرا لقريش، فغاب خمسة عشر يوما، ولم يلق ﷺ كيدا. ووادع ﷺ بنى ضمرة. [غزوة بواط] (٤) ثم غزوة بواط: جبل لجهينة من ناحية رضوى بينه وبين المدينة أربعة برد فى ربيع

стр. 377

الأول. وقيل: الآخر، فى مائتين يعترض عيرا فيها أمية بن خلف، فرجع ولم يلق كيدا. [غزوة بدر الأولى (١)] ثم غزا ﷺ فى ربيع الأول يطلب كرز بن جابر الفهرى لإغارته على سرح المدينة، حتى بلغ صفوان من ناحية بدر فلم يلحقه. وتسمى: بدر الأولى. وذكرها ابن إسحاق بعد العشيرة بليال. قال ابن حزم: بعشرة أيام. [غزوة ذات العشيرة (٢)] ثم غزا ﷺ ذات العشيرة، موضعا لبنى مدلج بناحية ينبع فى جمادى الآخرة. وقيل: الأولى، فى خمسين ومائة. وقيل: مائتى رجل، ومعهم ثلاثون بعيرا يعتقبونها يعترض عيرا لقريش ففاتته بأيام، ووادع ﷺ بنى مدلج. ورجع ولم يلق كيدا. [سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة] (٣) ثم سرية أمير المؤمنين المخدع فى الله، عبد الله بن جحش رضى الله عنه، إلى نخلة على ليلة من مكة فى رجب فى اثنى عشر مهاجرا. ويقال: ثمانين يترصد قريشا، فمرت به عيرهم تحمل زبيبا وأدما من الطائف فيها عمرو بن الحضرمى، فتشاور المسلمون، وقالوا: نحن فى آخر يوم من رجب، فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر، وإن تركناهم الليلة دخلوا حرم مكة. فأجمعوا على قتلهم، فقتلوا عمرا واستأسروا أسيرين، وهرب من هرب. واستاقوا العير، فكانت أول غنيمة فى الإسلام. فقسمها ابن جحش، وعزل الخمس وذلك قبل أن تفرض. ويقال: بل قدموا بالغنيمة كلها. فقال النبى ﷺ : «ما أمرتكم بالقتال فى الشهر الحرام». فأخر أمر الأسيرين والغنيمة حتى رجع من بدر، فقسمها مع غنائمها. وتكلمت قريش: بأن محمدا سفك الدم، وأخذ المال فى الشهر الحرام، فأنزل الله

стр. 378

تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) [البقرة: ٧]. فلما كان يوم الثلاثاء، الظهر، نصف شعبان: حولت القبلة إلى الكعبة. وقيل يوم الاثنين بعد رجب. وفرض صيام رمضان. وزكاة الفطر قبل العيد بيومين. وقال ابن سعد: قبل فرض زكاة الأموال. وقيل: إن الزكاة فرضت فيها. وقيل: قبل الهجرة. [غزوة بدر الكبرى] (١) ثم غزا ﷺ بدر الكبرى: وتسمى: العظمى، وتسمى: الثانية، وتسمى: بدر القتال. يتلقى عيرا لقريش فيها أبو سفيان بن حرب، يوم السبت لثنتى عشرة خلت من رمضان. ويقال: لثلاث خلون منه ومعه الأنصار. ولم يكن قبل ذلك خرجت معه وعدتهم ثلاثمائة وخمسين، وثمانية لم يحضروها، إنما ضرب بسهمهم وأجرهم فكانوا كمن حضرها. ويقال: كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر. ويقال: وتسعة عشر. ويقال: وخمسة عشر. ويقال: وثمانية عشر. ويقال: وأربعة عشر. ويقال: وستة عشر. معهم ثلاثة أفراس. وكان المشركون ألفا. ويقال: تسعمائة وخمسين رجلا، معهم مائة فرس وسبعمائة بعير. وكان قتالهم يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان. وقيل: يوم الاثنين. وقيل: لإحدى عشرة بقيت أو لتسع عشرة خلت. ويقال: لاثنتى عشرة خلت ويقال: لثلاث خلون منه. واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا. ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون، وانهزم الباقون. وغنم ﷺ متاعهم.

