← Тараджим

Тараджим · id 20989

العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين

التقي الفاسي

Полный текст (2 722 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

١٣٣٥ جادت السماء بأمطار غزيرة يصحبها البرق والرعد، ثم ما لبثت أن سالت بها بطاح مكة وشعابها، فدخلت السيول إلى مكة المكرمة بشكل نهر عظيم متدفق الأمواج. وفى عصارى يوم الثلاثاء من شهر شعبان هذا العام هطلت الأمطار الغزيرة أيضا ثم ما لبثت أن اجتمعت منها السيول الكثيرة فسأل بها وادى إبراهيم، وارتفعت حتى بلغت أبواب المسجد الحرام، وطفى الماء حتى دخله وامتلأ به على اتساعه. ٧٣ ـ سيل عام ١٣٤٤: فى اليوم السادس عشر من شهر ربيع الأول من عام ١٣٤٤، وقع مطر غزير فى وادى نعمان دام خمس ساعات عقبة سيول خربت بعض خرزات عين زبيدة، فانقطعت المياه بسببها مدة ثم عمرت. ٧٤ ـ سيل عام ١٣٥٠: فى الساعة العاشرة والربع من عصر يوم الأحد ثامن وعشرين من شوال سنة ١٣٥٠، جادت السماء بوابل هطال فى مكة المكرمة فكان يتدفق كأفواه القرب، واستمر نزوله ثلاث ساعات ونصف سال على أثره وادى إبراهيم بسيل عظيم، وقد دام فى مسيره إلى الساعة الثامنة ليلا وبلغ ارتفاعه فى بعض الأماكن ثلاثة أمتار ودخل المسجد الحرام من أبوابه الشرقية، وبلغ ارتفاعه فى صحن الكعبة ما يقرب من متر ونصف. وقد أحدث المطر والسيل أضرارا جمة فى الأموال والمنازل والبيوت، أما فى الأنفس فقد كانت الإصابات لا تتجاوز الأربعة. * * *

стр. 72

بناء الكعبة (١) حصلنا مما أوضحه الأزرقى واتفق عيه المؤرخون الآخرون: أن الكعبة بنيت عشر مرات وهى بناية الملائكة، بناية آدم، بناية شيت، بناية إبراهيم وإسماعيل، بناية العمالقة، بناية جرهم، بناية قصى، بناية قريش، بناية ابن الزبير، بناية الحجاج. قلنا: وقد بنيت للمرة الحادية عشر عام ١٠٣٩ هجرية فى عهد السلطان مراد بن السلطان أحمد، من سلاطين آل عثمان، وإلى القارئ تفصيل نبأ هذه البناية: ذكر الأسدى أنه: حصل فى أوائل القرن الحادى عشر تشقق بالجدار الشامى ازداد عام ١٠١٩، حيث وقع مطر بمكة، جاء على أثره السيل، فدخل المسجد الحرام، فانهلت مياه الأمطار إلى داخل الكعبة من سطحها، وأصاب الجدارين الشرقى والغربى وجدران الحجر تصدع، فأراد السلطان أحمد بن السلطان محمد هدم البيت الشريف، وجعل هذه الجدران حجارة الكعبة المعظمة ملبسة واحدا بالذهب وواحدا بالفضة، فمنعه العلماء من ذلك وقالوا له: يمكن حفظ بنطاق يلم هذا التشعث، فعمل لها نطاقا من النحاس الأصفر مغلفا بالذهب، ورجى تركيبه فى أواخر عام ١٠٢٠ وأوائل عام ١٠٢١، وقد انفق عليه نحو ثمانين ألف دينار. وفى الساعة الثانية من صباح يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر شعبان عام ١٠٣٩، وقع مطر عظيم بمكة المكرمة وضواحيها لم يسبق له مثيل؛ ونزل معه برد كثير ثم جرى السيل فى وادى إبراهيم فيما بين العصرين، فجرف ما وجده أمامه من البيوت والدكاكين والأخشاب والأتربة، ودخل بها بيت الله الحرام. وبقى السيل إلى قريب العشاء، فبلغ الماء إلى طوق القناديل المعلقة حول المطاف، ودخل الكعبة المشرفة بارتفاع مترين عن قفل باب الكعبة. وفى صباح اليوم التالى: فتحت سراديب باب إبراهيم فانسابت المياه منها إلى أسفل مكة. وأحصى من مات فى السيل المذكور فكانوا نحو ألف نسمة. وفى عصر اليوم المذكور ـ أى يوم الخميس ـ: سقط الجدار الشامى من الكعبة بوجهيه وانجذب معه من الجدار الشرقى إلى حد الباب الشامى، ولم يبق سواه وعليه قوام الباب، ومن الجدار الغربى من الوجهين نحو السدس، ومن هذا الوجه الظاهر فقط

стр. 73

منه نحو الثلثين، وبعض السقف، وهو الموالى للجدار الشامى، ويقول الغازى: وهذا الذى سقط من الجانب الشامى هو الذى بناه الحجاج بن يوسف الثقفى، وسقطت أيضا درجة السطح. وعلى أثر ذلك نزل الشريف مسعود بن إدريس شريف مكة والعلماء والأهلون إلى بيت الله الحرام حيث رفعوا الميزاب ومعاليق الكعبة ووضعوها فى غرفة فى بيت السادن الشيخ جمال الدين بن قاسم الشيبى الحجبى وكانت عشرين قنديلا، أحدها مرصعة باللؤلؤ والأحجار الكريمة والبقية مموهة بالذهب، وثلاثة وثلاثين قنديلا من الفضة وغيرها، ثم أرسلوا هذا النبأ إلى استانبول عن طريق مصر. وبعد بضعة أيام شرع المهندس على بن شمس الدين يستر حول الكعبة بأخشاب من جذوع النخل، واستمر العمل بذلك سبعة عشر عاما من ٢٦ رمضان ـ ١٣ شوال ثم ألبست ثوبا باللون الأخضر. ولما وصل النبأ إلى الخارج أحدث هياجا شديدا، كما أن موسم الحج كان قد قرب، فرأى والى مصر محمد باشا الألبانى أن لا ينتظر ورود الأمر السلطانى من الاستانة خوفا من ازدياد التصدع فى الكعبة المشرفة فأرسل رضوان أغا من حاشية البلاط العثمانى، مندوبا من قبله إلى مكة لمكرمة، وخوّله صلاحية تامة لاتخاذ التدابير المستعجلة، فوصلها يوم ٢٦ شوال من السنة المذكورة، وشرع يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من الشهر المذكور بمهمته، حيث عقد مجلسا فى بيت الله الحرام للمذاكرة فى تنظيف المسجد، مما قد تراكم فيه من أطمار السيل، وكانت الأتربة قد تحجرت من تأثير حرارة الشمس، فكانت أكثرية الآراء بجانب رضوان أغا بالموافقة على التنظيف، أما الأقلية، وعلى رأسها محمد بن على بن علان، فكانت مخالفة لذلك، طالبة الانتظار لورود الأمر من السلطان الذى هو ولى الأمر، ولم تقف مخالفة الأقلية عند هذا الحد، بل كانت تظهر مخالفتها فى كثير من الأوقات، أثناء عمارة الكعبة، فاضطر رضوان أغا مراجعة العلماء واستفتائهم فى المسائل التى يعلن محمد بن على بن علان مخالفته لها مرات عديدة، وقد ذكر أيوب صبرى باشا هذه الفتاوى وأجوبة العلماء عليها فى كتابه مرآة الحرمين بنصها باللغتين العربية والتركية. وأخيرا تغلب رضوان أغا على رأى مخالفيه وشرع فى العمل، فأحضر كافة الوسائط النقلية الموجودة فى جدة والمدينة والقنفدة، ونظف الحرم والشوارع المطيفة به من الطين الذى غشيه، وكان كالجبال الراسيات، فكان ينقل ٣٠ ـ ٤٠ ألف حمل يوما، إلى أن انتهى والعمل يوم الثلاثاء

стр. 74

الموافق ١٩ ذى القعدة، ثم انصرف رضوان أغا بعد ذلك إلى تصليح ما خربه السيل فى الشوارع والبرك، والعيون، ومدرج منى، فانتهى من ذلك يوم الخميس تاسع ربيع الثانى من عام ألف وأربعين، وكان وصل خلال هذه المدة آلات ومؤن من مصر لعمل بناء الكعبة، تحتوى على ما يأتى كما ذكرها ابن علان: (٩٨) سواحى مجوزة، و (٦٧) سواحى مفردة، و (٢٤) سوبرا، (٤٩) زنارا وعشرة قرابا وقاضن، و (١٢) لوح خشب بكر ودوامس، ومحمسات، ومائة عصى شون، وكورتان كبار بلدى محلول، و (١٣) حبلا بهروزيا وسحيلا و (٢٠٠) مكتل أعلاف، و (١٠٠) صرفانية، وهى المكائل التى تحمل على ظهر الجمال، و (٢٣) قتبا للجمال، وسبع أفراد ليف سلب مفتول، وأربع ربطات قتب، وخمسة قرمان تركية، و (٢٥) مسحاة، و (٨٠) لوجة، وهى نحاس مدور للبكر، و (١٣) قفة مسامير، و (٢٢) قضيب حديد. والآن نذكر فيما يلى تاريخ عمارة الكعبة المشرفة بالترتيب مقتطفة من يوميات الشيخ محمد بن على بن علان الصديقى من عملاء مكة المذكورة فى كتابه (أنباء المؤيد الجليل مراد، ببناء بيت الوهاب الجواد) ومن يوميات نقلها أيوب صبرى باشا فى كتابه (مرآة الحرمين) عن المؤرخ التركى (سهيلى) وكلاهما ـ ابن علان وسهيلى ـ كانا شاهدى عيان للبناء المذكور. فى أوائل شهر ربيع الثانى، ورد فرمان من السلطان مراد خان إلى عامله بمصر محمد باشا الألبانى ينبئه بانتدابه السيد محمد بن السيد محمود الحسينى الأنقروى المعين حديثا قاضيا للمدينة المنورة ناظرا من قبل جلالته على عمارة بيت الله الحرام، وأجاز السلطان لوالى مصر بانتخاب شخص آخر من قبله يساعد السيد المذكور، وأمر بإرسال المؤن والأموال لإنفاقها فى سبيل ذلك. وقد ثبت والى مصر مندوبه رضوان أغا لمساعدة السيد محمد، وشحن المؤن والأموال على السنابيك التى أبحرت من مصر بقيادة محمد بيك سويدان تقل السيد محمد مندوب السلطان. وفى يوم الثلاثاء ٢١ ربيع الثانى: رست السنابيك المذكورة فى ميناء جدة، وأخرجت أحملها وهى كما ذكر ابن علان: ٥٠٠ لوح دبسى، و ١٠٠ زنار، و ١٥ كرك غشم، و ٣٠٠ لاطة، و ٤ تراكه، و ٨٠ سواحى مجوز، [ .... ] (١) شواحى مفردة

