ولا يعارض ما صح عن ابن عبد السلام، فى ذم ابن عربى، ما حكاه عنه الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعى فى كتابه «الإرشاد والتطريز» لأنه قال: وسمعت أن الشيخ الفقيه الإمام عز الدين بن عبد السلام، كان يطعن فى ابن العربى ويقول: هو زنديق.
فقال له يوما بعض أصحابه: أريد أن ترينى القطب. فأشار إلى ابن عربى، وقال: هذاك هو. فقيل: فأنت تطعن فيه؟ فقال: حتى أصون ظاهر الشرع، أو كما قال، رضى الله عنهما.
أخبرنى بذلك غير واحد ما بين مشهور بالصلاح والفضل، ومعروف بالدين، ثقة عدل، من أهل الشام ومن أهل مصر، إلا أن بعضهم روى: أريد أن ترينى وليا، وبعضهم روى القطب. انتهى.
وإنما لم يكن ما حكاه اليافعى معارضا لما سبق من ذم ابن عربى؛ لأن ما حكاه اليافعى، بغير إسناد إلى ابن عبد السلام، وحكم ذلك الإطراح، والعمل بما صح إسناده فى ذمه. والله أعلم.
وأظن ظنا قويا، أن هذه الحكاية من انتحال غلاة الصوفية، المعتقدين لابن عربى، فانتشرت حتى نقلت إلى أهل الخير، فتلقوها بسلامة صدر.
وكان اليافعى ﵀ سليم الصدر فيما بلغنا، وإنما قوى ظنى بعدم صحة هذه الحكاية، لأنها توهم اتحاد زمان مدح ابن عبد السلام لابن عربى، وذم ابن عبد السلام له.
فإن تعليل ابن عبد السلام ذمه لابن عربى لصيانته للشرع، يقتضى أن ابن عربى، عالى الرتبة فى نفس الأمر، حال ذم ابن عبد السلام له. وهذا لا يصدر من عالم متق. فكيف بمن كان عظيم المقدار فى العلم والتقوى، كابن عبد السلام؟ ومن ظن به ذلك، فقد أخطأ وأثم، لما فى ذلك من تناقض القول.
ولا يعارض ذلك ما يحكى من اختلاف المحدثين فى جرح الراوى وتوثيقه؛ لأن الراوى يكون ثقة فى نفسه، ولكنه مع ذلك يلابس أمرا كبدعة، وللمحدثين فى ذلك خلاف، هل هو جرح أو لا؟ فمن عدله من المحدثين، نظر إلى أن ذلك الأمر غير قادح فى الراوى، ومن جرحه رأى ذلك الأمر قادحا.
وربما كان الراوى يخطئ أحيانا أو يقل ضبطه بالنسبة إلى غيره، فيرى بعض المحدثين
стр. 702
ذلك فيه جرحا، ويرى بعضهم ذلك لا يجرحه، لقلة الخطأ ووجود الضبط فى الجملة، إلى غير ذلك من الوجوه التى حصل بسببها الخلاف فى الجرح، وليس منها وجه فيه ما يدل على اتحاد زمن ذلك، من قائل واحد فى راو، إنما ذلك لاختلاف الرأى فى حال الراوى. والله أعلم.
ويمكن تأويل ما فى هذه الحكاية من ثناء ابن عبد السلام على ابن عربى ـ إن صح ثناؤه عليه ـ بأن يكون بين طعن ابن عبد السلام وثنائه عليه، زمن يصلح فيه حال ابن عربى، وليس فى مثل ذلك تعارض.
وما ذكر فى الحكاية من ثناء ابن عبد السلام على ابن عربى، على تقدير صحته. منسوخ بما ذكره ابن دقيق العيد عن ابن عبد السلام فى ذمه لابن عربى.
فإن ابن دقيق العيد لم يسمع ذلك من ابن عبد السلام إلا بمصر، بعد موت ابن عربى بسنين، لأن ابن دقيق العيد، ولد فى شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة، ونشأ ببلدة قوص، واشتغل بها فى مذهب الشافعى وغيره من العلوم، على ابن عبد السلام، فبلوغه واشتغاله بالعلم فى بلده، ثم قدومه إلى القاهرة، لا يكون إلا بعد سنة أربعين وستمائة، وابن عربى مات فى ربيع الآخر، سنة ثمان وثلاثين وستمائة بدمشق، وثناء ابن عبد السلام على ابن عربى المذكور، كان فى حياة ابن عربى، بدليل ما فيها، من أنه أراه لمن يسأله عن القطب أو الولى.
وفى السنة التى مات فيها ابن عربى، أو فى التى بعدها، كان خروج ابن عبد السلام من دمشق، لتعب ناله من صاحبها، الصالح إسماعيل بن العادل أبى بكر بن أيوب؛ لأنه سلم قلعة الشقيف (٤) للفرنج، فأنكر ذلك عليه ابن عبد السلام، فعزل ابن عبد السلام عن خطابة دمشق وسجنه، ثم أطلقه، وتوجه من دمشق إلى الكرك (٥)، فتلقاه صاحب الكرك، الناصر داود بن المعظم عيسى، وسأله أن يقيم عنده فلم يفعل، واعتذر بأنها لا تسع نشر علمه، فقصد مصر، فتلقاه صاحبها الصالح نجم الدين أيوب
стр. 703
ابن الكامل، وأكرمه وولاه الخطابة بالجامع العتيق بمصر، والقضاء بها مع الوجه القبلى، وتصدى لنشر العلم والإفادة على أحسن سبيل. وهذا كله لا يخفى على أحد من أهل التحصيل.
وقال ابن مسدى فى ترجمة ابن عربى فى معجمه، بعد أن ذكر ما نقلناه عنه من شيوخ ابن عربى: يلقب بالقشيرى، لقبا غلب عليه لما كان يشير من التصوف إليه، ولقد خاض فى بحر تلك الإشارات، وتحقق بمحيى تلك العبارات، وتكون فى تلك الأطوار، حتى قضى ما شاء من لبانات وأوطار، ثم قال: وله تواليف كثيرة، تشهد له بالتقدم والإقدام، ومواقف النهايات ومزالق الأقدام.
وكان مقتدرا على الكلام، ولعله ما سلم من الكلام، وعندى من أخباره عجائب، ومن صحيح منقولاته غرائب. وكان ظاهرى المذهب فى العبادات، باطنى النظر فى الاعتقادات، ولهذا ما ارتبت فى أمره، والله أعلم بسره.
قال: ومن شعره المحكم الفصول، السالم من الفضول قوله (١):
يا غاية السول والمأمول يا سندى ... شوقى إليك شديد لا إلى أحد
ذبت اشتياقا ووجدا من محبتكم ... فآه من فرط شوقى آه من كمدى
يدى وضعت على قلبى مخافة أن ... ينشق صدرى لما خاننى جلدى
ما زال يرفعها طورا ويخفضها ... حتى وضعت يدى الأخرى لشديدى
انتهى.
وأنشدنى هذه الأبيات وغيرها من شعر ابن عربى أبو هريرة بن الذهبى، إذنا عن القاسم بن مظفر بن عساكر، عن ابن عربى إجازة.
وذكره القطب القسطلانى ـ على ما ذكر الأستاذ أبو حيان النحوى ـ فى كتاب ألفه القطب، فى ذكر الطائفة القائلة بالوحدة المطلقة فى الموجودات، ابتدأ فيه بالحلاج، وختم فيه بابن سبعين. فقال: انتقل ـ يعنى ابن عربى ـ من بلاد الأندلس إلى هذه البلاد بعد التسعين وخمسمائة. وجاور بمكة، وسمع بها الحديث، وصنف «الفتوحات المكية» بها.
وكان له لسان فى التصوف، ومعرفة لما انتحاه من هذه المقالات، وصنف بها كتبا كثيرة على مقاصده التى اعتقدها، ونهج فى كثير منها مناهج تلك الطائفة، ونظم فيها أشعارا كثيرة، وأقام بدمشق مدة، ثم انتقل إلى الروم، وحصل له فيها قبول وأموال جزيلة، ثم عاد إلى دمشق، وبها توفى. انتهى.
стр. 704
ومن خط أبى حيان نقلت ذلك، وذكره الذهبى فى العبر، فقال: صاحب التصانيف، وقدوة القائلين بوحدة الوجود، ثم قال: وقد اتهم بأمر عظيم.
وقد وصف شيخ الإسلام تقى الدين على بن عبد الكافى السبكى، ابن عربى هذا وأتباعه، بأنهم ضلال جهال، خارجون عن طريقة الإسلام؛ لأنه قال فيما أنبأنى به عنه الحافظان: زين الدين العراقى، ونور الدين الهيثمى، فى شرحه على «المنهاج» للنووى، فى باب الوصية، بعد ذكره للمتكلم: وهكذا الصوفية منقسمون كانقسام المتكلمين؛ فإنهما من واد واحد، فمن كان مقصوده معرفة الرب وصفاته وأسمائه، والتخلق بما يجوز التخلق به منها، والتجلى بأحوالها، وإشراق المعارف الإلهية عليه، والأحوال السنية عنده، فذلك من أعظم العلماء، ويصرف إليه من الوصية للعلماء والوقف عليهم، ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين، كابن العربى وأتباعه، فهم ضلال جهال، خارجون عن طريقة الإسلام، فضلا عن العلماء. انتهى.
وذكره الذهبى فى الميزان، فقال: صنف التصانيف فى تصوف الفلاسفة وأهل الوحدة، وقال أشياء منكرة، عدها طائفة من العلماء مروقا وزندقة، وعدها طائفة من العلماء، من إشارات العارفين ورموز السالكين، وعدها طائفة، من متشابه القول، وأن ظاهرها كفر وضلال، وباطنها حق وعرفان، وأنه صحيح فى نفسه كبير القدر. وآخرون يقولون: قد قال هذا الكفر والضلال، فمن ذا الذى قال: إنه مات عليه. فالظاهر عندهم من حاله، أنه رجع وأناب إلى الله، فإنه كان عالما بالآثار والسنن، قوى المشاركة فى العلوم.
قال: وقولى أنا فيه: أنه يجوز أن يكون من أولياء الله تعالى، الذين اجتذبهم الحق إلى جنابه عند الموت، وختم له بالحسنى.
وأما كلامه، فمن فهمه وعرفه على قواعد الاتحادية وعلم محط القوم، وجمع بين أطراف عبارتهم، تبين له الحق فى خلاف قولهم، وكذلك من أمعن النظر فى «فصوص الحكم» أو أنعم التأمل، لاح له العجب، فإن الذكى إذا تأمل من ذلك، الأقوال والنظائر والأشباه، فهو أحد رجلين، إما من الاتحادية فى الباطن، وإما من المؤمنين بالله، الذين يعدون أن أهل هذه النحلة من أكفر الكفرة. انتهى.
وقال فى تاريخ الإسلام، على ما أخبرنى به ابن المحب الحافظ، إذنا عنه سماعا: هذا الرجل كان قد تصوف وانعزل وجاع وسهر، وفتح عليه بأشياء امتزجت بعالم الخيال
стр. 705
والخطرات والفكرة، واستحكم ذلك، حتى شاهد بقوة الخيال أشياء، ظنها موجودة فى الخارج، وسمع من طيش دماغه خطابا، اعتقده من الله، ولا وجود لذلك أبدا فى الخارج، حتى إنه قال: لم يكن الحق أوقفنى على ما سطره لى فى توقيع ولايتى أمور العالم، حتى أعلمنى بأنى خاتم الولاية المحمدية بمدينة فاس، سنة خمس وتسعين.
فلما كانت ليلة الخميس فى سنة ثلاثين وستمائة، أوقفنى الحق على التوقيع بورقة بيضاء فرسمته بنصه: هذا توقيع إلهى كريم، من الرءوف الرحيم إلى فلان. وقد أجزل له رفده، وما خيبنا قصده، فلينهض إلى ما فوض إليه، ولا تشغله الولاية عن المثول بين أيدينا شهرا بشهر، إلى انقضاء العمر. انتهى.
وهذا الكلام فيه مؤاخذات على ابن عربى.
منها: إن كان المراد بما ذكره من أنه خاتم الولاية المحمدية، أنه خاتم الأولياء، كما أن نبينا محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، فليس بصحيح، لوجود جمع كثير من أولياء الله تعالى العلماء العاملين فى عصر ابن عربى، وفيما بعده على سبيل القطع، وإن كان المراد أنه خاتم الأنبياء بمدينة فاس، فهو غير صحيح أيضا، لوجود الأولياء الأخيار بها بعد ابن عربى. وهذا من الأمر المشهور.