стр. 379

وأرسل زيد بن حارثة رضى الله عنه بشيرا. فوصل المدينة يوم الأحد ضحى، وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية ابنته ﷺ . وفودى بالأسرى بأربعة آلاف فما دونها. سرية عمير (١) ثم سرية عمير بن عدى الخطمى لخمس ليال بقين من رمضان إلى عصماء بنت مروان، زوج يزيد بن زيد الخطمى. وكانت تعيب الإسلام، وتؤذيه ﷺ وتحرض عليه. فجاءها ليلا، وكان أعمى فبعج بطنها بالسيف. وأخبره ﷺ بذلك، وقال: لا تنتطح فيها عنزان. وفى أول شوال صلى صلاة الفطر. غزوة بنى سليم (٢) وفى أوله أيضا، ويقال: بعد بدر بتسعة أيام. ويقال: فى نصف المحرم سنة ثلاث. ويقال: لست خلون من جمادى الأولى من السنة المذكورة: خرج ﷺ يريد بنى سليم، فبلغ ماء يقال له: الكدر. ويعرف: بغزوة قرقرة. ويقال: قرارة الكدر. ويقال: نجران. فأقام عليه ثلاثا. ويقال: عشرا، فلم يلق أحدا. ويقال: كانت غيبته خمس عشرة ليلة. وذكرها ابن سعد بعد غزوة السويق. سرية أبى عفك ثم سرية سالم بن عمير، فى شوال إلى أبى عفك اليهودى. وكان شيخا كبيرا يقول الشعر، ويحرض على النبى ﷺ ، فقتله. غزوة بنى قينقاع (٣) ثم غزوة بنى قينقاع ـ بطن من يهود المدينة، لهم شجاعة وصبر ـ وكانوا حلفاء عبد الله بن أبى، وأول يهود نقضوا العهد وأظهروا البغى والحسد يوم السبت نصف شوال، فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذى القعدة. فقذف الله فى قلوبهم

стр. 380

الرعب، ونزلوا على حكمه ﷺ ، وأن له أموالهم ولهم النساء والذرية فلحقوا بأذرعات، فما كان أقل بقائهم بها. وأخذ من حصنهم سلاحا، وآلة كثيرة. قال الحاكم: هذه وبنى النضير واحدة، وربما اشتبها على من لا يتأمل. غزوة السويق (١) ثم غزوة السويق؛ لأنه كان أكثر زاد المشركين، وغنمه منهم المسلمون يوم الأحد لخمس خلون من ذى الحجة. وقال ابن إسحاق فى صفر، يطلب أبا سفيان فى ثمانين راكبا، لحلفه: أن لا يمس النساء والدهن حتى يغزو محمدا. فخرج فى مائتى راكب، وقيل: أربعين، حتى أتى العريض ـ ناحية من المدينة على ثلاثة أميال ـ فحرق نخلا، وقتل رجلا من الأنصار وأجيرا له، ورأى أن يمينه قد حلت، ففاته ورجع ﷺ بعد غيبته خمسة أيام. ثم سرية [ ............. ] (٢) وفى ذى الحجة صلى صلاة العيد وأمر بالأضحية. سرية كعب بن الأشرف (٣) ثم سرية محمد بن سلمة، وأربعة معه إلى كعب بن الأشرف النضيرى. ويقال: النبهانى الشاعر، لأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وكان يؤذى النبى ﷺ وأصحابه. فقتله الله فى داره ليلا. فأصاب الحارث بن أوس ليلتئذ جراحة، فتفل عليها النبى ﷺ فلم تؤذه بعد. وخافت عند ذلك يهود.

