وذكر: أنه كتب لتلك العلوم ديباجة لكل مصحف عدة أوراق بين فيها ما وضعه فيه من العلوم.
ووجدت بخطه: أنه لما بلغ من العمر سبع عشرة سنة: حببه الله فى كتابة القرآن ووفقه لذلك حتى كتب مدة فى كل أربعين يوما مصحفا، ثم كتب مدة فى كل ثلاثين يوما مصحفا، وأنه حفظ عدة كتب وعرضها، واشتغل بعدة علوم، وبكتابة الخط المنسوب على عدة مشايخ، وبالقراءات السبع على عدة مشايخ، كل ذلك ببلدة حلب، قبل سنة ثلاث وستين، وأنه رحل إلى مصر من بلده لطلب العلم والقراءات، والكتابة على الشهاب غارى، فعاد بقصده.
ووجدت بخطه: أنه روى الشاطبية عن عدة مشايخ، منهم العسقلانى. انتهى بالمعنى.
وقد جاور المذكور بالحرمين عدة سنين. ومقامه بمكة نحو خمس عشرة ـ فيما أظن ـ وسافر منها إلى بلاد اليمن، وعاد إليها، وذلك فى سنة خمس وثمانمائة.
ولم يزل بها حتى توفى فى السادس والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع عشرة وثمانمائة بمكة. ودفن بالمعلاة. وله من العمر سبعون سنة أو أزيد.
* * *
من اسمه محمد بن إدريس
١٠٠ ـ محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ابن عبد بن زيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصى بن كلاب القرشى، الإمام، البحر، المجتهد، أبو عبد الله، الشافعى، المكى:
ولد سنة خمسين ومائة بغرة من أرض الشام، على الصحيح. وقيل: بعسقلان (١).
стр. 527
وقيل: باليمن. وهذان القولان حكيا عنه.
وقيل: ولد بمنى، حكاه ابن معين فى التنقيب. ثم حمل إلى مكة وله سنتان.
وحكى عنه: أنه قدم مكة، وهو ابن عشر أو نحوها.
وحكى عنه: أنه حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، والموطأ وهو ابن عشر سنين.
وسمع الحديث بمكة على جماعة، منهم: سفيان بن عيينة، وسعيد بن سالم القداح، ومسلم بن خالد الزنجى، فقيه مكة. وأذن له فى الإفتاء، وله دون العشرين سنة.
وقيل: إنه أفتى، وهو ابن خمس عشرة سنة، ثم رحل إلى المدينة، ولازم بها الإمام مالك بن أنس رضى الله عنه مدة، يأخذ عنه العلم.
وسمع بالمدينة من إسماعيل بن جعفر، وجماعته.
ثم رحل إلى العراق، فقدم بغداد سنة خمس وتسعين، وأقام بها حولين، واجتمع عليه علماؤها، وأخذوا عنه.
وصنف كتابه القديم. ثم خرج إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين وأقام بها شهرا.
ثم خرج إلى مصر، وصنف بها كتبه الجديدة، ونشر بها العلم، وأقام بها حتى مات آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين. ودفن بالقرافة. وقد زرت قبره ـ بحمد الله ـ مرارا.
وله كرامات ظاهرة. منها: أنه قال للبويطى: تموت فى قيودك. فمات فيها.
وقال للمزنى: يكون لك بعدى سوق يعظم به شأنك عند الملوك وغيرهم.
وقال لابن عبد الحكم: تنتقل إلى مذهب أبيك. وكان مالكيا، فانتقل إليه.
وقال للربيع المرادى: أنت رواية كتبى. فعاش بعده قريبا من سبعين سنة، ورحل الناس إليه من أقطار الأرض لسماعها.
ومناقبه كثيرة. وقد صنف فيها جماعة منهم الحاكم والبيهقى.
стр. 528
١٠١ ـ محمد بن إدريس بن عمر، المكى، أبو بكر، وراق الحميدى:
روى عن: بكر بن خلف ـ ختن أبى عبد الرحمن المقرى ـ وعثمان بن يمان الحدانى، ومحرز بن سلمة العدنى.
وذكر ابن زبر فى وفياته: أنه توفى فى ذى الحجة سنة سبع وستين ومائتين.
١٠٢ ـ محمد بن إدريس بن غانم بن مفرح العبدرى، الشيبى، المكى، المعروف بأبى راجح:
شيخ الحجبة، وفاتح الكعبة. ذكر لى غير واحد من أهله، وغيرهم: أنه ولى مشيخة الحجبة، يعنى فتح الكعبة أربعين سنة. وعندى فى ذلك نظر، فإنه كان فى أوائل القرن الماضى.
وكان أحمد بن ديلم فى أوائل القرن شيخا، بل كان شيخا فى آخر القرن الذى قبله، وولى بعده علىّ بن بجير، ومن المستبعد: أن يكون أبو راجح ولى قبلهما، أو فى حياتهما. وأما بعدهما فلا يمكن أن يكون ولى هذه المدة؛ لأنه يلزم من ذلك أن يكون عاش إلى أواخر عشر الستين وسبعمائة. وكان الشيخ فى هذا التاريخ: محمد بن أبى بكر الشيبى ـ الآتى ذكره.
ولعل المذكور: باشر حجابة الكعبة أربعين سنة بعضها شيخا، وبعضها من جملة الحجبة.
ولم أدر متى مات إلا أن بعض أقاربه ذكر لى ما يدل على: أنه كان فى عشر الأربعين وسبعمائة والله أعلم.
١٠٣ ـ محمد بن إدريس بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم، الحسنى، المكى:
أمير مكة. ذكر الشيخ تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد اليمنى، فى كتاب «بهجة الزمن فى تاريخ اليمن» أن الأمير بيبرس الجاشنكير (١) لما حج فى سنة إحدى وسبعمائة
стр. 529
أمر بمكة أبا الغيث، ومحمد بن إدريس وخلفهما لصاحب مصر.
فأقام أبو الغيث أياما، وأخرج من مكة محمد بن إدريس، واستبد بالإمرة، وجرت بينهما حروب كثيرة، وقتل فيها جماعة من الأشراف.
وكاتب أبو الغيث السلطان ـ يعنى المؤيد صاحب اليمن ـ وبذل الخدمة والنصيحة والرهينة، فقبل ذلك منه. انتهى.
ولم يزد الشيخ تاج الدين المذكور فى نسب محمد بن إدريس المذكور على اسم أبيه.
ورأيت ما يخالف ما ذكره فى تأمير الجاشنكير لمحمد بن إدريس هذا بمكة؛ لأن كلام بيبرس الدوادار فى تاريخه يدل على: أن الأمير بيبرس إنما أمر بمكة فى هذا التاريخ أبا الغيث، وأخاه عطيفة ابنى أبى نمى. والله أعلم بالصواب.
وبلغنى: أن أبا نمى أمير مكة جعل لمحمد بن إدريس هذا ربع ما يتحصل لأمير مكة فى كل سنة، ولكنه لم يجعل له ولاية بمكة، وأن أبا نمى كان كثير الاغتباط بمحمد بن إدريس هذا. ويقول فيه ـ لكثره اغتباطه به إذا رآه ـ: هنيئا لمن هذا ولده. وأن بعد موت أبى نمى: أشار بعض الناس على أولاد أبى نمى بقتل محمد بن إدريس هذا. وقال لهم: لا يتم لكم معه أمر إلا إن قتلتموه. فتشاوروا فى ذلك، وذكروه لحميضة بن أبى نمى، فلم يوافق على ذلك حميضة، وأعرضوا عن قتل محمد بن إدريس.
وكان بعد ذلك بين إخوته أولاد إدريس، وأولاد أبى نمى حروب كثيرة، منها، فى شهر واحد، شهر رمضان: بضع وعشرون لقية. والله أعلم بحقيقة ذلك.
стр. 530
١٠٤ ـ محمد بن أسعد الثعلبى، أبو سعيد، المكى، ثم المصيصى:
روى عن: زهير بن معاوية، وأبى إسحاق الفزارى، وعبثر بن القاسم، وابن المبارك. روى عنه: عبد الله بن عبد الرحمن، ومحمد بن المثنى وغيرهم.
قال أبو زرعة: منكر الحديث. ذكره الذهبى، فى تاريخ الإسلام.
١٠٥ ـ محمد بن أيوب المكى:
أخذ مع جماعة فى الزندقة، فأقروا، فاستتابه المهدى العباسى، وذلك فى سنة ست وستين ومائة.
١٠٦ ـ محمد بن الأسود بن خلف بن بياضة الخزاعى:
من أهل مكة. يروى عن عمرو بن العاص. روى عنه عمرو بن عبيد الله بن صفوان الجمحى.
ذكره ابن حبان فى الطبقة الثانية من الثقات.
١٠٧ ـ محمد بن أصلم الناصرى، الأمير، ناصر الدين، ابن الأمير بهاء الدين:
أظنه كان من العسكر الذى أنفذه الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون ـ صاحب الديار المصرية والشامية ـ فى سنة ستين وسبعمائة إلى مكة لحسم مواد الفساد منها، وتقوية لمن ولاه إمرتها، وهو محمد بن عطيفة بن أبى نمى، وسند بن رميثة بن أبى نمى.
وكان مقدم هذا العسكر: الأمير جركتمر المازونى حاجب الحجاب بالقاهرة. وفيه عدة أمراء سواه، منهم شهاب الدين أحمد بن أصلم ـ أخو المذكور.
وكانت وفاة المذكور فى يوم السبت تاسع عشرين جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وسبعمائة بمكة. ودفن بالمعلاة.
نقلت وفاته من حجر قبره بالمعلاة. وترجم فيه بتراجم كثيرة.
стр. 531
١٠٨ ـ محمد بن بركات بن أبى حزمى فتوح بن بنين بن عبد الرحمن بن عبد الجبار بن محمد المكى، المعروف بابن أبى حزمى:
ابن أخى: عبد الرحمن بن أبى حزمى ـ الآتى ذكره. كان كعمه يكتب الوثائق، وينقش أحجار القبور وغيرها. وعلى خطهما وضاءة.
ولم أدر متى مات، إلا أنه كان حيا فى شهر رمضان سنة اثنتى عشرة وستمائة؛ لأنى رأيت بخطه حجرا نقشه فى هذا التاريخ.
١٠٩ ـ محمد بن أبى البركات بن أبى الخير بن حمد الهمدانى، أبو عبد الله، الصوفى:
هكذا ذكره ابن مسدى فى معجمه قال: وذكر لى أنه قرأ فى صغره سورة الفاتحة على أبى العلاء الحافظ بهمدان، وأنه سافر وقد ترعرع، فقرأ القراءات بواسط على بعض المؤذنين، حتى حفظ الشواذ.
وصحب الشيخ أحمد بن على الرفاعى. ولبس منه، وأذن له يلبس عنه. هذا الذى سمعت منه قديما بديار مصر، ثم قال: وعلى ما ذكره من رواية أبى العلاء: يكون مولده بعد الخمس والخمسين وخمسمائة، فإنه قال: توفى وقد ترعرعت.
وكانت وفاة أبى العلاء بهمدان فى جمادى الأولى من سنة تسع وستين. فادعى بمكة أن مولده فى ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وخمسمائة. وأحسب أن الذى أخذه من عشر الستين جعله من عشر الخمسين.