أنشدنى شيخنا المحدث، شمس الدين محمد بن المحدث ظهير الدين إبراهيم الجزرى، سماعا من لفظه فى الرحلة الأولى بظاهر دمشق، أن الحافظ الزاهد شمس الدين محمد بن المحب عبد الله بن أحمد المقدسى الصالحى، أنشده لنفسه سماعا، وأنشدنى ذلك إجازة، شيخنا ابن المحب المذكور:
دعى ابن العريبى الأنام ليقتدوا ... بأعورة الدجال فى بعض كتبه
وفرعون أسماه لكل محقق ... إماما ألا تباله ولحزبه
وسئل عنه شيخنا العلامة المحقق الحافظ المفتى المصنف، أبو زرعة أحمد بن شيخنا الحافظ العراقى الشافعى، أبقاه الله تعالى، فقال: لا شك فى اشتمال «الفصوص» المشهورة على الكفر الصريح الذى لا يشك فيه. وكذلك «فتوحاته المكية» فإن صح صدور ذلك عنه، واستمر عليه إلى وفاته، فهو كافر مخلد فى النار بلا شك.
وقد صح عندى عن الحافظ جمال الدين المزى، أنه نقل من خطه فى تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) [البقرة: ٦] كلاما ينبو عنه السمع، ويقتضى الكفر، وبعض كلماته لا يمكن تأويلها، والذى يمكن تأويله منها، كيف يصار إليه مع مرجوحية التأويل، والحكم إنما يترتب على الظاهر.
стр. 706
وقد بلغنى عن الشيخ علاء الدين القونوى ـ وأدركت أصحابه ـ أنه قال فى مثل ذلك: إنما يؤول كلام المعصومين، وهو كما قال، وينبغى أن لا يحكم على ابن عربى نفسه بشئ، فإنى لست على يقين من صدور هذا الكلام منه، ولا من استمراره عليه إلى وفاته. ولكنا نحكم على هذا الكلام بأنه كفر. انتهى.
وما ذكره شيخنا من أنه لا يحكم على ابن العربى نفسه بشئ، خالفه فيه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى لتصريحه بكفر ابن عربى كما سبق عنه. وقد صرح بكفر ابن العربى، واشتمال كتبه على الكفر الصريح، الإمام رضى الدين أبو بكر بن محمد بن صالح، المعروف بابن الخياط، والقاضى شهاب الدين أحمد بن على الناشرى الشافعيان، وهما ممن يقتدى به من علماء اليمن فى عصرنا، ويؤيد ذلك فتوى من ذكرنا من العلماء وإن كانوا لم يصرحوا باسمه، إلا ابن تيمية، فإنه صرح باسمه؛ لأنهم كفروا قائل المقالات المذكورة فى السؤال، وابن عربى هو قائلها لأنها موجودة فى كتبه التى صنفها، واشتهرت عنه شهرة يقتضى القطع بنسبتها إليه. والله أعلم.
والقونوى المشار إليه فى كلام شيخنا أبى زرعة، هو شارح الحاوى الصغير فى الفقه.
ووجدت ذلك فى ذيل تاريخ الإسلام للذهبى، فإنه قال فى ترجمة القونوى: وحدثنى ابن كثير يعنى: الشيخ عماد الدين صاحب التاريخ والتفسير، أنه حضر مع المزى عنده ـ يعنى القونوى ـ فجرى ذكر «الفصوص» لابن عربى، فقال: لا ريب أن هذا الكلام الذى فيه كفر وضلال. فقال صاحبه الجمال المالكى: أفلا تتأول يا مولانا؟ . فقال: لا، إنما يتأول قول العصوم. انتهى.
والمزى: هو الحافظ جمال الدين صاحب تهذيب الكمال، والأطراف. وفى سكوته إشعار برضاه بكلام القونوى. والله أعلم.
وأما الكلام الذى لابن عربى على تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) *) الآية التى أشار إليها شيخنا الحافظ أبو زرعة فى كلامه، فهو ما حدثنى به شيخنا أبو زرعة بعدما كتبه لى بخطه من حفظه بالمعنى على ما ذكر، وربما فاته بعض المعنى، فذكره باللفظ. قال: سمعت والدى ﵀ غير مرة يقول: سمعت قاضى القضاة برهان الدين بن جماعة يقول: نقلت من خط الحافظ جمال الدين المزى، قال: نقلت من خط ابن عربى فى الكلام على قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية، ستروا محبتهم، سواء عليهم
стр. 707
أنذرتهم أم لم تنذرهم: استوى عندهم إنذارك وعدم إنذارك، لما جعلنا عندهم، لا يؤمنون بك، ولا يأخذون عنك، إنما يأخذون عنا. ختم الله على قلوبهم فلا يعقلون إلا عنه. وعلى سمعهم، فلا يسمعون إلا منه. وعلى أبصارهم غشاوة، فلا يبصرون إلا منه. ولا يلتفتون إليك ولا إلى ما عندك، بما جعلناه عندهم وألقينا إليهم.
وقد بين شيخنا فاضل اليمن شرف الدين إسماعيل بن أبى بكر، المعروف بابن المقرى الشافعى، من حال ابن عربى ما لم يبينه غيره؛ لأن جماعة من صوفية زبيد: أوهموا من ليس له كثير نباهة، علو مرتبة ابن عربى، ونفى العيب عن كلامه. وذكر ذلك شيخنا ابن المقرى مع شيء من حال الصوفية المشار إليهم، فى قصيدة طويلة من نظمه. فقال فيما أنشدنيه إجازة:
ألا يا رسول الله غارة ثائر ... غيور على حرماته والشعائر
يحاط بها الإسلام ممن يكيده ... ويرميه من تلبيسه بالفواقر
فقد حدثت بالمسلمين حوادث ... كبار المعاصى عندها كالصغائر
حوتهن كتب حارب الله ربها ... وغربها من غربين الحواضر
بحاسر فيها ابن العريبى واجترى ... على الله فيما قال كل التجاسر
فقال بأن الرب والعبد واحد ... فربى مربوبى بغير تغاير
وأنكر تكليفا إذ العبد عنده ... إله وعبد فهو إنكار حائر
وخطأ إلا من يرى الخلق صورة ... وهوية لله عند التناظر
وقال تجلى الحق فى كل صورة ... تجلى عليها فهى إحدى المظاهر
وأنكر أن الله يغنى عن الورى ... ويغنون عنه لاستواء المقادر
كما ظل فى التهليل يهزا بنفيه ... وإثباته مستجملا للمغاير
وقال الذى ينفيه عين الذى ... أتى به مثبتا لا غير عند التجاور
فأفسد معنى ما به الناس أسلموا ... وألغاه إلغا بينات التهاتر
فسبحان رب العرش عما يقوله ... أعاديه من أمثال هذى الكبائر
فقال عذاب الله عذب وربنا ... ينعم فى نيرانه كل فاجر
وقال بأن الله لم يعص فى الورى ... فما ثم محتاج لعاف وغافر
وقال مراد الله وفق لأمره ... فما كافر إلا مطيع الأوامر
وكل امرئ عند المهيمن مرتضى ... سعيد فما عاص لديه بخاسر
وقال يموت الكافرون جميعهم ... وقد آمنوا غير المفاجا المبادر
وما خص بالإيمان فرعون وحده ... لدى موته بل عم كل الكوافر
стр. 708
فكذبه يا هذا تكن خير مؤمن ... وإلا فصدقه تكن شر كافر
وأثنى على من لم يجب نوح إذ دعا ... إلى ترك ود أو سواع وناسر
وسمى جهولا من يطاوع أمره ... على تركها قول الكفور المجاهر
ولم ير بالطوفان إغراق قومه ... ورد على من قال رد المناكر
وقال بلى قد أغرقوا فى معارف ... من العلم والبارى لهم خير ناصر
كما قال فازت عاد بالقرب واللقا ... من الله فى الدنيا وفى اليوم الآخر
وقد أخبر البارى بلعنته لهم ... وإبعادهم فاعجب له من مكابر
وصدق فرعونا وصحح قوله ... أنا الرب الأعلى وارتضى كل سامر
وأثنى على فرعون بالعلم والذكا ... وقال بموسى عجلة المتبادر
وقال خليل الله فى الذبح واهم ... ورؤيا أبنه تحتاج تعبير عابر
يعظم أهل الكفر والأنبياء لا ... يعاملهم إلا بحط المقادر
ويثنى على الأصنام خيرا ولا يرى ... لها عابدا ممن عصى أمر آمر
وكم من جراءات على الله قالها ... وتحريف آيات لسوء تفاسر
ولم يبق كفر لم يلابسه عامدا ... ولم يتورط فيه غير محاذر
وقال سيأتينا من الصين خاتم ... من الأولياء للأولياء الأكابر
له رتبة فوق النبى ورتبة ... له دونه فاعجب لهذا التنافر
فرتبته العليا تقول لأخذه ... عن الله لا وحيا بتوسيط آخر
ورتبته الدنيا تقول لأنه ... من التابعية فى الأمور الظواهر
وقال اتباع المصطفى ليس واضعا ... لمقداره الأعلى وليس بحاقر
فإن تدن منه لاتباع فإنه ... يرى منه أعلى من وجوه أواخر
ترى حال نقصان له فى اتباعه ... لأحمد حتى جا بهذى المعاذر
فلا قدس الرحمن شخصا يحبه ... على ما يرى من قبح هذى المخابر
وقال بأن الأنبياء جميعهم ... بمشكاة هذا تستضى فى الدياجر
وقال فقال الله لى بعد مدة ... بأنك أنت الختم رب المفاخر
أتانى ابتدا بيضاء سطر ربنا ... بإنفاذه فى العالمين أو امرى
وقال فلا تشغلك عنى ولاية ... وكن كل شهر طول عمرك زائرى
فرفدك أجزلنا وقصدك لم يخب ... لدينا فهل أبصرت يا ابن الأخاير
بأكذب من هذا وأكفر فى الورى ... وأجرا على غشيان هذى الفواطر
فلا يدّعوا من صدقوه ولاية ... وقد ختمت فليؤخذوا بالأقادر
стр. 709
فيا لعباد الله ما ثم ذو حجا ... له بعض تمييز بقلب وناظر
إذا كان ذو كفر مطيعا كمؤمن ... فلا فرق فينا بين بر وفاجر
كما قال هذا إن كل أوامر ... من الله جاءت فهى وفق المقادر
فلم بعثت رسل وسنت شرائع ... وأنزل قرآن بهذى الزواجر
أيخلع منكم ربقة الدين عاقل ... بقول غريق فى الضلالة حائر
ويترك ما جاءت به الرسل من هدى ... لأقوال هذا الفيلسوف المغادر
فيا محسنى ظنا بما فى فصوصه ... وما فى فتوحات الشرور الدوائر
عليكم بدين الله لا تصبحوا غدا ... مساعر نار قبحت من مساعر
فليس عذاب الله عذبا كمثل ما ... يمنيكم بعض الشيوخ المدابر
ولكن أليم مثل ما قال ربنا ... به الجلد إن ينضج يبدل بآخر
غدا يعلمون الصادق القول منهما ... إذا لم يتوبوا اليوم علم مباشر
ويبدو لكم غير الذى يعدونكم ... بأن عذاب الله ليس بضائر
ويحكم رب العرش بين محمد ... ومن سن علم الباطل المتهاتر
ومن جا بدين مفترى غير دينه ... فأهلك أغمارا به كالأباقر
فلا تخدعن المسلمين عن الهدى ... وما للنبى المصطفى من مآثر
ولا تؤثروا غير النبى على النبى ... فليس كنور الصبح ظلما الدياجر
دعوا كل ذى قول لقول محمد ... فما آمن فى دينه كمخاطر
وأما رجالات الفصوص فإنهم ... يعومون فى بحر من الكفر زاخر
إذا راح بالريح المتابع أحمدا ... على هديه راحوا بصفقة خاسر
سيحكى لهم فرعون فى دار خلده ... بإسلامه المقبول عند التجاور
ويا أيها الصوفى خف من فصوصه ... خواتم سوء غيرها فى الخناصر
وخذ نهج سهل والجنيد وصالح ... وقوم مضوا مثل النجوم الزواهر
على الشرع كانوا ليس فيهم لوحدة ... ولا لحلول الحق ذكر لذاكر
رجال رأوا ما الدار دار إقامة ... لقوم ولكن بلغة للمسافر
فأحيوا لياليهم صلاة وبيتوا ... بما خوف رب العرش صوم البواكر
مخافة يوم مستطير بشره ... عبوس المحيا قمطرير المظاهر
فقد نحلت أجسادهم وأذابها ... قيام لياليهم وصوم الهواجر
أولئك أهل الله فالزم طريقهم ... وعد عن دواعى الابتداع الكوافر
انتهى باختصار.