стр. 381

غزوة غطفان (١) ثم غزا ﷺ غطفان إلى نجد لثنتى عشرة مضت من ربيع الأول فى أربعمائة وخمسين فارسا. قال ابن إسحاق: فى صفر، وهى غزوة ذات آمر، وسماها الحاكم: غزوة أنمار. وفيها أراد دعثور بن الحارث المحاربى: الفتك به ﷺ ، فمنعه الله منه، ووقع السيف من يده، فأخذه النبى ﷺ ، فأسلم دعثور. وقيل: كان ذلك فى ذات الرقاع. والله أعلم. ثم رجع النبى ﷺ بعد غيبته إحدى عشرة ليلة، ولم يلق كيدا. سرية القردة (٢) ثم سرية زيد بن حارثة: فى مائة راكب إلى القردة. ويقال: بألف ـ ماء من مياه نجد، بها مات زيد الخيل لهلال جمادى الآخرة. ذكرها ابن إسحاق قبل قتل ابن الأشرف ـ يعترض عيرا لقريش فيها صفوان بن أمية فأصابوها، فبلغ خمسة وعشرين ألف درهم وأسر فرات ابن حيان، فأسلم. وتزوج ﷺ حفصة بنت عمر رضى الله عنهما فى شعبان. وقال ابن عبيدة: سنة اثنتين. ويقال: بعد أحد؛ لأن زوجها خنيس بن حذافة شهد أحدا، ومات فى تلك الأيام من جراحه. وتزوج ﷺ زينب بنت خزيمة أم المساكين فى رمضان قبل أحد بشهر. غزوة أحد (٣) ثم غزوة أحد: جبل بالمدينة على أقل من فرسخ منها، به قبر هارون ﵇. ويقال له: ذو عينين، يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال.

стр. 382

ويقال: لإحدى عشرة ليلة خلت منه. ويقال: للنصف منه. قال مالك: كانت بعد بدر بسنة. وعنه: كانت على أحد وثلاثين شهرا من الهجرة. وذلك أن قريشا تجمعت لقتاله ﷺ فى ثلاثة آلاف رجل منهم، فمنهم: سبعمائة دارع، ومائتا فارس، وثلاثة آلاف بعير، وخمس عشرة امرأة. والمسلمون ألف رجل. ويقال: تسعمائة. فانخزل ابن أبى فى ثلاثمائة. ويقال: إن النبى ﷺ أمرهم بالانصراف لكفرهم، بمكان يقال له: الشوط. ويقال: بأحد عند التصاف. وقال النبى ﷺ للرماة: «لا تتغيروا من مكانكم» فلما تغيروا هزموا. وقتل من المسلمين سبعون، منهم: حمزة رضى الله عنه بحربة وحشى. وأسر سبعون. ويقال: خمسة وستون. وأصيب ﷺ ، وشج جبينه وكسرت رباعيته إلى غير ذلك مما أصابه ﷺ ، ولم يثبت معه ﷺ يومئذ إلا أربعة عشر رجلا. وقتل ﷺ بيده أبى بن خلف. وصلى الظهر يومئذ قاعدا. وانقطع سيف عبد الله بن جحش يومئذ فأعطاه النبى ﷺ عرجونا فصار فى يده سيفا، ولم يتناول حتى اشتراه بغا التركى. وكذا جرى لعكاشة وسلمة بن أسلمة فى بدر. وقتل من المشركين ثلاثة. ويقال: اثنين وعشرين رجلا. وكان ﷺ قد رد جماعة من المسلمين لصغرهم. وصلى ﷺ على حمزة والشهداء من غير غسل. وهذا إجماع إلا ما شذ به بعض التابعين. ويقال: بل غسلوا. وفى الكامل لأبى عدى: أمرهم النبى ﷺ بذلك. ورجع النبى ﷺ فى يومه آخر النهار. غزوة حمراء الأسد (١) ثم غزا ﷺ حمراء الأسد. وهى ثلاثة أميال من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة لطلب عدوهم بالأمس. ونادى ﷺ أن لا يخرج إلا من شهدا أحدا. فأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ودخل المدينة يوم الجمعة. وقد غاب خمسا.