ثم سمعته بمكة يقول: فى سنة ثمان وخمسين زدت على المائة ثلاث عشرة سنة. وأسمع فى هذه السنة صحيح البخارى بالإجازة العامة من أبى الوقت لمن أدرك حياته.
وسمع ذلك جماعة من العوام الذين لا يفهمون. فإنا لله وإنا إليه راجعون. يسمع هذا الكتاب الذى هو عمدة الإسلام بمثل هذا التلفيق إبراء إلى الله تعالى من عهدة الطريق. انتهى. باختصار لشيء من حال بن أبى البركات، يأتى ذكره. والسامعون عليه: جماعة من أهل مكة وغيرهم، والقارئ لهم عليه لذلك الفخر التوزرى ـ الآتى ذكره.
ووجدت بخط الميورقى: أن ابن أبى الخير ـ هذا ـ قال له: سمعت على أبى الوقت.
ورأيت فى أربعين الملك المظفر صاحب اليمن: أن ابن أبى الخير هذا دخل اليمن.
стр. 532
وادعى أنه حضر عند أبى الوقت السجزى، وسمع منه شيئا من صحيح البخارى، وأنه أجاز له. انتهى.
وإنما ذكرت هذا تعجبا لكونه فى البطلان أعجب من دعواه إجازة أبى الوقت العامة، وكيف تصح إذ ذاك إجازة أبى الوقت العامة فضلا عن السماع منه؟ وهو قد قال ما ينافى ذلك؛ لأن ابن مسدى نقل عنه: أنه كان حين مات الحافظ أبو العلاء العطار مترعرعا، والترعرع هو قرب البلوغ، وبين وفاة أبى الوقت ووفاة أبى العلاء العطار أزيد من سن الترعرع الذى ذكر ابن أبى البركات: أنه سنة حين مات الحافظ أبو العلاء. وهو مؤاخذ بقوله هذا، فيعمل بمقتضاه. وينتج ذلك: عدم إدراكه إجازة أبى الوقت العامة، فضلا عن السماع منه؛ لتقدم وفاة أبى الوقت على وفاة أبى العلاء بخمسة عشر عاما وتسعة أشهر وأيام. وهذا مما لا ريب فيه عند الحذاق. والله أعلم.
وذكر ابن مسدى شيئا من حال ابن أبى البركات هذا؛ لأنه قال: وكان قد سكن دمياط، وتمشيخ فيها للنساء وملن إليه. وكان الجماعة من أهل الطريق ينكرون ذلك عليه، منهم أبو الحسن، المعروف بابن قفل وغيره.
ثم تردد إلى مكة مرات لم يخل بيته قط من مجتمع نسائيات، لا يلتفت فى شيء من ذلك إلى كثرة الشناعة عليه. والله أعلم بما لديه.
ثم قال: وسافر عن مكة نحو الديار المصرية فى صدر سنة تسع وخمسين، ثم عاد إلى مكة فى آخر سنة ستين. انتهى.
ولم يذكر ابن مسدى وفاته. ووجدت بخط الميورقى: أنه توفى سنة اثنتين وستين وستمائة.
ووجدت بخط جد أبى الشريف أبى عبد الله الفاسى: أنه توفى سنة تسع وستين.
وما ذكره الميورقى فى وفاته: أقرب إلى الصواب. والله أعلم.
* * *
من اسمه محمد بن أبى بكر
١١٠ ـ محمد بن أبى بكر بن أحمد بن عمر بن عبد الله الذوالى، اليمنى الزبيدى، الشيخ جمال الدين، أبو عبد الله المعروف بالزوكى ـ بزاى مضمومة:
ولد فى رمضان سنة خمس وعشرين وسبعمائة، كان إماما فاضلا متفننا، وإليه انتهت
стр. 533
الرياسة باليمن فى علم الأدب. وكان حسن الخلق، سليم الصدر، مشهورا بالخير والصلاح.
وذكر: أنه أرى النبى ﷺ فى المنام، وقال له ما معناه: أن من قرأ عليه دخل الجنة. وقد أخذ عنه لذلك غير واحد من أهل العلم، منهم شيخنا الشريف تقى الدين عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى.
وكان يذكر له مكاشفة، وهى: أنه لما بلغه خبر هذه الرؤيا: عزم على الذهاب إليه ليقرأ عليه، فقصده الشيخ محمد الزوكى ـ هذا ـ إلى موضعه، وقرأ عليه شيخنا ـ المذكور ـ جانبا من مختصر ابن الحاجب الفرعى.
وسمعت شيخنا عبد الرحمن ـ المذكور ـ يقول: إنه سمع الشيخ محمد الزوكى ـ هذا ـ يقول: إنه رأى النبى ﷺ فى المنام وسأله عن وقوع الطلاق المنجز فى مسألة: كلما وقع عليك طلاقى، فأنت طالق قبله ثلاثا، فقال النبى ﷺ : يقع الطلاق المنجز.
وهذه المسألة مقررة فى كتب الفقه، وتعرف بالسريجية؛ لأن أبا العباس بن سريج وغيره من الأئمة الشافعية، يقولون بعدم الطلاق المنجز، باعتبار التعليق المتقدم ..
وفى هذه الرؤية رد عليهم وتأييد لقول من خالفهم، وهم أكثر العلماء، فإنهم: قالوا بوقوع المنجز. والله أعلم.
وذكر بعض العصريين: أن المذكور حج فى سنة تسع وستين وسبعمائة، ثم فى سنة اثنتين وسبعين، وجاور سنتين، ثم فى سنة إحدى وثمانين وسبعمائة.
ومات بمكة فى آخر شهر ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، ودفن ـ بعد صلاة الجمعة ـ بالمعلاة، بقرب خديجة رضى الله عنها.
وأخبرنى صاحبنا العفيف عبد الله بن محمد بن على العجمى، المكى: أن أباه مرض بالإسهال يرمى الدم، وأفرط به ذلك حتى صار يقوم فى اليوم والليلة نحو ستين مرة. وأن بعض أصحاب أبيه أتى إليه بالشيخ محمد الزوكى هذا، يزوره ويدعو له بالعافية، لاشتهاره عند أهل مكة بالخير والصلاح. فدعا الزوكى لأبيه، ولازمه أبوه فى الدعاء له بالعافية.
ثم إن الزوكى قال له: اكشف عن بطنك فكشف عنه، وكشف الزوكى عن بطنه، وألصق كل منهما بطنه بالآخر وتواخيا، وخرج الزوكى من عند المشار إليه، وبإثر خروجه عنه: قل رميه الدم وشفى عن قرب.
стр. 534
هذا معنى ما أخبرنى به العفيف العجمى.
ومن أحواله الجميلة ما حدثنى به مولانا القاضى الإمام تقى الدين عمر بن القاضى جمال الدين محمد بن عيسى اليافعى، قاضى عدن أبين بها، قال: بلغنى أن بعض أصحاب الفقيه الزوكى المذكور، كان عليه دين للقاضى جمال الدين بن الجلاد، أحد الحكام بعدن، وأن وكيله شوش بالطلب على من عليه الدين، فاستمهل المديان الوكيل أياما، وكلف المديان الفقيه الزوكى، السفر إلى عدن ليشفع له عند ابن الجلاد.
فأتى الزوكى إلى عدن وشفع عند ابن الجلاد فى حاجة صاحبه، فقبل شفاعته. وصرف ابن الجلاد للزوكى خمسمائة دينار فضة معاملة عدن كرامة للزوكى، فأبى أن يقبلها، وقال: إنما جئت للشفاعة، ولا أحب أن أنال فى سفرى غير ذلك.
هذا معنى ما حكاه لى القاضى تقى الدين اليافعى من خبر الزوكى فى هذه القصة.
وحكى أيضا: أن ابن الجلاد بعث بالدراهم للزوكى إلى زبيد.
وحكى لى أيضا: خبر رؤية الزوكى للنبى ﷺ وسؤاله من مسأله الطلاق، وجوابه فيها بما يوافق ما ذكرناه.
وذكر لى القاضى تقى الدين اليافعى: أن هذه الرؤيا كانت بعدن.
وأن من جملة رؤيا الزوكى: أنه سأل النبى ﷺ عن الذين يفضلون عليا رضى الله عنه على أبى بكر رضى الله عنه، فقال له النبى ﷺ : ليسوا على شئ. هذا معنى ما ذكر لى القاضى تقى الدين فى هذه النكتة أيضا.
١١١ ـ محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنهما:
يأتى فى باب محمد بن عبد الله؛ لأن اسم أبى بكر الصديق عبد الله.
١١٢ ـ محمد بن أبى بكر بن خليل الملقب بالرضى:
أحد فقهاء مكة. يأتى ذكره فى باب محمد بن عبد الله؛ لأن اسم والده أبى بكر عبد الله.
стр. 535
١١٣ ـ محمد بن أبى بكر بن علىّ بن يوسف، الذورى الأصل، المكى المولد والدار، أبو الفضل، المعروف، بابن المصرى:
سمع بمكة وبالقاهرة من شيخنا ابن الملقن وغيره. وتوفى بالقاهرة فى سنة خمس وتسعين وسبعمائة. وكان حسن القراءة فى الصلاة.
١١٤ ـ محمد بن أبى بكر بن علىّ بن يوسف، الذورى الأصل، الملقب: بالجمال المصرى:
نزيل زبيد، وحاكمها. ولد بالذورة (١) ـ من صعيد مصر ـ فى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، أو قبلها بسنة أو بعدها بسنة. ونشأ بها حتى بلغ أو راهق، ثم قدم مكة فى عشر السبعين وسبعمائة ولا يم قاضيها أبا الفضل النويرى وخدمه كثيرا.
ولما ظهرت له نجابته صار يرسله على مصالحه وهديته لصاحب اليمن، فاشتهر ذكره، ثم تغير على القاضى أبى الفضل بقرب مؤتة.
وسكن زبيد واستوطنها وداخل الأعيان من أهلها، فنما أمره إلى الملك الأشرف صاحب اليمن، فاستظرفه لكثرة مجونه وأقبل عليه وصار يحضر مجلسه، وولاه حسبة زبيد.
وصحب القاضى سراج الدين عبد اللطيف بن سالم لما ولى سد زبيد بعد عوده من مكة.
وحصل دنيا وأملاكا، ثم عظم أمره فى مبادئ دولة الملك الناصر بن الأشرف؛ لأنه صار يرسله إلى عدن وغيرها لإحضار الأموال منها. وكان يقيم الحرمة، ودخل رعبه فى القلوب.
وولى إمرة زبيد فى بعض السنين، ثم صرف عن ذلك، وكان أمره بعد ذلك بها أنفذ من أمر أميرها، وقلة حرمته عن ذلك فى بعض السنين لوشى بعض أهل الدولة به عند الملك الناصر.
стр. 536
وولى نظر أوقاف المدارس التى بمكة مدة سنين، ودام ذلك معه حتى مات. وكان إليه أمانة المعاقيب السلطانية بزبيد، ورزق من الأولاد الذكور أزيد من عشرين ذكرا.
وكان كثير التلاوة، وفيه مرورءة وإحسان إلى من نفذ إليه من أهل مكة.
روى لنا بزبيد عن: القاضى عز الدين بن جماعة: حديث ابن مسعود فى القضاء والقدر من معجم ابن جميع، سمعه عليه بمكة.
