جابر، متوجها لقصده، بلغه أن بنى عمه أولاد ثقبة، بانوا عنه، وحالفوا عليه بعض بنى حسن من ذوى عبد الكريم، فأعرض عن قصده، وبعث إلى مكة فرسانا لصونها، وكشف عن خبرهم، فبلغه أنهم توجهوا صوب وادى نخلة، وأنهم لقوا فى طريقهم سليمان بن راشد أحد تجار مكة وابنه حسب الله، واختطفوهما وذهبوا بهما معهم إلى الشرق وساروا فى أثرهم إلى أن بلغ سولة (٢) بنخلة اليمانية، فأشير عليه بالمقام هناك، وأن يبعث إليهم فرسانا لاستنقاذ ابن راشد وابنه، فبلغتهم فرسانه وهم فى كثرة وغفلة، فأوهموهم أنه فى الأثر، ففروا وظفروا أصحاب أحمد بابن راشد وابنه، وعادوا بهما إليه، ورجع أحمد بعد ذلك إلى مكة، ثم توصل بنو عمه إلى نخلة ومعهم أفراس عديدة، فقصدهم بعض بنى حسن، وأوهمهم أنه يصل إليهم جماعة من بنى حسن لميلهم إليهم، حنقا على أحمد بن عجلان، وبينما هم على ذلك، وإذا بخيل أحمد بن عجلان قد دهمتهم مع عسكره، ففر بنو ثقبة، وما سلمت أرواحهم إلا بجهد وقبض على بعض جماعتهم، وأعانهم على ذلك أنهم ظفروا بطليعة ذوى ثقبة، فلم يتيقظوا لأصحاب أحمد، ورجع عسكره إلى مكة، ولمّ بنخلة خوفا من البيات بها، بعد أن كان أجمع على ذلك، ثم توصل بنو عمه المشار إليهم إلى مصر، بعد قتل الأشرف شعبان صاحب مصر، وكتب لهم القائمون بعده إلى أحمد بن عجلان بملاطفتهم وإكرامهم، ورسموا لهم بأن يصرف لهم فى كل سنة ستين ألف درهم، وقالوا لهم: إذا لم يرض عزلناه، وأحسنوا إليهم بشيء يتجهزون به.
فوصلوا إلى أحمد وأعلموه الخبر، فلاطفهم وأرضاهم فيما رسم لهم به، وتوالفوا مدة، ثم حصل كدر فى نفسه منهم، ومن عنان بن مغامس بن رميثة، ومن أولاد مبارك بن رميثة، لميلهم عليه مع صاحب حلى (٣)؛ لأن أحمد بن عجلان رغب فى أن يزيده صاحب حلى فى العادة التى جرت بأن يسلمها إليه صاحب حلى، فلم يوافق على الزيادة لعظمها، واستعان عليه بالقواد العمرة، فما أفادوه، فاستعان القواد بعنان، وبنى
стр. 912
ثقبة، فالتزموا لهم بأن يخذلوا أحمد بن عجلان عن قصده لصاحب حلى.
وكان قد أجمع على ذلك، فإن لم يطعهم مالوا عنه إلى صاحب حلى. وحلفوا له على ذلك، وحلف معهم عليه بنو مبارك.
وبلغ ذلك أحمد بن عجلان وهو بمكان يقال له أم غراب، قريب من الحسبة (٤)، ودوقة (٥)، وهو على يوم من حلى للمجد فى السير، فلاطف أحمد صاحب حلى، وقنع منه بزيادة دون التى فى نفسه، وأمر عنانا بمباينته، فبان عنه ونهب إبلا كثيرة للأعراب، وحصل أفراسا وسلاحا، فلاطفه أحمد، فاستدعاه إليه، فحضر إليه وأكرمه، ثم أغرى حسن بن ثقبة لعتبهم عليه، فى أمر خفر جوارهم فيه. ومن عادة العرب أن يقتل من خفر جوارهم.
فما تم لأحمد مراد فى عنان؛ لأن أحمد بن ثقبة نهى عن قتله. ولما عرف ذلك أحمد، أغرى عنانا بأحمد بن ثقبة؛ لأن أخاه حسن بن ثقبة ممن اتهم بقتل محمد بن مغامس أخى عنان، ومن عادة العرب أن لا يقتصروا فى القصاص على القاتل، بل يقتلوا غيره من جماعته، إذا كان أحشم من القاتل، فكاد عنان أن يفعل ما أمره به، ثم ترك، وعرف عنان وبنو ثقبة بما كان من أحمد بن عجلان فى حقهم؛ فسافر عنان وحسن بن ثقبة إلى مصر، وشكيا من أحمد بن عجلان تقصيرا كثيرا، فرسم لهما صاحب مصر الملك الظاهر بخطام فى الزاملة خمسة وسبعون درهما، وبأبى عروة قرية بوادى مر، بيد أمير مكة، وغير ذلك مما يكون، ربع المتحصل لأمير مكة.
وكان أحمد قد اتبعهم بكبيش وهدية سنية للملك الظاهر، فرأى كبيش من الدولة إقبالا على عنان، فالتزم بالموافقة على ما رسم به السلطان لعنان، وحسن بن ثقبة، وسالمهما حتى توصل إلى مكة، فعرف أحمد بن عجلان الخبر، وقال له: لابد من موافقتك على ما رسم به لعنان أو قتله، فمال إلى قتله، وسئل أحمد فى أن يخبر عنانا وحسن بن ثقبة، ففعل، وثوثق الساعى فى ذلك منه.