стр. 75

وقرايا واحدة، ٢٠٠ تمساح رصاص، و ١٥ قنطار حديد خام، و ١٠ قناطير مسامير، و ٨ سحل ليف، و ١٤٠٠ عصى شون، و ١٤٠ قتب جمال، و ٥ قناطير صلب، و ٣٠٠ طشت وسطل نحاس. يوم الأربعاء ٢٢ ربيع الثانى: شرع النجارون بإحاطة الكعبة بسياج من الخشب يطيفون به على قدر حاجتهم، ووضع صفايح من الخشب عليه ما يمنع وصول الناس للعملة. وفى اليوم التالى وصل مندوب السلطان إلى مكة وباشر العمل بالاشتراك مع رضوان أغا مندوب والى مصر. يوم الاثنين ٢٧ منه: وقع مطر بمكة فسقط على أثره حجران من الجدار الغربى، وأحجار صغار أيضا، وجاء العمال فى هذا اليوم بالأحجار الكبيرة التى اقتطعوها للكعبة الشريفة من جبل الشبيكة قرب الشيخ محمود، وقد كان طول كل منها نحو ذراع ونصف، وسمكه نحو ذراع. يوم الأربعاء ٢٩ منه: جرى الكشف على بناية الكعبة من قبل السيد محمد الناظر ورضوان أغا وشمس الدين عتاقى شيخ الحرم وعلى بن شمس الدين المهندس. يوم الجمعة غرة جمادى الأول: جمعت أحجار الكعبة المتناثرة فى صحنة الحرم وشرع النحاتون فى نحت الأحجار الجديدة المارة الذكر، كما سلمت معاليق الكعبة التى كانت وضعت فى بيت السادن إلى رضوان أغا. يوم السبت ٢ منه: رفعت الأحجار الرخامية التى بالمطاف ووضعت بمكان قريب من باب السد، وصقل النحاتون أحجار الكعبة الساقطة، وفى خلال الأيام العشرة التالية أعد العمال الأماكن لوضع النورة وتجهيزها، ومد السرادقات للحجارين. يوم الجمعة ١٥ منه ـ ٢٣ منه: قام النجارون فى هذا الأسبوع بإصلاح باب سقاية العباس ونشر الأخشاب، والحجارون بقطع الأحجار من جبل الشبيكة، والنحاتون بنحتها وجاءت الأنباء بأن الباخرتين التى سيرهما والى مصر من السويس حاملة بقية مؤون البناء قد غرقتا فى ساحل حسان قرب ينبع. يوم الأحد ٢٤ ـ ٢٩ منه: وضعت فى هذا الأسبوع ستارة ثانية حول الكعبة بارتفاع ستة أمتار منعا لوصول الناس إلى مكان البناية، واتخذ طريق يسلك منه إلى

стр. 76

الحجر الأسود، فكان الطائفون يطوفون بين هذه الستارة وبين الستارة التى وضعت حول المطاف، وعين لمباشرة البناء على بن شمس الدين المكى مهندس الحكومة، ومحمد ابن زين المكى المهندس، وأخوه المعلم عبد الرحمن والمعلم سليما الصحراوى المصرى رئيس النجارين، ومن البنائين أيضا فاتح عبد السيد الطباطبى المكى، وسالم القرشى، والمعلم سليمان بن محمد البجع وابن حاتم ونور الدين، وهؤلاء الأربعة مصريون، وقد صنع النجارون أيضا سقالة من الخشب لصعود البنائين عليها إلى جدر الكعبة. يوم الأحد غرة جمادى الثانية: قلع الحزام الذى كان على أعلى الحجر الأسود وكان الطوق الكبير قد سقط حين سقط الجدر، ورفع الميزاب، والصحيفة الذهبية المكتوب عليها باللازورد تاريخ وضع الحزام. يوم الاثنين ٢ منه: اجتمع فى الحطيم رجال الحكومة والناظر والعلماء ومعهم المهندسون والبناءون حيث أجروا الكشف على الجدر الباقية والسقف، فأعلن المهندسون أنها مائلة إلى الانهدام وأنه يقتضى تجديد بنائها. يوم الثلاثاء ٣ منه: رفعت الأخشاب التى كانت وضعت بدل الجدر الساقطة من السيل ورفع أيضا الرخام التى لا تزال قائمة، أما رخام الأرض فقد كبسوا عليه من الجباب ما يمنع تأثره من الأحجار حال انهدامها. يوم الأربعاء ٤ منه: نقض العمال سقف الكعبة ونقلوا الرصاص والرخام وخشبة الكسوة إلى سقاية العباس، وفى اليوم التالى أتموا عملهم هذا. يوم السبت ٧ ـ ٢٢ منه: هدم العمال خلال هذين الأسبوعين الأحجار الباقية من الأبنية وغيرها. يوم الأحد ٢٣ منه: شرعوا فى وضع الأحجار فى بناء الكعبة، فوضعوها على الأساس من بعض الأطراف وعمل البناءون فى الجانب الشامى، وهذا المدماك غير معدود فى مداميك الكعبة؛ لأنه وراء الشاذروان والمداميك التى فوقه إلى منتهى سمكها فى بناء الزبير هى خمسة وعشرون، وقد بنيت كذلك فى هذا البناء. يوم الاثنين ٢٤ منه: وضعت العتبة السفلى التى بسمت الشاذروان، وتبين أنه فى أسفل جدار البيت الشرقى دبل صغير فدك فى هذا البناء. يوم الأربعاء ٢٦ منه: عمل البناة أحجار وجه المدماك الأول المنحوت وذرع سمكه

стр. 77

٢٤ قيراطا بذرع العمل، ونصبوا تلك الأحجار فى الجدر الأربعة، وقد اشترك فى البناء ونقل المؤون فى هذا اليوم خاصة وفى الأيام التالية رؤساء الحكومة والعلماء والأعيان وغيرهم. يوم الأحد ٢٩ منه: شرعوا فى وضع المدماك الثانى وسمكه ٢٢ قيراطا ثم صبوا الرصاص على وجه أسفل الجدار اليمانى ليساوى المتأكل منه باقى الجدار فى سمته. يوم الاثنين غرة رجب: وضعوا الحجر الذى بطرفه محل استلام الطائفين من الركن اليمانى وكان طرف الحجر الذى بطرفه محل استلام الطائفين من الركن اليمانى وكان طرف الحجر الذى تحته انكسر من أعلاه فوضع فى محل ذلك من الرصاص المذاب ما يساوى به باقى الأحجار سمتا، ووضعوا حجر الركن الغربى الشامى، ونصبوا أحجار الجدار الشامى. يوم الثلاثاء ٢ منه: تم نصب أحجار المدماك الثانى من جوانبه الأربعة، وشرعوا فى دك ما وراء ذلك. يوم الأربعاء ٣ منه: حملت النورة والأحجار، ودك بها الجدار اليمانى، ووضعوا حجرا فى خد باب الكعبة على يمين الداخل إليها. يوم الخميس ٤ منه: وضعت عتبة الباب الشريف بمحلها وألبس الصاغة النحاس المعجول غلافا للحجر الأسود فضة. يوم السبت ٦ منه: عمل البناءون الأحجار على المدماك الثالث وذرع سمك أحجاره ٢٠ قيراطا، ورسموا باب الكعبة الغربى، وهو بحذاء الباب الشرقى فى الجدار الغربى. يوم الأحد ٧ منه: ثم نصب الأحجار المنحوتة فى المدماك الثالث من جميع جوانبه ماعدا محل الحجر الأسود، وموه الصاغة غلاف الحجر الأسود بالذهب. يوم الاثنين ٨ منه: انتهى الدك بين الجدار وما فى أصل الكعبة من الرضم وعلى وجهه الرخام المفروش من جانب اليمن، وشرعوا فى المدماك الرابع، وذرع سمكه ١٨ قيراطا. يوم الثلاثاء ٩ منه: احضر ما أعد للحجر الأسود من الغلافات المصفحة بالفضة المموهة بالذهب، وعددها عشرة لوحات، ثم جاءوا بصفائح من خشب مسمر بعضها فى بعض فى أعواد من ورائها، فشدوا بذلك ما كان مفتوحا بحذاء الحجر الأسود

стр. 78

لتقبيله، وقلع الحجر الذى على الحجر الأسود المطبق على أعلاه والمطيف به طرف من الجانب اليمانى، فوضعوا أخشابا على طرف جدر الكعبة، ودحرجوا عليها ذلك الحجر حتى نزل إلى حذاء باب الكعبة فحمله العتالة وأبرزوه، فلما رفع الحجر الكبير الذى على ظهر الحجر الأسود، وقصد ابن شمس الدين رفعه من محله ورفع الحجر تحته أخذ عبد الرحمن بن زين البنا وصار يقلع به ما على ظهر الحجر الأسود من فضة وجير، فقوس به فى وسط الحجر والتكى، فإذا يقطع وجه الحجر الأسود انقشر ما كان تحتها، وتفارق ما كان بينها وكادت تسقط، ولكن القائمون بأمر العمارة أمروا فى الحال برد الحجر الذى تحته بعزقة، وأن يجعل من فوق الحجر، حجر يعزقه ويكون عليه مدار العمل، وقد اشتغل العمال فى إلصاق فلق الحجر بضعة أيام. يوم الأربعاء ١٠ منه: حدث نتوء فى بعض الأحجار حال وضعها فصار خارجا عن سطح الحجر وفيه بنى البناءون فى المدماك الثالث من الجانب اليمانى والجانب الغربى وأتموا بناء المدماك الثانى بأعلى دكة البيت سوى الحجر المحاذى للحجر الأسود. يوم الخميس ١١ منه: جاءوا ليلا بحرف لسد ما بين الحجر الأسود والذى فوقه وسمك ذلك نحو أربع أصابع وعليها فضة وأرادوا لحم طرف الفضة بطرف الحجر الأسود، ولكن العامل المخصص أبى ذلك خوفا من تفكك الأحجار وعدم تمكنه من اعادته فيما بعد، فتركوا ذلك وأخذوا فى حك الفضة من أطراف الحجر، واستمر العمل فى هذا اليوم أيضا، وأخذ البناءون فى بناء الأحجار التى فوق الحجر التى فوق الأسود وبجوانبه، فأتموا به المداميك الموازية لها، وشرع قسم من البنائين من الركن الغربى إلى اليمانى فبنوا باقى الجدار ودكوا باطنه. وفى مساء هذا اليوم ثم تمويه الحجر الأسود بصفائح الفضة. يوم السبت ١٣ منه: شرعوا فى وضع أحجار المدماك الخامس، وذرع سمكه ١٨ قيراطا، وعمل النجارون من أعلاها تحت السقف قواعد توضع على العمد. يوم الاثنين ١٥ منه: شرعوا فى بناء المدماك السادس، وذرع سمكه ١٨ قيراطا. يوم الأربعاء ١٧ منه: شرعوا فى بناء المدماك السابع، وذرع سمكه ١٧ قيراطا. يوم السبت ٢٠ منه: عمل المبيضون فى بياض قبب سطح المسجد، وذكر ابن علان أن كل قبة تبيض بثلاثة أرادب من الجص، وأن جملة ما أنفق فى ثمن الجص فى عمارة الكعبة وتبييض المنابر والقبب فوق أربعة آلاف دينار، وفى الخشب فوق سبعة آلاف

