← Тараджим

Тараджим · id 20989

العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين

التقي الفاسي

Полный текст (2 722 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فسعى لأبى البركات ابنه فى القضاء وغيره من الوظائف، يبذل فيما قيل، فأجيب سؤاله. ثم فطن الأعيان بمصر لذلك فأنكروه، وأعيد القاضى جمال الدين. وكان ابن أبى البركات، قد أرسل لأبيه بالتوقيع المنسوخ، وعرفه بعود القاضى جمال الدين. فذكر ذلك أبو البركات للناس، وتوقع أن توقيع القاضى جمال الدين بعوده وصل إليه، ثم عرف أن هذا التوقيع لم يصل، فندم على إخباره بعزل نفسه، وذلك فى ربيع الآخر سنة أربع عشرة وثمانمائة، وقويت الوحشة بينه وبين القاضى جمال الدين بعد ذلك. فلما كان المحرم، سنة ست عشرة وثمانمائة، حصل بينهما صلح بسعى بعض جماعة أمير مكة، وحضر الأمير هذا الصلح، ودخل فيه ابن القاضى جمال الدين، وصهره القاضى الحنبلى بمكة. وكان أبو البركات قد حلف بالطلاق من زوجتيه، أنه لا ينوب عن القاضى جمال الدين، فألزمه الساعى فى الصلح بمخالعتها، ففعل ذلك، وناب عن القاضى جمال الدين، وجدد عقده على زوجتيه، وحكم بعدم طلاقهما حاكم يرى أن اليمين لا تعود بعد الطلاق، إذا وقع المحلوف عليه فى العصمة الثانية. وتوالفا ظاهرا لا باطنا، ثم حصل بينهما بعد أيام الحج من هذه السنة منافرة، ثم اجتمعا وتوالفا، حتى مات القاضى جمال الدين، فى رمضان سنة سبع عشرة وثمانمائة. وكان من خبر القاضى أبى البركات بعد ذلك ما سبق ذكره. ومات بمكة معزولا، فى ليلة الأربعاء الثانى والعشرين من ذى الحجة، سنة عشرين وثمانمائة، بعلة ذات الجنب، ودفن فى صبيحتها بالمعلاة، وخلف عدة أولاد، ودنيا من العقار والنقد، وغير ذلك. وقد ناب فى الحسبة بمكة، عن جده لأمه، القاضى شهاب الدين أحمد بن ظهيرة، الآتى ذكره. ٣٩٦ ـ محمد بن محمد بن سالم بن على بن إبراهيم الحضرمى ألأصل، المكى المولد والدار، يلقب بالضياء، ويعرف بابن سالم: سمع بالمدينة على الزبير بن على الأسوانى: الشفاء للقاضى عياض، عن ابن تامتيت

стр. 772

عن ابن الصائغ، عنه، وعلى الجمال المطرى، وخالص البهائى: الإتحاف، لأبى اليمن بن عساكر عنه، وعلى علىّ بن عمر الحجار، عدة أجزاء من مروياته، وأجاز له هؤلاء الشيوخ، وجماعة من مكة منهم: عيسى الحجى، والزين الطبرى، والآقشهرى، وحدث ببعض الشفاء بالقاهرة. سمع منه بها أخى شقيقى المفتى عبد اللطيف، وصاحبنا المحدث شهاب الدين الكلوتاتى. ولم أسمع منه قصدا، لكنه أجاز لى باستدعائى فى مبدأ الطلب، والله يغفر له. وكان سكن القاهرة مدة سنين، مستوطنا لها فى أواخر عمره، وبها توفى سحر يوم الجمعة، السادس والعشرين من شعبان، سنة سبع وثمانمائة. ودفن بتربة الصوفية خارج باب النصر. وقد بلغ الثمانين أو جاوزها بيسير، ولم يكن يحرر تاريخ مولده، إلا أنه يتحصل من كلامه ما ذكرناه. ٣٩٧ ـ محمد بن محمد بن سعيد بن عمر بن على الصغانى، العلامة ضياء الدين الهندى الحنفى: هكذا وجدت نسبه بخطه فى ثبت له ذكر فيه: أنه سمع على الجمال المطرى: صحيح البخارى عن أبى اليمن بن عساكر، والتوزرى، وقرأ عليه: صحيح مسلم، عن الحافظ الدمياطى، والتوزرى، وجامع الترمذى وغير ذلك، وعلى القطب ابن المكرم: الموطأ رواية يحيى بن يحيى، عن العفيف الدلاصى، ولبس منه الخرقة، وذلك فى عشر الأربعين وسبعمائة، بالمدينة النبوية. وقد سمع بها من أبى الحسن على بن عمر بن حمزة الحجار: عدة أجزاء، وحدث عنه بالخلعيات، وسمع بالقاهرة من بدر الدين الفارقى، وغيره من أصحاب النجيب الحرانى. ولى منه إجازة باستدعاء شيخنا ابن سكر. وكان أقام بالمدينة مدة سنين، يدرس ويفتى ويتاجر، ثم حصل بينه وبين أميرها جماز ابن منصور، منافرة لطلبه منه مالا، وتوقف الضياء فى تسليمه، فسجن فى الجب بالقلعة، ثم أطلق، وحصل بينه وبين أميرها جماز بن منصور منافرة أيضا؛ لأن جمازا اجتمع مع الضياء وغيره من علماء المدينة بالروضة، ووقع من جمازا كلام سيئ فى حق أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، فكفره الضياء لذلك، فقال له جماز: تكفرنى؟ . فقال له: نعم، ثم تخوف الضياء وهرب من المدينة إلى ينبع، فاستجار بأميرها أبى الغيث فأجاره، ومنع منه الطلب، وأخفاه وأعانه على الوصول إلى مصر.

стр. 773

وأنهى الضياء ما وقع من جماز إلى الدولة، فرسم بقتل جماز، فقتل لما حضر لخدمة المحمل، وبعد قتله نهبت دار الضياء بالمدينة. وأخذ له دفين، وهو أربعمائة الف درهم فيما قيل، وغير ذلك. وكانت له بنت كبيرة تعلم حاله، فأوذيت حتى سعت فى هلاك نفسها، للراحة من العذاب. وسكن الضياء بعد ذلك مكة، وتولى تدريس الحنفية، الذى قرره بمكة الأمير يلبغا الخاصكى الأتابكى، وباشره فى شوال سنة ثلاث وستين. واستمر مستوطنا بمكة، حتى مات بها فى يوم الجمعة الخامس من ذى الحجة سنة ثمانين وسبعمائة، ودفن بالمعلاة، وقد جاوز الثمانين فيما بلغنى، وخلف تركة أحصيت بمائة ألف درهم ونيف وثلاثين الف درهم، منها مائة ألف نقد وثمن عروض، والباقى ديون له على الناس. وكان عارفا بمذهبه وأصوله، مع مشاركة فى العربية وغيرها، وعنده لمذهبه عصبية مفرطة عيبت عليه، لما فيها من الغض من الإمام الشافعى وأتباعه. وقد سمعت شيخنا الحافظ زين الدين العراقى يقول: إنه اجتمع مع الضياء هذا، فى بيع تركة كتب بمكة، فعرض منها كتاب من تواليف الخطيب البغدادى، فزاد فى ثمنه شيخنا الحافظ العراقى، فقال له الضياء: تشترى هذا الكتاب وتزيد فيه؟ . فقال له العراقى: وإيش فى هذا؟ فقال الضياء: الخطيب قد تكلم فى أبى حنيفة، فقال له العراقى: ما تكلم فيه، وإنما ذكر كلام الناس فيه. هذا معنى ما سمعته من شيخنا الحافظ العراقى، وكثير من الحنفية يسيئون القول فى الخطيب، وأفرط بعضهم فى ذلك؛ لأنه بلغنى عن بعض الفضلاء من قضاة عصرنا الحنفية، ما معناه، أنه قال: وا عجبا لأهل الحديث، كيف يحتجون بالخطيب، وقاضى القضاة شمس الدين الحريرى قد أسقطه. انتهى. فاعجب لهذا الزلل، ونسأل الله السداد فى القول والعمل. ٣٩٨ ـ محمد بن محمد بن صالح بن إسماعيل، الكنانى المدنى، يلقب شمس الدين ابن شمس الدين: ولد سنة سبعين وسبعمائة بالمدينة، ونشأ بها، وحفظ كتبا فى فنون من العلم، وقرأ

стр. 774

القرآن بالروايات السبع أو ببعضها، على والده، وأذن له فى الإقرار بذلك، وسمع الحديث من قاضى المدينة بدر الدين ابن الخشاب وغيره، وأجاز له جماعة، وناب عن أخيه القاضى ناصر الدين عبد الرحمن فى الحكم والخطابة والإمامة بالمدينة النبوية. وكان ذا نباهة فى الفقه وغيره، وفيه خير وديانة. قدم مكة غير مرة للحج والعمرة، منها فى المحرم سنة أربع عشرة وثمانمائة فأدركه الأجل بها بعد قضاء نسكه، فى أول صفر، سنة أربع عشرة. ودفن بالمعلاة. ٣٩٩ ـ محمد بن محمد بن أبى بكر عبد الله بن خليل بن إبراهيم العسقلانى المكى، أبو عبد الله، المعروف بابن خليل: سمع على يحيى الطبرى، وسمع على التوزرى، والصفى، والرضى كثيرا. وأجاز له جماعة من دمشق وغيرها، من شيوخ أخيه الحافظ بهاء الدين، ما علمته حدث، وكان له اشتغال بالعلم، على ما ذكر لى شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة. ووجدت بخط الرضى الطبرى، سماعا عليه، ترجمه فيه: بالفقيه الأجل. وتوفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة بمكة، على ما أخبرنى به القاضى جمال الدين ابن ظهيرة، والشريف عبد الرحمن الفاسى. ٤٠٠ ـ محمد بن محمد بن عبد الله بن عثمان العسقلانى المكى، يكنى أبا عبد الله، ويلقب نجم الدين بن رضى الدين: توفى يوم الاثنين، الثانى من ذى القعدة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ودفن بالمعلاة. ومن حجر قبره، نقلت نسبه ووفاته، وهو بخط محمد بن بركات بن أبى حرمى، وترجمه: بالسعيد الشهيد، وترجم أباه: بالفقيه الشهيد. ٤٠١ ـ محمد بن محمد بن عبد الله بن فضالة بن عبد الله، المعروف بعلياش بن هانى بن فضالة بن حرب القرشى، العثمانى، أبو حامد بن أبى عبد الله بن أبى محمد، المكى، المعروف بابن الخادم: مولده يوم الاثنين ثانى عشر شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين وستمائة بمكة. وسمع بها على أبى الحسن بن المقير، وشعيب الزعفرانى، وابن الجميزى وابن أبى الفضل المرسى وغيرهم، وسمع بغيرها من البلاد. وحدث.

стр. 775

روى عنه أبو الفتح بن سيد الناس. وتوفى فى صفر سنة ثلاث وسبعمائة، ودفن من الغد بمقابر الصوفية بباب النصر. هكذا ذكر نسبه ووفاته ومولده، القطب الحلبى فى تاريخ مصر، وقال: كان خيرا، وأجاز لى ما يرويه، وما ذكره فى نسبه، مخالف لما ذكره شيخه الشريف أبو القاسم الحسينى، فى ترجمة أبى عبد الله بن الخادم، والد أبى حامد هذا، كما سبق ذكره، والله أعلم بالصواب. وجدت بخط أبى بكر الرحبى فى وفياته: أنه توفى فى سادس صفر، وأنه ولد سنة سبع وعشرين. ٤٠٢ ـ محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله الهاشمى، أبو الخير بن القاضى جمال الدين، المعروف بابن فهد المكى: سمع على الفخر النويرى، والسراج الدمنهورى: الموطأ، رواية يحيى بن بكير، وسألت عنه شيخنا العلامة القاضى جمال الدين بن ظهيرة، فقال: كان رجلا صالحا خيرا متعبدا. ومولده ـ تقريبا ـ سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. وتوفى فى ذى الحجة، سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ٤٠٣ ـ محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبى المكارم، يلقب بالجمال بن الضياء الحموى المكى: سمع من الفخر عثمان بن الصفى: السنن لأبى داود، ومن الجمال إبراهيم بن محمد ابن النحاس الدمشقى: مشيخة العشارى، ومن الشيخ خليل المالكى، ومحمد بن صالح الحضرمى، وغيرهم. وما علمته حدث. وسافر إلى بلاد العجم وغيرها طلبا للرزق، وحصل دنيا، وذهبت منه مرات، وتعلل بعدها حتى مات فى محرم سنة ثمان وثمانين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. أفادنى وفاته، ولده صاحبنا الوجيه عبد الرحمن. ٤٠٤ ـ محمد بن المحب محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن الصفى أحمد بن محمد ابن إبراهيم الطبرى المكى، يلقب بالجمال: ولد فى شوال سنة إحدى وستين وسبعمائة.

