بعد موته أولادا أكبرهم محمد هذا. فولى الولايات، وتنقل فى المراتب إلى أن ملك مصر والشام.
وكان ابتداء ولايته الديار المصرية والدعاء له بها، فى يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ولم تثبت ولايته هذه. ثم ولى مصر فى خلافة الراضى بالله سنة ثلاث وعشرين.
وكانت فى ابتدائها مفتعلة. وجد تقليدا جاء من دار الخلافة ببغداد باسم ابن تكين، فكشط تكين، وكتب طغج وأنفذه إلى مصر، وكان بالساحل. فتوقف أهل مصر، فسار إليها وتقاتلوا، فغلب الإخشيد.
ودخل مصر يوم الأربعاء لسبع بقين من رمضان من السنة، ثم وصل له التقليد من دار الخلافة سنة أربع وعشرين.
وفى سنة ثمان وعشرين، لقبه الخليفة الراضى بالله بالإخشيد، بسؤال منه فى ذلك.
وفى سنة إحدى وثلاثين، خرج الإخشيد إلى المتقى الخليفة العباسى أخى الراضى، فولاه مصر والشام والحرمين؛ وعقد على ذلك من بعده لولديه: أبى القاسم أنوجور. ومعنى أنوجور بالعربى ـ محمود ـ وأبى الحسن على، على أن يكفلهما كافور الخصى.
وكان عوده إلى مصر يوم الأحد الثالث والعشرين من جمادى الآخرة. وأخذ البيعة لابنه أبى القاسم أنوجور لليلتين بقيتا من ذى القعدة منها.
وفى خامس شعبان سنة ثلاث وثلاثين، خرج إلى الشام، والتقى بأصحاب ابن حمدان، على لدّ (١) وهزمهم، ثم صار إلى حمص وقاتل سيف الدولة ابن حمدان، ومضى إلى حلب، ثم وقع الصلح بيهما، وتسلم الإخشيد من سيف الدولة حلب وحمص وإنطاكية (٢).
وتزوج سيف الدولة، بنت عبد الله بن طغج أخى الإخشيد.
стр. 597
ثم عاد الإخشيد إلى دمشق، فتوفى بها فى يوم الجمعة لثمان بقين من ذى الحجة سنة أربع وثلاثين.
وكان عمره ستا وستين سنة وخمسة أشهر وسبعة أيام.
وكانت مدة ولايته الأولى من لدن دخوله إلى مصر إلى حين وفاته أحد عشر سنة وثلاثة أشهر إلا يوما واحد.
لخصت هذه الترجمة من نهاية الأرب للنويرى. وذكر القطب الحلبى فى تاريخ مصر. وحكى عن أبى محمد الفرغانى: أن مولده فى نصف رجب سنة ثمان وستين ومائتين بمدينة السلام، وأنه حمل بعد موته بدمشق فى تابوت إلى بيت المقدس فدفن هناك.
وذكر القطب: أن أبا الحسين الرازى، ذكر أن الإخشيد هذا: توفى سنة خمس وثلاثين. وذكر قولا أيضا: أنه توفى بمصر وحمل إلى بيت المقدس.
وقال النويرى فى نهاية الأرب: قال: التنوخى: كان الإخشيد حازما شديد التيقظ فى حروبه، حسن التدبير، مكرما للأجناد أيّدا فى نفسه، لا يكاد يحر قوسه إلا الأفراد من الناس لقوته، حسن السيرة فى رعيته.
وكان جيشه يحتوى على أربعة آلاف رجل، وله ثمانية آلاف مملوك بحربة، يحرسه فى كل ليلة منها ألف مملوك. وكان إذا سافر يتنقل فى الخيام عند النوم، حتى كان ينام فى خيمة الفراشين قال: وترك الإخشيد سبع بيوت مال، فى كل بيت منها ألف ألف دينار من سكة واحدة.
وذكر النويرى: أن بعد موت الإخشيد، بويع لابنه أبى القاسم، أنوجور، ومعنى ذلك: محمود، وعمره اثنا عشر سنة بالشام، ثم بمصر فى ثانى المحرم سنة خمس وثلاثين.
وتوفى لسبع خلون من ذى القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
وكان كافور الإخشيدى الغالب على أمره، والحاكم على دولته، وليس معه إلا مجرد الاسم. وعقدت البيعة بعده لأخيه أبى الحسن علىّ، فى يوم الأحد لثمان خلون من ذى القعدة، فجرى كافور معه على عادته مع أخيه، وزاد على ذلك بأن سجنه ومنعه من الظهور إلى الناس إلا معه. ولم يزل على ذلك حتى مات لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
стр. 598
وقيل: إن وفاته كانت فى هذا التاريخ من سنة أربع وخمسين. وخلف ولدا واحدا، وهو أبو الفوارس أحمد.
وملك بعد أبى الحسن على، الأستاذ أبو المسك كافور الخصى الإخشيدى، مستقلا دون شريك ولا منازع، حتى مات فى يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة مسموما، سمته جارية له فى لوزينج ـ وقتلت الجارية بعده ـ وله خمس وستون سنة على التقدير. فإنه جلب فى سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة، وعمره أربع عشرة سنة وبيع باثنى عشر دينارا.
وذكر المؤيد ـ صاحب حماة ـ أنه كان يدعى لكافور الإخشيد هذا، على المنابر بمكة والحجاز الشريف. انتهى.
وفى أيام أبى مولاه محمد بن طغج الإخشيد: كادت تقع فتن فى مكة بين الإخشيدية وجماعة بنى بويه، بسبب الخطبة بمكة لكل من بنى بويه والإخشيدية كما سبق ذكره فى الفصل الثانى عشر من الباب الرابع والعشرين من مقدمة هذا الكتاب.
وذكر القطب الحلبى فى تاريخه: أن طغج والد الإخشيد هذا ـ بطاء مهملة وغين معجمة ساكنة بعدها جيم مخففة، وقيل: بضم الغين ـ ومعناه: عبد الرحمن وجف: والد طغج ـ بجيم ـ قاله ابن ماكولا.
وقال ابن عساكر: قرأت فى كتاب عتيق: جف ـ بفتح الجيم ـ والإخشيد ـ بكسر الهمزة، ومعناه بلسان أهل فرغانة (٣) ملك الملوك. انتهى.
وذكر الحافظ علاء الدين، مغلطاى: أن الإخشيد يقال لمن ملك فرغانة. وذكر ألقابا لملوك البلاد، وقد رأيت أن أثبت ذلك هنا للفائدة.
قال فيما أنبئت به عنه: «والنجاشى: اسم لكل من ملك الحبشة، ويسميه المتأخرون الأمحرى وكذلك خاقان: لمن ملك الترك، وقيصر لمن ملك الروم، وتبع لمن ملك اليمن، فإن ترشح للملك سمى قيلا، وبطليموس لمن ملك اليونان، والفطيون لمن ملك اليهود ـ هكذا قاله بن خرداذبة ـ والمعروف مالخ، ثم رأس الجالوت، والنمرود: لمن ملك الصابئة، ودهمن، وفعفور: لمن مالك الهند، وغانة لمن ملك الزنج، وفرعون: لمن ملك
стр. 599
مصر والشام، فإن أضيف إليها الاسكندرية: سمى العزيز، ويقال: المقوقس، وكسرى: لمن ملك العجم، والإخشيد: لمن ملك فرغانة، والنعمان لمن ملك العرب من قبل العجم، وجالوت: لمن ملك البربر». انتهى.
١٩٨ ـ محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، المدنى أمير مكة:
ذكره ابن حبان فى الطبقة الثالثة من الثقات، وقال: يروى عن أبيه عن معاوية بن جاهمة.
روى عنه ابن جريج، وعبد الرحمن بن أبى بكر، وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز على مكة. انتهى. وذكره المزى فى التهذيب، ونسبه كما نسبه ابن حبان.
وقال المزى: روى عن أبيه طلحة بن عبد الله، ومعاوية بن جاهمة. وقيل: عن أبيه عن معاوية بن جاهمة.
وروى عنه داود بن عبد الرحمن العطار، وعبد الرحمن بن أبى بكر المليكى، وعبد الملك بن جريج، ومحمد بن إسحاق، وقال: روى له النسائى، وابن ماجة. ووهم صاحب الكمال فى موضعين من ترجمته، لأنه لما نسبه أسقط: عبد الله بن طلحة وعبد الرحمن.
كذا وجدته فى نسخة معتمدة من الكمال، ولعل ذلك من ناسخها. والآخر: ما ذكره من رواية أبى داود له. وهو لم يرو له. وإنما روى له النسائى وابن ماجة على ما يقتضيه كلام المزى.
١٩٩ ـ محمد بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشى التيمى، المعروف بالسجاد:
يكنى أبا القاسم، وأبا سليمان، والصحيح: أبو القاسم، على ما ذكر ابن عبد البر.
стр. 600
قال الزبير بن بكار: وحدثنى محمد بن يحيى عن إبراهيم بن أبى يحيى، عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: لما ولد محمد بن طلحة بن عبيد الله، أتى به طلحة إلى النبى ﷺ ، فقال له اسمه.
فقال: محمدا. قال: يا رسول الله أكنه أبا القاسم؟ قال: لا أجمعها له. هو أبو سليمان.
قال الزبير: وحدثنى هارون بن صالح بن إبراهيم قال: حدثنى عبيد الله بن محمد بن عمران بن عمه يونس بن إبراهيم، قال: أسمى رسول الله ﷺ محمد بن طلحة: محمدا. وكناه أبا القاسم.
قال الزبير: وحدثنى أبو بكر بن يزيد بن جعدية، فقال: حدثنى أشياخ من ولد طلحة بن عبيد الله، منهم: عبيد الله بن محمد بن عمران، قالوا: لما ولد محمد بن طلحة ابن عبيد الله، أتى به طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فوضعه رسول الله ﷺ فى حجره، ثم حنكه، ثم مسح على رأسه، وبرك عليه وأسماه باسمه محمدا، وكناه بكنيته أبا القاسم ﷺ قال عبد الله: فكنا نقول: لا يصلح من ولده أحد، يمسح رسول الله ﷺ على رأسه، قال: ثم صلعنا بعد.
وقال الزبير: قتل محمد بن طلحة يوم الجمل. حدثنى عمى مصعب بن عبد الله قال: فمر به على بن أبى طالب رضى الله عنه فى القتلى. فقال: هذا السجاد ورب الكعبة، هذا الذى قتله بر أبيه.
وكان طلحة أمره يوم الجمل أن يتقدم أن يتقدم باللواء، فتقدم، ونثل درعه بين رجليه، وقام عليها. فجعل كلما حمل عليه يقول: نشدتكم بحاميم، فيصرف الرجل عنه، حتى شد عليه رجل من بنى أسد بن خزيمة يقال له: حديدة، فنشده بحاميم فلم ينته لذلك، فطعنه فقتله.