стр. 79

دينار. وشرع البناءون فى بناء المدماك الثامن، وذرع سمكه سبعة عشر قيراطا ونصف قيراط. يوم الاثنين ٢٢ منه: ألصق فى هذا لليوم خدا باب الكعبة المصفح بالفضة، وهو من عمل السلطان سليمان، وجاءوا بالباب الشريف الذى كان أولا، وهو من عمل السلطان بيبرس، وتصفيحه بالفضة المموهة بالذهب من عمل السلطان سليمان، وشرع البناءون أيضا فى بناء المدماك التاسع، وذرع سمكه ١٧ قيراطا. يوم الثلاثاء ٢٣ منه: ثم وضع الباب، وردف الباب العليا وقفله. يوم الأربعاء ٢٤ منه: شرعوا فى المدماك العاشر، وذرع سمكه ستة عشر قيراطا ونصف قيراط. يوم الخميس ٢٥ منه: شرعوا فى المدماك الحادى عشر، وذرع سمكه ثمانية عشر قيراطا. يوم السبت ٢٧ منه: شرعوا فى المدماك الثانى عشر، وذرع سمكه ستة عشر قيراطا؛ ومن هذا المدماك إلى منتهى العمل عادوا إلى الأحجار التى كانت فى الكعبة وتركوا تحت الأحجار بل بنوا بها كما كانت. يوم الأحد ٢٨ منه: شرعوا فى عمل خشب السقف ونشر صفايحه، وهو أربع فجوات، وكل فجوة اثنان وعشرون عودا، فيكون مجموع أعواده (٨٨) عودا عدد ما كان فيها أولا، وعلى الأعواد صفايح أخشاب مسمرة عليها من ظهرها. يوم الاثنين ٢٩ منه: شرعوا فى المدماك الثالث عشر، وذرع سمكه ستة عشر قيراطا. يوم الثلاثاء ٣٠ منه: أتموا المدماك الثالث عشر، ومنه الشروع فى النصف الثانى من مداميك الكعبة. يوم السبت ٤ شعبان: أتموا خلال الأيام الماضية المداميك الرابع عشر، وسمكه ١٤ قيراطا ونصف، والخامس عشر وسمكه (١٤) قيراطا ونصف؛ والسادس عشر وسمكه (١٥) قيراطا، وشرعوا فى المدماك السابع عشر وذرع سمكه (١٥) قيراطا. يوم الثلاثاء ٧ منه: وصلوا إلى المدماك الذى عليه بساتل أخشاب السقف الأول وهى ثلاثة.

стр. 80

يوم الأربعاء ٨ منه: كشف الجباب المفروش على وجه رخامة الكعبة وحفروا مكان الأعمدة ووضع لها قواعد من الحجر الشبيكى (وعلى رواية أيوب صبرى من الحجر الشميسى) عوضا عما نشر من أسفل العمد، وبقى من مداميك البيت نحو ستة وذرع سمك كل من المدماك الثامن عشر والتاسع عشر (١٥) قيراطا. يوم الجمعة ١٠ منه: شرع المرخمون فى ترصيص رخام الوزرة من الكعبة. يوم السبت ١١ منه: شرعوا فى بناء الشاذروان، وأقاموا واحدا من العمد للكعبة، وأجلسوه على القاعدة من الحجر وجعلوا على الحجر الذى تحته طوقا من حديد صبوا فيه الرصاص المذاب ليربطوا بينه وبين العمود الخشب. يوم الأحد ١٢ منه: أقاموا العمودين الثانى فى محلها من الجرد، وبنوا على المدماك المحيط بها وهو المدماك العشرون وذرع سمكه تسعة قراريط وهو أصغرها ذرعا. يوم الخميس ١٦ منه: بنى المدماك الحادى والعشرون. يوم السبت ١٨ منه: بنى المدماك الثانى والعشرون والثالث والعشرون، وذرع سمك كل من المدماك الحادى والعشرين إلى الرابع والعشرين (١٤) قيراطا. يوم الثلاثاء ٢١ منه: وضعوا البساتل الثلاثة للسقف الثانى على أعلى الجدار للكعبة، وبينه وبين السقف تحته نحو ذراع بالعمل، وبنى المدماك الرابع والعشرون الذى فيه البساتل العليا. يوم الأربعاء ٢٢ منه: بدأوا بوضع الأهلة النحاس المموهة بالذهب على قبب سطح المسجد وعدتها نحو الثلاثين. يوم الخميس ٢٣ منه: بدأ النجارون فى عمل المدماك الخامس والعشرين وذرع سمكه (١٣) قيراطا. يوم السبت ٢٥ منه: بدأ النجارون فى عمل قطع درج السطح للكعبة وهى ست مراق، تدور دوران درج المنارة. يوم الأحد ٢٦ منه: دكوا السطح بالآجر. يوم الثلاثاء ٢٨ منه: بيضوا داخل البيت من تحت سقفه إلى محل الوزرة. يوم الأربعاء ٢٩ منه: جاء العملة بالميزاب، وهو من خشب فى ذرع نحو ثلاثة

стр. 81

أذرع ونصف البارز منه مصفح بالفضة المحلاة بالذهب واللازورد مكتوب فيه اسم مهديه السلطان أحمد خان عام ١٠٢٠ مع حزام البيت. يوم الخميس ٣٠ منه: بيضوا طنف سطح الكعبة الآخر. يوم الجمعة غرة رمضان: ألبسوا الكعبة كسوتها باحتفال مهيب. يوم الأحد ٣ منه: اتموا بناء الشاذروان وكان قد تكسر من رخامه عشرة، فأبدلوها برخام جديد وضعوه فى الجانب الغربى. يوم الثلاثاء ٥ منه: شرع المرخمون فى نصب رخام الوزرة. يوم السبت ٩ منه: تم نصب درجة سطح الكعبة. يوم الأحد ١٠ منه: نظفوا باطن الحجر وجانبه عما كان فيه شرعوا فى بناء جداره، وابتدأوا فى عمله من الجانب العراقى، فهدموا منه أربع تركينات إلى الأرض وانكشف تحت الرخام حجر صوان شبيكى، يقول ابن علان: لعله من أحجار الكعبة التى أخرجت من بناء الزبير لها فى عمل الحجاج، فإن الأزرقى ذكر أنه دفن ذلك فى جوف الكعبة، والذى وجد فى باطنها أحجار صغار مرضومة. يوم الثلاثاء ١٢ منه: عمل البناة فى الحجر وهدم جداره شيئا فشيئا، وكلما هدموا شيئا بنوا ما وراءه وألقوا ما أخرجوا من جيابه وبعض أحجاره بباطنه مع أحجار الكعبة عند المقام، وعمل المرخمون أيضا فى ترخيم الوزرة. يوم الخميس ١٤ منه: تم بناء وجه جدار الحجر. يوم السبت ١٦ منه: وضعوا أحجار رفرف الحجر بمكانها، وهى منقورة فيها أسماء من له فى الحجر عمارة من خليفة أو ملك، وكان الجدار الذى تم بناؤه من عمارة الملك الأشرف قانصوه الغورى فى أوائل القرن العاشر، وقد فقد منه رخامة فأبدلت برخامة ملساء. يوم الأحد ١٧ منه: شرع البناءون فى هدم وجه الجدار الباطنى المحاذى للكعبة، وقد تبين أن رخاما من رخام الطواف تكسر بما سقط عليه من أحجار الكعبة حال سقوطها من السيل. يوم الاثنين ١٨ منه: شرعوا فى بناء جدار قدر قامة فى أسفل درجة سطح الكعبة، وتم وجه جدار الحجر الباطنى.

стр. 82

يوم الأربعاء ٢٠ منه: شرع المرخمون فى ترخيم وزرة الجدار الشرقى وعمل الحدادون لدرجة باب سطح بابا. يوم الخميس ٢١ منه: كحل المهندس ما بين سافات جدار الحجر، وألصق المعلم محمود الهندى قطع الحجر الأسود. يوم الجمعة ٢٢ منه: عمل المرخمون فى جوف الكعبة، وكتب محضر أرسل إلى والى مصر فيه شهادة المكيين بحسن عمارة البيت المعادة. يوم السبت ٢٣ منه: سدوا الباب الغربى بحجارة شبيكية. يوم الأحد ٢٤ منه: تم دك الباب الغربى وترخيم الوزرة، وما بقى إلا ترخيم أرضها؛ فإن رخامها وإن لم يقلع من محله إلا أنه تأثر فى الجملة، فشرع فيه المرخمون. يوم الأربعاء ٢٧ منه: أتم المرخمون عملهم، وأخرجوا قواعد العمد التحتية ومشاحب العمد القديمة من سقاية العباس، ودخل بها الكعبة لتعاد لمكانها ثم رؤى استبدالها بجديد منها. يوم الخميس ٢٨ منه: ارسلوا إلى الأرض ثوب الكعبة بعد أن فكوا منه الحبال المربوطة وأعادوا الصفيحة الذهب التى بأعلى الباب مكتوبا فيها باللازورد قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران: ٩٦] وتحته ثلاثة أبيات فيها تاريخ عمل الحزام للسلطان أحمد خان وهو عام عشرين وألف وهى: اللوح ذا لما استرم فجددا ... قد بدل السلطان أحمد عسجدا قيدا له من حديد ذو جدا ... الله أنعم بالمجدد وأيدا ألهمت فى تاريخه لما بدا ... اللوح ذا السلطان أحمد جددا وفيه عمل المرخمون فى سطح جدار الحجر ثم تركوه وعادوا إلى باطن الكعبة. يوم السبت ٨ شوال: رخموا وجه جدار الحجر، وشرعوا فى ترميم المتكسر من رخام الطواف بإخراج القطع المتكسرة وإبدالها بسالم من ذلك، وشرعوا فى صنع أخشاب لإبدال بعض أخشاب رئت فى المقام الإبراهيمى عند بابه، وعملوا ذلك من خشب الصنوبر.

стр. 83

يوم الأحد ٩ منه: قلع المرخمون المتكسر من الأحجار والمنخسف من باطن الحجر وقربوا القدر ووضعوها عند مقام المالكية ورفعوا باب المقام الإبراهيمى وستروا على محله بستارة وشرعوا فى عملها حالا، وشرع المنقلون فى تكحيل صفة المطاف وأبواب المسجد، وعاد فى هذا اليوم المعلم محمود الهندى، فأصلح فى الحجر الأسود كما فعل فى شهر رمضان. يوم الاثنين ١٠ منه: وضعت الحديدات بين العمد التى هى محل تعليق قناديل الكعبة وهداياها. يوم الخميس ١٣ منه: أبدل المرخمون من رخام الحجر ما تكسر منه، وفيه نقل العملة ما اجتمع مما رث من خشب الكعبة إلى الدكة الموالية لبيت ميزار مخدوم إلى حذاء السليمانية، وفيه جددوا للعمد مشاحب وقواعد. يوم الجمعة ١٤ منه: تم دهان الأخشاب التى بين شبابيك المقام الإبراهيمى بالزنجفر وبالأخضر وجلى الذهب المكتوب فيه اسم الآمر بتجديده السلطان مراد الرابع بن سليم خان. يوم السبت ١٥ منه: أصلح درابزين درجة رئيس المؤذنين وكان سقط نصفها التحتى منذ سنة، فقلع الباقى وأصلح الجميع وكان العمل الأول للسلطان أحمد. يوم الأحد ١٦ منه: أصلح أسفل باب الكعبة وأعلاه وسمر ما يحتاج للإصلاح. يوم الثلاثاء ١٨ منه: أعاد الدهان دهان ما بين شبابيك المقام الإبراهيمى وأتم المنقلون المقام بالحديد المطيف به بالنورة. يوم الخميس ٢٠ منه: تم فرش جباب الكعبة فى جميع المعد له من الدكة المارة الذكر. يوم الجمعة ٢١ منه: جلا المرخمون رخام الحجر البيض والسود ودهنوها بالدهان الأسود والسندروس. يوم الأحد ٢٣ منه: أجرى النجارون إصلاحا بالدرجة التى يصعد منها لباب الكعبة، وفيه وزنت ثمانية مثاقيل ذهب تصفح بها مشاحب العمد الجديدة. يوم الأربعاء ٢٦ منه: أصلح المرخمون رخام باب الحجر الشرقى بقلعه وإبدال الخراب بالصالح وقلعوا الرخام المتكسر فى المعجنة.