стр. 776

وسمع من القاضى عز الدين بن جماعة أربعينه التساعية، وعنى به أبوه بعد ذلك، فأسمعه كثيرا من الجمال محمد بن أحمد بن عبد المعطى، والكمال بن حبيب الحلبى، وغيرهما، وحدث. سمعت منه بنخلة بمسجد التنضب منها، بعض الأربعين التساعية، وهو الحديث الحادى والثلاثون والثانى والثلاثون منها. وكان يؤم بمسجد التنضب ويخطب به، ويتولى عقد الأنكحة، نيابة عن قضاة مكة بعد أبيه. وتوفى فى سادس المحرم سنة خمس عشرة وثمانمائة بالتنضب. ٤٠٥ ـ محمد بن أبى الطاهر بن عبد الرحمن بن أبى الفتح العمرى، المؤذن بالحرم الشريف، صدر الدين بن تاج الدين: سمع من الفخر التوزرى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، ومن الرضى الطبرى، ووالده أبى الطاهر. وأجاز له من مصر، حافظها شرف الدين الدمياطى وجماعة، باستدعاء عمه، مع جماعة من دمشق، من شيوخ البهاء بن خليل، وما علمته حدث. وأجاز لبعض شيوخنا فى استدعاء مؤرخ بسنة ست وخمسين وسبعمائة. وتوفى بقريب ذلك فى عشر الستين، وإلا ففى عشر السبعين ـ بتقديم السين على الباء ـ وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. وكان مشهورا بكثرة الأكل، وله فى ذلك أخبار. منها: أنه تعشى مع رفيق له بوادى مرّ، مرتين، حتى أظهر الشبع، ثم أكل صاعا مكيا من رطب بالليل. ومنها: أنه شرب خمسة أرطال وربع رطل بالمصرى زيتا فى حاصل الحرم. ومنها: أنه شرب بمكة سمنا، لما طالبه البائع بالظرف، ولم يصبر عليه حتى يفرغها فى منزله. وكان يؤذن بمنارة دار الندوة، وأظنه تلقاها عن أبيه، رحمهم الله تعالى.

стр. 777

٤٠٦ ـ محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن على، الحسنى الإدريسى، أبو عبد الله الفاسى: نزيل مكة. سمع بمصر من القطب القسطلانى: جامع الترمذى، وعوارف المعارف للسهروردى، وكتاب الفصول، فى أخبار الشيخ أبى عبد الله القرشى وغيره من المشايخ، جمع الشيخ أبى العباس القسطلانى، وارتقاء الرتبة فى اللباس والصحبة، من تأليفه هو، وفضائل جامع الترمذى، تخريج الحافظ أبى القاسم الإسعردى، من مروياته، بحضور مخرجه، وغير ذلك، وعلى العز عبد العزيز بن عبد المنعم الحرانى: صحيح البخارى، وعلى غازى بن أبى الفضل الحلاوى الغيلانيات، وعلى الفضل بن نصر بن رواحة الأنصارى مشيخته، تخريج أبى القاسم الإسعردى، وأربعين فى فضل الأنصار ببلبيس (١)، وعلى أبى غالب هبة الله بن غالب السامرى البغدادى جزء البانياسى بالحرم الشريف فى العشرين من ذى الحجة، سنة ست وثمانين وستمائة، عن أبى الوقت محاسن بن عمر الحراسى عن أبى بكر بن الزاغونى عن البانياسى بسنده، وسمعه على غيره. وعلى أبى نصر عبد الله بن محمد بن على الطبرى، سبط سليمان بن خليل: «اليقين» لابن أبى الدنيا، عن ابن المقير وغير ذلك، وعلى أخيه المفتى عماد الدين عبد الرحمن محمد بن الطبرى، فى محرم سنة سبع وثمانين بالحرم. ومن هذا العام، استوطن مكة، وسمع بها على جماعة من شيوخها مع أولاده. وعلى العز الفاروثى: مسند الشافعى، فى محرم سنة تسع وثمانين وكتب عن جماعة، وصحب جماعة من العلماء والصالحين، وأخذ عنهم، وصار قدوة فى العلم والعمل. وحدث، سمع منه حماعة من الأعيان، منهم: المحدث عز الدين يوسف بن الحسن الزرندى؛ نزيل الحرم النبوى، ومات قبله، والحافظ قطب الدين الحلبى، سمع منه بيتين بمصر، عن ناظمهما أبى الحسن على بن إبراهيم التجانى ـ بتاء مثناة من فوق مشددة وجيم ـ وهما:

стр. 778

بينى وبين خطوب الدهر ملحمة ... سيف القناعة فيها قائم بيدى متى دهانى من دهمائها عدد ... هززته فانثنت مهزومة العدد وذكره فى تاريخه بمصر، وقال: كان خيرا صالحا، دينا. اجتمعت به بمصر وبمكة، ودعا لى، وانتفعت ببركته. انتهى. وسمعت شيخنا العلامة تقى الدين عبد الرحمن بن أبى الخير بن أبى عبد الله الفاسى، يقول: سمعت الشيخ خليل بن عبد الرحمن المالكى، يثنى على الشريف أبى عبد الله الفاسى ثناء بليغا، ويذكر له كرامات. منها: ما حدثنى به شيخنا الشريف تقى الدين المذكور، وكتبت عنه: أنه سمع الشيخ خليل المالكى يقول: أساء شخص على الشريف أبى عبد الله الفاسى إساءة بليغة بالمسجد الحرام، فلم يخرج المسئ من المسجد، حتى عرض له داء؛ مات به سريعا. ومنها: ما حدثنى به شيخنا الشريف تقى الدين أيضا، قال: سمعت الشيخ خليلا يقول: كان الشريف أبو عبد الله الفاسى، أسند وصيته إلى الشيخ أبى عبد الله بن الحاج، مؤلف «المدخل» فاجتمع ابن الحاج بعد موت الشريف أبى عبد الله الفاسى، بجماعة من الأعيان، من التجار وغيرهم، وسألهم فى عمل دائرة لقضاء دين الشريف أبى عبد الله؛ لأنه كان فقيرا. فرأى ابن الحاج، الشريف أبا عبد الله الفاسى فى المنام، فقال له: بع تركتى، واقض دينى. فأعرض ابن الحاج عن هذه الرؤيا، وعدها من حديث النفس، وقال: ما عسى أن تكون تركته فى دينه، وهو فقير وغريب، وصمم على عمل الدائرة. فرآه فى المنام ثانية، فقال له: بع تركنى. ثم رآه الثالثة، وقال له: ما لك ولدينى، بع تركتى واقض دينى. فعرف أنها رؤيا حق، فجمع ابن الحاج الناس، ليبيع تركته، فبيعت بأوفى الأثمان، حتى إن إبريقه الفخار، بيع بثلاثمائة وستين درهما، وسبحته بألف درهم، وكانت ألف حبة، تفرقها الناس، وبيع صاع، مقدر على صاع النبى ﷺ بمائة وثمانين. قال الشيخ خليل: وصار لى بهذا الثمن، فقضى الله ببركته دينه من تركته، وفضلت منها فضلة لورثته. وكانت وفاته يوم الخميس السابع والعشرين من صفر، وقيل: ثامن عشر منه، من سنة تسع عشرة وسبعمائة بمصر، ودفن بالقرافة، عند الشيخ أبى محمد بن أبى جمرة، وكان قدومه من مكة إلى مصر ليتداوى من مرض عرض له، وهو ضيق النفس، فأدركه الأجل.

стр. 779

ولم أدر متى كان مولده؛ إلا أنى وجدت بخطه ما يقتضى، أنه كان بالغا فى سنة ثلاث وسبعين، ودخل الديار المصرية فى آخر رمضان سنة ثمانين، وحج سنة إحدى وثمانين، وعاد إلى مصر، ثم جاء إلى مكة سنة ست وثمانين، فاستوطنها. وقد رأيت أن أثبت هنا ما علقه جدى عن العلماء وأهل الخير، من الفوائد العلمية والشعر، ومناقب الصالحين، وشيئا مما أبداه جدى من الفوائد المتعلقة ببعض ما ذكره عن العلماء وأهل الخير، على صورة ما وجد بخطه: سمعت الشيخ أبا محمد المرجانى، بمدينة تونس، سنة ثمانين وستمائة، ﵀، يقول فى قوله ﷺ : «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله» (٢). قال، ﵀: عرف رسول الله ﷺ أمته أفضل الأزمان للدعاء، بقوله: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة» ثم رفع هممهم عن طلب مصالحهم، والاشتغال بذكر ربهم، فقال: «وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله» فإذا اشتغل العبد بذكر ربه عن طلب مصالحه، قيل له: من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين. وقال: سمعت الشيخ العارف القدوة، أبا محمد عبد الله بن محمد المرجانى، ﵀، يقول فى قوله ﵇: «إن قراءة سورة الواقعة أمان من الفاقة». قال الشيخ ﵀: سر ذلك فى السورة قوله: (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ) [الواقعة: ٥٨، ٥٩] الآية (أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) [الواقعة: ٦٣، ٦٤] الآية (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ) الآية [الواقعة: ٧١، ٧٢]. فهذه مواد الأسباب. فإذا قرأ القارئ هذه الآيات؛ وانسلخ من الالتفات إليها، واثقا بمسببها وخالقها، تيسرت له الأسباب وسيقت إليه خادمة، فلا تناله فاقة لكونه واثقا بمسبب الأسباب، لا ملتفتا إلى الأسباب. والله المستعان.

стр. 780

سمعت معنى هذا الكلام، من الشيخ رضى الله عنه بمدينة تونس، سنة ثمانين وستمائة. وقال: سمعت الإمام أبا محمد عبد الله بن محمد المرجانى يقول: وقد تكلم فى عذاب القبر. وقال ﵀: عذاب القبر بحسب تعلق النفس بالعادة. قلت: فعلى هذا، من كان أعرق فى التعلق بالعادة، كان عذاب القبر عليه أشد. وقال: وسمعته يقول فى قول الصحابى: «ومن فاتته قراءة أم القرآن، فقد فاته خير كثيرة»، يعنى فى الصلاة. قال ﵀: من فاتته لحظة مع الإمام، فقد فاته خير كثير. وقال: سمعت الشيخ الإمام أبا محمد المرجانى، ﵀، يقول فى قوله تعالى: (الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ. وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] ما من ذرة ساجدة لله فى السماء والأرض، إلا ورسول الله ﷺ ساجد معها فى مقامها. وقال: وسمعته يقول فى قوله ﷺ : «ما أخرجك يا أبا بكر؟ قال: الجوع. ما أخرجك يا عمر؟ قال: الجوع. فقال رسول الله ﷺ : وأنا أخرجنى الذى أخرجكما» (٣). قال الشيخ رضى الله عنه، قوله: «أخرجنى الذى أخرجكما». الذى: لفظ مبهم ظاهره الجوع، والمراد «الله» والله أعلم، وهو الذى أخرجه حقيقة فعبر بلفظ «الذى»