стр. 710
وكثير من هذه المنكرات فى كلام ابن عربى، لا سبيل إلى صحة تأويل فيها، فإذا لا يستقيم اعتقاد أنه من أولياء الله، مع اعتقاد صدور هذه الكلمات منه، إلا باعتقاد ابن عربى، خلاف ما صدر منه، ورجوعه إلى ما يعتقده أهل الإسلام فى ذلك، ولم يجئ بذلك عنه خبر؛ لأنه لا يرى ما صدر منه موجبا لذلك، ولأجل كلامه المنكر، ذمه جماعة من أعيان العلماء وقتا بعد وقت.
وأما من أثنى عليه، فلفضله وزهده وإيثاره واجتهاده فى العبادة، واشتهر ذلك عنه، حتى عرفه جماعة من الصالحين عصرا بعد عصر، فأثنوا عليه بهذا الاعتبار، ولم يعرفوا ما فى كلامه من المنكرات، لاشتغالهم عنها بالعبادات، والنظر فى غير ذلك من كتب القوم، لكونها أقرب لفهمهم، مع ما وفقهم الله تعالى من حسن الظن بآحاد المسلمين، فكيف بابن عربى؟ . وبعض المثنين عليه، يعرفون ما فى كلامه، ولكنهم يزعمون أن لها تأويلا وحملهم على ذلك كونهم تابعين لابن عربى فى طريقته، فثناؤهم على ابن عربى مطرح لتزكيتهم معتقدهم.
وقد بان بما ذكرناه، سبب ذم الناس لابن عربى ومدحه، والذم فيه مقدم. وهو ممن كبه لسانه، نسأل الله المغفرة.
وأما ما يحكى فى المنام، من نهى ابن عربى لشخص من إعدام كتبه، ممن يصنع ذلك فى الحياة، وكذا ما يرى فى النوم من خصوص عذاب لشخص، بسبب ذمه لابن عربى أو لكتبه، فهو من تخويف الشيطان.
وقد بلغنى نحو ذلك، عن الإمام البارع زين الدين عمر بن مسلم القرشى الشافعى، خطيب دمشق، وصح لى ذلك عنه.
وسمعت صاحبنا الحافظ الحجة، القاضى شهاب الدين أحمد بن على بن حجر، الشافعى يقول: جرى بينى وبين بعض المحبين لابن عربى، منازعة كثيرة فى أمر ابن عربى، حتى نلت منه لسوء مقالته، فلم يسهل ذلك بالرجل المنازع لى فى أمره، وهددنى بالشكوى إلى السلطان بمصر، بأمر غير الذى تنازعنا فيه، ليتعب خاطرى. فقلت له: ما للسلطان فى هذا مدخل، ألا تعال نتباهل، فقل أن تباهل اثنان، فكان أحدهما كاذبا، إلا وأصيب.
قال: فقال لى: بسم الله. قال: فقلت له: قل اللهم إن كان ابن عربى على ضلال، فالعنى بلعتك، فقال ذلك. وقلت أنا: اللهم إن كان ابن عربى على هدى، فالعنى
стр. 711
بلعنتك، وافترقنا. قال: ثم اجتمعنا فى بعض متنزهات مصر فى ليلة مقمرة. فقال لنا: مر على رجلى شيء ناعم، فانظروا. فنظرنا فقلنا: ما رأينا شيئا. قال: ثم التمس بصره، فلم ير شيئا.
هذا معنى ما حكاه لى الحافظ شهاب الدين بن حجر العسقلانى.
وقد عاب تصوف ابن عربى بعض الصوفية، الموافقين له فى القول بالوحدة؛ لأن عبد الحق بن سبعين الآتى ذكره، قال: إن تصوف ابن عربى فلسفة جمحة، وهذا مشهور عن ابن سبعين، ويا ويح من بالت عليه الثعالب.
وقد أتينا فى ترجمة ابن عربى، بما لا يوجد مثله مجموعا فى كتاب. وقد عنى بعض أهل العصر، الذى ليس لهم كثير نباهة ولا تحصيل، بتأليف ترجمة لابن عربى، ذكر فيها أشياء ساقطة، وبينا شيئا من ذلك، فى الترجمة التى أفردناها لابن عربى، بسؤال بعض الأصحاب لى فى ذلك، وهى مختصرة مما فى هذا الكتاب، وفيها زيادات قليلة، ولكنها على غير ترتيبه.
وتوفى ابن عربى فى ليلة الجمعة، الثانى والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة بدمشق. ودفن بصالحيتها ـ وقبره بها يعرف ـ بتربة بنى الزكى.
٣٢٣ ـ محمد بن على بن أبى راجح بن محمد بن إدريس العبدرى، الشيبى الحجبى المكى، جمال الدين بن نور الدين:
شيخ الحجبة، وفاتح الكعبة المعظمة. ولى فتح الكعبة المعظمة بعد موت قريبه، فخر الدين أبى بكر بن محمد، بن أبى بكر الشيبى، فى صفر أو ربيع الأول، سنة سبع عشرة وثمانمائة. ولم يزل متوليا لذلك، حتى مات، وكان فيه خير وسكون.
وجود الكتابة، وسكن زبيد مدة سنين، وصار يتردد منها إلى مكة، ثم استقر بها من حين ولى فتح الكعبة إلى حين وفاته.
وكانت وفاته قبيل الظهر من يوم الخميس ثالث عشر جمادى الأولى، سنة سبع وعشرين وثمانمائة بمكة. وصلى عليه فى الساباط، الذى خلف مقام إبراهيم الخليل ﵇، ونادى المؤذن للصلاة عليه فوق زمزم، بعد صلاة العصر، ودفن بالمعلاة، وقد بلغ الستين، ظنا غالبا.
стр. 712
وأخبرنى بعض أصحابنا: أنه اجتمع معه، وقد انصرفوا من دفن ميت بالمعلاة، فقال لصاحبنا: فى وجهك الموت، لمرضه قبل ذلك. فقدر أن المذكور مات، وعاش صاحبنا المخبر لى بهذه المقالة، وصار مفتاح الكعبة المعظمة بعده، لقريبه نور الدين على بن أحمد الشيبى، المعروف بالعراقى.
٣٢٤ ـ محمد بن على بن محمد بن عبد الكريم بن حسن، الخواجا جمال الدين ابن الخواجا الكبير علاء الدين، المعروف بالشيخ على الجيلانى التاجر الكارمى:
نزيل مكة (١). عنى بحفظ القرآن الكريم، وصلى به التراويح فى مقام الحنفية، سنة ست عشرة وثمانمائة. ثم جوده ببعض الروايات، على شيخنا صدر القراء، قاضى شيراز، شمس الدين محمد بن محمد بن الجزرى بمكة، لما قدمها فى سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، وعلى غيره قبل ذلك، وكان خيرا ساكنا عفيفا.
أقام بمكة فى كفالة والده سنين كثيرة تزيد على العشر. ثم توفى فى جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وثمانمائة، ودفن بالمعلاة، بتربة عمرها والده، وكثر أسفه عليه؛ لأن والدته توفيت فى آخر المحرم من هذه السنة، وأخته شقيقته، توفيت فى آخر شوال من السنة التى قبلها، وكلتاهما بمكة.
٣٢٥ ـ محمد بن على بن محمد بن على بن ضرغام بن على بن عبد الكافى البكرى المصرى، والمحدث المقرئ الفقيه، شمس الدين أبو عبد الله، المعروف بابن سكر (بسين مهملة):
نزيل مكة الحنفى. ولد فى تاسع عشر، شهر ربيع الأول، سنة تسع عشرة وسبعمائة بالقاهرة ـ على ما أخبرنى به ـ وعنى بالحديث، فقرأ وسمع على الموفق أحمد بن أحمد ابن عثمان الشارعى: سداسيات الرازى، عن جد أبيه، فسمعها على الملك أسد الدين عبد القادر ابن عبد العزيز (ابن الملوك) الأيوبى، عن خطيب مردا، وسمع على عبد القادر هذا: التوكل لابن أبى الدنيا، وجزء منتقى من الحكايات والأخبار، فى ذكر المحدثين الأبرار، تخريج البردانى، انتقاء الحافظ السلفى وروايته عنه، والمجالس السلماسيات للسلفى، وجزء من حديثه عن الأئمة الخمسة، وهم: البخارى، ومسلم، وأبو داود، والترمذى، والنسائى.
стр. 713
كل ذلك عن محمد بن عبد الهادى المقدسى إجازة، عن السلفى إجازة.
وجزء من غرائب مالك لابن المقرى، عن الكفرطابى، إجازة، عن يحيى بن محمود الثقفى. وعلى صالح بن مختار الأشنهى (١): الأول من فوائد حاجب بن حاجب الطوسى، عن محمد بن عبد الهادى، عن السلفى، وعلى مسند مصر يحيى بن يوسف المصرى: أربعى بن أسلم الطوسى، ومجلس السلمى، وابن بالويه، وجزء من حديث أبى صادق المدينى، وأبى الحسن بن الفراء، انتقاها السلفى عنهما، وفى آخره حكايات وأشعار من روايته، كل ذلك عن ابن رواج، عن السلفى.
ومن أول مشيخة ابن الجميزى، إلى الشعر الذى فى ترجمة على بن قينان الدمشقى، خلا تراجم الشيوخ، والكلام على الأحاديث، إلا الخطبة التى فى ترجمة ابن المرحب عن ابن الجميزى، إجازة، ومجلسا من حديث خرجه له التقى بن رافع.
وعلى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادى: صحيح مسلم، والدعاء للمحاملى، لما قدم عليهم مصر، وعلى يوسف بن محمد الدلاصى: الشفا للقاضى عياض، عن ابن تامتيت عن ابن الصائغ، عن مؤلفه.
وغير ذلك كثيرا، على غير واحد من أصحاب ابن عبد الدايم، والنجيب الحرانى، وابن علاق، والمعين الدمشقى، وابن عزون. وغيرهم بمصر والقاهرة.
وسمع بالإسكندرية من جماعته، وسمع وقرأ النازل غالبا بالحرمين واليمن على جماعة كثيرين.
وبالغ فى ذلك، وحرص حرصا لم ير ولم يسمع مثله؛ لأن صاحبنا المحدث بدر الدين حسن بن على الإسعردى، أخبرنى بدمشق، أن ابن سكر هذا، سأله أن يسمع عليه شيئا سمعه صاحبنا على شيخنا بالإجازة، الحافظ شمس الدين بن المحب المقدسى، المتوفى فى ذى القعدة سنة تسع وثمانين وسبعمائة.
وأجاز له من دمشق: أبو بكر بن الرضى، ومحمد بن أبى بكر بن أحمد بن عبد الدايم، وزينب بنت الكمال وآخرون.
وكان عنى بالقراءات، فقرأ على الأستاذ أبى حيان الأندلسى، وشمس الدين محمد ابن محمد بن نمير المعروف بابن السراج، الكاتب المجود وأجازاه.
стр. 714
على من لم يثبتهم، فإن عرفه بفعلهم، اتهمه وعارضه بقوله: إنهم سمعوا. وقد شاهد ذلك منه جماعة غيرى من أصحابنا وغيرهم.
توفى سحر يوم الأربعاء الخامس والعشرين من صفر، سنة إحدى وثمانمائة بمكة. ودفن بالمعلاة عند سيدى الشيخ خليل المالكى، بوصية منه فى ذلك.
وكان قدم مكة فى سنة تسع وأربعين وسبعمائة حاجا، ثم بدا له استيطانها، فاستوطنها حتى مات.
إلا أنه خرج منها فى بعض السنين إلى اليمن وإلى المدينة وإلى جيلة (٣).
أخبرنى المحدث المقرئ، شمس الدين محمد بن على البكرى، قراءة وسماعا، أن يحيى ابن يوسف، المعروف بابن المصرى، أخبره سماعا عن أبى الحسن بن الجميزى إجازة.
وقرأت على أبى هريرة بن الذهبى بغوطة دمشق، أخبرنى الأمين محمد بن أبى بكر النحاس، وأبو الفتح محمد بن عبد الرحيم المقدسى، حدثنا: وأخبرتنى فاطمة بنت أحمد الفقيه سماعا بطيبة، أن جدها الرضى الطبرى، أخبرها، قالوا: أخبرنا ابن الجميزى سماعا قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفى الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد الله القاسم ابن الفضل الثقفى، قال: أخبرنا أبو الفتح هلال ابن محمد بن جعفر، قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن يحيى بن عياش القطان، قال: حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلى، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن سليمان، عن عبد الله بن سرجس رضى الله عنه، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو جالس فى أصحابه، فدرت من خلفه، فعرف الذى أريد، فألقى الرداء عن ظهره، فرأيت موضع الخاتم على نغض كتفه، مثل الجمع، حوله خيلان كأنها الأثاليل، فرجعت حتى استقبلته، ثم قلت: غفر الله لك يا رسول الله. فقال القوم: استغفر لك رسول الله ﷺ . فقال: نعم، ولكم. ثم تلا الآية: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) (٤) [محمد: ١٩].