وقال الزبير: حدثنى محمد بن الضحاك بن عثمان الخزامى عن أبيه، قال: كان هوى محمد بن طلحة بن عبيد الله مع على بن أبى طالب رضى الله عنه. ونهى على عن قتله وقال: من رأى البرنس الأسود فلا يقتله، يعنى: محمدا. فقال لعائشة رضى الله عنها يومئذ: يا أمه ما تأمرينى؟ قالت: أرى أن تكون كخير بنى آدم، أن تكف يدك، فكف يده فقتله رجل من بنى أسد بن خزيمة يقال له: كعب بن مدلج من بنى منقذ بن طريف. ويقال: قتله شداد بن معاوية العبسى ويقال: بل قتله عصام بن مقشر البصرى،
стр. 601
وعليه كثرة الحديث. وهو الذى يقول فى قتله (١):
وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
دلفت له بالرمح من تحت بزه (٢) ... فخر صريعا لليدين وللفم
شككت إليه بالسنان قميصه ... فأرديته عن ظهر طرف مسوم
أقمت له فى دفعه مثل قد ... امى النسر حران لهذم (٣)
يذكرنى حم لما طعنته ... فهلا تلا حم قبل التقدم (٤)
على غير شيء غير أن ليس تابعا ... عليا ومن لا يتبع الحق يظلم
ويروى فى رواية أخرى: خرقت له بالرمح جيب قميصه.
فقال على رضوان الله عليه حين رآه صريعا: صرعه هذا المصرع بره بأبيه.
ويروى أن عليا لما أخبر بقتله قال: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) إن كان لما علمت شابا صالحا، ثم قعد كئيبا حزينا، وأمه: حمنة بنت جحش، أخت زينب زوج النبىصلى الله عليه وسلم.
٢٠٠ ـ محمد بن أبى جهم عامر:
قال ابن عبد البر: وقيل: عبيد. قال الزبير بن بكار: ابن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب القرشى العدوى.
ولد فى عهد النبى ﷺ ، على ما ذكر الذهبى.
وذكر الزبير بن بكار: أن أمه خولة بنت القعقاع بن معبد بن زرارة. وقال: قتله مسرف بن عقبة يوم الحرّة. وقال: حدثنى عمى مصعب بن عبد الله قال: كان ابن عقبة
стр. 602
بعد ما أوقع بأهل المدينة يوم الحرة فى إمرة يزيد بن معاوية، فأنهبها ثلاثا، أتى بقوم من أهل المدينة، وكان أول من قدم إليه محمد بن أبى جهم، قال: تبايع أمير المؤمنين، على أنك عبد قن إن شاء أعتقك وإن شاء استرقك. قال: فقال: بل أبايع على أنى ابن عم كريم حر. فقال: اضربوا عنقه. انتهى.
وكانت قصة مسرف بن عقبة بالمدينة فى آخر ذى الحجة سنة ثلاث وستين من الهجرة.
وقد ذكر هذه القصة غير واحد من أهل الأخبار، منهم الزبير بن بكار؛ لأنه قال بعد أن ذكر شيئا من خبر يزيد بن معاوية: ويزيد الذى أوقع بأهل المدينة، بعث إليهم مسلم بن عقبة المرى، أحد بنى مرة بن عمرو بن سعد بن ذبيان، فأصابهم بالحرة بموضع يقال له: واقم، من مسجد رسول الله ﷺ على ميل، فقتل أهل المدينة مقتلة عظيمة، فسمى ذلك اليوم يوم الحرة.
وأنهب المدينة ثلاثة أيام، وهو الذى يسميه أهل المدينة مسرفا، ثم خرج يريد مكة وبها ابن الزبير، فمات فى طريق مكة، فدفن على ثنية يقال لها: المشلل مشرفة على قديد (١).
فلما ولى عنه الجيش، انحدرت إليه ليلى أم ولد يزيد بن عبد الله بن زمعة من أستاره، فنبشته وصلبته على ثنية المشلل (٢).
وكان مشرف قتل يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود أبا ولدها.
٢٠١ ـ محمد بن عباد بن جعفر بن رعانة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم المخزومى المكى:
وأمه زينب بنت عبد الله بن السائب بن أبى السائب المخزومى.
стр. 603
سمع أبا هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وجماعة.
روى عنه ابنه جعفر، والزهرى، والأوزاعى، وابن جريج، وزياد بن إسماعيل، وعبد الحميد بن جبير بن شيبة.
قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. ووثقه أبو زرعة، وابن معين، وقال: مشهور. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه، روى له الجماعة.
٢٠٢ ـ محمد بن عباد بن الزبرقان المكى:
سكن بغداد. وسمع سفيان بن عيينة، وصحبه، وحاتم بن إسماعيل، وأبا ضمرة أنس ابن عياض، وأبا صفوان عبد الله بن سعيد الأموى (١)، وطلحة بن يحيى الزرقى، وعبد العزيز بن محمد الدراوردى، ومروان بن معاوية وجماعة.
روى عنه: البخارى، ومسلم، وأبو يعلى الموصلى، والبغوى وجماعة.
قال محمد بن سعد: توفى فى آخر ذى الحجة سنة أربع وثلاثين ومائتين بعسكر الخليفة بسر من رأى (٢). وكذا قال البخارى، وزاد: ببغداد: وقال البغوى وغيره: مات أول يوم من سنة خمس وثلاثين (٣).
وقال موسى بن هارون (٤): مات يوم الخميس. وسئل عنه أحمد بن حنبل، فقال: حديثه حديث أهل الصدق. وقال ابن معين: لا بأس به.
стр. 604
٢٠٣ ـ محمد بن العباس بن عثمان بن شافع الشافعى المكى:
عم الإمام الشافعى. روى عن أبيه. وعنه ابنه إبراهيم بن محمد الشافعى، وحديثه عزيز. روى له ابن ماجة، وقال: يروى عن أبيه والحجازيين المقاطيع. ذكره المزى فى التهذيب، ولم أره فى الكمال.
* * *
من اسمه محمد بن عبد الله
٢٠٤ ـ محمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد شمس الدين الإستجى (١) المصرى الشافعى:
نزيل مكة. جاور بها مدة سنين، مستوطنا بها متأهلا فيها. ولى مباشرة فى الحرم، وله نظم كبير، ويقع له فيه الحسن، غير أنه كان يتهم بانتحال معانيه، والله أعلم.
وكان سمع بمكة صحيح البخارى على محمد بن صبيح المكى شيخ رباط غزى، والقاضى أبى الفضل النويرى قبل ولايته، ثم صحبه، واشتهر بصحبته ومدحه بقصائد، ورثاه بعد موته بمرثية بليغة.
وسمع بمكة من الكمال بن حبيب الحلبى وبالمدينة من: قاضيها بدر الدين بن الخشاب، وبدمشق فى سنة وثمانين وسبعمائة من [ ........ ] (٢)
وتوفى فى العشرين من شعبان سنة ثمان ثمانين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة.
أنشدنى الإمام النحوى نجم الدين محمد بن أبى بكر المكى المعروف بالمرجانى من
стр. 605
لفظه، أن الأديب شمس الدين محمد بن عبد الله بن أحمد الإستجى أنشده لنفسه.
أم النواظر فى محراب حاجبها ... طرف تلا من معانى حسنها سورا
فلو ملكت فؤادى كنت أجعله ... وقفا له ولطرفى أجعل النظرا
وأنشدنى الإمام نجم الدين المرجانى أيضا أن الإستجى، أنشده لنفسه أيضا:
وشادن قسنا على ريقه ... سلافنا والجامع السكر
فقام فى العشاق تحلابه ... يتلو علينا إنما الخمر
ومن شعره أيضا قصيدة يمدح فيها النبى ﷺ ، أولها:
فى القلب منى للأحبة منزل ... لسوى الأحبة ليس فيه مدخل
قلب على التوحيد قد أسسته ... فلذاك بالأهواء لا يتزلزل
ورفعت بالتفويض ما شيدته ... منه براحات الرضى كى يكمل
وجعلت من كتمان حالى فوقه ... سقفا علا وإليه لا يتوصل
وأقمت فيه من رجائى سلما ... أرقى به عن ظن ما لا يجمل
ولبابه السامى طبعت من الحجى ... قفلا بأيدى الحزم منى يقفل
ولديه حراس به وكلتهم ... وعلى الطريق إليه ستر مسبل
وخلوت فيه بمن أحب فقال لى ... وكل بباب السر من لا يغفل
ففعلت فأنتظمت فنون مسوتى ... وغدوت فى بردى هناء أرفل
فسكرت ثم رأيت سكرى يقتضى ... سكرا ويلزم من أداه تسلسل
فرقيت من ذاك المقام لمرتقى ... لم يرقه إلا رجال كمل
قوم برحمة ربهم وبفضله ... ومعونة منه إليه توصل
لم لا ومرشدهم وهاديهم إلى ... سبل الهدى الهادى النبى المرسل
المصطفى الأوفى المراد المجتبى ... الأرشد الأتقى الأخص الأكمل
ومنها:
بالسبق فاز وإن تأخر بعثه ... فهو الأخير عناية والأول
أفلت بمبعثه شموس شرائع ... وبشرعه شمس به لا تأفل
ومنها:
فبنانه عند العطاء ووجهه ... ينهل ذا كرما وذا يتهلل
وله أيضا من قصيدة نبوية أولها:
стр. 606
نام الخلى وذو الغرام مسهد ... وله النجوم بما يكابد تشهد
نادى الأحبة لو سمحتم بالكرى ... فلعل طيفكم المفدى يسعد
قالوا ألم تعلم بأن أخا الهوى ... حكم الغرام بأنه لا يرقد
فأجاب سمعا للغرام وطاعة ... إن الغرام على المحب له اليد
قسما بعزة من أحب وذلتى ... إنى وإنى العبد وهو السيد
قد لذ لى ذلى لديه ولم أزل ... عذب لدى عذابه وتعبد
ووحق نور سنا جلال جماله ... وقديم إحسان له لا يجحد
ذل المريد بلا مراء عزة ... وحياته فى موته لا يشهد
كم ذا أصرح بالمقال لعلهم ... يحنوا وحالى حين أسكت ينشد
يا سادة عتقوا الرقاب وبرهم ... أبدا لأحرار الورى يستعبد
الأمر أمركم فقولوا امتثل ... واقضوا فرأيكم الكريم مسدد
ومنها:
وأتى العذول لما رأى من حالتى ... يثنى عنانى عنكم ويفند
ويقول إن لم تسل عشت معذبا ... سترى فتشكر ما أقول وتحمد
فأجبته دعنى عدمتك ناصحا ... ما فى جنوبك لا رعيت تردد
إن المنية فيهم أمنيتى ... فبأى شيء بعدها تتهدد
عنى إليك فلو عدلت عدلت عن ... عذلى وكنت إلى المحبة ترشد
لكن ظلمت وزاد قلبك قسوة ... صبرا عليه فقد يلين الجامد
ومنها:
تالله لو أدركت معنى حسن من ... أهواه لم تبرح به تتوجد
إن الذى ببديع حسن صفاته ... يا صاح همت هو النبى محمد
المصطفى الهادى الرسول المجتبى ... الطاهر النور المشفع أحمد
العاقب الماحى المقفى من له ... فضل عظيم لا تطاوله يد
والقصيدة الأولى اللامية، وجدتها بخطه. والثانية: بخط غيره. وصرح فيها وفى الأولى، بأن ناظمها الإستجى.