وابتلى بقرب موته بكثرة البرد، فكان يحمل إلى الحمام فيلبث فيه الزمن الطويل. وربما قيل: إنه كان إذا خرج منه يوضع فى قدر فيه ماء حار لشدة ما يجده من البرد.
توفى فى ليلة الجمعة الخامس عشر من ذى القعدة الحرام سنة عشرين وثمانمائة بزبيد، ودفن بمقبرة الشيخ إسماعيل الجبرتى.
وكان الذى ناله من الخير بسبب خدمته للشيخ إسماعيل المذكور، رحمهما الله تعالى.
١١٥ ـ محمد بن أبى بكر بن علىّ بن يوسف الذورى الأصل، المكى المولد والدار، نحوى مكة، الإمام البارع نجم الدين، المعروف بالمرجانى:
ولد فى سنة ستين وسبعمائة بمكة، وسمع بها على قاضى الديار المصرية عز الدين بن جماعة: جانبا من منسكه الكبير فى المذاهب الأربعة، وحديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «يجمع خلق أحدكم فى بطن أمه ... » (١). الحديث من معجم ابن جميع، والبردة للبوصيرى.
стр. 537
وسمع بعنايته بمكة. وقرأ كثيرا من الكتب الكبار، والأجزاء على: الشيخ جمال الدين إبراهيم بن محمد الأميوطى، والعفيف عبد الله بن محمد النشاورى، خاتمة أصحاب الرضى الطبرى بالسماع، وعلى غيرهما.
وروى الثقفيات عن النشاورى سماعا. ورحل إلى دمشق فقرأ على المسند شمس الدين محمد بن أحمد الأسمرى المنبجى، خطيب المزة، وابن خطيبها: الموطأ لمالك، رواية يحيى بن بكير، ومسند الشافعى، ومسند الدارمى، ومسند عبد بن حميد. وقرأ مسند عبد على جماعة من أصحاب الحجار.
وسمع على الحافظ شمس الدين بن المحب الصامت وغيره، من أصحاب القاضى سليمان.
واستجاز لى من المذكورين، ومن محمد بن عمر بن عوض البيطار، وإبراهيم ابن أبى بكر السلار، وأبى الهول على بن عمر الجوزى، ويوسف بن محمد الصيرفى وغيرهم.
وعنى بفنون من العلم، ومهر فى العربية ومتعلقاتها، وله معرفة بالأدب ونظم ونثر.
ومن نظمه قصيدة مفيدة سماها «مساعد الطلاب فى الكشف عن قواعد الإعراب» ضمنها ما ذكره الشيخ جمال الدين بن هشام فى تأليفه «مغنى اللبيب»، «وقواعد الإعراب فى معانى الحروف»، وما لغيره فى المعنى. وله عليها شرح، وقد سمعتها عليه، وكثيرا من شرحها لما كنا نشتغل عليه.
وكان حسن الإيراد والدرس لجودة عبارته وقوة معرفته بالعربية.
وقد أخذها عن جماعة منهم: نحوى مكة الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد المعطى المالكى، والشيخ أبو عبد الله الغمارى، المغربى قدم عليهم مكة.
وكان فاضلا فى فنون على ما ذكر لنا المرجانى، وأخذ عن غير واحد من الفضلاء.
وحضر فى الفقه والأصلين، وغير ذلك عند: الشيخ جمال الدين الأميوطى، وجدى قاضى مكة كمال الدين أبى الفضل النويرى، وكان يلائمه كثيرا.
وله عناية بالفقه، ودرس فيه بالمدرسة المنصورية بمكة فى ست وعشرين سنة، فإنه ولى تدريسها فى سنة إحدى وثمانمائة مع نظر المدارس الرسولية بمكة.
وقيل موته بأشهر: نزل عن تدريس المنصورية لولده كمال الدين أبى الفضل، ودرس فى حياة أبيه.
стр. 538
وخرج عنه نظر المدارس نحو سنة فى آخر سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وعاد إليه فى آخر التى بعدها. وعرض له قبل موته بنصف سنة مرض توهن له بدنه ورأيه.
وقد سمعت عليه: المنسك الصغير للقاضى عز الدين بن جماعة بإجازته منه. وحدث عنه بالمنسك الكبير غير مرة، وبالثقفيات عن النشاورى، وحدثت بها معه.
وكان مليح الكتابة سريعها، ذا مروءة كثيرة، وحياء، وتواضع، وإنصاف. وكان لى موادا.
ودخل اليمن غير مرة، ومصر مرتين، الأولى: فى سنة ثمان وثمانين، والثانية: فى سنة تسع وتسعين وسبعمائة، لتحصيل كتب للملك الأشرف صاحب اليمن. وكان محسنا له.
وعانى بمكة: كتابة الوثائق والسجلات على خالى قاضى مكة محب الدين بن القاضى أبى الفضل النويرى، وقرأ عليه بعض كتب الحديث، وكانت المودة بينهما كبيرة.
واستفاد بعد الفقر عقارا ودنيا بسعى جميل.
وملك كتبا كثيرة نفيسة، وكان محسنا بعاريتها، وربما أحسن مرات بمعلومه على نظر المدارس، ومعلوم التدريس بالمنصورية لمن ليس له فى المدارس اسم من الطلبة وغيرهم.
وجمع شيئا فى طبقات الفقهاء الشافعية، وكان اختصره من طبقات الإسنائى، ونظم شيئا فى دماء الحج.
وتوفى وقت العصر من يوم السبت خامس شهر رجب سنة سبع وعشرين وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة بكرة يوم الأحد سادسه، ﵀، وجزاه خيرا.
١١٦ ـ محمد بن أبى بكر بن عيسى بن عثمان الأشعرى، المعروف بابن حنكاش:
ذكره الجندى فى تاريخه. وذكر: أنه ولد سنة تسع وثلاثين وستمائة.
وتفقه، وغلب عليه الشعر. وسكن مكة، إذ نال من أبى نمى ـ صاحبها ـ حظوة.
وكان أبوه من صدور العلماء باليمن.
стр. 539
١١٧ ـ محمد بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى:
سمع كثيرا من: يونس الهاشمى، وزاهر بن رستم، وابن أبى الصيف، وتفقه عليه. ومات فى حياته بأثر قدومه مكة، من زيارة النبى ﷺ فأمر بدفنه على حاله محرما.
كذا ذكر الميورقى، ولم يذكر تاريخ وفاته. وكانت فى الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستمائة بمكة.
ومولده بعد العصر آخر يوم من جمادى الأولى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. نقلت مولده ووفاته من خط شيخنا ابن شكر، وذكر: أنه نقل ذلك من خط المحب الطبرى.
١١٨ ـ محمد بن أبى بكر بن محمود بن يوسف بن علىّ الكرانى، الهندى، المكى، والحنفى:
كان يزوق السقوف بالدهان. وفيه قوة وشهامة. توفى بالقاهرة سنة تسعين وسبعمائة.
١١٩ ـ محمد بن أبى بكر بن مسعود بن يحيى اليمنى، المعروف: بالحبيشى:
المؤدب بمكة. سمع بها من: الشيخ فخر الدين النويرى، والقاضى عز الدين بن جماعة فى سنة ثلاث وخمسين.
وأدب بها جماعة من الأعيان، منهم: شيخنا السيد تقى الدين عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى، وسألته عنه. فقال: كان صالحا عابدا.
جاور بمكة مدة طويلة تزيد على عشرين سنة، ومات بها بعد الستين وسبعمائة.
وذكر: أنه كان يؤدب عند بعض الأمراء باليمن، فراودته على نفسه بعض حريم الأمير؛ لأنه كان جميلا، فقطع مذاكيره، وأرسل بها إليها. انتهى.
والحبيشى ـ بضم الحاء المهملة وباء موحدة مفتوحة، وياء مثناة ساكنة، وشين معجمة ـ وبالنسبة: تصغير حبشى، وهم قبيلة باليمن، يقال لهم: بنى حبيش، منهم علماء أعيان فى جبال اليمن.
١٢٠ ـ محمد بن أبى بكر بن ناصر بن أحمد العبدرى، الشيبى، المكى، يلقب بالجمال:
شيخ الحجبة، وفاتح الكعبة. ذكر شيخنا ابن شكر، على ما وجدت بخطه: أنه ولى
стр. 540
ذلك بعد محمد بن يوسف الشيبى فى أوائل جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبعمائة قبل موت محمد بن يوسف. واستمر على ذلك حتى مات.
إلا أنه صرف عن ذلك فى أوائل سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وهو غائب بمصر بأبى الفضل الشيبى ـ الآتى ذكره.
واستنجز محمد بن أبى بكر ـ هذا ـ مرسوما سلطانيا بعوده كما كان، لكون صهره يوسف بن محمد بن أبى راجح ـ الآتى ذكره ـ ينوب عنه فى ذلك إلى حين حضوره إلى مكة.
فباشر يوسف ذلك فى آخر شعبان أو فى أول رمضان من السنة المذكورة. انتهى.
وكانت وفاته فى سنة سبع وسبعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، وهو فى عشر السبعين. وكان الناس يراعونه لإقدامه فى الكلام.
ونافر القاضى شهاب الدين الطبرى، قاضى مكة، وهو من أسباب عزله من الحجابة. وكان ذا مروءة وهمة عالية.
سمع بآخره من: القاضى عز الدين بن جماعة، والفخر النويرى.
ومولده ـ فيما بلغنى ـ ببلاد مقدشوه (١)، وكان يتردد إليها، وولد له فيها بعض أولاده.
١٢١ ـ محمد بن أبى بكر بن أبى الحسن الطوسى:
إمام مقام الخليل ﵇. حدث عن عبد الرحمن بن ديلم الشيبى بكتاب تاريخ مكة للأزرقى. رواه عنه الشريف يونس بن يحيى الهاشمى.
توفى يوم الجمعة ثامن عشر رجب سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
نقلت وفاته من حجر قبره بالمعلاة، وهو بخط عبد الرحمن بن أبى حرمى، إلا أنه لم يذكر الطوسى، وهو هو لأنه إمام مقام إبراهيم الخليل ﵇.
١٢٢ ـ محمد بن ثابت بن سباع المكى:
روى عن: عائشة رضى الله عنها، وأم كرز الكعبية. روت عنه بنته خيرة. روى عنه: ابن عمه سباع بن ثابت.
стр. 541
روى له الترمذى. وذكره ابن حبان فى ثقاته.
وذكره مسلم فى: الطبقة الثانية من تابعى أهل مكة.
١٢٣ ـ محمد بن ثابت الأنصارى، المراكشى:
كانت له معرفة بالقراءات السبع، قرأها على: الشيخ برهان الدين المسرورى، وسراج الدين الدمنهورى بمكة، ولم يكمل عليه.
وكان يؤدب الأطفال بمكة عند باب أجياد من الحرم الشريف. توفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة بمكة.
ذكره لى شيخنا أبو بكر بن قاسم بن عبد المعطى، بمعنى هذا.