стр. 715
وانتصب للإقراء بالحرم الشريف، عند أسطوانة فى محاذاة باب أجياد، وأخذ خطوط من عاصره من أمراء مكة وقضاتها، بالجلوس عندها.
وذكر لنا، أنه كان يتأثر ممن يجلس عندها، حتى فى غيبته، لخيال وهمى قام فى ذهنه فى ذلك، وقام هذا الخيال بذهنه، حتى فى تحديثه، فإنه لم يحدث إلا باليسير من مروياته، متسترا فى منزله غالبا، مع تبرم يظهر منه غالبا فى ذلك.
وخرج لنفسه جزءا صغيرا، ولغيره مشيخات وغيرها، على غير اصطلاح الناس، وسلك فى التخريج طريقة لا تحمد، وهى أنه يدرج فى الإسناد ما لم يقع به الإخبار.
ومثال ذلك: أن الرضى الطبرى مثلا، سمع جزء سفيان بن عيينة على ابن الجميزى، وله إجازة من سبط السلفى، وهما سمعاه من السلفى، لكن لم يحدث به الرضى، إلا عن ابن الجميزى فقط، فسمعه منه جماعة كذلك، فيأتى ابن سكر، فيخرج منه شيئا لمن سمعه على الرضى، ويقول له: أخبرك الرضى الطبرى سماعا، قال: أخبرنا ابن الجميزى سماعا، وسبط السلفى إجازة، قالا: أخبرنا السلفى، وإنما لم يحسن هذا، لكونه على خلاف عمل أهل الحديث من أهل عصرنا، وغير [ .... ] (٢) فإنهم مازلوا ينبهون على ما يقع به الإخبار فى السماع والرواية.
ومثال ذلك فى السماع: أن يكون لإنسان إسناد متعدد، فيقرأ، ثم يأتى شخص بعد قراءته، ويسمع بعض المقروء بهذا الإسناد، ويعاد له بعض طرق الإسناد، فينبهون على ما سمع من الإسناد.
ومثال ذلك فى الرواية: أن يكون لإنسان شيخان مثلا فى جزء، فيحدث به مرة عنهما، ويسمعه بذلك شخص، ويحدث به مرة عن أحدهما، ويسمعه بذلك آخر، ثم يجمع بين السامعين عليه فى الرواية.
ولمم يقع الإخبار فى رواية فلان عن فلان، إلا عن فلان فقط. ومثل هذا كثير، لا يخفى على من له أدنى نباهة، ولا يحتاج إلى استدلال.
وشاهدنا منه أيضا تساهلا آخر فى تسميعه لأهل بيته، فإنهم يكونون غالبا من وراء حجاب، ويقومون ويبعدون عن مجلس السماع، بحيث لا يسمعون إلا صوتا غفلا، وربما لا يسمعون شيئا، فيأمر بكتابتهم فى الطباق، من غير تنبيه على ذلك، ويغضب
стр. 716
هذا حديث صحيح أخرجه الترمذى عن أبى الأشعث هذا، فوافقناه مع العلو بدرجتين. فلله الحمد والمنة. وهو من الأحاديث التى رويناها عالية، من حديث حماد ابن زيد.
أنشدنى المحدث شمس الدين بن سكر من لفظه بعرفات فى يومها، قال: أنشدنى الأستاذ أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسى النحوى، والمقرى شمس الدين محمد بن محمد بن نمير بن السراج، أن العلامة شيخ النحاة بمصر، بهاء الدين محمد بن إبراهيم ابن النحاس أنشدهما لنفسه:
اليوم شيء وغدا مثله ... من نخب العلم التى تلتقط
يحصل المرء بها حكمة ... وإنما السيل اجتماع النقط
٣٢٦ ـ محمد بن على بن محمد بن على بن عبد الله بن محمد بن يوسف بن يوسف بن أحمد الأنصارى الحارثى الخزرجى، أبو عبد الله، المعروف بابن قطرال الأندلسى، ثم المراكشى:
نزيل مكة. هكذا وجدت نسبه بخطه، ووجدت بخطه: أنه يروى عن المسند أبى على الحسن بن الحسين بن عتيق المهدوى: الشفا للقاضى عياض سماعا، خلا شيئا يسيرا من آخره، وحدث به عنه، وعن العلامة أبى على الحسين بن عبد العزيز بن الأحوص الفهرى، وعن جماعة من أهل المغرب والمشرق إجازة، منهم محمد بن عبد الخالق ابن طرخان الإسكندرى.
ووجدت بخطه أسماء جماعة من شيوخه بالإخبار من أهل المشرق، ومنهم: الفخر على بن البخارى، وابن شيبان، والتقى الواسطى، وعبد الرحمن بن الزين، وابن الكمال، وابن الأنماطى، وابن فارس، والعز الحرانى، وغازى الحلاوى. انتهى.
وسمع بمصر من على بن هارون الثعلبى، وسمع بمكة الكثير، بقراءته غالبا على الفخر التوزرى، والرضى الطبرى، وأخيه الصفى وغيرهم.
وحدث. سمع منه جماعة من الأعيان، وأثنوا عليه، منهم الجد أبو عبد الله الفاسى.
ووجدت بخطه: سمعت الشيخ الصالح، أبا عبد الله محمد بن على بن قطرال، الأنصارى المحصل الفاضل ﵀، يقول: سمعت الإمام الإستاذ أبا جعفر بن الزبير،
стр. 717
بمدينة غرناطة (١)، ﵀، يقول: كان بمدينة مرسية رجل من الموثقين، وكان له فى الوقائع فهم عجيب.
فما اتفق، أن إنسانا جاءه، فقال: يا سيدى، ذهب من بيتى ثوب حرير أحمر ـ ويسمونه الجلدى ـ فنظر ساعة، ثم قال له المؤذن: جاركم أخذه، فذهب الرجل إلى المؤذن وكلمه، فحلف له ما أخذه، وأدخله داره، ففتشها فلم يجد شيئا، فرجع الرجل إلى ذلك الفقيه الموثق، فأخبره أن المؤذن حلف له، وأدخله داره وفتشها فلم يجد شيئا، فنظر ذلك الفقيه، ثم قال للرجل: هل رأيت فى بيت المؤذن شيئا من الطعام؟ فقال: نعم، رأيت شيئا من الشعير. فقال: اطلب الثوب فيه، فرجع الرجل فطلب الثوب فى ذلك الشعير، فوجده، فسئل ذلك الفقيه، من أين لك هذا؟ .
فقال: لما أخبرنى بذهاب الثوب، فرأيت ديكا يتطاول بعنقه، فوقع لى أن المؤذن أخذ، فلما أنكر، نظرت فرأيت شخصا فى يده حزمة من سنبلة شعير، وفى وسطها نوار من شقائق النعمان، ففهمت أن الثوب الحرير الأحمر فى وسط الشعير، فكان كذلك. انتهى.
وهذه حكاية عجيبة، لم يسمع فى الفطنة لها بنظير، مع كون الحكايات فى هذا المعنى كثير.
وقال جدى أيضا: وأخبرنى الشيخ الصالح الأصيل، أبو عبد الله محمد بن على ابن قطرال المراكشى قال: أخبرنى الفقيه القاضى بمدينة فاس ـ كلأها الله ـ أبو غالب بن الفقيه القاضى أبى عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن المغيلى: أن والده مرض مرضا شديدا أشفاه، وكان يعالجه رجل يهودى، طبيب حاذق، يعرف بالعنكبوت، قال: فلم يزل يعالجه إلى أن عجز، وقال لأهله: ترفقوا بهذا الرجل ما استطعتم، فإنه ليس فيه طمع.
قال: فأرسلت والدتى رسولا إلى الشيخ أبى عثمان، تعرفه حال الفقيه، وتسأله الدعاء له، أو مثل هذا.
قال: فأرسل الشيخ أبو عثمان بإناء فيه ماء، وقال: اسقوه هذا الماء، قال: فسقوه ذلك الماء، قال: فما هو إلا أن شرب ذلك الماء، رمى من بطنه شيئا أسود لا يدرى ما
стр. 718
هو، فأرسلوا إلى الطبيب العنكبوت، وأطلعوه على ذلك الذى رماه الفقيه، فقال: هذا شيء ما يخرج على يد طبيب أصلا، وإنما يخرج هذا بوجه (١)، إلى أن أخبروه بشرب ذلك الماء، الذى أرسل به الشيخ أبو عثمان، فاعترف بذلك.
قال جدى: والشيخ أبو عثمان هذا، يعرف بالورياجلى، وهو من صنهاجة، وكان قد صحب سيدى أبا محمد عبد الرزاق، وعبد الرزاق صحب سيدنا أبا مدين رضى الله عنه.
وكان لأبى عثمان فى مدينة فاس، العجائب من خوارق العادات، وبقى أبو عبد الرحمن المغيلى، قاضيا بمدينة فاس، إلى أن دخلها بنو مرين، قريب الخمسين والستمائة، فقتلوه هو وولده وجماعة آخرين من أكابر البلد. انتهى.
ولأبى عبد الله بن قطرال هذا نظم، فمنه ما أنشدناه إبراهيم بن أبى بكر بن عمر، ومحمد بن محمد بن عبد الله الصالحيان، إذنا مكاتبة منهما: أن أبا عبد الله بن قطرال هذا، أنشدها لنفسه إجازة مكاتبة، وتفردا بها عنه:
حمى الله دار العامرية بالحمى ... وروى بريا ذلك الشعب والشعبا
ألا هل لهاتيك الظلال إفاءة ... وذاك النسيم الحاجرى ألا هبا
أما وعشايا بالعميم يديرها ... علىّ نديمى كالمشعشعة الصهبا
لقد أصبحت نآى حقيقة هابها ... لدن أوطنت منى محبتها القلبا
فلا أدعى شيئا ولا أشتكى نوى ... ولا أختشى فصلا ولا أتقى حجبا
ومن شعره أيضا، ما أنشدناه الشيخان المذكوران إجازة عنه، قال:
إن أيام الرضا معدودة ... فالرضا أجمل شيء بالعبيد
لا تظنوا عنكم لى سلوة ... ما على شوقى إليكم من مزيد
راجعوا أنفسكم تستيقنوا ... أنكم فى الوقت أقصى ما أريد
إن يوما يجمع الله بكم ... فيه شملى هو عندى يوم عيد
وقد كتب عنه هذه الأبيات، المحدث فخر الدين عثمان بن بلبان المقاتلى، وكتبها عن المقاتلى: القاضى عز الدين بن جماعة. وأنشدناها عنه شيخنا الشريف عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى. وكان ابن قطرال هذا، صالحا كبير القدر، عالما نحويا أديبا.
توفى بمكة، فى سادس جمادى الأولى سنة عشر وسبعمائة برباط الخوزى ـ بخاء معجمة ـ طلع أعلاه لنشر ثيابه، فوقع به الدرابزين، فسقط إلى الأرض، فمات.
стр. 719
ومولده ـ فيما نقلته من خطه ـ فى سحر يوم الاثنين حادى عشر الحجة سنة خمس وخمسين وستمائة بمراكش. نقلت تاريخ وفاته وسببها، من خط جدى أبى عبد الله الفاسى.
٣٢٧ ـ محمد بن على بن أبى عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسنى، الفاسى، المكى، يلقب بالمحب وبالجمال:
سمع من إبراهيم بن النحاس الدمشقى، والحافظ العلائى بمكة. وعلى غير واحد من شيوخهما، منهم: عثمان بن الصفى، والشيخ خليل المالكى، وتفقه عليه وتميز ـ على ما ذكر لى شيخنا الشريف عبد الرحمن الفاسى ـ وذكر أنه كان كريما، ذا مكارم وإحسان إلى الفقراء، مع التفقد لأحوالهم.
وباشر فى الحرم نيابة عن أبيه، حتى توفى فى شوال سنة ثلاث وستين وسبعمائة بمكة، عن أربع وعشرين سنة. وسبب موته ـ على ما قيل ـ: إنه شرب شيئا وضع له فى ماء وهو لا يشعر.
٣٢٨ ـ محمد بن على بن الزين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن على القسطلانى المكى:
سمع من الجمال المطرى، والزين الطبرى وغيرهما، واشتغل بالعلم كثيرا، وحصل، وصحب جدى القاضى أبا الفضل النويرى كثيرا، وانتفع به فى ذلك، وكتب بخطه أشياء كثيرة، وكان فقيها نبيها، جيدا صالحا خيرا، حسن الثناء، كثير البر بأبيه.