стр. 84

يوم الأحد غرة ذى القعدة: فتحت الكعبة وصعد المرخمون لجلاء رخام الوزرة وركب النجارون مشاحبها الجديدة على العمد وأخشاب القواعد من تحتها وصفحوها بصفائح الذهب. يوم الخميس ٤ منه: صعد المرخمون لجلاء رخام سطح الكعبة وإصلاحه، فإنه من عجلهم فى وضعه وقع بعضه فى غير موضعه، فاقتلعوا ذلك وعملوه على وجه أتم. يوم الجمعة ٥ منه: شرع المرخم ينقر فى حجر من رخام الكعبة تاريخا لعمارة الكعبة صاغ الفاظه السيد محمد الأنقروى قاضى المدينة وناظر العمارة هذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. تقرب بتجديد هذا البيت العتيق إلى الله ، خادم الحرمين الشريفين، وسائق الحجاج بين البرين والبحرين السلطان بن السلطان، السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان بن السلطان محمد خان خلد الله تعالى ملكه وأيد سلطنته فى أواخر شهر رمضان المبارك المنتظم فى سلك شهور سنة أربعين وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل التحية. سنة ١٠٤٠». يوم الأربعاء ١٠ منه: أتموا قلع رخام السطح وأعادوه على ما ينبغى وأخذوا الأقونة جعلوها تحت جدر طنف السطح لئلا يدخل ماء المطر فيها إلى الخشب تحتها فتعمل فيه الأرضة. يوم السبت ١٣ منه: عمل المرخمون فى جلاء رخام الشاذروان وجعلوا معها الوزرة التى تحت بيت زمزم بحذاء الكعبة. وقد تم أمس نقر التاريخ، فأعطى اليوم الحجر المنقور فيه التاريخ للدهان فحلاه بالذهب وأتم عمله. وقام العمال فى الأيام التالية فى تبيض بعض جهات المسجد، وفى دفن الحفر التى كانت تلى بعض الأبواب. يوم الاثنين ٢١ منه: أحضرت معاليق الكعبة، وكانت كما ذكر فى السابق عشرون قنديلا من الذهب العين، واحدة منها مصطنعة باللؤلؤ، وثلاثون قنديلا من الفضة، فسلمت إلى سادن البيت الشيخ محمد الشيبى بحضرة الجمع وأشهد عليه أنه تسلم ذلك، ثم دعى بشيخ الوقادين فعلقها فى أماكنها، وفيه بنى المرخمون الحجر الذى نقر فيه التاريخ قبالة الباب الشرقى. وفى الأيام التالية غسلوا الكعبة بماء زمزم وبخروها، وجلا المرخمون من وجه الحجر.

стр. 85

يوم الجمعة ٢٥ منه: جاء ابن شمس الدين والسادن فكحلوا بالنورة ما بين الفضة المصفح بها الخشب فى خدى الباب. يوم هلال ذى الحجة: أصلحوا الحجر ودهنوه سواد وسندروس. يوم ٢ ذى الحجة: عملوا محل شعل النار عند الأهلة والأعياد من أعلى مقام الشافعى، وهو آخر عملهم فى هذا البيت والمسجد الحرام. وقد تم خلال شهر رمضان وشوال والقعدة إصلاحات جمة فى أبواب الحرم ومقامات الأئمة وغيرها ورد ذكرها أيضا فى اليوميات التى نقلنا عنها هذا. قال أيوب صبرى: وبعد مضى سنتان على العمارة المارة الذكر نزلت أمطار غزيرة فى مكة المكرمة أثرت على سقف الكعبة، فصدر أمر السلطان مراد إلى عامله فى مصر أحمد باشا بانتداب شخص يتولى إصلاح السقف، ومقام إبراهيم، وتجديد باب الكعبة، فانتدب الوالى المشار إليه، رضوان أغا للمرة الثانية للقيام بهذه الخدمة، فحضر إلى مكة المكرمة ومعه المهندس عبد الرحمن، وكان وصوله إليها فى أوائل ذى الحجة من عام ١٠٤٤ وبعد النزول من منى شرع فى العمل، وكان جمع قبل ذلك مجلسا من العلماء تلى عليهم الفرمان السلطانى، فاعترض ابن علان وحزبه على ذلك وخالفوه، ثم انصاعوا فيما بعد ووافقوه على القيام بالإصلاحات المذكورة. وقد تم إصلاح الخراب الحادث فى سطح الكعبة خلال بضعة أسابيع ثم شرع فى تجديد باب الكعبة فى شهر ربيع الأول وانتهى من صنعه فى شهر رمضان المبارك وعمل الصاغة الفضة للباب ووزن ذلك مائة وستة وستون رطلا وطلى بالذهب البندقى مما قدره ألف دينار، وجعلوا فيه ما فى الأول من الكتابة وكتب عليه «بسم الله الرحمن الرحيم. رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا» الآية وتحتها: «تشرف بتجديد هذا الباب، من سبقت له العناية من رب الهداية، مولانا السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان بن السلطان محمد خان بن عثمان، عز نصره فى سنة خمس وأربعين وألف». وتم خلال ذلك بناء المقام الشريف، وفرش المسجد بالحصباء وسط الكعبة بالرخام الأبيض وأصلحت المماشى. وبعد أن انتهى رضوان أغا من عمله عاد إلى مصر فاستانبول ومعه درفتى باب الكعبة القديم حيث قد سلمها إلى السلطان مراد.

стр. 86

وقبل أن تختم هذا البحث نذكر فيما يلى أبياتا ذكرها الفاسى فى شفاء الغرام أجمل فيها تاريخ الكعبة لعهده قال: بنى الكعبة الغراء عشر ذكرتهم ... ورتبتهم حسب الذى أخبر الثقه ملائكة الرحمن آدم ابنه ... كذاك خليل الرحمن ثم العمالقة وجرهم يتولهم قصى قريشهم ... كذا ابن الزبير ثم حجاج لا حقه وذيله بعضهم بقوله: وخاتمهم من آل عثمان بدرهم ... مراد المعالى أسعد الله شارقه وقال آخر: ومن بعدهم من آل عثمان قد بنى ... مراد حماه الله من كل طارقه وذكر على الطبرى فى الأرج المسكى أبياتا نظمها فى تاريخ عمارة البيت فقال: بنى البيت خلق وبيت الاله ... مدى الدهر من سابق يكرم ملائكة آدم ولده ... خليل عمالقة جرهم قصى قريش ونجل الزبير ... وحجاج بعدهم يعلم وسلطاننا الملك المرتضى ... مراد هو الماجد المنعم ادام الأله لنا ملكه ... وابقاه خالقنا الأعظم ونظم محمد بن على بن علان ثلاثة أبيات جمع فيها بناء الكعبة فقال: بنى الكعبة الأملاك آدم ولده ... شيث فإبراهيم ثم العمالقه وجرهم قصى مع قريش وتلوهم ... هو ابن زبير ثم حجاج لا حقه ومن بعد هذا قد بنى البيت كله ... مراد بنى عثمان فشيد رونقه * * *

стр. 87

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذكر من حج من الخلفاء والملوك إلى بيت الله الحرام الحمد لله، وبه المستعان، على كل ما عزّ وهان، وصلى الله على نبينا محمد خاتم النبين، وعلى آله وصحبه والتابعين، صلاة باقية إلى يوم الدين. وبعد، فأسأل الله مبتهلا إليه، مادّا يدى له، أن يتبع أيام المقرّ المخدوم (١) بأخواتها الباقيات الصالحات، والزيادات الغامرات، ليكون كل دهر يستقبله، وأمل يستأنفه، موفيا على المتقدم له، قاصرا عن المتأخر عنه؛ ويؤتيه من العمر أطوله وأبعده، ومن العيش أعذبه وأرغده، عزيزا منصورا، محميّا موفورا، باسطا يده فلا يقبضها إلا على نواصى أعداء وحساد، ساميّا طرفه فلا يغضه إلا على لذة غمض ورقاد، مستريحة ركابه فلا يعمل إلا لاستضافة عزّ وملك، حائزة قداحه فلا يجلها مال حتى ينال أقصى ما تتوجه إليه أمنية جامحة، وتسمو إليه همة طامحة. وقد استفاض أن العزم الشريف قد قوى على الحجّ، والتحلّى بالعجّ والنجّ، وجرت العادة، بألطاف العبيد للسادة؛ فتأملت حال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا فى مثل هذه الحركة، فأردت التأسى بهم، ورأيتنى إن أهديت نفسى فهى فى ملك المقرّ المخدوم، وإن أهديت مالى فهو منه، وإن أهديت مودّتى وشكرى فهما خالصين له غير مشتركين، وكرهت أن أخلى هذا العزم من سنته فأكون من المقصرّين، أو أدّعى فى ملكى ما يفى بحق المقرّ المخدوم فأكون من الكاذبين؛ قلت: إن أهد نفسى فهو مالكها ... ولها أصون كرائم الذّخر أو أهد مالا فهو واهبه ... وأنا الحقيق عليه بالشّكر أو أهد شكرى فهو مرتهن ... بجميل فعلك آخر الدّهر والشّمس تستغنى إذا طلعت ... أن تستضئ بطلعة البدر ولما كان العلم أنفس الذخائر وأعلاها قدرا، وأعظم المآثر وأبقاها ذكرا، جمعت برسم الخزانة الشريفة المخدومية ـ عمّرها الله ببقاء مالكها ـ جزءا يحتوى على ذكر

стр. 88

من حجّ من الخلفاء والملوك، وسميته: «الذهب المسبوك فى ذكر من حجّ من الخلفاء والملوك»، تذكرة للخاطر الشريف بما هو منّى أدرى، وأحق بإفادته وأحرى، وأنى ـ فيما فعلت وصنعت ـ كمن أهدى القطر إلى البحر، أو بعث النور إلى القمر، والأرج إلى الزهر، بل كالذى أرسل الضياء إلى الشمس، وروح الحياة إلى النفس؛ غير أن فى كريم أخلاقه الزكية، وزاكى أعراقه المرضية، ما يقبل اليسير، ويتجاوز عن الخطأ والتقصير. رعى الله المخدوم من حيث لا يرتقب، وحرسه من حيث لا يحتسب، وكان له فى سفره خفيرا، وفى حضره عونا ونصيرا. * * * فصل فى حجة الرسول ﷺ افتتحت بها هذا الجزء إذ كان ﷺ هو الذى بيّن للناس معالم دينهم، وقال: «خذوا عنّى مناسككم» (١) وقد امتلأت كتب الحديث بذكر حجة رسول الله ﷺ وأفرد فيها الفقيه الحافظ أبو محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسى مصنفا جليلا، قد اعترض عليه فى مواضع منه، أجبت عنها فى كتاب «شارع النجاة». وملخص حجة الوداع أن رسول الله ﷺ لما دخل ذو القعدة تجهّز للحج، وأمر الناس بالجهاز له، وأذّن فيهم، فاجتمعوا (٢) ثم صلى الظهر ـ يوم الخميس لست بقين من ذى القعدة سنة عشر من الهجرة بالمدينة ـ أربعا (٣)، وخرج منها بمن معه من المسلمين من أهل المدينة ومن تجمّع من الأعراب، وهم عشرة آلاف، بعد ما استعمل على المدينة، أبا دجانة الساعدى، ويقال: سباع بن عرفطة الغفارى، فصلى العصر ـ بذى الحليفة ـ ركعتين (٤)، وبات بها. وأتاه آت (٥) من ربه تعالى فى ذلك الموضع ـ وهو وادى العقيق (٦) ـ وأمره ـ عن