وكان الساعى لعنان فى الجيرة، حسن بن ثقبة. فحضر إليه عنان فى أيام الموسم، ثم فرّ منه عنان والناس بمنى، ولحقه حسن بن ثقبة؛ لأنه لم يوافق على ما وصلا به، ثم إن
стр. 913
أبا بكر بن سنقر الجمالى أمير الحاج المصرى وغيره من أحباب أحمد بن عجلان؛ قالوا لعنان وابن ثقبة: ارجعا إلى أحمد، فإنه يجيب إلى ما طلبتما، ونكتب إليه بذلك فلا يخالف. وهذا أخوه محمد يرجع معكما.
وكان توجه إلى مصر مغاضبا لأخيه وطالبا لخير يحصل له بمصر، وحسنوا لمحمد أن يرجع معهما، وأنهم يأمروا أحمد بكرامته؛ فرجعوا إلى أحمد، ولم يتوثق محمد من أحمد لمن قدم به، ظنا منه أنه لا يخفره، وأنه إذا لم يوافق على مقصودهما ردهما إلى مأمنهما.
ومن الناس من يقول: إنه ندب أخاه محمدا لإحضارهما، فحضرا معه لذلك، واجتمعوا بالسيد أحمد، وقد جلس لهم مجلسا عامّا فيه الترك والعبيد، وقرر معهم أن يقبضوا على عنان وحسن بن ثقبة إذا أشار إليهم بذلك.
فلما أشار بذلك قبضوا عليهما، وركب من فوره إلى أحمد بن ثقبة، وقبض عليه وعلى ولده على بن أحمد.
وكان أحمد بن ثقبة مظهرا طاعة أحمد بن عجلان ومعرضا عن موافقة أخيه حسن وعنان، فما أفاده ذلك، وقيد الجميع وضم إليهم أخاه محمد بن عجلان؛ وسجن الخمسة بأجياد (٦) مدة يسيرة، ثم بالعلقمية، واستمروا بها إلى موسم سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وفى أولها كان القبض عليهم، وفى موسمها نقلهم إلى أجياد، وفى موسمها وصل إليه كتاب السلطان من مصر بإطلاقهم فلم يفعل، ونقلهم بعد الموسم من أجياد إلى العلقمية عند المروة، وكادوا أن يفلتوا منها فى أثناء سنة ثمان وثمانين، ففطن لهم وردوا، غير عنان فإنه نجا وتوصل إلى مصر، وكان من أمره ما يأتى ذكره.
وبلغنى أن أحمد بن عجلان كتب إلى الملك الظاهر صاحب مصر، يسأله فى رد عنان إليه، فكتب إليه: وأما ما ذكرت من جهة عنان، فإن الله يقول: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) [التوبة: ]. واستمر المذكورون فى سجن أحمد حتى مات، فكحلوا بعده بنحو عشرة أيام، وألم لذلك الناس، وما حصل للراغب فى ذلك راحة، وكان المتظاهر بذلك محمد بن أحمد بن عجلان، فقتل بعد كحلهم بتسعين يوما، وقتل كبيش بعد كحلهم بسنة، وكانوا ترققوا لمحمد بن أحمد بن عجلان عند كحلهم، فما أفادهم ذلك وترققوا لأبيه بأشعار كتبوها إليه، فما أجدت، فتم على كل منهم ما قضى الله به عليه.
стр. 914
وكان لأحمد بن عجلان سيرة مشكورة ومحاسن مذكورة؛ لأنه كان كثير العدل فى الرعية مكرما للتجار، وسمح لهم بأشياء كثيرة، فكثر ترددهم إليه، فأثرى وكثر ماله مما كان يحصل له منهم من الموجبات والهدايا السنية، وقرر بينه وبينهم ضرائب معروفة فى الزكائب والزوامل، فلم يكن يتعدى ذلك، وقرر أمورا يسمح لهم بها فيما لا يريدون فيه بيعا من الأزواد والقرطلات وغيرها مما يختص بالتاجر وأتباعه، فما خالف ذلك.
وكان نوابه بجدة معه فى أرغد عيش؛ لأنهم كانوا يكارمون بالأسقاط ويكارمهم بالهدية، ويعلم بذلك السيد أحمد بن عجلان، فلا ينالهم منه كبير ضرر، وإنما يؤدبهم بغرامة لطيفة، وكان يحسن لبنى عمه ذوى رميثة بأشياء مقررة لهم فى كل شهر تقوم بكفايتهم.
وذلك فيما قيل غرارتان فى كل شهر، وأربعمائة درهم، وقيل مائتا درهم، وقيل ثلاثمائة غير ما يزيدهم على ذلك من منافع يسألونها منه.
ولهم عليه رسوم فى كل موسم، كل سنة عشرة آلاف درهم لكل نفر، يزيد بعضهم سرا على ذلك، وربما بلغت الزيادة لبعضهم عشرة أخرى.
وكان يحسن كثيرا إلى من سواهم من بنى حسن من الأشراف والقواد وعبيده وأتباعه. وما وجد بالإحسان إليهم إلا خيرا؛ لأنه ملك ما لم يملكه غيره من الخيل والسلاح والعبيد، وبلغت خيله نحو أربعمائة وعبيده نحو ثمانمائة، على ما قيل فيهما، وما تأتى ذلك لمن كان قبله من أمراء مكة المقاربين لعصره، ويسر الله تعالى له عقارا طائلا جدا بوادى مر، عظم انتفاعه به، وذلك خيوف (٧) أحياها، فملكها من غير شريك فيها، وهى الأصفير، والبحرين (٨) والبثنى والحميمة (٩)، وأحيا أيضا
стр. 915
أم العيال (١٠) والبقاع بوادى الهدة، هدة بنى جابر، والريان قرب المبارك.
