وذكر أنه فارقه ليلا لحاجة له فى بعض الطرق، فأتاه من لا يعرفه فقتله، واتّهم به رفيقه، والله أعلم.
وكان كثير الإذاية للناس والتسلط عليهم، وعليه اعتمدت فيما ذكرته من نسبته إلى الأنصار، سامحه الله.
٥٤٤ ـ أحمد بن داود بن موسى المكى:
عن إسماعيل بن سالم الصائغ، وأبى عمر حفص بن عمر الحوضى، والربيع بن يحيى ابن مسلم الإسنائى البصرى، وعبد الله بن أبى بكر بن السكن بن الفضل العتكى، وعبد الله بن صالح الأزدى العتكى، وعبد الرحمن بن المبارك العبسى البصرى، وعبد العزيز ابن الخطاب البصرى.
سمع منه أبو جعفر العقيلى، وأبو القاسم الطبرانى وغيرهما.
وتوفى على ما ذكر ابن زبر، سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
٥٤٥ ـ أحمد بن ديلم بن محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ديلم بن محمد الشيبى الحجبى، مجد الدين أبو العباس المكى:
شيخ الحجبة وفاتح الكعبة.
هكذا نسبة أبو حيان فيما وجدت بخطه. ووجدت بخطه: أن مولده فى سنة اثنتين وأربعين وستمائة.
سمع من ابن أبى الفضل المرسى: الأربعين للفراوى، وعلى ابن مسدى: السيرة لابن إسحاق، والزهد والرقائق لابن المبارك، والملخص للقابسى، والتقصى لابن عبد البر، والنجم والكوكب للإقليشى، عن محمد بن عبد الحق بن سليمان الدلاصى إجازة، إن لم يكن سماعا، والأربعين المختارة من تأليفه، وشيئا فى فضائل رمضان، وما يترجّى لصائمه من رحمة الرحمن، كلاهما من تأليفه وغير ذلك، وعلى يعقوب بن أبى بكر الطبرى: الجزء الثانى من جامع الترمذى، من تجزئة ثلاثة، وحدث.
سمع منه ابن قطرال بقراءته وترجمه فى بعض الطباق: بالشيخ الجليل الفقيه، شيخ الحرم.
стр. 877
سمع منه جماعة آخرهم وفاة الزاهد بهاء الدين عبد الله بن الرضى بن خليل المكى.
وتوفى ابن ديلم فى غرة شهر ذى القعدة سنة اثنتى عشرة وسبعمائة بمكة.
نقلت وفاته من خط جدى الشريف على الفاسى.
وذكر أنه كان ناظر الحرم الشريف، وهو معنى قول ابن قطرال شيخ الحرم، وأظنه ولى فتح الكعبة نحو أربعين سنة؛ لأنى وجدت بخط البرزالى فيما انتقاه من ذيل الظهير الكازرونى نسخة كتاب كتبه أبو نمى صاحب مكة، فى سنة سبع وسبعين وستمائة، إلى علاء الدين صاحب الديوان ببغداد، يتضمن الدعاء له ولأخيه، وفيها شهادة قاضى مكة الجمال بن المحب الطبرى، وابن منعة وابن ديلم، وإمام الشافعية والحنفية والحنابلة، ووجه الدلالة من هذا على ما ذكرناه، شهادة المذكورين فى الكتاب دون غيرهم من أهل العلم، كالمحب الطبرى وشبهه، إنما هو لكونهم أصحاب وظائف مشهورة بالحرم، والله أعلم.
٥٤٦ ـ أحمد بن راشد الينبعى الزيدى:
قاضى ينبع، كان يتولى الأحكام الشرعية بوادى ينبع من بلاد الحجاز، بولاية من الإمام الزيدى، صاحب صنعاء (١)، ولى ذلك سنين كثيرة حتى مات. وكان يتوقف فى قبول شهادة كثير من المخالفين لمذهب الزيدية. وكان ينسب لمعرفة فى مذهب الزيدية، حج فى سنة تسع عشرة وثمانمائة، فأدركه الأجل بعد الحج فى يوم النفر الأول أو الثانى من هذه السنة، ودفن بالمعلاة، وبنى على قبره نصب.
٥٤٧ ـ أحمد بن رميثة بن أبى نمى بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة الحسنى المكى:
صاحب الحلة (١)، سافر إلى العراق مرتين فى زمن أبى سعيد بن خربندا، وعظم شأنه
стр. 878
هناك بعده، وملك الحلة وغيرها، واجتمع عليه الأعراب: ربيعة وخفاجة، ثم عملت عليه المغل حتى قتل مع كثرة أصحابه بالحلة، فى ثامن عشر شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.
٥٤٨ ـ أحمد بن زكريا بن الحارث بن أبى مسرة المكى، مفتى مكة:
روى عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد، وهشام بن سليمان. روى عنه: ابنه أبو يحيى عبد الله بن أحمد بن أبى مسرة. ذكره الفاكهى فى فقهاء مكة؛ لأنه قال فى الترجمة التى ترجم عليها بقوله: ذكر فقهاء أهل مكة: ثم مات، فكان مفتيهم يوسف بن محمد العطار، وعبد الله بن قنبل، وأحمد بن زكريا بن أبى مسرة. انتهى.
٥٤٩ ـ أحمد بن زكريا العابدى المكى:
روى عن عبد الوهاب بن فليح.
وروى عنه الطبرانى فى معجمه الصغير.
٥٥٠ ـ أحمد بن زيد الجمحى المكى:
هكذا ذكره الذهبى فى «المغنى» و «الميزان». وقال: قال الأزدى: لا يكتب حديثه.
٥٥١ ـ أحمد بن سالم بن حسن الجدى، شهاب الدين، المعروف بابن أبى العيون:
نزيل مكة وقاضى جدة. تفقه كثيرا بالشيخ نور الدين على بن أحمد بن سلامة السلمى، أحد فقهاء مكة، وحضر دروس شيخنا قاضى مكة جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظهيرة، ودروس ابنه القاضى محب الدين. وكان لهما موادا. وجاءه توقيع لقضاء جدة فى سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، ووافقه على ذلك القاضى محب الدين بن ظهيرة، وتوجه لجدة فباشر بها الأحكام على صفة لا يعهد مثلها بجدة، ولم يسهل ذلك بالقاضى محب الدين، فاستدعاه إلى مكة لأمر، فلم يحضر، فعزله، ثم ولاه بعد ذلك الحكم بجدة، وسئل فى صرفه فوافق.
وكان يعانى التجارة، وحصّل دنيا وعقارا. وكتب من «المنسك الكبير» للقاضى عز الدين بن جماعة ما يتعلق بمذهب الشافعى، وأفرده فى كراريس. وكان يذكر أنه من ربيعة الفرس.
стр. 879
وتوفى بمكة فى أوائل ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وثاثمائة ودفن بالمعلاة، وهو فى عشر الخمسين ظنا.
٥٥٢ ـ أحمد بن سالم بن ياقوت المكى، أبو العباس:
المؤذن بالحرم الشريف، وشيخ الفراشين به. وجدت بخطه أنه ولد يوم السبت منتصف جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وستمائة.
سمع على الفخر التوزرى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، والموطأ رواية أبى مصعب، وسنن أبى داود، والنسائى، وعوارف المعارف، والثقفيات، والشاطبية، وغير ذلك، وعلى الصفى الطبرى وأخيه الرضى: صحيح البخارى، وعلى الرضى بمفرده: سنن أبى داود، والنسائى، والعوارف، والثقفيات، وغير ذلك ـ وعلى على بن يحيى الشيبى: الفوائد لابن خزيمة، وعلى الشريف أبى عبد الله الفاسى: العوارف، وعلىّ العفيف الدلاصى: الشاطبية، وتفرد بالسماع من هؤلاء، خلا الرضى. وحدث.
سمع منه والدى وجماعة من شيوخنا، منهم: القاضيان: ولى الدين بن العراقى، وجمال الدين بن ظهيرة، وروى لنا عنه. وسألته عنه، فقال: ما رأيناه إلا على خير. وكان سهلا فى التحديث، كثير الإنصاف والبشر لمن يقصده للأخذ عنه. انتهى.
وكان يؤذن بمأذنة الحزورة. وكان أمينا على شمع الحرم وزيته.
توفى فى المحرم سنة ثمان وسبعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة.
٥٥٣ ـ أحمد بن سليمان بن أحمد شهاب الدين، المعروف بالتروجى ـ بتاء مثناة من فوق وراء مهملة مفتوحين وواو ساكنة مخففة وجيم ـ المصرى المالكى:
سكن الإسكندرية مدة، ثم جال فى البلاد، ودخل العراق، والهند، وعظم أمره ببنجالة، من بلاد الهند، وحصل له فيها دنيا، ذهبت منه، وانتقل إلى الحجاز، وأقام بالحرمين مدة سنين.
وتوفى بمكة فى رابع شوال سنة اثنتى عشرة وثمانمائة، ودفن بالمعلاة عن نحو ستين سنة.
وكانت لديه نباهة فى العلم، ويذاكر بأشياء حسنة من الحكايات والشعر، وينطوى على خير.
стр. 880
وبلغنى أنه وقف عدة كتب، وجعل مقرها برباط الخوزى من مكة، وبه كان يسكن، وفيه توفى، تغمده الله برحمته.
٥٥٤ ـ أحمد بن سليمان بن راشد السالمى المكى:
كان من أعيان التجار بمكة، وفيه شهامة وقوة نفس. وكان أبوه أوصى عليه وعلى أخوته، زوج ابنته «الزعيم» أحد تجار مكة السابق ذكره. فحصل لهم الزعيم، أربعمائة ألف درهم نقدا صارت لأحمد بن سليمان هذا، وأذهبها.
توفى فى المحرم سنة إحدى وتسعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة عن بضع وثلاثين سنة.
٥٥٥ ـ أحمد بن سليمان بن سلامة المكى:
كان من أعيان أهل مكة. وزر للشريف ثقبة بن رميثة صاحب مكة ثم للشريف أحمد بن عجلان، من حين ولايته فى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، حتى مات. وكان معظما عنده وعند ثقبة أيضا، وعند الناس، وفيه قوة نفس وشهامة ومروءة، وهو الذى تولى عمارة المدرسة الأفضلية بمكة. وتوفى فى يوم النحر عاشر ذى الحجة سنة سبع وسبعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة.
٥٥٦ ـ أحمد بن شعيب بن على بن سنان بن بحر، الحافظ أبو عبد الرحمن النسائى:
أحد الأئمة الأعلام، ومؤلف السنن، وغيرها.
روى عن إسحاق بن راهويه، وعيسى بن حماد، وقتيبة بن سعيد، وخلق كثيرين.
стр. 881
روى عنه سننه: ابن السنى، وابن الأحمر وابن حيوية، والأسيوطى، وحمزة الكنانى، وبين رواياتهم اختلاف فى اللفظ والقدر. وأكبرها: رواية ابن الأحمر، روى عنه خلق كثير، منهم: الطحاوى، والطبرى، وابن الأعرابى.
قال أبو عبد الله الحاكم: حدثنى على بن عمر الحافظ: أن أبا عبد الرحمن، خرج حاجا، فامتحن بدمشق، وأدرك الشهادة، فقال: احملونى إلى مكة، فحمل، وتوفى بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة.
وكانت وفاته فى شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة.
قال الدارقطني: وكان أفقه مشايخ مصر فى عصره، وأعلمهم بالحديث والرجال. فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية، فأمسك عنه، فضربوه فى الجامع، فقال: اخرجونى إلى مكة، فأخرجوه إلى مكة وهو عليل، وتوفى بها مقتولا شهيدا.
وقال أبو سعيد بن يونس: أبو عبد الرحمن النسائى، كان إماما فى الحديث، ثقة ثبتا حافظا، وكان خروجه من مصر، فى ذى القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة. توفى بفلسطين (١) فى يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة.
وقال الطحاوى أيضا: توفى بفلسطين فى صفر.