стр. 383

وحرمت الخمر فى شوال، ويقال: سنة أربع. سرية قطن ثم سرية أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسد، هلال المحرم إلى قطن ـ جبل بناحية فيد. وقيل: ماء من مياه بنى أسيد بنجد ـ معه مائة وخمسون رجلا لطلب طليحة، وسلمة ابنى خويلد الأسديين فلم يجدوهما، ووجدوا إبلا وشاء ولم يلقوا كيدا. قال أبو عبيد البكرى: وقتل بها عروة بن مسعود. سرية عرنة ثم سرية عبد الله بن أنيس وحده إلى سفيان بن خالد الهذلى بعرنة، وهو وادى عرفة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم؛ لأنه بلغه ﷺ أنه يجمع لحربه. فقال له عبد الله: جئتك لأكون معك. ثم اغتره فقتله، وغاب ثمان عشرة ليلة. وقدم يوم السبت لسبع بقين منه. سرية بئر معونة (١) ثم سرية المنذر بن عمرو إلى بئر معونة لبنى عامر بن صعصعة. وقيل: قرب حرة بنى سليم فى صفر على رأس ستة ثلاثين شهرا من الهجرة. وقيل: أربعون معه القراء وهم سبعون. وقيل: أربعون. وقيل: ثلاثون، أرسلهم مع أبى براء ملاعب الأسنة ليدعوا أهل نجد إلى الإسلام. فخرج عليهم عامر بن الطفيل بجمع من بنى عامر ورعل وذكوان وعصية، فقتلوهم من عند آخرهم، إلا كعب بن زيد وعمرو بن أمية الضمرى، فكان ﵇ يدعو عليهم فى صلاته حينا. غزوة الرجيع (٢) ثم سرية مرثد بن أبى مرثد الغنوى إلى الرجيع ـ ماء لهذيل بين مكة وعسفان بناحية الحجاز ـ فى صفر. وعدتهم: عشرة. ويقال: ستة.

стр. 384

وذلك أن رهطا من عضل والقارة سألوا النبى ﷺ أن يرسل معهم من يعلمهم شرائع الإسلام. فلما كانوا بين عسفان ومكة غدروا بهم فقتلوهم إلا خبيب بن عدى، وزيد ابن الدثنة، فإنهم أسروهما وباعوهما فى مكة، فقتلا بها. وصلى خبيب قبل قتله ركعتين. فكان أول من سنهما. وقيل: بل أسامة بن زيد حين أراد المكرى الغدر به. قلت: روى ابن عبد البر فى الاستيعاب بسنده إلى الليث بن سعد قال: بلغنى أن زيد ابن حارثة اكترى من رجل بغلا من الطائف، فاشترط عليه المكرى أن ينزله حيث شاء، قال: فمال به إلى خربة، فقال: أنزل، فإذا فى الخربة قتلى كثيرة، قال: فلما أراد أن يقتله، قال له: دعنى أصلى ركعتين، قال: صل، فقد صلاهما قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئا. انتهى. وفى الخبر: أنه نجا بعد أن قال: يا أرحم الراحمين ثلاث مرات. وليس فيه ذكر لأسامة، فتكون القصة لأبيه، ولا يعرف لأسامة فى هذا قصة. والله أعلم. غزوة بنى النضير (١) ثم غزوة بنى النضير: فى ربيع الأول سنة أربع وجعلها ابن إسحاق بعد بئر معونة، والزهرى بعد بدر بستة أشهر. فحاصرهم خمسة عشر يوما. وقيل: ستة أيام؛ لأنهم نقضوا عهده وأرادوا قتله. فخرب وحرق، وقذف الله فى قلوبهم الرعب. فأجلاهم إلى خيبر. غزوة بدر الصغرى (٢) ثم غزوة بدر الموعد، وهى الصغرى هلال ذى القعدة. ويقال: فى شعبان بعد ذات الرقاع. وذلك: أن أبا سفيان قال يوم أحد: الموعد بيننا وبينكم بدر رأس الحول. فقال النبىصلى الله عليه وسلم: نعم.