ومن شعره أيضا، قوله من قصيدة أولها:
أما والعيون السود ما أنا بالسالى ... ولا والقدود الهيف لا حلت عن حالى
стр. 607
فيا أيها اللاحى رويدك إننى ... ولا فخر صب قد رضيت بإذلالى
وقد شاع بين الناس أنى متيم ... فما لى وقد باح الخفاء لعذالى
ولله برق لاح من جانب الحمى ... فهيج أشواقى وأنعش بلبالى
وأذكرنى ثغر المليحة باسما ... كدر حباب لاح من كاس جريالى
ولم أك بالناسى ولكنه بدا ... وذكرى قد ألقى إلى قدها بالى
وماذا على صب تنعم باله ... فطورا بمعسول وطورا بعسالى
ومن لى بثغر قد حمته مناظرا ... علىّ كما شاء الهوى لحظه والى
ألمياء هل بى فى وصالك مطمع ... تلوذ به عند اشتياقك آمالى
فلولا الرجا يا غاية السول والمنى ... لمت ولم أبلغ مناى بأوجالى
وقائلة مهلا فحسبك ما جرى ... من الدمع والشكوى على الطلل البالى
فقلت لها كفى فتلك منازل ... نزلت بها قدما على خير نزال
بها كنت أمشى من سرور لمثله ... بمنعرج بها اللذات مشية مختال
وكنت بها للهو أدعى فأنثنى ... كأنى على الأفلاك أسحب أذيالى
وكم نلت من لبنى بها من لبانة ... بلا منة تخشى ولا ذل تسآلى
وكم بت أجلو والمديرة مقلتى ... سلاف جمال مازجته بإجمالى
وكم بت لا أخشى رقيبا سوى الدجى ... ولا واشيا إلا شذا طيبها الغالى
فما لى لا أبكى الغداة لبينها ... وأندب ربعا من شمائلها خالى
وأنشد من فرط الصبابة والأسى ... بذل كسانيه الهوى وبإذلالى
محبك لم يسأم وإن دام وصله ... وإن صد يا لبنى فما هو بالسالى
٢٠٥ ـ محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى المكى الشافعى، المعروف بالبهاء الخطيب، خطيب مكة وابن خطيبها:
ذكر أنه ولد سنة ثمان وسبعين وستمائة بمكة، وأنه سمع بها على يوسف بن إسحاق الطبرى، ولم يصرح بما سمعه عليه، ولعله سمع عليه الترمذى، أو بعضه فإنه كان يرويه عاليا.
وسمع المذكور من جده المحب الطبرى، سنن النسائى رواية ابن السنى، وأربعين البامنجى (١)، وعلى الفقيه التوزرى: الموطأ رواية يحيى بن يحيى وغير ذلك. وحدث.
стр. 608
وسمع من أبيه بعض صحيح البخارى. وعنه أخذ خطابة الحرم سنة أربع وسبعمائة، ودامت ولايته لها.
وكان فاضلا، له نظم ونثر وخطب، وفيه كيس ومروءة وكرم وحسن خلق.
سمع منه البرزالى شيئا من نظمه، وما علمته حدث إلا بنظمه.
وذكر أنه توفى يوم الجمعة السادس والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ودفن من يومه بالمعلاة بعد الصلاة عليه عند باب الكعبة، وكان له مشهد عظيم.
وبلغنى عن الشيخ خليل المالكى أنه رأى ـ بعد موت البهاء الخطيب ـ امرأة من أقاربه فى المنام، فقالت للشيخ: هذا البهاء مسكين ما أحد يقرأ له شيئا، ما أحد يهدى له شيئا، فقرأت له بعد ذلك شيئا من القرآن وأهديته إليه ونمت، فرأيت المرأة التى رأيتها فى المنام، فقالت لى: جزاك الله عنه خيرا، أحسنت إليه. هذا معنى ما بلغنى عن الشيخ خليل.
أنشدنى الإمام أبو اليمن محمد بن أحمد بن إبراهيم الطبرى، بقراءتى عليه بالحرم الشريف، قلت له: أنشدك الحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالى إجازة، أن خطيب مكة بهاء الدين محمد بن عبد الله بن المحب الطبرى، أنشده لنفسه بمنزله بمكة فى يوم الجمعة السادس عشر من الحجة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، فقال:
أرانى اليوم للأحباب شاك ... وقدما كنت للأحباب شاكر
وما لى منهم أصبحت باك ... أباكر بالمدامع كل باكر
نهارى لا يزال القلب ساه ... وليلى لا يزال الطرف ساهر
أذاقونى عنادا طعم صاب ... وقالوا كن على الهجران صابر
وها قلبى إلى الأحباب صاغ ... يميل إلى رضاهم وهو صاغر
أحن إلى لقاهم كل عام ... وأرجو وصلهم فى شعب عامر
أهيل الجود مقصد كل حاج ... وليس لهم عن الأحباب حاجر
سقى ربعا حواهم كل غاد ... وصين جمالهم من كل غادر
ومن شعره ـ على ما بلغنى عن جدى القاضى أبى الفضل النويرى هذه الأبيات الثمانية، وهى أربعة مقاطيع.
منها: مقطوع أنشده للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بمصر، وأظن ذلك لما
стр. 609
توجه إليها طلبا للرزق ووفاء للدين، صحبة أمير مكة الشريف رميثة بن أبى نمى الحسنى، فى سنة ست وعشرين وسبعمائة، قال:
محا محياك كل بوس ... من سفر فيه قد شقينا
ولم نكن بعد إذ رأينا ... وجهك نتلو لقد لقينا
ومنها: لما سأل بعض الأكابر عن ملوحة ماء زمزم:
هو الحظ أما العير ترتع فى الفلا رطيبا ... وأنف العود بالعود يخزم
لك الحمد أمواه البلاد كثيرة ... عذاب وخصت بالملوحة زمزم
البيتان مشهوران للمعرى أبى العلاء (٢).
ومنها قوله لما اجتمع مع جماعة، منهم ابن عمه القاضى نجم الدين، لقراءة ختمة، وقد سقط طائر فى حجره فأصغى إليه بأذنه، وقال: هذا الطائر يقول: وأنشد على لسانه فقال:
إنى سررت بقربكم وقدومكم ... وقراءة القرآن فى ناديكم
ونزلت فى وكرى إليكم آمنا ... ومؤمنا لما دعى داعيكم
ومنها: قوله مخاطبا لأرغون الدوادار نائب السلطنة بمصر، لما حج فى بعض السنين، وحضر خطبته بمكة، فتوقف فقال:
من ذا يراك ولا يها ... ب إذا قرا وإذا خطب
إن التثبت للخطي ... ب إذا رآك من العجب
٢٠٦ ـ محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة النسائى:
أبو الوليد الأزرقى المكى، مؤلف «أخبار مكة». حدث فيه عن جماعة، منهم: جده أحمد بن محمد الأزرقى، وإبراهيم بن محمد الشافعى، ومحمد بن يحيى بن أبى عمر بن الأزرق بن عمرو بن الحارث بن أبى شمر العدنى.
стр. 610
روى عنه: إسحاق بن أحمد الخزاعى، وإبراهيم بن عبد الصمد الهاشمى، ووقع لنا حديثه من طريقه عاليا.
وما علمت متى مات، إلا أنه كان حيا فى خلافة المنتصر محمد ابن جعفر المتوكل العباسى، وقد تقدم ذكرها فى ترجمته؛ لأنه ذكر فى الخطط: أن القصر المسمى سقر والستار، فى الجاهلية، صار للمنتصر، وترجمه بأمير المؤمنين، ولم أر من ترجمه، وإنى لأعجب من ذلك.
ووهم النووى ﵀ فى قوله فى شرح المهذب بعد أن ذكر حدود الحرم، نقلا عن أبى الوليد الأزرقى هذا، أنه أخذ عن الشافعى وصحبه، وروى عنه، وإنما كان ذلك وهما لأمرين:
أحدهما: أن الذين صنفوا فى طبقات الفقهاء الشافعية لم يذكروا فى أصحاب الشافعى إلا أحمد بن محمد بن الوليد جد أبى الوليد هذا.
الأمر الثانى: لو أن أبا الوليد هذا روى عن الإمام الشافعى لأخرج عنه فى تاريخه لما له من الجلالة والعظمة، كما أخرج عن جده وابن أبى عمر العدنى، وإبراهيم بن محمد الشافعى، ابن عم الإمام الشافعى.
والسبب الذى أوقع النووى فى هذا الوهم، أن أحمد الأزرقى جد أبى الوليد هذا، يكنى بأبى الوليد، فظنه النووى هو، والله أعلم، وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكلام النووى، فإنه ممن يعتمد عليه، وهذا مما لا ريب فيه.
أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن صديق الدمشقى، بقراءتى عليه: أن أبا العباس أحمد بن أبى طالب الحجار أخبره وغيره عن أبى إسحاق إبراهيم بن عثمان الكاشغرى، وأبى محمد الأنجب بن أبى السعادات الحمامى، وثامر بن مسعود بن مطلق، وعبد اللطيف بن محمد بن القبيطى، وعلى بن محمد بن كبة، وأبى الفضل محمد ابن محمد بن السباك، وزهرة بنت محمد بن أحمد بن حاضر، قالوا: أخبرنا أبو الفتح بن البطى ـ زاد الكاشغرى ـ: أبو الحسن بن تاج القراء، قالا: أخبرنا مالك بن أحمد البانياسى، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت المجير، قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم ابن عبد الصمد الهاشمى، قال: حدثنا أبو الوليد محمد بن عبد الله الأزرقى، قال: حدثنا جدى، قال: حدثنا سفيان عن أبى الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «يا بنى عبد مناف، إن وليتم من هذا الأمر شيئا، فلا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى، أية ساعة شاء من ليل أو نهار (١)».
стр. 611
٢٠٧ ـ محمد بن عبد الله بن أحمد، التونسى الأصل، المكى المولد والدار، المعروف بابن المرجانى:
سمع من شيخنا ابن صديق وغيره من شيوخنا، واشتغل فى الفقه والعربية وتنبه فى ذلك، وله نظم وخط جيد، وكتب به أشياء كثيرة، وكان دينا خيرا ساكنا.
توفى فى ليلة السبت ثانى ذى الحجة سنة عشر وثمانمائة بمكة. ودفن بالمعلاة فى صبيحتها عن أربع وعشرين سنة تقريبا.