فيلخص من هذا أنه اختلف فى وفاته، وموضعها، فقيل: فى صفر بفلسطين، قاله الطحاوى، وابن يونس، وقيل: فى شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة بمكة، قاله الدارقطنى.
وكان ﵀ كثير العبادة يصوم يوما ويفطر يوما، ومع ذلك يكثر الجماع وكان يكثر أكل الديوك، تشترى وتسمن، ويذكر أن ذلك منفعة فى باب الجماع. وكان يؤثر لبس البرود الخضر.
٥٥٧ ـ أحمد بن صالح المكى الطحان السواق:
سمع بدمشق سليمان بن عبد الرحمن، وبغيرها مؤمل بن سعيد، ونعيم بن حماد.
стр. 882
روى عنه الحسن بن الليث، ويحيى بن صاعد.
قال أبو زرعة: صدوق، لكن يحدث عن الضعفاء.
وقال ابن أبى حاتم: روى عن مؤمل مناكير فى الفتن، تدل على توهين أمره.
ذكره ابن عساكر فى تاريخ دمشق.
ومن مختصره نقلت هذه الترجمة هكذا. وذكره الذهبى فى المغنى، فقال: ليس بشئ. وذكره فى الميزان، وقال: قال أبو زرعة: صدوق، لكنه يحدث عن الضعفاء والمجهولين.
وقال ابن أبى حاتم: يحدث عن مؤمل أحاديث فى الفتن تدل على توهين أمره. وضعفه الدارقطنى.
٥٥٨ ـ أحمد بن صالح الشمومى:
عن أبى صالح كاتب الليث، وعبد الله بن نافع صاحب مالك، ويحيى بن هاشم. روى عنه محمد بن إبراهيم بن مقاتل وإسحاق بن أحمد الخزاعى.
قال ابن حبان: يأتى عن الأثبات بالموضوعات. وقال أيضا فى الثقات فى ترجمة أحمد ابن صالح المصرى: والذى يروى عن معاوية بن صالح الأبهرى، عبد يحيى بن معين: أن أحمد بن صالح كذاب، فإن ذلك هو أحمد بن صالح الشمومى، كان بمكة يصنع الحديث، سأل معاوية بن صالح يحيى بن معين عنه. فأما هذا، يعنى أحمد بن صالح المصرى الحافظ، فهو يقارب يحيى بن معين فى الحفظ والإتقان.
وذكر لى صاحبنا أبو الفضل بن حجر: أن من مصائب الشمومى، ما رواه الحاكم فى تاريخ نيسابور بسنده إليه، قال: ثنا عبد الله بن نافع عن مالك عن نافع عن ابن عمر، رفعه: «ماء زمزم لما شرب له» (١). وذكر أيضا أن من موضوعاته ما رواه أبو نعيم
стр. 883
فى الحلية بسنده إليه، قال: ثنا يحيى بن هاشم، قال: ثنا مسعر عن يزيد عن ابن عمر رضى الله عنهما، رفعه: «تفقدوا نعالكم عند أبواب المسجد».
والحمل فى هذا على الشمومى، أو شيخه، كما ذكر صاحبنا أبو الفضل بن حجر.
ومن مختصره لسان الميزان كتبت هذه الترجمة، وكلام الذهبى فى الميزان يدل على أن أحمد بن صالح الشمومى هو أحمد بن صالح الطحان، وأحمد بن صالح هذا، هو راوى رسالة الحسن البصرى.
٥٥٩ ـ أحمد بن صالح بن فتح المصرىّ الأصل، المكى المولد والدار، والمعروف بالقطان:
سمع من الشيخ خليل المالكى، والقاضى عز الدين ابن جماعة وغيرهما. وخدم جدى القاضى أبا الفضل النويرى مدة. وكان ينفذه إلى مصر فى مصالحه، وحصل له بذلك شهرة عند الناس.
توفى فى سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، سامحه الله تعالى.
٥٦٠ ـ أحمد بن أبى طالب بن أبى بكر بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله البغدادى، أبو العباس، وأبو جعفر الحمامى، المعروف بالزانكى ـ بزاى ونون ـ:
نزيل مكة. ذكره ابن رافع فى معجمه؛ لأنه من شيوخه بالإجازة، وذكر أنه سمع من عمه الأنجب بن أبى السعادات جزءا من الفوائد الحسان، من حديث أبى بكر بن أبى الصقر، ويعرف بابن النمط، عن ابن البطى، عن ابن خيرون عنه، وجزءين أول وثانى، فيهما ستة عشر مجلسا من أمالى أبى القاسم الحرفى عن ابن البطى عن ابن أيوب عنه، وكتاب النهى عن الهجران للحربى عن ابن البطى عن ابن خيرون بسنده، وكتاب العمر والشيب؛ لأبى نعيم الحافظ، وثلاثة مجالس، من أمالى ابن البخترى، وجزء دخول الشبه والاعتقاد عن أبى زرعة وأبى حاتم، رواية عبد الرحمن بن حاتم عنهما، وغير ذلك.
وحدث، فسمع منه قاضى القضاة شمس الدين محمد بن مسلم الحنبلى وغيره فى سنة ثمان وسبعمائة.
стр. 884
وكان سبب ظهوره، أن المحدث أمين الدين ابن الوانى، لما حج فى سنة خمس وسبعمائة، ذكر له أنه سمع كثيرا بالعراق على جماعة منهم عمه الأنجب الحمامى، فلما عاد إلى دمشق نبه عليه، وذكره للطلبة، وفتش فى أجزاء ابن الجوهرى، فوجد اسمه فى عدة أسماء، منها ما وجد فى أصل سماعه، ومنها ما وجد فى ثبته أو ضمنا فى بعض الطباق.
وتوفى فى سلخ جمادى الآخرة سنة تسع وسبعمائة بمكة المشرفة، بعد أن أقام بها مدة برباط مراغة.
وجدت وفاته هكذا، بخط الجدّ أبى عبد الله الفاسى، وذكر أنها فى يوم الخميس، وأنه صلى عليه بعد العصر ودفن بالمعلاة. وقال: أخبرنى أنه ولد فى وسط سنة اثنتين وعشرين ببغداد، وجاور بمكة أكثر عمره، إلى أن توفى بها، ﵀.
وذكر أنه سمع من جماعة من المتقدمين، وجد سماعه من بعضهم.
وذكر أنه سمع أبا عبد الله الحسين بن الزبيدى وغيره. وكان من أهل الخير والصلاح رحمة الله تعالى عليه، وكناه جدى بأبى جعفر. انتهى.
وقد أجاز لشيخنا بالإجازة، ناصر الدين محمد بن محمد بن داود بن حمزة المقدسى بخطه فى استدعاء رأيته، وتفرد بإجازته، ورباط مراغة هو الموضع المعروف ببيت الكيلانى.
وذكره الذهبى، فى ذيل سير النبلاء، وأنه جاور بمكة أكثر زمانه.
٥٦١ ـ أحمد بن طلحة بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الخليفة المعتضد بن أبى أحمد الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدى بن المنصور العباسى:
بويع بالخلافة بعد عمه المعتمد، واستمر حتى مات فى ربيع الآخر سنة تسع وثمانين
стр. 885
ومائتين، وكانت خلافته عشر سنين. وكان ذا سطوة وشجاعة وحزم ورأى وجبروت، وكان أسمر مهيبا معتدل الشكل. تغير مزاجه لإفراطه فى الجماع، وعدم الحمية فى مرضه. وعاش أربعين سنة. ذكرناه فى هذا الكتاب لما صنع فى أيامه من المآثر بمكة، وهى توسعة المسجد الحرام بما بقى من دار الندوة (١)، وتحليته للكعبة، كما ذكرنا فى المقدمة.
٥٦٢ ـ أحمد بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة المخزومى، قاضى مكة وخطيبها، شهاب الدين أبو العباس المكى:
ذكر أنه ولد سنة ثمان عشرة وسبعمائة بمكة. وسمع من قاضيها نجم الدين الطبرى كتاب: ذخائر العقبى، والسمط الثمين، عن جده المحب الطبرى مؤلفهما إجازة إن لم يكن سماعا، وأجاز له، ومن عيسى بن عبد الله الحجى: صحيح البخارى، ومن القاضيين جمال الدين الحنبلى، وجمال الدين المطرى: ثلاثياته، وعلى الزين الطبرى، وعثمان بن الصفى، والآقشهرى: سنن أبى داود، وعلى الآقشهرى، وأبى عبد الله الوادى آشى: التيسير لأبى عمرو الدانى، وعلى أبى محمد عبد الله بن موسى بن عمر ابن الزواوى: الجزء الثانى، من حديث مؤنسة خاتون بنت الملك العادل أبى بكر بن أيوب من أوله إلى حديث: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان» (١) وأجاز له،
стр. 886
وغير ذلك كثيرا، على جماعة غيرهم، وبعض ذلك بقراءته.
وطلب العلم، فقرأ الفقه على جماعة من الأئمة، وهم: الشيخ نجم الدين الأصفونى، وبه تخرج وعنه أخذ الفرائض والجبر والمقابلة، والسيد شرف الدين محمد بن الحسين نقيب الأشراف (٢) بالقاهرة، والحافظ صلاح الدين العلائى، وأذن له فى الفتوى والتدريس، والشيخ جمال الدين الإسنائى، وعنه أخذ أصول الفقه، وقرأ بالسبع متقنا لذلك على الشيخ برهان الدين المسرورى، وأذن له فى الإقراء، فأقرأ ودرس، وأفتى، وانتفع به الناس. وحدث.
سمع منه شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة، وجماعة من شيوخنا وأصحابنا، ولم يقدر لى السماع منه، لكنه أجازنى غير مرة باستدعاء شيخنا ابن سكر.
وأول ولايته أنه باشر فى الحرم، ثم ناب فى الحكم عن صهره القاضى تقى الدين الحرازى، ثم عن جدى القاضى أبى الفضل النويرى فى الخطابة، ثم وليها بعده على ما كان عليه، خلا تدريس «بشير» فإنه صار لابن أخيه شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة. وناب له فتجمّل به، واستمر حتى صرف عنه لخالى القاضى محب الدين النويرى، فى جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين.
وتوجه بعد صرفه إلى مصر طمعا فى المنصب، فعرض عليه مع بعض الوظائف فلم يقنع إلا بالجميع، ففاته الجميع، ثم عاد إلى مكة، واستمر مصروفا حتى مات، غير أنه حكم فى واقعتين نيابة عن خالى.
وتوفى فى آخر الثلث الأول من ليلة السبت الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة بمكة، وصلّى عليه بعد طلوع الشمس عند باب الكعبة، ودفن بالمعلاة على أبيه. وكثر الأسف عليه لوفور محاسنه، وكان معظما عند الناس من شبابه، وكان دخل فى مبدأ الكهولة بلاد المغرب واجتمع بأبى عنان بن أبى الحسن المرينى، صاحب فاس (٣)، فأكرمه وعظمه.
стр. 887
وكانت مدة مباشرته سنة وتسعة أشهر تقريبا.
٥٦٣ ـ أحمد بن ظهيرة بن حسين بن على بن أحمد بن عطية بن ظهيرة المخزومى المكى:
[ ...... ] (١) واشتغل فاخترمته المنية. وكان صاهر خالى ﵀ على ابنته. وماتت عنه.
ومات هو فى ليلة سادس ذى الحجة سنة ست وتسعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، عن بضع وعشرين سنة.
٥٦٤ ـ أحمد بن عاطف بن أبى دعيج بن أبى نمى الحسنى المكى:
كان من أعيان الأشراف، شجاعا، مليح الشكالة. توفى مقتولا فى يوم الزبارة، وهو يوم الثلاثاء، خامس عشرى شوال سنة ثمان وتسعين وسبعمائة.
* * *
من اسمه أحمد بن عبد الله
٥٦٥ ـ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن سالم البغدادى، أبو العباس:
نزيل مكة. حدث عن البزار. وتوفى سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
ذكره الذهبى فى تاريخ الإسلام.