стр. 89

ربه عزوجل ـ أن يقول فى حجته: «هذه حجّة فى عمرة» (١) ومعنى هذا أن الله ـ سبحانه ـ أمره أن يقرن (٢) الحجّ مع العمرة فأصبح ﷺ فأخبر الناس بذلك؛ وطاف على نسائه يومئذ (٣) بغسل واحد ـ وهن تسع وقيل إحدى عشرة ـ ثم اغتسل وصلى عند المسجد ركعتين، وأهل بحجّة وعمرة معا. هذا الذى رواه بلفظه ومعناه عنه ﷺ ستة عشر صحابيا، منهم: خادمه أنس ابن مالك ـ رضى الله عنه ـ وقد رواه عنه ﷺ ستة عشر تابعيا، وقد ذكرتهم فى كتاب «شارع النجاة»، وهذا صريح لا يحتمل التأويل إلا أن يكون بعيدا، وما عدا ذلك مما جاء من الأحاديث الموهمة التمتّع (٤)، أو ما يدل على الإفراد (٥) فليس هذا محل ذكرها. والقران فى الحج هو مذهب إمامنا أبى عبد الله محمد بن إدريس الشافعى ـ رحمه الله تعالى ـ وقد نصره جماعة من محققى أصحابه، وهو الذى يحصل به الجمع بين الأحاديث كلها (٦) ومن العلماء من أوجبه وممن قال بأفضليته الإمام أبو حنيفة النعمان

стр. 90

ابن ثابت ـ رحمه الله تعالى ـ وهو رواية عن الإمام أبى عبد الله أحمد بن حنبل الشيبانىرحمه الله تعالى. وساق ﷺ الهدى من ذى الحليفة (١) وأمر من كان معه أن يهلّ كما أهلّ ﷺ وسار ﷺ والناس بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله مما لا يحصون كثرة، كلهم قدم ليأتّم به ﷺ . فلما قدم ﷺ مكة لأربع ليال خلون من ذى الحجة (٢) وطاف للقدوم (٣) ثم سعى بين الصفا والمروة وأمر الذين لم يسوقوا هديا أن يفسخوا

стр. 91

حجهم إلى عمرة، ويتحللوا حلا تاما، ثم يهلّوا بالحج وقت خروجهم إلى منى؛ وقال: «ثم لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى، ولجعلتها عمرة» (١)؛ وهذا دليل ظاهر أنه ﷺ لم يكن متمتعا ـ كما ذهب إليه بعض أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. وقدم على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ من اليمن، فقال له النبى ﷺ : «إنى سقت الهدى وقرنت»؛ روى هذا اللفظ أبو داود وغيره من الأئمة بإسناد صحيح، وهو صريح فى القران. وقدم مع على ـ رضى الله عنه ـ من اليمن هدايا، فأشركه ﷺ فى هديه أيضا، فكان حاصلهما مائة بدنة (٢) ثم خرج ﷺ إلى منى (٣)، فبات بها، وكانت ليلة الجمعة التاسع من ذى الحجة؛ ثم أصبح فسار إلى عرفة، وخطب بنمرة خطبة عظيمة، شهدها من أصحابه نحو من أربعين ألفا ـ رضى الله عنهم ـ وجمع بين الظهر والعصر؛ ثم وقف بعرفة فحج على رحل، وكانت زاملته، ثم بات بالمزدلفة، وجمع بين المغرب والعشاء ليلة إذ، ثم أصبح فصلى الفجر فى أول وقتها، ثم سار قبل طلوع الشمس إلى منى (٤)، فرمى جمرة العقبة، ونحر (٥) وحلق (٦)، ثم أفاض فطاف بالبيت

стр. 92

طواف الفرض (١) ـ وهو طواف الزيارة (٢) ـ واختلف أين صلى الظهر يومئذ، وقد أشكل ذلك على كثير من الحفاظ؛ ثم حلّ من كل شيء حرم منه ﷺ ثانى يوم النحر، ثم خطب خطبة عظيمة أيضا، ووصّى وحذّر وأنذر، وأشهدهم على أنفسهم بأنه بلّغهم الرسالة؛ فنحن نشهد أنه بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة ﷺ تسليما كثيرا إلى يوم الدين. ثم أقبل ﷺ منصرفا إلى المدينة وقد أكمل الله له دينه. * * * لطيفة النداء بالحج سنة للمسلمين: وينادى بديار مصر فى رجب، وهو قياس ندائه ﵊ أول ذى القعدة، لأن مسافة الحج من المدينة عشرة أيام، فقدّم النداء بثلاثة أمثالها، ومسافة الحج فى البر من مصر أربعون يوما، فقدّم النداء بثلاثة أمثالها؛ فكانت الجملة من أول رجب إلى انقضاء عشر ذى الحجة خمسة أشهر وعشرة أيام؛ وكذلك بدمشق؛ وأول من أدار المحمل الملك الظاهر بيبرس البندقدارى (٣) رحمه الله تعالى. فصل فى ذكر من حج من الخلفاء فى مدة خلافته أبو بكر الصديق (رضى الله عنه) اسمه: عبد الله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرّة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك القرشى التيمى، خليفة رسول الله ﷺ (٤). بويع له بعد وفاة رسول الله ﷺ بيعة العامة يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الأول

стр. 93

سنة إحدى عشرة من الهجرة؛ فحج بالناس فى هذه السنة عتاب بن أسيد (١)، وقيل عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنهما. وحج أبو بكر ـ رضى الله عنه ـ بالناس سنة اثنتى عشرة، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، رضى الله تعالى عنه. وقيل: حج بالناس عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ، أو عبد الرحمن بن عوف، رضى الله عنه. والأول أصح (٢). وتوفى أبو بكر ـ رضى الله عنه ـ على رأس سنتين وثلاثة أشهر واثنتى عشر يوما، وقيل غير ذلك. * * * عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) ابن نفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاخ بن عدىّ بن كعب القرشىّ العدوىّ أبو حفص، أمير المؤمنين، رضى الله عنه. ولى الخلافة بعد أبى بكر الصديق ـ رضى الله عنه ـ بويع له بها باستخلافه له فى جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، واختلف فى اليوم، كما اختلف فى يوم وفاة أبى بكر، رضى الله عنه، وقتل مطعونا بيد أبى لؤلؤة ـ غلام المغيرة بن شعبة (٣) ـ لثلاث بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين، فكانت خلافته عشر سنين ونصف، حج فى جميعها إلا السنة الأولى فقط (٤)، فإنه حج بالناس فيها عتّاب بن أسيد؛ وقيل: بل حج عمر بالناس سنيه كلها. وفى سنة سبع عشرة اعتمر عمر ـ رضى الله عنه ـ وبنى المسجد الحرام ووسّع

стр. 94

فيه (١)، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على قوم أبوا أن يبيعوا دورهم، وعوّضهم أثمانها من بيت المال، وجدّد أنصاب الحرم على يد مخرمة بن نوفل فى آخرين؛ واستأذنه أهل المياه فى أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة، فأذن لهم، وشرط عليهم أن ابن السبيل أحقّ بالظل والماء (٢). ثم خرج من المدينة عام الرمادة (٣) حاجا أو معتمرا، فأتى الجار ليرى السفن التى قدمت من مصر فى الخليج الذى احتفره عمرو بن العاص ـ كما ذكرت خبره فى كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤)» ـ وقال للناس: «سيروا بنا ننظر إلى السفن التى سيرّها الله تعالى إلينا من أرض فرعون»؛ وأكل فى سفره هذا ـ وهو محرم لحم ظبى أصابه قوم حلال، فلما نزل على البحر قال: «اغتسلوا من ماء البحر، فإنه مبارك». ثم صك للناس بذلك الطعام صكوكا، فتبايع التجار الصكوك بينهم قبل أن يقبضوها، فلقى عمر العلاء بن الأسود، فقال: «كم ربح حكيم بن حزام؟ (٥)» فقال: «ابتاع من صكوك الجار بمائة ألف درهم، وربح عليها مائة ألف»، فلقيه عمر، فقال: «يا حكيم: كم ربحت؟ »، فأخبره بمثل خبر العلاء، قال: «فبعته قبل أن تقبضه؟ »، قال: «نعم»، قال: «فإن هذا بيع لا يصلح، فاردده»، قال: «ما علمت أن هذا لا يصلح، وما أقدر على ردّه»، قال عمر: «ما بدّ»، قال: «والله ما اقدر على ذلك، وقد تفرّق وذهب، ولكن رأس مالى وربحى صدقة» (٦). واتفق فى آخر حجّة حجّها عمر ـ رضى الله عنه ـ أنه لما رمى الجمرة أتاه حجر فوقع على صلعته، فأدماه، وثمّ رجل من بنى لهب، فقال: «أشعر أمير المؤمنين لا يحج بعدها»، ثم جاء إلى الجمرة الثانية، فصاح رجل: «يا خليفة رسول الله»، فقال: «لا يحج أمير المؤمنين بعد عامه هذا»، فقتل عمر ـ رضى الله عنه ـ بعد رجوعه من الحج.