стр. 612
٢٠٨ ـ محمد بن عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدى، أسد خزيمة:
ولد قبل الهجرة بخمس سنين على ما قال الواقدى، وهاجر مع أبيه إلى الحبشة، ثم إلى المدينة وأوصى به النبى ﷺ ، فاشترى له مالا بخيبر، وأقطعه دارا بسوق الرقيق بالمدينة.
وروى عنه وعن عمتيه: حمنة بنت جحش، وزينب بنت جحش، وعائشة الصديقة.
وروى عنه ابنه إبراهيم، والمعلى بن عرفان وغيرهما، روى له أحمد والنسائى، وابن ماجة، قال المزى: مختلف فى صحبته.
ومن حديثه: «أن المؤمن لا يدخل الجنة، وإن رزق الشهادة، حتى يقضى دينه» (١)، وبنو جحش حلفاء بنى عبد شمس، وقيل: حلفاء حرب بن أمية.
٢٠٩ ـ محمد بن عبد الله بن الحسين بن على بن أبى طلحة، البرمكى الهروى أبو عبد الله، ويقال: أبو الفتح الحنبلى، إمام الحنابلة بالحرم الشريف:
سمع من أبى المعالى بن النحاس، وأبى الوقت السجزى، وغيرهم ببغداد، ومصر، والإسكندرية، ثم صار إلى مكة واستوطنها إلى حين وفاته، وأمّ فيها بمقام الحنابلة سنين، وحدث فيها بالكثير.
وكان حيا فى سنة تسعين وخمسمائة بمكة، وفيها توفى أو بعدها بيسير. ودفن بالمعلاة.
стр. 613
ومولده سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. ذكره المنذرى فى التكملة، ومنه لخصت هذه الترجمة.
٢١٠ ـ محمد بن عبد الله بن خطاب بن جعيد بن عبد الملك القرشى السهمى:
توفى فى ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وستمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ومن حجر قبره لخصت هذه الترجمة.
٢١١ ـ محمد بن عبد الله بن زكريا البعدانى:
نزيل الحرمين الشريفين. كان خيرا صالحا مؤثرا، منور الوجه، كثير العبادة، له إلمام بالفقه والتصوف، وجاور بالحرمين نحو ثلاثين سنة، على طريقة حسنة من العبادة وسماع الحديث والاشتغال بالعلم.
وكان قدم إلى مكة فى أول عشر السبعين وسبعمائة، وأقام بها إلى سنة تسع وثمانين وسبعمائة أو بعدها بقليل، إلا أنه كان يتردد إلى المدينة، ثم انتقل إليها فى هذا التاريخ، وصار يتردد إلى مكة، ويتمشيخ على الفقراء برباط دكالة بالمدينة، وعمره من مال سعى فيه عند بعض أرباب الدنيا. وبها توفى فى العشر الأخير من ذى الحجة سنة عشر وثمانمائة، ودفن بالبقيع، وهو فى عشر الستين، وكان من وجوه أهل بلده بعدان أصحاب الشوكة بها، وبعدان (١) ـ بباء موحدة وعين ودال مهملتين وألف ونون ـ ـ بلدة من مخلاف جعفر باليمن.
٢١٢ ـ محمد بن عبد الله بن سارة القرشى:
من أهل مكة. يروى عن سالم بن عبد الله، وزيد بن أسلم. روى عنه ابن المبارك. ذكره ابن حبان هكذا فى الطبقة الثالثة من الثقات.
٢١٣ ـ محمد بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة القرشى المكى، قاضى مكة وخطيبها ومفتيها، جمال الدين أبو حامد بن الشيخ عفيف الدين الشافعى:
ولد ليلة عيد الفطر سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بمكة. وسمع بها على الشيخ
стр. 614
خليل المالكى الموطأ، رواية يحيى بن يحيى وغير ذلك، وعلى القاضى تقى الدين الحرازى، بعض ثمانين الآجرى، وعلى محمد بن سالم الحضرمى [ .... ] (١) وعلى القاضى عز الدين بن جماعة أربعينه التساعية، والمنسك الكبير له، وجزء ابن نجيد عن أحمد بن عساكر، وزينب بنت كندى، كلاهما عن المؤيد الطوسى. وسمعه على القاضى موفق الدين الحنبلى قاضى الحنابلة بمصر، مع ابن جماعة بمكة، وسمع عليهما مسند عبد، بفوت، وعلى الشيخ عبد الله اليافعى فهرسته، وصحيح البخارى. وسمعه على محمد بن أحمد بن عبد المعطى، وأحمد بن سالم المؤذن وغيرهما، وأكثر عنهما بعنايته، وعلى الكمال محمد بن عمر بن حبيب الحلبى صحيح البخارى، وسنن ابن ماجة، ومسند الشافعى، ومعجم ابن قانع، وأسباب النزول للواحدى، ومقامات الحريرى وغير ذلك، عليه وعلى غيره من الغرباء وأهل مكة.
ورحل إلى مصر، فسمع بها من مسندها الزين عبد الرحمن بن على بن هارون الثعلبى جزء ابن الطلاية، ومسموعه من سنن النسائى، رواية ابن السنى وهو مسموع ابن الصواف عنه سماعا.
ومن محمد بن على الحراوى، سمع منه «فضل الخيل» للدمياطى عنه، والعلم للمرهبى، ومن البهاء عبد الله بن خليل المكى، وأكثر عنه، ومن خلق.
وبدمشق من عمر بن حسن بن أميلة جامع الترمذى، وسنن أبى داود. وكان قرأهما قبل ذلك بمكة بنزول درجة، ومشيخة ابن البخارى تخريج ابن الظاهرى، وسمعها على صلاح الدين بن أبى عمر، مع مسند ابن حنبل بقراءته له غير قليل، فبقراءة غيره، والشمائل للترمذى، والمنتقى الكبير من الغيلانيات، والمنتقى الصغير منها، ومن المسند.
وعلى الرئيس بدر الدين محمد بن على بن قواليح، صحيح مسلم عن أحمد بن عساكر سماعا فى الثالثة عن المؤيد، وعلى البرهان إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن فلاح الدمشقى الإسكندرى: معجم بن جميع، عن عمر بن القواس حضورا.
وسمع على ابن أميلة مسموعه من هذا المعجم ومن خلق بدمشق، وسمع ببعلبك من مسندها أحمد بن عبد الكريم البعلى صحيح مسلم عن زينب بنت كندى عن المؤيد وغير ذلك، عليه وعلى جماعة ببعلبك، وحمص، وحماة، وحلب، وبيت المقدس، وغزة.
стр. 615
وأجاز له جماعة كثيرون من شيوخ البلاد التى سمع بها وغيرها.
وخرج له عن شيوخه بالسماع والإجازة: صاحبنا الإمام صلاح الدين خليل بن محمد الأقفهسى معجما حسنا، حدث به وبكثير من مروياته، ودرس وأفتى كثيرا.
ومن شيوخه فى العلم بمكة: القاضى أبو الفضل، وعمه القاضى شهاب الدين، والشيخ جمال الدين الأميوطى، والشيخ برهان الدين الأبناسى، والشيخ زين الدين العراقى، والشيخ أبو العباس بن عبد المعطى وغيرهم.
ومن شيوخه فى ذلك بمصر: قاضيها أبو البقاء محمد بن عبد البر السبكى، وشيخ الإسلام سراج الدين البلقينى، والعلامة سراج الدين المعروف بابن الملقن، وابن النحوى وغيرهم.
ومن شيوخه فى ذلك بدمشق: القاضى أبو البقاء السبكى، والعلامة عماد الدين إسماعيل بن خليفة الحسبانى. وقد أخذ عنه الفقه كثيرا، وكذلك عن القاضى أبى البقاء، وأخذ عن أبى البقاء غير ذلك من فنون العلم، وأبو العباس العنابى تلميذ أبى حيان.
ومن شيوخه فى ذلك بحلب، مفتيها الشيخ شهاب الدين أحمد بن حمدان الأذرعى، أخذ عنه جانبا من الفقه فى المنهاج، وأخذ عن غيره بحلب.
وسوغ له الإفتاء والتدريس من هؤلاء الشيوخ: القاضى أبو الفضل، وشيخ الإسلام البلقينى، وابن الملقن والحسبانى، والأميوطى والأبناسى. وأباح له البلقينى التدريس فى الحديث وأصول الفقه والعربية.
وأباح له التدريس فى العربية، أبو العباس بن عبد المعطى، وأخذها أيضا، عن العنابى، وكانت له معرفة حسنة بالعربية.
وأما الفقه، فكان كثير الاستحضار له، وكذلك الحديث متونا وأسماء ولغة وفقها، وله مشاركة حسنة فى غير ذلك من فنون العلم، ويذاكر بأشياء كثيرة مستحسنة من التاريخ والشعر.
وصنف شرحا على «الحاوى الصغير» حرر منه من كتاب البيع إلى الوصايا، وله جزء فى زمزم، وله نظم صالح، وتصدى للإفادة والتدريس نحو أربعين سنة.
стр. 616
وكان أكثر من يفتى بمكة، والفتاوى ترد كثيرا إليه من بلاد الطائف ولية (٣)، وربما أتته من بلاد زهران، وكتب على ما أتاه منها أجوبة مفيدة، قيدت عنه فى كراريس، ووردت عليه من عدن أسئلة نحو مائة، فأجاب عنها بما يسع كراريس، ووردت عليه مسائل من بلاد اليمن غير عدن، فأجاب عنها.
وأول ولايته مباشرة فى الحرم الشريف، تلقاها عن الجمال التعكرى (٤) وتدريس درس بشير الجمدار الناصرى، تلقاه عن القاضى أبى الفضل بحكم وفاته، ولم ينازعه فيه عمه، ثم نازعه فيه خالى قاضى الحرمين محب الدين النويرى لما ولى قضاء مكة، بحجة أن العادة جرت بولاية القضاة بمكة له، فانتزع منه ووليه خالى، ثم عاد إليه فى ولاية القاضى عز الدين بن القاضى محب الدين وولى عوضه قضاء مكة، وما كان بيده من الوظائف فى موسم سنة ست وثمانمائة بتفويض من أمير الركب المصرى طولو الناصرى؛ لأنه ذكر أن السلطان بمصر جعل له ذلك مع تفويض من صاحب مكة وباشر ذلك إلى موسم سنة سبع وثمانمائة.
ثم ولى ذلك القاضى عز الدين ولم يتمكن كل التمكن، لورود كتاب الأمير السالمى مدبر الدولة بمصر، بأن القاضى جمال الدين على ولايته.
وكان قد اشتهر عزله بمصر، ثم جاءته الولاية فى ليلة ثانى ربيع الآخر سنة ثمان وثمانمائة، وباشر ذلك إلى أواخر شعبان سنة عشر وثمانمائة، ثم باشر ذلك القاضى عز الدين فى أوائل رمضان إلى قبيل النصف من شعبان سنة اثنتى عشرة، ثم باشر ذلك القاضى جمال الدين إلى العشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، ثم باشر ذلك القاضى عز الدين، إلى موسم هذه السنة، ثم باشر ذلك القاضى جمال الدين إلى أن شغله المرض الذى مات فيه عن ذلك.