٥٦٦ ـ أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرج بن بدر بن عثمان بن جابر العامرى، الشيخ شهاب الدين الغزى الدمشقى الشافعى:
ولد فى ربيع الأول سنة ستين وسبعمائة بغزة من أرض الشام، ونشأ بها، ثم انتقل إلى دمشق واستوطنها، وأخذ بها عن جماعة من فضلائها، منهم: قاضيها شهاب الدين أحمد الزهرى الشافعى، تفقه عليه، وأخذ عنه أصول الفقه.
стр. 888
وكان ماهرا فى الفقه وأصوله، مشاركا فى غيرهما، ويذاكر من الحديث ومتعلقاته بأشياء حسنة، وله عدة تواليف منها: شرح الحاوى الصغير، وشرح جمع الجوامع لقاضى دمشق تاج الدين السبكى، ومختصر المهمات، وتأليف على صحيح البخارى، يتعلق برجاله، وغير ذلك، وأظنه سمع من شيوخنا الدمشقيين بالإجازة. وألفيت بخطه شيئا، رواه عن تاج الدين السبكى من طبقات الفقهاء الشافعية له، وأظن ذلك إجازة، وإلا فوجادة.
وناب فى الحكم بدمشق عن قاضيها شمس الدين بن الإخنائى فى أواخر ولايته، وعن غيره من قضاتها بعده، ورزق قبولا عند متوليها الأمير نوروز الحافظى، وبإشارته ولى قضاء دمشق تاج الدين عبد الوهاب بن القاضى شهاب الدين الزهرى المقدم ذكر أبيه.
وولى نظر البيمارستان النورى بدمشق، ونظر جامعها الأموى وغير ذلك من الأنظار الكبار، كوقف الحرمين والبرج والغازية، وحمد فى مباشرته لتنميته غلال ما ينظر فيه من الأوقاف وقلة طمعه فى ذلك، وعادى فى أمر الأوقاف التى تنظّر فيها جماعة ممن له فيها استحقاق من القضاة والفقهاء وغيرهم، وظهر عليهم فى غير ما قضية.
وكان ينطوى على دين وخير وعبادة ومروءة وعناية بأصحابه، وفى خلقه حدة، وعادت عليه هذه الحدة بضرر فى غير ما قضية.
وكان بأخرة عند حكام دمشق أعظم قدرا من كثير من قضاتها وفقهائها، وإليه الإشارة فيما يعقد من المجالس، وحكم بجرح غير واحد من القضاة بدمشق، ومنع بعض المفتين والوعاظ من الفتيا والوعظ، وتم له ما أراد فى بعض ذلك.
وولى التدريس ببعض مدارس دمشق، ومشيخة بعض الخوانق بها، وتصدى بدمشق للتدريس والإفادة والفتيا، وأتى من دمشق إلى مكة حاجا أربع مرات أو أكثر، وجاور بها ثلاث سنين متفرقة، وهى غالب سنة سبع وثمانين، وسنة تسع وثمانمائة، وسنة موته.
وفى سنة تسع وثمانمائة، توجه للطائف لزيارة حبر الأمة عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، وعاد إلى مكة بعد أيام قليلة، وأقرأ فى هذه السنة بالمسجد الحرام مختصر ابن الحاجب فى الأصول، فى حلقة حافلة بالنبهاء، وأقرأ غير ذلك بمنزله بشباك رباط السدرة وغيره، وأذن فيها لغير واحد من طلبته فى الفتيا والتدريس ومضى بعد الحج من هذه السنة إلى دمشق، ولم يقدر له بعد ذلك وصول إلى مكة، إلا فى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، فكان إتيانه إليها مع الحجاج الشاميين بعياله وولده. وكان فى
стр. 889
النوبتين الأوليين مجردا عن العيال، فحج وسكن بدار العجلة الجديدة، إلى أن توفى ـ رحمه الله تعالى ـ وقت الظهر، من يوم الخميس سادس شوال سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة شهيدا مبطونا، وصلى عليه فى عصر يوم موته، عند باب الكعبة الشريفة، ودفن بالمعلاة بجوار قبر جدى لأمى، قاضى مكة وعالمها أبى الفضل النويرى، وابنه قاضى الحرمين محب الدين النويرى، وابنه القاضى عز الدين، بإشارة ابن خالى القاضى الخطيب كمال الدين أبى الفضل بن محب الدين.
وقد أذن له الشيخ شهاب الدين المذكور فى الفتوى والتدريس، بعد أن أخذ عنه جانبا من الحاوى الصغير، تغمده الله برحمته.
وقد سمعت منه فوائد علمية كثيرة وحكايات مستحسنة. وأجاز لى ما له روايته.
٥٦٧ ـ أحمد بن عبد الله بن الحسن بن عطية بن محمد بن المؤيد الزيدى:
توفى محرما ملبيا فى ليلة الخميس الرابع من ذى الحجة سنة سبع وثمانمائة ودفن بالمعلاة.
٥٦٨ ـ أحمد بن أبى بكر عبد الله بن خليل بن إبراهيم بن يحيى بن فارس ابن أبى عبد الله العسقلانى، يكنى أبا الفضل، ويلقب بالعلم، ويعرف بابن خليل المكى الشافعى:
سمع بمكة من ابن الجميزى: الثقفيات، ومن ابن أبى الفضل المرسى، وعمه سليمان، وابن مسدى، والتاج ابن عساكر، وابنه أبى اليمن كثيرا، ومن غيرهم.
وسمع بمصر بعد الستين وستمائة، من ابن سراقة: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، ومن النجيب الحرانى جزء ابن عرفة، ومن الرشيد العطار، وابن علاق، وشيخ الشيوخ الأنصارى، وخطيب المقياس وغيرهم.
وحدث، سمع منه نجم الدين بن عبد الحميد: الأربعين الثقفية، وسمع منه خطيب سبتة (١) ابن رشيد الفهرى. وذكر أنه لقيه بمكة، مع أخيه الرضى ابن خليل، وسمع منهما بمنزلهما من الحرم الشريف، وترجمهما بالأخوين الفاضلين، فقيهى الحرم ومفتييه، وترجم العلم صاحبه بالصالح المبارك.
стр. 890
وذكر أنه لما اجتمع بالعلم كان بحالة ترضى، وأنهما تخفيا وبالغا فى البر والتأنيس، وكتب عن العلم حكاية تتعلق بالحجر المقابل لدار أبى بكر الصديق رضى الله عنه، ذكرناها فى المقدمة، وسمع من الحافظ البرزالى رابع الثقفيات، وذكره فى معجمه، وقال: أحد فقهاء مكة، وكان رجلا صالحا كثير العبادة.
ووجدت بخط الميورقى (٢) أن العلم ابن خليل هذا، قال له: إن ابن خشيش قال له قبل موته بأشهر: لى إليك حاجة، أتقضيها لى؟ قال: فقلت له: مقضية يا سيدى، أو نحو ذلك. فقال: حاجتى إليك أن تفتى المسلمين بارك الله فيك. انتهى.
وهذا إذن من ابن خشيش فى الإفتاء، إن لم يكن أذن له فى ذلك من قبل.
وذكر لى شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة، أنه ألف منسكا فى كراريس، وجزءا لطيفا فى الدماء، وغير ذلك.
وكان يكتب بخطه فى نسبه القرشى العثمانى، واشتهرت هذه النسبة فى أقاربه من بعده، ورأيت نسبه إلى سيدنا عثمان رضى الله عنه، منقولا بخط ابن أيبك الدمياطى، عن خط شيخ الإسلام تقى الدين السبكى، عن إملاء شيخنا بهاء الدين عبد الله بن خليل ابن أخى المذكور، قال: وكان شيخنا لا يذكر فى نسبته إلا المكى، بغير زيادة، وكذلك والده، ورأيت بخط عمه نجم الدين بن فى نسبته: الكنانى، وذلك مخالف لما ادعاه العلم من النسب إلى عثمان رضى الله عنه، فالله أعلم، ورأيت نسبه إلى عثمان رضى الله عنه، بخط ابن رافع فى معجمه، فى ترجمة الشيخ بهاء الدين، وسيأتى فى ترجمته.
وذكره العفيف المطرى فى ذيله لطبقات الفقهاء لابن كثير، وذكر أنه كان فقيها فاضلا، نقالا ثقة، وأنه توفى عشية الثلاثاء الثانى والعشرين من شعبان سنة تسع وثمانين وستمائة، وصلى عليه أخوه الرضى، وأنه ولد يوم السبت منتصف ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وستمائة. انتهى.
وقال البرزالى: قال الذهبى: مات سنة تسعين، وله ثلاثة وخمسون سنة، وسألت ابن أخيه عبد الله عن وفاته، فلم يحققها، ولكنه قال: قبل والدى بنحو أربع سنين أو أكثر، وكلاهما مات بمكة ودفن بالمعلاة.
стр. 891
قال: ثم اجتمعت بشرف الدين خليل بن محمد بن عيسى بن يحيى بن خليل العسقلانى المكى فى شوال سنة ست وعشرين وسبعمائة بجامع دمشق. فذكر أنه توفى سنة ثمان وثمانين فى آخر السنة. قال: وهى سنة مولدى، فإنى ولدت فى رجب منها. وكان والدى يقول: مات العلم فى السنة التى ولد خليل فيها، سنة ثمان وثمانين وستمائة.
٥٦٩ ـ أحمد بن عبد الله بن عياض المكى:
ذكر أبو حاتم: أنه يروى عن عبد الرزاق، ومؤمل بن إسماعيل، وإسماعيل بن عبد الكريم. وقال: سألت أبى عنه، فقال: شيخ قدم علينا فكان يقص وكان حافظا، حدث بأحاديث منكرة. كتب عنه أبى، وقال أبى: كانت له مناكير.
لخصت هذه الترجمة من لسان الميزان لصاحبنا الحافظ أبى الفضل العسقلانى، أمتع الله بحياته. وهذا الكتاب اختصر فيه الميزان للذهبى، وزاد عليه زيادات فى أثناء التراجم، وزيادات بتراجم مستقلة، وهو كتاب بديع.
٥٧٠ ـ أحمد بن عبد الله بن قنبل، وقنبل: بضم القاف، ثم نون ثم باء موحدة ولام، أبو سعيد المكى:
من قدماء أصحاب الشافعى، روى عن الإمام الشافعى بيتين من شعره. وروى عنه أبو الوليد بن أبى الجارود، وابن أبى الدنيا عن الشافعى، بيتين له، وهما [من الطويل]:
أرى النفس منى قد تتوق إلى مصر ... ومن دونها أرض المهامة والقفر
فو الله ما أدرى أساق إلى الفنا ... إليها فأحيا أم أساق إلى قبر
قال أبو سعيد: فسيق والله إليهما جميعا. ذكره القطب الحلبى فى تاريخ مصر، هكذا، وقال: ذكره الأموى.
٥٧١ ـ أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم، شيخ الحجاز، محب الدين الطبرى المكى الشافعى، يكنى أبا جعفر، وأبا العباس:
سمع بمكة، وقرأ على أبى الحسن بن المقير البغدادى: سنن أبى داود، عن الفضل بن
стр. 892
سهل الإسفراينى عن الخطيب البغدادى، وسنن النسائى، عن أبى الحسن على بن أحمد اليزدى، عن الدونى، والوسيط للواحدى، سماعا وقراءة عن أبى الفضل أحمد بن طاهر الميهنى عنه، وبعض الجمع بين الصحيحين للحميدى، قراءة لبعضه عن ابن البطى عنه، وبعض الغريب لأبى عبيد، سماعا لبعضه عن شهدة، والفصيح لثعلب عن ابن ناصر عن التبريزى، والغريب للعزيزى عن شهدة، وغير ذلك كثيرا، وعلى عبد الرحمن بن أبى حرمى، من أول صحيح البخارى إلى قصة كعب بن مالك، ولعله سمعه كله، وعلى عمى أبيه: تقى الدين على بن أبى بكر الطبرى، وأخيه يعقوب: صحيح البخارى، وعلى يعقوب بن أبى بكر الطبرى: جامع الترمذى، وعلى شرف الدين بن أبى الفضل المرسى: صحيح مسلم، وصحيح ابن حبان، وعلى أبى الحسن بن الجميزى: الأربعين الثقفية، والأربعين البلدانية للسلفى، وعلى شعيب الزعفرانى الأربعين البلدانية، والأربعين الثقفية، وعلى محيى الدين محمد بن أحمد بن محمد بن أبى جرادة، المعروف بابن العديم، وريحان ابن عبد الله الشرفى السكينى: جزء الأنصارى، وعلى شيخ الحرم نجم الدين بشير بن حامد التبريزى: جزء الأنصارى، عن ابن سكينة وأربعى الضياء عتيق بن على البامنجى عنه، وكتاب التنبيه فى الفقه للشيخ أبى إسحاق الشيرازى، عن ابن سكينة عن الأرموى عن المؤلف وتفقه عليه، وعنه أخذ العلم، وعلى جماعة كثيرين من شيوخ مكة، والقادمين إليها.