وما وجد له حاصل طائل من النقد لما مات. وكان تعلل قبل موته أياما كثيرة من حبة طلعت عند أذنه، بلغنى أن جده رميثة وجد أبيه أبا نمى ماتا بها، وبعض الناس قال: إنها من سم طيار، وصل إليه فى كتاب من مصر. والله أعلم.
وكان يحمل فى بعض الليالى إلى المسجد فيطاف به ويقول: واغوثاه، ويكررها فيكثر بكاء الناس عليه، فلما مات عظم عليه الأسف، وارتجت مكة لموته لكثرة ما كان فيها من الصراخ والعويل.
وكانت وفاته ليلة السبت العشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، عن نحو ثمان وأربعين سنة، وصلى عليه بالحرم الشريف بعد أن قال المؤذن على زمزم: الصلاة على الملك العادل. ودفن بالمعلاة، وبنيت عليه قبة، وقد مدحه جماعة من الشعراء بقصائد حسنة كثيرة، وأجازهم بعطايا خطيرة.
وكان أعيان البلاد الشاسعة من العراق والهند، يحبونه لطيب الثناء عليه ويهادونه، وبعث رسولا إلى صاحب بنجالة، وهدية مع شخص يقال له كمال الدين النهاوندى، فمات قبل عوده.
ومن خبره فى العدل، أنه لما مات بعض تجار مكة، أرسل إليه ولده بمائتى ألف درهم، فردها، فظن الرسول بها وجماعته، أن أحمد بن عجلان استقلها، فأعادوا ذلك إليه وضاعفوه بمثله، فرد ذلك وقال: لم أرده استقلالا، وإنما رددته لأنه لا وجه لأخذى له، هذا معنى ما بلغنى عنه فى هذه الحكاية.
٥٩٢ ـ أحمد بن عطية بن ظهيرة بن مرزوق، القرشى المخزومى المكى:
سمع من الفخر التوزرى صحيح البخارى، ومن الرضى الطبرى بعض صحيح ابن حبان.
وذكر لى شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة، أنه كان رجلا صالحا، وأنه رأى رسم شهادته عند القاضى عمران فمن بعده وعليه علامة الأداء والقبول، وأن شيخنا الشيخ بهاء الدين عبد الله بن خليل المكى، أخبره أنه كان يجلس إلى جانب الشيخ فخر
стр. 916
الدين التوزرى، قال: وكان الشيخ فخر الدين تزوج بابنته فاطمة، وذكر أن له منها أولادا ذكورا أربعة. قال: ولا أدرى: متى مات.
قلت: كان حيا فى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة؛ لأنه سمع فيها على الرضى الآقشهرى، على ما وجدت بخطه.
* * *
من اسمه أحمد بن على
٥٩٣ ـ أحمد بن على بن أحمد بن عبد العزيز بن القاسم العقيلى، إمام المالكية بالمسجد الحرام، شهاب الدين بن إمام المالكية القاضى نور الدين النويرى المكى المالكى:
ولد فى صفر سنة ثمانين وسبعمائة، وسمع على العفيف عبد الله النشاورى، ووالده وغيرهما من شيوخنا، وحفظ القرآن، والرسالة لابن أبى زيد المالكى، وحضر فى الفقه درس شيخنا الشريف عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى.
ولما مات أبوه فى جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وسبعمائة، قرره ابن عمه قاضى مكة محب الدين أحمد بن القاضى أبى الفضل النويرى، وأخاه بهاء الدين عبد الرحمن الآتى، فى إمامة المالكية، عوض والدهما، فعارض فى ذلك أمير مكة الشريف حسن بن عجلان، وولى إمامة المالكية الفقيه قطب الدين أبا الخير بن القاضى أبى السعود بن ظهيرة، فباشرها أبو الخير إلى آخر شوال من السنة المذكورة.
وفى هذا التاريخ باشر شهاب الدين أحمد النويرى المذكور الإمامة، بوصول توقيع من الملك الظاهر بمصر، يقتضى استقراره، وأخيه بهاء الدين عبد الرحمن فى الإمامة.
ولما مات عبد الرحمن فى سنة ست وثمانمائة، شارك شهاب الدين أخوه ولى الدين أبو عبد الله بن نور الدين النويرى فى الإمامة عوض أخيه عبد الرحمن، واستمر فيها حتى عزلا عنها بقريبنا أبى البركات محمد بن أبى الخير محمد بن عبد الرحمن بن أبى الخير الفاسى.
وكان وقت ولايته بمصر، وتاريخ ولايته لها فى أول ذى القعدة سنة تسع عشرة وثمانمائة، ووصل إلى مكة فى أول ذى الحجة من هذه السنة، وصلى بالناس فى أيام
стр. 917
الموسم، وإلى أول ربيع الآخر من سنة عشرين وثمانمائة، لوصول توقيع بعزله، وولاية الأخوين الإمامة.
وفى أوائل النصف الثانى من المحرم سنة عشرين، وصل توقيع لشهاب الدين أحمد النويرى بولاية قضاء المالكية بمكة عوضى، ولم يتمكن من مباشرته؛ لأنه اختفى خوفا من أمير مكة المذكور، لكونه لم يتوسط له بخير عند أمير الركب التكرورى فى سنة تسع عشرة.
وكان معه مال كثير للصدقة، وظن أن حاله يمشى بولايته للقضاء، فلم يتفق ذلك.
واستمر مختفيا حتى أرضى أمير مكة، ووصل لى قبل ذلك توقيع بعودى لقضاء المالكية فى أول ربيع الآخر سنة عشرين، فباشرت مدة حياة المذكور.