توفى ـ على ما وجدت بخط شيخنا ابن سكر ـ فى أوائل رمضان، سنة سبع وخمسين وسبعمائة بمكة.
٣٢٩ ـ محمد بن على بن محمد المكى، المعروف بالبادى:
سمع بالمدينة من قاضيها بدر الدين بن الخشاب: بعض صحيح البخارى، ودخل بلاد الهند، وديار مصر، وبها مات، قبل سنة تسعين ـ بتقديم التاء على السين ـ وسبعمائة، أو بعدها بيسير.
٣٣٠ ـ محمد بن على بن أبى منصور الأصبهانى، الوزير جمال الدين أبو جعفر، المعروف بالجواد، لجوده:
ذكرناه فى هذا الكتاب، لما صنع من المآثر الحسنة بمكة، كما سبق فى المقدمة.
стр. 720
وقد ذكره صاحب مرآة الزمان فقال بعد نسبه: وزير الموصل، وكانت الموصل فى أيامه ملجأ لكل ملهوف، ومفزعا لكل مكروب، ولم يكن فى زمانه من يضاهيه ولا يقاربه فى الجود والنوال، والإحسان والإفضال.
وكان كثير الصلات، عزيز البر والصدقات، بنى مسجد الخيف بمنى، وغرم عليه أموالا كثيرة، وجدد الحجر إلى جانب الكعبة، وزخرف البيت بالذهب، وبنى أبواب الحرم، وشيدها ورفع أعتابها صيانة للحرم، وبنى المسجد الذى على جبل عرفة، والدرج التى يطلع فيها إليه.
وكان الناس يعانون فى صعود شدة، وأجرى الماء إلى عرفات، وعمل البرك والمصانع، وأجرى الماء فى قنوات، وكان يعطى أهل مكة فى كل سنة مالا عظيما، ليجروا الماء إلى عرفات.
وبنى على مدينة رسول الله ﷺ سورا، وكانت الأعراب تنهبها وتغير عليها.
فكان الخطيب يقول على المنبر: اللهم صن حرم من صان حرم نبيك ﷺ ، وهو محمد ابن على الأصبهانى.
وكانت صدقته وصلاته فى المشرق والمغرب، يبعث بها إلى خراسان والعراق والبصرة والكوفة وبغداد والشام ومصر والحجاز واليمن، فيعم الفقهاء والعلماء والزهاد وأرباب البيوت وغيرهم. وما خيب من قصده.
وكان له فى كل يوم خارج عن أرباب البيوت: مائة دينار، يتصدق بها على باب بنى شيبة، ولأجل هذا الخرج العظيم، كان ينسب إلى عمل الكيمياء، وحوشى من ذلك وبنى الجسور والقناظر، والربط، والجسر الذى بناه على دجلة عند جزيرة ابن عمر، بالحجر المنحوت والرصاص، وأوثقه بالحديد بين البنيان.
وبنى الرباط بالموصل وسنجار (١) ونصيبين. وكان إذا قل ما بيده باع بسط داره وثيابه، ويتصدق بها. وكان يبعث إلى عمر الملا بالأموال فيتصدق بها. وكان قد وقع بالموصل قحط، فكان يقول: هذه أيام المواساة.
стр. 721
ذكر وفاته: لما سارت الركبان بجوده، وعم بمعروفه أهل الدنيا، حسده أقوام، فكذبوا عليه عند قطب الدين، وقالوا: إنه يأخذ أموالك فيتصدق بها، وما كان قطب الدين يقدر على قبضه، لما كان بينه وبين زين الدين من المصافاة، فوضع من أغرى بينه وبين زين الدين، فتغير عليه، فقبض عليه قطب الدين، واعتقله فى قلعة الموصل فقال ابن المعلم الشاعر (٢):
إن يعزلوك لمعروف سمحت به ... على ذوى الأرض ذات العرض والطول
فأنت يا واحد الدنيا وسيدها ... بذلك الجود فيها غير معزول
ثم ندم زين الدين، على موافقته لقطب الدين على قبضه؛ لأن خواص قطب الدين، الذين كانت أيديهم مقبوضة عن التصرف، لما قبض جمال الدين، انبسطوا فى الأمر والنهى على خلاف غرض زين الدين. وأقام فى الحبس سنة، ثم توفى.
وحكى أبو القاسم الصوفى ـ وكان صاحبه ـ قال: قال لى جمال الدين: كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر، فلو جاء الموت الآن ما كرهته، ثم قال لى: يا أبا القاسم، إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفنى. فقلت فى نفسى: قد اختلط الرجل.
فلما كان من الغد، سقط طائر أبيض لم أر مثله، فعرفته، فاستبشر وقال: جاء الحق.
ثم قال: بينى وبين أسد الدين شيركوه عهد: من مات منا قبل صاحبه حمله إلى المدينة، وعملا قبرين ـ فاذهب إلى أسد الدين وذكره. وأقبل على ذكر الله وتشهد حتى مات. وطار الطائر، ودفن فى تابوت بالموصل وذلك فى رمضان.
ومضى أبو القاسم إلى أسد الدين، فأخبره، فقال: صدق. وأعطاه مالا صالحا يحمله به، ويقرئ بين يدى تابوته عند النزول وعند الرحيل، وأن ينادى بالصلاة عليه فى كل بلد.
فخرجوا بتابوته على هذه الهيئة، فقدموا به بغداد، ونزلوا به الشونيزية، ولم يبق ببغداد أحد إلا خرج، وخصوصا من كان له إليه إحسان. فصلوا عليه وبكوا وترحموا.
ثم خرجوا به إلى الحلة والكوفة، وزاروا به المشهدين. فقام بعض العلويين بالكوفة على تل عال. فلما مر بجنازته رفع صوته وقال:
سرى نعشه فوق الرقاب وطال ما ... سرى بره فى العالمين ونائله (٣)
стр. 722
يمر على الوادى فتثنى رماله ... عليه وبالنادى فتبكى أرامله
فلم ير باكيا أكثر من ذلك اليوم. ثم ساروا به مع الحاج، فلما وصلوا إلى وادى المحرم، ألقى على تابوته شقة كأنه محرم، ثم أتوا به عرفات، وخرج أهل مكة باكين وصعدوا به إلى الجبل.
ثم نزلوا به إلى منى، واشتروا جمالا ونحروها عنه، ثم دخلوا به مكة، وطافوا به حول البيت، واشتغل الناس به عن البيت، من كثرة البكاء والصراخ، وخرج النساء المجاورات، التى كان يصل إليهن بره، بين يدى تابوته يبكين ويصرخن، وكان يوما عظيما، وساروا به إلى المدينة، فخرج أهلها وفعلوا كما فعل أهل مكة، ودخلوا به إلى الروضة، فصلوا عليه وحملوه إلى رباطه، فدفنوه به، وبين رباطه وبين مسجد رسول الله ﷺ ، أذرع، عرض الطريق.
وكان فصيحا، ولما حبس قال:
أين اليمين وأين ما عاهدتنى ... ما كان أسرع فى الهوى ما خنتنى
وتركتنى حيران صبا مدنفا ... أرعى النجوم وأنت ترقد هاهنى
فلأرفعن إلى إلهى قصة ... بلسان مظلوم وأنت ظلمتنى
ولأدعون عليك فى غسق الدجى ... فعساك تبلى بالذى أبليتنى
ولم يحمل إلى مكة ميت قبله، سوى الحرة ملكة عدن، وابن رزيك أخو الصالح طلائع، والخادم أرهست صاحب عمان، انتهى.
قلت: وما ذكره صاحب المرآة، من أنه لم يحمل إلى مكة ميت قبل الجواد سوى من ذكرهم ـ وهم بلا ريب ـ لأنه حمل إلى مكة قبل الجواد هذا، الوزير أبو الفضل جعفر ابن الفضل بن الفرات، المعروف بابن حنزابة.
ومن العجب أن صاحب المرآة ذكر ذلك، وذكر أنه فعل له ما فعل بالجواد، من الطواف بالبيت، وإحضاره عرفة، والذهاب به إلى المدينة، ودفنه فى تربة هناك. وذلك فى سنة إحدى وتسعين وثملاثمائة. وفيها مات فى شهر ربيع الأول بمصر. وذكر أنه كان يبعث فى كل سنة لأهل الحرمين مالا وكسوة وطعاما.
ووهم أيضا الذهبى فى قوله فى ترجمة الجواد: إنه دفن بالبقيع؛ لأنه إنما دفن برباطه، كما ذكر صاحب المرآة وغيره.
قال الذهبى: ولقد حكى ابن الأثير فى ترجمة الجواد: مآثر ومحاسن لم يسمع بمثلها فى الأعمار.
стр. 723
٣٣١ ـ محمد بن على بن يحيى بن على الأندلسى، أبو عبد الله الغرناطى، المعروف بالشامى لقدوم والده الشام:
ولد سنة إحدى وسبعين وستمائة بأحواز غرناطة. وسمع بها، وتلا بالسبع على أبى جعفر بن الزبير. وسمع بتونس من أبى محمد عبد الله بن هارون الطائى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، ثم قدم القاهرة فى سنة سبعمائة، ولم يقم. وحج، وتوجه إلى الحجاز، فسمع بالمدينة من أبى القاسم خلف بن عبد العزيز القتبورى: الشفا للقاضى عياض، ومن الكمال عبد الله بن محمد الغرناطى: الشاطبية، وبمكة الكثير على الفخر التوزرى. وتلا عليه بالسبع، وعلى الصفى والرضى الطبريين.
وأقرأ وحدث بالموطأ، والشفا، وشيء من نظمه، كتب عنه منه أبياتا، جدى أبو عبد الله الفاسى ووصفه بنزيل حرم الله تعالى.
وهذا يدل على أنه استوطن مكة، ولا ريب فى ذلك؛ لأنه تأهل فيها بابنة النفيس البهنسى، ورزق منها بنتين، إحداهما: تزوجها جدى على الفاسى، وأولدها عمى محمدا، وعمتى منصورة، وهى أم الحسين (١).
والأخرى: تزوجها القاضى شهاب الدين الطبرى وعمه الزين الطبرى، وهى أم كلثوم، وسيأتى ذكرهما فى النساء.
وذكر البرزالى: أنه أقام بالحرمين نحو خمسة عشر سنة. ومعظم إقامته بالمدينة.
وذكر أنه توفى بها، يوم الاثنين سادس صفر سنة خمس عشرة وسبعمائة.
وكذا وجدت وفاته بخط جدّى، إلا أنه قال: يوم الاثنين السابع من صفر، وقد ذكره غير واحد وأثنوا عليه، منهم: الذهبى فى طبقات القراء، وترجمه: بالإمام العلامة المتفنن، وقال: كان بارعا فى مذهبى مالك والشافعى، عارفا بالنحو وعلم الفلك. وله شعر رائق، واشتغل بالعربية زمانا. وله دنيا يتجر فيها، ولذلك كان فيه قوة نفس وتيه، والله يغفر له.
وقال فى آخر الترجمة: أملى علىّ أكثر هذا، ابن المطرى صاحبى، يعنى العفيف بن
стр. 724
الجمال.
أنشدنى مفتى المسلمين، تقى الدين عبد الرحمن بن السيد القدوة أبى الخير بن أبى عبد الله الفاسى، بقراءتى عليه، أن والده أنشده إجازة قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد ابن على الغرناطى لنفسه أبياتا:
جرمى عظيم يا عفو وإننى ... بمحمد أرجو التسامح فيه
فبه توسل آدم فى ذنبه ... وقد اهتدى من يقتدى بأبيه
ومنها:
إذا المرء لم يرو العلوم فيرتوى ... ولم يلبس التقوى فذاك الصدى العارى
وإن هو لم تصقله صحبة عارف ... تربيه لم ينفك عنه صدا العار
ومنها:
سلوا ما عندكم من محض ودى ... لكم تجدوه مرعيا أكيدا
ولا والله أبرح طول عمرى ... بكم مستكثرا ولكم ودودا
٣٣٢ ـ محمد بن على بن يوسف بن خواجا المكى:
ذكر لى شيخنا أبو بكر بن عبد المعطى: أنه حفظ التنبيه، والعمدة، والشاطبية، ثم لعب. ومات بمصر أو باليمن. وأمه أم هانئ بنت أحمد بن عطية بن ظهيرة القرشى. وكان أبوه خياطا، قدم من العراق، وأدعى أنه شريف حسينى. وهجا يحيى النشو المكى، محمد بن خواجا هذا، بأبيات منها:
مشوف يشكو من ابن خواجه ... قال ما لى بانتسابك من حاجة
انتهى.