وأجاز له من بغداد ابن القبيطى، وابن الخازن، وجماعة مع آخرين من الشام ومصر، وحدث، وخرج لنفسه أحاديث عوالى.
وذكر أبو حيان: أنه وقع له فى القسم الأول، وهو التساعى، وهم فاحش، وهو إسقاط رجل من الإسناد، حتى صار له الحديث تساعيا فى ظنه. وله تواليف حسنة فى فنون من العلم، إلا أنه وقع له فى بعض كتبه الحديثية شيء لا يستحسن، وهو أنه ضمنها أحاديث ضعيفة وموضوعة فى فضائل الأعمال، وفضائل الصحابة رضى الله عنهم، من غير تنبيه على ذلك، ولا ذكر إسنادها ليعلم منه حالها، وغاية ما صنع، أن يقول: أخرجه فلان، ويسمى الطبرانى مثلا أو غيره من مؤلفى الكتب التى أخرج منها الحديث المشار إليه. وكان من حقه أن يخرج الحديث بسنده فى الكتاب الذى أخرجه منه، ليسلم بذلك من الانتقاد، كما سلم به مؤلف الكتاب الذى أخرج منه المحب الطبرى، الحديث الذى خرجه، أو يقول: أخرجه الطبرانى مثلا بسند ضعيف، كما صنع غير واحد من المحدثين فى بيان حكم سند الحديث، الذى يريدون إخراجه، أو ذكره بإسناد المؤلف، الذى يخرجونه من كتابه.
стр. 893
ومن تواليفه على ما ذكر فى مشيختى المظفر: تخريجه فى التفسير، وكتاب القبس الأسنى، فى كشف الغريب والمعنى، مجلد كبير، وكتاب الكافى فى غريب القرآن الجامع بين العزيزى والبيان، مجلد، وكتاب يتضمن ترتيب العزيزى على السور، مجلد، وكتاب النخبة المدينة، جزء لطيف. وكتاب تفسير جامع، لم يتم. وكتاب مرسوم المصحف العثمانى المدنى.
ومن الحديث: كتاب الأحكام الكبرى، مسودة فى خمسة أسفار، وتبلغ ثمانية بخط متوسط، وكتاب الأحكام الوسطى، مجلد كبير، وكتاب الأحكام الصغرى، يتضمن ألف حديث وخمسة عشر حديثا، مجلد، وكتاب سماه: بالمحرر للملك المظفر، جمع فيه أحكام الصحيحين، ومختصره المسمى بالعمدة، وكتاب الرياض النضرة فى فضائل العشرة، مجلدان، وكتاب ذخائر العقبى فى مناقب ذوى القربى، مجلد، وكتاب السمط الثمين فى مناقب أمهات المؤمنين، مجلد، وتقريب المرام فى غريب القاسم بن سلام، مبوبا على حروف المعجم، مجلد مختصر، وكتاب الدر المنثور للملك المنصور، يتضمن ترتيب غريب أبى عبيد القاسم بن سلام، على ترتيب حروف المعجم، وكتاب غريب جامع الأصول، مجلد، وكتاب القرى من ساكن أم القرى، يتضمن تجريد أحاديث المناسك من الكتب الستة وغيرها، مجلد ضخم، وربما عمل مجلدين، وغاية بغية الناسك، من أحكام المناسك، وصفة حجة النبى ﷺ ، على اختلاف طرقها وجمع ألفاظها، والدرر الثمينة فى مدحه ﷺ ، والسيرة النبوية، ووجوه المعانى فى قوله ﷺ : «من رآنى فى المنام فقد رآنى حقا» (١)، جزء. وغير ذلك. وفى الرقائق: مختصر عوارف المعارف للسهروردى، مجلد.
وفى الفقه: مجموع فى الخلاف، على طريق المتأخرين، مجلد ولم يتم، وشرح التنبيه، عشرة أسفار كبار، ونكت كبرى عليه، أربعة أسفار لطيفة، ونكت صغرى، لم يتم منها إلا مجلد، إلى الوكالة، وكتاب مختصر التنبيه الأكبر، مجلد لطيف، ومختصره الأصغر، أربع
стр. 894
كراريس، وكتاب المسلك النبيه، فى تلخيص التنبيه، وكتاب تحرير التنبيه لكل طالب نبيه، ولعلهما الأولان، وكتاب مختصر المهذب، مجلدان لطيفان، وكتاب الطراز المذهب المحبر فى تلخيص المذهب للملك المظفر. وذكر أن هذا الكتاب لم ينقح، ولم يخرج من المسودة إلى الآن، ولم يؤلف إلا بمقتضى أمر السلطان، يعنى الملك المظفر.
وذكر الشيخ جمال الدين الإسنائى فى طبقاته، للمحب الطبرى، تأليفا فى الألغاز. انتهى.
وكانت للمحب الطبرى عند المظفر مكانة عظيمة، وكان يحسن إليه كثيرا، ورتب له فى كل شهر خمسين دينارا، على تدريس مدرسة والده بمكة، المعروفة بالمنصورية. وكانت جامكيتها فى الابتداء مائتين وأربعين دينارا فى السنة، على ما وجدت بخط حفيده القاضى نجم الدين الطبرى، فى كتاب كتبه إلى بعض أهل اليمن بخطه.
وكان المحب يسافر اليمن لقصد الملك المظفر، وسمع عليه الملك المظفر هناك بعض مروياته وتواليفه، منها: الأحكام الكبرى، على ما قيل.
وقد سمع من المحب غير واحد من الأعيان. منهم: المحدث أبو محمد عبد الله بن عبد العزيز بن عبد القوى المهدوى، مع القطب القسطلانى، والقاضى جمال الدين الطبرى، فى جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وستمائة بالروضة من المسجد النبوى، ونجم الدين ابن عبد الحميد، والحافظ الدمياطى وعلاء الدين بن العطار الدمشقى، وعلم الدين البرزالى، والقاضى شمس الدين بن مسلم، وقطب الدين الحلبى، وأبو حيان النحوى، والقاضى نجم الدين الطبرى، وجمع كثير، آخرهم وفاة عثمان بن الصفى الطبرى، وبين وفاته ووفاة المهدوى مائة سنة، فإن المهدوى توفى سنة تسع وأربعين وستمائة، على ما وجدت بخط الميورقى، وآخر أصحابه بالإجازة الشهاب الحنفى فيما أحسب.
وقد أثنى على المحب الطبرى غير واحد من الأعيان، وترجموه بتراجم عظيمة، وهو جدير بها، منها على ما وجدت بخط ابن مسدى: الإمام الأجل العالم قطب الشريعة.
وترجمه البرزالى فيما وجدت بخطه: شيخ الحجاز واليمن.
وترجمه الذهبى: بشيخ الحرم، والفقيه الزاهد المحدث، ثم قال: وكان شيخ الشافعية ومحدث الحجاز. انتهى.
وقد سمعت شيخنا مفتى الحجاز، القاضى جمال الدين بن ظهيرة يقول: سمعت
стр. 895
القاضى أبا الفضل يقول: إنه سمع الحافظ صلاح الدين العلائى يقول: ما أخرجت مكة بعد الشافعى، مثل المحب الطبرى. انتهى.
وهذه منقبة عظيمة، إلا أنها لا تسلم من الاعتراض، بمثل الحميدى المكى صاحب الشافعى، وبمثل ابن المنذر، وآخرين من الغرباء.
ووجدت بخط القطب الحلبى، فى ترجمة المحب الطبرى: أنه لم يكن فى زمانه مثله بالحرم المكى، وهذا مما لا ريب فيه.
وقد اختلف فى وفاة المحب الطبرى على أربعة أقوال:
فقيل: كانت وفاته فى الثلث الأخير من ليلة الثلاثاء ثانى جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وستمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. كذا وجدت وفاته بخط بعض العصريين.
ووجدت بخط القطب الحلبى فى تاريخه أن على بن عمر بن حمزة الحرانى، كتب إليه أنه توفى فى جمادى الآخرة من السنة المذكورة.
وقد أرخ وفاته بجمادى الآخرة من السنة المذكورة غير واحد، منهم: البرزالى فى معجمه وتعاليقه، والذهبى فى تاريخ الإسلام، وطبقات الحفاظ، وابن أيبك فى وفياته، وهو الصحيح فى وفاته إن شاء الله تعالى.
وقيل: توفى فى أحد الربيعين من السنة، حكاه البرزالى عن أمين الدين ابن الوانى.
وقيل: فى رمضان من السنة.
ذكره البرزالى فى معجمه، والذهبى فى العبر، والإسنائى فى طبقاته، ولعله قلد الذهبى فى ذلك، وذكر الإسنائى أن المحب الطبرى اشتغل بقوص على الشيخ مجد الدين القشيرى.
ورأيت شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة يستبعد ذلك، وقد رأيت ما يدل لما ذكره الإسنائى، وذلك أنى وجدت بخط القطب الحلبى فى تاريخ مصر، أن البهاء عبد الله ابن الرضى بن خليل المكى، أخبره أن الشيخ محب الدين الطبرى ورد إلى قوص (٢)، واشتغل بها. انتهى. والله أعلم.
стр. 896
واختلف أيضا فى مولد المحب الطبرى، فقيل: إنه ولد بمكة يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة. كذا ذكر مولده البرزالى فى معجمه. وهكذا وجدته بخط الشيخ بهاء الدين عبد الله بن خليل المكى نقلا عن غيره.
ووجدت بخط أبى حيان: أن المحب الطبرى أخبره أن مولده فى خامس عشرى جمادى الآخرة من السنة المذكورة.
وذكر البرزالى عن أمين الدين ابن الوانى، أنه كتب لهم من مكة أنه ولد سنة أربع عشرة وستمائة. وقرأ بمكة. انتهى.
وكان الشيخ محب الدين الطبرى، يلقب بمحيى الدين قبل أن يلقب بمحب الدين. وكان يكره اللقب الأول، فزار المدينة النبوية، ومدح النبى ﷺ بقصيدة، وسأل أن تكون جائزته عليها، أن يزول عنه اللقب الأول؛ فزال حتى كأن لم يكن.
وهذه الحكاية ذكرها جدى الشريف أبو عبد الله فى تعاليقه؛ لأنه قال: سمعت الإمام محب الدين الطبرى ﵀ يقول: مشينا إلى المدينة زائرين، وكنا جماعة، فنظمت قصيدة فى مدح النبى ﷺ ؛ فلما قدمنا المدينة، أنشدت القصيدة، فلما فرغت من إنشادها، قلت: يا رسول الله، إن من جائزتى أن يذهب عنى هذا اللقب، وكان لقبى بين الناس: محيى الدين، وكنت أكره هذا اللقب، فلقبت بعد ذلك: محب الدين، وذهب عنى لقب محيى الدين، حتى كأنه لم يكن. انتهى.
وللشيخ محب الدين شعر كثير جيد يحويه ديوانه، وهى مجلدة لطيفة على ما رأيت.
