من أصحاب ابن المقدم، ونهبت أموالهم، ولولا كفه لهم عن القتال؛ مراقبة لحرمة الزمان والمكان، لانتصفوا من أهل العراق، وجرح هو عدة جراحات، وقضى الله تعالى له بالشهادة فى يوم النحر، سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة بمنى. ونقل إلى المعلاة فدفن بها، هكذا ذكر فى تاريخ ابن الأثير وغيره.
ورأيت فى حجر قبره بالمعلاة: أنه توفى يوم الخميس الحادى عشر من ذى الحجة من السنة المذكورة، وهو يخالف ما سبق. والله أعلم.
وفيه فى نسبه زيادة «محمد» بعد عبد الملك، وقبره بقرب القبر الذى يقال له قبر خديجة بنت خويلد رضى الله عنهما.
وفى تاريخ ابن الأثير أكثر مما ذكرناه من حاله.
٢٨٥ ـ محمد بن عبد الملك الحضرمى:
نزيل مكة. هكذا ذكره القطب الحلبى فى تاريخ مصر، فى شيوخ شجاع بن محمد ابن سيدهم، المدلجى، المتصدر بالجامع العتيق.
٢٨٦ ـ محمد بن عبد المهدى بن على بن جعفر المكى:
كان من جملة المشارفين فى ديوان الشريف حسن بن عجلان فى بعض ولايته على مكة. توفى فى سنة اثنتى عشرة وثمانمائة [ ........ ] (١). من بلاد اليمن، ووصل نعيه إلى مكة فى شهر رجب منها، أو فى جمادى الآخرة.
٢٨٧ ـ محمد بن عبد المؤمن بن خليفة الدكالى (١)، الملقب بالبهاء المكى:
أجاز له فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة: أبو العباس الحجار، وجماعة من دمشق، باستدعاء خاله الشريف أبى الخير الفاسى. وسمع منه: الموطأ، وعلى الزين الطبرى وعثمان بن الصفى والآقشهرى: سنن أبى داود، وعلى جماعة بمكة، وبالمدينة: على الزبير بن على الأسوانى: الشفا للقاضى عياض، وعلى المطرى، وخالص البهائى: الإتحاف، لأبى اليمن بن عساكر.
стр. 667
وسمع من القاضى ناصر الدين التونسى بالقاهرة، وتردد إليها مرات.
وبها توفى سنة تسع وستين وسبعمائة. وكان باشر الحسبة بمكة نيابة.
٢٨٨ ـ محمد بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مصعب الزبيرى، أبو البركات المكى:
رحل إلى العراق والشام ومصر والأندلس.
وروى عن أبى زيد المروزى، والدارقطنى، والقاضى أبى بكر الأبهرى، وغيرهم، حدث عنه أبو محمد بن حزم، وأبى محمد بن جراح. وقال: كان ثقة، متحريا فيما ينقله، لقيته بإشبيلية فى سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وفيها توفى. وأخبرنى أن مولده سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وكان ممتعا بحواسه.
ذكره الذهبى فى تاريخ الإسلام، ومنه اختصرت هذه الترجمة.
٢٨٩ ـ محمد بن عبد الوهاب بن أحمد العجلى، أبو بكر المكى:
روى عن إبراهيم بن محمد التيمى القاضى. سمع منه فى جامع البصرة: الحافظ أبو بكر الإسماعيلى، وذكره فى معجمه.
٢٩٠ ـ محمد بن عبد الله بن عبد الغفار القزاز المكى أبو عبيد الله:
حدث عن إبراهيم بن محمد الشافعى.
وسمع منه: ابن المقرى بمكة، وذكره فى معجمه.
٢٩١ ـ محمد بن عبيد بن أبى صالح المكى:
سكن بيت المقدس. يروى عن صفية بنت شيبة، ومجاهد بن جبر، وعدى بن عدى الكندرى.
روى عنه: ثور بن يزيد الحمصى، وعبيد الله بن أبى جعفر المصرى.
قال أبو حاتم: هو ضعيف الحديث. وذكره ابن حبان فى الثقات.
стр. 668
روى له أبو داود حديثا واحدا، ورواه ابن ماجة، إلا أنه سمى فى روايته: عبيد الله ابن أبى صالح، وهو وهم على ما قال المزى. والله أعلم.
* * *
من اسمه محمد بن عثمان
٢٩٢ ـ محمد بن عثمان بن الصفى أحمد بن محمد بن إبراهيم الطبرى المكى:
سمع من جده الصفى، وعم أبيه الرضى الطبرى، والفخر عثمان التوزرى، وغيرهم كثيرا، وما علمته حدث.
وتوفى فى ثالث عشرى شوال، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة.
وكان يعرف بأبى عكاز ـ بعين مهملة وكاف وألف وزاى معجمة ـ وما عرفت تحقيق سبب هذه الشهرة.
٢٩٣ ـ محمد بن عثمان بن إبراهيم الحجى:
قال: كان شجر الحرم حصيدا لا شوك فيه: فلما أحدثت خزاعة المعاصى فى الحرم، اقشعر الشجر من معاصيهم، فخرج له هذا الشوك.
روى ذلك الزبير بن بكار فى نسب قريش، عن حمزة بن عتبة اللهبى عنه.
٢٩٤ ـ محمد بن عثمان بن أبى بكر الملقب بالشمس، ويعرف بالطنبداوى:
نزيل مكة. ولد بطنبدى (١) من ديار مصر، ونشأ فيها، ثم انتقل إلى مكة وسكنها مدة سنين، وحصل له بها أولاد وعقار. وكان بزازا فى القيسارية التى بسوق العطارين عند رباط الشرابى.
توفى فى النصف الثانى من ذى الحجة، سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، بعد رحيل الحجاج من مكة بثلاثة أيام أو نحوها.
٢٩٥ ـ محمد بن عثمان بن خالد بن عمر بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان الأموى، أبو مروان المدنى:
نزيل مكة وقاضيها. روى عن أبيه، وإبراهيم بن سعد، وعبد العزيز بن أبى حازم، وعبد العزيز بن محمد الدراورى وغيرهم.
стр. 669
روى عنه جماعة، منهم: ابن ماجة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال: ثقة، وإسحاق بن أحمد الخزاعى.
وقال صالح بن محمد: ثقة صدوق، إلا أنه يروى عن أبيه المناكير، ولا يعرف أباه.
وذكره ابن حبان الثقات، وقال: يخطئ ويخالف.
وروى له النسائى فى الخصائص.
وذكر ابن حزم فى الجمهرة: أنه ولى قضاء مكة للمعتصم والواثق. انتهى.
والمعتصم: هو أبو إسحاق محمد بن الرشيد، ولى بعد أخيه المأمون بعهد منه فى رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، إلى أن مات فى ربيع الأول سنة سبع وعشرين، فهذه أيامه.
والواثق (١): هو هارون بن المعتصم، ولى بعد أبيه بعهد منه، إلى أن مات فى ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين فهذه أيامه، فولاية أبى مروان هذا لقضاء مكة، تحتمل أن تكون هذه المدة أو بعضها، والله أعلم.
وتوفى ابن حبان: مات بمكة فى آخر سنة أربعين، وأول سنة إحدى وأربعين.
٢٩٦ ـ محمد بن عثمان بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحى المكى:
عن حميد بن قيس المكى، وهشام بن عروة، وعبد السلام بن أبى الجنوب، والحكم ابن أبان، وغيرهم.
стр. 670
وعنه: أحمد بن حنبل، والحميدى، ويعقوب بن حميد بن كاسب، وأحمد بن محمد ابن عون القواس.
قال أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث. وذكره ابن حبان فى الثقات.
كتبت هذه الترجمة من تهذيب الكمال؛ لأنى لم أرها فى الكمال.
٢٩٧ ـ محمد بن عثمان بن موسى بن عبد الله الآمدى، ثم المكى القاضى جمال الدين الحنبلى:
إمام الحنابلة بالحرم الشريف. أجاز له التاج عبد الوهاب بن عساكر، وابن مسدى، وسليمان بن خليل، ويعقوب الطبرى، وابن مضر الواسطى، وأحمد بن عبد الدايم، وجماعة.
وسمع من أبى اليمن بن عساكر: صحيح البخارى، ورواه عن أبيه عن ابن أبى حرمى.
وسمع على أبيه: صحيح مسلم، بفوت شملته الإجازة، عن المرسى.
وسمع على المحب الطبرى: سنن أبى داود بفوت من أولها، إلى كتاب المسح على الخفين، وسنن النسائى، وكتابه: الرياض النضرة.
وسمع ببغداد من الرشيد بن أبى القاسم: مسند الشافعى وصحيح البخارى، وسمع بدمشق على جماعة، وحدث.
سمع منه الآقشهرى وغير واحد من شيوخنا، وروى لنا بعضهم عنه.
وناب فى الحكم بمكة، عن القاضى نجم الدين الطبرى، وابنه القاضى شهاب الدين، وباشر الحسبة بمكة ـ على ما بلغنى ـ وما عرفت هل ذلك نيابة أو استقلالا، وكان فيه صرامة، وله همة.
وكان خلف أباه فى الإمامة، حتى توفى فى ضحوة يوم الأحد العشرين من جمادى الآخرة، سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة بمكة. ودفن بعد العصر بالمعلاة.
وكانت ولايته للإمامة سبعا وخمسين سنة، ونحو نصف سنة.
نقلت وفاته من خط الآقشهرى. ووجدت بخطه فى نسبه: القرشى الفهرى.
стр. 671
ووجدت بخط بعض العصريين حكاية عن أبيه، وقال فى تعريفه: الطائى. والله أعلم بالصواب.
٢٩٨ ـ محمد بن عثمان بن يوسف بن أبى بكر، يلقب بالعلم، ويكنى أبا ذر، ابن الشيخ فخر الدين النويرى المالكى:
توفى فى يوم الأربعاء سابع عشر شوال سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة من يومه.
وكان أبوه مجاورا بمكة فى هذه السنة، وحصل عنده ألم لفقده. تغمدهما الله برحمته.
٢٩٩ ـ محمد بن عثمان المكى:
عن عمرو بن دينار المكى. شيخ مجهول. ذكره الذهبى فى المغنى والميزان.
وقال فى الميزان فى ترجمة محمد بن شريك المكى: وقال: إنما هو عثمان بن عبد الله. قاله الدارقطنى.
٣٠٠ ـ محمد بن عثمان المكى:
يروى عن على بن سلم، عن مكحول. روى عنه: أبو عاصم النبيل.
ذكره ـ هكذا ـ ابن حبان فى الطبقة الرابعة من الثقات.
٣٠١ ـ محمد بن عجلان بن رميثة بن أبى نمى الحسنى، المكى:
ولى إمرة مكة نيابة عن أخيه على بن عجلان، نحو نصف سنة، فى سنة أربع وتسعين وسبعمائة، لما توجه أخوه علىّ فيها إلى مصر.
وولى إمره مكة ـ بعد قتل أخيه علىّ ـ إلى حين قدوم أخيه الشريف حسن بن عجلان من مصر، فى آخر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وسبعمائة.
وذلك أزيد من نصف سنة يسيرا.
ووليها نيابة عنه بعد قدومه إلى مكة من مصر [ .......... ] (١).
стр. 672
وكان ابن عمه عنان بن مغامس بن رميثة، لما ولى إمرة مكة فى ولايته الأولى، لاءم محمد بن عجلان هذا، وأقبل كل منهما على الآخر كثيرا. واستخلف عنان محمدا هذا بجدة، وترك معه فيها من لاءمه من عبيد أحمد بن عجلان، وبعض موالى أبيه مغامس، يكون عينا على محمد، فأنهى هذا المولى إلى عنان، عن محمد تقصيرا، فكتب عنان إليه يزجره ويغلظ له، فاستشاط محمد غضبا، واستدعى كبيشا ومن معه من آل عجلان وغيرهم، فقدموا عليه جدة، واستولوا على ما فيها من أموال الكارم، وغلال المصريين بالنهب، وما قدر عنان على إزالتهم من جده، ولا استنقاذ ذلك منهم.