стр. 385

فخرج ومعه ألف وخمسمائة وعشرة أفراس، فأقاموا بها ثمانية أيام، وباعوا ما معهم من التجارة، فربحوا الردهم درهمين. وخرج أبو سفيان ومعه ألفان حتى إذا انتهى إلى مر الظهران. وقيل: عسفان رجع؛ لأنه كان عام جدب، فأنزل الله تعالى فى المؤمنين فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) [آل عمران: ١٧٤]. غزوة ذات الرقاع (١) ثم غزوة ذات الرقاع وسميت بذلك: لأنهم رقعوا راياتهم. وقيل: شجرة تعرف بذات الرقاع. وقيل: بجبل أرضه متلونة. وفى البخارى: لأنهم لفوا على أرجلهم الخرق لما نقبت. قال الداودى: لأن صلاة الخوف كانت فيها. فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها. وكانت الغزوة فى المحرم يوم السبت لعشر خلون منه. وقيل سنة خمس. وقيل: فى جمادى الأولى سنة أربع. وذكرها البخارى بعد غزوة خيبر مستدلا بحضور أبى موسى الأشعرى فيها. وفى ذلك نظر، لإجماع أهل السير على خلافه. ويقال: قبل بدر الموعد. وقيل: فى ربيع الأول. وذلك: أن النبى ﷺ بلغه أن أنمار بن ثعلبة قد جمع الجموع فخرج فى أربعمائة. وقيل: سبعمائة. فوجد أعرابا هربوا فى الجبال ونسوة فأخذهن وغاب خمسة عشر يوما. غزوة دومة الجندل (٢) ثم غزوة دومة الجندل ـ مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال، وبعدها من المدينة: خمس أو ست عشرة ليلة ـ سميت بدومة بن إسماعيل، لخمس ليال بقين من ربيع الأول،

стр. 386

لما بلغه ﷺ أن بها جمعا كبيرا يظلمون الناس فلم يجد بها إلا نعما وشاه، فأصاب منهم، وأقام بها أياما، وبث السرايا فرجعوا، ولم يصب منهم أحد. ووادع ﷺ عيينة بن حصن الفزارى. وكان دخوله المدينة فى العشرين من ربيع الآخر. وماتت أم عائشة، رضى الله عنها. وفى ليال بقين من شوال تزوج ﷺ أم سلمة هند ابنة أبى أمية بن المغيرة. ويقال: تزوجها سنة اثنتين بعد بدر. ويقال: قبل بدر. وفى ذى القعدة من هذه السنة تزوج ابنة عمته زينب بنت جحش. ويقال: تزوجها سنة ثلاث، ويقال: سنة خمس. قلت: جزم شيخنا العراقى بأنه تزوجها سنة ثلاث مع زينب بنت خزيمة. والله أعلم. انتهى. ونزلت آية الحجاب. وفى هذه السنة: أمر زيد بن ثابت بتعليم كتاب اليهود، ورجم اليهودى واليهودية. وفى جمادى الآخرة: خسف القمر وصلى ﷺ صلاة الخسوف وزلزلت المدينة. وسابق بين الخيل. وقيل فى سنة ست وجعل بينهما سبقا ومحللا. غزوة المريسيع (١) ثم غزوة المريسيع، ماء لخزاعة بينه وبين الفرع نحو من يوم، وبين الفرع والمدينة نحو ثمانية برد. ويقال لها: غزوة بنى المصطلق، وهم بنو جذيمة بن سعد بطن من خزاعة يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس. وقال البخارى: كانت سنة ست. وقال عقبة: كانت سنة أربع. وكان الحارث بن أبى ضرار، وكان معه ﷺ بشر كثير، ومعهم ثلاثون فرسا، وأم سلمة وعكاشة، وتكلم أهل الإفك، وأسر من الكفار جمع عظيم.