فمن ذلك قصيدة نحو مائة وستين بيتا، ذكر فيها المنازل بين مكة والمدينة، أولها [من الطويل]:
رحلت إلى المختار خير البرية
ومن ذلك ما أنشدناه الشيخ أبو اليمن محمد بن أحمد بن الرضى الطبرى بقراءتى عليه بالحرم الشريف، عن أبيه وابن عمه عثمان بن الصفى الطبرى إذنا أن المحب الطبرى أنشدهما لنفسه إجازة [من الوافر]:
مريض من صدودك لا يعاد ... به ألم لغيرك لا يعاد
وقد ألف التداوى بالتدانى ... فهل أيام وصلكم تعاد
لحا الله العواذل كم ألحوا ... ولا أصغى وكم عذلوا وعادوا
стр. 897
ولو لحظوا من الأحباب معنى ... لما أبدوا هناك ولا أعادوا
فلا والله لا أسلو ولكن ... أزيد هوى إذا فى العذل زادوا
أأسلو من غرامى فيه دين ... أدين به ولى فى الحشر زاد
سقى صوب الغوادى جمع جمع ... وحيا معهد الوصل العهاد
ربوع لى مع الأحباب فيها ... عهود مالها أبدا نفاد
فكم من ليلة بيضاء فيها ... ظفرت بما به يشفى الفؤاد
وما زالت ليالى الوصل بيضا ... ويوم الهجر يعلوه السواد
ألا يا صاح عيل الصبر منى ... وبان القلب مذ بانت سعاد
وكان يزورنى منه خيال ... يسكن بعض ما بى أو يكاد
فبان لبينها وجفى جفونى ... كراها واستقر بها السهاد
فيا عجبا لحظى من سعاد ... وما زالت عليها الاعتماد
أريد وصالها وتريد بعدى ... فما أشقى مريدا لا يراد
فوا أسفا على عمر تقضى ... ولما يقض لى منها مراد
أجيرتنا أجيروا الجار وارعوا ... فتى بزمام حبكم يقاد
عليل يس يشفى دون وصل ... قتيل ما به أحد يقاد
حليف جوى كئيب مستهام ... عديم الصبر باينه الفؤاد
أجيران العقيق وأهل سلع ... أجيروا من أضر به البعاد
فما زال الأحبة أهل عطف ... إذا ما استعطفوا عطفوا وجادوا
ومن شعره أيضا ما أنشدناه الشيخ [من الطويل]:
وقائلة هل يجمل النوم مع وصلى ... ومثلك محسود على الوصل من مثلى
فقلت: وحبى فيك ما نمت إنما ... بحسنك والحسنى غلبت على عقلى
ومنه أيضا [من الخفيف]:
ما لطرفى عن الجمال براح ... ولقلبى به غذاء وراح
كل معنى يلوح فى كل حسن ... لى إليه تلفت وارتياح
وغرامى به قديم وشربى ... دائما من سلافه أقداح
أجتلى الحسن شاهدا فيه معنى ... هو روح وما سوى أشباح
كل حسن يروق مشكاة حسن ... لأهيل الحمى وهم مصباح
وهم للوجود روح وراح ... ومغان ونوره الوضاح
стр. 898
وهم السر فى الجمال وعنهم ... ترو أخباره الحسان الصحاح
فبهم يعشق الجمال ويهوى ... ويشوق الحمى وتهوى الملاح
وبهم يعذب الغرام ويحلو ... ويطيب الثناء والامتداح
لا تلم يا خلى قلبى فيهم ... ما على من هوى الملاح جناح
ويح قلبى وويح طرفى إلى كم ... يكتم الحب والهوى فضاح
صاح عرّج على العقيق وسلع ... وقباب فيها الوجوه الصباح
قف بجرعائها وناد بناد ... مشرق الروض عطره فياح
يا أهيل الحمى وأهل المصلى ... وربوع تشتاقها الأرواح
للمحب المشوق قلب جريح ... وبترب الحمى تداوى الجراح
يتمنى يطير شوقا إليكم ... إنما عز مسعد وجناح
وإليكم له اختلاف قديم ... وغدو بربعكم ورواح
فبعهد الوصال جودوا بعطف ... فإلى الجود طرفه طماح
ومنه أيضا [من الكامل]:
الوجد يشهد أننى مقتول ... بهوى المحجب والغرام كفيل
أسر الفؤاد جميله وجماله ... فالقلب فيه كثيّر وجميل
لله أيام الوصال وعيشنا ... مستعذب والحادثات أفول
يا معهد الأحباب هل من عودة ... ويضم شملى ظلك المأهول
أو هل بتنعيم الحما من وقفة ... أو هل إلى وادى الأراك سبيل
أو هل أرى من أرض مكة معلما ... أو تبدون لى شامة وطفيل
أو يقبل النكبا جميل تحية ... لمتيم صب براه نحول
يحلو له مر الهوى وحديثه ... فيه عريض شرحه وطويل
يا ويح قلبى من صدود أحبتى ... ما الصد إلا للمحب قتول
كيف الوصول إلى الوصال وعزة ... عزت فعز على المحب وصول
أم كيف أسلو وهى غاية مطلبى ... إن الغرام بعزة لجميل
أرجو وآمل وصلها وصلاتها ... يا حبذا المرجو والمأمول
لا نلت وصلا إن تحدث خاطر ... بسلوها أو أضمر التبديل
إن أقبلت فبفضلها أو أدبرت ... فالصد منها والجفا مقبول
ومنه أيضا [من البسيط]:
стр. 899
العامرية لى فى ربعها شغل ... نعم وبين الحشا من صدها شعل
لا تعذلا فى هواها صاحبى ول ... كن أسعدانى فقد ضاقت بى الحيل
لا بد منها وإن عزت مطالبها ... وإن أساءت وإن أقصانى الزلل
ولا وسيلة لى إلا عواطفها ... وليس لى عوض عنها ولا بدل
أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... يا حبذا ذلك المرجو والأمل
أعلل النفس من يوم إلى غده ... وقد ترادفت الأسقام والعلل
يقضى الغرام على العشاق أنهم ... ما حمّلوا فى الهوى من ثقله حملوا
شرع الأحبة عدل كيف ما صنع ال ... أحباب لا حرج فى كل ما فعلوا
هم قرة العين إن يدنوا وإن بعدوا ... وأهل ودى وإن صدوا وإن وصلوا
والصبر أجمل عون للمحب إذا ... عز الوصال وعزت منهم الوصل
دين الصبابة لا أبغى به بدلا ... وليس لى حول عنه ولا ميل
٥٧٢ ـ أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله المعقلى الهروى، أبو محمد:
قال الحاكم: كان إمام أهل خراسان بلا مدافعة، حج بالناس وخطب بمكة، وقدم إليه المقام وهو قاعد فى جوف الكعبة. ولقد سمعتهم بمكة يذكرون أن هذه الولاية لم تكن قط لغيره. انتهى.
وهذه الولاية يحتمل أن تكون ولاية للحج فقط، ويحتمل أن يكون ولاية للخطابة بمكة، وإنما ذكرناه احتياطا. ومات على ما ذكر الحاكم فى سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
٥٧٣ ـ أحمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن أبى بكر، يلقب بالشهاب ابن المجد الطبرى الصوفى:
سمع من شيخ الإسلام عبد الرحمن بن أبى عمر جزء ابن زبان، وعلى المسلم بن محمد القيسى جزء الأنصارى، وعلى الفخر بن البخارى مشيخته، وغير ذلك. وحدث.
ذكره ابن رافع فى معجمه، وقال: كان لديه معرفة بشيء من الاصطلاح، وله ثبت.
وتولى مشيخة رباط الفخر ناظر الجيش بالقدس.
وتوفى ثالث ذى الحجة سنة سبع وعشرين وسبعمائة بالقدس، ودفن بما ملا.
стр. 900
٥٧٤ ـ أحمد بن عبد الله بن محمد بن على، يلقب بالشهاب بن العفيف الهبى:
نزيل مكة، كان أبوه من أعيان التجار بعدن، وبها ولد المذكور ونشأ، ثم انتقل إلى مكة لما استوطنها أبوه، وأقام بها سنين كثيرة، نحو أربعين سنة فى حياة أبيه وبعده، إلا أنه ربما سافر فى بعض السنين إلى اليمن لحاجة، ثم يعود لمكة.
وعزم منها للسفر إلى اليمن، فى جمادى الأولى سنة عشرين وثمانمائة، فأدر كه الأجل بجدة فحمل إلى مكة. فدفن بالمعلاة.
وكان يعانى الزراعة بعد موت أبيه فيما خلفه أبوه له وأخوته من الأراضى والسقايا بأرض نافع من وادى نخلة (١)، وما مات حتى باع نصيبه فى ذلك وغيره.
وكان ينطوى على خير ومروءة، وصاهره القاضى كمال الدين موسى بن القاضى نور الدين بن جميع على ابنته. وكان له ولد اسمه محمد، ويلقب بالجمال، توفى قبله بمكة فى سنة سبع عشرة وثمانمائة فى الحرم، ظنا غالبا.
٥٧٥ ـ أحمد بن عبد الله، شهاب الدين الشريفى المصرى:
نزيل مكة، الفراش بالحرم الشريف. ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة بقوص.
سمع بأخميم (١) من الكمال بن عبد الظاهر، وبالقاهرة من الحجاز: صحيح البخارى، وبمكة من القاضى نجم الدين الطبرى وغيره، وبالمدينة من الجمال الطبرى.
وتوفى ليلة الجمعة ثالث شوال سنة اثنتين وستين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة.
هكذا ذكر وفاته ومولده شيخنا ابن سكر، وعليه اعتمدت فيما ذكرته من شيوخه.
стр. 901
٥٧٦ ـ أحمد بن عبد الله المكى، المعروف بأبى مغامس:
أحد تجار مكة، كان فى مبدأ أمره صيرفيا، ثم حصل دنيا، وصار يداين الناس كثيرا، واشتهر بسبب ذلك عند الناس.
وتوفى فى يوم الجمعة رابع شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. وقد بلغ الستين أو جاوزها.
٥٧٧ ـ أحمد بن عبد الله المكى، يعرف بالحلبى، المكبّر بالحرم الشريف، يلقب بالشهاب:
كان من جملة الطلبة بدرس الأمير يلبغا بمكة، ونزح عنها غير مرة إلى ديار مصر والشام طلبا للرزق، وانقطع لذلك مدة سنين بالقاهرة حتى صار بها خبيرا، ثم أتى مكة وجاور مدة سنين، حتى مات فى يوم النحر من سنة تسع وثمانمائة، وكانت وفاته ـ فيما أحسب ـ بمنى قبل التحلل. ودفن بالمعلاة، سامحه الله.
٥٧٨ ـ أحمد بن عبد الله الدورى المكى:
الفراش بالحرم الشريف. سمع من القاضى عز الدين ابن جماعة، وما علمته حدث، وباشر الفراشة بالحرم الشريف سنين كثيرة جدا، وأمانة الزيت والشمع سنين قليلة، ولم يحمد فيما اوتمن فيه.
وكان على ذهنه قليل من الحكايات المضحكة، ويحكيها عند قبة الفراشين بالحرم الشريف، ويجتمع عنده الأطفال لسماعها ويترددون إليه لأجل ذلك.
وكان يصلى بالناس صلاة التراويح فى رمضان، ويصلى خلفه الجمع الكثير لكثرة تخفيفه، ويلقبون صلاته بالمسلوقة، وكانت صلاته بالقرب من قبة الفراشين.
ورزق عدة أولاد، وفجع بهم وقتا بعد وقت، ونزل قبل موته بقليل عن الفراشة لابن أخته.
ووقف جانبا من داره من مكة بالمسفلة على أولاد أخته، فالله يثيبه.
وتوفى سحر يوم الجمعة رابع عشر شوال سنة تسع عشرة وثمانمائة. وقد جاوز الستين بسنين فى غالب الظن. وكانت وفاته بمكة ودفن بالمعلاة.
* * *
стр. 902
من اسمه أحمد بن عبد الرحمن
٥٧٩ ـ أحمد بن الوجيه عبد الرحمن بن عبد المعطى بن مكى بن طراد، الخزرجى الأنصارى المكى:
سمع من الفخر التوزرى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، وصحيح البخارى. وما علمته حدث.