وولى نيابة الحكم بمكة عن قريبه قاضى مكة عز الدين بن محب الدين النويرى، فى سنة اثنتى عشرة، وفى سنة ثلاث عشرة وثمانمائة أياما يسيرة، ثم عزل موليه.
وتوفى ﵀، قبيل العصر من يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وثمانمائة، ودفن فى صبح يوم الخميس بالمعلاة، وحصل على دنيا طائلة من التكاررة غير مرة، ﵀.
٥٩٤ ـ أحمد بن على بن أحمد العلبى، أبو بكر الزاهد:
صحب القاضى أبا يعلى بن الفراء، وقرأ عليه طرفا فى الفقه، وسمع عليه الحديث، وحدث باليسير.
روى عنه الحافظ أبو الفضل بن ناصر وغيره. وكان مشهورا بالورع والزهد والعبادة والانقطاع عن الخلق والإقبال على الحق.
وتوفى يوم الأربعاء تاسع ذى الحجة سنة ثلاث وخمسمائة بعرفة محرما وصلى عليه أهل الموقف، وحمل إلى مكة وصلى عليه بها فى المقام يوم النحر، ودفن بالمعلاة عند الفضيل بن عياض.
وذكر أنه كان إذا حج زار القبور بمكة، ويجئ إلى عند الفضيل، ويخط بعصاه الأرض، ويقول: يارب هاهنا، يارب هاهنا، فاستجاب الله دعوته.
لخصت هذه الترجمة من تاريخ ابن النجار.
стр. 918
٥٩٥ ـ أحمد بن على بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى البهنسى، القاضى تاج الدين بن القاضى علاء الدين، المعروف بابن الظريف المالكى:
ولد فى المحرم من سنة ست وأربعين وسبعمائة بالقاهرة، وسمع بها من القاضى ناصر الدين التونسى: سنن أبى داود، بسماعه من ابن خطيب المزة، وعلى القاضى عز الدين ابن جماعة: المسلسل بالأولية والبردة والشقراطيسية، وسمع بمكة فى صفر من القاضى شهاب الدين الطبرى قاضى مكة: التساعيات لجده لأمه الرضى الطبرى، ومن على بن الزين: الموطأ رواية يحيى بن يحيى الليثى، بفوت يسير فى وسطه، وسمع على الشيخ خليل المالكى، ومحمد بن سالم بن على الحضرمى، واشتغل بالعلم وبرع فى الفقه والفرائض والحساب، ومعرفة الوثائق، وكان المشار إليه فى الديار المصرية بمعرفة الوثائق، وحل المترجم، مع ذكاء مفرط.
وولى نيابة الحكم العزيز بالقاهرة ولم تحمد سيرته فيه، ولا فى الشهادة، وتردد إلى مكة غير مرة، منها فى موسم سنة عشر وثمانمائة، وأقام بها بعد حجه إلى حين توفى فى يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رجب سنة إحدى عشرة وثمانمائة، ودفن فى صبيحة يوم السبت بالمعلاة بقرب الفضيل بن عياض، بعد أن تعلل مدة بالاستسقاء. لقيته بالقاهرة ومكة، ولم يقدر لى السماع منه، ولكنه أجاز لى، والله يغفر له.
والظريف ـ بظاء معجمة مضمومة وراء مهملة مفتوحة وياء مثناة من تحت مشددة مكسورة وفاء ـ وهذه النسبة تستفاد مع ظريف بالمعجمة مكبر، ومع طريف بالمهملة.
٥٩٦ ـ أحمد بن على بن أبى بكر بن عيسى بن محمد بن زياد العبدرى، الشيخ الجليل أبو العباس الميورقى:
كان عالما فاضلا، كتب بخطه تعاليق كثيرة مشتملة على فوائد جمة، ووقفها مع كتبه بوج الطائف (١)، وكان سكنه مدة سنين، حتى مات. وسكن مكة أيضا، وأخذ عن فضلائها، وأخذوا عنه، وكان جميل الثناء مشهورا بالصلاح والخير كبير القدر، ورأيت كتابا إليه من اليمن، من أبى اليمن بن عساكر يسأله فيه الدعاء، مع تعظيم كثير.
ومن كراماته ـ على ما ذكر لنا ـ أن المحب الطبرى شكا إليه فى بعض السنين التى
стр. 919
حج فيها الملك المظفر صاحب اليمن، أنه كان يعهد من المظفر رغبة كثيرة فى الاجتماع به، وأنه لم يجد ذلك من المظفر فى هذه السنة، فقال الشيخ أبو العباس للمحب: أنا السبب فى ذلك؛ لأنى أحببت أن لا تشتغل به عن العبادة فى زمن الحج، والآن تأتيك رسله. فكان الأمر كذلك. ووجدت بخط محمد بن عيسى قاضى الطائف، أنه توفى بعد الحج من سنة ثمان وسبعين وسبعمائة بوج.
ووجدت بخط جدى أبى عبد الله الفاسى، ما يقتضى أنه توفى فى غير هذا التاريخ، والله أعلم.
٥٩٧ ـ أحمد بن على بن حسين المصرى الأصل، المكى المولد والدار، المعروف بابن جوشن:
كان أحد التجار بمكة، وبلغنى أنه وقف على الفقراء، وقفا بالهدة، هدة بنى جابر.
توفى فى سنة إحدى وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة.
٥٩٨ ـ أحمد بن على بن عبد الكافى، الشيخ بهاء الدين بن الشيخ تقى الدين السبطى الشافعى:
يأتى ذكره فى باب التاء؛ لأن اسمه فى الابتداء «تمام» ثم سمى أحمد.