стр. 387

وتزوج جويرية بنت الحارث رئيسهم حين جاءته تستعينه فى كتابتها، فأعتق الناس ما بأيديهم من الأسرى بمكان جويرية. وكانت غيبته ﷺ ثمانين وعشرون يوما. غزوة الخندق (١) ثم غزوة الخندق. وتسمى الأحزاب: فى ذى القعدة. وقال ابن عقبة: فى شوال سنة أربع. وقال ابن إسحاق: فى شوال سنة خمس. وذكرها البخارى قبل غزوة ذات الرقاع. وكان المشركون عشرة آلاف عليهم الحارث بن عوف النضرى، والمسلمون ثلاثة آلاف. وحفر النبى ﷺ الخندق فى ستة أيام بمشورة سلمان. وتداعوا إلى البراز وأقاموا على ذلك بضع عشرة ليلة، فمشى نعيم بن مسعود الأشجعى إلى الكفار ـ وهو مخف إسلامه ـ فثبط قوما عن قوم، وأوقع بينهم شرّا لقول النبى ﷺ له: «الحرب خدعة». وأرسل الله تعالى ريحا هزمهم بها. وأقام ﷺ بالخندق خمسة عشر يوما، وقيل: أربعا وعشرين يوما. وفرغ منه لسبع ليال بقين من ذى القعدة. وقال: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا» ودخل المدينة يوم الأربعاء. غزوة بنى قريظة (٢) ولما انصرف ووضع السلاح جاءه جبريل ﵇ الظهر. فقال: إن الملائكة ما وضعت السلاح بعد، إن الله تعالى يأمرك أن تسير إلى بنى قريظة، فإنى عامد إليهم

стр. 388

فمزلزل بهم فحاصرهم خمسة عشر يوما: وقيل: خمسا وعشرين، ونزلوا على حكم النبىصلى الله عليه وسلم. فحكم فيهم سعد بن معاذ وكان ضعيفا. فحكم بقتل الرجال، وقسم الأموال، وسبى الذرارى والنساء. فقال ﵇: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك». وفرغ منهم يوم الخميس لخمس ليال خلون من ذى الحجة، واصطفى لنفسه منهم ريحانة فتزوجها. وقيل: كان يطؤها بملك اليمن. وفى هذه السنة فرض الحج. وقيل: سنة ست. وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان. ورجحه جماعة من العلماء. وقيل: غير ذلك. سرية القرطاء ثم سرية محمد بن مسلمة فى ثلاثين راكبا إلى القرطاء من بنى أبى بكر بن كلاب بناحية ضرية بالبكرات، على سبع ليال من المدينة، لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست، ويقال: على رأس تسعة وخمسين شهرا من الهجرة. فلما أغار عليهم هرب سائرهم، وغنم منهم غنائم. وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم، ومعه ثمامة بن أثال الحنفى أسيرا. وكانت غيبته تسع عشرة ليلة. غزوة بنى لحيان (١) ثم غزوة بنى لحيان فى مائة رجل فى ربيع الأول. وذكرها ابن إسحاق فى جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من قريظة. قال ابن حزم: الصحيح أنها فى الخامسة، حتى انتهى إلى غران ـ واد بين أمج وعسفان ـ وهناك أصيب أهل الرجيع، فرحم عليهم. وسمعت به ﷺ بنو لحيان فهربوا فلم يقدر منهم على أحد. فأقام يوما أو يومين يبعث السرايا فى كل ناحية، فأتى عسفان فبعثصلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى كراع الغمة، فلم يلق أحدا فانصرف إلى المدينة. وقد غاب تسع عشرة ليلة، وهو يقول: «آيبون تائبون، لربنا حامدون». غزوة الغابة (٢) ثم غزوة الغابة، وتعرف بذى قرد، ماء على بريد من المدينة فى ربيع الأول.