стр. 781

وهو يصدق على السبب وعلى المسبب، فشاركهم فى ظاهر الحال دفعا للوحشة الواقعة فى ذكر الجوع. قلت: وهذا من معالى الأخلاق وكريم الشيم، وهو من معنى قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء: ٢١٥]. وقال: سمعت الشيخ الصالح أبا محمد عبد الله بن عمران البكرى، بمدينة رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول: سمعت شيخنا أبا محمد عبد الله بن محمد المرجانى ﵀ يقول: لا يجوز استنباط معنى من لفظ إلا بخمسة شروط: أن لا يخل بالفصاحة، ولا بالمعقول، ولا بالمنقول، وأن يكون اللفظ يحتمله، وأن يوجد من روحانية ذلك اللفظ. قال لى صاحبنا أبو محمد عبد الله بن عمران، ﵀: قال لنا شيخنا أبو محمد المرجانى، ﵀ لما ذكر هذا الشرط الأخير ـ معنى قولنا: إنه يوجد من روحانية ذلك اللفظ، احترازا من أن يوجد من معنى يشبهه. مثاله: ماء الورد وماء النسرين، فكلاهما مشتبه، ولكن لهذا خاصية، ولهذا خاصية. وقال: سمعت شيخنا أبا محمد عبد الله بن محمد بن أبى جمرة، ﵀، يقول: من أهل الله من يطلق له الإذن فى التصرف، ومنهم من يكون إذنه المراجعة فى كل شئ. فقلت له: يا سيدى، أيهما أتم حالا؟ . فقال لى: وأين لذاذة المراجعة؟ . وقال: دخلت أنا وصاحب لى ـ سنة أربع وثمانين وستمائة فى شهر رجب ـ على الإمام تقى الدين أبى عبد الله محمد بن على بن وهب القشيرى زائرين، ونحن عازمان على السفر إلى زيارة بيت المقدس. فقال لى ولصاحبى: اذكرانى فى دعائكما، دعاء قصد وعبادة، لا دعاء عادة، فقلت له أنا: يا سيدى، ما دعاء العادة؟ قال: مثاله الحارس فى السوق يقول: لا إله إلا الله، ويرفع صوته، قصده التعريف بأنه منتبه. قال: وشبهه قول الطالب للشيخ: ويغفر الله لنا ولكم. هى عادة بين الطلبة. وقال: أنشدنى الإمام أوحد زمانه، تقى الدين محمد بن الإمام القدوة مجد الدين أبى الحسن على المذكور أعلاه ـ يعنى ابن دقيق العيد ـ لنفسه: تمنيت أن الشيب عاجل لمتى ... وقرب منى فى صباى مزاره لآخذ من عهد الشباب نشاطه ... وآخذ من عهد المشيب وقاره (٤) وأنشدنى أيضا لنفسه:

стр. 782

وما ضرنا بعد المسافة بيننا ... سرائرا تسرى إليكم فنلتقى (٥) وقال: سمعت الشيخ أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم بن عقاب الجذامى الشاطبى، نزيل تونس، بها، يقول: لما دخل الشيخ أبو مدين رضى الله عه مدينة تونس، كان يجلس فيتكلم على أصحابه، فمر عليه بعض فقهاء تونس، فجلس مع الجماعة فى المجلس، فلما فرغ الشيخ أبو مدين رضى الله عنه من كلامه، خرج ذلك الفقيه، وصار يقول: أبو مدين، أبو مدين رجل لا يحسن العربية، ويلحن فى كلامه، فصار يكثر من هذا المعنى، ثم بعد ذلك بمدة، مرّ على المجلس، فدخل فحضر مع الجماعة، فحين جلس، قال الشيخ أبو مدين رضى الله عنه: ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قطّ، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، فوقع فى نفس ذلك الفقيه، أنه مراد بذلك، فاستغفر مما كان منه. وقال بعد أن ذكر شيئا من حال ابن عقاب: وقد حضرت مع جماعة من الطلبة، فى المدة التى كان شيخنا أبو محمد المرجانى رضى الله عنه فيها فى مصر، يتكلم فى جامعها. فذكروا حديث الشيخ أبى محمد، فقال بعض الطلبة الحاضرين: هذا يلحن فى كلامه، فقلت له فى الوقت: لحنها معرب وأعجب من ذا ... أن إعراب غيرها ملحون وسمعت الشيخ أبا محمد عبد الله بن عمران البكرى يقول: سمعت رجلا من أهل تونس يعرف بابن الخارجى ـ وبنو الخارجى بيت فى تونس يعرفون بالفقه والعلم ـ يقول: كنت أجلس مع شهود تونس للتوثيق، فبينا نحن جلوس ذات يوم، إذ جاءنا الشيخ أبو الحسن الشاذلى، ومعه رجل من أصحابه يريد أن يتزوج، فأخذنا نكتب الصداق، والشيخ واقف، ﵀، فأخذ الشيخ أبو الحسن يحكى لنا من بعض أخبار الأولياء. فقلت فى نفسى: مد الشيخ الزلاقة، يعنى بذلك إنه يحب أن يكتب له الصداق بغير شئ. فلما فرغنا من كتب الصداق، أعطانا الشيخ دينارا ذهبا. وقال: الشيخ ما يمد الزلاقة. قال: فمن حينئذ صحبته وتركت ما كنت فيه. وكان إذا حكاها يبكى، ﵀. وقال: سمعت أم أبى البركات، ميمونة ابنة أبى عبد الله محمد بن ناصر ـ بمدينة

стр. 783

فاس، رحمها الله ـ تقول: كان لوالدى مخزن فيه شعير، فأصاب الناس سنة شديدة، واشتد الغلاء وكثر الضعيف. قالت لى: وكان ذلك المخزن له منفس غير بابه، فأغلق والدى باب المخزن، وكان يخرج الشعير من ذلك المنفس، وكان كل يوم يأمر أهله أن يخرجوا جانبا من الشعير، ويطحنونه، ويخبز منه بعضه خبز، وبعضه حريرة، ويجتمع الضعفاء من أول النهار. فيأمر من يفرقه عليهم. قالت: فلم يزل كذلك، إلى أن ذهب الشتاء وانجلت تلك الشدة، وتفرق الناس يأكلون من بقول الأرض، ومن أوائل فريك الزرع، وقل الطالب. قالت: فقال والدى: افتحوا هذا المخزن، واكنسوه مما بقى فيه، فقد جاء الحصاد إن شاء الله تعالى. قالت: ففتحوا المخزن، فوجدوه ما نقص منه شيئا أصلا. وقال: وكانت هذه ميمونة لنا مثل الوالدة، وكانت من خيار الناس وفضلائهم. وقال: سمعت الإمام محب الدين أبا العباس أحمد بن عبد الله الطبرى المكى يقول ـ بمكة المشرفة ـ: كنت جالسا يوما مع الجماعة المعروفين بدكتهم المعروفة بهم، عند باب إبراهيم من المسجد الحرام، فنظر أحدهم، فرأى فى الطواف فقيرا من أصحابهم، فقال لمن إلى جنبه من الجماعة: أما ترى فلانا يطوف؟ ـ على معنى الغبطة له على الطواف ـ فقال له صاحبه: إذا أردت تطوف، امش إلى السوق، وخذ مد حب، وأوقية سمن وكل وطف، من يقعد معنا ما يذكر طوافا ولا غيره. ومعنى هذه الحكاية: أن أعمالنا قلبية، لا تتقيّد بالحركات الظاهرة فى كثير من المندوبات، فإن كنت أنت ممن يحب الطواف، فكل الخبز وطف، وكن فيما أنت فيه، ولا تدخل علينا غير ما نحن فيه، فقد قالوا: نفس من ذاكر، خير من ألف ركعة من غيره. وقال: سمعت الشيخ أبا عبد الله الوشيكى ﵀ يحكى عن بعض مشايخه، أنه كان يقول: إذا أشكلت عليكم المسائل، فعليكم بالصالحين، فإنه تعالى يقول فى كتابه العزيز: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن: ١١]. ومن هدى الله قلبه، فلا إشكال معه أو عنده. قلت: وهذه الهداية أيضا والله أعلم، فى هداية خاصة، وهى فى قوله تعالى: (وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً) [مريم: ٧٦]. وقال: سمعت الفقيه أبا محمد عبد الله بن محمد بن حسن بن عبّاد أيضا، يحكى عن

стр. 784

الإمام الحافظ أبى القاسم بن زانيف، وكان من أكابر علماء زمانه بمدينة فاس، أنه كان يقول: النظر فى وجه الظالم خطيئة، واستعظام ما هو فيه، من الكبائر. ويشبه هذا الكلام، أن يكون مرويا، فإن مثله لا يدرك بالرأى. قال: وسمعت الشيخ أبا البركات المذكور، يعنى: مبارك بن على التنملى المراكشى يقول: كان أبو عبد الله محمد اللمدانى فى أول أمره، مكاسا بمدينة تونس، فلما تاب على يد الشيخ العارف القدوة، أبى محمد عبد الله بن محمد المرجانى، رحمة الله عليهم، جمع جميع ما كان عنده من الأسباب، فاجتمع من ذلك اثنا عشر ألف دينار، ودنانير الغرب، كل دينار عشرة دراهم. فحملها إلى الشيخ رضى الله عنه، فقبض الشيخ ذلك منه، ثم قال له: لابد لك من سبب تقيم به عيالك، ولا شيء معك، فردها عليه على وجه القرض بمثلها، وتسبب أبو عبد الله اللمدانى فى ذلك المال، وصار مهما فضل له شئ، حمله إلى الشيخ حتى وفى جميع المال، وتصرف فيه الشيخ، ﵀، على حسب ما يقتضيه نظره الصالح. وقال: سمعت الشيخ الصالح أبا محمد عبد الله بن محمد المرجانى ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: كنت فى حال الطلب، أنسخ كتاب: «الإكمال» للقاضى عياض، ﵀، وكنت فى حال فاقة شديدة، وكنت إذا نسخت الكراس، أعرض على نفسى: أيما أحب إليك، هذا الكراس أو وزنه دراهم؟ . فكنت أجد عندى أن الكراس أحب إلى من ذلك. وحكى ـ رحمه الله تعالى ـ هذه الحكاية، فى معرض أن العبد إذا كان مرادا بحاله زينها الحق بعينه له، حتى لا يبغى بها بدلا. وقال: سمعت شيخنا أبا بكر محمد بن محمد القسطلانى، ﵀، يقول: إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أى مفسدة (٦) وسمعته يقول: من لم يؤدبه والداه، أدبه الليل والنهار. من يخف صوله الليالى، أثر فى وجهه الغبار. انتهى. مررت يوما بمدينة فاس، بموضع يقال له حجر معدان، فرأيت براءة مطروحة فى الأرض، فقرأتها، فإذا فيها مكتوب:

стр. 785

شغلنا بكسب العلم عن مكسب الغنا ... كما شغلوا عن مكسب العلم بالوفر فصار لهم حظ من الجهل والغنا ... وصار لنا حظ من العلم والفقر وقال: جئتمانى لتعلما سر سعدى ... تجدانى بسر سعدى شحيحا إن سعدى لمنية المتمنى ... جمعت عفة ووجها مليحا وقال: أنشدنى بعض الأصحاب بمدينة رسول الله ﷺ ، ونحن فى بنى سلمة، عند بئر رومة (٧)، لبعضهم: لله قوم إذا حلوا بمنزلة ... حل الندى ويسير الجود إن ساروا تحيا بهم كل أرض ينزلون بها ... كأنهم لبقاع الأرض أمطار وقال: أخبرنى الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن عمر الزبيدى قال: أخبرنى الفقيه محمد الصمعى، وكان شيخا معمرا قد أدرك المتقدمين، قال: أخبرنى والدى أنه كان حاضرا حين أخرج الملك المسعود بن الملك الكامل، الشيخ محمد بن أبى الباطل، من بلاد اليمن، وعزم على تسفيره إلى بلاد الهند، فحضر جماعة لوداعه، فأنشده بعضهم: ليت شعرى أى أرض أجدبت ... فأغيثت بك من بعد تلف ساقك الله إليها رحمة ... وحرمناك بذنب قد سلف فوصل الشيخ إلى ثغر عدن، وتوفى بها إلى رحمة الله تعالى. فكان رحمة لأهل عدن، ﵀ ورضى عنه، ونفعنا ببركته آمين. وقال: سمعت الأخ الكريم القدوة، أبا أحمد خليفة بن عطيفة، صاحب الشيخ أبى العباس المرسى يقول: سمعت سيدى أبا العباس ـ رضى الله عنه ـ يقول: العارف هو الذى تم له السبيل إلى كل شئ. ودخلت على الشيخ أبى عبد الله الوشيكى ـ رحمه الله تعالى ـ بمنزله بمدينة فاس، مودعا له عند سفرى إلى المشرق، سنة تسع وسبعين وستمائة، فقال لى: أوصيك؟ قلت: نعم. قال: إذا قيل لك هذه مكة شرفها الله تعالى وهذا رجل من أهل الله، فابدأ بالرجل. وليتنى فعلت ما قال لى، فإنه يفوت، ومكة شرفها الله تعالى، لا تفوت.