وكان ذلك من أعظم أسباب عزله.
وكان عجلان يرغب فى أن يكون ابنه محمد هذا، ضدا لولده أحمد بن عجلان، بأن يفعل فى البلاد فعلا يظهر به محمد، ويغضب لفعله أحمد، فيلين بذلك جانب أحمد لأبيه ـ لأنه كان قوى عليه ـ وينال بذلك مقاصد من ولده أحمد، وينال بذلك محمد أمرا فى البلاد، فلم ينهض محمد بمراد أبيه مع تيسر سبب ذلك، وصورة الحال فى ذلك: أن عجلان كتب ورقة إلى ابنه محمد، يأمره بأن يشغب هو وأصهاره الأشراف على أحمد بن عجلان، وأن يأخذ من خيل أبيه ما شاء، ويذهب إلى نخلة، ويأخذ منها أدرعا هناك مودعة له، ويأخذ ممن هى مودعة عنده ما يحتاج إليه من المصروف، ووصلت ورقته إلى ابنه محمد، وهو فى لهو مع بعض أصدقاء أخيه أحمد، فأوقفهم على ورقة أبيه، فاستغلوه وبعثوا بها إلى أخيه أحمد، وأشغلوه باللهو إلى أن بلغ أخاه الخبر، وقصد أحمد أباه فى جمع كثير، معاتبا له على ما فعل، وكان قد بلغه ما كان من ابنه محمد، فشق عليه كثير، واعتذر لأحمد، وأعرض عن محمد لقلة حزمه.
وكان محمد قصد قافلة متوجهة من مكة إلى المدينة (٢) فيها قاضى مكة أبو الفضل النويرى، فنهب محمد جمال القافلة ببدر، وتوصل من فيها إلى المدينة، وبلغ الخبر أباه عجلان، فجد فى السير حتى أتاهم بالمدينة، فاستعطفهم وأرضاهم برد الجمال، أو بمال ـ الشك منى ـ والله أعلم.
وكان محمد ـ بعد ذلك ملائما لأخيه أحمد، وأخوه مكرم له، ثم نفر منه محمد، فتوجه من مكة بعد الحج، فى سنة ست وثمانين وسبعمائة، قاصدا مصر، طالبا لخبر. فلما كان بينبع أشار عليه أمير الحاج المصرى، أبو بكر بن سنقر الجمالى، بأن يرجع إلى
стр. 673
مكة، ويرجع معه بعنان بن مغامس، وحسن بن ثقبة، وكانا قاصدين مصر لشكوى أحمد، لكونه لم يجبهما إلى ما رسم لهما به عليه السلطان بمصر، وكان أمير الحاج قد أشار على المذكورين بالرجوع إلى مكة، وضمن لهما عن أحمد، الموافقة على قصدهما إذا رجعا إليه، وضمن لمحمد عن أحمد، إسعافه لما يرومه من أحمد، وأطمعه بالمزية فى الإحسان من أحمد، إذا وصل إليه بالمذكورين.
فرجع الثلاثة إلى أحمد، ولم يتوثق محمد لنفسه ولا لمن معه من أحمد، اغترارا من بنفسه، لظنه أن أحمد لا يسوءه فى نفسه ولا من معه، فلم يصب ظنه؛ لأن أحمد قبض عليه وعلى المذكورين لما اجتمعوا به، وضمّ إليهم أحمد بن ثقبة، وابنه عليا، وقيد الخمسة.
ومن الناس من يقول: إن أحمد ندب محمدا لإحضار عنان وحسن، فلما حضرا إليه قبض عليهما، فأنكر ذلك محمد على أحمد، فضمه إليهما، وسجن الخمسة بالعلقمية عند المروة، فلما مات أحمد، كحلوا ـ غير عنان ـ فإنه كان نجا من السجن قبل موت أحمد بيسير، وكان من أمرهم وأمر محمد، ثم سعى محمد، فى اعتقال عنان بمصر. فأجيب سؤاله.
وكان محمد قدمها فى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، بعد ثورة منطاش (٣) على الناصرى (٤)، ومصير الأمر إليه بعد قبضه على الناصرى وسجنه. وهو الذى أجاب محمدا لسجن عنان.
وكان محمد هذا فى سنة ثمانمائة، دخل إلى اليمن، فأكرمه صاحب اليمن الأشرف وجهز معه محملا إلى مكة فى سنة ثمانمائة، بعد انقطاع محمله نحو عشرين سنة، وتوجه به محمد بعد الحج؛ ليأتى به ثانية إلى مكة، فاقتضى رأى صاحب اليمن عدم إرساله، فتوجه محمد إلى مكة وأقام بها، حتى مات فى الثانى عشر من ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة، ودفن بالمعلاة.
٣٠٢ ـ محمد بن عرفة بن محمد الأصبهانى المكى، المؤذن على قبة بئر زمزم، عرف بعبود (١):
سمع على أبى المظفر بن علوان: أربعى المحمدين للجيانى، وما علمته حدث. وأجاز
стр. 674
للقطب القسطلانى، وابنه أبى المعالى، فى استدعاء مؤرخ بشهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وستمائة، وتاريخ خطه يوم السبت سلخ الحجة، سنة سبع وثلاثين وستمائة. ولم أدر متى مات، غير أنه يستفاد حياته فى هذا التاريخ.
ومولده ـ على ما وجدت بخطه ـ ليلة خامس رمضان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
٣٠٣ ـ محمد بن عطيفة بن أبى نمى محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة ابن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم الحسنى المكى:
أمير مكة، وليها بعد أن عزل ابنا عمه: عجلان، وثقبة، ابنا رميثة بن أبى نمى، شريكا لابن عمه سند بن رميثة. ويقال: إن ولاية مكة عرضت عليه بمفرده، فأبى إلا أن يليها شريكا لبعض أولاد رميثة، فولى معه سند بن رميثة.
وبلغنى أنه لما وصل الخبر بولايتهما إلى مكة، أشار عجلان إلى ثقبة، بأن يعطى كل منهما أربعمائة بعير، لبنى حسن، ليساعدوهما على بقاء ولايتهما.
ومنع ابن عطيفة ومن معه، فلم يوافق على ذلك ثقبة، واحتج بعجزه عن الإبل المطلوبة منه، ولما بينه وبين سند من كثرة الألفة، ومعاضدة سند له.
وكان صاحب مصر، الملك الناصر حسن، لما ولى مكة سندا، وابن عطيفة، جهز من مصر مع ابن عطيفة عسكرا فيه أربعة من الأمراء، وهم: جركتمر الماردينى حاجب الحجاب بالقاهرة، وهو مقدم العسكر، وقطلوبغا المنصورى، وعلم دار، وابن أصلم (١).
وذكر ابن محفوظ: أن هذا العسكر، كان نحوا من مائتى مملوك، ومعهم تسعون فرسا، وأنهم وصلوا إلى مكة فى الثامن من جمادى الآخرة، سنة تسعين وسبعمائة. انتهى.
وذكر لى بعض الناس، أن هذا العسكر وصل إلى مكة فى رجب من السنة المذكورة، والله أعلم بالصواب فى ذلك.
ولما وصل هذا العسكر إلى مكة، وصل إليهم سند بن رميثة، فأعطوه تقليده وخلع عليه، وعلى ابن عطيفة، ودعى لهما على زمزم، وانصلح بالعسكر حال مكة، وارتفع منها الجور وانتشر العدل بها، وأسقط المكس من المأكولات، وجلبت الأقوات،
стр. 675
فرخصت فيها الأسعار إلى الغاية، وانقمع أهل الفساد، بحيث لم يتجاسر أحد منهم على حمل السلاح بمكة؛ لأن مقدّم العسكر أمر بذلك.
واستمر هذا الحال بمكة ـ على ما ذكرناه ـ إلى انقضاء الحج من سنة إحدى وستين وسبعمائة، ثم تغير ذلك لفتنة عظيمة وقعت بين بنى حسن من أهل مكة، والعسكر الذى بها، وهذا العسكر غير العسكر الذى قدم إلى مكة مع ابن عطيفة، ومقدم هذا العسكر أميران، أمير يقال له: قندس، قدم من القاهرة فى جماعة، وأمير يقال له ناصر الدين بن قراسنقر المنصورى، قدم من الشام فى جماعة، ليقيموا بمكة، عوض العسكر الذى قدم مع ابن عطيفة، وكان قدوم العسكر الذى مع قندس، وابن قراسنقر إلى مكة فى الموسم من سنة إحدى وستين وسبعمائة.
وسبب الفتنة بين هذا العسكر، وأهل مكة، أن بعض العسكر رام النزول بدار المضيف عند الصفا، فمنعه من ذلك بعض الأشراف، من ذوى علىّ، فتضاربوا، وبلغ ذلك بنى حسن والترك، فثارت الفتنة بينهم.
وقيل إن سبب الفتنة: أن بعض الترك نزل بدار المضيف، فطالبه بعض الأشراف بالكراء، فضرب بعض الترك الشريف، فقتل الشريف التركى، فثار جماعة من الترك على الشريف، فصاح الشريف، فاجتمع إليه بعض الشرفاء واقتتلوا، وبلغ ذلك الترك وبنى حسن، فقصد الأشراف أجيادا.
ووجدوا فى ذهابهم إلى أجياد (٢)، خيلا على باب الصفا (٣)، للأمير ابن قراسنقر، ليسقى عليها بعد طوافه، فإنه كان ذلك اليوم، ذهب للعمرة من التنعيم، فركبها الأشراف، وبلغ ابن قراسنقر الخبر، وهو يطوف، فقطع طوافه، وتقدم للمدرسة المجاهدية ليحفظها، فإنه كان نازلا بها، وتحصن هو وبعض الترك فى المسجد الحرام، وأغلقوا أبوابه، وهدموا الظلة التى على رأس أجياد الصغير، ليروا من يقصدهم من بنى حسن، ويمنعوه من الوصول إليهم بالنشاب وغيره، وعملوا فى الطريق عند المجاهدية أخشابا كثيرة، لتحول بينهم وبين من يقصدهم من الفرسان، من أجياد الكبير، هذا ما كان من خبر الترك.
стр. 676
وأما ما كان من خبر بنى حسن، فإنهم لما توجهوا لأجياد، استولوا على اصطبل ابن قراسنقر، وقصدوا الأمير قندس، وكان نازلا ببيت الزباع بأجياد، فقاتلوه من خارجه حتى غلبوه، ودخلوا عليه الدار، فقتلوا جماعة من أصحابه، وهرب هو من جانب منها، فاستجار ببعض الشرائف، فأجارته.
ونهب منزله بنو حسن، وقصد طائفة منهم الترك الذين بالمسجد، فقتلوا من سراة بنى حسن: مغامس بن رميثة، أخا سند، وغيره.
وكان من أمر الترك بعد ذلك، أنهم خرجوا من مكة، بعد أن استجاروا ببعض بنى حسن على أنفسهم وأهلهم وأموالهم، ولم يخرجوا من مكة إلا بما خف من أموالهم، وخرج بعدهم من مكة ابن عطيفة، قاصدا مصر خائفا يترقب، بسبب ما كان بين ذوى عطيفة والقواد العمرة من القتل، وكان تخلى فى وقت الفتنة عن نصرة الترك، بإشارة بعض بنى حسن عليه بذلك، وقوى عزمه على ذلك، قتل الترك لمغامس بن رميثة.
ووجدت بخط بعض أصحابنا فيما نقله من خط ابن محفوظ: أن ابن عطيفة أراد أن يتعصب للترك، فتهدده لذلك بعض بنى حسن بالقتل، وأنه وسندا، قعدا فى البلاد بعد سفر الترك، وفى كون ابن عطيفة أقام بمكة بعد سفر الترك منها نظر، لأن المعروف عند الناس أنه سافر بعد الفتنة إلى مصر، اللهم إلا أن يكون مراد ابن محفوظ، أنه أقام بمكة أياما يسيرة بعد سفر الترك، ثم سافر من مكة، فلا منافاة حينئذ. والله أعلم.