стр. 95

لهب مكسورة اللام: قبيلة من قبائل الأزد تعرف بها العيافة والزجر. عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ أنّ عمر أذن لأزواج النبى ﷺ أن يحججن فى آخر حجّة حجها، قالت: «فلما ارتحل من الحصبة أقبل رجل متلثم، فقال، وأنا أسمع: «أين كان منزل أمير المؤمنين؟ »، فقال قائل وأنا أسمع: «هذا كان منزله»، فأناخ فى منزل عمر، ثم رفع عقيرته يتغنى: عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزّق فمن يجر أو يركب جناحى نعامة ... ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثمّ غادرت بعدها ... بوائق فى أكمامها لم تفتّق قالت عائشة: فقلت لبعض أهلى: «اعلموا لى من هذا الرجل» فذهبوا فلم يجدوا فى مناخه أحدا؛ قالت عائشة: «فو الله إنى لأحسبه من الجن». فلما قتل عمر ـ رضى الله عنه ـ نحل الناس هذه الأبيات للشماخ بن ضرار (١)، أو لأخيه مزرد (٢). هكذا روى هذا الخبر الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البرّ النمرى، وذكر محمد بن عمر الواقدى (٣) فى «كتاب الفتوح» هذه الأبيات بزيادة فى عدتها. وقال أبو عثمان النهدى: «رأيت عمر يرمى الجمرة وعليه إزار مرقوع بقطعة جراب»؛ وقال علىّ بن أبى طالب: «رأيت عمر يطوف بالكعبة وعليه إزار فيه إحدى وعشرون رقعة فيها من أدم». (٤) وعن سعيد بن المسيّب (٥) قال: «حجّ عمر، فلما كان بضجنان قال: «لا إله إلا الله العظيم المعطى من شاء ما شاء، كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادى فى مدرعة

стр. 96

صوف، وكان فظّا يتبعنى إذا عملت، ويضربنى إذا قصّرت، وقد أمسيت وليس بينى وبين الله أحد، ثم تمثّل: لا شيء فيما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودى المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد، فما خلدو ولا سليمان إذ تجرى الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها برد أين الملوك التى كانت نوافلها ... من كلّ أوب إليها راكب يفد حوض هنالك مورود بلا كدر ... لا بدّ من ورده يوما كما وردوا (١) * * * عثمان بن عفان رضى الله عنه ابن أبى العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ القرشى الأموى، أبو عبد الله، وأبو عمرو، وذو النورين أمير المؤمنين رضى الله عنه، بويع بالخلافة يوم السبت غرة المحرم سنة أربع وعشرين (٢)، بعد دفن عمر بن الخطاب رضى الله عنه بثلاثة أيام، باجتماع الناس عليه. وقتل بالمدينة يوم الجمعة لثمانى عشرة أو سبع عشرة خلت من ذى الحجة سنة خمس وثلاثين، وذلك على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين يوما من مقتل عمر ـ رضى الله عنه ـ حج فيها كلها إلا السنة الأولى والأخيرة. وذكر ابن الأثير أنه حجّ بالناس فى السنة الأولى، وقيل: بل حجّ بالناس عبد الرحمن ابن عوف بأمر عثمان ـ رضى الله عنه ـ. ولما حج فى سنة تسع وعشرين ضرب فسطاطه بمنى، فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، وأتم الصلاة بها وبعرفة، فكان أول ما تكلم به الناس فى عثمان ظاهرا حين أتم الصلاة بمنى، فعاب ذلك غير واحد من الصحابة، وقال له علىّ رضى الله عنه: «ما حدث أمر، ولا قدم عهد، ولقد عهدت النبى ﷺ وأبا بكر وعمر يصلون ركعتين، وأنت صليت ركعتين صدرا من خلافتك»، فما درى ما يرجع إليه، وقال: «رأى رأيته». وبلغ الخبر عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، وكان معه، فجاءه وقال: «ألم تصلّ فى هذا المكان مع رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر ركعتين؟ »، قال: «بلى، ولكن

стр. 97

أخبرت أن بعض من حجّ من اليمن وجفاة الناس قالوا: إن الصلاة للمقيم ركعتان، واحتجوا بصلاتى، وقد اتخذت بمكة أهلا، ولى بالطائف مال»، فقال عبد الرحمن بن عوف: «ما فى هذا عذر، أما قولك: اتخذت بها أهلا، فإن زوجتك بالمدينة تخرج لها إذ شئت، وإنما تسكن بسكناك، وأما ما لك بالطائف فبينك وبينه مسيرة ثلاث ليال، وأما قولك عن حاج اليمن وغيرهم فقد كان رسول الله ﷺ ينزل عليه الوحى والإسلام قليل، ثم أبو بكر وعمر، فصلوا ركعتين وقد ضرب الإسلام بجرانه»، فقال عثمان: «هذا رأى رأيته»، فخرج عبد الرحمن فلقى عبد الله بن مسعود، فقال: «يا أبا محمد قد غيّر ما تعلم»، قال: «فما أصنع؟ » قال: «اعمل بما ترى وتعلم»، فقال عبد الرحمن: «قد صليت بأصحابى ركعتين، وأما الآن فسوف أصلى أربعا» ـ وقيل: كان ذلك سنة ثلاثين. * * * ولم يحج أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ فى خلافته، لاشتغاله بحرب الجمل وصفّين. * * * معاوية بن أبى سفيان (١) واسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشى الأموى، أبو عبد الرحمن، أمير المؤمنين، كان أميرا بالشام نحو عشرين سنة. وبايع له أهل الشام خاصة بالخلافة سنة ثمان أو تسع (٢)، واجتمع الناس عليه حين بايع له الحسن بن على ـ رضى الله عنهما ـ وجماعة من معه فى ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وقيل سنة أربعين، فأقام فى الخلافة تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوما، وقيل غير ذلك. وحجّ بالناس عدة سنين أولها سنة أربع وأربعين، ولم يحج سنة خمس وأربعين، فحجّ بالناس مروان بن الحكم (٣)، ثم حجّ معاوية سنة خمسين، وقيل بل حجّ بالناس ابنه يزيد،

стр. 98

وقيل: حجّ معاوية عدة سنين أكثر من هذه (١). * * * عبد الله بن الزبير (٢) ابن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ، القرشى الأسدى، أبو بكر ـ وقيل أبو بكير، وأبو خبيب ـ أمير المؤمنين رضى الله عنه (٣). بويع له بالخلافة سنة أربع ـ وقيل خمس ـ وستين بعد موت معاوية بن أبى سفيان، وكان قبل ذلك لا يدعى بالخلافة، واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان. وحجّ بالناس ثمانى حجج، وقتل ـ رحمه الله تعالى ـ على يد الحجاج بن يوسف الثقفى (٤) فى أيام عبد الملك بن مروان بن الحكم (٥) يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى وقيل: جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وصلب بعد قتله بمكة. وبدأ الحجاج بحصاره من أول ليلة من ذى الحجة سنة اثنتين وسبعين وحجّ بالناس الحجاج فى ذلك العام، ووقف على عرفة وعليه درع ومغفر (٦) ولم يطوفوا بالبيت فى تلك السنة، فحاصره الحجّاج ستة أشهر وسبعة عشر يوما إلى أن قتل. ولما غزاه أهل الشام فى أيام يزيد بن معاوية احترقت الكعبة فى سنة أربع وستين، فتركها ابن الزبير ليشنّع بذلك على أهل الشام، فلما مات يزيد، واستقرّ الأمر له،

стр. 99

هدمها إلى الأرض، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇ وأدخل فيها الحجر، وجعل لها بابين (١). فلما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير هدم بناء ابن الزبير من الكعبة فى سنة أربع وسبعين، وجعلها على ما هى عليه الآن ـ كما قد ذكرت ذلك فى كتاب «الإشارة والإعلام ببناء الكعبة البيت الحرام» ذكرا شافيا. * * * عبد الملك بن مروان ابن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى. قام بدمشق بعد موت أبيه فى شهر رمضان سنة خمس وستين، وبمكة عبد الله بن الزبير يدعى له بالخلافة، وعلى العراق المختار بن أبى عبيد الثقفى (٢) يدعو لمحمد بن الحنفيّة (٣)، والأرض تستعر حربا منذ قتل الحسين بن على بن أبى طالب ـ رضى الله عنهما ـ فساعدت الأقدار عبد الملك بن مروان وقتل جميع من خالفه، وأقام فى الخلافة بعد ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال ـ كما قد ذكرت ترجمته وترجمة أبيه فى التاريخ الكبير لمصر ـ فإنهما دخلاها. وحجّ عبد الملك فى خلافته سنتين، إحدهما سنة خمس وسبعين فهمّ شبيب بن يزيد (٤) ـ أحد الخوارج ـ أن يفتك به، فبلغه ذلك فاحترس وكتب إلى الحجاج بن يوسف ـ بعد انصرافه ـ يأمره بطلب صالح بن مسرّح (٥) وغيره من الخوارج، فكان من أخبارهم ما قد ذكر فى موضعه.

стр. 100

وخطب عبد الملك الناس بالمدينة النبوية، فقال، بعد حمد الله والثناء عليه: «أما بعد، فإنى لست بالخليفة المستضعف ـ يعنى عثمان بن عفّان ـ ولا بالخليفة المداهن ـ يعنى معاوية ـ ولا بالخليفة المأفون ـ يعنى يزيد بن معاوية ـ ألا وإنى لا أدواى هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لى قناتكم، وإنكم تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين، ولا تعملون مثل أعمالهم، وأنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم، والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلا ضربت عنقه». ثم نزل. * * * الوليد بن عبد الملك بن مروان (١) بويع بعد موت أبيه بعهده إليه، النصف من شوّال سنة ست وثمانين، وكانت خلافته تسع سنين وسبعة أشهر. وعمّر مسجد رسول الله ﷺ سنة ثمان، وكان على يد عمر بن عبد العزيز ـ وهو على المدينة ـ فكتب إليه فى ربيع الأول يأمره بإدخال حجر أزواج النبى فى مسجد رسول الله ﷺ وأن يشترى ما فى نواحيه حتى يكون مائتى ذراع فى مثلها، وأن يقدّم القبلة، فقوّم عمر الأملاك قيمة عدل، وأعطى الناس أثمانها، وهدم بيوت أزواج النبى ﷺ وبنى المسجد، وأتته الفعلة من الشام. وبعث الوليد بما عزم عليه إلى ملك الروم، فبعث إليه مائة ألف مثقال ذهبا، ومائة عامل، وأربعين حملا من الفسيفساء، فحمل الوليد ذلك إلى عمر بن عبد العزيز (٢)، فحضر عمر ومعه الناس فوضعوا أساس المسجد، وابتدأوا بعمارته، وكتب أيضا إلى عمر أن يسهل الثنايا، ويحفر الآبار، ويصل الفوارة بالمدينة، فعملها وأجرى ماءها، ولما حج الوليد ورآها أعجبته، فأمر لها بقوّام يقومون عليها، وأمر أهل المسجد أن يسقفوا منها، وكتب إلى جميع البلاد بإصلاح الطرق وعمل الآبار بطريق الحجاز، ومنع المجذومين من الخروج على الناس، وأجرى لهم الأزراق.