стр. 786

قال: وسمعت الشيخ شهاب الدين أحمد بن الشيخ العارف بالله، القدوة: أبى الحسن الشاطبى ـ رضى الله عنه ـ يقول: كتب والدى، ﵀، إلى بعض أصحابه كتابا، فقال فيه: والخير يطمع فى مثله، ولا يرجى الفضل إلا من محله. قال: وسمعته يقول: لما أقام والدى بالديار المصرية، كتب إلى أصحابه بتونس: كنا عندكم نعبد الله على الصبر، ونحن فى بلد نعبد الله فيها على الشكر. وقال: وسمعته يقول ـ يعنى الشيخ سراج الدين عمر بن الشيخ مجد الدين على بن وهب القشيرى، المعروف بابن دقيق العيد ـ يقول فى مجلس تدريسه بمدينة قوص: كان والدى رحمه الله تعالى فى آخر عمره، تخرج إليه يد فى كل يوم بعد صلاة الصبح من القبلة فتصافحه، ثم ترجع. وقال: أعطانى الشيخ الصالح القدوة زين الدين محمد بن منصور الإسكندرى، عرف بابن القفاص، كتابا كتبه بخطه وناولنيه بثغر الإسكندرية، سنة ست وثمانين وستمائة، وفيه مكتوب، فذكر شيئا، ثم قال: وفى ذلك الكتاب أيضا: جاء رجل من أهل بغداد إلى الشيخ الفقيه العالم محيى الدين أبى الحسن على بن محمد القرميسينى (٨) يطلب منه إجازات لأناس من أهل بغداد. فامتنع الشيخ رضى الله عنه من إجابته لذلك. ثم أنشد رضى الله عنه: لعب دعونى نحوه ... والجد أولى بالرجال لا استجيز ولا أجي ... ز ولست أرضى بالمحال كم مظهر طلبا بح ... ق وهو يرتع فى الضلال ٤٠٧ ـ محمد بن أبى الخير محمد بن عبد الرحمن بن أبى الخير محمد بن أبى عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسنى الفاسى المكى المالكى، يكنى أبا البركات، ويلقب بالجمال: ولد فى ليلة مستهل المحرم، سنة إحدى وتسعين وسبعمائة بمكة، وبها نشأ، وحفظ مختصرات فى فنون من العلم، واشتغل بالعلم، وناب عنى فى الحكم مرتين، وولى إمامة المالكية بالمسجد الحرام، بتفويض من السلطان بمصر، لا من قاضى القضاة الشافعى بها،

стр. 787

عقيب سفر الحاج منها، فى سنة تسع عشرة وثمانمائة، فأتى مكة فى خامس ذى الحجة منها. وفى بكرة سادس ذى الحجة منها قرئ توقيعه بالإمامة، بحضرة أمير الحاج وغيره من الأعيان. وباشر الصلاة من ظهر هذا اليوم، إلى اليوم الرابع أو الخامس من جمادى الأولى، سنة عشرين وثمانمائة، لوصول توقيع شريف سلطانى من مصر، وخط قاضى القضاة بعود من كان قبله للإمامة، وهو الإمام شهاب الدين أحمد بن الإمام نور الدين على بن أحمد النويرى، وأخوه الإمام ولى الدين أبى عبد الله. وكان أبو عبد الله غائبا بمصر، وهو المرسل بولايته وولاية أخيه. وكان أخوه شهاب الدين متواريا بمكة، لأمر اقتضاه الحال، فباشر ذلك نائبهما، ولم يقدر للجمال محمد بن أبى الخير هذا، عود لإمامة المالكية، حتى توفى. وجاءه توقيع بنيابة الحكم عنى، ثم انفسخ حكمه. ومات ـ والأمر على ذلك ـ فى ليلة الاثنين سادس المحرم، سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة بمكة المشرفة، ودفن بالمعلاة فى بكرة هذا اليوم، عقيب الصلاة عليه بالمسجد الحرام، فى صحنه بقرب سقاية العباس رضى الله عنه. وكان أوصى أن لا يصلى عليه إلا خارج المسجد، عند بابه المعروف بباب الجنائز. ٤٠٨ ـ محمد بن محمد بن عبد المؤمن بن خليفة الدكالى أبو الخير بن البهاء المكى: سمع من القاضى عز الدين بن جماعة، واشتغل بالعربية على الشيخ أبى العباس بن عبد المعطى، بمكة. ثم انتقل إلى مصر، وأقام بها نحو عشرة أعوام، حتى مات فى أوائل سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، سامحه الله. وبلغنى أنه كان شديد الذكاء. ٤٠٩ ـ محمد بن محمد بن عبد المؤمن بن خليفة الدكالى، أبو الفضل بن البهاء المكى، يلقب بالكمال: ولد فى سنة أربع وستين وسبعمائة أو قبلها بقليل، وهو الظاهر، لما يأتى ذكره. وسمع على القاضى عز الدين بن جماعة بمكة، فى سنة سبع وستين وسبعمائة أربعينه

стр. 788

التساعية وغير ذلك. وأجاز له ابن أميلة، وصلاح الدين بن أبى عمر، وغيرهما من أصحاب ابن البخارى، وأحمد بن عساكر، وعمر بن القواس وغيرهم، وحدث. سمعت منه شيئا من مروياته بالإجازة عن أصحاب الفخر. سمع منه أصحابنا بقرية المبارك (١)، من وادى نخلة، وأدب الأطفال بمكتب بشير الجمدار بالمسجد الحرام مدة سنين، وعانى الشهادة، ثم الوكالة فى الخصومات وغيرها. وكان منزلا بدروس الحنفية بمكة، وكان طويلا غليظا، وأمه فاطمة بنت الشيخ يعقوب الكورانى. توفى فى أول وقت العصر، يوم الأربعاء ثامن جمادى الأولى ـ ولعله تاسعه ـ سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة بمكة. ودفن فى بكرة يوم الخميس بالمعلاة. وخلف ولدين وثلاث بنات، سامحه الله تعالى. ٤١٠ ـ محمد بن محمد بن عبد الوهاب بن إسماعيل بن صالح بن عيسى الحسنى، السبكى، يلقب بالعماد: [ ....................................................................... ] (١) وجدت بخط شيخنا الحافظ أبى زرعة بن العراقى، فى تاريخه: أنه توفى يوم الاثنين سلخ شهر رمضان سنة سبع وسبعين وسبعمائة. وذكر أنه قريب للقاضى نجم الدين حمزة بن على بن محمد بن أبى بكر بن عمر بن عبد الله بن السبكى، وترجمه: بالشريف المقرى. ٤١١ ـ محمد بن محمد بن عثمان بن الصفى أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر، يلقب بالرضى الطبرى: سمع من جده عثمان: سنن أبى داود، وعلى الزين الطبرى. وسألت شيخنا أبا بكر ابن القاسم بن عبد المعطى، فقال لى ما ملخصه: اشتغل بالعلم، وحفظ: التنبيه، والألفية، والعمدة، وعرض ذلك على الشيخ سراج الدين الدمنهورى، وكان يحضر مجلسه بعد زواجه لأخت القاضى أبى الفضل النويرى، طمعا فى الرزق.

стр. 789

وكان فى الهند شخص صحبه الرضى بمكة، يقال له: جلال الدين، حصلت له هناك شهرة، فمات هناك. انتهى. وكان توجه إلى بلاد الهند، فى سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. وورد كتابه منها إلى صهره القاضى أبى الفضل النويرى، فى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة. ومات قريبا من ذلك. وكان تزوج أخت القاضى أبى الفضل، ولازمه فى العلم مدة. ٤١٢ ـ محمد بن محمد بن عثمان بن الصفى الطبرى المكى ـ أخو الرضى السابق ـ يلقب بالصفى: سمع من جده عثمان [ .................................................... ] (١) توفى فى أثناء عشر الستين وسبعمائة، على ما وجدت بخط شيخنا ابن سكر. انتهى. وسبب موته: أن بعض من يعاشره، جب ذكره فى داره وأغلقها عليه، قاتله الله، وخفى أمره إلى أن ظهرت رائحة كريهة من داره التى قتل فيها، فتسور عليه منها، فوجد قتيلا، وقد أنتن، فغسل وكفن وصلى عليه ودفن بالمعلاة. سامحه الله تعالى. ولهما أخ اسمه أحمد ما عرفت شيئا من حاله، سوى أنه سمع من جده عثمان بن الصفى. ٤١٣ ـ محمد بن محمد بن عثمان بن موسى بن عبد الله، يلقب [ ...... ] (١) الدين بن القاضى الإمام جمال الدين بن الإمام موفق الدين الآمدى المكى: إمام الحنابلة بالحرم الشريف. سمع من والده، والجمال عبد الرحمن بن محمد بن يحيى الواسطى، والإمام أحمد بن الرضى الطبرى، وولى الإمامة تسعا وعشرين سنة ـ بتقديم التاء ـ لأنه كان خلف أباه فى الإمامة. وتوفى فى سنة تسع وخمسين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ٤١٤ ـ محمد بن محمد بن عثمان بن بنجير السميرى، الإمام أبو عبد الله: كان إمام مقام إبراهيم ﵇ بالمسجد الحرام. ذكره القطب القسطلانى، فى «ارتقاء الرتبة».

стр. 790

وذكر أنه لبس الخرقة من ناصر بن عبد الله بن عبد الرحمن العطار، كما لبسها من يد المذكور، كما لبس من شيخه إسماعيل بن الحسن. ولم أدر من حاله، سوى ما ذكرت. ٤١٥ ـ محمد بن محمد بن على الهروى: نزيل مكة. روى عن إسحاق الدبرى، وعنه أبو منصور محمد بن محمد القاضى الأزدى. توفى ـ تقريبا ـ فى عشر الستين وثلاثمائة. ذكره الذهبى فى تاريخ الإسلام، وقال: شيخ حسن. وذكر أيضا: أنه توفى فى حدود الخميسن وثلاثمائة. ٤١٦ ـ محمد بن محمد بن على الكاشغرى: هكذا نسبه القاضى بهاء الدين محمد بن يوسف الجندى، فى تاريخ أهل اليمن، تأليفه. وذكر أنه أقام بمكة أربع عشرة سنة، وصنف بها كتابا سماه «مجتمع الغرايب، ومنبع العجايب» فى أربع مجلدات. وقدم اليمن، وكان أول قدومه حنفيا، ثم صار شافعيا. وسئل عن ذلك فقال: رأيت كأن القيامة قامت، والناس يدخلون الجنة زمرة زمرة، فصرت مع زمرة منهم، فجذبنى شخص وقال: يدخل الشافعية قبل أصحاب أبى حنيفة؟ فعزمت أن أكون مع المتقدمين فقرأ «المهذب»، وكان ماهرا فى النحو واللغة والتفسير والوعظ، وكان يتظاهر بمذهب الصوفية. وحكم جماعة، ثم ترك ذلك الأمر. وابتنى رباطا فى أماكن، منها: رباط فى ساحل موزع، وكان يختلف إليه فى أيام ثماره. فنزل إليه كجارى عادته، فى سنة خمس وسبعمائة، فأدركته الوفاة هنالك: وقبر إلى وجه الفقيه صالح بن عبد الله بن الخطيب. قلت: ووجدت له تأليفا ببلاد اليمن، ذكر أنه اختصر فيه «أسد الغابة لابن الأثير». ٤١٧ ـ محمد بن محمد بن على الوخشى المعروف بكش اسفهسلار وخش: ترجم فى حجر قبره بالمعلاة بتراجم، منها: الغريب السعيد الشهيد الملكى العالمى العادلى، المؤيد المظفر المنصور، المجاهد فى سبيل الله، تاج الدولة والدين اختيار الملوك والسلاطين، ملك الأمراء فى العالمين.