ولما وصل ابن عطيفة مصر، لم يكن له بها وجه؛ لأن العسكر لم يحمده. وكذا أهل مكة، لتقصيره فى نصره كل من الفريقين، ولم يزل بمصر مقيما، حتى مات فى أثناء سنة ثلاث وستين وسبعمائة أو بعدها بقليل.
وكانت مدة ولايته سنة ونصفا، تزيد أياما أو تنقص أياما، للاختلاف فى تاريخ قدومه إلى مكة، مع العسكر الذى جهز معه إلى مكة، حين ولايته لها.
ولشيخنا ـ بالإجازة ـ الأديب يحيى بن يوسف المكى، المعروف بالنشو، مدايح فى ابن عطيفة هذا، منها ما أنشدناه ـ إجازة ـ من قصيدة له يمدحه بها سنة تسع وثلاثين وسبعمائة أولها (٣):
تذيب فؤادى بالغرام وتجحد ... وترضى بإتلافى وما لى منجد
أمالك نفسى وهى نفس أبية ... وما عنده من رحمة لى توجد
أتنقض عهدى والعهود وفية ... ألست على العهد الذى أنت تعهد
стр. 677
وتنكر ما بينى وبينك فى الهوى ... ولى فيك أشجان تقيم وتقعد
فحبك لى دين ووجهك قبلة ... وحالك ركن للمقبل أسود
ومنها فى المدح:
إمام له فضل عظيم على الورى ... كريم الأيادى بالسماحة أوحد
يجود بما تحوى يداه تكرما ... ويعلم أن المال ليس يخلد
فتى لم ير الراؤون مثل صفاته ... إذا قيل هذا حاتم فهو أجود
أجلّ الورى قدرا وجاها ورفعة ... وأكرم من يرجى عطاه ويقصد
وله فيه من أخرى، وأنشدناه إجازة:
أترضى بإتلاف المحب ظلامة ... فتأخذه بالعنف والرفق أليق
أعندك علم أنه بك هائم ... وأكباده من لوعة الهجر تحرق
فأحواله تنبى بما فى ضميره ... إذا لم يكن للقول منه مصدق
ومنها فى المدح:
بلوت بنى الدنيا جميعا بأسرهم ... وجربتهم إن التجارب تصدق
فلم أر فى ذا العصر مثل محمد ... إمام به الدنيا تضئ وتشرق
جوادا إذا جار الزمان على الورى ... يجود بما تحوى يداه وينفق
لقد جلّ عن قدر الملوك الذى مضوا ... إلى الغاية القصوى من الفضل يسبق
يجود على العافى ويبدى اعتذاره ... فأوراقه بالجود والبذل تورق
لقد أعجز المداح فى بعض وصفه ... عليهم بأنواع المكارم يغدق
ومنها:
على أنه والله واحد عصره ... وهل مثله من بغداد ذا العصر يخلق
ومن لامنى فى مدحه فهو جاهل ... فجيدى بالإحسان منه مطوق
وإن كان مدح الغير عندى سنة ... فمدحى له فرض علىّ محقق
٣٠٤ ـ محمد بن عقبة بن إدريس بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم الحسنى، المكى:
كان من جملة من أصيب فى الفتنة التى كانت بعرفة، بين الحجاج المصريين وأهل مكة، وسبب ذلك ـ على ما بلغنى ـ أن رميثة بن أبى نمى صاحب مكة، شكا إلى أمير الحاج المصرى، ما يلقاه من بنى حسن، فاقتضى رأى الأمير الركوب عليهم، فركب
стр. 678
والتقى مع بنى حسن، فقتل من الترك قريب من ستة عشر نفرا، وقتل من أتباع الأشراف غير واحد، وظفر الأشراف على الترك، ولم يتعرضوا للحجاج بنهب على ما قيل، ونفر الناس من عرفة خائفين، وأخذ بعضهم طريق المظلمة، وربما عرفت هذه الحادثة بسنة المظلمة، ولم يحضر بنو حسن بمنى على العادة تخوفا من الحجاج، ورحل الحجاج جميعهم فى النفر الأول، ونزلوا الزاهر، ولم يصبحوا فيه، وكانت الوقعة بعرفة فى يومها، من سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.
وتوفى محمد بن عقبة، من جرح أصابه فى هذه الفتنة، فى يوم الثلاثاء، حادى عشر ذى الحجة من السنة المذكورة.
٣٠٥ ـ محمد بن علوان بن هبة الله التكريتى الحوطى ـ بفتح الحاء وسكون الواو بعدها طاء مهملة مكسورة ـ أبو عبد الله الصوفى الشافعى:
إمام مقام إبراهيم الخليل ﵇ بالحرم الشريف.
سمع ببغداد من النقيب أبى جعفر الفارسى، وأبى المظفر بن الشبلى، وأبى الوقت السجزى، وأبى الفتوح الطائى وغيرهم، وخرج منها ـ وهو شاب ـ إلى مكة، فأقام بها مجاورا أكثر من خمسين سنة، وحدث بها.
سمع منه بها ابن أبى الصيف، وأمّ بمقام إبراهيم، بعد محمد بن أبى بكر الطوسى مديدة، إلى أن توفى فى شعبان سنة ثلاث وستمائة. ودفن بالمعلاة.
كتبت هذه الترجمة مختصرة من تاريخ ابن الدبيثى باختصار.
وذكر صاحب هذه الترجمة، المنذرى فى التكملة، وقال: لنا منه إجازة كتب بها إلينا من مكة.
وذكر أنه توفى فى شعبان، سنة أربع وستمائة، قال: ويقال: كانت وفاته فى شعبان من سنة ثلاث. انتهى.
وما ذكره المنذرى من وفاته فى سنة أربع، رأيته مكتوبا فى حجر قبره بالمعلاة. وفيه: أنه توفى يوم الأحد ثالث عشر شعبان، سنة أربع وستمائة. انتهى.
وما ذكرناه فى ضبط الحوطى، ذكره المنذرى فى التكملة.
* * *
стр. 679
من اسمه محمد بن على
٣٠٦ ـ محمد بن على بن أحمد بن إسماعيل المدلجى، أبو الطيب بن الشيخ نور الدين الفوى، يلقب ولى الدين:
عنى به أبوه، فأسمعه الكثير بالحجاز وبالشام، على غير واحد من أصحاب ابن البخارى، وابن شيبان وطبقتهم، منهم: ست العرب بنت محمد بن البخارى، وزغلش، ومحمود بن خليفة. وهو فى غالب ذلك حاضر، وما علمته حدث. وحفظ كتبا علمية، وله اشتغال ونباهة قليلة، مع لعب ودخول فيما لا يعنيه من متعلقات ولاة الأمر.
وأفضى به الحال فى ذلك، إلى أن قتل فى أوائل سنة خمس وتسعين وسبعمائة، بظاهر المدينة النبوية، وهو متوجه منها إلى الديار المصرية.
وبلغنى أنه عذب عذابا عظيما، قطع لسانه، ثم قطعت آرابه، ثم أزهقت روحه، وعسى الله أن يكفر بذلك عنه.
وكان سكن مكة ـ فى صباه ـ سنين كثيرة مع أبيه. ودخل مصر والشام غير مرة، وحصل له بها شهرة.
٣٠٧ ـ محمد بن على بن جعفر البغدادى، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر ـ وهو أصح ـ الكتانى:
ذكره أبو عبد الرحمن السلمى فى طبقات الصوفية، وقال: صحب الجنيد، وأبا سعيد الخراز، وأبا الحسن النورى.
أقام بمكة، وجاور بها إلى أن مات، وكان أحد الأئمة. وحكى عن أبى محمد المرتعش أنه كان يقول: الكتانى سراج الحرم.
مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. كذلك ذكره أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن جعفر الرازى.
وذكره الخطيب فى تاريخ بغداد، فقال: أحد مشايخ الصوفية، سكن مكة. وكان فاضلا نبيلا، حسن الإشارة.
стр. 680
وذكر أن أبا عبد الرحمن السلمى قال: وسمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: وكان يقال: إن الكتانى ختم فى الطواف اثنى عشر ألف ختمة.
وذكر أيضا: أن أبا عبد الرحمن السلمى قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت محمد بن على الكتانى يقول: من طلب الراحة بالراحة، عدم الراحة.
٣٠٨ ـ محمد بن على بن الحسين بن الحسن بن القاسم بن محمد بن القاسم بن الحسين بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى، أبو الحسن بن أبى إسماعيل الهمدانى الصوفى:
ذكر القطب الحلبى: أنه سمع بنيسابور من الأصم، وأبى على الحافظ، وبغيرها من خيثمة بن سليمان، وجعفر بن محمد الخلدى، وجماعة، بهمذان، وبغداد، وهيت (١)، والرقة، ومعرة النعمان (٢)، ودمشق، ومصر، وبمكة من ابن الأعرابى، وجاور بها مدة، وحج مرات.
وروى عنه: أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبد الرحمن السلمى، وأثنى عليه كثيرا فى تاريخ الصوفية.
وذكر الخطيب: أنه ولد بهمذان، ونشأ ببغداد، وسافر إلى الشام.
وصحب الصوفية. وصار كبيرا شهيرا. وحج مرات على الوحدة، وجاور بمكة، ودرس فقه الشافعى، على أبى على بن أبى هريرة ببغداد، وكان فى آخر عمره يجازف فى الرواية، على ما حكى عنه.
وحكى الخطيب عن شيخه أبى حازم العبدرى، أنه توفى فى المحرم سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، ببلخ.
стр. 681
وقيل: توفى فى سنة أربع وتسعين. قاله أبو سعد الإدريسى.
كتبت هذه الترجمة مختصرة، من تاريخ مصر للقطب الحلبى.
٣٠٩ ـ محمد بن على بن الحسين بن على بن عبد الملك بن أبى النضر الطبرى المكى، المعروف بابن النجار، يكنى أبا عبد الله:
سمع من المفتى شرف الدين أبى المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الموصلى: الأربعين من رواية المحمدين، المخرجة من صحيح البخارى، تخريج الحافظ أبى بكر محمد بن ياسر الجيانى، مع الزيادة بها عنه، فى يوم الثلاثاء سادس صفر سنة ثلاث وستمائة بالحرم الشريف، بقراءة سليمان بن خليل العسقلانى.
وصاهر محمد بن على الطبرى هذا، سليمان بن خليل على ابنته، وولد له منها أولاده الأربعة، الآتى ذكرهم، وحدث بالأربعين المذكورة، بقراءة جماعة من الأئمة غير مرة.
منهم: المحدث أبو الفتح الأبيوردى، وفقهاء مكة: ابن خشيش، والمحب الطبرى، والرضى بن خليل العسقلانى، وترجمه: بالشيخ الصالح الورع الزاهد، وآخر من سمعها منه وفاة، ولده يحيى.
وتوفى يوم الثلاثاء ثانى رجب، سنة ستين وستمائة بمكة، وصلى عليه ولده الفقيه عبد الرحمن، ودفن بالمعلاة.
وجدت وفاته بمكة، هكذا، بخط جدى أبى عبد الله الفاسى، ونقلها من خط شيخه القطب القسطلانى.
ووجدت أيضا بخط الشريف أبى القاسم الحسينى فى وفياته هكذا، إلا أنه لم يقل يوم الثلاثاء.
٣١٠ ـ محمد بن على بن الحسين بن على بن الحسين، قاضى الحرمين، تاج الخطباء، ركن الدين أبو المظفر الشيبانى الطبرى المكى:
حدث عن أبى الحسين بن محمد الطريثيثى الصاهلى، والمفتى أبى الطاهر يحيى بن محمد بن أحمد المحاملى، وشيخ الحرمين، أبو الوفا محمد بن عبد الله الطوسى، المعروف بالمقدسى وغيرهم.
стр. 682
روى عنه: أبو حفص الميانشى، فى مجالسه المكية، عن شيوخه هؤلاء.