وكان عزل عن ذلك بنائب له من أقاربه، وهو القاضى كمال الدين أبو البركات
стр. 617
ابن أبى مسعود، السابق ذكر والده غير مرة، منها فى سنة أربع عشرة وخمس عشرة، وما تم لأبى البركات أمر لعزله، بالقاهرة قبل خروج ولايته منها.
وكان القاضى جمال الدين عزل عن الخطابة ونظر الحرم والحسبة، فى سنة ست عشرة وثمانمائة بالقاضى عز الدين. وباشر ذلك فى النصف الثانى من شوال هذه السنة إلى موسمها، فعادت الخطابة فقط للقاضى جمال الدين، وباشرها من موسم هذه السنة، إلى أثناء شهر ربيع الآخر سنة سبع عشرة، ثم عادت للقاضى عز الدين، وباشرها حتى مات القاضى جمال الدين، وكانت فوضت إليه بعد موته، وقبل العلم به.
وولى القاضى جمال الدين تصديرين لبشير الجمدار، كان أحدهما مع الشيخ جمال الدين الأميوطى، والآخر مع عمه القاضى شهاب الدين بن ظهيرة.
وولى تدريس المدرسة المجاهدية سبع عشرة سنة ـ بتقديم السين ـ وولى تدريس المدرسة الغياثية، مدرسة السلطان غياث الدين صاحب بنجالة. وأظنه ولى تصديرا ببعض المدارس الرسولية بمكة، قبل أن يلى تدريس المجاهدية بتقرير الناظر على ذلك، القاضى سراج الدين عبد اللطيف بن سالم، وبعد موته كانت ولايته للمدرسة المجاهدية، وقد نزل عنها وعن البنجالية، لولده القاضى محب الدين، فباشر ذلك مباشرة حسنة، وباشر بعد أبيه قضاء مكة وأعمالها، ونظر الأوقاف والربط بها.
ولكن بعد أن سبقه إلى ذلك، قريبه القاضى أبو البركات، فإنه ولى ذلك، بعد وفاة القاضى جمال الدين، وباشر ذلك أحد عشر شهرا متوالية تزيد أياما.
فأول مباشرة القاضى محب الدين، فى العشر الأخير من ذى القعدة سنة ثمان عشرة، وآخرها خامس شوال سنة تسع عشرة وثمانمائة. ثم عاد إلى مباشرة ذلك فى خامس ذى الحجة سنة تسع عشرة، بعد صرف أبى البركات عن ذلك.
ثم مات أبو البركات بذات الجنب فى ليلة ثالث عشرى ذى الحجة، والقاضى محب الدين مستمر على المباشرة إلى سنة عشرين وثمانمائة، وقد خرجنا عن المقصود، ولكن لفوائد.
وكان القاضى جمال الدين، ذا حظ عظيم من الخير والعبادة والعفاف والصيانة، وما يدخل تحت يده من الصدقات يصرفه فى غالب الناس وإن قل، وفقد فى معناه.
وكان موته فى ليلة الجمعة السادس عشر من شهر رمضان سنة سبع عشرة وثمانمائة
стр. 618
بمكة، ودفن بالمعلاة على جد أبيه لأمة العفيف الدلاصى (٥)، مقرئ الحرم، بعد أن تعلل مدة طويلة بالإسهال. فالله يتغمده برحمته.
وما ذكرناه من أن وفاته فى ليلة السادس عشر من شهر رمضان، موافق لرؤية أهل مكة لهذا الشهر.
وأما على رؤية أهل عدن وغيرهم له، فهى ليلة السابع عشر من شهر رمضان، والله أعلم بحقيقة ذلك.
وقد سمعت منه معجمه، وقرأت عليه كثيرا من مروياته، منها: صحيح مسلم، ومشيخة ابن البخارى، ومعجم ابن جميع وغير ذلك. وما سمعته أجمع من غيره، وأباح لى التدريس فى علم الحديث والإفادة فيه.
وكان يتفضل بكثير من الثناء، وذلك مما اكتسبناه من صفاته الحسنى.
وقد سمعنا منه ببلاد الفرع (٦)، ونحن متوجهون فى خدمته لزيارة الحضرة النبوية. وما أطيب تلك الأوقات. ولله در القائل:
وتلك الليالى الماضيات خلاعة ... فما غيرها بالله فى العمر يحسب
٢١٤ ـ محمد بن أبى بكر عبد الله بن خليل بن إبراهيم بن يحيى بن فارس بن أبى عبد الله العسقلانى المكى، شيخ الحرم ومفتيه، رضى الدين أبو عبد الله، المعروف بابن خليل الشافعى:
سمع من أبى الحسن على بن الجميزى: الثقفيات. وعلى ابن أبى الفضل المرسى: صحيح ابن حبان. وعلى محمد بن على الطبرى، وابن مسدى، وأبى اليمن بن عساكر وأكثر عنهما.
стр. 619
سمع منه جماعة من الأئمة. منهم: نجم الدين بن عبد الحميد، ومات قبله. وأبو عبد الله بن رشيد خطيب سبتة (١)، وذكره فى رحلته. وذكر أنه لقيه بمنزله من الحرم الشريف، وسمع منه المسلسل بالأولية، قال: وتذاكرت مع رضى الدين فى مسائل فقهية وأصلية. وكان شديد العارضة، حديد النظر، متعرضا لإيراد الشبه.
وقد كانت جرت بينه وبين الشيخ الصالح الفقيه أبى محمد المرجانى، قبل قدومى، مذاكرة، كان عنها بعض تغير، إذا كان أبوه بعيدا عن طرق المناظرة.
كان فى رضى الدين فضل حد وفى المناظرة، ثم قال: ورضى الدين هذا، هو أحد العلماء العاملين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
وله فى ذلك مع أمير مكة أبى نمى محمد بن أبى سعد، حكايات ونوادر تحكى وتذكر، وقد انتهى الأمر به ـ فيما بلغنى ـ إلى أن سجنه، فرأى أبو نمى فيما يرى النائم كأن الكعبة ـ شرفها الله تعالى ـ تطوف بالمحل الذى سجن فيه رضى الدين بن خليل، فوجه إليه وأطلقه واعتذر إليه. ورضى الدين هذا، هو الذى تدور عليه الفتيا أيام الموسم. انتهى.
وممن سمع عليه أيضا. الشيخان: علاء الدين العطار، وعلم الدين البرزالى، وذكره فى معجمه، فقال: كان شيخا جليل القدر، عالما متدينا، له معرفة بالفقه على مذهب الشافعى، وعليه مدار القتوى بمكة معتمدا فيها؛ وإن كان الشيخ محب الدين الطبرى شيخ الجماعة قوالا بالحق، آمرا بالمعروف، ناه عن المنكر، له فى القلوب الجلالة، ويتوسل به فى الحوائج، ناسكا صالحا، دائم الصيام والطواف، قاضيا لحوائج الناس، من قصده مشى معه متواضعا. وكان يعرف «التنبيه» مسألة مسألة، ويحفظ «المفصل»، ويعرف طرفا من العربية. انتهى.
وذكره الذهبى فى تاريخ الإسلام، وقال: كان فقيها عالما، مفتيا، ذا فضل ومعارف وعبادة وصلاح، وحسن أخلاق.
وقد سمع منه ابن العطار، والبرزالى، وجماعة. وأجاز لى مروياته وترجمه: شيخ الحرم.
стр. 620
وذكر لى شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة: أنه وجد للفقيه جمال الدين بن خشيش الآتى ذكره كتابا ألفه سماه «المقتضب» قرأه عليه الرضى بن خليل وكتب له بخطه بسبب قراءته له عليه ألقابا منها: مفتى الحرمين، وذلك فى سنة أربع وستين وستمائة.
قلت: هذه مزية للرضى، ومع ذلك فما سلم من الأذى. فقد وجدت بخط أبى العباس الميورقى: خرق الشرفاء هيبة الرضى محمد بن أبى بكر بن خليل فى شوال سنة خمس وسبعين، ولم يزد على ذلك، ولم يذكر سبب ذلك. ولعل سبب هذه القضية إنكاره المنكر، كما ذكر ابن رشيد فيما سبق.
ووجدت ذلك بخط أبى عبد الله بن قطرال فى تعاليقه، فى أثناء ترجمة الرضى بن خليل هذا؛ لأنه قال: أخبرنى ثقة، أنه سجن مرة على تغيير منكر قام به. فرأى صاحب مكة أبو نمى الكعبة المشرفة تطوف بالسجن الذى كان فيه، فأخرجه واستعطفه وسأل المغفرة. انتهى. وهذه منقبة عظيمة.
وللرضى بن خليل هذا نظم، فمنه ما أنشدناه الشيخ أبو اليمن محمد بن أحمد بن الرضى إبراهيم الطبرى بقراءتى عليه الحرم الشريف، أن أباه وعثمان بن الصفى أنشداه إجازة عنه. ونقلت من خطه هذه الأبيات:
إن الحليفة للمدينة محرم ... ويلملم يمن وشام جحفة
عرق عراق ثم نجد قرنها ... هذى المواقيت الشريفة جمة
فحليفة عشر وجحفة أربع ... ومراحل التالى اثنتان ريحة
ومنه بهذا الإسناد، وأنشد ذلك له ابن الجزرى فى تاريخه:
يا نازحين ودمع العين ينزحه ... من بعد بعدهم عودوا ولى عود
ترى لييلات سلع هل تعود بكم ... وذاوى الحب هل ينشق له عود
أفنى جميعى هواكم لا عدمتكم ... سوى أنين ووجد فهو موجود
وحق حبكم لا خنت عهدكم ... فعللونى بوصل أو به جودوا
لله وقت قضيناه على دعة ... والشمل مجتمع والبين مطرود
ومنه به:
أيها النازح المقيم بقلبى ... فى أمان أنى حللت ورحب
جمع الله بيننا عن قريب ... فهو أقصى مناى منك وحبى
стр. 621
وأنشد له ابن الجزرى هذين البيتين، ولا أدرى هل هما له أم لا؟ فقال: وكتب من مكة إلى الشام:
وما أبتدأ العبد فى كتبه ... سلام لأمر تظننونه
ولكنه إذا رأى كونه ... تحيتهم يوم يلقونه
وتوفى الرضى بن خليل هذا، فى الحادى والعشرين من ذى الحجة سنة خمس وتسعين وستمائة بمكة، ودفن بالمعلاة بالقرب من سفيان بن عيينة. هكذا ذكر وفاته البرزالى فى معجمه، نقلا عن الشيخ بهاء الدين عبد الله بن الشيخ رضى الدين المذكور.