وأنشدنى بعض أصحابنا، قال: أنشدنى يحيى النشو لنفسه، يهجو محمد بن خواجا:
رأيت فى النوم إمام الهدى ... أعنى على بن أبى طالب
فقلت هذا النحس من نسلكم ... فقال لا والطالب الغالب
وما عرفت متى مات، إلا أنه كان حيا، فى ثالث عشر شوال، سنة إحدى وخمسين وسبعمائة؛ لأنه سمع فى هذا التاريخ بمصر، على قاضيها عز الدين بن جماعة، والمسند فتح الدين محمد بن محمد بن أبى الحرم القلانسى، بقراءة المحدث، شرف الدين المزى، على ما وجدت بخطه: سنن ابن ماجة، فى مجالس آخرها التاريخ الذى ذكرناه.
стр. 725
٣٣٣ ـ محمد بن على بن يحيى جمال الدين بن القاضى الكبير نور الدين ابن جميع العدنى:
ولد سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، أو فى التى قبلها، بعدن، وبها نشأ وقدم منها إلى مكة، للحج والمجاورة، فى سنة ثمان وثمانمائة، فحج وجاور إلى أوائل سنة أربع عشرة وثمانمائة، وتوجه بعد ذلك إلى عدن، راجيا حصول رزق يتجمل به حاله، من أخيه لأبيه، القاضى الكبير وجيه الدين عبد الرحمن، لتوليه ما كان يليه أبوها بعدن، فأدركه الأجل فى أثناء سنة أربع عشرة وثمانمائة بعدن، وبلغنا نعيه بمكة، فى رمضان منها. وكان ظفر من مال أبيه بجانب يسير، ثم ذهب من يده فى غير لهو، وكان أبوه وافر الملاءة والحشمة، وإليه أمر المتاجر السلطانية بعدن.
توفى فى بكرة عيد الفطر، سنة ثلاث وثمانمائة بعدن.
٣٣٤ ـ محمد بن على بن يوسف بن سالم بن عطية بن صالح بن عبد النبى الجهنى المكى، المعروف بابن أبى الإصبع، يلقب بالجمال:
سمع من بعض شيوخنا بمكة، وكان أحد الطلبة بدرس يلبغا، بالمسجد الحرام، ويتردد إلى اليمين للتجارة (١).
توفى فى سادس عشر صفر، سنة خمس عشرة وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة فى صبيحة السابع عشر.
٣٣٥ ـ محمد بن على بن عبد الكريم المصرى:
نزيل مكة، المعروف باليمنى وبالكتبى، شيخ الفراشين بالحرم الشريف.
كان من سكان القاهرة، وصوفيا بخانكة بيبرس بالقاهرة، وولى فراشة بالمسجد الحرام. وكان يتردد من القاهرة إلى مكة ويقيم بها أوقاتا، ثم بأخرة، كثرت إقامته بمكة، وصار يتردد إلى القاهرة قليلا، وتمشيخ بأخرة على الفراشين، ودخل اليمن للتجارة، واشترى بمكة دارا، ثم وقفها على نفسه وأولاده، وخلف أولادا صغارا وحملا.
стр. 726
وتوفى فى آخر يوم الاثنين، تاسع عشرى الحجة، سنة خمس وعشرين وثمانمائة بمكة. ودفن فى صبيحتها بالمعلاة، وقد بلغ السبعين أو قاربها.
وبلغنى عنه: أنه سمع بالقاهرة على قاضيها أبى البقاء السبكى، بعض صحيح البخارى. والله أعلم.
٣٣٦ ـ محمد بن على أبو عبد الله الحافظ، يعرف بقرطمة:
بغدادى كبير حافظ مقدم فى العلم.
ذكره هكذا الخطيب. قال: سمع محمد بن حميد الرازى، وأبا سعيد الأشج والحسن ابن محمد بن الصباح الزعفرانى وأحمد بن منصور الرمادى.
ورحل إلى خراسان، فكتب عن محمد بن يحيى الذهلى بنيسابور، وعن غيره. وله رحلة أيضا إلى الشام والحجاز، ومصر، وأحسبه سكن الكوفة وحدث بها.
روى عنه: أبو بكر بن أبى دارم الكوفى وغيره.
وروى الخطيب بسنده إلى داود بن يحيى بن يمان أنه قال: والله ما رأيت أحفظ من قرطمة. وذكر حكاية عجيبة فى حفظه.
قال الخطيب: بلغنى أن قرطمه هذا، توفى بمكة سنة تسعين ومائتين.
٣٣٧ ـ محمد بن أبى على [ ..... ] (١)
هو واقف الدار المعروفة بابن غنايم بمكة بالقرب من الدريبة؛ لأن على بابها حجرا مكتوب فيه: وقف وحبس وسبل وتصدق بهذا الرباط: الملك العادل بهاء الدولة والدين شرقا وغربا، ملك الجبال والغور (٢) والهند، محمد بن أبى على. وذكر دعاء، ثم قال: على الصوفية الرجال العرب والعجم، على أن يكون عدد الساكنين فيه عشرة لا غير، سواء كانوا مجاورين أو مجتازين، أو بعضهم مقيم، وبعضهم مجتاز. وذلك فى سنة ستمائة.
* * *
стр. 727
من اسمه محمد بن عمران
٣٣٨ ـ محمد بن عمران بن عبد الرحمن بن الحارث الهذلىّ:
ذكره يعقوب بن سفيان الفسوى فى رجال مكة، فى الأول من مشيخته. وروى عنه، عن أبيه عمران، عن مجاهد، مسائل سأله عنها.
أخبرنى بذلك أبو هريرة بن الذهبى، قال: أخبرنا يحيى بن محمد بن سعد، قال: أخبرنا ابن اللتى، قال: أخبرنا عمر بن عبد الله الحربى، قال: أخبرنا أبو غالب محمد بن محمد العطار، قال: أخبرنا أبو على الحسن بن شاذان البزار، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوى، قال: أخبرنا يعقوب بن سفيان الفسوى، قال: حدثنا محمد ابن عمران بن أبى الحارث الهذلى، قال: حدثنى عمران بن عبد الرحمن أنه ذكر أنه خرج يوم الجمعة رائحا إلى الصلاة، فى يوم صائف شديد حره، حتى أدرك مجاهد بن جبر، حذو دار عمر بن عبد العزيز، فماشاه وسأل به. فأقميت الصلاة يوم الجمعة. فخرج أهل الصنائع من تحت ظلالهم وأستارهم، منهم الذى يرمل على رجليه، ومنهم الذى يسعى.
قال: فقلت له: يا أبا الحجاج، عافاك الله، ما هذا العمل الذى أرى؟ قال: ليس هذا بشئ، إنما السعى القصد، وليس السعى على الأقدام. قلت: يا أبا الحجاج، ما رأيك فى السائل ببابى، فربما قلت للحىّ أطمعوه، وربما قلت لهم: باركوا عليه. قال: ابدأ بمن تعول، إبدأ بمن تعول، مرتين، فإن كان فضل فأرضخ منه. قلت: فما رأيك فى الخادم، يكون طعامى وطعام عيالى سوى طعامه؟ . قال: أطت السماء الدنيا وحق لها، ما منها موضع أربع أصابع إلا وعليه جبهة ملك ساجد لله، فيها خولكم، من أحسن منهم، فأطعموه مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ومن خالفكم منهم، فلا تعذبوا خلق الله عزوجل.
٣٣٩ ـ محمد بن عمران بن موسى الحجبى، أبو عبد الله المكى:
يروى عن أبى المظفر بن علوان أربعى المحمدين للجيانى عنه. وما علمته حدث، وهو من شيوخ الملك المظفر صاحب اليمن بالإجازة.
وقد ذكره المحب الطبرى فى مشيخة المظفر.
* * *
стр. 728
من اسمه محمد بن عمر
٣٤٠ ـ محمد بن عمر بن خليل بن إبراهيم بن يحيى العسقلانى المكى، يلقب بالكمال:
حدث عن أبى الفتوح الحصرى بمسند الدارمى، عن أبى الوقت السجزى، سمعه عليه جماعة، منهم: الفخر التوزرى، والرضى الطبرى، وهو خاتمة أصحابه بالسماع. وأما بالإجازة: فعيسى بن عبد الله الحجبى، الآتى ذكره. ولم أدر متى مات، إلا أنه كان حيا فى سنة ستين وستمائة، فى ربيعها الآخر.
وسئل عن مولده، فقال: بعد صلاة العصر، يوم الجمعة لسبع خلون من ربيع الأول سنة سبع وستمائة.
٣٤١ ـ محمد بن عمر بن عثمان بن عبد العزيز بن طاهر البخارى، أبو بكر، وأبو الفضل الحنفى، إمام الحنفية بالحرم الشريف، الملقب كاك:
سمع ببلده بخارى (١): أبا الحسن على بن محمد بن جذام الفقيه وغيره بها، وبنسف (٢)، وبسمرقند (٣)، وبنيسابور، والرى (٤)، وهمذان، على جماعة، منهم: أبو على محمد بن سعيد بن نبهان، وأبو الغنائم محمد بن محمد بن على النرسى ببغداد. وحدث بها.
стр. 729
ذكره ابن النجار فى تاريخها وقال: نزلها مدة، وجاور بمكة سنين، كان إماما لأصحاب أبى حنيفة بالمسجد الحرام، وكان شيخنا دينا فاضلا صالحا متدينا مكثرا من الحديث.
وذكر ابن النجار: أن الحسن بن أبى معشر اللباد أخبره بأصبهان، أن الحافظ أبا موسى المدينى، قال: خرج كاك من مكة معنا، راجعا إلى بلاده، فمات بأجفر (٥) ـ منزل بين فيد (٦) والثعلبية (٧) ـ يوم الأحد الرابع والعشرين، من المحرم سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وصلينا عليه، ودفن هناك، وحديثه فى «نزهة الحفاظ» لأبى موسى.
وذكر ابن النجار: أنه سأله عن مولده فقال: سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. انتهى.
وقد أجاز كاك هذا، للحافظ السلفى، وذكره فى كتابه «الوجيز» وقال فى ترجمته: وخرج لنفسه فوائد، وجمع ما وفق له من المسلسلات، ورأيت فيما رواه غرائب. انتهى.
٣٤٢ ـ محمد بن عمر بن على بن إبراهيم الحلوى المكى، المعابدى يلقب بالجمال، ويعرف بالوكيل:
كان أحد تجار مكة المعتبرين، ملك عقارا طائلا بحيف بنى شديد وغيره. وبلغنى أن الذى ملكه فى الخيف من الماء، أربعة وثمانون ساعة، وأنه كان يشترى الساعة بخمسة آلاف درهم، وملك فى البرقة نحو خمسين ساعة ماء فيما بلغنى. وكان ذا مروءة كثير القرى للأضياف إن كثروا، وأوصى عند موته بالتصدق بثلث ماله، وجعله ثلاثة أقسام: قسم لأقاربه الفقراء، وقسم لمعتقيه وخدامه، وقسم للفقراء والمساكين، من غير تعيين. وأنه توفى وهو فى عشر الخمسين.
стр. 730
توفى فى يوم الأربعاء الثامن من شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة ودفن بالمعلاة.
والمعابدى: نسبة إلى موضع بظاهر مكة، فوق مقبرة المعلاة.
والحلوى: نسبة إلى البلدة المعروفة بحلى ابن يعقوب.
٣٤٣ ـ محمد بن عمر بن على بن عمر المكى، أبو الطيب، المعروف بالسحولى، نسبة إلى السحول من بلاد اليمن:
ولد ليلة الخميس، مستهل شهر رمضان، سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، على ما ذكر بمكة، وأجاز له من شيوخها: عيسى الحجى، والزين الطبرى، والآقشهرى وغيرهم.
ومن شيوخ المدينة: الجمال المطرى، وخالص البهائى، وعلى بن عمر بن حمزة الحجار، وسمع منه عدة أجزاء بالمدينة، وسمع بها على الزبير بن على الأسوانى: الشفا للقاضى عياض، فى آخر الخامسة، وحدث به غير مرة بمكة. سمعت عليه قطعة منه، وغير ذلك، وأجاز لى مروياته، وكان حسن الطريقة بأخرة. وكان فقيها بالمدارس بمكة، وله خط جيد، ونظم. وأضر قبل موته بسنين.
وتوفى يوم السبت ثامن ذى الحجة، سنة سبع وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة بعد أن مرض أياما يسيرة، ودخل مصر والشام مرات.