стр. 791

وفى حجر قبره: أنه توفى فى العشر الأول من ربيع الأول، سنة ثلاث وعشرين وستمائة. ٤١٨ ـ محمد بن محمد بن عمر الهندى، الكابلى الحنفى: جاور بمكة مدة حتى مات بها، وسمع بها على الفخر التوزرى، والقاضى عز الدين ابن جماعة، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. وذكر لى والدى أنه كان يؤم بمقام الحنفية عن أبى الفتح الحنفى، وأنه حكم بمكة فى وقائع، نيابة عن جدى القاضى أبى الفضل النويرى، منها: فى سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة. وسألت عنه شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة. قال: كان شيخا مباركا، كتب بخطه كثيرا ووقف جملة. وكان يسكن برباط السدرة، وكان ينوب عن أبى الفتح الحنفى فى الإمامة، ومات قبله بمكة. انتهى. ٤١٩ ـ محمد بن محمد بن أبى رعون المكى: هكذا ذكر القطب الحلبى فى تاريخ مصر، وقال: سيره محمد بن عمار، قاضى الشيعة بمصر إلى أسيوط (١) مع محمد بن عبد الله بن إسحاق، والحسين بن الحسن بن عبدويه، وعبد الله بن عبد الله الكراجلى، بسبب شخص أسلم، وأقام مدة يصوم ويصلى، ثم ارتد، وأحضر إلى القاضى فى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وقال لمحمد بن محمد هذا: استتبه وعده بمائة ددينار، فان تاب ورجع، فأعطه إياها، وإلا فاضرب عنقه. قال: فجئت إليه وعرضت عليه التوبة فلم يتب، فضربت عنقه. وأقام مطروحا، ثم حمل إلى النيل فغرق. انتهى. قلت: هكذا وجدت فى النسخة التى وقفت عليها من تاريخ مصر للقطب الحلبى: سنة ثمان وخمسين، وهو وهم ـ إن لم يكن من الناسخ ـ فإن القاضى محمد بن النعمان، إنما ولى بعد أخيه أبى الحسن على، فى رجب سنة أربع وسبعين، ولا يقال: إنه كان إذ ذاك قاضيا نيابة عن أخيه؛ لأن أخاه إنما ولى بعد سنة ستين وثلاثمائة كما يأتى فيما بعد.

стр. 792

٤٢٠ ـ محمد بن محمد بن محمود الكرانى الهندى، أبو الفضل، المعروف بابن محمود الحنفى: سمع من التقى الحرازى، قاضى مكة، نحو النصف الأول من ثمانين الآجرى، وعلى القاضى عز الدين بن جماعة، والقاضى موفق الدين الحنبلى: جزء ابن نجيد، وغير ذلك على ابن جماعة وغيره. وكان أحد الطلبة بدرس يلبغا، ويعمل العمر ويعانى حرفا كثيرة. توفى فى أثناء سنة أربع وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ٤٢١ ـ محمد بن محمد بن محمود الهندى: نزيل مكة. كان يخدم الشيخ عبد الله اليافعى، ويكتب له تصانيفه، ولازمه مدة طويلة، ثم تركه، ولازم القاضى أبو الفضل النويرى، إلى أن أضرّ. وكان يقرأ عليه فى «الحاوى الصغير» ويلازم درسه ومجالسه ويخدمه، ولم يحصل شيئا. وتوفى قبل القاضى أبى الفضل بسنتين أو نحوهما شهيدا، وقع على رأسه حجر فرضخه. ٤٢٢ ـ محمد بن محمد بن مسكين، يلقب بالكمال: ذكره القطب الحلبى فى تاريخ مصر، وذكر أنه وجد بخط شيخه قطب الدين القسطلانى: أن ابن مسكين هذا، جاور بمكة سنين، ثم خرج منها فى سنة اثنتين وسبعين وستمائة. ودخل مصر، وبه مرض الاستسقاء. وتوفى بها يوم الجمعة الحادى والعشرين من المحرم من السنة المذكورة. انتهى. ووجدت مجلسا فيه فوائد الحافظ أبى بكر بن مسدى، سمعه عليه جماعة منهم: كمال الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن الحسين بن مسكين القرشى. وترجم بالفقيه الأجل، والظاهر أنه المذكور. وتاريخ السماع سادس عشر شوال، سنة إحدى وعشرين وستمائة، بالحرم الشريف، تجاه الكعبة المعظمة.

стр. 793

٤٢٣ ـ محمد ـ ويدعى نسيم ـ بن محمد ـ ويدعى سعيد ـ بن مسعود ـ المدعو بخواجه إمام ـ بن محمد بن على بن أحمد بن عمر بن إسماعيل بن الأستاذ أبى على الحسن بن على بن محمد بن إسحاق بن عبد الرحيم بن أحمد، العلامة الخير، نسيم الدين أبو عبد الله بن العلامة سعيد ال دين بن ضياء الدين النيسابورى الأصل، الكازرونى المولد والدار، الشافعى: نزيل مكة. هكذا وجدت نسبه لأبى على الدقاق، بخط بعض أصحابنا، ورأيت ذلك بخطه ـ فيما أظن ـ ذكر أنه ولد بكازرون (١) من بلاد فارس، سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. ونشأ بها، واشتغل فيها على أبيه بالعلم، وسمع منه بها بعض تصانيفه، وأنه استجاز له من الحافظ أبى الحجاج المزى وغيره من شيوخ دمشق، وأن الإجازة عنده بكازرون. سمعت منه شيئا من كتاب «المولد النبوى» الذى صنفه أبوه، وكان يرويه عنه على ما ذكر. وكان فاضلا فى العربية ومتعلقاتها، مع مشاركة حسنة فى الفقه وغيره، وعبادة كثيرة، وديانة متينة، وأخلاق حسنة. جاور بمكة سنين كثيرة تزيد على العشر، ملازما للعبادة والخير، وإفادة الطلبة. وسمع بها من شيخنا جمال الدين الأميوطى، وعفيف الدين النشاورى. ثم توجه من مكة إلى بلاده بإثر الحج، من سنة ثمان وتسعين وسبعمائة. فوصل إليها، ثم توجه إلى مكة، فأدركه الأجل باللار (٢) فى سنة إحدى وثمانمائة، ووصل خبر وفاته إلى مكة فى سنة اثنتين وثمانمائة. وكان زار المدينة النبوية فى طريق الماشى، وسهل فى طريقها أماكن مستصعبة. وفعل مثل ذلك فى جبل حراء وجبل ثور. أجزل الله تعالى على ذلك ثوابه. ٤٢٤ ـ محمد بن محمد بن المكرم بن أبى الخير رضوان بن أحمد بن القيم، يلقب بالقطب أبو بكر بن الجمال، بن الجلال، ويعرف بابن المكرم المصرى: نزيل مكة. سمع من القطب القسطلانى مجلسا له فى فضل شعبان، على ما وجدت بخط الآقشهرى. وحدث عنه به، وبصحيح ابن حبان إجازة، وسمع على أبيه «السيرة

стр. 794

لابن إسحاق» عن ابن المقير عن ابن ناصر عن الخلعى والحبال، وعلى علىّ بن نصر الله ابن الصواف مسموعه من سنن النسائى، وعلى الحجار، ووزيرة: صحيح البخارى، وعلى الرضى الطبرى بمكة صحيح البخارى، وابن حبان، وغير ذلك. كان جاور بمكة مدة طويلة، ملازما للعبادة، مطرحا للتكلف، وجاور بالمدينة النبوية أيضا، وبالقدس الشريف. ومات به فى شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة. ومولده فى سنة خمس وسبعين وستمائة، على ما وجدت بخط الآقشهرى. وكان من كتاب الأنساب بالقاهرة، فى دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحى، ثم ترك واستنجز توقيعا شريفا بأن يصرف له معلومه على ذلك، حيث كان بالمساجد الثلاثة. وجدت بخط الآقشهرى أنه كتب فى دولة المنصور قلاوون، وابنه الأشرف خليل. وذكر لى شيخنا أبو بكر بن قاسم بن عبد المعطى: أن ابن المكرم هذا، جاور بمكة أزيد من عشرين سنة، وكان يطوف مكشوف الرأس فى الحر الشديد، وكان كثير الوقيعة فى الناس، وكانت داره بمكة، المدرسة الأفضلية. ٤٢٥ ـ محمد بن محمد بن موسى، الدمشقى الشوبكى: نزيل مكة المشرفة. جاور بها سنين كثيرة على خير، وكان له بالعلم قليل عناية، وتزوج زوجة أخيه الشيخ شهاب الدين ـ الآتى ذكره ـ وولد له منها أولاد. وتوفى فى سادس عشر المحرم، سنة أربع وعشرين وثمانمائة بمكة. ودفن بالمعلاة. ٤٢٦ ـ محمد بن محمد بن منصور المصرى، الفراش بالحرم الشريف، يلقب ناصر الدين: سمع من الرضى الطبرى: صحيح مسلم، وجامع الترمذى، والسنن لأبى داود، وصحيح ابن حبان، وحدث به عنه مع ابن المكرم، فى مجالس آخرها فى ذى القعدة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ومن السامعين له عليه، العلامة شمس الدين محمد بن أبى بكر الزرعى، المعروف بابن قيم الجوزية الحنبلى. ويستفاد من هذا حياته فى هذا التاريخ.

стр. 795

٤٢٧ ـ محمد بن محمد بن ميمون الجزائرى، أبو عبد الله، المعروف بابن الفخار، لكون جدّه كان يبيع ذلك: هكذا ذكره لى صاحبنا أبو الطيب محمد بن الزين القيروانى، نزيل مصر، قال: إن أصله من الأندلس: ومولده بالجزائر من بلاد المغرب. قرأ بها القرآن والفقه، ثم انتقل إلى تلمسان (١)، وأقام بها. وثابر على قراءة العلم على جماعة من شيوخها، كقاضى الجماعة بها، أبى عثمان سعيد العقبانى مدة، ثم وصل إلى تونس، وحضر مجلس الإمام أبى عبد الله بن عرفة، وعظمه وأكرم مثواه وكان يطلب منه الدعاء، وحضر مجلس قاضى الجماعة، أبى مهدى عيسى الغبرينى. وأقام بتونس سنة أو أكثر قليلا، ثم ارتحل إلى مصر، فأقام بها أشهرا، ثم حج. وأقام بالمدينة خمسة أعوام، يؤدب الأطفال. انتهى. وأخبرنى صاحبنا الشيخ خليل بن هارون الجزائرى ـ نزيل مكة ـ غير مرة، عن شخص يقال له الحسن المرينى ـ أثنى عليه الشيخ خليل، ووصفه بصلاح وخير ـ أن الشيخ أبا عبد الله بن الفخار هذا، كان إذا لقيه قال: ما لى أراك مخروطا؟ . قال المرينى: فقلت فى نفسى: كأنه يكاشفى، فعزمت على امتحانه، وخرجت فى الليل إلى باب منزلى عريانا، واستغفرت الله تعالى، فلما أصبحت، غدوت إلى الشيخ أبى عبد الله بن الفخار، فلما رآنى أعرض عنى. قال: فقلت له: إيش جرى؟ . قال: تخرج إلى باب منزلك عريانا؟ . قال: فاستغفرت الله تعالى، وقلت: لا أعود. قال: فقال لى: لولا الأدب مع الشرع، لأخبرت ما يصنع الإنسان على فراشه؟ .