стр. 389

وقال أبو عمر: بعد بنى لحيان بليال. فأغار على المدينة عيينة بن حصن الفزارى ليلة الأربعاء فى أربعين فارسا، فاستاق نعما. وقتل ابن أبى ذر وآخر من غفار وسبوا امرأته. وقال البخارى: كانت قبل خيبر بثلاثة أيام. وفى مسلم نحوه. وفى ذلك نظر لإجماع أهل السير على خلافهما. فخرج ﵇ فى خمسمائة. وقيل: سبعمائة. وخلف ﷺ سعد بن عبادة فى ثلاثمائة يحرسون المدينة. وصلى ﷺ صلاة الخوف. وأقام يوما وليلة. ورجع وقد غاب خمس ليال. سرية غمر مرزوق (١) ثم سرية عكاشة بن محصن إلى غمر مرزوق، ماء لبنى أسد على ليلتين من فيد فى ربيع الأول ومعه أربعون رجلا. فغنم ولم يلحق كيدا. سرية ذى القصة (٢) ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذى القصة موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا فى ربيع الأول، ومعه عشرة إلى بنى ثعلبة، وكانوا مائة، فقتلوهم إلا ابن مسلمة. فبعث النبى ﷺ أبا عبيدة بن الجراح فى ربيع الآخر. ومعه أربعون رجلا إلى مصارعهم فوجد هناك رجلا أسلم حين أسر ونعما وشاء فغنموه. سرية بنى سليم (٣) ثم سرية زيد بن حارثة إلى بنى سليم بالجموم. ويقال: بالجموح ـ ناحية ببطن نخل ـ من المدينة على أربعة أميال فى ربيع الآخر. فغنموا نعما وشاء. ثم أرسله أيضا إلى العيص على أربعة أميال من المدينة فى جمادى الأولى، ومعه

стр. 390

سبعون راكبا يعترض عيرا لصفوان بن أمية فأسر منهم ناسا، منهم: أبو العاص بن الربيع فأجازته زوجته زينب ابنة النبى ﷺ . ورد عليه ما أخذه. وذكر ابن عقبة: أن أسره كان على يد أبى نصير بعد الحديبية. وقد تقدم. ثم أرسله إلى الطرف ماء على ستة وثلاثين ميلا من المدينة فى جمادى الآخرة. ومعه خمسة عشر رجلا إلى بنى ثعلبة. فأصاب نعما وشاء. ثم أرسله أيضا إلى حسمى ـ وراء ذات القرى ـ فى جمادى الآخرة، ومعه خمسمائة رجل إلى قوم من جذام قطعوا على دحية بن خليفة الطريق. فقتل فيهم زيد قتلا ذريعا، وأصاب مغانم كثيرة. فرحل زيد بن رفاعة الجذامى إلى النبى ﷺ فذكره بكتابه الذى كان كتبه لقومه. فرد النبى ﷺ ما أخذ زيد كله عليهم. ثم أرسله إلى وادى القرى فى رجب فقتل من المسلمين قتلى وارتث زيد. سرية دومة الجندل ثم سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل فى شعبان يدعو أهلها إلى الإسلام فأسلم أناس كثير، منهم: الأصبغ بن عمرو الكلبى وكان نصرانيا، فتزوج ابنته تماضر، فولدت له أبا سلمة ومن لم يسلم ضرب عليه الجزية. سرية بنى سعد (١) ثم سرية على بن أبى طالب رضى الله عنه فى شعبان، ومعه مائة رجل إلى بنى سعد ابن بكر بفدك لتجمعهم لإمداد اليهود. فغنم نعما وشاء. سرية أم قرمة (٢) ثم سرية زيد بن حارثة إلى أم قرمة فاطمة بنت ربيعة بن بدر الفزارية بناحية وادى القرى على سبع ليال من المدينة فى رمضان، فأخذها فربطها بين بعيرين حتى ماتت. وفى مسلم: كان أمير هذه السرية أبو بكر رضى الله عنه.
следующие страницы →