وروى عنه أيضا، عن جده الحسين بن على، عن عبد الغافر الفارسى، حديثا من صحيح مسلم، وهذا يدل على أنه حفيد الحسين بن على الطبرى، فقيه مكة، الآتى ذكره، فإنه يروى صحيح مسلم عن عبد الغافر الفارسى، والله أعلم.
ووجدت بخط بعض المحدثين من أصحابنا زيادة فى نسبه، وأنه أجاز للحافظ ابن بشكوال، ونص ما رأيته: محمد بن على بن الحسين بن على بن الحسين بن محمد بن شيبة بن إياد بن عمر بن العلاء الشيبانى، قاضى الحرمين المعظمين، أبو المظفر.
قال ابن بشكوال: كتب إلينا بإجازة ما رواه بخطه من مكة ـ حرسها الله تعالى ـ انتهى.
توفى أبو المظفر هذا، يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأول سنة خمس وأربعين وخمسمائة بمكة.
نقلت وفاته من حجر قبره بالمعلاة، بالمقبرة المعروفة بيت ابن فهد والشيبانيين.
٣١١ ـ محمد بن على بن حسين، المصرى الأصل، المكى المولد والدار؛ المعروف بابن جوشن:
كان من جملة تجار مكة، وخلف عقارا طائلا [ ............................. ] (١).
توفى [ .......... ] (١) من سنة ست وثمانمائة [ ......... ] (١) من وادى الهدة (٢) المعروفة بهدة بنى جابر مقتولا.
٣١٢ ـ محمد بن على بن خليل، المقرئ الفاضل شمس الدين، المعروف بالشيرجى المقرئ نزيل مكة:
عنى بالقراءات السبع، وكانت له بها خبرة، وعلى ذهنه حكايات وأخبار حسنة.
стр. 683
وكان حسن الصوت بالقراءة، وحين كان يصلى التراويح بالمسجد الحرام. كان الجمع يكثر لسماع قراءته، ودام على ذلك سنين، ثم ترك، قبيل موته لضعفه.
وكان من القراء الملازمين للقراءة عند قبر الليث بن سعد، فقيه مصر بالقرافة، وعادتهم يقرءون عند قبره ختمة، يبتدئونها فى كل يوم جمعة، بعد صلاة الجمعة، ويختمونها فى آخر ليلة السبت. وقد تردد إلى مكة غير مرة، آخرها فى سنة أربع وثمانمائة، فى رسالة لصاحب مكة، وحبب الله له سكناها، فانقطع بمكة حتى مات، وسكن بدار خديجة أم المؤمنين بنت خويلد رضى الله عنها، بزقاق الحجر بمكة، ويعرف بمولد السيدة فاطمة، حتى مات بها.
وكان ابتداء سكناه بها فى آخر سنة خمس وثمانمائة، بعد موت عمر النجار المؤذن، وكان أمرها إليه قبله.
وكان يجتمع إليه بها فى كل ليلة سبت، جماعة من المداح ويقرءون شيئا من القرآن العظيم، ويذكرون الله تعالى ويمدحون، وكان ملازما للتلاوة.
وبلغنى أنه كان يقرأ فى كل يوم وليلة ختمة، وفى مرض موته ثلث ختمة.
وتوفى فى ليلة الخميس ثالث عشرى ربيع الأول، سنة سبع وعشرين وثمانمائة بمكة. ودفن فى صبيحتها بالمعلاة، وقد تأهل بمكة، بابنة الشيخ جمال الدين الأميوطى، ورزق منها أولادا.
٣١٣ ـ محمد بن على بن زيد الصائغ، أبو عبد الله المكى، محدث مكة:
ذكره ابن حبان فى الطبقة الرابعة من الثقات، فقال: يروى عن أبى نعيم، وأحمد بن شبيب. روى عنه الحجازيون. انتهى.
وذكر ابن نقطة فى «التقييد»: أنه حدث عن سعيد بن منصور الخراسانى بسننه، وأن دعلج بن أحمد السجزى، رواها عنه، قال: توفى سنة إحدى وتسعين ومائتين فى ربيعها الأول.
وحكى ابن نقطة عن الدارقطنى: أنه قرأ بخط أبى جعفر الطحاوى، أنه توفى فى النصف الأول من ذى القعدة.
стр. 684
وجزم الذهبى فى «العبر»، بوفاته فى ذى القعدة، وقال: وهو فى عشر المائة.
٣١٤ ـ محمد بن على بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشى المطلبى المكى:
روى عن ابن أبيه: عبد الله بن على بن السائب، والزهرى.
روى عنه: ابن بنته: محمد بن إبراهيم الشافعى، والحسن بن محمد بن أعين الحرانى، والإمام محمد بن إدريس الشافعى، وهو ابن عم جده، ويونس بن محمد المؤدب.
قال الشافعى: ثقة.
روى له أبو داود والنسائى. كتبت هذه الترجمة من التهذيب.
٣١٥ ـ محمد بن على بن صخر، القاضى أبو الحسن الحارثى البصرى:
نزيل مكة الشافعى. حدث عن أبى محمد الحسن بن على، المعروف بابن غلام الزهرى الحافظ، وعثمان بن عمر بن السباك، ويوسف بن يعقوب البخترى وغيرهم، وانتقى عليه أبو نصر السجزى خمسة مجالس بمصر، فسمعها منه الحافظ أبو إسحاق الحبال، وأخوه عبد الرزاق، بقرافة مصر الكبرى.
وسمع منه بمكة هياج بن عبيد الحطينى.
وأجاز فى سنة خمس وثلاثين، لأبى صادق مرشد بن القاسم المدينى وحدث عنه بالإجازة كثيرا.
وذكر الذهبى: أنه توفى فى جمادى الآخرة، سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة بزبيد.
٣١٦ ـ محمد بن على بن عبد الله بن على بن محمد بن عبد السلام بن أبى المعالى الكازرونى، المكى أبو الخير المؤذن بالحرم الشريف:
كذا سماه لى أخوه رئيس المؤذنين بالحرم، عبد الله. وذكر لى أن أخاه أبا الخير هذا، ولد سنة أربع وخمسين وسبعمائة.
وقد أجاز لهما ـ باستدعاء شيخنا ابن سكر من دمشق ـ ابن أميلة، وأحمد بن
стр. 685
النجم، وقريبه صلاح الدين بن أبى عمر وآخرون، وما علمت له سماعا، وباشر رئاسة الحرم فى غيبة أخيه المذكور.
وتوفى فى شعبان سنة تسع وتسعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، سامحه الله تعالى.
٣١٧ ـ محمد بن على بن الخالق اليمانى:
كذا وجدته مذكورا فى جزء بخط الشيخ تقى الدين محمد بن رافع السلامى.
ذكر أن فيها أحاديث مخرجة من أصول سماعات جماعة من أهل مكة.
كتبه عن المسند بدر الدين أبى المحاسن يوسف بن محمد الكردى الدمشقى عنهم، وترجمة: بالشيخ الإمام شمس الدين، وأخرج عنه حديث أنس: «لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاث» (١) من جزء الأنصارى، عن أبى اليمن ريحان بن عبد الله الشرقى السكينى سماعا، فى ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وستمائة، عن الحافظ بن الأخضر، عن القاضى أبى بكر الأنصارى بسنده.
وهذا الجزء هو سماع شيخنا جمال الدين الأميوطى الآتى ذكره، على يوسف المذكور من ابن رافع.
٣١٨ ـ محمد بن على بن أبى طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف، القرشى الهاشمى، أبو القاسم المعروف بابن الحنفية:
[وروى عن: عبد الله بن عباس، وعثمان بن عفان، وأبيه على بن أبى طالب، وعمار بن ياسر، ومعاوية بن أبى سفيان، وأبى هريرة.
стр. 686
روى عنه: ابناه إبراهيم بن محمد بن الحنفية، والحسن بن محمد بن الحنفية، وسالم بن أبى الجعد، وابنه عبد الله بن محمد بن الحنفية، وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبى طالب، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبى، وعطاء بن أبى رباح، وابنه عمر بن محمد بن الحنفية.
وقال أحمد بن عبد الله العجلى: تابعى، ثقة، كان رجلا صالحا وثلاثة يكنون بأبى القاسم رخص لهم: محمد بن الحنفية، ومحمد بن أبى بكر، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله.
وقال إبراهيم بن عبد الله بن عبد الله بن الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن على عن النبىصلى الله عليه وسلم أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية.
وقال الزبير بن بكار: وتسميه الشيعة: المهدى، أخبرنى عمى مصعب بن عبد الله، قال كثير: قيل: إنه ولد فى خلافة أبى بكر، وقيل: فى خلافة عمر، ومات برضوى (١) سنة ثلاث وسبعين، ودفن بالبقيع، وقيل: مات سنة ثمانين، وقيل: سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، وهو ابن خمس وستين، وقيل غير ذلك فى تاريخ وفاته ومبلغ سنه. روى له جماعة].
٣١٩ ـ محمد بن على بن عثمان الأصبهانى المكى، يلقب بالجمال، ويعرف بالعجمى العطار:
سمع بأخرة على الفخر النويرى، والقاضى عز الدين بن جماعة، شيئا يسيرا من سنن النسائى، رواية ابن السنى. كان له دكان بسوق العطارين، عند باب بنى شيبة، وفيه خير ومروءة.
توفى فى رجب أو شعبان، من سنة تسع وتسعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. وقد بلغ الثمانين. وبلغنى أنه جاوزها، وكان رجلا جيدا مقبول الشهادة عند الحكام. انتهى.
٣٢٠ ـ محمد بن على بن عطية، الحارثى، أبو طالب المكى، صاحب «قوت القلوب»:
ذكره الخطيب فى تاريخ بغداد، وقال بعد أن نسبه: صنف كتابا سماه «قوت
стр. 687
القلوب» على لسان الصوفية، ذكر فيه أشياء منكرة مستبشعة فى الصفات.
وحدث عن أحمد بن على المصيصى، وأبى بكر المفيد وغيرهما.
حدثنى عنه: محمد بن المظفر الخياط، وعلى بن عبد العزيز الأزجى، قال: وقال لى أبو طاهر محمد بن على ابن العلاف: كان أبو طالب المكى، من أهل الجبل، ونشأ بمكة، ودخل البصرة بعد وفاة أبى الحسن بن سالم فانتمى إلى مقالته، وقدم بغداد، واجتمع الناس عليه فى مجلس الوعظ، فخلط فى كلامه، وحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أضر من الخالق. فقذعه الناس وهجروه، وامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك.
حدثنى أبو القاسم الأزجى، وأحمد بن محمد العتيقى قالا: توفى أبو طالب المكى فى جمادى الآخرة سنة ست وثمانين وثلاثمائة.
قال العتيقى: وكان رجلا صالحا مجتهدا فى العبادة، وله مصنفات فى التوحيد. انتهى.
وقال ابن خلكان فى ترجمته: كان رجلا صالحا مجتهدا، وكان يستعمل الرياضة كثيرا، حتى قيل إنه هجر الطعام زمانا، فاقتصر على أكل الحشائش المباحة، فاخضر جلده من كثرة تناولها، ولم يكن من أهل مكة ـ وإنما كان من الجبل، وسكن مكة، فنسب إليها
٣٢١ ـ محمد بن على بن عطية المكناسى، أبو عبد الله:
ذكره القطب الحلبى فى تاريخ مصر، فبما أخبرنى به عنه، شيخنا ابن صديق بقراءتى عليه، وقال: قال لى شيخنا القطب القسطلانى: هذا ابن عطية، سافر وساح، وجاور بمكة دفعات، ودخل الشام والحجاز واليمن، وكان فيه صدق وإيثار. انتهى.