وأخبرنى صاحبنا العفيف عبد الله بن الجمال محمد بن علىّ العجمى المكى، عن أبيه، عن محمد بن ثابت ـ المذكور ـ: أنه نذر للشيخ أبى العباس السبتى بدرهم كان معه فيه خرق، وتصدق به عنه؛ لأن العادة جرت عندهم ببلادهم بالنذر للمذكور والصدقة عنه بالمنذور، وأنهم يفعلون ذلك لقضاء الحوائج، ويجدون له أثرا.
وكان ابن ثابت فعل ما فعل رجاء لحصول ملبوس يتدفأ به. فما مضى عليه غير قليل حتى وهب له برنوس، أو كساء فيه خرق. فكره ذلك، وقال: ليته كان صحيحا. فنام فرأى فى المنام قائلا يقول له: لو تصدقت بدرهم غير مخروق لكان ما أعطيته كذلك.
هذا معنى ما أخبرنى به صاحبنا العفيف، وهى قضية عجيبة. والرجل المنذور له مشهور بعظيم الصلاح. أعاد الله علينا من بركاته وبركات الصالحين.
والسبتى، بسين مهملة، ثم باء موحدة، ثم تاء مثناة من فوق وياء للنسبة.
١٢٤ ـ محمد بن جابر بن عبد الله، المعروف بالحراشى، اليمنى:
سكن مكة مدة فى حال ولاية أبيه لأمر جدّه. ثم دخل بعد ذلك بمدة إلى اليمن فأكرمه صاحب اليمن، ووقع بينه وبين أهل الشرجة (١) فتنة قتل فيها بعضهم.
стр. 542
ثم استدعاه أبوه إلى مكة بعد أن لايم صاحبها، فوصل إلى مكة فى الموسم من سنة ست عشرة وثمانمائة، ثم قبض عليهما بمنى، وشنقا بعد المغرب من ليلة نصف ذى الحجة سنة ست عشرة وثمانمائة. وكان شنقه بباب الشبيكة، وشنق أبيه بباب المعلاة.
وبلغنى: أن محمدا ـ هذا ـ لما استأذن صاحب اليمن فى القدوم إلى مكة، وأخبره باستدعاء أبيه له، قال له كلاما معناه: إنكما تشنقان أو تكحلان. فكان من أمرهما ما كان.
وبلغنى: أن محمدا ـ هذا ـ فاضت روحه من خوف القتل قبل شنقه، فالله يغفر له. وقبره بالمعلاة. وعمره ثلاثون ـ ظنا ـ والله أعلم.
١٢٥ ـ محمد بن جار الله بن حمزة بن راجح بن أبى نمى الحسنى، المكى:
كان من أعيان الأشرف ذوى أبى نمى.
توفى فى آخر اليوم السابع من ذى القعدة سنة ست عشرة وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. وقد بلغ الثلاثين أو جاوزها.
١٢٦ ـ محمد بن جار الله بن صالح بن أحمد الشيبانى، المكى:
سمع من بعض شيوخه بمكة، وحفظ بعض المختصرات فى فقه الحنفية، واشتغل بالعلم.
وسافر مع أبيه إلى مصر فى موسم سنة أربع عشرة وثمانمائة، فأقام بها إلى أن توفى فى سنة خمس عشرة وثمانمائة فى ذى الحجة ـ فيما أحسب ـ بخانقاه سعيد السعداء. ودفن بمقبرة الصوفية. وقد جاوز العشرين، وكان خيرا.
* * *
من اسمه محمد بن جعفر بن أحمد
١٢٧ ـ محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسى قاضى مكة، وخطيبها عماد الدين، ويقال: فخر الدين أبو جعفر، ويقال: أبو الحسن البغدادى:
ذكر المنذرى: أنه ولد فى الرابع عشر من رجب، سنة أربع وعشرين وخمسمائة. وأجاز له: أبو القاسم بن الحصين، والقاضى أبو بكر الأنصارى، والشروطى، وجماعة.
وسمع من: جده أبى جعفر أحمد بن محمد العباسى، وأبى الوقت السجزى، وغيرهم.
стр. 543
وتفقه على الإمام أبى الحسن بن الخل ببغداد، وسمع منه، وحدث، وأجاز له. وتولى القضاء بمكة والخطابة بها.
وولى قضاء القضاة ببغداد، وتوفى بها ليلة التاسع عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ودفن بالعطافية عند جده.
وذكره ابن الدبيثى فى ذيل تاريخ بغداد. وذكر من حاله ما ذكره المنذرى بزيادة فى ذلك وغيره، فقال: وتولى القضاء بمكة والخطابة بها فى سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وخرج إليها فى هذه السنة.
وخطب فى أيام الموسم، وصلى بنا الجمعة، وكنت فى هذه السنة حاجا.
ولما عزل قاضى القضاة أبو طالب علىّ بن علىّ بن النجارى، عن قضاء القضاة يوم الجمعة، رابع شهر رمضان سنة أربع وثمانين وخمسمائة ولى أبو الحسن محمد بن جعفر العباسى ـ هذا ـ قضاء القضاة فى هذا اليوم.
وشافهه بالولاية الوزير أبو المعالى سعيد بن علىّ بن حديدة، فحضر الجمعة، ومعه العدول، وأتباع مجلس الحكم ممن كتب عهده وقرئ. وخلع عليه فى الشهر المذكور.
فلم يزل على حكمه وقضائه، يسمع الشهادات، ويثبت الحقوق، ويقبل الشهود، إلى أن عزل يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الآخرة من سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بمحضر من القضاة والعدول والفقهاء عند أستاذ الدار العزيزة ـ شيد الله قواعدها بالعز ـ أبى المظفر عبيد الله بن يونس، بسبب كتاب أثبته باسم الحسن بن زركل الاسترابادى التاجر، على فاطمة بنت محمد بن حديدة زوجة أبى المعالى بن حديدة ـ الذى كان وزيرا ـ بشهادة أحمد بن علىّ بن كردى، ومحمد بن محمد بن المهتدى.
وكان الكتاب مزورا على المرأة المذكورة، وتولى إثباته أبو الفتح محمد بن محمود بن الحرانى، وكان أحد العدول، وأقر أنه مزور، وأن قاضى القضاة ارتشى على إثباته من الحسن الاسترابادى، خمسين دينارا وثيابا. فسئل العباسى عن ذلك، فأنكر وقال: هذا سجلى، وثبت عندى بشهادة الشاهدين المذكورين، فحضر محمد بن محمد بن المهتدى وأنكر: أنه شهد على المرأة المذكورة، وأنه شهد عند العباسى به.
فاستفتى الفقهاء الحاضرون: إذا أنكر الشاهد أنه شهد عند الحاكم بشئ، هل القول قوله أو قول الحاكم؟ .
стр. 544
فأفتوا أن القول قول الشاهد. وأكد ذلك شهادة ابن الحرانى عليه: أنه مزور، وأنه ارتشى على إثباته للزور.
فعزل أستاذ الدار ـ يومئذ ـ بمحضر من الجمع، وأمر برفع طيلسانه وانفصل الجمع ووكل به أياما، ثم أفرج عنه.
وحضر الشاهد الآخر، وهو أحمد بن علىّ بن كردى، فأنكر شهادته كما أنكرها ابن المهتدى.
وعزل ابن الحرانى المذكور أيضا، وشاهدان كان خطهما على ظهر السجل بمعارضة بأصله، ولزم العباسى بيته إلى أن مات. انتهى.
١٢٨ ـ محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن أبى هاشم بن محمد بن الحسين ابن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن علىّ ابن أبى طالب الحسنى، المكى، أبو هاشم، أمير مكة:
ذكر صاحب المرآة فى أخبار سنة خمس وخمسين وأربعمائة: أن محمد بن هلال الصابى نقل عمن ورد من الحج أنهم: ذكروا دخول الصليحى صاحب اليمن إلى مكة، واستيلاؤه عليها، وما فعله من الجميل فيها، وأن الأشراف الحسنيين راسلوه.
وكانوا قد نهدوا (١) عن مكة، فسألوه: أن يرتب منهم من يختاره، فرتب فى الإمارة: محمد بن أبى هاشم، وكان صهر شكر ـ يعنى ابن أبى الفتوح ـ على ابنته، وأمرّه على الجماعة، وأصلح بين العشائر، واستخدم له العساكر، وأعطاه مالا وخمسين فرسا وسلاحا.
ولما رحل الصليحى إلى اليمن متخوفا من الأشراف لموت سبعمائة رجل من أصحابه، أقام نائبا عنه بمكة، محمد بن أبى هاشم. فقصده الحسينيون بنو سليمان، مع حمزة بن أبى وهاس، فلم يكن لأبى هاشم بهم طاقة، وحاربهم وخرج من مكة، فتبعوه فرجع وضرب واحدا منهم ضربة، فقطع درعه وفرسه وجسده، ووصل إلى الأرض. فدهشوا ورجعوا عنه.
وكان تحت فرس تسمى دنانير، لا يكل ولا يمل، وليس له فى الدنيا شيبه. فمضى إلى وادى الينبع، وقطع الطريق عن مكة، والقافلة.
стр. 545
ونهب بنو سليمان مكة، ومنع الصليحى الحج من اليمن؛ فغلت الأسعار وزادت البلية. انتهى بلفظه إلا يسيرا فبالمعنى.
وذكر صاحب المرآة ما يقتضى: أن بنى أبى الطيب الحسنيين: ملكوا مكة بعد شكر.
وكان من خبره بعد ذلك: أنه عاد إلى الإمرة، وقطع خطبة المستنصر العبيدى صاحب مصر، وسبب ذلك: ذلة المصريين بالقحط المفرط، واشتغالهم بأنفسهم، حتى أكل بعضهم بعضا، وتشتتوا فى البلاد، وكاد الخراب أن يستولى على سائر الأقاليم حتى بيع الكلب بخمسة دنانير، والهر بثلاثة دنانير، وبلغ الأردب مائة دينار.
وأعاد الخطبة العباسية بعد قطعها من الحجاز من نحو مائة سنة، وخطب للخليفة القائم بأمر الله أبى جعفر عبد الله بن عبد القادر أحمد بن إسحاق بن المقتدر العباسى، وللسلطان ألب أرسلان السلجوقى.
وذكر بعضهم: أنه لما افتتح الخطبة العباسية، قال: الحمد لله الذى هدى بأهل بيته إلى الرأى المصيب، وعوض بنيه بلبسه الشباب بعد المشيب، وأمال قلوبنا إلى الطاعة، ومتابعة أهل الجماعة، وترك الأذان بحى على خير العمل، انتهى.
وكان فعله لذلك فى سنة اثنتين وستين وأربعمائة، على ما ذكر غير واحد، منهم ابن الأثير؛ لأنه قال ـ فى أخبار هذه السنة ـ: وفيها ورد رسول صاحب مكة محمد ابن أبى هاشم، ومعه ولده إلى السلطان ألب أرسلان يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم، وللسلطان بمكة، وإسقاط خطبة العلوى صاحب مصر، وترك الأذان بحى على خير العمل، فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعا نفيسة، وأجرى له كل سنة عشرة آلاف دينار. وقال: إذا فعل مهنا أمير المدينة كذلك أعطيناه عشرين ألف دينار، وفى كل سنة خمسة آلاف دينار. انتهى.
وذكر شيخنا ابن خلدون فى تاريخه: أن أبا الغنائم النقيب لما جاور بمكة سنة سبع وخمسين وأربعمائة استقال أميرها ابن أبى هاشم ـ هذا ـ حتى قطع خطبة المستنصر صاحب مصر، وخطب للقائم العباسى.