وذكر الذهبى فى تاريخ الإسلام: أنه توفى فى الحادى والعشرين من ذى الحجة سنة ست وتسعين. كذا وجدت بخطى فيما نقلته من التاريخ المذكور، وهو وهم منى إن لم يكن منه. والظاهر أن الوهم منه، لأنه ذكره فى «العبر» فى المتوفين سنة ست، إلا أنه لم يذكر الشهر، وإنما كان ذلك وهما؛ لأنى وجدت بخط جدى أبى عبد الله الفاسى: أنه توفى فى آخر شهر ذى الحجة سنة خمس وتسعين بمكة. وذكر أنه عاده فى مرضه، وحضر الصلاة عليه، ودفنه بالمعلاة. وما ذكره جدى موافق لما ذكره البرزالى، وهو إنما نقل وفاته عن الشيخ بهاء الدين عبد الله بن الشيخ رضى الدين المذكور، وهما أقعد بمعرفة ذلك من غيرهما. ومولده ـ على نل ذكر البرزالى ـ بمنى فى حادى عشر ذى الحجة فى آخر أيام التشريق، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.
٢١٥ ـ محمد بن عبد الله بن عبد الله الدمشقى القلعى المقرى، ناصر الدين المعروف بالعقيبى:
نسبة إلى العقيبة، موضع بدمشق، المتصدر بالحرم الشريف. هكذا وجدت نسبه بخطه.
ووجدت بخطه: أنه قرأ القرآن الكريم ختمة كاملة بما احتوته قصيدة الإمام الشاطبى من مذاهب القراء، على المقرئين بدر الدين محمد بن أحمد بن بصحان الدمشقى، وشمس الدين محمد بن أحمد بن على الرقى، وحدث عنهما بالقصيدة المذكورة، بقراءة ابن بصحان لها، على الرضى جعفر بن القاسم بن دبوقا، وقراءة الرقى لها، على الجمال إبراهيم بن داود الفاضلى، والشهاب أبى بكر بن عثمان بن عبد الخالق بن مزهر الأنصارى.
стр. 622
وعنهما أخذ القراءة بقرائتهما لها على العلم السخاوى، عن الناظم، تلا عليه لأبى عمرو بن العلاء من طريق الدورى، والسوسى عن اليزيدى عنه ختمة، جمع فيها بين الطريقين، شيخنا القدوة تفى الدين عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى. وكتب له الإجازة بخطه. ومنها نقلت ما ذكرت.
وسألت شيخنا المذكور عنه. فقال: تصدر للإقراء بدمشق وبالمدينة. ومات بها أو بمكة، وأقام بها مدة طويلة.
وكان مستجاب الدعوة. وكان يقرأ غالبا فى كل يوم ختمة. وذكر أنه سمعه يقول: كنت أقرأ فى كل يوم من رمضان ختمتين، فلما كان آخر الشهر، صرت أرى مكتوبا: الله، الله، الله، على جميع ما يقع عليه بصرى من الأرض والسماء والجبال، فانقطعت عن المسجد وحضور الجماعة ودخول الخلاء وغير ذلك، وتركت التصرف، وأقمت على ذلك يومين، ثم زال عنى فى الثالث.
وذكر لى شيخنا: أن بعض الناس حسّن للشيخ ناصر الدين هذا، أن يصطرف دراهم، بمسعودية، فى وقت رخصها، ليستفيد فيها وقت غلوها، فاتفق أنه فعل. فلما تبين له تحريم ذلك، تصدق بالجميع. وكان مبلغا له صورة. وذكر أنه كان شديد المراقبة لنفسه.
وقد ذكره ابن فرحون فى كتابه «نصيحة المشاور»، فقال: كان إماما فى القراءات وموادها، ملازما للمشتغلين، انتفع الناس عليه بدمشق ورأس فيها.
انفرد بمكة ثم بالمدينة. وكان من الأولياء، وأهل الفراسة. وكذا عنده حدة عظيمة على الطلبة وهيبة عليهم.
توفى ﵀ سنة أربع وستين وسبعمائة. انتهى.
٢١٦ ـ محمد بن عبد الله بن عبد الحق بن عبد الله بن عبد الأحد بن على المخزومى المكى المقرئ، قطب الدين بن الشيخ عفيف الدين الدلاصى المكى:
سمع على الفخر التوزرى، الموطأ رواية يحيى بن يحيى. وسمع على والده، وخلفه فى التصدر للإقرار بالحرم الشريف.
ومات شابا فى مستهل صفر، سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة بمكة، كما ذكر البرزالى فى تاريخه. وذكر أنه اجتمع به بعرفة، وسمع بقراءته، وسأله عن تاريخ وفاة والده. وله على ما بلغنى إجازة من العز الفاروثى.
стр. 623
وبلغنى عن صهره، زوج أخته، ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة القرشى، أنه لما مات صهره محمد هذا، نظر فى قبره، فتخيل أنه ضيق عليه، فنام فرأى الميت فى النوم. فقال له: خاطرى معك لضيق قبرك عليك. فقال: ما هو ضيق، وأنا أرى منه الحجر الأسود. فتعال انظر، فنظر إليه، فرأى الحجر الأسود، ورأى كأنه فى مرجة خضراء كأنها بستان، وفيه أشجار. فقال له: أنا أقيم عندك.
فقال له: الله يستر بك أهلك. فاستيقظ وهو يجد طعم التفاح فى فمه. هذا معنى ما بلغنى فى ذلك.
٢١٧ ـ محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن صابر السلمى الدمشقى، أبو طالب بن أبى المعالى:
المعروف جده بابن سيدة ـ بسين مفتوحة وياء آخر الحروف مشددة مكسورة بعدها دال مهملة وتاء تأنيث ـ هكذا ذكره المنذرى فى التكملة (١). وذكر أنه سمع أباه.
وذكر القطب الحلبى فى تاريخ مصر: أنه سمع أباه وأبا طاهر الخشوعى، وأبا محمد ابن عساكر. وسافر إلى مصر، وسمع بها من إسماعيل بن صالح بن ياسين، وأبى القاسم البوصيرى، مربعة ابن دريد.
أخبرنا ابن بركات، أخبرنا القضاعى، أخبرنا أبو مسلم عنه: سمعها منه أبو حامد بن الصابونى، وسمع منه الحسن الخلال، وعلى بن هارون الثعلبى.
وجاور بمكة سنين، وكانت له دنيا واسعة، وحال حسن، فتزهد فى عنفوان شبابه فيها وطرحها، وصحب الصالحين، وأهل الخير.
وتوفى لسبع خلون من محرم سنة سبع وثلاثين وستمائة، وقد جاوز السبعين ودفن فى يومه بمقبرة ابن أوراب. انتهى باختصار.
٢١٨ ـ محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، القاضى صدر الدين أبو بكر المراغى:
كان من أعيان أهل زمانه فضلا وتقدما. قدم بغداد فى صباه فى سنة اثنتين وثلاثين
стр. 624
وخمسمائة، فسمع بها من شيخ الشيوخ أبى البركات إسماعيل بن أبى سعد النيسابورى وغيره. وعاد إلى بلده وتولى القضاء، وعلت حاله وكثر جاهه وماله.
وقدم بغداد حاجا فى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وتلقاه الموكب وعلماء بغداد، على ما ذكر ابن الجزرى، قال: وكان شيخا كثير المال، حسن الهيئة، يلبس الحرير، ويجعل الذهب على دابته، وحج وعاد إلى بلده، وواصل جماعة من أهل بغداد بعطائه لما قدمها، وله آثار حسنة ببلده.
توفى هناك فى سنة تسعين وخمسمائة أو نحوها. ونقل إلى مدينة النبى ﷺ ، فدفن برباط أنشأه مجاور لحرم النبى ﷺ . ذكره ابن الدبيثى فى ذيل تاريخ بغداد. ومنه كتبت الترجمة مختصرة.
وهو صاحب الرباط الذى على باب الجنائز بمكة، المعروف ببيت الكيلانى، كما فى الحجر الذى على بابه، وفيه أنه أوقفه على الغرباء الواصلين إلى محروسة مكة، حرسها الله تعالى، النازلين فيه، والمجتازين وغيرهم من العرب والعجم، فى ذى الحجة سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
٢١٩ ـ محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير:
ويقال له: محمد المحرم ـ بالحاء المهملة ـ لكونه كان يحرم بالحج بمنصرفه إلى بلده، ويبقى السنة محرما.
روى عن عطاء وابن أبى مليكة.
وعنه: النفيلى، وداود بن عمرو الضبى، وشبابة، ومنصور بن مهاجر، وعدة.
ضعفه ابن معين، وقال: ليس بثقة. وقال البخارى: منكر الحديث. وقال النسائى: متروك. وقال أبو حاتم: واه.
ضمرة عن ابن شوذب، قال: قال عكرمة: ما أعلم أحدا شرا منك؟ قال: وكيف؟ قال: لأن الناس يستقبلون هذا البيت بالتلبية وأنت تستدبره بها (١).
стр. 625
وكان محمد يحرم السنة كلها، إذا انصرف إلى أهله لبى بالحج.
كتبت هذه الترجمة ملخصة من الميزان للذهبى.
٢٢٠ ـ محمد بن أبى بكر الصديق، واسم عبد الله بن أبى قحافة عثمان بن عامر، القرشى التيمى، أبو القاسم:
ولد عام حجة الوداع بذى الحليفة ـ أو بالشجرة ـ وخلف على بن أبى طالب أباه على أمه أسماء بنت عميس، وتربى فى حجره.
وكان على رجالته يوم الجمل، وشهد معه صفين.
وكان على ـ رضى الله عنه ـ يثنى عليه ويفضله؛ لأنه كان ذا عبادة واجتهاد. وولاه مصر، فسار إليه عمرو بن العاص رضى الله عنه، واقتتلوا، فانهزم محمد بن أبى بكر، ودخل خربة فيها حمار ميت، ودخل جوف الحمار، فأحرق فى جوفه وقتل قبل تأمر عمر بن العاص. وقيل: قتله معاوية بن خديج فى المعركة صبرا. ثم أحرق فى جوف حمار.
وكان قتله فى سنة ثمان وثلاثين، وفيها: ولى مصر بعد الأشتر النخعى، على ما قال أبو عمر بن عبد البر.
وكلام الذهبى يدل على أنه وليها قبل الأشتر، ووافق على أنه توفى سنة ثمان وثلاثين، وهو ممن اتهم بقتل عثمان. وقيل: إنه شارك فيه.
٢٢١ ـ محمد بن عبد الله بن على بن محمد بن عبد السلام بن أبى المعالى ابن أبى الخير الكازرونى، المكى، جمال الدين:
رئيس المؤذنين بالحرم الشريف سمع من الرضى الطبرى: سنن أبى داود، والنسائى، وعلوم الحديث لابن الصلاح، وحدث.
стр. 626
سمع منه جماعة من شيوخنا وغيرهم، منهم شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة، وقال: كان له معرفة بعلم الميقات. وصنف فى ذلك أرجوزة، أولها:
قال ابن عبد الله والسلام ... مؤذن الكعبة والمقام
وسافر إلى بلاد الهند، ومكث بها مدة طويلة. ثم عاد إلى مكة فى أواخر عمره، واستمر بها حتى مات فى سنة سبع وسبعين وسبعمائة. انتهى.