أخبرنى أبو الطيب محمد بن عمر بن على السحولى، بقراءتى عليه بالمسجد الحرام: أن أبا الحسن على بن عمر بن حمزة الحجار، أخبره سماعا بالحرم النبوى قال: أخبرنا الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطى سماعا بالقاهرة قال: أخبرنا أبو البقاء محمد بن على بن السباك وأبو الفضل محمد بن على بن أبى السهل الواسطى، وموهوب ابن أحمد الجواليقى، وإبراهيم بن أبى بكر الرعينى، بقراءتى عليهم ببغداد قالوا: أخبرنا أبو الفتح عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل قال: أخبرنا الحسين بن على بن البسرى، وعلى بن الحسين الربعى، قالا: أخبرنا محمد بن محمد بن مخلد البزار، قال: حدثنا القاضى أبو الحسين عمر بن الحسين الأشنانى الشيبانى، إملاء فى رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. قال: وحدثنا محمد بن عيسى بن حبان المدائنى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة رضى الله عنه قال: سمعت النبى ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قتات» (١).
стр. 731
وأخبرناه أعلا من هذا: أحمد بن محمد بن عبد الله الحميرى، وإبراهيم بن عمر بن أبى بكر الصالحى، إذنا عن الحافظ الدمياطى بسنده.
وأخبرناه عاليا أحسن من هذا: العماد أبو بكر بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أبى عمر، وآخرون، بقراءتى عليهم قالوا: أخبرنا أبو الحسن على بن محمد ابن ممدود البندنيجى سماعا، عن أبى عبد الله محمد بن أبى الفتوح نصر بن أبى الفتوح الحصرى إجازة قال: أخبرنا ابن شاتيل بسنده.
٣٤٤ ـ محمد بن عمر بن محمد بن بليق الحرانى الخياط المجاور، يكنى أبا عبد الله، وينعت بالمحب:
ذكره هكذا ابن الحاجب الأمينى فى معجمه، قال: من مجاورى رباط الزنجيلى بمكة شرفها الله، وكان أولا من ساكنى حران، ثم انتقل إلى مكة، جاور بها سنين، مع قلة ذات اليد، والتقنع بالكفاف وأظن أصله تركيا.
سمع بدمشق حنبلا وابن طبرزد، والكندى، سألت عنه الحافظ بن عبد الواحد، فقال: رجل خير. انتهى.
٣٤٥ ـ محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن الحسن بن عبد الله بن أحمد التوزرى:
الإمام ضياء الدين أبو عبد الله بن الإمام تقى الدين أبى البركات القسطلانى المكى المالكى، إمام المالكية بالحرم الشريف.
ولد بتوزر (١) سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وقدم مكة قبل العشرين وستمائة، وسمع
стр. 732
بها (١) من أبى الحسن بن البنا: جامع الترمذى، وصحب الشيخ شهاب الدين السهروردى بمكة، وقرأ عليه كتابه: عوارف المعارف، وحدث وأفتى ودرس.
ووجدت بخط الميورقى: أنه درس بمدرسة المالكية التى لابن الحداد المهدوى بالشبيكة، أسفل مكة.
ووجدت بخط جدى أبى عبد الله الفاسى: أنه درس بالمنصورية بمكة، ولم يذكر هل ذلك فى الفقه أو الحديث؟ والظاهر أن ذلك فى الحديث؛ لأن درس الفقه بهذه المدرسة، هو على مذهب الإمام الشافعى، ومدرسه المحب الطبرى.
ووجدت بخط الميورقى ما يؤيد ذلك؛ لأنه ترجمه بإمام الحديث بالمدرسة النورية بمكة، والنورية: هى المنصورية؛ لأن نور الدين المنسوبة إليه: هو السلطان الملك المنصور صاحب اليمن والمدرسة المشار إليها، ولا معنى لإمام الحديث بها، إلا مدرسه فيها.
وولى الإمامة بعد أبيه ـ على ما وجدت بخط الميورقى، والقطب القسطلانى فى تاريخ وفاة أبى البركات والد ضياء الدين هذا ـ واستمر على ذلك حتى مات.
وقد أثنى عليه غير واحد من الفضلاء، منهم: الشريف أبو القاسم الحسينى فى وفياته، فقال: كان شيخا فاضلا، وفقيها حسنا، وله نظم جيد، انتهى.
وذكره المحب الطبرى، فى مشيخة الملك المظفر، فقال: إمام المالكية بالحرم الشريف، ومفتيها ومدرسها، قرأ وأقرأ وأفاد واستفاد، وروى الكثير، وارتحل إلى مدينة السلام، وغيرها من البلاد. وغلب عليه الفقه والفتيا، وإظهار الخمول والتواضع.
وذكره جدى فى تعاليقه، فقال: كان من فضلاء أهل زمانه علما ونزاهة وعفافا، وكان عالما بالأصول والفقه والعربية والحديث. سمع وحدث ودرس بالمنصورية إلى حين وفاته، وكان شاعرا حسنا، انتهى.
ومما بلغنا من أخباره الحسنة، أنه لما حضره الأجل، أمر أهله أن لا يبكوا عليه إذا مات، ففعلوا ذلك، وكان عبد له عند موته غائبا عنه بمكة، فى حاجة يقضيها، فلما جاء العبد إليه، وعرف بموته، صرخ العبد باكيا، فأسكت العبد، وعد ذلك كرامة لمولاه.
стр. 733
ومما حكى لنا من كراماته، أنه كان يقول لأهله: أين عينى تراكم بعد ثمان؟ ، فكانوا يتعجبون من قوله، ولا يعرفون مراده، فلما مضت ثمان سنين من موته، وجدوا حالهم فى الدنيا، قد تغير وذهب منهم ما كان خلفه لهم من الميراث، أو غالبه بالبيع وغيره، بتولى ولده «أحمد» ذلك، وكان أحمد هذا ولى الإمامة بعده، ومات بعد ثمان سنين من موت أبيه، وأنزل فى قبر أبيه، وكان الذى أنزل «أحمد» فى القبر، أخوه عمر، فرأى أباه ضياء الدين القسطلانى هذا، جالسا فى قبره، فتغير لذلك عقل عمر، هذا معنى ما بلغنا فى ذلك.
ومن شعره:
الناس خدام من أثرى وإن أمروا ... وهم عدو لمن قد خانه القدر
ذنب المقل كطود لا يحركه ... ريح التنصل مهما جاء يعتذر
وصاحب المال مكروم وإن عظمت ... منه الإساءة مقبول ومغتفر
تبارك الله مازال الورى خدما ... لذى اليسار وإن لم يحصل الوطر
ومن شعره أيضا:
حسدونى وليس عندى مما ... حسدونى عليه غير الكفاف
ولحونى على انفرادى عنهم ... وانفرادى أن لا أرى من أصافى
بذلوا أوجها رجاء ازدياد ... وحمانى عن بذل وجهى عفافى
قل لمن أعمل المطى مجدا ... راجيا للغنى بقطع الفيافى
أنا فى نعمة وأحمد ربى ... روضتى مسجدى وزهرى طوافى
لا أبالى ما صان وجهى قليل ... أن ينال الغنى العدو المنافى
ومن شعره أيضا:
لا يدرك السودد العالى بلا نصب ... ما المجد فى طول أكمام وأردان
وليس يرفع ذا جهل سمو أب ... ولو علت قدماه رأس كيوان
إن رمت نيل المعالى فاستفد أدبا ... جودا وحلما وصفحا عن أذى الجانى
فمر تقى المجد وعر ليس تدركه ... إلا بعفو وإغضاء وإحسان
وبذل مال لمنتاب له أمل ... راج بذاك محبا كان أو شانى
سيان عندك فى بذل الندى أبدا ... قاص أتاك لنيل البر أو دانى
حسب العدو إذا أبدى خضاعته ... ذل السؤال على مطلوبه الفانى
стр. 734
وله شعر سوى ما ذكرناه، وقد كتب عنه من شعره: القطب القسطلانى وأبو العباس الميورقى، والرضى بن خليل وغيرهم. وكتب عنه الميورقى أشياء مفيدة منها: دعاء ألهمه الإمام ضياء الدين القسطلانى هذا لقضاء الدين، وقد رأيت أن أذكره لما فى ذلك من الفائدة.
قال الميورقى ـ مما وجدت بخطه ـ حدثت إمام المالكية بالحرم الشريف، عن منامة عجيبة لى رأيتها فى الرزق، بوج الطائف، فى تلك الشدائد التى اتفقت بعد الخمسين والستمائة، قمت منها وأنا قد حفظت شيئا عجيبا، ما كنت سمعته قط.
فقال لى الإمام بالحرم الشريف، مفتى المالكية: ارتكبنى ـ بمكة شرفها الله تعالى ـ دين فقدم رجل بمال كثير للصدقة، فلم أتعرض له، ولا هو أيضا سأل عن أمثالى. فبت مهموما، فإذا فى النوم بشيخ قد قال لى: اكتب، وإن الله قد خار لك فى ذلك المال، فما يصلح لأمثالك، فكتب عنه ما لم أسمعه قط قبل تلك الليلة: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، وهب لى من رزقك الحلال الواسع المبارك، ما تصون به وجوهنا عن التعرض إلى أحد من خلقك، واجعل لنا اللهم إليه طريقا سهلا من غير نصب، ولا تعب، ولا منة، ولا تبعة، وجنبنا اللهم الحرام حيث كان وأين كان وعند من كان، وحل بيننا وبين أهله، واقبض عنا أيديهم، واصرف عنا قلوبهم، حتى لا تتقلب إلا فيما يرضيك ولا تستعين برحمتك إلا على ما تحب، يا أرحم الراحمين.
قال: فاستيقظت وأنا أحفظه، فلزمت الدعاء سنة بعد صلاة الصبح، فإذا بسلطان تونس قد بعث لى من بيت مال المسلمين ألف دينار، فبلغ الدعاء إلى مدرس المالكية بقوص، الشيخ الصالح العالم أبى الحسن على بن وهب المعروف بابن دقيق العيد، رضى الله عنه، وكان عليه دين أثقل ظهره، مثل ما كان علىّ، فكاتبنى فى الرؤيا، وطلب منى الدعاء.
قال: فكتبت إليه بذلك، فدعا به أيضا نحو السنة، وكتب لى بقضاء دينه من حيث لا يحتسب، أو كما حدثنى به، حتى انتشر هذا الدعاء فى العصر، وبقى العمل به عند الفضلاء، حتى سمعت بعض هداة العصر، يعظمه، فسألته عن أصله، فقال: لا أدرى، وأظنه نبويا. قيل إن المالكى يرويه. انتهى ما وجدته بخط الميورقى.
وذكر لى بعض أقاربى: أن عنده تأليفا للإمام ضياء الدين القسطلانى هذا، فى رجال الموطأ لمالك.
стр. 735
وما ذكرناه فى نسبه هو المعتمد؛ لأنه يناسب الشيخ تاج الدين القسطلانى، أخى الشيخ قطب الدين القسطلانى، على ما ذكر الذهبى؛ لأنه ذكر فى ترجمة الضياء هذا: أنه يجتمع هو والشيخ تاج الدين القسطلانى، فى جدهما الأعلى الحسن بن عبد الله بن أحمد بن ميمون، وإنما نبهت على ذلك، لأنى وجدت بخط بعض الطلبة، نقلا عن خط الميورقى ما يخالف ذلك؛ لأنه كتب عن الضياء القسطلانى هذا أبياتا.
وقال: القرشى المنتسب إلى خالد بن الوليد. وقال: لم يصح عندنا إلى الآن، ولعله صح عند أبى البركات ـ يعنى والد الضياء ـ والله أعلم.
وكانت وفاة الضياء القسطلانى، فى يوم الأربعاء ثامن عشرى شوال، سنة ثلاث وستين وستمائة، ودفن فى صبيحة يوم الخميس. هكذا وجدت وفاته بخط القطب القسطلانى، والشريف أبى القاسم الحسينى فى وفياته وغيرهما، وكذا هى فى حجر قبره بالمعلاة، إلا أن فيه يوم الاثنين، مكان يوم الأربعاء. والله أعلم.
وما ذكرناه فى مولده وقدومه إلى مكة، ذكره القطب الحلبى، نقلا عن شيخه القطب القسطلانى، وكذا وجدت مولده بخط القطب القسطلانى.
ووجدت بخط أبى الفتح بن سيد الناس، فيما انتخبه من معجم الحافظ ابن مسدى: أن الضياء القسطلانى، ولد فى أواخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
٣٤٦ ـ محمد بن عمر بن مسعود بن على اليمنى، المكى، يلقب بالجمال ويعرف بالتعكرى:
سمع فى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، من الزين الطبرى، وعثمان بن الصفى، والآقشهرى: سنن أبى داود، بفوت، وسمع فى سنة ست وثلاثين وسبعمائة، على الحجى، والزين الطبرى: الجزء الأول من جامع الترمذى، من تجزئة ثلاثة، بفوت غير معين، ومن جماعة بعد ذلك، وما علمته حدث.