٥٩٩ ـ أحمد بن على بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب، أبو جعفر القرشى العدوى:
مكى، قدم مصر، وتوفى بها فى رجب سنة اثنتين وعشرين [ ... ] (١) القطب الحلبى فى تاريخ مصر، وقال: ذكره ابن يونس.
٦٠٠ ـ أحمد بن على بن أبى القاسم بن محمد بن حسين، اليمنى، المعروف بابن الشقيف المكى الزيدى:
عنى قليلا بالعربية والشعر، ونظم الشعر، ومدح السيد حسن، صاحب مكة وغيره.
وهجا صاحب ينبع، وأقبل على اللهو واجتماع الناس عنده لذلك، وحصل فى نفس
стр. 920
بعض الناس منه حنق لاجتماع بعض الشباب عليه، فقتل لذلك فيما قيل فى ليلة الجمعة الرابع عشر من شوال سنة تسع عشرة وثمانمائة، على نحو ثلاثين سنة أو أزيد بقليل، وطل دمه وأنكر المتهم بقتله ذلك، والموعد القيامة، وقد فاز بالشهادة ولعلها أن تكفر ذنوبه.
٦٠١ ـ أحمد بن على بن أبى راجح محمد بن إدريس العبدرى الشيبى، الحجبى المكى، يكنى أبا المكارم:
كان من أعيان الحجبة.
توفى فى أوائل سنة ثمان وثمانمائة غريقا بالبحر المالح وهو متوجه إلى بلاد اليمن.
٦٠٢ ـ أحمد بن على بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن ميمون بن راشد القيسى، أبو العباس القسطلانى المصرى، المكى المالكى:
ولد فى ربيع الأول سنة تسع وخمسين وخمسمائة بمصر، وقرأ بها المذهب على خاله القاضى المرتضى القسطلانى وغيره، وجلس موضعه للتدريس من بعده، والأصول على الفقيه أبى منصور المالكى.
وسمع الحديث بمصر من أبى القاسم البوصيرى، وأبى محمد بن برى، وبمكة من جوبكار السجزى، ومن يونس بن يحيى الهاشمى صحيح البخارى، ومن زاهر بن رستم إمام المقام، وأبى عبد الله بن البنا الصوفى، والفقيه تقى الدين بن أبى الصيف، وأبى الفتوح بن الحصرى. وأجاز له الحافظ السلفى والميانشى وجماعة، وصحب جماعة من مشايخ الطريق، منهم: الشيخ أبو الربيع سليمان المالقى، وتلميذه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم القرشى، واختص به، وخلفه على زوجته من بعده، وجمع كتابا فى أخبارهما وحدث به وبغيره.
وسمع منه جماعة من الحفاظ، منهم: ابن الحاجب الأمينى، بقبة الشراب من الحرم الشريف، وذكره فى معجمه، وقال: كان زاهد أوانه وشيخ الحرم الشريف فى زمانه، صاحب كرامات ومجاهدات وفقه ورياضات.
والزكى المنذرى، وقال: كان قد جمع الفقه والزهد، وكثرة الإيثار مع الإقبال والانقطاع التام، مع مخالطة الناس.
стр. 921
والرشيد العطار ذكره فى مشيخته وقال: كان فى وقته عديم النظير مع ثناء كثير، وترجمه بشيخ الحرمين. انتهى.
وذكره ابن مسدى فى معجمه، وقال: أحد المشيخة المجاورين بالحرم الشريف، واللائذين بذلك الجناب المنيف، سمع شيئا من الحديث ورواه، ولم يكن ذلك هواه، بل جل عنايته بفروع مذهب مالك ﵀، ثم نزع بنفسه إلى خدمة الصالحين، والانضواء إلى أهل الدين.
اختص بأبى عبد الله القرشى، وخلفه بعده على زوجته. وانقطع بمكة شرفها الله تعالى، فكان أحد شيوخ الزمان، معروف المكان ووجاهة [ ..... ] (١) من شيوخه فى الرواية الذين ذكرناهم، إلا الحصرى وابن البنا والسلفى.
وذكر أنه لقى الميانشى وأجازه، وقد ترجمه ولده قطب الدين ترجمة مبسوطة ذكر فيها من صفاته الجميلة أشياء كثيرة، منها مما يتعلق بحاله فى العلم، أنه درس وأفتى، وهو ابن ثمان عشرة سنة.
وذكر أنه قدم مكة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة حاجا، وحج قبل الستمائة مرارا، ثم قدم مكة بنية المجاورة سنة اثنتين وستمائة، وأقام بها مجاورا إلى سنة الحشيشى، يعنى السنة التى نهب حاج العراق بسبب قتله بمنى، وهى سنة ثمان وستمائة. ثم قدم مكة من مصر مع الحاج فى سنة تسع عشرة أو عشرين، واستوطنها، حتى توفى ليلة الأحد مستهل جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وستمائة، ودفن بالمعلاة. انتهى.
وذكره شيخنا ناصر الدين بن الفرات فى تاريخه نقلا عن غيره: أنه توفى سنة ثلاث، وثلاثين وأنه ولد سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين.
ووجدت بخط ابن سيد الناس فيما انتخبه من معجم ابن مسدى: أنه ولد فى أحد الجمادين من سنة تسع وخمسين، وكل ذلك وهم؛ لأن المنذرى نقل عن أبى العباس القسطلانى: أنه ولد فى ربيع الآخر من سنة تسع وخمسين.
وكذا ذكر عنه الرشيد العطار.
وأما وفاته فقد ذكرها كما ذكرنا: المنذرى والرشيد العطار، وابن مسدى فى معجمه، على ما وجدت بخط أبى الفتح بن سيد الناس فيما انتخبه من معجم المذكور.