أخبرنى إبراهيم بن محمد الدمشقى، فيما قرأت عليه بالحرم الشريف، أن الحافظ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور، أخبره إجازة قال: حدثنى شيخنا الإمام قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن على القسطلانى من لفظه فى صفر سنة خمس وثمانين وستمائة بالمدرسة الكاملية من القاهرة، قال: أخبرنى الشيخ أبو عبد الله محمد بن على ابن عطية المكناسى بالحرم الشريف، فى سنة سبع وخمسين وستمائة، قال: كنت حاضرا عند الشيخ العارف فخر الدين الفارسى بقرافة مصر، فأنشد فقير بين يديه:
стр. 688
وما صد عنى أنه لى مبغض ... ولا أن قتلى فى الهوى من مراده
ولكن رأى أن الدنو يزيدنى ... غراما فأحبيى مهجتى ببعاده
فصاح عليه صيحة منكرة، وقال: لا. وأنشد الشيخ:
يمثّله فكرى وإن غاب شخصه ... فما هو إلا غائب مثل حاضر
وتشغلنى ذكراه عن ذكر غيره ... فما لسواه أن يمر بخاطرى
٣٢٢ ـ محمد بن على بن محمد بن أحمد بن عبد الله الطائى الحاتمى الأندلسى المرسى، أبو بكر، الملقب محيى الدين، المعروف بابن العربى الصوفى:
هكذا نسبه الحافظ ابن مسدى فى معجمه. وذكر أنه قرأ القرآن بالروايات، على نجية بن يحيى، واختص به.
سمع من: أبى عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، وأبى بكر بن الجد، ومن أبى بكر محمد بن خلف بن صاف المقرى، ومن أبى الوليد جابر بن أبى أيوب الحضرمى، وغيرهم.
وبسبتة من أبى محمد بن عبيد الله ـ يعنى الحجرى ـ وغيره، وبإشبيلية من أبى محمد عبد المنعم بن محمد الخزرجى لما قدم عليهم، والقاضى أبى جعفر بن مضاء، وبمرسية من القاضى أبى بكر بن أبى حمزة وغيره.
وذكر أنه لقى عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدى ببجاية (١). قال: وفى ذلك نظر، وأن الحافظ السلفى، أجاز له، وأحسنها الإجازة العامة.
стр. 689
وذكر أنه سمع من أبى الخير أحمد بن إسماعيل الطالقانى، ومن أبى المكارم فضل الله ابن محمد النوقانى. انتهى ما ذكره ابن مسدى من شيوخه.
وقد طعن الحافظ الذهبى فى سماع ابن عربى من الطالقانى. وقال: هذا إفك بين، ما لحقه. وذكر أنه سمع بدمشق من قاضيها الجمال بن الحرستانى.
وذكر غير الذهبى: أن ابن عربى سمع بمكة: جامع الترمذى، من زاهر بن رستم، ورأيت ما يدل لسماعه من زاهر، ورأيت سماعه من يونس الهاشمى لشيء من صحيح البخارى، فى نسخة بيت الطبرى، بخط ابن عربى، وسماعه لذلك بمكة.
وكان جاور بمكة مدة سنين، وألف فيها كتابه الذى سماه: «بالفتوحات المكية» وله تواليف أخر، منها: كتاب فصوص الحكم، وشعر كثير جيد من حيث الفصاحة، إلا أنه شابه بتصريحه فيه بالوحدة المطلقة، وصرح بذلك فى كتبه.
وقد بين الشيخ تقى الدين ابن تيمية الحنبلى، شيئا من حال الطائفة القائلين بالوحدة. وحال ابن عربى منهم بالخصوص، وبين بعض ما فى كلامه من الكفر، ووافق على تكفيره بذلك جماعة من أعيان علماء عصره، من الشافعية والمالكية والحنابلة، لما سئلوا عن ذلك.
وقد رأيت أن أذكر شيئا من ذلك، مع شيء آخر من كلام الناس فى ابن العربى هذا، لما فى أمره من الالتباس على كثير من الناس، نعوذ بالله من الضلال، ونسأله التوفيق لما فيه صلاح الحال.
ونص السؤال الذى أفتى فيه ابن تيمية، ومن أشرنا إليه من الأئمة: ما يقول السادة أئمة الدين وهداة المسلمين فى كتاب بين أظهر الناس، زعم مصنفه أنه وضعه وأخرجه للناس، بإذن النبى ﷺ ، فى منام زعم أنه رآه، وأكثر كتابه ضد لما أنزل الله من كتبه المنزلة، وعكس وضد لما قاله أنبياؤه.
فما قال فيه: إن آدم إنما سمى إنسانا، لأنه من الحق بمنزلة إنسان العين من العين، الذى يكون به النظر، وقال فى موضع آخر: إن الحق المنزه، هو الخلق المشبه. وقال فى قوم نوح: إنهم لو تركوا عبادتهم لود وسواع ويغوث ويعوق، لجهلوا من الحق أكثر مما تركوا.
ثم قال: إن للحق فى كل معبود، وجها يعرفه، ويجهله من يجهله، فالعالم يعلم من
стр. 690
عبد، وفى أى صورة ظهر حين عبد، وإن التفريق والكثرة، كالأعضاء فى الصورة المحسوسة.
ثم قال فى قوم هود: إنهم حصلوا فى عين القرب، فزال البعد، فزال به حرّ جهنم فى حقهم، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق، فما أعطاهم هذا الذوقى اللذيذ من جهة المنة، وإنما استحقته حقائقهم من أعمالهم التى كانوا عليها، وكانوا على صراط مستقيم.
ثم أنكر فيه حكم الوعيد فى حق من حقت عليه كلمة العذاب من سائر العبيد.
فهل يكفر من يصدقه فى ذلك، أو يرضى به منه، أو لا؟ وهل يأثم سامعه إذا كان بالغا عاقلا، ولم ينكره بلسانه أو بقلبه، أم لا؟ .
أفتونا بالوضوح والبيان، كما أخذ الله على العلماء الميثاق بذلك، فقد أضر الإهمال بالجهال.
ذكر جواب من ذكرنا من الأئمة عن هذا السؤال:
جواب ابن تيمية:
«الحمد لله رب العالمين. هذه الكلمات المذكورة المنكرة، كل كلمة منها من الكفر الذى لا نزاع فيه بين أهل الملل، من المسلمين واليهود والنصارى، فضلا عن كونه كفرا فى شريعة الإسلام، فإن قول القائل: إن آدم للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذى يكون به النظر، يقتضى أن آدم جزء من الحق ـ تعالى وتقدس ـ وبعض، وأنه أفضل أجزائه وأبعاضه، وهذا هو حقيقة مذهب هؤلاء القوم، وهو معروف من أقوالهم، والكلمة الثانية توافق ذلك، وهو قوله: إن الحق المنزه هو الخلق المشبه.
وذكر ابن تيمية كلاما لابن العربى ـ ليس فى السؤال ـ فى هذا المعنى.
قال فيه ابن عربى: فهو عين ما ظهر، وعين ما بطن فى حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من يبطن عنه سواه، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء المحدثات.
ثم قال ابن تيمية بعد ذكره كلاما آخر لابن عربى فى المعنى: فإن صاحب هذا الكتاب المذكور، الذى هو «فصوص الحكم» وأمثاله، مثل صاحبه الصدر القونوى التلمسانى، وابن سبعين، والششترى، وأتباعهم.
стр. 691
مذهبهم الذى هم عليه: أن الوجود واحد، ويسمون أهل وحدة الوجود، ويدعون التحقيق والعرفان، وهم يجعلون وجود الخالق، عين وجود المخلوقات.
فكل ما تتصف به المخلوقات من حسن وقبيح، ومدح وذم، إنما المتصف به عندهم عين الخالق.
ثم قال ابن تيمية: ويكفيك بكفرهم، أن من أخف أقوالهم: إن فرعون مات مؤمنا بريئا من الذنوب، كما قال ـ يعنى ابن عربى ـ وكان موسى قرة عين لفرعون، بالإيمان الذى أعطاه الله عند الغرق، فقبضه طاهرا مطهرا، ليس فيه شيء من الخبث، قبل أن كتب عليه شيء من الآثام، والإسلام يجب ما قبله.
وقد علم بالاضطرار، من دين أهل الملل: المسلمين واليهود والنصارى؛ أن فرعون من أكفر الخلق.
واستدل ابن تيمية على ذلك، بما تقوم به الحجة، ثم قال: فإذا جاءوا إلى أعظم عدو لله من الإنس والجن، أو من هو من أعظم أعدائه، فجعلوه مصيبا محقا فيما كفره به الله، علم أن ما قالوه أعظم من كفر اليهود والنصارى، فكيف بسائر مقالاتهم؟ .
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها، على أن الخالق تعالى بائن من مخلوقاته، ليس فى ذاته شيء من مخلوقاته، ولا فى مخلوقاته شيء من ذاته، والسلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا: إنه حال فى كل مكان، فكان مما أنكروه عليهم، أنه كيف يكون فى البطون والحشوش والأخلية، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. فكيف من جعله نفس وجود البطون والحشوش والأخلية والنجاسات والأقذار؟ .
ثم قال ابن تيمية: وأين المشبهة المجسمة من هؤلاء؟ فإن أولئك غاية كفرهم أن جعلوه مثل المخلوقات، لكن يقولون: هو قديم، وهى محدثة، وهؤلاء جعلوه عين المحدثات، وجعلوه نفس المصنوعات، ووصفوه بجميع النقائص والآفات، التى يوصف بها كل فاجر وكافر، وكل شيطان وكل سبع، وكل حية من الحيات. فتعالى الله عن إفكهم وضلالهم، ثم قال: وهؤلاء يقولون: إن النصارى إنما كفروا لتخصيصهم، حيث قالوا: إن الله هو المسيح.
فكل ما قالته النصارى فى المسيح، يقولونه فى الله ، ومعلوم شتم النصارى لله وكفرهم به، وكفر النصارى جزء من كفر هؤلاء. ولما قرأوا هذا الكتاب المذكور، على أفضل متأخريهم، قال له قائل: إن هذا الكتاب يخالف القرآن، فقال:
стр. 692
القرآن كله شرك، وإنما التوحيد فى كلامنا هذا، يعنى أن القرآن يفرق بين الرب والعبد، وحقيقة التوحيد عندهم: أن الرب هو العبد. فقال له قائل: فأى فرق بين زوجتى وبنتى؟ قال: لا فرق، لكن هؤلاء المحجوبون. قالوا: حرام. فقلنا: حرام عليكم. وهؤلاء إذا قيل مقالتهم: إنها كفر، لم يفهم هذا اللفظ حالها، فإن الكفر جنس تحته أنواع متفاوتة، بل كفر كل كافر جزء من كفرهم، ولهذا قيل لرئيسهم: أنت نصيرى. قال: نصير جزء منى.
ثم قال ابن تيمية: وقد علم المسلمون واليهود والنصارى بالاضطرار من دين المسلمين، أن من قال عن أحد من البشر: إنه جزء من الله، فإنه كافر فى جميع الملل؛ إذ النصارى لم تقل هذا، وإن كان قولهم من أعظم الكفر، لم يقل أحد إن عين المخلوقات هى أجزاء الخالق، ولا إن الخالق هو المخلوق، ولا إن الحق المنزه هو الخلق المشبه، وكذلك قوله: إن المشركين لو تركوا عبادة الأصنام، لجهلوا من الخلق المشبه، وكذلك قوله: إن المشركين لو تركوا عبادة الأصنام، لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا منها، هو من الكفر المعلوم بالاضطرار بين جميع الملل، فإن أهل الملل، متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا عن عبادة الأصنام، وكفروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الأصنام، وكل معبود سوى الله. كما قال تعالى (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤] واستدل على ذلك بآيات أخر.
ثم قال: فمن قال: إن عباد الأصنام، لو تركوهم لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا منها، أكفر من اليهود والنصارى، ومن لم يكفرهم، فهو أكفر من اليهود والنصارى، فإن اليهود والنصارى يكفرون عباد الأصنام، فكيف من يجعل تارك عبادة الأصنام جاهلا من الحق، بقدر ما ترك منها، مع قوله: فإن العالم يعلم من عبد، وفى أى صورة ظهر حين عبد، فإن التفريق والكثرة كالأعضاء فى الصورة المحسوسة، وكالقوة المعنوية فى الصورة الروحانية، فما عبد غير الله فى كل معبود، بل هو أعظم كفرا من كفر عباد الأصنام، فإن أولئك اتخذوهم شفعاء ووسائط، كما قالوا: (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى) [الزمر: ٣].