стр. 101

وكان حجه فى سنة إحدى وتسعين، فلما دخل المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه، وأخرج الناس منه، ولم يبق غير سعيد بن المسيب، فلم يجسر أحد من الحرس يخرجه، فقيل له: «لو قمت»، فقال: «لا أقوم حتى يأتى الوقت الذى كنت أقوم فيه»، فقيل: «لو سلّمت على أمير المؤمنين»، قال عمر بن عبد العزيز: «فجلست أعدل بالوليد فى ناحية المسجد لئلا يراه»، فالتفت الوليد إلى القبلة فقال: «من ذلك الشيخ، أهو سعيد؟ »، قال عمر: «نعم، ومن حاله كذا وكذا، ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك، هو ضعيف البصر»، فقال الوليد: «قد علمت حاله، ونحن نأتيه، فدار فى المسجد ثم أتاه، فقال: «كيف أنت أيها الشيخ؟ »، فو الله ما تحرك سعيد بل قال: «بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله؟ »، فانصرف الوليد وهو يقول لعمر: «هذا بقية الناس». وقسم الوليد بالمدينة أموالا كثيرة وصلّى بها الجمعة، فخطب الناس الخطبة الأولى جالسا، ثم قام فخطب الثانية قائما، فقال رجل لرجاء بن حيوة (١): «أهكذا يصنعون؟ »، قال: «نعم وهكذا صنع معاوية، وهلم جرّا»، فقيل له: «ألا تكلمه؟ »، فقال: «أخبرنى قبيصة بن ذؤيب (٢) أنه كلّم عبد الملك بن مروان فى القعود فلم يتركه وقال: هكذا خطب عثمان»، قال: فقلت: «والله ما خطب عثمان إلا قائما»، قال رجاء: «روى لهم شيء فأخذوا به». * * * سليمان بن عبد الله بن مروان (٣) بويع بعد موت أخيه الوليد فى نصف جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وهو بالرملة، فأقام بالخلافة سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام. وحج بالناس سنة سبع وتسعين، وكتب إلى خالد بن عبد الله القسرى (٤) ـ وهو على مكة ـ «أن أجر لى عينا يخرج من مائها العذب الزلال، حتى تخرج من بين زمزم والمقام، فعمل خالد بركة بأصل ثبير من حجارة، وأحكمها وأنبط ماءها وشق لها فلجا

стр. 102

يكسب فيها من شعب فى الجبل، ثم شقّ من البركة عينا تخرج إلى المسجد الحرام، تجرى فى قصب من رصاص، حتى أظهره من فوّارة تسكب فى فسقيّة من رخام بين زمزم والمقام، فلما جرت وظهر ماؤها أمر القسرىّ بجزور فنحرت بمكة، وقسّمت بين الناس، وعمل طعاما دعى إليه الناس، ثم أمر صائحا فصاح: «الصلاة جامعة»، وأمر بالمنبر فوضع فى وجه الكعبة، ثم صعد فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «أيها الناس: احمدوا الله، وادعوا لأمير المؤمنين الذى سقاكم الماء العذب الزلال النقاخ». فكانت تفرغ تلك الفسقية فى سرب من رصاص يخرج إلى موضع وضوء كان عند باب الصفا، وفى بركة كانت فى السوق، وكان الناس لا يقفون على تلك الفسقيّة، ولا يكاد أحد يقربها، وكانوا على شرب ماء زمزم أحرص، وفيه أرغب، فصعد خالد المنبر، وأنّب الناس وأقذع فى كلامه. فلم تزل البركة حتى هدمها داود بن على بن عبد الله بن عباس (١) فى خلافة أبى العباس السفّاح وصرف العين إلى بركة بباب المسجد، وبقى السرب من الرصاص حتى قدم بشر الخادم من بغداد إلى مكة فى سنة ست وخمسين ومائتين فعمل القبة بجانب الشراب، وأخرج قصب خالد فجعلها فى سرب الفوّارة التى يخرج منها الماء إلى حياض زمزم، فتصب فى هذه البركة. * * * هشام بن عبد الملك بن مروان استخلف بعد موت أخيه يزيد بن عبد الملك لليال بقين من شعبان سنة خمس ومائة، فقام فى الخلافة تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وأحد وعشرين يوما، وقيل ثمانية أشهر ونصف. وحجّ فيها مرة واحدة سنة ست ومائة، وكتب له أبو الزناد (٢) سنن الحج، قال أبو الزناد: «لقيت هشاما، فإنى لفى الموكب إذ لقيه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان، فسار إلى جنبه، فسمعته يقول له: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين، وينصر خليفته المظلوم، ولم يزالوا يلعنون فى هذه المواطن أبا تراب، فإنها مواطن صالحة، وأمير المؤمنين ينبغى له أن يلعنه فيها؛ فشق على هشام قوله، وقال: ما

стр. 103

قدمنا لشتم أحد ولا للعنه، قدمنا حجاجا؛ ثم قطع كلامه، وأقبل علىّ فسألنى عن الحج، فأخبرته بما كتبت له»، قال: «وشق على سعيد أنى سمعته تكلم بذلك، فكان منكسرا كلما رآنى». وكلم إبراهيم بن محمد بن طلحة هشاما وهو فى الحجر بمكة، فقال له: «أسألك بالله وبحرمة هذا البيت الذى خرجت معظما له إلا رددت علىّ ظلامتى؟ »؛ قال: «أى ظلامة؟ »، قال: «دارى» قال: «فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟ »، قال: «ظلمنى»، قال: فالوليد وسليمان؟ »، قال: «ظلمانى»، قال: «فعمر؟ »، قال: «يرحمه الله، ردها علىّ»، قال: «فيزيد بن عبد الملك؟ »، قال: «ظلمنى وقبضها منى بعد قبضى لها، وهى فى يدك»، قال هشام: «لو كان فيك ضرب لضربتك»، فقال: «فىّ والله ضرب بالسيف والسوط»؛ فانصرف هشام، وقال لمن معه: «كيف سمعت هذا اللسان؟ »، قال: «ما أجوده! »، قال: «هى قريش وألسنتها، ولا يزال فى الناس بقايا، ما رأيت مثل هذا». ولم يحج بعد هشام أحد من بنى أمية وهو خليفة. والله المعين الهادى إلى طريق الرشاد. * * * ثم كانت دولة بنى العباس وأول من حج منهم وهو خليفة: أبو جعفر المنصور (١) واسمه: عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، أمير المؤمنين العباسى الهاشمى، بويع له بعد موت أخيه أبى العباس السفاح عبد الله ـ وهو بطريق مكة ـ سنة ست وثلاثين ومائة، فقدم الكوفة. ثم حج فى سنة أربعين ومائة، فأحرم من الحيرة، ولما قضى حجه توجه إلى بيت المقدس، وسار منها إلى الرقة، ومضى إلى هاشمية الكوفة. وحج ثانيا سنة أربع وأربعين ومائة؛ فلما حج بالناس ورجع لم يدخل المدينة، ومضى إلى الربذة، وأحضر بنى حسن بن على إليه فى القيود والأغلال، فسار بهم إلى الكوفة، وعتى عتوا كبيرا فى ظلمهم.

стр. 104

ثم حج بالناس فى سنة سبع وأربعين ومائة. وحج رابعا فى سنة ثمان وأربعين ومائة. وحج خامسا سنة اثنتين وخمسين. وسار فى سنة أربع وخمسين إلى الشام وبيت المقدس. ثم سار فى سنة ثمان وخمسين ومائة من بغداد إلى الكوفة؛ ليحج، واستخلف ابنه المهدى (١)، ووصاه وصية بليغة جّا، لولا طولها لذكرتها، وودعه وبكى، وأعلمه أنه ميت فى سفره هذا، ثم سار إلى الكوفة، وجمع بين الحج والعمرة، وساق الهدى وأشعره وقلده لأيام خلت من ذى القعدة، فعرض له ـ وهو سائر ـ وجع اشتد به حتى مات فى بئر ميمون خارج مكة لست خلون من ذى الحجة؛ فكتم الربيع الحاجب موته حتى بايع المهدى. فكانت خلافة أبى جعفر اثنتين وعشرين سنة تنقص أياما قد اختلف فى عدتها. واتفق أنه لما نزل آخر منزل بطريق مكة نظر فى صدر البيت فإذا فيه بعد البسملة: أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لابد واقع أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم من حر المنيّة مانع فأحضر متولى المنازل، وقال له: «ألم آمرك الله أن لا يدخل المنازل أحد من الناس»، وكانت الخلفاء يبنى لهم فى كل منزلة ينزلونها بطريق مكة دار، ويعد لهم فيها سائر ما بحتاج إليه من الستور والفرش والأوانى وغير ذلك فقال: «والله ما دخله أحد منذ فرغ»، فقال: «اقرأ ما فى صدر البيت»، فقال: «ما أرى شيئا»؛ فأحضر غيره، فلم ير شيئا، فقال: «يا ربيع، قف بينى بين الحائط»، فقام الربيع بينه وبين الجدار، فرأى البيتين كما كان يراهما قبل وقوف الربيع، فعلم أنه قد نعيت إليه نفسه؛ فقال: «يا ربيع، اقرأ آية من كتاب الله»، فقرأ: «وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون» فأمر به فضرب ورحل من المنزل، وتطير، فسقط عن دابته فاندق ـ عنقه ـ وقيل: بل مات من مرضه، ودفن ببئر ميمون. ومن بديع ما يحكى عنه: أنه لما حج وأشرف على المدينة النبوية ترجّل الناس له لما استقبلوه، إلا محمد بن عمران ـ قاضى المدينة ـ فقال المنصور: «يا ربيع، ما له لا يترجل لى؟ يتجالد علىّ ويمتنع مما فعله بنو عبد المطلب وبنو على، فلم ينزل إلى الأرض لما بصر بى؟ »، فقال الربيع: «يا أمير المؤمنين، لو رأيته على الأرض لرحمته ورثيت له من ثقله وعظمه»، فأمره بالدنو منه، فدنا منه راكبا عند تمهيد الربيع له العذر، فسأله عن حاله، ثم قال: «يا ابن عمران، أيما رجل أنت؟ لولا خصال فيك ثلاث كنت أنت الرجل،

стр. 105

فقال: «وما هن يا أمير المؤمنين؟ » قال: «قعودك عن الصلاة فى مسجد رسول الله ﷺ فى جماعة، فتصلى وحدك، والثانية أنك لا تكلم أحدا فى الطريق تيها وعظمة، والثالثة أنك رجل بخيل فيك ضيق شديد». فقال: «يا أمير المؤمنين: أما الأولى فإنى أكره أن أصلى بصلاة الإمام، فما يدخل من فسادها أعظم عندى من تركى إياها لشغل، وإنى لا أدرك معهم ركوعا ولا سجودا، فأرى أن أصلى وحدى أفضل، وأما الثانية: «فإنى قاض، ولا يجوز أن أعطى من نفسى التسليم عليهم والابتذال لنفسى، فيكون فى ذلك مفسدة للخصوم، وأما الثانية: فإنى لا أجمد ولا أذرب فى باطل». قال: «خرجت منهن يا بن عمران؟ ! يا ربيع: ادفع إليه ثلاثة آلاف درهم». قال: «يا أمير المؤمنين: بالباب مستعدون عليك يذكرون أن فى يدك حقا من دار كذا»، قال: «فأنصفهم منى»، قال: «وكّل وكيلا يقوم مقامك، أو أحضر معهم مجلس القضاء»، قال: «قد وكّلت الربيع»، قال: «أشهد على وكالتك إياه عيسى بن على، والعباس بن محمد (١) ففعل، ثم أخرج حدود الدار التى ينازعون فيها، ودعا بالربيع وخصمائه، وأحضر شهادته على الوكالة وأنفذها، ثم سأل القوم عن دعواهم وشهودهم، ثم قضى لهم عليه. واستعدى أيضا الجمّالون على المنصور بالمدينة، فقال القاضى محمد بن عمران للشبلى: «اكتب إليه فى ذلك»، فأبى عليه، وقال: «تعفينى»، فقال: «لتكتبن»، فكتب، فلما استتم الكتاب وختمه، قال له: «لا يمضى به سواك»، فمضى، ووافى إلى باب المنصور، وسلم الكتاب إلى الربيع، فأوصله إلى المنصور، فقرأه. وعاد الشبلى إلى محمد بن عمران، فعرّفه أنه سلّم ما كتب إلى الربيع، فأوصله، فقرأه المنصور وأجاب إلى الحضور. ثم خرج المنصور مؤتزرا ببردة، مرنديا بأخرى، ومشى إلى أن قارب مجلس محمد بن عمران، ووقعت عينه عليه ـ والربيع بين يديه ـ فقال له: «يا ربيع، نفيت عن العباس، لئن تحرك محمد بن عمران عن مجلسه هيبة لى، ولا ولى ولاية أبدا»، ثم صار إلى محمد ابن عمران، فلما رأى المنصور وكان أطلق ردائه على عاتقه، ثم احتبى، ودعى بالخصوم فحكم لهم عليه، وأمره بإنصافهم.