стр. 796

هذه الحكاية كتبتها من حفظى، بالمعنى الذى حدثنى به الشيخ خليل بن هارون، وفيها منقبة للشيخ أبى عبد الله بن الفخار. وكان من العلماء العاملين الصالحين الأخيار. توفى عصر يوم الخميس التاسع والعشرين من رمضان، سنة إحدى وثمانمائة، ودفن فى صبيحة يوم الجمعة ـ وكان يوم العيد ـ قبل صلاة العيد بالمعلاة، ﵀. وكان جاور بمكة من عام ثمانمائة. ٤٢٨ ـ محمد بن محمد بن يوسف الذروى، الشهير بالمصرى: الفراش بالحرم الشريف. سمع من الزين الطبرى، وعثمان بن الصفى، والآقشهرى: السنن لأبى داود، بفوت غير مضبوط، فى سنة [ ......... ] (١) وثلاثين وسبعمائة. وسمع بعد ذلك من جماعة، منهم القاضى عز الدين بن جماعة، فى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، ولم أدر متى مات، إلا أنا استفدنا حياته فى هذا التاريخ. وكان له وجاهة عند الناس بمكة، باعتبار مخالطته لبعض سلطنة مكة. ٤٢٩ ـ محمد بن محمد السبتى، الفقيه أبو عبد الله المالكى: كان يؤم المالكية نيابة. ولم أدر متى مات، إلا أنه كان حيا فى سنة عشر وسبعمائة. وفيها سمع على التوزرى بمكة، ومن طبقة السماع، استفدت هذه الترجمة. ووجدت فى تعاليق الشيخ أبى العباس الميورقى بخطه أو بخط غيره، ذكر جماعة، ترجمه: بأنه بقايا الصالحين منهم: أبو عبد الله التوزرى السقطى، نائب المالكية، له نحو عشرين سنة مجاورا. انتهى. وأظنه المذكور والله أعلم. ٤٣٠ ـ محمد بن محمد، بدر الدين أبو عبد الله بن علاء الدين، أبى عبد الله الآقصرائى الحنفى: توفى يوم الجمعة ثالث عشرى ذى القعدة سن ثلاث وسبعين وسبعمائة بمكة. ودفن بالمعلاة. ومن حجر قبره لخصت هذه الترجمة، وترجم فيه: بالشيخ العلامة مفتى المسلمين وخطيبهم، وترجم والده: بالعلامة.

стр. 797

٤٣١ ـ محمد بن محمد الجديدى المالكى، الشيخ الصالح أبو عبد الله القيروانى: كذا ذكره صاحبنا أبو الطيب بن أبى الزين القيروانى. وقال فيما قرأت بخطه وحدثنى به: ولد بالقيروان (١)، ونشأ بها، وتفقه على الفقيه القاضى أبى عبد الله محمد بن محمد ابن عبد خليل بن فيراز المرادى، وحضرت مجلس قراءته عليه لصحيح. وكان مشتغلا بنفع خلق الله، له كرامات باهرة، وأحوال سنية، ابتنى زاوية بالقيروان، واجتمع عليه خلق كثير من أهل الخير، وانصرفت الأوجه إليه، وعظم شأنه، وانتفع عليه خلق كثير، وسعى فى مصالح العامة، ثم كثر عليه التعب من كلف الناس. فسافر إلى الحج، فحج وأقام بمكة. وكان سفره من القيروان، فى عام اثنتين وثمانين وسبعمائة، فأقام بها على اجتهاد وعبادة، وحضور لمجلس العلم، إلى أن توفى بها فى شهور سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وعمره قريب الستين. أخبرنى غير واحد ممن أثق بدينه من أهل القيروان، عن أحمد بن عبد السلام بن هيت: أنه كان عنده ليلة، فتذاكروا ما القيروان فيه من قلة المطر والقحط. قال: فقال لى: يا أحمد، بعنى المطر أو أبيعك؟ . قال: فبهت، فأشار إلى خادمه أن أشترى منه. فقلت له: نعم. قال: بكذا وكذا. قلت: نعم، وغلب عليه النوم. فخرجت من عنده، والسماء صحو والقمر منير. فما بعدت عن بيت الشيخ، حتى غاب القمر، وجاءت السماء بمطر كأفواه القرب، تلك الليلة، حتى خشيت سقوط البيت من كثرة النوء. فلما أصبحت أخذت فى شراء ما اشترط علىّ الشيخ، فجهزت طعامان وأردت أن أمضى، فخرجت من الباب، وإذا به ينادى: يا أحمد، لا تتكلم على بشئ، لئلا يظهر لك منى قطيعة أبدية. فقلت له: يا سيدى، الذى اشترطت تجهز، فقال: ادع فلانا وفلانا وأطعمهم، فإنهم فقراء، فدعوتهم ولم يحضر الشيخ معهم. وسألت أحمد بن عبد السلام عن هذه الحكاية، بعد وفاة الشيخ بمدة، فاعترف لى بذلك.

стр. 798

كان ﵀ من الزهد على جانب عظيم، ومن الورع على شيء صالح، مع جلالة مقداره، وطول صمت وحسن سمت، وتحكيم السنة على ظاهره وباطنه، والأمر بتعليم العلم، والإعانة لطلبته، ﵀ ونفع به. انتهى. والجديدى: نسبة إلى قرية تسمى الجديدة، بساحل القيروان ـ وهى بجيم ودالين مهملتين ـ ذكر لى ذلك صاحبنا أبو الطيب القيروانى. وكتب عنى وفاة الشيخ محمد الجديدى، هذا. وتوفى أبو الطيب القيروانى، المشار عليه، فى أوائل سنة ست وثمانمائة غريقا فى البحر المالح، وهو متوجه إلى اليمن. * * * من اسمه محمد بن محمد بن محمد (ثلاثة) ٤٣٢ ـ محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن على، يلقب بالزين القسطلانى المكى: أجاز له من مصر ابن الأنماطى، وابن خطيب المزة، وشامية بنت البكرى، وآخرون، منهم: جدّه لأبيه القطب القسطلانى، وآخرون من مكة، منهم: جدّه لأمه المحب الطبرى. وسمع منه سنن أبى داود، وسمع على أبيه أمين الدين القسطلانى: الموطأ، رواية يحيى ابن يحيى، وعلى يوسف بن إسحاق الطبرى: المجلد الثانى من الترمذى، من نسخة بيت الطبرى، وهى من تجزئة ثلاثة، وسمع على أبى اليمن بن عساكر: البخارى، بفوت يسير، على ما ذكر، كما وجدت بخط الآقشهرى نقلا عنه. وذكر أنه أجاز له فى سنة ثلاثين وسبعمائة بمكة. انتهى. وذكر البرزالى أنه توفى فى سابع صفر من السنة المذكورة. وهكذا وجدت وفاته فى مختصر تاريخ النويرى. ووجدت فيه: أنه ولد سنة ثلاث وستين، ومات عن تسعة أولاد ذكور. يأتى ذكرهم إن شار الله تعالى. ٤٣٣ ـ محمد بن محمد بن محمد بن حسين بن على، يكنى أبا المكارم بن أبى البركات بن أبى السعود بن ظهيرة، القرشى المخزومى، المكىّ، يلقب بالجمال: ولد فى شعبان سنة تسع وثمانين وسبعمائة. سمع بمكة من بعض شيوخنا، وأجاز له

стр. 799

جماعة من شيوخنا الشاميين، وحفظ كتبا علمية، وحضر دروس شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة، وسعى فى نيابة الحكم عنه بمكة وغير ذلك، فما تم له ما أراد، ثم سكن مصر إثر ذلك، ووصل منها إلى مكة فى موسم سنة ست عشرة، وعاد إليها فى التى بعدها، وسعى لأبيه فى قضاء الشافعية بمكة، بعد شيخنا المذكور، فتم له ذلك، وكان سعى فيه قبل ذلك لأبيه غير مرة، فما تم له مراد. ٤٣٤ ـ محمد بن محمد بن محمد بن سعيد، يلقب بالشرف بن الضياء الهندى الحنفى: سمع بمكة من ابن حبيب، وابن عبد المعطى وغيرهما. وتوفى فى سنة ست وسبعين وسبعمائة بالقاهرة. ٤٣٥ ـ محمد بن محمد بن محمد بن سعيد الصاغانى. يلقب بالكمال بن الضياء المكى الحنفى، أبو الفضل: ولد بمكة فى النصف الأخير من ليلة ثالث عشر ربيع الآخر سنة تسع وستين وسبعمائة. وسمع بها على بعض شيوخنا، وقرأ على شيخنا شمس الدين بن سكر، أشياء من الحديث، وسمعت ذلك بقراءته، وأجاز له ـ من دمشق ـ ابن أميلة، وصلاح الدين ابن أبى عمر وغيرهما. وما علمته حدث، وعنى بالفقه وغيره. وسكن قبل وفاته بسنين كثيرة، وادى نخلة، ثم استقر منها بخيف بنى عمير. وكان يؤم الناس به، ويخطب، ويعقد الأنكحة، وتعانى التجارة إلى رهاط (١) وشبهها، فى دنيا قليلة. وكان قد حصل على جانب من تركة أبيه، ثم على ثمن عقار، ورثه وابن له، من زوجته فاطمة بنت برهان الدين المرشدى، وأذهب جميع ذلك، وبعد إذهابه لذلك، سكن وادى نخلة، إلى أن توفى فى السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، بخيف بنى عمير، ونقل إلى المعلاة، ودفن بها فى بكرة يوم الأحد سابع عشرة، وهو فى أثناء عشر الستين؛ وهو سبط يوسف القروى.

стр. 800

٤٣٦ ـ محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله، نجم الدين ابن فهد القرشى، الهاشمى المكى: سمع من القاضى عز الدين بن جماعة: أربعينه التساعية، وجزءا صغيرا خرّجه لنفسه، والشفاء للقاضى عياض، وسمعه على محمد بن أحمد بن عبد المعطى، وغير ذلك. وسمع من ابن حبيب: سنن ابن ماجة بفوت، ومقامات الحريرى، وغير ذلك. وأجاز له عدة مشايخ من الشام، ومصر، والإسكندرية. وحدث. وكان سكن أصفون ـ من ديار مصر ـ مدة سنين، تعلقه أن جده والد والدته، الشيخ نجم الدين الأصفونى، له بها دور وضياع موقوفة على ذريته، ثم عاد إلى مكة فى سنة خمس وتسعين وسبعمائة، وأقام بها حتى مات فى آخر يوم الاثنين، الثانى عشر من شهر ربيع الأول، سنة إحدى عشرة وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ومولده ـ فيما كتبه بخطه على بعض الاستدعاءات ـ تقريبا، فى سنة ستين وسبعمائة بمكة. وهو والد صاحبنا المحدث البارع المفيد تقىّ الدين بن فهد. ٤٣٧ ـ محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن على، الحسنى، الشريف أبو الخير بن أبى عبد الله الفاسى، المكى المالكى، يلقب بالمحب: ولد يوم الجمعة الثامن والعشرين من رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة بمكة، وسمع بها باعتناء أبيه على يحيى الطبرى: أربعين المحمدين للجيانى، وجزء ابن عرفة، وغير ذلك، وعلى الظهير بن منعة: جزء ابن نجيد، وعلى الفخر التوزرى: الصحيحين، والسنن الأربعة، وعلى الصفى والرضى الطبريين: صحيح البخارى، وصحيح ابن حبان، وغير ذلك كثيرا عليهم، وعلى غيرهم، من شيوخ مكة والقادمين إليها، منهم: الصدر إسماعيل بن يوسف بن مكتوم القيسى، سمع عليه جزء أبى الجهم ومشيخته، تخريج الفخر بن الفخر البعلى، بمنى فى أيامها، سنة إحدى عشرة، وسمع بالمدينة على والده أيضا، والمحدث عز الدين يوسف الحسن الزرندى، كتاب «العوارف للسهروردى» وعلى غيرهما. ورحل به أبوه إلى مصر، فسمع بها على ابن هارون الثعلبى: مسند الدارمى، وجزء أبى الجهم، وعلى ابن أبى الفتوح القرشى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، وعلى محمد بن عبد الحميد: صحيح مسلم، وغير ذلك، عليهم وعلى غيرهم، بمصر والإسكندرية، ثم