ثم قطع خطبته فى سنة ثمان وخمسين لما قطع المستنصر الميرة عن مكة. ثم أعاد خطبة القائم فى سنة تسع وخمسين ثم قطع خطبته، فأرسل إلى أمير مكة مالا وعاتبه على قطع خطبته. فخطب له فى أيام الموسم سنة اثنتين وستين، واعتذر إلى المستنصر. انتهى. وهذا لم أر من ذكره سواه.
стр. 546
وكان المستنصر العبيدى صاحب مصر، أرسل رسولين فى سنة ست وستين وأربعمائة إلى ابن أبى هاشم أمير مكة ـ هذا ـ: ففتحا عليه خطبته للخليفة العباسى، والسلطان ألب أرسلان، وبذلا له مالا على قطع الخطبة لهما.
فلم يلتفت إليهما، وأقصاهما؛ لأنه كان وصل له ولأصحابه صحبة السلار من المال ما ملأ عينه وقلبه.
وأخذ السلار من الحاج الذين اتبعوه دنانير فدفعها إليه وإلى العبيد، فلما لم يصل فى سنة سبع وستين من جهة الخليفة العباسى ما كان يصل لأمير مكة قطع خطبة المهتدى العباسى. وصادف مع ذلك: أن المستنصر أرسل إليه بهدايا وتحف ليخطب له، وقال له: إنما كانت أيمانك وعهودك للقائم وللسلطان ألب أرسلان، وقد ماتا. فخطب للمستنصر، ثم قطع خطبته فى سنة ثمان وستين.
وخطب للمهتدى عبد الله بن محمد الذخيرة بن القائم الخليفة العباسى. وصار يخطب تارة لبنى العباس، وتارة لبنى عبيد.
وما ذكره من خبر ابن أبى هاشم ورسولى المستنصر وما وصل إليه مع السلار، وما جمع له السلار: ذكر صاحب المرآة ما يوافقه. وما ذكرناه من خطبة ابن أبى هاشم فى سنة سبع وستين للمستنصر، وقطع خطبته فى سنة ثمان وستين؛ ذكر ابن الأثير ما يوافقه.
وذكر: أن قطع خطبته فى سنة ثمان وستين كان فى ذى الحجة منها، وقال ـ لما ذكر خطبة ابن أبى هاشم للمستنصر فى سنة سبع وستين، وقطع خطبة المهتدى: وكانت مدة الخطابة العباسية بمكة أربعا وستين وخمسة أشهر ـ يعنى من حين إعادتها إلى حين قطعها فى سنة سبع وستين.
وذكر ما يوافق ما ذكرناه من إهداء المستنصر لابن أبى هاشم فى هذه السنة. ثم هرب ابن أبى هاشم من مكة فى سنة أربع وثمانين وأربعمائة إلى بغداد، لما استولى عليها التركمان الذين أرسلهم السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقى للاستيلاء على الحجاز واليمن، وإقامة الدعوة له هناك.
وكان توجههم إلى اليمن فى سنة خمس وثمانين، وملكوا عدن واستولوا على كثير من البلاد وعاثوا فيها، وأساءوا السيرة.
стр. 547
وأصاب مقدمهم جدرى فمات، فحملوه إلى بغداد ودفنوه بها.
وما ذكرناه من خبر التركمان ومقدمهم، ذكره بعض من عاصرناه فى تاريخه، وأكثر ظنى أنه شيخنا ابن خلدون. والله أعلم.
وما ذكرناه من هرب ابن أبى هاشم منهم ذكره ابن الأثير؛ لأنه قال ـ فى أخبار سنة أربع وثمانين وأربعمائة ـ: فيها وصل ابن أبى هاشم أمير مكة مستغيثا من التركمان. انتهى.
وذكر ابن الأثير فى كامله: أن محمد بن أبى هاشم ـ هذا ـ فى سنة ست وثمانين وأربعمائة، سير عسكرا لينهبوا الحاج، فلحقوهم بالقرب من مكة، فنهبوا كثيرا من أموالهم وجمالهم، فعادوا إليها وأخبروه وسألوه أن يعيد إليهم ما أخذ منهم، وشكوا إليه بعد ديارهم، فأعاد بعض ما أخذه منهم، فلما أيسوا منه ساروا من مكة عائدين على أقبح صفة.
فلما بعدوا عنها ظهر عليهم جموع من العرب فى عدة جهات، فصانعوهم على مال أخذوه من الحاج بعد أن قتل منهم جماعة وافرة، وهلك كثير بالضعف والانقطاع، وعاد السالم منهم على أقبح صورة. انتهى.
وهؤلاء الحجاج من حجاج الشام على ما ذكر ابن الأثير.
وذكر صاحب المرآة: أن ابن أبى هاشم ـ هذا ـ: كان فى سنة اثنتين وستين وأربعمائة: أخذ قناديل الكعبة وستورها وصفائح الباب، وصادر أهل مكة حتى هربوا منه. انتهى.
وذكر ابن الأثير: أنه توفى فى سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وقد جاوز سبعين سنة، قال: ولم يكن له ما يمدح به.
وذكر الذهبى وفاته وسنه: بمعنى ما ذكره ابن الأثير، وقال: كان ظالما قليل الخير. انتهى.
وذكر شيخنا ابن خلدون: أن ابن أبى هاشم ـ هذا ـ: جمع أنجادا (٢) من الترك،
стр. 548
وزحف بهم إلى المدينة، وأخرج منها بنى حسين وملكها، وجمع بين الحرمين. وأن ولايته كانت ثلاثا وثلاثين سنة.
ووقع فى النسخة التى رأيتها من تاريخ شيخنا ابن خلدون فى نسب ابن أبى هاشم ـ هذا ـ: سقط وتخبيط فى نسبه؛ لأنه أسقط بين جعفر، وأبى هاشم محمد بن عبد الله، وصحف الحسين والد أبى هاشم بالحسن. والصواب ما ذكرناه. والله أعلم.
١٢٩ ـ محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب العلوى، الملقب بالديباجة:
له رواية عن أبيه. وروى: عنه إبراهيم بن المنذر، ومحمد بن يحيى بن أبى عمر العدنى، ويعقوب بن حميد بن كاسب. وكان بطلا شجاعا عاقلا، يصوم يوما ويفطر يوما.
وكان العلويون بايعوه بمكة أيام المأمون، وذلك فى يوم الجمعة فى ربيع الأول سنة مائتين، بعد إبائه لذلك.
وجمع الناس لبيعته، طوعا وكرها، ابنه على بن محمد بن جعفر، وحسين بن حسن الأفطس لما بلغه موت أبى السرايا، الذى أنفذ الحسين إلى مكة للاستيلاء عليها.
ولم يكن لمحمد بن جعفر هذا مع ابنه على والحسين والأفطس من الأمر شئ. وسار ابنه على والحسين وجماعتهم بمكة، أقبح سيرة، بحيث وثب على بن محمد بن جعفر على غلام أمرد، وهو ابن قاضى مكة، يقال له: إسحاق بن محمد، وكان جميلا، فأخذه قهرا.
فلما رأى ذلك أهل مكة ومن بها من المجاورين: اجتمعوا بالحرم الشريف، واجتمع منهم جمع كثير. فأتوا محمد بن جعفر، وقالوا له: لنخلعنك ولنقتلنك، أو لتردن إلينا هذا الغلام.
فأغلق بابه وكلمهم من شباك، وطلب منهم الأمان ليركب إلى ابنه ويأخذ الغلام، وحلف لهم أنه لم يعلم بذلك، فأمنوه.
وركب إلى ابنه، وأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله، ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى قدم
стр. 549
إسحاق بن موسى العباسى عامل اليمن، فارا منها لتغلب إبراهيم بن موسى بن جعفر، ونزل المشاش.
واجتمع العلويون إلى محمد بن جعفر الديباجة، وقالوا: قد رأينا أن تخندق علينا بأعلا مكة.
ثم حشدوا الأعراب، فقاتلهم إسحاق أياما، ثم كره الحرب، وطلب العراق، فلقيه الجند للذين نفذهم: هزيمة، ومعهم الجلودى، وورقاء بن جميل، فقالوا لإسحاق: ارجع معنا، ونحن نكفيك القتال، فرجع معهم.
واجتمع إلى محمد هذا غوغاء أهل مكة، وسودان أهل البادية، والأعراب، فعبأهم ببئر ميمون.
وأقبل ورقاء وإسحاق بن موسى بمن معهما من القواد والجند فالتقوا وقتل جماعة، ثم تحاجزوا، ثم التقوا من الغد، فانهزم محمد وأهل مكة، وطلب محمد الديباجة منهم الأمان، فأجلوه ثلاثا، ثم نزح عن مكة.
ودخلها إسحاق وورقاء فى جمادى الآخرة. وتفرق الطالبيون عن مكة كل قوم ناحية. فأخذ محمد ناحية جده، ثم طلب الجحفة.
فخرج عليه محمد بن حكيم من موالى آل العباس، ومعه عبيد ليدركوه؛ لأن الطالبيين كانوا نهبوا داره، وبالغوا فى أذاه. فلحقه بقرب عسفان، وانتهب جميع ما معه، حتى لم يبق فى وسطه إلا سراويل، وهمّ بقتله، ثم رحمه وطرح عليه ثوبا وعمامة، وأعطاه دريهمات، فمضى وتوصل إلى بلاد جهينة (١) على الساحل، فأقام هناك أشهرا يجمع الجموع.
وكان بينه وبين والى المدينة هارون بن المسيب، وقعات عند الشجرة وغيرها فهزم وفقئت عينه بسهم، وقتل من أصحابه خلق كثيرون، ورد إلى موضعه.
فلما انقضى الموسم طلب الأمان من الجلودى، ومن ورقاء بن جميل، وهو ابن عم الفضل بن سهل، فأمناه، وضمن له ورقاء عن المأمون، وعن الفضل بالأمان. فقبل ذلك.
стр. 550
وأتى مكة لعشر بقين من ذى الحجة، فخطب الناس وقال: إنى بلغنى أن المأمون مات، وكان له فى عنقى بيعة، وكانت فتنته عمت الأرض فبايعنى الناس، ثم إنه بلغنى: أن المأمون حى صحيح، وأنا أستغفر الله من البيعة، وقد خلعت نفسى من بيعتى التى بايعتمونى عليها، كما خلعت خاتمى هذا من أصبعى، فلا بيعة لى فى رقابكم.
ثم نزل وسار سنة إحدى ومائتين إلى العراق، فسيره الحسن بن سهل إلى مرو. فلما سار المأمون إلى العراق صحبه، فمات بجرجان (٢).
وفى تاريخ الذهبى ـ بعد أن ذكر قدوم الديباجة إلى مكة بالأمان ـ: فصعد عيسى ابن يزيد الجلودى المنبر بمكة، وصعد دونه محمد بن جعفر عليه قباء أسود، فخلع نفسه، واعتذر عن خروجه: بأنه بلغه موت المأمون، وقد صح عندى الآن أنه حى، وأستغفر الله من فعله.
ثم خرج به عيسى الجلودى إلى العراق، فبعث به الحسن بن سهل إلى المأمون وبقى قليلا.