стр. 922
ومن مناقب الشيخ أبى العباس القسطلانى على ما ذكر الشيخ عبد الله اليافعى فى ترجمته من تاريخه، قال: بلغنى أنهم احتاجوا فى المدينة الشريفة إلى الاستسقاء، وهو بها مجاور، واتفق رأيهم أن يستسقى أهل المدينة يوما، والمجاورون يوما، فبدأ أهل المدينة بالاستسقاء فلم يسقوا، فعمل هو طعاما كثيرا للضعفاء والمساكين، واستسقى مع المجاورين، فسقوا. انتهى.
ووجدت بخط جدى أبى عبد الله الفاسى، أن أبا المعالى بن القطب القسطلانى قال له: إن جده أبا العباس كان يعول ثمانين فقيرا كل يوم.
٦٠٣ ـ أحمد بن على بن محمد بن داود الزمزمى، يلقب بالشهاب:
توفى فى أثناء سنة سبع وتسعين وسبعمائة، وهو متوجه إلى اليمن فى البحر، وكان سافر إلى بلاد الهند قبل ذلك.
٦٠٤ ـ أحمد بن على بن محمد بن عبد السلام بن أبى المعالى الكازرونى، المكى، نجم الدين أبو المعالى، مؤذن الحرم الشريف:
سمع مع الجد أبى عبد الله الفاسى، على أبى الحسن على بن محمد بن هارون الثعلبى: العشرة الأول من أربعى الطائى، وما علمته حدث.
توفى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بمكة. أخبرني بوفاته ابن أخيه الرئيس بهاء الدين عبد الله بن على بن عبد الله بن على رئيس المؤذنين بالحرم الشريف.
وذكر أن والده أخبره بذلك وغيره، وذكر أنه كان يؤذن بمأذنة باب العمرة، وتركها عند موته لابن عمه عبد السلام وزوجه بابنته.
٦٠٥ ـ أحمد بن على بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسنى، السيد الشريف القاضى شهاب الدين أبو العباس بن السيد نور الدين بن السيد القدوة أبى عبيد الله الفاسى المكى المالكى:
والدى تغمده الله برحمته. ولد فى الثانى والعشرين من ربيع الأول سنة أربع وخمسين وسبعمائة بمكة، وسمع بها على قاضيها شهاب الدين الطبرى تساعيات جده الرضى الطبرى، وتفرد بها عنه، وعلى الشيخ خليل المالكى: صحيح مسلم، خلا المجلد الرابع، من تجزئة أربعة، وسمعه بكماله على الشيخ عبد الله اليافعى، وعلى القاضى عز الدين بن
стр. 923
جماعة الأربعين التساعية له، ومنسكه الكبير وغير ذلك، وعليه وعلى القاضى موفق الدين الحنبلى، قاضى الحنابلة بمصر، جزء ابن نجيد، ثم على جماعة من شيوخ مكة بطلبه، وسمع بالقاهرة من قاضيها أبى البقاء السبكى، صحيح البخارى، ومن غيره، وسمع بحلب، وأجاز له جماعة من أصحاب ابن البخارى وطبقته وغيرهم.
وحفظ كتبا علمية فى صغره، واشتغل فى الفقه والأصول والعربية، والمعانى والبيان والأدب، وغير ذلك.
وكان ذا فضل ومعرفة تامة بالأحكام والوثائق، وله نظم كثير ونثر، ويقع له فى ذلك أشياء حسنة.
ومن شيوخه فى الفقه والنحو الشيخ أبو العباس بن عبد المعطى المكى النحوى، وأذن له فى الإفتاء، والشيخ موسى المراكشى، وأخذ عن القاضى أبى الفضل النويرى أشياء من العلم، ومن غير واحد بمصر وغيرها، ودرس وأفتى كثيرا وحدث. أخذت عنه بمنى ومكة، وسمع من الطلبة، وله تواليف فى مسائل.
وناب عنى فى الحكم بأخرة، وقبلى عن ابن أخته القاضى سراج الدين عبد اللطيف ابن أبى الفتح الحنبلى، وعن القاضى جمال الدين بن ظهيرة فى وقائع، وناب فى مثل ذلك عن القاضى محب الدين النويرى، ووالده القاضى أبى الفضل، وناب فى العقود عن القاضى محب الدين النويرى وعن ابنه القاضى عز الدين النويرى.
وولى مباشرة الحرم بعد أبيه فى سنة إحدى وسبعين، وباشر ذلك من هذا التاريخ إلى حين وفاته ودخل ديار مصر مرات، والشام مرتين، واليمن مرتين. وزار المدينة النبوية مرات كثيرة، وكان فى بعضها ماشيا، وجاور بالمدينة أوقاتا كثيرة وكان معتبرا فى بلده، وله مكانة عند ولاتها وقضاتها، ويدخلونه فى أمورهم وينهض بالمقصود منه، وكان كثير المروءة والإحسان إلى الفقراء وغيرهم.
توفى بإثر صلاة الصبح بكرة يوم الجمعة الحادى والعشرين من شوال سنة تسع عشرة وثمانمائة بمكة، وصلى عليه عقيب الجمعة عند باب الكعبة، ودفن بالمعلاة بجوار ابنته السيدة أم هانئ، وكان بها مغرما. وماتت فى مستهل صفر سنة ست عشرة وثمانمائة، وكانت جنازتهما مشهودة.