стр. 801

طلب بنفسه، فسمع بدمشق من أبى العباس الحجار، مسموعه من الكتب والأجزاء، خلا مسند الدارمى، وغير ذلك، وعلى النجم العسقلانى: الموطأ، رواية أبى مصعب. وعلى أيوب الكحال بعض النسائى، وعلى جماعة كثيرين، وتلا بالروايات بمكة، على مقرئها العفيف الدلاصى وسمع منه، وعلى الشيخ أبى عبد الله محمد بن إبراهيم القصرى، وتفقه، وشارك فى العلوم. ومن شيوخه الذين أخذ عنهم العلم بثغر الإسكندرية: الشيخ تاج الدين الفاكهانى، شارح «الرسالة» لابن أبى زيد، والعمدة، والأربعين للنواوى، وغير ذلك، والقاضى وجيه الدين يحيى بن محمد المعروف بابن الجلال، وأذن له فى الإفتاء والتدريس. وصحب بالإسكندرية جماعة من أهل الخير: منهم: الشيخ خليفة، وياقوت تلميذ الشيخ أبى العباس المرسى، فعادت بركتهم عليه، وطاب ذكره، ولازم التدريس والإفادة والفتوى والانزواء إلى أهل الخير، مع الزهد والإيثار والعبادة والجلالة عند الناس. وحدث. روى لنا عنه ابنه مفتى الحرم، تقى الدين عبد الرحمن الفاسى. وسمع منه جماعة من الأعيان، وأثنى عليه ابن فرحون فى «نصيحة المشاور» لأنه قال: وكان ممن رفع الله مكانته وشهر بين الناس منزلته، محل الولد الشيخ الجليل الفقيه العلامة، السيد الشريف أبو الخير، ابن سيدنا وشيخنا أبى عبد الله الفاسى الحسنى، نزيل مكة المشرفة. نشأ فى عبادة الله، وتبتل إلى الاشتغال بالمذهب المالكى، حتى رآه الله أهلا للتدريس والإلقاء والإفادة. فدرس واشتغل، وصحب رجالا من مشايخ الوقت، وارتحل إلى الاسكندرية، وأدرك بها من أهل العلم والصلاح، والأئمة، جماعة كثيرين، فصحبهم وأخذ عنهم، وكسب من أخلاقهم وصفاتهم، ما أظهر عليه نورا وبهاء ورئاسة لم تكن لأحد من نظرائه. وذكر أنه توفى يوم الجمعة، أول جمعة فى شعبان سنة سبع وأربعين وسبعمائة بالمدينة. ودفن بالبقيع، حيال قبر إبراهيم بن النبى ﷺ . وذكر لى وفاته، كما ذكر ابن فرحون ابنه شيخنا الشريف عبد الرحمن، وأفادنى أنها فى شهر رمضان من السنة المذكورة. ٤٣٨ ـ محمد بن محمد بن محمد بن على بن إبراهيم بن حريث العبدرى السبتى، خطيب سبتة وإمامها: ذكره العفيف المطرى فيما نقل عنه الحافظ علم الدين البرزالى فى تاريخه، قال:

стр. 802

مولده فى العشر الأول من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وستمائة بمدينة سبتة، ونشأ بها وحصل وصار خطيبها. ولزم الإقرأ فى الفقه ثلاثين سنة. كان حسن الهيئة منور الوجه كثير البشر، مع كثرة الخشوع والبكاء. خرج من بلده بغية الحج والمجاورة إلى الموت، وباع كتبه بألف دينار، ووقف أملاكه على جامع سبتة، واستصحب معه ما قام بأمره إلى حين وفاته. وكانت إقامته بالحرمين، نحو سبع سنين، ما يتناول فيها من أحد شيئا. وكان كثير الإيثار والشفقة على الغرباء. ومن علومه: القراءات والحديث، والفقه، والنحو. وروى الموطأ عن أبى الحسين عبد الله بن أحمد بن أبى الربيع، عن ابن بقى، وروى الشفاء للقاضى عياض. وحدث بمكة والمدينة، سمع منه أعيان من بهما. وتوفى فى الحادى والعشرين من جمادى الأولى، سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. انتهى. قلت: خاتمة أصحابه بالسماع والإجازة: شيخنا شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان المدنى، المعروف بالششترى، سمع عليه الشفاء بفوت يسير، شملته الإجازة. وتفرد به عنه. وممن سمعه عليه الشيخ خليل المالكى، إمام المالكية بالحرم الشريف. ٤٣٩ ـ محمد بن محمد بن محمد بن عمرك بن أبى سعيد بن عبد الله بن القاسم ابن عبد الرحمن بن علقمة بن النضر بن معاذ بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق القرشى البكرى، أبو الفتوح الصوفى النيسابورى: سمع ببلده نيسابور، على أبى الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد القشيرى: أربعينه السباعية، ومن جماعة منهم أبو الفضل [ ..... ] (١) ببغداد، وابن خميس بالموصل،

стр. 803

والحافظان: ابن عساكر بدمشق، والسلفى بالإسكندرية. وحدث بدمشق ومصر وبغداد ومكة. وذكر الحافظ ابن النجار: أنه جاور بمكة مدة طويلة بأهله. سمع منه الحافظان: المنذرى، والرشيد العطار وجماعة. وآخر أصحابه: عمر بن القواس، له منه إجازة، حدث بها عنه. وتوفى ليلة الحادى عشر فى جمادى الأولى سنة خمس عشرة وستمائة. وكان مولده بنيسابور، سنة ثمان عشرة وخمسمائة، فى أولها. ٤٤٠ ـ محمد بن محمد بن محمد، المعروف بابن هلال الأزدى الدمشقى. يلقب بالعماد بن العماد بن العماد، ويلقب أيضا بالشمس، واشتهر بها عند كثير من الناس: كان من تجار الشاميين المترددين إلى مكة، وبها توفى فى حادى عشر المحرم سنة اثنتى عشرة وثمانمائة وقد تكهل. وبلغنى: أنه سمع من ابن قواليج. ٤٤١ ـ محمد بن محمد بن محمد بن يوسف الذروى الأصل، المكى المولد والدار، المعروف بالمصرى: كان فراشا بالحرم الشريف. وتوفى بعد التسعين وسبعمائة بالقاهرة. * * * من اسمه محمد بن محمد بن محمد بن محمد (أربعة) ٤٤٢ ـ محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن على القيسى، أبو عبد الله، الملقب إمام الدين بن الزين القسطلانى المكى: سمع من يحيى الطبرى، أربعى المحمدين للجيانى، وعلى الفخر التوزرى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، وسنن أبى داود، وعلى الصفى الطبرى، وأخيه الرضى: صحيح البخارى، وغير ذلك، عليهم وعلى غيرهم. وحدث، سمع منه شيخنا ابن سكر، شيئا من سنن أبى داود، وأجاز له. وكان ذا مال وافر. كان يسافر فى التجارة إلى اليمن، وفيه خير. وبلغنى: أنه عزم فى بعض السنين على سفر، فأتاه شخص، فادعى عليه بألف

стр. 804

درهم، وأحضره إلى الحاكم بمكة، والتمس يمينه، فسلم ذلك القدر للمدعى عليه، ثم جاء بعد ذلك إلى الحاكم أو غيره من أعيان الناس، وحلف بالله يمينا مغلظة، أن المدعى عليه لا يستحق عليه شيئا فيما ادعاه، فليم على كونه لم يخلف ويبرأ. فقال: كنت على سفر وخفت أن يعرض لى فيه سوء، فيقال أصابه هذا لحلفه كاذبا. هذا معنى ما بلغنى فى هذه الحكاية. توفى فى آخر المحرم، سنة أبع وخمسين وسبعمائة بمكة. ومولده على ما كتب بخطه: سنة إحدى وتسعين وستمائة. انتهى. ٤٤٣ ـ محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أبى بكر الدمراجى الهندى الدلوى، نجيب الدين الحنفى: هكذا بخط شيخنا ابن سكر فى بعض سماعاته بمكة. ووجدت بخط شيخنا ابن سكر سماع النجيب هذا، على القاضى عز الدين بن جماعة لأربعينه التساعية، تخريج الفخر بن الكويك، فى سنة سبع وستين وسبعمائة بمكة. ووصفه شيخنا ابن سكر: بالمقيم بحرم الله تعالى. وأجاز لى باستدعائه. وكان كتب بخطه كثيرا من كتب العلم، وكان فاضلا فى مذهبه، وكان يعتمر فى كل يوم غالبا، مدة مقامه بمكة. إلى أن ضعف وعجز. توفى بعد التسعين وسبعمائة بيسير بمكة. وهو فى عشر السبعين. سمعت شيخنا قاضى القضاة جمال الدين بن ظهيرة ـ أبقاه الله تعالى ـ يقول: إن الشيخ نجيب الدين هذا، أخبرهم أن شيخا له من أهل الهند، وصفه بالعلامة، وقدم مكة. اجتمع بالعفيف الدلاصى، مقرئ الحرم، ليقرأ عليه، فاعتذر له بأنه لا يقرئ العجم، لكونهم لا يخرجون الحروف من مخارجها. فقال له: لا عليك أن تسمع قراءتى. فإن أرضيتك وإلا تركت. فقال له: اقرأ. فلما شرع فى القراءة قال له: إنى أشم منك رائحة النسب، فإلى من تنسب؟ فقال: أنتسب إلى خالد بن الوليد. فقال له: وأنا أنتسب إليه، وذكر كل منهما، فاجتمعا نسبته فى بعض الأجداد. هذا معنى الحكاية، وهى عجيبة وفيها منقبة للشيخ عفيف الدين الدلاصى.

стр. 805

وكلام ابن حزم فى الجمهرة، يقتضى أن خالد بن الوليد لا عقب له. وقد انتسب إليه خلق كثير من العلماء، والله أعلم بصحة ذلك. وأخبرنى صاحبنا الخير جمال الدين محمد بن أبى بكر بن على، المعروف بالمرشدى المصرى: أنه كان فى يوم عاشوراء فى بعض السنين بمكة، عند شيخنا القاضى شهاب الدين أحمد بن ظهيرة، قاضى مكة الآتى ذكره، فأمر بعض الناس بالمضى إلى الشيخ نجيب الدين ببيتين من الشعر، يتضمنان ذلك، هما: عشر بعاشورا كتحال توسعة ... صلح الورى مسح اليدين على اليتيم صوم صلاة جنازة صلة الرحم ... غسل زيارة عالم عود السقيم انتهى. وتخيل بعض من لقيناه أن البيتين المشار إليهما، للقاضى شهاب الدين بن ظهيرة وما ذكره لى جمال الدين المرشدى يخالف ذلك. وقد كتب لى بخطه ما نصه: ذكرت هذه الخصال فى يوم عاشوراء، بحضرة القاضى شهاب الدين بن ظهيرة ﵀. فأرسل إلى الشيخ نجيب الهندى، ﵀، فكتبها من عنده بحضرة الفقيه المرشدى محمد، وذكر البيتين. ومما يحسن ذكره هنا لكونه فى المعنى، وفيه من الفائدة ما ليس فى البيتين. قول شيخنا قاضى القضاة جمال الدين بن ظهيرة، الذى أنشدناه إجازة إن لم يكن سماعا. فى يوم عاشوراء صم ثم اغتسل ... صل اكتحل وعلى العيال فوسع وتصدقن رأس اليتيم امسح وصل ... زر عالما ولذات شحنا فادفع وعلى الجنازة صل واستك وأقرأن ... والعلم فاطلبه تعلم ترفع وقول صاحبنا الفاضل خليل بن هارون بن مهدى الجزائرى المغربى، نزيل مكة، وفيه ما ليس فى الأبيات قبل ذلك، وأعطانيه بخطه فى يوم عاشوراء، سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة. صم صل صل أصلح تصدق واكتحل ... وسع عد امسح زر تعلم واغتسل قل سورة الإخلاص ألفا يوم عا ... شوراء يرحمك الإله فتنتصل ٤٤٤ ـ محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن فهد القرشى الهاشمى المكى: يكنى أبا زرعة، ويلقب بدر الدين، ابن صاحبنا المحدث البارع المفيد، تقى الدين أبى الفضل بن نجم الدين أبى النصر بن أبى الخير.