وقال تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ) [الزمر: ٤٣] وكانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض، وخالق
стр. 693
الأصنام، كما قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) [الزمر: ٣٨]. واستدل على ذلك بغير هذه الآية.
ثم قال: وهؤلاء أعظم كفرا من جهة أن هؤلاء جعلوا عابد الأصنام عابدا لله لا عابدا لغيره، وأن الأصنام من الله تعالى، بمنزلة أعضاء الإنسان من الإنسان، ومنزلة قوى النفس من النفس، وعباد الأصنام اعترفوا بأنها غيره، وأنها مخلوقة.
ومن جهة، أن عباد الأصنام من العرب كانوا مقرين بأن للسماوات والأرض وسائر المخلوقات مغاير للسماوات والأرض وسائر المخلوقات. بل المخلوق هو الخالق. ولهذا جعل أهل قوم عاد وغيرهم من الكفار على صراط مستقيم، وجعلهم فى القرب. وجعل أهل النار يتنعمون فى النار، كما يتنعم أهل الجنة فى الجنة.
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام، أن قوم عاد وثمود وفرعون وقومه، وسائر من قص الله تعالى قصته من أعداء الله تعالى، وأنهم معذبون فى الآخرة، وأن الله لعنهم وغضب عليهم، فمن أثنى عليهم وجعلهم من المقربين ومن أهل النعيم، فهو أكفر من اليهود والنصارى.
وهذه الفتوى لا تحتمل بسط كلام هؤلاء وبيان كفرهم وإلحادهم، فإنهم من جنس القرامطة الباطنية الإسماعيلية، الذين كانوا أكفر من اليهود والنصارى، وأن قولهم يتضمن الكفر بجميع الكتب والرسل، كما قال الشيخ إبراهيم الجعبرى، لما اجتمع بابن عربى صاحب هذا الكتاب قال: رأيته شيخا نحسا يكذب بكل كتاب أنزله الله تعالى، وبكل نبى أرسله.
وقال الفقيه أبو محمد بن عبد السلام، لما قدم القاهرة، وسألوه عن ابن عربى، فقال: هو شيخ سوء مقبوح، يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجا. فقوله بقدم العالم؛ لأن هذا قوله. وهو كفر معروف. فكفره الفقيه أبو محمد بذلك. ولم يكن بعد، ظهر من قوله: إن العالم هو الله، وإن العالم صورة الله وهوية الله، فإن هذا أعظم من كفر القائلين بقدم العالم الذين يثبتون واجب الوجود. ويقولون: إنه صدر عنه الوجود الممكن.
وقال عنه من عاينه من الشيوخ: إنه كان كذابا مفتريا. وفى كتبه مثل «الفتوحات المكية» وأمثالها، من الأكاذيب ما لا يخفى على لبيب. ثم قال: لم أصف عشر ما يذكرونه من الكفر، ولكن هؤلاء التبس أمرهم على من لا يعرف حالهم، ما التبس أمر القرامطة الباطنية، لما ادعو أنهم فاطميون.
стр. 694
وانتبسوا إلى التشيع، فصار المتشيعون مائلين إليهم، غير عالمين بباطن كفرهم.
ولهذا كان من مال إليهم أحد رجلين: إما زنديقا منافقا، أو جاهلا ضالا. وهكذا هؤلاء الاتحادية، فرءوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم، ولا تقبل توبة أحد منهم، إذا أخذ قبل التوبة، فإنه من أعظم الزنادقة، الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وهم الذين يبهمون قولهم ومخالفتهم لدين الإسلام، ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم، أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم أو عظم كتبهم، أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، وأخذ يعتذر عنهم أو لهم، بأن هذا الكلام لا يدرى ما هو، ومن قال: إنه صنف هذا الكتاب، وأمثال هذه المعاذير التى لا يقولها إلا جاهل أو منافق، بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم. فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان، على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء. وهم يسعون فى الأرض فسادا، ويصدون عن سبيل الله، فضررهم فى الدين، أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم، ويترك دينهم، كقطاع الطرق، وكالتتار الذين يأخذون أموالهم ويبقون على دينهم، ولا يستهين بهم من لم يعرفهم، فضلالهم وإضلالهم أطم وأعظم من أن يوصف.
ثم قال: ومن كان محسنا للظن بهم وادعى أنه لم يعرف حالهم، عرف حالهم، فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار، وإلا ألحق بهم وجعل منهم، وأما من قال: لكلامهم تأويل يوافق الشريعة، فإنه من رءوسهم وأئمتهم، فإنه إن كان ذكيا، فإنه يعرف كذب نفسه، فيما قال، وإن كان معتقدا لهذا باطنا وظاهرا، فهو أكفر من النصارى. انتهى باختصار.
وقد كتبنا جواب ابن تيمية هذا بكماله فى موضع غير هذا.
ذكر جواب من وافقه فى إنكار المقالات المذكورة فى هذا السؤال، وتكفير
قائلها:
ذكر جواب القاضى بدر الدين بن جماعة:
«هذه الفصول المذكورة، وما أشبهها من هذا الباب بدعة وضلالة ومنكر وجهالة، لا يصغى إليها ولا يعرج عليها ذو دين، ثم قال: وحاشا رسول الله ﷺ ، يأذن فى المنام بما يخالف ويعاند الإسلام، بل ذلك من وسواس الشيطان ومحنته، وتلاعبه برأيه وفتنته.
وقوله فى آدم: إنه إنسان العين، تشبيه لله تعالى بخلقه.
стр. 695
وكذلك قوله: الحق المنزه، هو الخلق المشبه، إن أراد بالحق رب العالمين، فقد صرح بالتشبيه وتغالى فيه. وأما إنكاره ما ورد فى الكتاب والسنة من الوعيد، فهو كافر به عند علماء أهل التوحيد.
وكذلك قوله فى قوم نوح وهود، قول لغو باطل مردود. وإعدام ذلك، وما شابه هذه الأبواب من نسخ هذا الكتاب، من أوضح طرق الصواب، فإنها ألفاظ مزوقة، وعبارات عن معان غير محققة، وإحداث فى الدين ما ليس منه. فحكمه رده، والإعراض عنه». ثم قال: كتبه محمد بن إبراهيم الشافعى. انتهى باختصار.
ذكر جواب القاضى سعد الدين الحارثى، قاضى الحنابلة بالقاهرة:
«الحمد لله، ما ذكر من الكلام المنسوب إلى الكتاب المذكور، يتضمن الكفر، ومن صدق به، فقد تضمن تصديقه بما هو كفر، يجب فى ذلك الرجوع عنه والتلفظ بالشهادتين عنده، وحق على كل من سمع ذلك إنكاره، ويجب محو ذلك وما كان مثله وقريبا منه، من هذا الكتاب، ولا يترك بحيث يطلع عليه، فإن فى ذلك ضررا عظيما، على من لم يستحكم الإيمان فى قلبه، وربما كان فى الكتاب تمويهات وعبارات مزخرفة، وإشارات إلى ذلك، لا يعرفه كل أحد، فيعظم الضرر. وكل هذه التمويهات ضلالات وزندقة. والحق إنما هو فى اتباع كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، وقول القائل: إنه أخرج الكتاب بإذن رسول الله ﷺ ، بمنام رآه، فكذب منه على رؤياه للنبى ﷺ ». كتبه عبد الله: مسعود بن أحمد الحارثى.
ذكر جواب خطيب القلعة الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الجزرى الشافعى:
«الحمد لله. قوله: فإن آدم ﵇، إنما سمى إنسانا، تشبيه وكذب باطل. وحكمه بصحة عبادة قوم نوح للأصنام كفر، لا يقر قائله عليه.
وقوله: إن الحق المنزه: هو الخلق المشبه، كلام باطل متناقص وهو كفر.
وقوله فى قوم هود: إنهم حصلوا فى عين القرب، افتراء على الله ورد لقوله فيهم.
وقوله: زال البعد، وصيرورية جهنم فى حقهم نعيما، كذب وتكذيب للشرائع، بل الحق ما أخبر الله به من بقائهم فى العذاب.
وأما من يصدقه فيما قاله، لعلمه بما قال، فحكمه كحكمه من التضليل والتكفير إن كان عالما، فإن كان ممن لا علم له، فإن قال ذلك جهلا عرف بحقيقة ذلك ويجب
стр. 696
تعليمه وردعه عنه مهما أمكن، وإنكاره الوعيد فى حق سائر العبيد، كذب وردّ لإجماع المسلمين، وإنجاز من الله عزوجل للعقوبة، فقد دلت الشريعة دلالة ناطقة، أن لابد من عذاب طائفة من عصاة المؤمنين، ومنكر ذلك يكفر.
عصمنا الله من سوء الاعتقاد، وإنكار المعاد. والله أعلم». وكتب محمد بن يوسف الشافعى.
ذكر جواب القاضى زين الدين الكنتانى الشافعى، مدرس الفخرية والمنصورية بالقاهرة:
«الله الموفق، زعم المذكور أن رسول الله ﷺ ، أذن له فى وضع الكتاب المذكور، كذب منه على النبى ﷺ ، فإن الله تعالى بعث النبى ﷺ هاديا (وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً) [الأحزاب: ٤٣]، هذا فى هذه الدار، فكيف أحواله فى دار الحق؟ .
أما قوله فى آدم: فكذب من جهة الاسم، وكفر من جهة المعنى، إن أراد بالحق مالك الملك الغنى عن العالمين.
وأما قوله: الحق هو الخلق. فهو قول معتقد الوحدة، وهو قول كأقوال المجانين، بل أسحاق من هذا، للعلم الضرورى بأن الصانع غير المصنوع.
وأما قوله: إن التفريق والكثرة. فهذا قول القائلين بالوحدة أيضا، الذين ظاهر كلامهم لا يعتقده عاقل، فإن أجلى الضروريات، كون كل أحد يعلم أن غيره ليس هو هو، وأنه هو ليس غيره.
وقوله فى قوم هود، كفر؛ لأن الله تعالى أخبر فى القرآن عن عاد، أنهم كفروا بربهم، والكفار ليسوا على صراط مستقيم.
فالقول بأنهم كانوا عليه [كذب] (٢) بصريح القرآن، وإنكار الوعيد فى حق من حقت عليه الكلمة من تحقيق الوعيد فى القرآن، تكذيب للقرآن، فهو كفر أيضا، ومن صدق المذكور فى هذه الأمور أو بعضها مما هو كفر، يكفر، ويأثم من سمعه ولم ينكره، إذا كان مكلفا، وإن رضى به كفر، والحالة هذه». وكتب عمر بن أبى الحرم الشافعى.
стр. 697
ذكر جواب الشيخ نور الدين البكرى الشافعى
«الحمد لله رب العالمين، من رأى النبى ﷺ فى المنام فقد رآه حقا، وإذا كان قد أتى شخص من المصنفين بتصنيف ابتدع فيه وألحد فى الحقائق الشرعية، وظهر فيه أن مفسدته أكثر من مصلحته، تحقق بذلك كذبه فيما أخبر به فى رؤياه النبى ﷺ ، أنه أمره بذلك الكتاب، وأذن له فيه؛ فإن النبى ﷺ لا يقول إلا الحق فى اليقظة والمنام.
وأحسن أحوال من قال إنه رآه فى مثل تلك الحال، وأنه أمره أو أذن له فى مثل هذا المصنف، أن يكون قد سمع من النبى ﷺ كلاما فهمه على خلاف المراد، أو وقع له غلط بطريق آخر. هذا فيمن ادعى ذلك فى تصنيف ظاهره الغلط والفساد.