ثم مات فى شعبان سنة ثلاث ومائتين. فصلى عليه المأمون، ونزل فى لحده، وقال: هذه رحم قطعت من سنين.
وقيل: إن سبب موته: أنه جامع ودخل الحمام، وافتصد فى يوم واحد، فمات فجأة.
كتبت هذه الترجمة من تاريخ ابن الأثير، المسمى بالكامل، وتاريخ الإسلام للحافظ الذهبى، وجمعت بين ما ذكراه، وكل منهما: ذكر ما لم يذكر الآخر.
وقال فى حقه ابن الأثير: وكان شيخا محببا فى الناس، مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة. وكان يروى العلم عن أبيه جعفر، وكان الناس يكتبون عنه.
وكان يظهر زهدا. فلما أتوه، قالوا: نعلم منزلتك فى الناس، فهلم نبايع لك بالخلافة، فإن فعلت لم يتخلف عليك رجلان. فامتنع من ذلك، فلم يزل به ابنه على وحسين بن حسن الأفطس، حتى غلباه على رأيه، وأجابهم.
فأقاموا فى ربيع الآخر، فبايعوه بالخلافة، وجمعوا الناس فبايعوه طوعا كرها، وسموه: أمير المؤمنين، فبقى شهورا وليس له من الأمر شئ. انتهى. وبعض هذا ذكرناه فيما سبق.
стр. 551
١٣٠ ـ محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، الخليفة، المستنصر بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى بن المنصور العباسى:
ولاه أبوه الحرمين والطائف واليمن، فى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين فى رمضان، ثم عزل بمحمد بن داود بن عيسى العباسى.
ثم ولى الخلافة بعد أبيه، فلم تطل مدته، ومات بالخوانيق فى ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين عن ست وعشرين سنة. وكانت مدة خلافته سبعة أشهر.
قال الذهبى: كان ربعة حسنا أعين أقنا بطينا، مليح الصورة، مهيبا. وكان كامل العقل محببا فى الخير، محسنا إلى آل على، بارا لهم.
وقيل: إن أمراء الترك خانوه، فلما حمّ دسوا إلى طبيبه ثلاثين ألف دينار، ففصده بريشة مسمومة.
وقيل: سم فى كمثرى. وقيل: إنه قال: يا أماه ذهبت منى الدنيا والآخرة، عاجلت أبى فعوجلت.
١٣١ ـ محمد بن جعفر بن أبى الأزهر، مولى بنى هاشم، أبو صالح، المكى، المعروف، بابن زنبور:
روى عن إسماعيل بن جعفر: نسخة وقعت لنا عالية إليه. وروى عن: حماد بن زيد وفضيل بن عياض، والدراوردى، وابن أبى حازم وجماعة.
روى عنه: النسائى، وأحمد بن عمر، والبزار، وعمر بن مجير، وأبو عروبة، وابن صاعد، ومحمد بن إبراهيم الديبلى، وطائفة.
стр. 552
وثقه النسائى، وقال: لا بأس به. وقال: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين.
وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال أبو أحمد والحاكم: ليس بالمتين عندهم، تركه ابن خزيمة.
وقال صاحب الكمال: يقال: إنه حج ثمانين حجة. وذكر الذهبى: أنه مات فى ذى الحجة سنة ثمان وأربعين يعنى، ومائتين.
قرأت على فاطمة وعائشة بنتى محمد بن عبد الهادى بالسفح فى الرحلة الأولى: أن أبا العباس أحمد بن أبى طالب الحجار، أخبرهما عن أبى الحسن محمد بن أحمد بن عمر المؤرخ، قال: أخبرنا الشريف أبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسى، قال أخبرنا أبو على الحسن بن عبد الرحمن الشافعى، قال أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن فراس العبقسى المكى، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الديبلى، قال: حدثنا أبو صالح محمد بن أبى الأزهر، المكى، المعروف بابن زنبور، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن دينار: أنه سمع ابن عمر رضى الله عنهما، يقول: «كنا نبايع رسول اللهصلى الله عليه وسلم، على السمع والطاعة. يقول لنا: فيما استطعتم» (١).
أخرجه مسلم، والترمذى، والنسائى، عن على بن حجر. ومسلم أيضا عن يحيى بن أيوب، وقتيبة، كلهم عن إسماعيل بن جعفر. فوقع لنا بدلا لهم عاليا (٢).
١٣٢ ـ محمد بن جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمى:
ولد بالحبشة. وحلق النبى ﷺ رأسه ورءوس إخوته، حين جاءوا مع ابنى جعفر،
стр. 553
ودعا لهم، وقال: «أنا وليهم فى الدنيا والآخرة» وقال: «أما محمد، فشبيه عمنا أبى طالب».
وكان صغيرا فى عهد النبى ﷺ ، وتزوج أم كلثوم بنت على، بعد تأيمها من عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
وذكر الأموى فى مغازيه: أنه كان مع محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنهما، حين بعثه على بن أبى طالب إلى مصر، فلما قتل، هرب محمد بن جعفر إلى فلسطين، واستجار بأخواله من خثعم، فمنعوه من معاوية لما طلبه، ولم يزل عندهم حتى مات.
وذكر الواقدى: أنه استشهد بتستر (١). وأمه: أسماء بنت عميس رضى الله عنها.
١٣٣ ـ محمد بن أبى جهم بن حذيفة بن غانم، القرشى، العدوى:
يأتى فى محله، وهو: محمد بن عامر، ومحمد بن عبيد؛ لأنه اختلف فى اسم أبى جهم، فقيل: عامر. وقيل: عبيد.
١٣٤ ـ محمد بن الحارث بن قيس، المخزومى. المكى:
روى عن على الأزدى. وروى عنه: ابن جريج، وابن عيينة. هكذا ذكره ابن حبان فى الثقات.
١٣٥ ـ محمد بن حازم بن شميلة بن أبى نمى محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة، الحسنى، المكى:
كان من أعيان الأشراف آل أبى نمى. وله مكانة عند أمير مكة الشريف عجلان. وكان يتشبه به فى خصال الإمرة.
توفى سنة سبع وسبعين وسبعمائة.
стр. 554
١٣٦ ـ محمد بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، القرشى، الجمحى، المكى:
قال الزبير: وولد محمد بن حاطب بأرض الحبشة. وقال: حدثنى محمد بن سلام الجمحى، قال: حدثنى بعض أصحابنا: أن أول من سمى فى الإسلام بالنبى ﷺ : محمد ابن حاطب.
ولد بأرض الحبشة. وأرضعته: أسماء بنت عميس، وأرضعت أمه: عبد الله بن جعفر، فكانا يتواصلان على ذلك حتى ماتا.
وقال الزبير: حدثنى محمد بن سلام، قال: جاءت عمر حلل من اليمن، فأعطى أصحاب رسول الله ﷺ ، وأبو أيوب الأنصارى غائب، فرفع له حلة، وأخذ لنفسه حلة.
فقدم أبو أيوب وحلة عمر عليه، فقال: ما هذه الحلة؟ قالوا: حلل أتت من اليمن. قال ـ جازما ـ: افتعلها.
قال: فسمعها عمر رضى الله عنه، فقال: قد رفعنا لك حلة. فإن شئت: فهى بها. قال: نعم.
فدخل عمر رضى الله عنه فلبس حلة أبى أيوب وأرسل إلى أبى أيوب بحلته. فجعل أبو أيوب ينظر إليها، فإذا هى أجود من حلة عمر رضى الله عنه. فقال: هل لك فى الأولة؟ قال: نعم.
قال له زيد بن ثابت: يا أمير المؤمنين، هل لك فى المحمديين؟ قال: ومن هم؟ قال محمد بن حاطب، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن أبى بكر. قال: نعم. وعند زيد: أم محمد ابن حاطب جويرية ـ إحدى بنى عامر بن لؤى ـ فقال: أعطهم.
стр. 555
فأخذ زيد أجود حلة، فأعطاها محمد بن حاطب. فقال عمر رضى الله عنه: أى هات، أى هات، وتمثل بشعر عمارة بن الوليد:
أسرّك لما صرع القوم وانتبشوا ... أن أخرج منها سالما غير غارم
بريا كأنى لم أكن كنت فيهم ... وليس الخداع من تصافى التنادم
ردها، فغطاها بثوب، فقال: أدخل يدك وأنت لا تراها فأعطهم.
قال الزبير: وحدثنى مصعب بن عبد الله، قال: كان محمد بن حاطب عند قدومه من أرض الحبشة، وهو صبى، قد أصابه حرق نار فى إحدى يديه.
فذهبت به أم جميل بنت المحلل إلى النبى ﷺ ، فرقاه النبى ﷺ ولمحمد بن حاطب محبة ورواية عن النبى ﷺ والصحابة، منهم: أمه أم جميل بنت المحلل، وعلى بن أبى طالب.
روى عنه: ابناه إبراهيم، والحارث، وحفيده عثمان بن إبراهيم، وسماك بن حرب، وغيرهم.
ومات بمكة سنة أربع وسبعين من الهجرة، على ما قال أبو عمر بن عبد البر.
قال النووى: وهو الأشبه.
وانكفأت عليه ـ بقرب المدينة ـ قدر كانت على النار، فاحترق ذراعه.
فذهبت به أمه إلى النبى ﷺ ، فتفل عليه، ودعا له بالشفاء. فلم تقم به أمه حتى برئ، ودعا له بالبركة، ومسح رأسه.
وذكر النووى: أنه شهد مع على الجمل وصفين، والنهروان (١)، وأنه أول من سمى محمدا فى الإسلام.
وروى ذلك أبو عمر من حديث أمه فاطمة بنت المحلل. وقيل: جويرية بنت المحلل. وذكر أبو عمر: أن عداده فى الكوفيين.
١٣٧ ـ محمد بن حامد بن الحارث البغدادى، نزيل مكة، أبو رجاء:
حدث عن: أحمد بن خيثمة، ومحمد بن الجهم وعبد الله بن مسلم بن قتيبة.
стр. 556
وسمع منه جماعة، منهم أبو محمد النحاس بمكة، سمع منه حديثين، قال: ما سمعت منه سواهما. رواهما عنه عن الحسن بن عرفة.
حدثنا على بن قدامة عن ميسرة بن عبد ربه عن عبد الكريم الجزرى، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما رفعهما أحدهما: «يا على خلقت أنا وأنت من نور الله وشيعتنا من نورنا». والآخر: «نجم بأعلى العقيق، فإنه أقر لله بالوحدانية ولك بالإمامة».
قال الذهبى: هما ـ والله العظيم ـ: موضوعان، والآفة من ميسره، فإنه يضع الحديث. انتهى.
وقد وثق أبا رجاء هذا، أبو عمرو الدانى فيما نقله عنه الذهبى فى الميزان، وقال: ما أرى هذا الشيخ ممن يعتمد عليه. انتهى.
وذكر الذهبى: أنه مات سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة. وقيل: فى آخر سنة أربعين. وذكر: أنه ولد سنة خمس وأربعين ومائتين.
١٣٨ ـ محمد بن حجاج بن إبراهيم الحضرمى، أبو بكر، وأبو عبد الله، وبها اشتهر، بن الوزير أبى محمد، المعروف بابن مطرف الإشبيلى:
نزيل مكة، وشيخها، الولى العارف، ذو الكرامات الشهيرة. ذكر جدى أبو عبد الله الفاسى: أنه ولد سنة ثمان عشر وستمائة، وحج سنة ثلاث وخمسين.