ومن شعره مدائح نبوية، ومدائح فى أمراء مكة، منهم السيد حسن بن عجلان، ورزق منه قبولا وصاهره على ابنته أم هانئ، فمن مدائحه فيه، قوله من قصيدة سمعتها
стр. 924
عليه [من الطويل]:
عدلت فما يورى الهلالا المشارق (١) ... لتنظره بالمغربين الخلائق
فما رامح إلا بخوفك أعزل ... ولا صامت إلا بفضلك ناطق
٦٠٦ ـ أحمد بن على بن محمد الشيبى، الحجبى، المكى، المعروف بالعراقى:
سمع من الشيخ فخر الدين التوزرى، والقاضى عز الدين بن جماعة بعض السنن للنسائى، فى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. وذكر لى شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة، أنه سمع من الشيخ خليل المالكى، ومات بعد الشيخ على بن أبى راجح الشيبى، قبل التسعين بيسير.
ووجدت بخط شيخنا ابن سكر: أنه توفى فى أحد شهور سنة تسع وثمانين بمكة. وأنه رام المشيخة بعد على بن أبى راجح، فلم تتهيأ له مع صلاحه لذلك.
وله الآن ولدان ذكران، وهما: على ويحيى، وهما من جملة الحجبة.
وسبب شهرته بالعراقى، أنه وأبوه سافرا إلى العراق، مع أحمد بن رميثة بن أبى نمى، وأقاما معه مدة.
٦٠٧ ـ أحمد بن على بن يوسف بن أبى بكر بن أبى الفتح السجزى، يكنى أبا العباس، ويلقب بالشهاب الحنفى المكى:
إمام مقام الحنفية بالحرم الشريف، أجاز له من مصر القطب القسطلانى، وابن الأنماطى، وابن خطيب المزة، والقاضى شمس الدين بن العماد المقدسى، والقاضى تقى الدين بن رزين وشامية بنت البكرى والعماد إبراهيم بن محمد الشريف المنقدى، والمجد عبد العزيز الحلبى، والصفى خليل المراغى، والفخر عبد العزيز بن السكرى وآخرون. ومن مكة أبو اليمن بن عساكر، والمحب الطبرى وأولاده: الجمال قاضى مكة، والتقى عبد الله خطيب مكة، وزينب وفاطمة والبرهان إبراهيم بن يعقوب، وإسماعيل بن محمد ابن إسماعيل، والصدر عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن أبى بكر، والشرف عبد الرحمن ابن يوسف بن إسحاق بن أبى بكر، والصفى والرضى الطبريون، والرضى بن خليل، وأخوه العلم، وأمين الدين القسطلانى وإخوته: أبو الهدى حسن، وعبد الحق، وفاطمة،
стр. 925
والمفتى عماد الدين عبد الرحمن بن محمد الطبرى، سبط سليمان بن خليل، ومحمد بن حمدان العطار، وأخوه أحمد بن إقبال القزوينى، وابنه أحمد، وعلى بن محمد بن عبد السلام المؤذن.
وسمع بالإسكندرية من محدثها تاج الدين على بن أحمد الغرافى ـ بغين معجمة وراء مهملة وألف وفاء ـ تاريخ المدينة لابن النجار عنه، وتفرد به.
سمع عليه جماعة من شيوخنا، منهم: القاضى زين الدين أبو بكر بن حسين المراغى، وروى له عنه شيئا من أول تاريخ المدينة. وولى الإمامة بمقام الحنفية بعد أخيه البدر حسن ـ فيما أظن ـ وولى تدريس المدرسة الزنجيلية بمكة والمدرسة الأرغونية بها، على ما وجدت بخط القطب الحلبى فى تاريخه، إلا أنه وهم فى نسبه، لأنه قال: أحمد بن يوسف بن على بن يوسف، والصواب ما ذكرناه، وذكره الآقشهرى فى وريقات ذكر فيها تراجم جماعة من شيوخ مكة، رأيتها بخطه، وذكر فيها أن المذكور لم يعان علم الحديث، وأنه رجل محسن جواد كثير الخير والعطاء. انتهى.
وتوفى سنة ثلاث وستين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، ومولده بمكة سنة ثلاث وسبعين وستمائة، هكذا ذكر وفاته شيخنا ابن سكر، ومن خطه نقلت أسماء شيوخه المكيين.
ورأيت فيما ذكر الآقشهرى أسماء جماعة من شيوخه المصريين، وهما القاضيان ابن العماد وابن رزين، والحلبى والمراغى والمنقدى، وابن عساكر.
وذكر أنهم أجازوا له فى سنة أربع وسبعين باستدعاء القطب القسطلانى.
ووجدت بخط البرزالى، إجازة هؤلاء الشيوخ له، خلا ابن رزين، فإنه لم يذكره.
٦٠٨ ـ أحمد بن عمر بن أبى بكر الهمدانى الأصل، يلقب بالشهاب، ويعرف بابن المرجانى الدمشقى:
سمع على المسلم بن محمد، جزء الأنصارى، وحدث به عنه غير مرة بالحجاز، وعمر مسجد الخيف بمنى فى سنة عشرين وسبعمائة بجملة كثيرة من ماله، تزيد على خمسين ألفا، كما ذكر البرزالى فى تاريخه، ولذلك ذكرناه فى هذا الكتاب. وجاور بالمدينة أيضا.
стр. 926
وتوفى يوم السبت ثانى عشر المحرم سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بدار بدرب الغنم بدمشق، ودفن بسفح قاسيون.
كتبت هذه الترجمة من تاريخ البرزالى.
٦٠٩ ـ أحمد بن عمر العلاف:
[ ... ].
٦١٠ ـ أحمد بن عمران بن سلامة البصرى، أبو عبد الله الأخفش، المعروف بالألهانى:
يروى عن وكيع، ويزيد بن هارون، ويزيد بن الحباب. وحدث عنه عبد الله بن محمد السعدى المروزى، وأبو بكر بن أبى عاصم، ويحيى بن عمر الأندلسى، وسكن مكة مدة، وصنف غريب الموطأ، فى جزئين.