وذكر لى شيخنا أبو بكر بن قاسم بن عبد المعطى: أنه حفظ التنبيه، والألفية، ومنهاج البيضاوى، وأنه اشتغل على القاضى تقى الدين الحرازى. انتهى.
وباشر الجمال التعكرى هذا، فى الحرم الشريف، وناب فى الحسبة بمكة عن قاضيها أبى الفضل النويرى حتى توفى.
وكانت وفاته ـ على ما أخبرنى به والدى أعزه الله تعالى ـ فى محرم سنة ست وثمانين وسبعمائة.
стр. 736
٣٤٧ ـ محمد بن عمر بن يوسف بن عمر بن نعيم الأنصارى، أبو عبد الله القرطبى، الفقيه المالكى المقرى:
أخذ القراءات بالمغرب عن جماعة، منهم: أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبيد الله الحجرى، وبمصر عن أبى القاسم الشاطبى، وبدمشق من أبى جعفر العتكى، وسمع منهم ومن أبى القاسم بن موقا، وأبى الفضل بن الدليل وغيرهما بالإسكندرية، ومن أبى القاسم البوصيرى، وأبى عبد الله الأرتاحى، وأبى محمد بن برى بمصر، وبمكة من أبى المعالى عبد المنعم بن عبد الله الفراوى، وأقرأ بعد وفاة الشاطبى، وروى عنه قصدتيه، رواهما عنه الحسن بن عبد الكريم الغمارى، سبط زيادة، وهو خاتمة أصحابه.
وقد أجاز لشيخنا بالإجازة: ابن السلار، وابن عوض.
قرأ عليه القطب القسطلانى ﵀، ختمة واحدة بالمدينة. وسمع منه، وقد سمع عليه جماعة من الأعيان، منهم: الحافظ عز الدين أبو الفتح بن الحاجب الأمينى؛ وذكره فى معجمه، وقال بعد أن نسبه كما ذكرنا: كان شيخ الحرمين فى زمانه، لزهده وعلمه ورفعة مكانه، وذكر أنه كان كثير الاعتكاف والمجاورة لبيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه ﵇. انتهى. وقد أم بالحرم الشريف النبوى.
وتوفى فى مستهل صفر، سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ودفن بالبقيع.
هكذا أرخ وفاته المنذرى، والرشيد العطار، وابن مسدى، والحافظ الذهبى فى تواليفه.
ووجدت بخط جدى أبى عبد الله الفاسى: أنه توفى سنة تسع وعشرين وستمائة. وذكر أن شيخه قطب الدين القسطلانى أملاه عليه، وهذا مخالف لما ذكره الجماعة، وهو وهم، والله أعلم.
ووجدت بخط جدى الشريف أبى عبد الله الفاسى، أشياء حسنة منقولة عن القرطبى هذا، فحسن ببالى إثباتها هنا.
стр. 737
منها: أن جدى قال: أخبرنى الشيخ الإمام رضى الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ابن إبراهيم الطبرى، إمام مقام إبراهيم ﵇ قال: أخبرنى الإمام الزاهد تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الواحد بن مرا الحورانى: أن الشيخ القرطبى، وهو الإمام علم العلماء والزهاد، أبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف الأنصارى، الفاسى المولد، القرطبى الأصل، رأى النبىصلى الله عليه وسلم فى المنام، فسأله أن يعلمه كلمات فى الاستخارة، فعلمه النبى ﷺ هذه الكلمات: اللهم رب محمد، أسألك بترابه الطيب الطاهر، وما ضمه من أعضائه، ورفعته به إلى ملكوتك الأعلى، أن تعزم لى على أحب الأمور إليك منى، ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقوله ثلاثا. انتهى.
وقال جدى: أنشدنا شيخنا قطب الدين ﵀، قال: أنشدنا شيخنا أبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبى الأصل، الفاسى المولد، ﵀ ورضى عنه (١).
لو كنت أعقل ما أطبقت مقلتى ... وكان دمعى على الخدين يستبق
كأننى شمعة يبدو توقدها ... لمن أراد اهتداء وهى تحترق
ووجدت بخطه: سمعت شيخنا أبا بكر محمد بن أحمد القسطلانى ﵀ يقول: كان شيخنا أبو عبد الله القرطبى، إذا جاءه أحد من الأشراف، يقوم له قائما، ولا يزال قائما حتى يقضى ذلك الشريف حاجته، أو ينصرف، أو يجلس، وله أخبار مع السلطان الملك الكامل فى حق شرفاء المدينة وتعظيمهم. انتهى.
وبلغنى أن سبب كثرة تعظيم الشيخ أبى عبد الله القرطبى للأشراف: أنه مات منهم شخص، فتوقف عن الصلاة عليه؛ لكونه كان يلعب بالحمام، فرأى النبى ﷺ فى المنام، ومعه ابنته السيدة الزهراء فاطمة رضى الله عنها، وهى معرضة عن القرطبى فاستعطفها، فقالت تعاتبه: أما يسع جاهنا مطيرا؟ .
وبلغنى: أنه بعد هذه الرؤيا، سافر مع بعض الأشراف إلى مصر، لقصد قضاء حوائجهم هناك، فإن الكامل صاحب مصر، كان يأتى إليه ويزوره.
فكان الشيخ أبو عبد الله يخدهم بنفسه، فلما وصلوا إلى مصر، سعى فى حوائجهم حتى قضيت سريعا.
وذكر جدى حكايتين فى تعظيم القرطبى هذا، لذرية الأولياء:
стр. 738
إحداهما: أنه لما توجه إلى الحجاز، على طريق الصعيد، قصد بقنا، بنت سيدى الشيخ عبد الرحيم القنائى، زوجة الشيخ أبى الحسن بن الصباغ ليزورها، فسلم عليها وهى فى حجابها، فلما أراد الانفصال أرسلت إليه بسجادة، وفيها أقراص خبز، وقطع سكر، وقوالب جبن، ثم رآه بعض من كان معه، يدق الخبز، فتعجب من ذلك لشدة الرخص، فسأل عن ذلك الشيخ، فقال: هذا أدقه يكون شفاء يستشفى به، وكحلا للأعين.
والأخرى: أنه لما بلغه موت الشيخ عبد الرزاق، صاحب الشيخ أبى مدين، قصد عزاء أصحاب الشيخ وولده بالإسكندرية، فسمع أصحاب الشيخ عبد الرزاق بمجئ القرطبى معزيا فخرجوا للقائه، فاجتمعوا خارج الإسكندرية. وكان مع أصحاب الشيخ عبد الرزاق ولد له صغير. فسلم القرطبى على ولد الشيخ وقبل قعر قدمه، وقال له: إكراما لأبيك. انتهى بالمعنى.
ومما يحسن ذكره هنا، ذكر شيء من حال الشيخ عبد الرزاق المذكور فى هذه الحكاية، فمن ذلك: أن جدى قال: وأخبرنى ـ يعنى أبا عبد الله محمد بن شعيب بن عبد الله الفشتانى ـ أن الشيخ أبا عثمان ـ يعنى الورياجلى ـ خرج من مدينة فاس وبلادها، قاصدا سيدنا أبا مدين رضى الله عنه، ليصحبه. قال: فلما قدم بجاية، جاء إلى منزل الشيخ، فأستأذن عليه، فكلمه من وراء الباب ولم يظهر له، وقال له: عليك بعبد الرزاق، وكان عبد الرزاق فى الإسكندرية، فسافر من ثم إلى الإسكندرية، وصحب عبد الرزاق، ونال منه نصيبه، نفع الله بهم، ثم رجع إلى مدينة فاس، وانتفع به، وأشهر من ظهر من أصحابه، أبو محمد الفشتانى.
ورأيت على قبر سيدنا عبد الرزاق بالإسكندرية ـ وقبره مشهور بالديماس ـ توفى سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
وقال ﵀: سمعت الشيخ أبا العباس أحمد بن الإمام العارف القدوة أبى الحسن الشاذلى ﵀، يقول غيره مرة: كنت أتكرّر إلى قبر سيدى أبى محمد عبد الرزاق، صاحب أبى مدين، ومهما عرض لى أمر جئته. قال ﵀: فعرضت لى حاجة ضرورية. قال: فجئت إلى قبره، وقرأت ما تيسر من القرآن، وذكرت حاجتى. قال: ثم التفت إلى القبر، وكان عليه الرمل، فإذا عليه مكتوب: أحمد قضيت حاجته. انتهى.
ولهم ثلاثة قرطبيون علماء، عاصر بعضهم المذكور، وبعضهم تأخر عنه، وهم: أبو
стр. 739
العباس أحمد بن عمر القرطبى صاحب «المفهم» المتوفى فى ذى القعدة سنة ست وخمسين وستمائة، شيخ الدبوسى، وزينب بنت عبد السلام بالإجازة، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر بن فرح ـ بالحاء المهملة ـ الأنصارى القرطبى، مؤلف «التفسير» و «التذكرة» المتوفى فى أوائل سنة إحدى وسبعين وستمائة، بمنية ابن خصيب (٢) من صعيد مصر، وأبو العباس أحمد بن فرح ـ بالحاء المهملة ـ القرطبى.
٣٤٨ ـ محمد بن عمر بن الشيخ [ ..... ] (١) أبو عبد الله الدبسى:
توفى يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الأولى سنة خمسين وستمائة.
كتبت هذه الترجمة من خط عبد الله بن عبد الملك المرجانى، إلا أنه وقع فى خطه: خمس وستمائة، وهو سبق قلم، يدل عليه أنه حكى عن أبيه عن الدلاصى عنه، الحكاية المتقدمة فى المقدمة، فى فضل مقبرة المعلاة وأهلها، ولا يستقيم حكايتها بهذا الإسناد، إلا أن يكون الدبسى توفى سنة خمسين ـ بياء بعد السين ـ وأما بإسقاطها فلا؛ لأن الدلاصى صرح فى الإسناد بسماعه من الدبسى.
نعم لو لم يصرح بذلك، على أنه يصح أن يكون توفى سنة خمس ـ بلا ياء ـ وتكون رواية الدلاصى لها بواسطة، ثم بنفسه لوثوقه به. والله أعلم. ولم يتعرض المرجانى لضبط الدبسى، وأظنه بالباء الموحدة، نسبة إلى الدبس. والله أعلم.
٣٤٩ ـ محمد بن عمرو بن العاص بن وائل السهمى:
قال العدوى: صحب النبى ﷺ ، وتوفى النبى ﷺ وهو حدث.
وذكر الواقدى: أنه شهد صفين، وقاتل فيها، ولم يقاتل فيها أخوه عبد الله. وكذلك قال الزبير بن بكار، وقال: لا عقب له.
وذكره ابن قدامة وقال: كان شجاعا شاعرا، وهو الذى يقول يوم صفين:
стр. 740
ولو شهدت جمل مقامى ومشهدى
الأبيات المشهورة. وذكرها له أبو عمر، وبينهما اختلاف فى بعض ألفاظها. وذكرها الزبير بن بكار أيضا فقال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى عن زكريا بن عيسى، عن ابن شهاب قال: إن محمد بن عمرو بن العاص، شهد القتال يوم صفين، وكان أهل الشام يوم صفين، خمسة وثلاثين ألفا، وكان أهل العراق عشرين أو ثلاثين ومائة ألف. فلما التقوا بصفين، قال محمد بن عمرو فى ذلك أبيات شعر، وأبلى ذلك اليوم:
ولو شهدت جمل مقامى ومشهدى ... بصفين يوما شاب فيه الذوائب (١)
غداة أتى أهل العراق كأنهم ... من البحر لج موجه متراكب
وجئناهم نمشى كأن صفوفنا ... شهاب حريق رفعته الجنائب (٢)
فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا ... عليا فقلنا بل نرى أن تضاربوا
فطاروا إلينا بالرماح كماتهم ... وطرنا إليهم بالأكف قواضب (٣)
إذا ما أقول استهزموا عرضت لنا ... كتائب منهم وارجحنت كتائب
فلا هم يولون الظهور فيدبروا ... فرارا كفعل الخادرات الذوائب (٤)
قال ابن شهاب: وأنشدت عائشة رضى الله عنها أبياته هذه. فقالت: ما سمعت شاعرا أصدق شعرا منه.
٣٥٠ ـ محمد بن عمرو بن موسى بن محمد بن حماد، المكى، الحافظ أبو جعفر العقيلى. مؤلف كتاب «الضعفاء»:
سمع بمصر: أحمد بن داود المكى، والمقدام بن داود الرعينى، وجماعة.