وذكر لى ابن أخيه الرئيس بهاء الدين عبد الله بن على: أن عمه هذا، توفى فى شوال منها، وأن مولده فى رمضان سنة إحدى عشرة وسبعمائة.
وذكر لى أن أباه كان فى فاقة شديدة عند ولادته، ففتح عليه بسنجة ذهب، زنتها ثلاثون مثقالا. انتهى. (١) وكان المذكور يعانى تجبير الأعضاء.
٢٢٢ ـ محمد بن عبد الله بن على بن يوسف بن عبد الله بن بندار الدمشقى، ثم المصرى شمس الدين، أبو عبد الله بن الكمال أبى بكر بن قاضى القضاة أبى الحسن بن أبى المحاسن، المعروف بابن شاهد القيمة:
نزيل مكة. سمع من عمه المعين أحمد بن على الدمشقى، كتاب: فضل الصلاة لإسماعيل القاضى ومشيخته، ومجلس البطاقة، وسمع من أبى مضر الواسطى. وحدث عنه ببعض صحيح مسلم، ولعله سمعه كله. رواه عنه الآقشهرى.
وسمع منه البرزالى، وذكره فى معجمه. وقال: ولد بالقاهرة سنة أربع وأربعين وستمائة وتزوج بها وجاءته بها أولاد، ثم قدم مكة. وأقام من عشرين، وتزوج بها وجاءته بها أولاد، وتوفى بها فى سنة تسع وعشرين وسبعمائة.
وذكر القطب الحلبى فى تاريخ مصر: أنه توفى أوائل سنة تسع وعشرين وسبعمائة بمكة. وأنه ولد بدرب الأتراك بالقاهرة، فى مستهل ربيع الأول سنة أربع وأربعين وستمائة.
стр. 627
٢٢٣ ـ محمد بن عبد الله بن عليات بن فضالة بن هاشم بن هانى بن خرز القرشى العثمانى، أبو عبد الله المكى:
خادم الشيخ أبى محمد عبد الرحمن المغربى. هكذا نسبه الشريف أبو القاسم الحسينى فى وفياته.
وذكر أنه سمع من الحافظ أبى الفتوح الحصرى: سنن النسائى، رواية بن السنى وحدث بها. سمعها منه الفخر التوزرى.
وتوفى فى ليلة الخميس الثامن عشر من صفر سنة خمس وستين وستمائة بمكة، شرفها الله تعالى. ومولده فى سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
وذكر القطب الحلبى فى نسبه، ما يخالف ما ذكره الشريف أبو القاسم.
فقال لما ذكر ابنه أبا حامد الآتى ذكره: محمد بن محمد بن عبد الله بن فضالة بن عبد الله المعروف بعلياش بن هانى بن فضالة بن هانى بن خزر.
ووجدت بخط يعقوب بن أبى بكر الطبرى فى استدعاء مؤرخ بجمادى الأولى سنة تسع وخمسين وستمائة ما مثاله: أجاز لهم الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن ماخوخ المعروف بالخادم. وكتب عنه بحضوره، من غرة ربيع الأول سنة ستين وستمائة.
وهذا كما ترى مخالف لما ذكره القطب الحلبى وشيخه، وهو المذكور، لأنى رأيت فى محاذاة اسمه بخط القطب القسطلانى، والاستدعاء بخطه: ووفاته كما ذكره الشريف أبو القاسم، إلا أنه ذكرها أبين، فقال: ليلة الخميس.
ووجدت بخط جدى أبى عبد الله الفاسى: أنه نقل من خط أبى المعالى محمد بن القطب القسطلانى:
توفى أبو عبد الله محمد بن ماخوخ، المعروف بالخادم، وهو خادم الشيخ عبد الرحمن الغمارى سنة أربع وستين وستمائة، فهذا كما تراه مخالف فى النسب، اللهم إلا أن يكون ماخوخ لقبا لأبيه والله أعلم.
ومن الوفاة ـ والصواب وفاته ـ: فى سنة خمس وستين وستمائة.
وخزر ـ بخاء معجمة وزاى ثم راء ـ على ما يقتضيه ضبط الشريف أبى القاسم الحسينى بخطه، سبق بيانه.
стр. 628
٢٢٤ ـ محمد بن عبد الله بن عمر بن مسعود، العمرى المكى:
كان من أعيان القواد العمرية. توفى ـ مقتولا من سهم أصابه، رماه به مبارك بن عطيفة بن أبى نمى ـ سنة سبع وثلاثين وسبعمائة بظاهر مكة؛ وسبب قتله: أن مباركا وجد عليه، لأنه كان فيمن خرج إلى مبارك، لخلاص محمد بن الزين القسطلانى من مبارك، لما قبض على ابن الزين.
والعمرى: نسبة إلى جده عمر، ومسعود ـ والد عمر ـ مولى أبى سعد حسن بن على بن قتادة، صاحب مكة الآتى ذكره.
٢٢٥ ـ محمد بن عبد الله بن عمر بن عبد الله بن عمر بن مسعود القائد العمرى المكى:
كان من أعيان القواد العمرية. وممن جسّر السيد رميثة بن محمد بن عجلان بن رميثة الحسنى، على هجم مكة، فى آخر جمادى الآخرة سنة ست عشرة وثمانمائة.
وتوفى فى آخر سنة أربع وعشرين ثمانمائة، أو فى أول سنة خمس وعشرين وثمانمائة، وقد بلغ الخمسين، أو قاربها ظنا.
٢٢٦ ـ محمد بن عبد الله بن عمرو بن محمد بن زياد بن إسماعيل بن عبد الله بن المطلب بن أبى وداعة القرشى السهمى، أبو عمرو، قاضى مكة:
ذكره صاحب الجمهرة ابن حزم. وذكر أنه كان على قضاء مكة أيام المطيع، وأن له ابنا محدثا اسمه على. انتهى.
قلت: والمطيع: هو المطيع لله أبو القاسم الفضل بن جعفر بن المقتدر العباسى، وأيامه المشار إليها هى أيام خلافته، وكانت من سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، إلى ذى القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
٢٢٧ ـ محمد بن عبد الله بن الفتوح بن محمد المكناسى المحاصر (١) جمال الدين أبو عبد الله، إمام المالكية بالحرم الشريف:
هكذا نسبه الميورقى تعاليقه، وذكر أنه تولى إمام مقام المالكية بمكة، سنة ثمان وثمانين
стр. 629
وخمسمائة. وذكر أنه وقف فى هذا العام «المقرب» لابن أبى زمنين المالكى، بست مجلدات، على المالكية والشافعية والحنيفة، الذين يكونون بمكة.
وجعل مقره بخزانة المالكية بمكة. ولم يذكر الميورقى وفاته.
ووجدتها على حجر قبره بالمعلاة عند حائط قبر الشولى، بخط عبد الرحمن بن أبى حرمى، وترجمه: بالفقيه الإمام العالم العامل الزاهد الورع.
وذكر كنيته ولقبه كما ذكرنا، وكذلك نسبه، إلا أنه لم يذكر محمد بعد فتوح.
وأرخ وفاته بيوم الخميس العاشر من جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.
٢٢٨ ـ محمد بن عبد الله بن أبى الفضل بن أبى على بن عبد الكريم الطائى، شيخ الحرم، ظهير الدين أبو عبد الله بن منعة البغدادى الزعفرانى:
سمع من الشرف بن أبى الفضل المرسى: الأربعين للفراوى، تخريج ولده، وجزء ابن نجيد. وسمع من سليمان بن خليل، ويعقوب بن أبى بكر الطبرى: جامع الترمذى. وحدث.
سمع منه جماعة، منهم: الشريف أبو عبد الله الفاسى، والحافظ قطب الدين الحلبى، وذكره فى معجمه، فقال: كان ينسب إلى بعض تشيع، وكان شيخ الحرم فى وقته، من بقية السلف، ولديه فضيلة.
وسمع منه: الحافظ علم الدين البرزالى، وذكره فى معجمه وتاريخه، وقال: إنه شيخ حسن.
أقام بمكة ثمانيا وخمسين سنة، وكان دخلها شابا مع الشيخ عفيف الدين منصور بن منعة. وكان عمه شيخ الحرم، وله مكانة كبيرة من جهة الخلافة.
فلما مات، استمر شيخنا هذا بها على وظيفة عمه إلى أن توفى بالمهجم ـ من بلاد اليمن ـ فى السادس من رمضان سنة ثمان وسبعمائة. وصلى عليه من الغد عقب صلاة الصبح، ودفن بالمقبرة الشامية بالبلد المذكور.
وكان توجه فى هذه السنة إلى بلاد اليمن، متوفدا صاحبها الملك المؤيد فناله منه بر ورفد، ثم عاد فأدركه الأجل بالمهجم من تهامة (١).
стр. 630
ومولده: سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ببغداد. انتهى.
قلت: الزعفرانى: نسبة إلى قرية من أعمال نهر عيسى من بغداد، هكذا وجدت بخط ابن مسدى فى الأربعين التى خرجها لعمه؛ ومن خطه نقلت هذا النسب، وذكر أنه سأل عمه عنه.
٢٢٩ ـ محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الهاشمى الخليفة، أبو عبد الله المهدى بن أبى جعفر المنصور العباسى:
ذكرناه فى هذا الكتاب، لكونه ممن وسع المسجد الحرام وعمره. بويع بمكة بالخلافة بعد موت أبيه بها، وبلغه الخبر بذلك فى أحد عشر يوما، وكان أبوه عهد إليه بالخلافة، واستمر حتى مات فى العشر الأخير من المحرم، سنة تسع وستين ومائة، عن ثلاث وأربعين سنة بماسبذان (١).
وسبب موته: أنه ساق خلف صيد، فدخل الوحش خربة، فدخل الكلاب خلفه وتبعهم المهدى، فدق ظهره فى باب الخربة لشدة سوقه، فتلف لساعته.
وقيل بل أكل طعاما سمته جاريته لضرتها، فلما وضع يده فيه، ما جسرت أن تقول هيأته لضرتى. ويقال كان «إنجاص» فأكل واحدة وصاح من جوفه، ومات من الغد، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا.
стр. 631
وكان طويلا أبيض مليحا، حسن الأخلاق، حليما فضا بالزنادقة، جوادا ممدحا، محببا إلى الناس، وصولا لأصحابه، ولم يل الخلافة أحد أكرم منه ولا أبخل من ابنه. ويقال: إنه أعطى شاعرا مرة خمسين ألف دينار. ويقال: إن المنصور خلا فى الخزائن مائة ألف ألف وستين ألف ألف درهم، ففرقها المهدى.
ولما حج فى سنة ستين ومائة، قسم فى أهل مكة والمدينة، ثلاثين ألف ألف درهم، على ما قيل، وأربعمائة ألف دينار، وصلت إليه من مصر واليمن، ومائة ألف ثوب وخمسين ألفا، وكسا الكعبة، ووسع المسجد الحرام، ثم زاد فيه مرة أخرى، وأنفق فى ذلك أموالا عظيمة.