стр. 106

وانصرف أبو جعفر، وأمر الربيع بإحضار محمد بن عمران، فلما دخل عليه قال له: «يا بن عمران: جزاك الله عن دينك، وعن نبيك، وعن هيبتك، وعن خليفتك أحسن الجزاء»، وأمر له بعشرة آلاف درهم. * * * المهدى أبو عبد الله محمد ابن أبى جعفر عبد الله بن محمد المنصور، أمير المؤمنين، ولى بعد وفاة أبيه، بعهد إليه، فقام فى الخلافة عشر سنين وتسعة وأربعين يوما. وحجّ فى سنة ستين ومائة، واستخلف ببغداد ابنه موسى ومعه خاله يزيد بن منصور، وحجّ معه ابنه هارون بن محمد (١) فى جماعة من أهله. فلما قدم مكة نزع الكسوة عن الكعبة عند ما رفع إليه سدنة البيت أنهم يخافون على الكعبة أن تنهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، فوجد كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين، وكانت الكسوة لا تنزع من الكعبة فى كل سنة كما هو العمل الآن، بل تلبس كل سنة كسوة فوق تلك الكسوة، فلما تكاثر العهد ذلك خافت السّدنة على الأركان أن تنهدم لثقل ما صار عليها من الكسوة. وكانت كسوة الكعبة تعمل من الديباج المذهب. وأنفق المهدى فى هذه الحجة مالا عظيما قدم به معه من العراق، يبلغ ثلاثين ألف ألف درهم، سوى ما وصل إليه من مصر، وهو مبلغ ثلاثمائة ألف دينار عينا، ومن اليمن مبلغ مائتى ألف دينار عينا، فرّق ذلك كله، ومعه مائة ألف وخمسون ألف ثوب. ووسّع مسجد رسول الله ﷺ ، وأخذ خمسمائة من الأنصار جعلهم حرسا له، وأقطعهم بالعراق الإقطاعات، وأجرى عليهم الأرزاق. وحمل محمد بن سليمان (٢) الثلج إلى مكة، وهو أول خليفة حمل إليه الثلج إلى مكة.

стр. 107

وأمر ببناء القصور بطريق مكة أوسع من القصور التى بناها السفّاح، وأمر باتخاذ المصانع (١) فى كل منها، وتجديد الأميال وحفر الرّكايا (٢). وبعث ابنه موسى الهادى فحجّ بالناس سنة إحدى وستين وأمر فى سنة ست وستين ومائة بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن ـ بغالا وإبلا ـ ولم يكن هناك بريد قبل ذلك. وحكى محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: «رأيت فيما يرى النائم ـ فى آخر سلطان بنى أمية ـ كأنى دخلت مسجد رسول الله ﷺ فرفعت رأسى، فرأيت الكتاب الذى فى المسجد بالفسيفساء، فإذا فيه: مما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، إذا قائل يقول: يمحى هذا الكتاب ويكتب مكانه اسم رجل من بنى هاشم يقال له محمد، قلت: فأنا من بنى هاشم واسمى محمد، فابن من؟ قال: ابن عبد الله، قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن محمد، قلت: فأنا ابن محمد، فابن من؟ قال: ابن على، قلت: فأنا ابن على، فابن من؟ قال: ابن عبد الله، قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن عباس، فلو لم يبلغ العباس ما شككت أنى صاحب الأمر». فتحدث بها ذلك الزمان، ونحن لا نعرف المهدى، حتى ولى المهدى، فدخل مسجد رسول الله ﷺ فرأى اسم الوليد، فقال: «أرى اسم الوليد إلى اليوم؟ » فدعا بكرسى، فألقى فى صحن المسجد، وقال: «ما أنا ببارح حتى يمحى ويكتب اسمى مكانه»، ففعل ذلك، وهو جالس. وطاف بالبيت مرة ليلا، فسمع أعرابية تقول: «قومى مقترون، ونبت عنهم العيون، وفدحتهم الديون، وعضّتهم السنون، فبادت رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثرت عيالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق، وصية الله، ووصية الرسول، فهل من آمر لى بخير كلأه الله فى نفسه وخلفه فى أهله»، فأمر لها بخمسمائة درهم. * * * هارون الرشيد ابن محمد بن أبى جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس رضى الله عنهم. بويع بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادى فى ليلة الجمعة النصف من ربيع الأول ـ

стр. 108

وقيل لأربع عشرة خلت منه ـ سنة سبعين ومائة، فأقام فى الخلافة ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما، يغز وسنة ويحج سنة، فحج تسع حجج، ولم يحج بعده خليفة من بغداد. فأول ما حج وهو خليفة سنة سبعين وقسّم فى أهل الحرمين عطاء كثيرا، وقيل إنه غزا أيضا فيها بنفسه. وحجّ ثانيا فى سنة ثلاث وسبعين، وأحرم من بغداد. وحجّ بالناس سنة أربع وسبعين، وقسّم فى الناس مالا كثيرا. ثم حجّ فى سنة سبع وسبعين، وخرج عليه الوليد بن طريف (١) الشارى ـ أحد الخوارج من بنى تغلب ـ بنصيبين، وأخذ أرمينية وحصر خلاط، وعاث فى بلاد الجزيرة، فسيّر إليه الرشيد يزيد بن مزيد ابن زائدة الشيبانى ـ وهو ابن أخى معن بن زائدة (٢) ـ على العسكر، فلم يزل يحاربه حتى قتله، وفيه تقول أخته ليلى بنت طريف (٣) ترثيه بالأبيات المشهورة التى منها قولها: فيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تجزع على ابن طريف الأبيات: فاعتمر الرشيد فى شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة. وشكر الله تعالى على قتل الوليد، وعاد إلى المدينة فأقام بها الى وقت الحج بالناس، ومشى من مكة إلى منى إلى عرفات، وشهد المشاعر كلها ماشيا، ورجع على طريق البصرة، ولا يعرف من ملوك الدنيا ملك حج ماشيا سوى ملكين هرقل بن هرقل بن انتونيس ـ من أهل صلوقيا ـ حجّ من حمص إلى إيليا ـ التى هى بيت المقدس ـ ماشيا، ووافاه كتاب رسول الله ﷺ فى سفرته هذه يدعوه إلى الإسلام ـ كما وقع فى الصحيحين وغيرهما ـ والملك الثانى هارون الرشيد. وذكر محمد بن حزم فى كتاب «جمهرة الأنساب» أن موسى الهادى بن محمد المهدى كان له أم ولد تسمى «أمة العزيز»، تزوجها أخوه هارون من بعده، وهى التى كان

стр. 109

حلف الرشيد لأخيه بالمشى إلى الكعبة، أن لا يتزوجها، فلما مات الهادى تزوجها، ومشى راجلا من بغداد إلى مكة ـ وهو خليفة ـ فولدت له عليّا، وكان أقبح الناس صورة. ولما دخل الرشيد مكة وهو خليفة كان يطرح له الرمل حول البيت ومقدار عرضه ذراعان، ويرشّ بالماء، ويقوم الحرس بينه وبين الناس، وكان يطوف بين المغرب والعشاء ثلاثة عشر أسبوعا، ولا يطيق ذلك أحد ممن كان معه، وكان إذا سعى شمر إزاره وجعل له ذنبين، فكان يفتن من يراه. وكذلك حجّت زبيدة أم جعفر بنت جعفر بن أبى جعفر ـ زوج هارون الرشيد ـ ماشية أيضا، وكانت حجة عظيمة، غير أن ذكرها ليس من شرط هذا الجزء، فلذلك تركت ذكرها. وحجّ الرشيد أيضا بالناس فى سنة إحدى وثمانين ومائة. وحجّ فى سنة ست وثمانين ومائة من الأنبار، ومعه ابناه عبد الله المأمون ومحمد الأمين، فبدأ بالمدينة فأعطى فيها ثلاث أعطيات، وأعطى هو عطاء، وكل من ولديه عطاء، وسار إلى مكة فأعطى أهلها ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وكان قد ولىّ الأمين العراق والشام إلى آخر المغرب، وجعله ولىّ عهده، وضّم إلى المأمون من همذان إلى آخر المشرق، وعهد إليه بعد الأمين، ثم بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون، ولقّبه المؤتمن، وضّم إليه الجزيرة والثغور والعواصم، فجمع بمكة القضاة والفقهاء، وكتب كتابا أشهدهم فيه على الأمين بالوفاء للمأمون وكتب كتابا أشهدهم فيه على المأمون بالوفاء للأمين، وعلق الكتابين بالكعبة، وقد ذكرت خبر ذلك مبسوطا فى ترجمة المأمون من «تاريخ مصر الكبير المقفا»، فإنه قدم مصر فى سنة سبع عشرة ومائتين، وفى عود الرشيد من هذه الحجة نكب البرامكة النكبة المشهورة بالأنبار سلخ المحرم سنة سبع وثمانين ومائة ثم حجّ الرشيد سنة ثمان وثمانين راجلا، وقسّم أموالا كثيرة وهى آخر حجة حجّها. وكان إذا حجّ حجّ معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، فإذا لم يحج أحجّ ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الظاهرة الفاخرة، ولم ير خليفة قبله أكثر عطاء منه، وقيل لو قيل للدنيا: متى أيام شبابك، لقالت: أيام هارون الرشيد. ومن فضائل الرشيد ما أخرجه الحافظ أبو نعيم فى «كتاب الحلية»: «حدثنا سليمان

стр. 110

ابن أحمد ـ يعنى الطبرانى (١) ـ أخبرنا محمد بن زكريا الغلابى (٢)، أخبرنا أبو عمر الحرمى النحوى، أخبرنا الفضل بن الربيع (٣)، قال: حجّ أمير المؤمنين ـ يعنى هارون الرشيد ـ فأتانى، فخرجت مسرعا، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلىّ أتيتك، فقال: ويحك، قد حاك فى نفسى شئ، فانظر لى رجلا أسأله، فقلت: هاهنا سفيان بن عيينة (٤) فقال: امضى بنا إليه، فأتيناه، فقرعت الباب، فقال: من ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعا، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلىّ أتيتك، فقال له: خذ لما جئناك له، رحمك الله، فحدّثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: أبا عباس، اقض دينه. فلما خرجنا، قال: ما أغنى عنى صاحبك. انظر لى رجلا أسأله، قلت هاهنا عبد الرزاق بن همام (٥)، قال: امضى بنا إليه، فأتيناه، فقرعت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إلىّ أتيتك، فقال: خذ لما جئناك له، فحادثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: أبا العباس، قض دينه. فلما خرجنا، قال: ما أغنى عنى صاحبك شيئا، انظر لى رجلا أسأله، قلت: هاهنا الفضيل بن عياض (٦)، قال: امض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلى، يتلو آية من القرآن يرددها، فقال: اقرع الباب فقرعت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، قال: ما لى ولأمير المؤمنين، فقلت: سبحان الله! أما عليك طاعة؟ أليس قد
следующие страницы →