وسمع من ابن مسدى: الشفا للقاضى عياض، والشمائل للترمذى.
ثم عاد إلى الإسكندرية. ثم عاد إلى مكة فى سنة ستين، ثم توجه إلى عدن، وأقرأ بها العربية، ولم يزل مقيما بها إلى سنة تسع وستين.
فتوجه إلى مكة وأقام بها إلى أن مات. غير أنه جاور بالمدينة فى سنة خمس وتسعين. انتهى.
وذكر الذهبى: أنه جاور بمكة نحو ستين عاما، وكان يطوف فى اليوم والليلة ستين أسبوعا، وأن حميضة بن أبى نمى ـ صاحب مكة ـ حمل نعشه.
إلا أن الذهبى وهم فى تاريخ وفاته؛ لأنه ذكره فى المتوفين فى سنة سبع وسبعمائة. وتبعه على ذلك اليافعى فى تاريخه.
стр. 557
ووجدت بخط العفيف المطرى أنه: توفى فى سنة أربع وسبعمائة، وذلك وهم أيضا؛ لأنه إنما توفى فى ليلة الخميس ثالث شهر رمضان سنة ست وسبعمائة بمكة. ودفن بالمعلاة.
كذا وجدت وفاته على حجر قبره بالمعلاة. ووجدتها كذلك بخط جدى أبى عبد الله الفاسى، وذكر: أنه نزل قبره مع بعض أصحابه.
وله كرامات مشهورات، منها ـ على ما ذكر اليافعى فى تاريخه ـ: أنه قال للشيخ أبى محمد عبد الله بن عمران البسكرى ـ بباء موحدة وسين مهملة، وكاف مفتوحة وراء مهملة مكسورة وياء للنسبة ـ لما جاء إلى ابن مطرف مودعا له، وقد عزم على الزيارة فى طريق الماشى: تلقون شدة، ثم تغاثون.
وكان الأمر كما قال ابن مطرف. وله على ما ذكر جدى، تقييد على جمل الزجاجى.
وذكر العفيف المطرى: أنه قرأ النحو على أبى على الشلوبين. وأنه كان يحفظ كتاب سيبويه قال: وكان من الصالحين الأولياء العاملين الزهاد. انتهى.
وذكر جدى: أن ابن مطرف ـ هذا ـ سكن برباط الموفق سنينا كثيرة، قال جدى: أظن من سنة ثلاث وثمانين وستمائة إلى أن انتقل منه فى شهر رمضان سنة ثمان وتسعين بسبب تسلط متسلط.
قال: وكان سكناه قبل ذلك فى مدرسة المالكية التى بناها ابن الحداد المهدوى فى الثنية (١) من مكة.
وكتب جدى عنه: بيتين حسنين؛ لأنى وجدت بخط جدى: أنشدنى الشيخ الصالح، القدوة أبو عبد الله محمد بن أبى محمد حجاج بن إبراهيم بن مطرف الحضرمى الإشبيلى، نزيل مكة ـ شرفها الله تعالى ـ بها لإبراهيم بن سهل الإشبيلى الشاعر:
أخاف عليك أن أشكو بثى ... مشافهة فيخجلك السماع
وإن عبرت عن شوقى بكتب ... تلهب فى أناملى اليراع
وكتب جدى عنه غير ذلك؛ لأنه قال فى تعاليقه: وسمعت الشيخ أبا عبد الله بن
стр. 558
مطرف الإشبيلى يقول: كان الإمام الإبيارى يقول: لو رأيت منكرا، فأردت أن أغيره، فقال لى الذى يغير عليه: يا إبيارى أى شيء أدخلك فى هذا الفضول؟ لرأيت أن يسقط عنى وجوب تغيير المنكر. انتهى.
والإبيارى ـ هذا ـ من كبار أئمة المالكية المصريين.
١٣٩ ـ محمد بن أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب، القرشى، العبشمى، أبو القاسم:
ولد بالحبشة، وكفله عثمان بعد قتل أبيه، وبقى فى كفالته ونفقته سنين. وكان أشد الناس تأليبا على عثمان. وكان خرج إلى مصر، وعبد الله بن أبى سرح وال لها.
فلما وفد عبد الله على عثمان رضى الله عنه انتزى محمد بن أبى حذيفة على مصر، ومنعه من دخولها لما عاد إليها، ثم ولاها له على بن طالب رضى الله عنه لما ولى، ثم عزله عنها بقيس بن سعد بن عبادة، ثم قتله مولى لمعاوية بن أبى سفيان حين خرج محمد إلى الشام.
١٤٠ ـ محمد بن حرب بن سليمان، المكى، أبو عبد الله:
روى عن، مالك بن أنس. وروى عنه: عبد بن حميد، ومحمد بن أحمد بن الجنيد.
١٤١ ـ محمد بن حسب الله، القرشى، الأموى، المكى، يلقب بالجمال، ويعرف بالزعيم:
كان وافر الملاءة، يقال: إن تركته بلغت ثلاثمائة ألف ألف. وقيل: ثمانمائة ألف ألف ومائتى ألف درهم. وقيل: ثلاثمائة ألف ألف وستمائة ألف درهم. وهو الذى اكتسب ذلك.
وكان لا يبالى فى إعطاء المال على وجه السلف بالفائدة، ويعيب على من يطلب منه القليل.
стр. 559
وكان ينال من غرمائه كثيرا بالقول والفعل، وربما حبس بعضهم بغير مؤامرة الحكام، بسبب إدلاله عليهم بإحسانه إليهم، والله يغفر له.
توفى فى ليلة الجمعة الثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة بمكة. ودفن بالمعلاة.
* * *
من اسمه محمد بن الحسن
١٤٢ ـ محمد بن الحسن بن محمد بن سعد بن الخشاب المخزومى، أبو العباس، الصوفى:
ذكره الخطيب فى تاريخ بغداد، وقال: صاحب حكايات عن محمد بن جعفر عن أبى جعفر محمد بن عبد الله الفرغانى، وأبى بكر الشبلى.
ورى عنه: أبو عبد الرحمن السلمى، وأبو عبد الله الحاكم، وذكر: أنه نزل بنيسابور، وخرج إلى مكة، فحج وجاور. وتوفى بمكة سنة إحدى وستين وثلاثمائة.
١٤٣ ـ محمد بن الحسن بن عبد الله بن على بن محمد بن عبد الملك الأموى، قاضى الحرمين، أبو الحسن بن أبى الشوارب:
ولد سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وقلده المطيع قضاء الشرقية، والحرمين، واليمن ومصر، وغير ذلك، فى رجب سنة أربع وثلاثين.
ثم صرف عن ذلك فى رجب سنة خمس وثلاثين؛ لأنه كان ينسب إلى الاسترشاء فى الأحكام.
وتوفى فى رمضان سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. ذكره الخطيب فى تاريخه، ومنه لخصت هذه الترجمة.
١٤٤ ـ محمد بن حسن بن على بن قتادة بن إدريس بن مطاعن الحسنى. الشريف أبو نمى، ويقال: أبو مهدى بن أبى سعد، صاحب مكة وابن صاحبها، يلقب نجم الدين:
ولى إمرة مكة نحو خمسين سنة، إلا أوقاتا يسيرة زالت ولايته عنها فيها ـ يأتى ذكرها.
стр. 560
وذكر صاحب «بهجة الزمن» فى مدة ولايته لمكة، ما ذكرناه فى مدة ولايته لها، بزيادة فى ذلك لأنه قال: واستمرت إمرته على مكة ونواحيها ما ينيف على خمسين سنة. انتهى.
وما ذكره من أن ولاية أبى نمى على مكة ونواحيها ينيف على خمسين سنة، فيه نظر؛ لأنه لم يل إلا بعد أبيه، وبين وفاتيهما تسع وأربعون سنة وأشهر.
وغايتها خمسين على الخلاف فى تاريخ شهر موت والده أبى سعد، إلا أن يكون أبو نمى ولى إمرة مكة نيابة عن أبيه، ويضاف ذلك إلى ولايته بعده، فلا إشكال. والله أعلم.
واستقل أبو نمى بإمرة مكة فى أكثر المدة المشار إليها، وشارك عنه إدريس بن قتادة فى بعضها.
وولايته المشتركة سبع عشرة سنة أو نحوها، وولايته المستقلة إحدى وثلاثون سنة أو نحوها.
وقال الذهبى فى ذيل سير النبلاء له فى ترجمة أبى نمى ـ هذا ـ: وكانت ولايته نحوا من أربعين سنة بعد عمه ـ الذى قتله ـ انتهى.
وفيما ذكره الذهبى نظر؛ لأن عمه المشار إليه هو إدريس بن قتادة، وكانت وفاته فى سنة تسع وستين وستمائة، على ما وجدت بخط الميورقى، وذكر ذلك غير واحد من المؤرخين.
ومقتضى ما ذكرناه من تاريخ وفاة إدريس بن قتادة: أن تكون ولاية أبى نمى بعده إحدى وثلاثين سنة وأشهرا، إلا أن أبا نمى لم يعش بعد عمه إدريس إلا المدة التى أشرنا إليها كما سيأتى فى تاريخ وفاة أبى نمى.
وقد وجدت ما يوهم الاختلاف فى ابتداء ولايته؛ لأن ابن محفوظ ذكر ـ فيما وجدت بخطه ـ أن فى شوال سنة اثنتين وخمسين، جاء الشريفان أبو نمى وإدريس، وأخذا مكة من غانم بن راجح بن قتادة بالقتال، ولم يقتل بينهم إلا ثلاثة أنفس، منهم عالى شيخ المبارك.
وأقاما بها إلى الخامس والعشرين من ذى القعدة، فجاء ابن برطاس المبارز بن على من اليمن، فأخذها منهم، وتقاتلوا بالسرجة من قوز المكاسة. وكان معهما جماز بن شيحة صاحب المدينة.
стр. 561
وحج بالناس تلك السنة ابن برطاس، ولم يزل مقيما بمكة إلى آخر السنة. انتهى.
ووجدت بخط الميورقى: وولى أبو نمى بعد قتل أبيه أبى سعد فى المحرم سنة ثلاث وخمسين وستمائة. انتهى.
وهذا وإن أوهم الخلاف فى تاريخ ابتداء ولاية أبى نمى بمكة، فليس خلافا فى الحقيقة، لإمكان الجمع بين ما ذكره ابن محفوظ فى ابتداء ولايته، وبين ما ذكره الميورقى فى ابتدائها.
وذلك: أن يحمل كلام الميورقى على أنه أراد ولاية أبى نمى بمكة بعد خروج ابن برطاس منها.
ويحمل ما ذكره ابن محفوظ على: ولاية أبى نمى التى بعد غانم بن راجح.
ويؤيد ذلك: أن الميورقى، وابن محفوظ، ذكر كل منهما ما يقتضى: أن أبا نمى ولى مكة بعد ابن برطاس فى سنة ثلاث وخمسين وستمائة؛ لأن الميورقى قال: ثم استحكم أبو نمى وعمه إدريس على مكة، فأخرج الشرفا الغز بسفك دماء خيل ابن برطاس الوالى لها من جهة اليمن، وامتلأ الناس رعبا، وسفكت الدماء بالحجر يوم السبت لأربع ليال بقين من المحرم سنة ثلاث وخمسين وستمائة. انتهى.