وأما تصنيف تذكر فيه هذه الأقوال المتقدمة فى الاستفتاء، ويكون المراد بها ظاهرها، فصاحبها ألعن وأقبح من أن يتأول له ذلك، بل هو كاذب فاجر، كافر فى القول والاعتقاد، ظاهرا وباطنا، وإن كان قائلها لم يرد ظاهرها، فهو كافر بقوله، ضال بجهله، ولا يعذر فى تأويله لتلك الألفاظ، إلا أن يكون جاهلا بالأحكام جهلا تاما عاما، ولم يعذر فى جهله بمعصيته لعدم مراجعته العلماء. والتصانيف على الوجه الواجب من المعرفة فى حق من يخوض من أمر الرسل ومتبعيهم، أعنى معرفة الأدب فى التعبيرات، على أن فى هذه الألفاظ ما يتعذر أو يتعسر تأويلها كلها كذلك». انتهى باختصار.
ذكر جواب الشيخ شرف الدين عيسى الزواوى المالكى
«الحمد لله وحده. أما هذا التصنيف الذى هو ضد لما أنزله عزوجل فى كتبه المنزلة، وضد أقوال الأنبياء المرسلة، فهو افتراء على الله، وافتراء على رسوله ﷺ . ثم قال: وما تضمنه هذا التصنيف، من الهذيان والكفر والبهتان، فكله تلبيس وضلال وتحريف وتبديل، ومن صدق بذلك أو اعتقد صحته، كان كافرا ملحدا صادا عن سبيل الله تعالى، مخالفا لملة رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ملحدا فى آيات الله، مبدلا لكلمات الله، فإن أظهر ذلك وناظر عليه، كان كافرا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل وعجل الله بروحه إلى الهاوية والنار الحامية. وإن أخفى ذلك وأسره، كان زنديقا، فيقتل متى ظهر عليه، ولا تقبل توبته إن تاب، لأن حقيقة توبته لا تعرف. ثم قال: فيقتل مثل هؤلاء، ويراح المسلمون من شرهم، وإفشاء الفساد فى دينهم. وهؤلاء قوم يسمون الباطنية، لم يزالوا من قديم الزمان ضلالا فى الأمة، معروفين بالخروج من الملة، يقتلون متى ظهر عليهم،
стр. 698
وينفون من الأرض، متى اتهموا بذلك، ولم يثبت عليهم، وعادتهم التصلح والتدين، وادعاء التحقيق وهم على أسوأ طريق.
فالحذر كل الحذر منهم، فإنهم أعداء الله وشر من اليهود والنصارى، لأنهم قوم لا دين لهم يتبعونه، ولا رب يعبدونه، وواجب على كل من ظهر على أحد منهم، أن ينهى أمره إلى ولاة المسلمين، ليحكموا فيه بحكم الله.
ثم قال: فمن لم يقدر على ذلك غيّر بلسانه، وبين للناس بطلان مذهبهم وشر طويتهم، ونبه عليهم بقوله مهما قدر، وحذر منهم مهما استطاع.
ومن عجز عن ذلك: غيّر بقلبه وهو أضعف المراتب. ويجب على ولى الأمر، إذا سمع بمثل هذا التصنيف، البحث عنه، وجمع نسخه حيث وجدها وإحراقها، وأدب من اتهم بهذا المذهب أو نسب إليه أو عرف به، على قدر قوة التهمة عليه، إذا لم يثبت عليه، حتى يعرفه الناس ويحذروه، والله ولى الهداية بمنه وفضله». كتبه عيسى الزواوى المالكى. انتهى باختصار.
وهذا السؤال، أظنه كان فى آخر العشر الأول من القرن الثامن، أو أول سنة من العشر الثانى منه.
وجرى نحو من هذا السؤال، فى آخر القرن الثامن، فى دولة الملك الظاهر برقوق (٣) صاحب الديار المصرية والشامية. وأجاب عليه جماعة من العلماء المعتبرين من أرباب المذاهب، بأن الكلام المسئول عنه كفر، إلى غير ذلك مما تضمنه جوابهم، وأسماء جميعهم لا تحضرنى الآن، ولكن منهم مولانا شيخ الإسلام سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير البلقينى الشافعى، أحد المجتهدين فى مذهبه، ومن طبق ذكره الأرض علما.
стр. 699
وقد سمعت صاحبنا الحافظ الحجة القاضى شهاب الدين أبا الفضل أحمد بن على بن حجر العسقلانى الشافعى، وهو الآن المشار إليه بالتقدم فى علم الحديث، أمتع الله بحياته، يقول: إنه ذكر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى، شيئا من كلام ابن عربى المشكل، وسأله عن ابن عربى. فقال له شيخنا البلقينى: هو كافر.
وقد سئل عنه وعن شيء من كلامه، شيخنا العلامة أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمى التونسى المالكى، عالم أفريقية بالمغرب. فقال ما معناه: من نسب إليه هذا الكلام، لا يشك مسلم منصف فى فسقه وضلاله وزندقته. وهذا مما أرويه عن شيخنا ابن عرفة إجازة.
وسئل عنه شيخنا الإمام البارع، قاضى الجماعة بالديار المصرية، أبو زيد عبد الرحمن ابن محمد، المعروف بابن خلدون الحضرمى المالكى، فذكر فى جوابه أشياء من حال ابن عربى وأشباهه، ونذكر شيئا من ذلك لما فيه من الفوائد.
أنبأنى القاضى أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون الأصولى قال: أعلم أرشدنا الله وإياك للصواب، وكفانا شر البدع والضلال، أن طريق المتصوفة منحصرة فى طريقين:
الطريقة الأولى: وهى طريقة السنة، طريقة سلفهم الجارية على الكتاب والسنة، والاقتداء بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين.
ثم قال: والطريقة الثانية: وهى مشوبة بالبدع، وهى طريقة قوم من المتأخرين، يجعلون الطريقة الأولى وسيلة إلى كشف حجاب الحس لأنها من نتائجها.
ثم قال: ومن هؤلاء المتصوفة: ابن عربى، وابن سبعين، وابن برجان، وأتباعهم، ممن سلك سبيلهم ودان بنحلتهم، ولهم تواليف كثيرة يتداولونها، مشحونة من صريح الكفر، ومستهجن البدع، وتأويل الظواهر لذلك على أبعد الوجوه وأقبحها، مما يستغرب الناظر فيها من نسبتها إلى الملة أو عدها فى الشريعة.
ثم قال: وليس ثناء أحد على هؤلاء، حجة للقول بفضله، ولو بلغ المثنى ما عسى أن يبلغ من الفضل؛ لأن الكتاب والسنة، أبلغ فضلا وشهادة من كل أحد. ثم قال: وأما حكم هذه الكتب المتضمنة لتلك العقائد المضلة، وما يوجد من نسخها بأيدى الناس، مثل: الفصوص، والفتوحات لابن عربى، والبد لابن سبعين، وخلع النعلين لابن قسى، وعين اليقين لابن برجان، وما أجدر الكثير من شعر ابن الفارض، والعفيف التلمسانى وأمثالها، أن تلحق بهذه الكتب، وكذا شرح ابن الفرغانى للقصيدة التائية من نظم ابن الفارض.
стр. 700
فالحكم فى هذه الكتب كلها وأمثالها، إذهاب أعيانها متى وجدت، بالتحريق بالنار والغسل بالماء، حتى ينمحى أثر الكتابة، لما فى ذلك من المصلحة العامة فى الدين، بمحو العقائد المضلة، ثم قال: فيتعين على ولى الأمر، إحراق هذه الكتب دفعا للمفسدة العامة، ويتعين على من كانت عنده التمكين منها للإحراق، وإلا فينزعها منه ولى الأمر، ويؤدبه على معارضته فى منعها؛ لأن ولى الأمر لا يعارض فى المصالح العامة. انتهى باختصار.
وقوله: وليس ثناء أحد على هؤلاء حجة، إنما ذكره؛ لأن فى السؤال الذى أجاب عنه: وهل ثناء الشيخ أبى الحسن الشاذلى إن صح، حجة تنهض على فضل مصنف هذا الكتاب؟ ، يعنى الفصوص لابن عربى، فيلتمس له أحسن المخارج أولا.
ذكر شيء مما رأيته للناس فى أمر ابن عربى، غير ما سبق
فى هذا السؤال
أنبئت عن الأديب المؤرخ، صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدى قال: سمعت أبا الفتح بن سيد الناس يقول: سمعت ابن دقيق العيد يقول: سألت ابن عبد السلام عن ابن عربى. فقال: شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجا. انتهى.
ووجدت بخط الحافظ أبى الفتح بن سيد الناس، وأنبأنى عنه غير واحد، سمعت الشيخ الإمام الحافظ الزاهد العلامة أبا الفتح محمد بن على بن وهب القشيرى يقول: سمعت شيخنا الإمام أبا محمد بن عبد السلام وجرى ذكر أبى عبد الله محمد بن العربى، فقال: شيخ سوء مقبوح كذاب. فقلت له: وكذاب أيضا. قال: نعم. تذاكرنا يوما بمسجد الجامع بدمشق، التزويج بجوارى الجن. فقال: هذا فرض محال، لأن الإنس جسم كثيف، والجن روح لطيف، ولن يعلو الجسم الكثيف الروح اللطيف.
ثم بعد قليل رأيت به شجة، فسألته عن سببها. قال: تزوجت امرأة من الجن ورزقت منها ثلاثة أولاد. فاتفق يوما أن تفاوضنا فأغضبتها؛ فضربتنى بعظم، حصلت منه هذه الشجة وانصرفت، فلم أرها بعدها، أو معناه. انتهى.
وما ذكره الإمام ابن عبد السلام من أوصاف ابن عربى المذمومة، لا تلائم صفات أولياء الله تعالى.
ووجه تكذيبه فى الحكاية التى ذكرناها عنه: أنه لا يستقيم أن يتزوج امرأة جنية ولا إنسية، ويرزق منها ثلاثة أولاد فى مدة قليلة.
стр. 701
ولا يعارض ما صح عن ابن عبد السلام، فى ذم ابن عربى، ما حكاه عنه الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعى فى كتابه «الإرشاد والتطريز» لأنه قال: وسمعت أن الشيخ الفقيه الإمام عز الدين بن عبد السلام، كان يطعن فى ابن العربى ويقول: هو زنديق.
فقال له يوما بعض أصحابه: أريد أن ترينى القطب. فأشار إلى ابن عربى، وقال: هذاك هو. فقيل: فأنت تطعن فيه؟ فقال: حتى أصون ظاهر الشرع، أو كما قال، رضى الله عنهما.
أخبرنى بذلك غير واحد ما بين مشهور بالصلاح والفضل، ومعروف بالدين، ثقة عدل، من أهل الشام ومن أهل مصر، إلا أن بعضهم روى: أريد أن ترينى وليا، وبعضهم روى القطب. انتهى.
وإنما لم يكن ما حكاه اليافعى معارضا لما سبق من ذم ابن عربى؛ لأن ما حكاه اليافعى، بغير إسناد إلى ابن عبد السلام، وحكم ذلك الإطراح، والعمل بما صح إسناده فى ذمه. والله أعلم.
وأظن ظنا قويا، أن هذه الحكاية من انتحال غلاة الصوفية، المعتقدين لابن عربى، فانتشرت حتى نقلت إلى أهل الخير، فتلقوها بسلامة صدر.
وكان اليافعى ﵀ سليم الصدر فيما بلغنا، وإنما قوى ظنى بعدم صحة هذه الحكاية، لأنها توهم اتحاد زمان مدح ابن عبد السلام لابن عربى، وذم ابن عبد السلام له.
فإن تعليل ابن عبد السلام ذمه لابن عربى لصيانته للشرع، يقتضى أن ابن عربى، عالى الرتبة فى نفس الأمر، حال ذم ابن عبد السلام له. وهذا لا يصدر من عالم متق. فكيف بمن كان عظيم المقدار فى العلم والتقوى، كابن عبد السلام؟ ومن ظن به ذلك، فقد أخطأ وأثم، لما فى ذلك من تناقض القول.