وذكر لى ابن عمه شيخنا أبو بكر بن قاسم بن عبد المعطى: أنه كان يفسر المنامات تفسيرا حسنا، وأنه توفى بمصر سنة ست وأربعين وسبعمائة.
٥٨٠ ـ أحمد بن عبد الرحمن بن على بن الحسين الشيبانى الطبرى:
ترجم فى حجر قبره بالمعلاة: بالقاضى السعيد العالم عز الدين، وفيه بعد الطبرى: قاضى الحرمين الشريفين.
توفى فى جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وخمسمائة.
٥٨١ ـ أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان، المعروف بابن أفضل الزمان، أبى العباس:
ذكره ابن الأثير فى كامله، فقال: كان عالما متبحرا فى علوم كثيرة: الخلاف والفقه، ومذهبه، والأصولين والحساب، والفرائض والنحو والهيئة والمنطق وغير ذلك، وختم أعماله بالزهد ولبس الخشن، وأقام بمكة حرسها الله تعالى مجاورا، حتى توفى بها فى صفر سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
وقال: كان من أحسن الناس صحبة وخلقا، وهو من شيوخه.
٥٨٢ ـ أحمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن إسحاق بن أبى بكر الطبرى، شهاب الدين بن الشرف بن العز بن فخر المكى ثم الينبعى، لسكناه ينبع من أرض الحجاز:
أجاز له على ما وجدت بخط البرزالى: القاضى شمس الدين بن العماد المقدسى، والصفى خليل المراغى، وعبد العزيز بن خليل، والشريف عماد الدين إبراهيم المنقذى، وعبد الصمد بن عساكر.
стр. 903
ووجدت بخط عبد العزيز بن المؤذن، أربعين حديثا من رواية المذكور وجماعة من أقاربه مخرجة عن القاضى شمس الدين بن العماد، والقاضى تقى الدين بن رزين، وأبى اليمن بن عساكر إجازة، خرجها الآقشهرى فى سنة ست وثلاثين للمذكورين، وما حدث بها منهم سوى الحجى، على ما وجدت فى النسخة التى وقعت لى.
وذكر لى صاحبنا الشيخ خليل الأقفهسى أنه وقف على الأصل بخط الآقشهرى، وليس فيها سماع على أحد من المذكورين.
٥٨٣ ـ أحمد بن عبد العزيز بن القاسم بن عبد الرحمن، المعروف بالشهيد الناطق، بن القاسم بن عبد الله العقيلى الجزولى، الشيخ شهاب الدين النويرى:
تردد إلى مكة مرات، وسمع بها فى سنة ست وتسعين وستمائة على الفخر التوزرى أكثر صحيح البخارى، ثم سمعه بكماله على الصفى والرضى الطبريين فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، ثم استوطنها وتأهل بها بابنة قاضيها نجم الدين الطبرى.
وولى ـ على ما ذكر لى شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة ـ تدريس الحديث بالمنصورية بمكة، ثم انتقل إلى المدينة، وأقام بها حتى مات فى عصر يوم الأحد سادس عشر المحرم سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، ودفن بعد المغرب بالبقيع (١) قريبا من الإمام مالك بن أنس رضى الله عنه مما يلى الطريق.
نقلت خبر وفاته من كتاب «نصيحة المشاور» لابن فرحون، لأنه ذكره فيه، وذكر أنه من إخوانه فى الله، العلماء الربانيين أصحاب الأحوال والمكاشفات، وذكر أنه صلى إلى جانبه يوما لما أضل قدوم الحاج إلى المدينة الشريفة، فكانت صلاته كلها وسوسة بما يجئ به الحاج، وما يكون من وظائفه، وما يجئ منها وغير ذلك. فذكر له الشيخ شهاب الدين مع ما وقع فى خاطره على سبيل الإنكار. قال: وله كرامات لا يسع ذكرها هاهنا. انتهى.
وكان جده سيدى الشيخ الولى العارف القاضى رضى الدين أبو القاسم عبد الرحمن، المعروف بالشهيد الناطق فى الصلاح بالمحل الأعلى، وله كرامات كثيرة مشهورة. من أشهرها حكاية البقرة، وهى أن رجلين تداعيا عنده فى بقرة، وكان مع أحدهما محضر
стр. 904
بملكها، فيه شهود أدوا فيه عنده، فسأله من بيده المحضر، الحكم به، وتسليم البقرة إليه، فقال له: كيف أسلمها إليك وهى تقول إنها لخصمك، وتخبر أن المحضر زور، فاعترف بذلك وأظهر التوبة وسلمها لخصمه. ولما اتصلت هذه الحكاية بقاضى القضاة عماد الدين عبد الرحمن بن السكرى قاضى الديار المصرية، عزله عن نيابته، وكتب إليه يقول له: كان ينبغى لك أن تعمل فى القضية بظاهر الشرع وتسلم البقرة لمن أثبتها، فلما اتصل به ذلك قال لمن حضر: اشهدوا على أنى قد عزلته وذريته من بعده، فعزل القاضى عماد الدين، ولم يعد إلى القضاء ولا وليه أحد من ذريته، حتى إن حفيده القاضى عماد الدين، نوه له غير مرة بالولاية، وربما وصلت له الخلعة، ورسم بكتابة تقليده، فيعدل عنه إلى غيره، ولا يتم أمر تصديقا لما أخبر به القاضى رضى الدين الشهيد الناطق.
وكان ولى القضاء بالبهنسا (٢) وغيرها من الصعيد الأدنى، وتوفى فى ذى القعدة سنة ست عشرة وستمائة شهيدا بظاهر دمياط، وبنى عليه مشهد، فيعرف بمشهد الشهيد الناطق.
وسبب شهرته بذلك، أنه كان يحرض أصحابه على القتال، ويرغبهم فى الجنة، وتلا عليهم قوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) [آل عمران: ١٦٩] فلما قتل، قال له قاتله: أنت تقول: إن الله قال: (وَلا تَحْسَبَنَ) ـ الآية فها أنت الآن ميت، فاستوى جالسا وقال: نعم أحياء ورب الكعبة، وتلا الآية إلى آخرها، فأسلم.
نقلت وفاته من «التكملة» للمنذرى، وذكر أنه تفقه على مذهب الإمام مالك، وصحب جماعة من الصالحين، وانتفع به جماعة. وكان موصوفا بالصلاح والخير والإيثار، محبا للفقراء مكرما لهم، ينقطع إلى ما يفضى براحتهم، مبالغا فى ذلك.
وذكر أن العقيلى، بفتح العين، ولم يبين إلى من هذه النسبة، وهى إلى عقيل بن أبى طالب على ما اشتهر عن [ .... ] (٣) قال فى تعريفه: الجزولى.
وحكاية البقرة وما يتعلق بها، نقلتها من تاريخ الشيخ شهاب الدين أحمد بن
стр. 905
عبد الوهاب النويرى. وذكر أنه رواها عن أبيه عن جده: وكان خادما للمذكور.
وحكاية سبب شهرة الشيخ عبد الرحمن بالشهيد الناطق، نقلتها من كراس وجدته بخط شيخنا الشريف عبد الرحمن الفاسى، وهو من أجدادى لأمى، أعاد الله علينا من بركته. والله أعلم.
٥٨٤ ـ أحمد بن عبد السلام بن عبد الله بن على بن محمد بن عبد السلام ابن أبى المعالى الكازرونى المكى، يلقب بالشهاب، مؤذن المسجد الحرام:
ولد بمكة وبها نشأ وتزوج، وباشر الأذان بمنارة باب العمرة كأبيه، ثم سافر لليمن وديار مصر غير مرة، ثم انقطع بمصر نحو عشرين سنة حتى مات ببعض قرى الصعيد، وكان يسافر إليها لعمل مصالح الصوفية بخانكة سعيد السعداء (١).
وكان صوفيا بها، وربما كان يؤذن بها أحيانا، وكان حسن التأذين صيتا، سامحه الله تعالى.
وكانت وفاته فى آخر سنة سبع عشرة وثمانمائة، أو أوائل سنة ثمان عشرة، وفى إحدى الربيعين منها، سمعنا بوفاته.
٥٨٥ ـ أحمد بن عبد الملك الشيبى، من بنى شيبة، أبو زرارة الحجبى، حجبة بيت الله الحرام:
روى عن يونس بن عبد الأعلى.
سمع منه الحافظ أبو بكر بن المقرى بالمسجد الحرام، وذكره فى معجمه.
ومنه لخصت هذه الترجمة.
٥٨٦ ـ أحمد بن عبد الواحد بن أحمد البلخى الجريرى ـ من ولد جرير بن عبد الله الصحابى المشهور رضى الله عنه ـ أبو بكر المكى:
قدم دمشق، وحدث بها عن محمد بن المظفر، وأبى بكر الإسماعيلى، وعبد الله بن محمد بن السقا الحافظ، وأبى بكر المفيد، وأبى أحمد بن الحاكم، وأحمد بن عبد الله الشيرازى، وجماعة كثيرة.
стр. 906
روى عنه: تمام الرازى، وهو أكبر منه، وعلى بن الحسن الربعى، وابن السمان وغيرهم.
ذكره ابن عساكر فى تاريخ دمشق، ومن مختصره نقلت هذه الترجمة.
٥٨٧ ـ أحمد بن عبد الواحد بن إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن فارس الكنانى العسقلانى المكى، القاضى بهاء الدين أبو حامد:
ذكره المحب الطبرى فى كتاب «الإعلام لمرويات المشيخة الأعلام من سكنه المسجد الحرام» الذى جمعه على لسان الملك المظفر صاحب اليمن. وذكر أنه يروى عن ابن البنا جامع الترمذى، وأخرج عنه فى «العقود الدرية»، و «المشيخة المظفرية» من جمعه، حديثا من جامع الترمذى عن ابن البنا، وترجمه بالفقيه الإمام القاضى بهاء الدين. انتهى.
وكان ولى القضاء نيابة عن القاضى عمران بن ثابت، الآتى ذكره، على ما وجدت بخطه فى مكتوب أثبته وأشهد على نفسه بذلك فى الرابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وأربعين وستمائة. ولم أدر متى مات، إلا أنه يستفاد من هذا حياته فى هذا التاريخ.
ووجدت بخط المحدث إبراهيم بن عمر العلوى اليمنى، سندا له فى جامع الترمذى، فيما يرويه عن الرضى الطبرى عن المذكور إجازة.
٥٨٨ ـ أحمد بن عبد الواحد بن مرى بن عبد الواحد بن نعام السعدى، المقدسى الأصل، تقى الدين أبو العباس الحورانى:
نزيل مكة. ولد فى النصف من صفر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وسمع بدمشق وحلب وبغداد.
وروى عن الشريف أبى هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمى: كتاب الشمائل للترمذى سماعا منه، وحدث به عنه.
سمع منه الحافظان: الشريف أبو القاسم الحسينى، وشرف الدين الدمياطى، وذكره فى معجمه، ووصفه بالفقيه الفرضى الزاهد، والعلم سنجر الدوادارى، والفخر التوزرى، والرضى الطبرى، وأحمد بن محمد بن على الحلبى، وهو خاتمة أصحابه.
ذكره الشريف أبو القاسم الحسينى فى وفياته فقال: كان أحد المشايخ المشهورين
стр. 907
الجامعين بين الفضل والدين، وعنده جد وإقدام، وقوة نفس وتجرد وانقطاع. انتهى.
ووجدت بخط جدى أبى عبد الله الفاسى، أن الحورانى هذا، كان مشهورا بالزهد العظيم، حتى لقد أقام بمكة زمانا لا يرجع إلى مأوى معين، ولا يدخر شيئا من الدنيا. وله فى هذا المعنى أخبار كثيرة، من شدة اطّراحه لنفسه وانسلاخه من الأسباب.