وذكر فى موضع آخر نحو ذلك باختصار بالمعنى. انتهى.
وقال ابن محفوظ ـ فيما وجدت بخطه ـ: سنة ثلاث وخمسين وستمائة جاء أبو نمى وإدريس ومعهما جماز بن شيحة صاحب المدينة، فدخلوا مكة، وأخذوها من ابن برطاس بعد القتال. انتهى.
وذكر بعض العصريين حرب بين ابن برطاس، وأبى نمى، وإدريس الحرب الأول والحرب الثانى. وذكر: أنه أسر فى الثانى، ثم خلص لافتدائه نفسه.
وسنوضح ذلك أكثر من هذا فى ترجمته.
وجرى بين أبى نمى وعمه إدريس بسبب مكة أمور، منها: أن أبا نمى فى سنة أربع وخمسين وستمائة: أخذ مكة من عمه إدريس، وكان شريكه فيها، لما راح إدريس إلى أخيه راجح بن قتادة، ثم جاء إدريس مع راجح بن قتادة، وأصلح راجح بين إدريس وأبى نمى.
стр. 562
ومنها: أن أبا نمى ـ فى سنة سبع وستين ـ: أخرج عمه إدريس من مكة، وانفرد بالإمرة، وخطب لصاحب مصر الملك الظاهر بيبرس الصالحى البندقدارى.
وكتب إليه أبو نمى ـ يذكر له ـ: أنه لما شاهد من عمه إدريس ميلا إلى صاحب اليمن، وتحاملا على دولته، أخرجه من مكة، وانفرد بالإمرة، وخطب له، وسأل مرسومه إلى أمراء المدينة: ألا يتخذوا عمه عليه.
فاشترط عليه صاحب مصر: تسبيل بيت الله للعاكف والباد، وأن لا يؤخذ عنه حق، ولا يمنع زائر فى ليل أو نهار، وأن لا يتعرض إلى تاجر ولا حاج بظلم، وأن تكون الخطبة والسكة له، ولأبى نمى على ذلك عشرون ألف درهم فى كل سنة.
فلما ورد جواب أبى نمى إلى صاحب مصر بالتزام ذلك، كتب له تقليدا بالإمرة بمفرده.
ومنها: أن إدريس بن قتادة بعد إخراج أبى نمى له من مكة: حشد وجمع، وتوجه إلى مكة المشرفة، ثم اصطلح مع أبى نمى، واتفقا على طاعة صاحب مصر. وكتب إليه إدريس يعرفه بذلك، فسلمت الأوقاف لنوابهما.
ذكر هاتين الحادثتين ابن عبد الظاهر كاتب الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر فى السيرة التى جمعها للملك الظاهر.
ومنها: أنه فى سنة تسع وستين وستمائة: وقع بين أبى نمى وعمه خلف، فاستظهر إدريس على أبى نمى، وخرج أبو نمى هاربا من بين يدى عمه، ووصل ينبع (١)، واستنجد بصاحبها، وجمع، وحشد، وقصد مكة.
فالتقى هو وعمه إدريس وتحاربا، فطعن أبو نمى إدريس ألقاه عن جواده، ونزل إليه، وحز رأسه، واستبد بالإمرة.
ذكر هذه الحادثة بمعنى ما ذكرناه القطب اليونينى فى ذيل المرآة.
وذكر: أن فى آخر جمادى الأولى من السنة المذكورة: وصل النجابون إلى مصر من عند أبى نمى، وأخبروا بذلك.
стр. 563
ووجدت بخط الميورقى: ما يشهد لبعض هذه القضية بزيادة فائدة؛ لأنه ذكر: أن فى ربيع الأول سنة تسع وستين قتل ولد لأبى نمى وطرد أبوه، وبعد قتله بأربعين يوما قتل أبوه عمه إدريس. وجرى بين أبى نمى، وجماز بن شيحة صاحب المدينة أمور تتعلق بولاية مكة.
منها ـ على ما وجدت بخط الميورقى ـ أن عيسى بن الشيخ جرير، قال: أخرج الأمير جماز بن شيخة الحسنى أبا نمى من مكة ـ شرفها الله تعالى ـ فى آخر صفر سنة سبعين وستمائة.
وجاءت مواليه سنة سبعين وستمائة، وأبو نمى مطرود، وأكمل لقتل ولده سنة، ثم رجع أبو نمى إلى مكة فى ربيع وهزم جماز بن شيحة الحسنى، ثم جاء الحسينى لإخراج أبى نمى فى شعبان سنة ثلاث وسبعين.
فأعطاه أبو نمى ورجع، وخلى بينه وبين قتلة أبيه أبى سعد. انتهى.
ووجدت بخط ابن محفوظ: ما يشهد للقضية التى كانت بين أبى نمى، وجماز بن شيحة فى سنة سبعين بزيادة فائدة؛ لأنه ذكر: أن فى سنة سبعين وستمائة، وصل جماز ـ يعنى صاحب المدينة ـ وغانم بن إدريس، وأخذ مكة، وبعد أربعين يوما أخذها منهم أبو نمى. انتهى.
وفى هذا فائدة لا تفهم من كلام الميورقى، وهى: أن مدة إخراج أبى نمى من مكة أربعين يوما.
وفيه فائدة أخرى، وهى: أن غانم بن إدريس كان مع جماز فى هذه القضية، وغانم ابن إدريس، هو: غانم بن حسن بن قتادة.
ويدل لذلك: ما وقع فى الخبر الذى ذكره الميورقى من: أن جماز بن شيحة خلى بن أبى نمى وقتلة ابنه. انتهى.
وقتلة ابنه هم: أولاد حسن بن قتادة، ومنهم إدريس بن حسن، والد غانم بن إدريس المحارب لأبى نمى.
ومنها: ـ على ما وجدت بخط المؤرخ شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزرى الدمشقى ـ: أن فى التاسع عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس وسبعين كانت وقعة بين أبى نمى صاحب مكة، وبين جماز بن شيخة صاحب المدينة، وبين صاحب ينبع إدريس ابن حسن بن قتادة، فظهر عليهما أبو نمى، وأسر إدريس، وهرب جماز.
стр. 564
وكانت الوقعة فى مر الظهران (٢). وكانت عدة من مع أبى نمى مائتى فارس ومائة وثمانين راجلا، ومع إدريس وجماز مائتين وخمسة عشر فارسا، وستمائة راجل. انتهى.
ومنها: ـ على ما وجدت بخط ابن محفوظ ـ: أن فى سنة سبع وثمانين، جاء جماز ابن شيحة وأخذ مكة، وأقام بها إلى آخر السنة، وأخذها منه نواب أبى نمى. وقد اختصر ابن محفوظ هذه الواقعة.
وقد وجدتها أبسط من هذا فى وريقة وقعت لى ـ لا أعرف كاتبها ـ فيها: أن جماز بن شيحة أمير المدينة تزوج خزيمة بنت أبى نمى، وبنى بها فى ليلة السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين وستمائة، ثم حاربه جماز ـ المذكور ـ بعد ذلك، وطلب من السلطان الملك المنصور عسكرا، فسير عسكرا تقدمه أمير، يقال له: الجكاجكى. فتوجهوا إلى مكة وأخذوها، وأخرجوا أبا نمى منها.
وخطب لجماز، وضربت السكة باسمه. وذلك فى سنة سبع وثمانين، وبقيت فى يده مدة يسيرة.
ثم إن امرأة يقال لها: أم هجرس، من صبايا خزيمة، سقت الأمير جماز سمّا، فاضطرب له جسمه، وحصل من الجكاجكى مراسلة إلى أبى نمى فى الباطن، فعرف جماز أنه مغلوب، فرحل عن مكة.
ووصل إلى المدينة، وهو عليل من السم، فلم يزالوا يعالجونه حتى برئ. وأرسل الأمير جماز بالجكاجكى مقيدا إلى السلطان، فحبسه، ولم يزل فى يد أبى نمى إلى أن توفى.
قلت: الملك المنصور ـ المشار إليه ـ هو: قلاوون الصالحى. ولعل سبب إنجاده لجماز على أبى نمى: عدم وفاء أبى نمى باليمين التى حلفها للمنصور قلاوون.
ويبعد جدا أن يعين أحدا على أبى نمى مع وفاء أبى نمى باليمين المذكورة؛ لأن الملوك تقنع من نوابهم بالطاعة، وإظهار الحرمة، سيما نواب الحجاز.
وهذه نسختها على ما وجدت فى تاريخ شيخنا ناصر الدين بن الفرات العدل الحنفى، وهى: أخلصت يقينى، وأصفيت طويتى، وساويت بين باطنى وظاهرى فى
стр. 565
طاعة مولانا السلطان الملك المنصور وولده السلطان الملك الصالح، وطاعة أولادهما ووارثى ملكهما، لا أضمر لهم سوءا ولا غدرا فى نفس، ولا مال، ولا سلطنة.
وأنى عدو لمن عاداهم، صديق لمن صادقهم، حرب لمن حاربهم، سلم لمن سالمهم.
وأننى لا يخرجنى عن طاعتهم طاعة أحد غيرهما، ولا ألتفت فى ذلك إلى جهة غير جهتهما، ولا أفعل أمرا مخالفا لما استقر من هذا الأمر، ولا أشرك فى تحكيمهما علىّ ولا على مكة المشرفة، وحرمها، وموقف حلها زيدا ولا عمرا.
وأننى ألتزم ما اشترطته لمولانا السلطان، وولده فى أمر الكسوة الشريفة المنصورية الواصلة من مصر المحروسة، وتعليقها على الكعبة المشرفة فى كل موسم وأن لا يتقدم علمه علم غيره.
وأننى أسبل زيارة البيت الحرام أيام موسم الحج وغيرها للزائرين، والطائفين، والبادين، والعاكفين اللائذين بحرمه، والحاجين الواقفين.
وأننى أجتهد فى حراسثهم من كل عاد بفعله، وقوله (٢٩: ٦٧ ويتخطف الناس من حوله).
وأننى أو منهم فى شربهم، وأعذب لهم مناهل شربهم.
وأننى ـ والله ـ أستمر بتفرد الخطبة والسكة بالاسم الشريف المنصورى، وأفعل فى الخدمة فعل المخلص الولى.
وأننى ـ والله ـ أمتثل مراسيمه امتثال النائب للمستنيب، وأكون لداعى أمره أول سامع مجيب.
وأننى ألتزم بشروط هذه اليمين من أولها إلى آخرها، لا أنقضها. انتهى.
وكان حلف أبى نمى لهذه اليمين فى سنة إحدى وثمانين وستمائة، على ما ذكره شيخنا العدل ناصر الدين بن الفرات.
وقد رأيت ما يدل على أن أبا نمى لم يف ببعض هذه اليمين؛ لأنى وجدت بخط ابن محفوظ: أن فى آخر يوم من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وستمائة، خطب للملك المظفر صاحب اليمن، وقطعت خطبة خليل بن المنصور بعد أن خطب له فى أولها.
وهذا إنما يصدر عن أبى نمى، ولعل أبا نمى تأول أن الأشرف خليل بن المنصور