стр. 806

ولد فى يوم الأحد، مستهل المحرم، مفتتح سنة ثمان وثمانمائة بمكة. اعتنى به والده، فاستجاز له عدة من مشايخ بلده، والواردين إليها، ومن مشايخ مصر والشام والإسكندرية وغيرهم. وأحضره على جماعة، منهم: الإمام أبو اليمن الطبرى. وأسمعه عدّة من الكتب والأجزاء، من ذلك: الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وصحيح ابن حبان، على جمع من الشيوخ، منهم: علامة الحجاز، ومسند الدنيا، زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغى، وشمس الدين الحنبلى، ويعرف بالشامى، وعبد الرحمن بن طولوبغا الشكرى، والحافظ أبو حامد بن ظهيرة، والإمام أبو الخير بن الجزرى. وحفظ القرآن العظيم، وعدة كتب، منها: كتاب فى الحديث، ألفه له والده ووسمه، بغنية المريد وبغية المستفيد، والحاوى الصغير فى الفقه، والألفية لابن مالك. عرضهم علىّ فأجاد. وأخبرنى والده: أنه قرأ عليه كلا منهم، وهو قائم على رجليه فى مجلس واحد عن ظهر قلبه، لم يغلط غلطة سوى أنه توقف فى موضع من الحاوى، فحزره فوقع مغشيا عليه، فانتهره، فقام وعاد فى قراءته كالسيل الجارى. انتهى. اشتغل وحصل وقرأ وطبق وحضر دروسا عدة، منها فى الفقه، على الوجيه عبد الرحمن المصرى، وفى النحو، على الجلال عبد الواحد المرشدى، وتخرج بوالده. وكان له فهم وذكاء. كتب بخطه جملة فوائد حديثية وغيرها. ذكر لى والده أنه استفاد منه جملة. جمع رباعيات صحيح مسلم، وقد رتبها والده على حروف المعجم، ومناقب الإمام الشافعى مختصرة، ومعجم شيوخه، جميع ذلك مسودات. عاجلته المنية عن تبييضها، فى عشاء ليلة الأحد سابع عشرين جمادى الأولى، سنة ست وعشرين وثمانمائة بمكة المشرفة، وصلى عليه عقيب صلاة الصبح، بالساباط المتصل بقبة مقام إبراهيم الخليل بالمسجد الحرام، ودفن بالمعلاة على جدّ أبيه، رحمهما الله تعالى، وحزن عليه والداه.

стр. 807

٤٤٥ ـ محمد بن أبى محمد بن ظفر، الفقيه أبو هاشم المغربى الأصل، المكى المولد والمنشأ، الحموى الدار: ذكر نسبه هكذا، أبو الحسن القطيعى فى «ذيل تاريخه لبعداد». وقال: قدم بغداد، ولا أعلم له رواية، ثم نزل حماة من بلاد الشام، وهو مشهور بالخير والعلم والعبادة. درس فقه الشافعى بها. توفى سنة سبع وستين وخمسمائة بحماة. وذكر القطيعى فى موضع آخر من تاريخه: أن أبا المحاسن عمر بن على القرشى، سمع منه، وأنه سأل عنه بحماة فى شهر ربيع الأول سنة سبع وستين. فقيل له مات منذ أيام، ﵀. فاستفدنا من هذا زيادة فى معرفة تاريخ وفاته. وذكر أنه سأل عن مولده، فقال: فى شعبان سنة سبع وتسعين وأربعمائة بمكة، حرسها الله. وقال فى هذه الترجمة: وقد روى عن أبى عبد الله الحسين بن على الطبرى، وأبهم القطيعى روايته عن الحسين، ولعل ذلك بالإجازة. وأما بالسماع فلا يمكنه؛ لأن الحسين المذكور، مات فى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، كما سيأتى فى ترجمته. وذكره ابن خلكان فى تاريخه، قال: أحد الأدباء الفضلاء، صاحب التصانيف الممتعة، منها: سلوان المطاع فى عداون الأتباع، صنفه لبعض الأمراء بصقلية (١). وخير البشر بخير البشر، وكتاب الينبوع فى تفسير القرآن الكريم، وكتاب أنباء نجباء الأبناء، وكتاب الحاشية على درة الغواص للحريرى، وشرحا المقامات، وهما شرحان كبير وصغير، وغير ذلك من التواليف الظريفة. كان قصير القامة، دميم الخلقة، غير صبيح الوجه، ثم قال: وكانت نشأته بمكة، ومولده بصقلية. وسكن آخر الوقت بمدينة حماة. وتوفى بها سنة خمس وستين وخمسمائة، ﵀. انتهى.

стр. 808

قلت: هذا كما ترى مخالف لما ذكره القطيعى فى تاريخ وفاته، وموضع ولادته. والله أعلم. قال ابن خلكان: ولم يزل يكابد الفقر إلى أن مات، حتى قيل: إنه زوج ابنته بغير كفء من الحاجة والضرورة، وأن الزوج رحل بها من حماة وباعها فى بعض البلاد. قال: وظفر، بضم الظاء المعجمة والفاء بعدها راء ـ وهو المصدر من قولهم: ظفر بالشيء يظفر ظفرا: إذا فاز به. انتهى. وذكره القطب الحلبى فى تاريخ مصر، فقال: محمد بن محمد بن ظفر الحجازى، المكى، الفقيه الواعظ المتكلم المالكى. وقال: رحل من بلده صغيرا فى طلب العلم، ودخل إلى بلاد المغرب، ولقى أبا بكر الطرطوشى بالإسكندرية، وعلماء أفريقية، ولقى بالأندلس أبا بكر بن العربى، وأبا مروان الباجى، وأبا الوليد الدباغ، وابن مسرة. وكان يذكر الناس فى المساجد، ودخل إلى صقلية، ثم إلى دمشق، واستوطن حماة، وبها مات، فى عشر السبعين وخمسمائة، ودفن خارجها. قال القطب الحلبى: نقلت ذلك من الجزء الثالث، فى أوزاع المسالك لتعريف أصحاب مالك. انتهى. قلت: هذا مخالف لما ذكر القطيعى، من أنه درس فقه الشافعى، ولعله جمع بين الأمرين، فتنتفى المعارضة، وفيه مخالفة فى نسبه، وهو أنه سقط بين «محمد» وبين أبيه: «أبو محمد». ولعل ذلك سقط من الناسخ لا من المؤلف. ومن شعره ابن ظفر المذكور، ما أنشده له القطيعى: يا معزّى بالعلم من ذلّ جهلى ... ومريحى بالزهد من كلّ كلّى ما عرفت السرور ما ذقت طعم ال ... روح يوما حتى جعلتك شغلى أنت حسبى من كل شر فكن لى ... هاديا [ ... ] (٢) وإلا فمن لى ومما أنشده له ابن خلكان: جعلتك فى قلبى أنت عالم ... بأنك محمول وأنت مقيم ألا إن شخصا فى فؤادى محله ... وأشتاقه شخص علىّ كريم ومنه، مما ذكره ابن خلكان ـ أورده له العماد الأصبهانى فى كتاب الخريدة:

стр. 809

على قدر فضل المرء تأتى خطوبه ... ويعرف عند الصبر منه نصيبه ومن قل فيما يتقيه اصطباره ... فقد قل فيما يرتجيه نصيبه ٤٤٦ ـ محمد بن محفوظ بن محمد بن غالى ـ بغين معجمة ـ الجهنى الشبيكى المكى: كانت له عناية بالتاريخ. ووجدت بخطه تاريخا يسيرا، من انقضاء دولة الهواشم، إلى بعد التسعين وستمائة؛ إلا أنه تخلل سنين كثيرة، لم يذكر فيها شيئا، وهو معذور، لما ذكرناه من عدم اعتناء من قبله بهذا الشأن. ووجدت له بخط غيره تاريخا له من سنة خمس وعشرين وسبعمائة، إلى آخر عشر الستين وسبعمائة. وانتفعت بذلك، ووقع له فيه لحن فاحش، وعبارات عامية. ومع ذلك، فبلغنى أن له نظما، وله عناية بدواوين الشعراء والتاريخ. وكتب بخطه كثيرا، وكان خطه جيدا، ونسخ بالأجرة، واشتهر بصحبة ابن العز الأصبهانى، وكتب داودين كثيرة. مات سنة سبعين وسبعمائة، ظنا. ٤٤٧ ـ محمد بن محمود بن أحمد بن رميثة بن أبى نمى الحسنى المكى: ولى إمرة مكة وقتا، نيابة عن خالد أحمد بن عجلان. فلما ولى عنان بن مغامسا بن رميثة إمرة مكة، بعد قتل محمد بن أحمد بن عجلان، استمال إليه محمد بن محمود هذا، فمال إليه قليلا، ثم فارقه محمد بن محمود، ولاءم أخواله آل عجلان، وحضر معهم الحرب الذى كان بينهم وبين عنان، وأصحاب ذوى أبى نمى، بأذاخر فى تاسع عشرين شعبان، سنة سبع وثمانين وسبعمائة. فلما ولى على بن عجلان بن رميثة أمر مكة فى موسم هذه السنة، صار أمر مكة، إلى محمد بن محمود هذا؛ لأن على بن عجلان، صار لا يقطع أمرا دونه، لنبل رأيه. ودام معه على ذلك حتى قتل. فلما ولى الشريف حسن بن عجلان، إمرة مكة، ناب عنه فى ذلك وقتا. وتوفى فى [ ..... ] (١) شوال سنة ثلاث وثمانمائة بمكة. ودفن بالمعلاة. وكان نبيل الرأى، كثير الإطعام والمروءة. وله شعر.

стр. 810

٤٤٨ ـ محمد بن محمود بن محمود بن محمد بن عمر بن فخر الدين بن بون شيخ بن الشيخ طاهر بن عمر الخوارزمى، الشيخ شمس الدين، المعروف بالمعيد ـ بميم مضمومة وعين مهملة مكسورة وياء مثناة من تحت ساكنة بعدها دال مهملة ـ الحنفى: إمام مقام الحنفية بالمسجد الحرام. ولى ذلك بعد عمر بن محمد بن أبى بكر الشيبى، فى سنة ثمانين وسبعمائة، ودام فى ذلك إلى أن أظهر الترك عنه، لابنه الإمام شهاب الدين أحمد، قبيل وفاته بأيام يسيرة. وكان باشر فى حياته عدة سنين، لعجز أبيه عن الحركة، وسبب شهرته بالمعيد، ولايته الإعادة بدرس الحنفية، الذى قرره بمكة، الأمير يلبغا، المعروف بالخاصكى. وولى تدريس الحنفية بالمسجد الحرام، الذى قرره الأمير أيتمش، الذى جعله الملك الظاهر برقوق أتابكا لولده الملك الناشر فرج، صاحب الديار المصرية. وولى أيضا: مشيخة رباط رامشت بمكة، بعد الشيخ ناصر الدين الخجندى. وكان جيد المعرفة بالنحو والتصريف ومتعلقاتهما. وله مشاركة حسنة فى الفقه، وحظ وافر من الخير والعبادة. سمع من العفيف المطرى، جزءا من حديثه، خرجه له الحافظ الذهبى، حدثنا به عنه، وعن الحجار، بما فيه عنه إذنا عاما. وسمع من العفيف المطرى غير ذلك. وسمع أيضا من اليافعى، بعض «مشارق الأنوار» للصغانى ولعله سمعه كله، وكان يذكر أنه سمع منه صحيح البخارى، وأنه سمع من الكمال بن حبيب الحلبى، وسمع من محمد بن أحمد بن عبد المعطى، وأمين الدين بن الشماع، وغيرهما من شيوخ مكة، الذين عاصرناهم. وسمعته يذكر أنه رأى النبى ﷺ ، وأنه قال له: يا محمد، قل آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله. وقرأت عليه فى تصريف العزى، وفى الملحة للحريرى. وسمعت منه شعرا له، وأخذ منه غير واحد من فقهاء مكة وغيرهم. أنشدنى العلامة المفنن المدرس المفتى، شمس الدين محمد بن محمود الخوارزمى لنفسه:
следующие страницы →