ووجدت بخط جدى أيضا، أنه سمع يحيى بن محمد الطبرى: سبط الشيخ سليمان بن خليل يقول: كان الشيخ تقى الدين الحورانى حسن الجواب فيما يسأل عنه. فقلت له فى ذلك، فقال لى: رأيت النبى ﷺ وتفل فى فمى.
فكان يرى أن هذه البركة من ذلك الأثر المبارك. انتهى.
وذكر ابن رافع فى ذيل تاريخ بغداد، فقال: كان عارفا بالفقه والفرائض، وكان شافعيا، وذكر ابن رافع فى ترجمته: أن الإمام تقى الدين محمد بن الإمام شرف الدين الحسن بن على الصبرى، حكى له عن والده، أن التقى الحورانى هذا كان حنبليا، وأنه صحب الحورانى هذا بمكة مدة طويلة ليلا ونهارا، وكان ما يخطر بباله خاطر إلا كاشفه عليه، قال: فخطر ببالى يوما ما كان سبب حاله وابتداء أمره فى سرى، فقال: كان بدو أمرى أنى كنت معيدا بالمدرسة المستنصرية ببغداد، وكنت ألازم الصوم، وكنت أفطر على المباحات التى يرمى بها وأغسلها بالماء وأتناولها، وكان خارج بغداد رجل صالح، وله مكتب، فكنت أجتمع له، فحصل لى منه خير كثير. انتهى.
وذكره ابن مسدى فى معجمه، فقال بعد نسبه كما ذكرنا: تفقه بالشام والعراق، وتطور فى الآفاق، وسمع شيئا من الحديث بدمشق وحلب وبغداد، ونزل مكة، ولم يكن بالحافظ. وحدث بغير أصول، فوقع فى أمور لتفصيل جملتها غير هذه الفصول، قد أظهر التحلى بالتخلى، وأشار إلى التجلى، وله فى كل مقام مقال ودعوى لا تقال، لقيته بالحرم الشريف، وأنست بظاهره، فلم يتفق لنا خبره مع مخابره، ينسب إلى طلب رياسة ما يقتفيها، ودعوى طريق ما ينتهيها وينتفيها، يعظم الدنيا وأمراها، ويحتقر صعاليكها وفقراها، إلا من يصفق له حين رقصه، ويكمل دعواه بنقصه. وذكر أنه أنشده لنفسه هذه الأبيات [من البسيط]:
إن قلت فى اللفظ هذا النطق يجحده ... أو قلت فى الأذن لم أسمع له خبرا
أو قلت فى العين قال الطرف لم أره ... أو قلت فى القلب قال القلب ما خطرا
وقد تحيرت فى أمرى وأعجبه ... أن ليس أسمع إلا عنهم وأرى
стр. 908
ووجدت بخط الميورقى، أن الفقهاء أخرجوه من مكة فى جمادى سنة ثلاث وستين، ولم يزد على ذلك. ووجدت بخطه: أنه توفى فى السابع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وستمائة بطيبة (١).
وقد أرخ وفاته برجب من هذه السنة الشريف الحسينى فى وفياته، وذكر فيها مولده كما سبق.
٥٨٩ ـ أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطى:
روى عن أبيه، وعلى بن عباس.
وروى عنه الطبرى، والحافظ أبو الفضل الجارودى.
وذكر ابن قانع فى وفياته، أنه توفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين بمكة.
٥٩٠ ـ أحمد بن عبد الناصر بن عبد الله بن عبد الناصر التميمى المكى:
روى عن أبى الفتوح الحصرى ـ فيما أظن ـ وأظن أنه كان حيا فى رمضان سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
٥٩١ ـ أحمد بن عجلان بن رميثة بن أبى نمى محمد بن أبى سعد حسن بن على ابن قتادة بن إدريس بن مطاعن الحسنى المكى، يكنى أبا سليمان، ويلقب شهاب الدين:
أمير مكة، ورئيس الحجاز، ولى إمرة مكة شريكا لأبيه ومستقلا، ثم شريكا لابنه محمد، ستا وعشرين سنة، تنقص يسيرا نحو شهرين كما سيأتى بيانه، ونشير إلى ما يوضح ذلك مع شيء من حاله.
وذلك أنه كان ينظر فى الأمر بمكة نيابة عن أبيه أيام مشاركة أبيه وعمه ثقبة فى إمرة مكة، فى سنة ستين وسبعمائة، ولما عزلا فى هذه السنة بأخيهما سند، وابن عمهما
стр. 909
محمد بن عطيفة السابق ذكره، توجه عجلان، وابناه أحمد وكبيش فى جماعة من ألزام عجلان إلى مصر، فلما وصلوها قبض على عجلان وابنيه أحمد وكبيش، واعتقلوا ببرج بقلعة الجبل بمصر، وأقسم صاحب مصر السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون أن لا يطلقهم ما دام حيا؛ لأنه كان شديد الحنق على عجلان، وابنه أحمد، لأمور منها: أن أحمد بن عجلان صد الضياء الحموى الآتى ذكره عن الخطابة بالمسجد الحرام، بعد أن برز إلى المسجد فى شعار الخطبة، فى موسم سنة تسع وخمسين وسبعمائة، رعاية للقاضى شهاب الدين الطبرى الآتى ذكره.
وكان السلطان قد ولى الخطابة للضياء الحموى، ثم نقل المذكور من برج القلعة إلى الإسكندرية، لما سمع السلطان بفتك بنى حسن فى عسكره الذى ندبه إلى مكة فى موسم سنة إحدى وستين وسبعمائة. ولم يزالوا فى الاعتقال حتى قبض على السلطان المشار إليه، ثم أطلقوا.
وولى عجلان إمرة مكة شريكا لأخيه ثقبة، وتوجه عجلان وجماعته إلى مكة، بعد الإعراض عن تجهيز العسكر الذى كان الناصر حسن عزم على إرساله إلى الحجاز لتمهيد أمره والفتك بكل من يوجد فيه من بنى حسن والأعراب. وسبب الإعراض عن ذلك، زوال ملك الملك الناصر المذكور.
ولما وصل عجلان وجماعته إلى وادى مر، لقوا به ثقبة عليلا مدنفا، ثم مات ثقبة بعد أيام قليلة فى أوائل شوال سنة اثنتين وستين وسبعمائة، فبادر عجلان وجماعته إلى مكة، وأشرك معه ولده أحمد فى إمرتها، وأمره بالطواف بالبيت، وأمر عبد السلام المؤذن أن يدعو له إذا طاف على زمزم وبعد المغرب، على عادة أمراء مكة فى ذلك، وجعل له ربع المتحصل لأمير مكة يصرفه فى خاصته، وعلى عجلان تكفية العسكر.
واستمرا على ذلك مدة، ثم إن بعض بنى حسن، حسنوا لأحمد بن عجلان، أن يسأل أباه فى السماح له بربع آخر من المتحصل، وحملهم على ذلك الحنق على عجلان، لزعمهم أنه قصر فى حقهم، فامتنع عجلان عن موافقة ابنه على ذلك، وهم بمباينته، ثم ترك، لتحققه أن بنى حسن قصدت بذلك تحصيل شيء منه، ورأى أن إسعاف ابنه بمراده أولى من إسعافهم بقصدهم منه، فإنه قد لا يفيده، وصار لأحمد نصف المتحصل ولأبيه مثله، ولكل منهما نواب تقبض ما يخصه واستمرا على ذلك إلى أن ترك عجلان ما كان له لابنه أحمد.
стр. 910
وقيل أن سبب تركه لذلك، أنه كان رغب فى أن يكون ابنه محمد بن عجلان ضدا لولده أحمد، بأن يفعل فى البلاد فعلا يظهر به محمد، ويغضب منه أحمد، فيلين بذلك جانب أحمد لأبيه؛ لأنه كان قوى عليه، وينال بذلك مقاصد من ابنه أحمد، فكتب عجلان ورقة إلى ابنه محمد، يأمره بأن يشغب هو وأصهاره الأشراف على أحمد بن عجلان، وأن يأخذ من خيل أبيه ما شاء، ويذهب إلى نخلة، فيأخذ منها أدرعا له هناك مودعة، ويأخذ ممن هى عنده ما يحتاج إليه من المصروف، فوصلت ورقته إلى ابنه محمد، وهو فى لهو مع بعض أصدقاء أخيه أحمد، فأوقفهم على ورقة أبيه، فاستغفلوه وبعثوا بها إلى أخيه أحمد، وأشغلوه باللهو إلى أن بلغ أخاه الخبر، فقصد أحمد أباه فى جمع كثير، معاتبا له على ما فعل، وكان قد بلغه ما كان من ابنه محمد، وشق عليه ذلك كثيرا، فاعتذر لأحمد، وما وجد شيئا يتنصل به إلا السماح له بترك الإمرة، وظن أنه يعجز عما يشترطه عليه عوضا فى الترك.
وكان فى نفسه ثلاثمائة ألف درهم فيما قيل، بعضها فى مقابلة الإمرة، وبعضها فى ثمن خيل يبيعها له أبوه لعدم حاجته إليها، إذ لم يكن أميرا، فالتزم أحمد مقصود أبيه من المال، وأعانه عليه جماعة من التجار.
فلما تيسر له المبلغ المطلوب منه، ندم أبوه ورام أن يعرض عن قوله فما قدر عليه، وما وسعه إلا الموافقة، فاشترط على ابنه أيضا أن يكون له بعض الرسوم التى لأمير مكة ـ وبلغنى أنه رسم مصر ـ وأن يديم له ذلك مدة حياته، مع الخطبة له والدعاء على زمزم، فالتزم له ابنه بذلك، وأشهد كل منهما على نفسه بما التزمه، جماعة من أعيان الحرم، وأنهى هذا الحال لصاحب مصر، أن عجلان ترك نصيبه فى الإمرة لابنه أحمد، وأنه والمجاورين يسألون تقرير أحمد فى ولاية مكة بمفرده؛ فأجاب السلطان إلى ذلك. وذكر لى بعض الناس، أن ذلك كان فى سنة أربع وسبعين وسبعمائة، وذكر لى بعضهم ما يدل على أنه قبل ذلك بسنتين أو نحوهما. والله أعلم.
واستمر أحمد منفردا بالإمرة، إلى أن أشرك معه فيها ابنه محمد بن أحمد فى سنة ثمانين وسبعمائة، وما كان لمشاركته فى ذلك أثر؛ لأن السيد أحمد هو القائم بمصالح العسكر، وإليه النظر فى جميع الأمور، واشتمل على ذلك إلى أن مات السيد أحمد.
وكان بعد موت أبيه عزم على السفر إلى جهة ينبع، فقيل لحرب أميرها، وقيل لإزالة أمر بوادى الصفراء (١) أمر بإزالته لضرر حصل منه للحاج، فلما نزل الهدة هدة بنى
стр. 911
جابر، متوجها لقصده، بلغه أن بنى عمه أولاد ثقبة، بانوا عنه، وحالفوا عليه بعض بنى حسن من ذوى عبد الكريم، فأعرض عن قصده، وبعث إلى مكة فرسانا لصونها، وكشف عن خبرهم، فبلغه أنهم توجهوا صوب وادى نخلة، وأنهم لقوا فى طريقهم سليمان بن راشد أحد تجار مكة وابنه حسب الله، واختطفوهما وذهبوا بهما معهم إلى الشرق وساروا فى أثرهم إلى أن بلغ سولة (٢) بنخلة اليمانية، فأشير عليه بالمقام هناك، وأن يبعث إليهم فرسانا لاستنقاذ ابن راشد وابنه، فبلغتهم فرسانه وهم فى كثرة وغفلة، فأوهموهم أنه فى الأثر، ففروا وظفروا أصحاب أحمد بابن راشد وابنه، وعادوا بهما إليه، ورجع أحمد بعد ذلك إلى مكة، ثم توصل بنو عمه إلى نخلة ومعهم أفراس عديدة، فقصدهم بعض بنى حسن، وأوهمهم أنه يصل إليهم جماعة من بنى حسن لميلهم إليهم، حنقا على أحمد بن عجلان، وبينما هم على ذلك، وإذا بخيل أحمد بن عجلان قد دهمتهم مع عسكره، ففر بنو ثقبة، وما سلمت أرواحهم إلا بجهد وقبض على بعض جماعتهم، وأعانهم على ذلك أنهم ظفروا بطليعة ذوى ثقبة، فلم يتيقظوا لأصحاب أحمد، ورجع عسكره إلى مكة، ولمّ بنخلة خوفا من البيات بها، بعد أن كان أجمع على ذلك، ثم توصل بنو عمه المشار إليهم إلى مصر، بعد قتل الأشرف شعبان صاحب مصر، وكتب لهم القائمون بعده إلى أحمد بن عجلان بملاطفتهم وإكرامهم، ورسموا لهم بأن يصرف لهم فى كل سنة ستين ألف درهم، وقالوا لهم: إذا لم يرض عزلناه، وأحسنوا إليهم بشيء يتجهزون به.