وقد ذكرنا ذلك أبسط من هذا فى كتابنا «شفاء الغرام» ومختصراته.
ولما حج حمل إليه الثلج إلى مكة، ولم يتم ذلك لأحد قبله.
وأمر فى سنة إحدى وستين، بعمارة طريق مكة، وبنائه القصور فيها، أوسع من القصور التى بناها السفاح، وأمر باتخاذ البرك، وإصلاح المياه وتجديد الأميال.
وفى سنة ست وستين ومائة أمر بإقامة البريد بين مكة واليمن، وبين المدينة النبوية ومكة، فأقيم لذلك بغال وإبل، وهو أول ما أقيم فى تلك الأراضى.
٢٣٠ ـ محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن قاسم، تقى الدين بن الشيخ عفيف الدين بن قاضى مكة تقى الدين، بن مفتى مكة شهاب الدين، الحرازى المكى:
سمع من عمة أبيه شيختنا أم الحسن فاطمة، والعفيف النشاورى، وأجاز له جماعة من شيوخنا الشاميين بالإجازة، واشتغل بالعلم فعاجلته المنية.
توفى فى صفر سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة بمكة. ودفن بالمعلاة.
٢٣١ ـ محمد بن عبد الله بن أحمد بن قاسم الحرازى، أخو السابق شقيقه، يكنى أبا الفضل:
حضر على عمه فيما أحسب، وسمع من شيخنا ابن صديق وغيره. وعنى بالعلم فتنبه.
ودخل اليمن والهند طلبا للرزق. فأدركه الأجل بكلبرجة ـ ببلاد الهند ـ فى سنة عشرة وثمانمائة، ووصل نعيه فى سنة أربع عشرة وثمانمائة. وعاش نيفا وثلاثين سنة.
стр. 632
٢٣٢ ـ محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر ابن عبد شمس بن عبد مناف القرشى، أمير مكة:
ذكره الفاكهى فقال: ومن ولاة مكة أيضا: أبو جراب الأموى، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر. كان على مكة فى زمن عطاء بن أبى رباح.
فحدثنا سعيد بن عبد الرحمن قال: حدثنا بن أبى رواد عن بن جريج، قال: أمر أبو جراب عطاء ـ وهو أمير مكة ـ أن يحرم فى الهلال، وكان يلبى بين أظهرنا، وهو حلال، ويعلن التلبية. انتهى.
وولاية أبى جراب لمكة، تكون فى خلافة عبد الملك بن مروان، أو خلافة أحد من أولاده الأربعة. والله أعلم.
وذكره بن حزم فى الجمهرة، وأنه يلقب أبا جراب، ونسبه كما نسبه الفاكهى. وقال: قتله داود بن على بن عبد الله بن العباس. انتهى.
وذكر الزبير بن بكار: أن أمه رملة بنت العلاء بن طارق بن المرقع من كنانة.
٢٣٣ ـ محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله، القاضى جمال الدين بن فهد القرشى، الهاشمى المكى:
سمع على المفتى عماد الدين عبد الرحمن بن محمد الطبرى: صحيح مسلم، عن المرسى، وعلى أخيه الشرف يحيى بن محمد الطبرى: أربعى المحمدين للجيانى وغير ذلك، وعلى الأمين محمد بن القطب القسطلانى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، وعلى التوزرى الموطأ أيضا، وصحيح البخارى، ومسند الدارمى، ومسند الشافعى، والشفا، وعلى الصفى الطبرى، وأخيه الرضى: صحيح البخارى وغير ذلك، وعلى الظهير بن منعة: جزء ابن نجيد، وعلى أحمد بن ديلم الشيبى: الأربعين المختارة لابن مسدى، وعلى بنتى القسطلانى: سداسيات الرازى، وغير ذلك من الكتب والأجزاء، بقراءته وقراءة غيره.
стр. 633
وتفقه على قاضى مكة نجم الدين الطبرى وصحبه، وانتفع به، وناب عنه فى الحكم، وعن القاضى شهاب الدين أحمد بن القاضى نجم الدين الطبرى، حتى مات، وهو القائم بولاية القاضى شهاب الدين، وكان فاضلا فى الفقه وغيره.
وكان يفتى ويعانى التجارة فى كثير من الأشياء، وحصل دنيا طائلة، وخلف تركة لها صورة من العقار وغيره. وكان طارحا للتكلف، يجلس للحكم فى السوق فى غالب النهار.
وذكره البرزالى فى تاريخه، نقلا عن العفيف المطرى، فقال: كان فقيها مفننا معظما، نزها قوالا بالحق، لم يخلف بعده ببلده مثله؛ وذكر أنه توفى فى يوم الثلاثاء رابع شعبان سنة خمس وثلاثين وسبعمائة بمكة. وأن مولده فى أوائل شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وستمائة. انتهى.
ووجدت بخط ابن البرهان الفقيه جمال الدين، أنه توفى يوم الأربعاء الرابع من شعبان سنة ست وثلاثين، وأنه ناب عن القاضى نجم الدين الطبرى. انتهى.
والصحيح فى وفاته، ما ذكره ابن البرهان؛ لأنى وقفت له على إجازة كتبها لجدى القاضى أبى الفضل النويرى، فى عرضه عليه لجميع كتاب «التنبيه» فى الفقه لأبى إسحاق الشيرازى، تاريخها سلخ رمضان سنة خمس وثلاثين. وأجاز له جميع مروياته.
٢٣٤ ـ محمد بن عبد الله بن محمد الأندلسى، أبو عبد الله، العلامة المفسر، شرف الدين، المعروف بابن أبى الفضل المرسى السلمى:
سئل عن مولده، فذكر أنه فى ذى الحجة سنة تسع وستين وخمسمائة بمرسية. وقيل: سنة سبعين.
وسمع بالمغرب من جماعة، منهم أبو محمد عبد الله الحجرى. سمع عليه: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، ثم رحل من المغرب فى سنة ثلاث وستمائة.
стр. 634
فسمع بمصر، من الحافظ أبى الحسن على بن على بن المفضل المقدسى، وبدمشق من قضاتها: أبى القاسم بن الحرستانى، وأبى اليمن الكندى، وابن ملاعب.
وبواسط: من أبى الفتح الميدانى، مشيخته، وببغداد من أبى أحمد عبد الوهاب بن سكينة جزءا وغيره.
وبنيسابور: من أبى الحسن المؤيد بن محمد الطوسى، صحيح مسلم، وجزء بن نجيد. وروى عنه الموطأ، رواية أبى مصعب، ومن منصور بن المنعم الفراوى، سنن البيهقى الكبير، وعوالى جده أبى عبد الله الفراوى، والأربعين له، ومن زينب الشعرية جزء ابن نجيد وغيره.
وبهراة: من أبى روح عبد المعز بن محمد بن الهروى: صحيح ابن حبان بفوت يسير، تشمله الإجازة، وأربعى الأستاذ أبى القاسم القشيرى، عن زاهر السرخسى عنه، وجزء ابن نجيد.
وبمكة: من الشريف يونس بن يحيى الهاشمى وطبقته.
وحدث بالكثير بأماكن عدة، منها مكة. وتردد إليها مرات، وجاور بها كرات.
سمع منه الحفاظ والأعيان من العلماء، وبالغوا فى الثناء عليه.
قال ابن النجار فى تاريخ بغداد: هو من الأئمة الفضلاء فى فنون العلم: الحديث، وعلوم القراءات، والفقه، والخلاف، والأصلين، والنحو، واللغة. وله قريحة حسنة، وذهن ثاقب، وتدقيق فى المعانى، وله مصنفات فى جميع ما ذكرناه. وله النظم والنثر الحسن. وكان زاهدا، متورعا، حسن الطريق، كثير العبادة، ما رأيت فى فنه مثله. انتهى.
وذكره المحب الطبرى فى «التعريف بمشيخة الحرم الشريف»، الذى جمعه على لسان الملك المظفر صاحب اليمن.
وذكر من تآليفه تفسيرا كبيرا يزيد على عشرين سفرا، وأوسط عشرة أسفار، وصغيرا ثلاثة أسفار، ومختصر مسلم سفران، والضوابط الكلية فى علم العربية، وكتاب الكافى فى النحو، فى غاية الحسن، قال: ولم يتم، بقى منه يسير. قال: وله التعاليق الرائقة فى كل فن.
وذكره أيضا فى كتاب «العقود الدرية والمشيخة المكية المظفرية». وترجمه بالشيخ
стр. 635
الفقيه، الإمام العالم الماهد، المحدث المسن فخر الزمان، علم العلماء زين الرؤساء إمام النظار، رئيس المتكلمين، أحد علماء الزمان، المتصرف أحسن التصرف فى كل فن. أصله من مرسية (١)، من بلاد الأندلس، لم يزل مشتغلا من صغره إلى كبره. وله المباحث العجيبة والتصانيف الغريبة، وجمع الأقطار فى رحلته، ارتحل إلى غرب بلاده، ثم إلى الإسكندرية، والديار المصرية، والشام، والعراقين. ودخل بلاد العجم، وناظر، وقرأ وأقرأ، واستفاد وأفاد. ولم يزل يقرى ويدرس حيث حل، ويقر له بعلمه وفضله كل محل، ثم قال: وجاور بمكة سنين كثيرة. انتهى.
وذكره القطب اليونينى، فى ذيل المرآة، وأثنى عليه، ثم قال: وجاور بمكة مدة. وذكر أنه كان مالكيا. وما ذكره من كونه مالكيا، يرد على قاضى دمشق تاج الدين السبكى، حيث ذكره فى كتابه «طبقات الفقهاء الشافعية».
ويؤيد ذلك: أن المغاربة كلهم مالكيون إلا النادر منهم. نعم كثير منهم ينتحلون الأثر، ولعل هذا منهم.
ووقع للقاضى تاج الدين فى ترجمة المذكور، شيء يتعجب منه، لفرط ذكائه وفطنته، وهو قوله بعد أن ذكر كلام ابن النجار الذى ذكرناه: لم يذكر ابن النجار وفاته. ووجه العجب، أنه لا يمكن ابن النجار أن يذكر وفاة شخص تأخر بعده اثنى عشر سنة، فإن ابن أبى الفضل توفى فى النصف من شهر ربيع الأول سنة خمس وستمائة بين الزعقة والعريش (٢) من منازل الرمل وهو متوجه من مصر إلى دمشق. ودفن من يومه بتل الزعقة.
هكذا ذكره الشريف أبو القاسم الحسينى فى وفياته. وأرخ وفاته هكذا، غير واحد. منهم: القطب الحلبى، فى تاريخ مصر. وزاد تعيين اليوم الذى مات فيه، قال: يوم الاثنين، وقال: كان كريما.
قال شيخنا أبو حيان: أخبرنى شرف الدين الجزايرى ـ بتونس ـ أنه دخل على