ولا يعارض ذلك ما يحكى من اختلاف المحدثين فى جرح الراوى وتوثيقه؛ لأن الراوى يكون ثقة فى نفسه، ولكنه مع ذلك يلابس أمرا كبدعة، وللمحدثين فى ذلك خلاف، هل هو جرح أو لا؟ فمن عدله من المحدثين، نظر إلى أن ذلك الأمر غير قادح فى الراوى، ومن جرحه رأى ذلك الأمر قادحا.
وربما كان الراوى يخطئ أحيانا أو يقل ضبطه بالنسبة إلى غيره، فيرى بعض المحدثين
стр. 702
ذلك فيه جرحا، ويرى بعضهم ذلك لا يجرحه، لقلة الخطأ ووجود الضبط فى الجملة، إلى غير ذلك من الوجوه التى حصل بسببها الخلاف فى الجرح، وليس منها وجه فيه ما يدل على اتحاد زمن ذلك، من قائل واحد فى راو، إنما ذلك لاختلاف الرأى فى حال الراوى. والله أعلم.
ويمكن تأويل ما فى هذه الحكاية من ثناء ابن عبد السلام على ابن عربى ـ إن صح ثناؤه عليه ـ بأن يكون بين طعن ابن عبد السلام وثنائه عليه، زمن يصلح فيه حال ابن عربى، وليس فى مثل ذلك تعارض.
وما ذكر فى الحكاية من ثناء ابن عبد السلام على ابن عربى، على تقدير صحته. منسوخ بما ذكره ابن دقيق العيد عن ابن عبد السلام فى ذمه لابن عربى.
فإن ابن دقيق العيد لم يسمع ذلك من ابن عبد السلام إلا بمصر، بعد موت ابن عربى بسنين، لأن ابن دقيق العيد، ولد فى شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة، ونشأ ببلدة قوص، واشتغل بها فى مذهب الشافعى وغيره من العلوم، على ابن عبد السلام، فبلوغه واشتغاله بالعلم فى بلده، ثم قدومه إلى القاهرة، لا يكون إلا بعد سنة أربعين وستمائة، وابن عربى مات فى ربيع الآخر، سنة ثمان وثلاثين وستمائة بدمشق، وثناء ابن عبد السلام على ابن عربى المذكور، كان فى حياة ابن عربى، بدليل ما فيها، من أنه أراه لمن يسأله عن القطب أو الولى.
وفى السنة التى مات فيها ابن عربى، أو فى التى بعدها، كان خروج ابن عبد السلام من دمشق، لتعب ناله من صاحبها، الصالح إسماعيل بن العادل أبى بكر بن أيوب؛ لأنه سلم قلعة الشقيف (٤) للفرنج، فأنكر ذلك عليه ابن عبد السلام، فعزل ابن عبد السلام عن خطابة دمشق وسجنه، ثم أطلقه، وتوجه من دمشق إلى الكرك (٥)، فتلقاه صاحب الكرك، الناصر داود بن المعظم عيسى، وسأله أن يقيم عنده فلم يفعل، واعتذر بأنها لا تسع نشر علمه، فقصد مصر، فتلقاه صاحبها الصالح نجم الدين أيوب
стр. 703
ابن الكامل، وأكرمه وولاه الخطابة بالجامع العتيق بمصر، والقضاء بها مع الوجه القبلى، وتصدى لنشر العلم والإفادة على أحسن سبيل. وهذا كله لا يخفى على أحد من أهل التحصيل.
وقال ابن مسدى فى ترجمة ابن عربى فى معجمه، بعد أن ذكر ما نقلناه عنه من شيوخ ابن عربى: يلقب بالقشيرى، لقبا غلب عليه لما كان يشير من التصوف إليه، ولقد خاض فى بحر تلك الإشارات، وتحقق بمحيى تلك العبارات، وتكون فى تلك الأطوار، حتى قضى ما شاء من لبانات وأوطار، ثم قال: وله تواليف كثيرة، تشهد له بالتقدم والإقدام، ومواقف النهايات ومزالق الأقدام.
وكان مقتدرا على الكلام، ولعله ما سلم من الكلام، وعندى من أخباره عجائب، ومن صحيح منقولاته غرائب. وكان ظاهرى المذهب فى العبادات، باطنى النظر فى الاعتقادات، ولهذا ما ارتبت فى أمره، والله أعلم بسره.
قال: ومن شعره المحكم الفصول، السالم من الفضول قوله (١):
يا غاية السول والمأمول يا سندى ... شوقى إليك شديد لا إلى أحد
ذبت اشتياقا ووجدا من محبتكم ... فآه من فرط شوقى آه من كمدى
يدى وضعت على قلبى مخافة أن ... ينشق صدرى لما خاننى جلدى
ما زال يرفعها طورا ويخفضها ... حتى وضعت يدى الأخرى لشديدى
انتهى.
وأنشدنى هذه الأبيات وغيرها من شعر ابن عربى أبو هريرة بن الذهبى، إذنا عن القاسم بن مظفر بن عساكر، عن ابن عربى إجازة.
وذكره القطب القسطلانى ـ على ما ذكر الأستاذ أبو حيان النحوى ـ فى كتاب ألفه القطب، فى ذكر الطائفة القائلة بالوحدة المطلقة فى الموجودات، ابتدأ فيه بالحلاج، وختم فيه بابن سبعين. فقال: انتقل ـ يعنى ابن عربى ـ من بلاد الأندلس إلى هذه البلاد بعد التسعين وخمسمائة. وجاور بمكة، وسمع بها الحديث، وصنف «الفتوحات المكية» بها.
وكان له لسان فى التصوف، ومعرفة لما انتحاه من هذه المقالات، وصنف بها كتبا كثيرة على مقاصده التى اعتقدها، ونهج فى كثير منها مناهج تلك الطائفة، ونظم فيها أشعارا كثيرة، وأقام بدمشق مدة، ثم انتقل إلى الروم، وحصل له فيها قبول وأموال جزيلة، ثم عاد إلى دمشق، وبها توفى. انتهى.
стр. 704
ومن خط أبى حيان نقلت ذلك، وذكره الذهبى فى العبر، فقال: صاحب التصانيف، وقدوة القائلين بوحدة الوجود، ثم قال: وقد اتهم بأمر عظيم.
وقد وصف شيخ الإسلام تقى الدين على بن عبد الكافى السبكى، ابن عربى هذا وأتباعه، بأنهم ضلال جهال، خارجون عن طريقة الإسلام؛ لأنه قال فيما أنبأنى به عنه الحافظان: زين الدين العراقى، ونور الدين الهيثمى، فى شرحه على «المنهاج» للنووى، فى باب الوصية، بعد ذكره للمتكلم: وهكذا الصوفية منقسمون كانقسام المتكلمين؛ فإنهما من واد واحد، فمن كان مقصوده معرفة الرب وصفاته وأسمائه، والتخلق بما يجوز التخلق به منها، والتجلى بأحوالها، وإشراق المعارف الإلهية عليه، والأحوال السنية عنده، فذلك من أعظم العلماء، ويصرف إليه من الوصية للعلماء والوقف عليهم، ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين، كابن العربى وأتباعه، فهم ضلال جهال، خارجون عن طريقة الإسلام، فضلا عن العلماء. انتهى.
وذكره الذهبى فى الميزان، فقال: صنف التصانيف فى تصوف الفلاسفة وأهل الوحدة، وقال أشياء منكرة، عدها طائفة من العلماء مروقا وزندقة، وعدها طائفة من العلماء، من إشارات العارفين ورموز السالكين، وعدها طائفة، من متشابه القول، وأن ظاهرها كفر وضلال، وباطنها حق وعرفان، وأنه صحيح فى نفسه كبير القدر. وآخرون يقولون: قد قال هذا الكفر والضلال، فمن ذا الذى قال: إنه مات عليه. فالظاهر عندهم من حاله، أنه رجع وأناب إلى الله، فإنه كان عالما بالآثار والسنن، قوى المشاركة فى العلوم.
قال: وقولى أنا فيه: أنه يجوز أن يكون من أولياء الله تعالى، الذين اجتذبهم الحق إلى جنابه عند الموت، وختم له بالحسنى.
وأما كلامه، فمن فهمه وعرفه على قواعد الاتحادية وعلم محط القوم، وجمع بين أطراف عبارتهم، تبين له الحق فى خلاف قولهم، وكذلك من أمعن النظر فى «فصوص الحكم» أو أنعم التأمل، لاح له العجب، فإن الذكى إذا تأمل من ذلك، الأقوال والنظائر والأشباه، فهو أحد رجلين، إما من الاتحادية فى الباطن، وإما من المؤمنين بالله، الذين يعدون أن أهل هذه النحلة من أكفر الكفرة. انتهى.
وقال فى تاريخ الإسلام، على ما أخبرنى به ابن المحب الحافظ، إذنا عنه سماعا: هذا الرجل كان قد تصوف وانعزل وجاع وسهر، وفتح عليه بأشياء امتزجت بعالم الخيال
стр. 705
والخطرات والفكرة، واستحكم ذلك، حتى شاهد بقوة الخيال أشياء، ظنها موجودة فى الخارج، وسمع من طيش دماغه خطابا، اعتقده من الله، ولا وجود لذلك أبدا فى الخارج، حتى إنه قال: لم يكن الحق أوقفنى على ما سطره لى فى توقيع ولايتى أمور العالم، حتى أعلمنى بأنى خاتم الولاية المحمدية بمدينة فاس، سنة خمس وتسعين.
فلما كانت ليلة الخميس فى سنة ثلاثين وستمائة، أوقفنى الحق على التوقيع بورقة بيضاء فرسمته بنصه: هذا توقيع إلهى كريم، من الرءوف الرحيم إلى فلان. وقد أجزل له رفده، وما خيبنا قصده، فلينهض إلى ما فوض إليه، ولا تشغله الولاية عن المثول بين أيدينا شهرا بشهر، إلى انقضاء العمر. انتهى.
وهذا الكلام فيه مؤاخذات على ابن عربى.
منها: إن كان المراد بما ذكره من أنه خاتم الولاية المحمدية، أنه خاتم الأولياء، كما أن نبينا محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، فليس بصحيح، لوجود جمع كثير من أولياء الله تعالى العلماء العاملين فى عصر ابن عربى، وفيما بعده على سبيل القطع، وإن كان المراد أنه خاتم الأنبياء بمدينة فاس، فهو غير صحيح أيضا، لوجود الأولياء الأخيار بها بعد ابن عربى. وهذا من الأمر المشهور.
أنشدنى شيخنا المحدث، شمس الدين محمد بن المحدث ظهير الدين إبراهيم الجزرى، سماعا من لفظه فى الرحلة الأولى بظاهر دمشق، أن الحافظ الزاهد شمس الدين محمد بن المحب عبد الله بن أحمد المقدسى الصالحى، أنشده لنفسه سماعا، وأنشدنى ذلك إجازة، شيخنا ابن المحب المذكور:
دعى ابن العريبى الأنام ليقتدوا ... بأعورة الدجال فى بعض كتبه
وفرعون أسماه لكل محقق ... إماما ألا تباله ولحزبه
وسئل عنه شيخنا العلامة المحقق الحافظ المفتى المصنف، أبو زرعة أحمد بن شيخنا الحافظ العراقى الشافعى، أبقاه الله تعالى، فقال: لا شك فى اشتمال «الفصوص» المشهورة على الكفر الصريح الذى لا يشك فيه. وكذلك «فتوحاته المكية» فإن صح صدور ذلك عنه، واستمر عليه إلى وفاته، فهو كافر مخلد فى النار بلا شك.
وقد صح عندى عن الحافظ جمال الدين المزى، أنه نقل من خطه فى تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) [البقرة: ٦] كلاما ينبو عنه السمع، ويقتضى الكفر، وبعض كلماته لا يمكن تأويلها، والذى يمكن تأويله منها، كيف يصار إليه مع مرجوحية التأويل، والحكم إنما يترتب على الظاهر.