فوصلوا إلى أحمد وأعلموه الخبر، فلاطفهم وأرضاهم فيما رسم لهم به، وتوالفوا مدة، ثم حصل كدر فى نفسه منهم، ومن عنان بن مغامس بن رميثة، ومن أولاد مبارك بن رميثة، لميلهم عليه مع صاحب حلى (٣)؛ لأن أحمد بن عجلان رغب فى أن يزيده صاحب حلى فى العادة التى جرت بأن يسلمها إليه صاحب حلى، فلم يوافق على الزيادة لعظمها، واستعان عليه بالقواد العمرة، فما أفادوه، فاستعان القواد بعنان، وبنى
стр. 912
ثقبة، فالتزموا لهم بأن يخذلوا أحمد بن عجلان عن قصده لصاحب حلى.
وكان قد أجمع على ذلك، فإن لم يطعهم مالوا عنه إلى صاحب حلى. وحلفوا له على ذلك، وحلف معهم عليه بنو مبارك.
وبلغ ذلك أحمد بن عجلان وهو بمكان يقال له أم غراب، قريب من الحسبة (٤)، ودوقة (٥)، وهو على يوم من حلى للمجد فى السير، فلاطف أحمد صاحب حلى، وقنع منه بزيادة دون التى فى نفسه، وأمر عنانا بمباينته، فبان عنه ونهب إبلا كثيرة للأعراب، وحصل أفراسا وسلاحا، فلاطفه أحمد، فاستدعاه إليه، فحضر إليه وأكرمه، ثم أغرى حسن بن ثقبة لعتبهم عليه، فى أمر خفر جوارهم فيه. ومن عادة العرب أن يقتل من خفر جوارهم.
فما تم لأحمد مراد فى عنان؛ لأن أحمد بن ثقبة نهى عن قتله. ولما عرف ذلك أحمد، أغرى عنانا بأحمد بن ثقبة؛ لأن أخاه حسن بن ثقبة ممن اتهم بقتل محمد بن مغامس أخى عنان، ومن عادة العرب أن لا يقتصروا فى القصاص على القاتل، بل يقتلوا غيره من جماعته، إذا كان أحشم من القاتل، فكاد عنان أن يفعل ما أمره به، ثم ترك، وعرف عنان وبنو ثقبة بما كان من أحمد بن عجلان فى حقهم؛ فسافر عنان وحسن بن ثقبة إلى مصر، وشكيا من أحمد بن عجلان تقصيرا كثيرا، فرسم لهما صاحب مصر الملك الظاهر بخطام فى الزاملة خمسة وسبعون درهما، وبأبى عروة قرية بوادى مر، بيد أمير مكة، وغير ذلك مما يكون، ربع المتحصل لأمير مكة.
وكان أحمد قد اتبعهم بكبيش وهدية سنية للملك الظاهر، فرأى كبيش من الدولة إقبالا على عنان، فالتزم بالموافقة على ما رسم به السلطان لعنان، وحسن بن ثقبة، وسالمهما حتى توصل إلى مكة، فعرف أحمد بن عجلان الخبر، وقال له: لابد من موافقتك على ما رسم به لعنان أو قتله، فمال إلى قتله، وسئل أحمد فى أن يخبر عنانا وحسن بن ثقبة، ففعل، وثوثق الساعى فى ذلك منه.
وكان الساعى لعنان فى الجيرة، حسن بن ثقبة. فحضر إليه عنان فى أيام الموسم، ثم فرّ منه عنان والناس بمنى، ولحقه حسن بن ثقبة؛ لأنه لم يوافق على ما وصلا به، ثم إن
стр. 913
أبا بكر بن سنقر الجمالى أمير الحاج المصرى وغيره من أحباب أحمد بن عجلان؛ قالوا لعنان وابن ثقبة: ارجعا إلى أحمد، فإنه يجيب إلى ما طلبتما، ونكتب إليه بذلك فلا يخالف. وهذا أخوه محمد يرجع معكما.
وكان توجه إلى مصر مغاضبا لأخيه وطالبا لخير يحصل له بمصر، وحسنوا لمحمد أن يرجع معهما، وأنهم يأمروا أحمد بكرامته؛ فرجعوا إلى أحمد، ولم يتوثق محمد من أحمد لمن قدم به، ظنا منه أنه لا يخفره، وأنه إذا لم يوافق على مقصودهما ردهما إلى مأمنهما.
ومن الناس من يقول: إنه ندب أخاه محمدا لإحضارهما، فحضرا معه لذلك، واجتمعوا بالسيد أحمد، وقد جلس لهم مجلسا عامّا فيه الترك والعبيد، وقرر معهم أن يقبضوا على عنان وحسن بن ثقبة إذا أشار إليهم بذلك.
فلما أشار بذلك قبضوا عليهما، وركب من فوره إلى أحمد بن ثقبة، وقبض عليه وعلى ولده على بن أحمد.
وكان أحمد بن ثقبة مظهرا طاعة أحمد بن عجلان ومعرضا عن موافقة أخيه حسن وعنان، فما أفاده ذلك، وقيد الجميع وضم إليهم أخاه محمد بن عجلان؛ وسجن الخمسة بأجياد (٦) مدة يسيرة، ثم بالعلقمية، واستمروا بها إلى موسم سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وفى أولها كان القبض عليهم، وفى موسمها نقلهم إلى أجياد، وفى موسمها وصل إليه كتاب السلطان من مصر بإطلاقهم فلم يفعل، ونقلهم بعد الموسم من أجياد إلى العلقمية عند المروة، وكادوا أن يفلتوا منها فى أثناء سنة ثمان وثمانين، ففطن لهم وردوا، غير عنان فإنه نجا وتوصل إلى مصر، وكان من أمره ما يأتى ذكره.
وبلغنى أن أحمد بن عجلان كتب إلى الملك الظاهر صاحب مصر، يسأله فى رد عنان إليه، فكتب إليه: وأما ما ذكرت من جهة عنان، فإن الله يقول: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) [التوبة: ]. واستمر المذكورون فى سجن أحمد حتى مات، فكحلوا بعده بنحو عشرة أيام، وألم لذلك الناس، وما حصل للراغب فى ذلك راحة، وكان المتظاهر بذلك محمد بن أحمد بن عجلان، فقتل بعد كحلهم بتسعين يوما، وقتل كبيش بعد كحلهم بسنة، وكانوا ترققوا لمحمد بن أحمد بن عجلان عند كحلهم، فما أفادهم ذلك وترققوا لأبيه بأشعار كتبوها إليه، فما أجدت، فتم على كل منهم ما قضى الله به عليه.
стр. 914
وكان لأحمد بن عجلان سيرة مشكورة ومحاسن مذكورة؛ لأنه كان كثير العدل فى الرعية مكرما للتجار، وسمح لهم بأشياء كثيرة، فكثر ترددهم إليه، فأثرى وكثر ماله مما كان يحصل له منهم من الموجبات والهدايا السنية، وقرر بينه وبينهم ضرائب معروفة فى الزكائب والزوامل، فلم يكن يتعدى ذلك، وقرر أمورا يسمح لهم بها فيما لا يريدون فيه بيعا من الأزواد والقرطلات وغيرها مما يختص بالتاجر وأتباعه، فما خالف ذلك.
وكان نوابه بجدة معه فى أرغد عيش؛ لأنهم كانوا يكارمون بالأسقاط ويكارمهم بالهدية، ويعلم بذلك السيد أحمد بن عجلان، فلا ينالهم منه كبير ضرر، وإنما يؤدبهم بغرامة لطيفة، وكان يحسن لبنى عمه ذوى رميثة بأشياء مقررة لهم فى كل شهر تقوم بكفايتهم.
وذلك فيما قيل غرارتان فى كل شهر، وأربعمائة درهم، وقيل مائتا درهم، وقيل ثلاثمائة غير ما يزيدهم على ذلك من منافع يسألونها منه.
ولهم عليه رسوم فى كل موسم، كل سنة عشرة آلاف درهم لكل نفر، يزيد بعضهم سرا على ذلك، وربما بلغت الزيادة لبعضهم عشرة أخرى.
وكان يحسن كثيرا إلى من سواهم من بنى حسن من الأشراف والقواد وعبيده وأتباعه. وما وجد بالإحسان إليهم إلا خيرا؛ لأنه ملك ما لم يملكه غيره من الخيل والسلاح والعبيد، وبلغت خيله نحو أربعمائة وعبيده نحو ثمانمائة، على ما قيل فيهما، وما تأتى ذلك لمن كان قبله من أمراء مكة المقاربين لعصره، ويسر الله تعالى له عقارا طائلا جدا بوادى مر، عظم انتفاعه به، وذلك خيوف (٧) أحياها، فملكها من غير شريك فيها، وهى الأصفير، والبحرين (٨) والبثنى والحميمة (٩)، وأحيا أيضا
стр. 915
أم العيال (١٠) والبقاع بوادى الهدة، هدة بنى جابر، والريان قرب المبارك.
وما وجد له حاصل طائل من النقد لما مات. وكان تعلل قبل موته أياما كثيرة من حبة طلعت عند أذنه، بلغنى أن جده رميثة وجد أبيه أبا نمى ماتا بها، وبعض الناس قال: إنها من سم طيار، وصل إليه فى كتاب من مصر. والله أعلم.
وكان يحمل فى بعض الليالى إلى المسجد فيطاف به ويقول: واغوثاه، ويكررها فيكثر بكاء الناس عليه، فلما مات عظم عليه الأسف، وارتجت مكة لموته لكثرة ما كان فيها من الصراخ والعويل.
وكانت وفاته ليلة السبت العشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، عن نحو ثمان وأربعين سنة، وصلى عليه بالحرم الشريف بعد أن قال المؤذن على زمزم: الصلاة على الملك العادل. ودفن بالمعلاة، وبنيت عليه قبة، وقد مدحه جماعة من الشعراء بقصائد حسنة كثيرة، وأجازهم بعطايا خطيرة.
وكان أعيان البلاد الشاسعة من العراق والهند، يحبونه لطيب الثناء عليه ويهادونه، وبعث رسولا إلى صاحب بنجالة، وهدية مع شخص يقال له كمال الدين النهاوندى، فمات قبل عوده.
ومن خبره فى العدل، أنه لما مات بعض تجار مكة، أرسل إليه ولده بمائتى ألف درهم، فردها، فظن الرسول بها وجماعته، أن أحمد بن عجلان استقلها، فأعادوا ذلك إليه وضاعفوه بمثله، فرد ذلك وقال: لم أرده استقلالا، وإنما رددته لأنه لا وجه لأخذى له، هذا معنى ما بلغنى عنه فى هذه الحكاية.
٥٩٢ ـ أحمد بن عطية بن ظهيرة بن مرزوق، القرشى المخزومى المكى:
سمع من الفخر التوزرى صحيح البخارى، ومن الرضى الطبرى بعض صحيح ابن حبان.
وذكر لى شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة، أنه كان رجلا صالحا، وأنه رأى رسم شهادته عند القاضى عمران فمن بعده وعليه علامة الأداء والقبول، وأن شيخنا الشيخ بهاء الدين عبد الله بن خليل المكى، أخبره أنه كان يجلس إلى جانب الشيخ فخر