وذكره ابن حبان فى الثقات. ومات قبل الخمسين ومائتين.
كتبت هذه الترجمة من تاريخ الإسلام، ومن ترتيب ثقات ابن حبان، لشيخنا الحافظ نور الدين الهيثمى.
٦١١ ـ أحمد بن عيسى بن عمران، المكى العطار، عرف بعصارة:
كان ذا ملاءة، ووقف أوقافا، وهى ثلث ما يملكه من العقار، بالتنضب من وادى نخلة الشامية، وفى سولة والزيمة من وادى نخلة اليمانية، وفى البرقة من وادى مر، فى [ ..... ] (١) سبعين وسبعمائة. وما عرفت متى مات.
٦١٢ ـ أحمد بن غنائم المكى، الشاعر المعروف بابن غنائم، يلقب بالشهاب:
أجاز له فى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة باستدعاء الشيخ عبد الله بن خليل المكى وغيره: الدشتى والقاضى سليمان بن حمزة، والمطعم، وابن مكتوم، وابن عبد الدايم،
стр. 927
وابن سعد، وآخرون. ومدح غير واحد من أمراء مكة، منهم ثقبة بن رميثة بن أبى نمى، بقصيدة أولها:
ما خفقت فوق منكب عذبه ... على فتى كابن منجد ثقبه
ولم أظفر منها إلا بأبيات يأتى ذكرها فى ترجمة ثقبة.
وبلغنى أن بعض الناس ينكر أن تكون هذه القصيدة لابن غنائم، ويزعم أنه انتحلها، وأن بعض الأشراف ولاة مكة، غضب على ابن غنائم غضبا كثيرا بسبب هذه القصيدة؛ لما فيها من تفضيل ثقبة عليهم.
وله فى مبارك بن عطيفة بن أبى نمى قصيدة مدحه بها، أولها [من الكامل]:
إن شط من قرب الحبيب مزاره ... ونأت بغير رضا المتيم داره
وتواصلت أجفانه وسهاده ... وجرى بماق دموعه تياره
فغرامه أضحى لديه غريمه ... وحنينه أمسى عليه شعاره
ولربما يقضى بأحكام الهوى ... وجدا عليك وما انقضت أوطاره
أخفى هواه وما أسر ونفسه ... دمع يحدر سيله تذكاره
وقف الهوى بى حيث أنت كما الثنا ... وقف على من طاب منه فخاره
توفى ابن غنائم المذكور، سابع عشرى جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بمكة، وله بها الآن بنت تسمى رحمة.
٦١٣ ـ أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن أبى بكر العمرى، مفتى مكة، شهاب الدين الحرازى الشافعى، يكنى أبا العباس:
ولد سنة خمس وسبعين وستمائة، وقدم مكة، فقرأ بها على الفخر التوزرى: الموطأ رواية يحيى بن يحيى، وصحيح مسلم، وسنن أبى داود، وغير ذلك، وعلى الصفى الطبرى، وأخيه الرضى: صحيح البخارى، وعلى الرضى بمفرده: صحيح مسلم، وسنن أبى داود، والنسائى، وصحيح ابن حبان، وغير ذلك كثيرا، عليهم وعلى غيرهم بمكة. وكرر كثيرا من ذلك على الرضى، لأجل أولاده أسباط الرضى.
وسمع بالمدينة من أبى القاسم القتبورى كتاب الشفاء للقاضى عياض، وحدث به. قرأه عليه شيخنا المفتى برهان الدين الأبناسى، وذكر أن عند ختمه وقع المطر، وأن
стр. 928
الشيخ شهاب الدين الحرازى، أخبره أن المطر وقع عند ختمه مرات؛ لأنه سأل الله تعالى فى ذلك.
وألفيت منقولا من خط شيخنا برهان الدين الأبناسى فى استدعاء أجاز فيه، وذكر فيه شيئا من مسموعاته، فقال بعد أن ذكر شيئا مما قرأه بمكة: وبها قرأت الشفاء للقاضى عياض على الشيخ شهاب الدين الحرازى.
وأخبرنى أنه ما قرئ عليه قط هذا الكتاب، إلا أمطرت مكة. فلما كان يوم ختمه ضعف الشيخ شهاب الدين، فذهب جماعة إلى بيته، وليس فى السماء سحاب ولا قزعة (١) فقرأت عليه المجلس الأخير، فو الله ما ختمت الكتاب إلا وأبواب السماء تفتحت بالأمطار، وجاء السيل حتى دخل الحرم الشريف. انتهى. وهذا أفود مما سمعته من شيخنا؛ ولذلك ذكرته.
وقد سمع عليه جماعة من شيوخنا، منهم الحافظان: زين الدين العراقى ـ وانتقى عليه جزء من حديثه ـ وأبو الحسن الهيثمى.
وكانت له معرفة تامة بالفقه، مع مشاركة فى غيره وعبادة وديانة. ودرس وأفتى مدة بمكة، وصار شيخها والمعتمد عليه فى الفتوى بها، وكان أذن له فى ذلك قاضى حماة شرف الدين البارزى.
وذكر لى شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة، أن الفتيا بمكة بعد القاضى نجم الدين، دارت عليه وعلى الأصفونى، حتى مات الأصفونى، ثم دارت عليه بمفرده حتى مات. وكان يرجح على الأصفونى، وبعضهم يرجح الأصفونى عليه، وهو أقرب. انتهى.
توفى ليلة الاثنين ثانى عشر شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة بعد أن صار يحمل إلى المسجد، عجزا عن المشى. نقلت وفاته من خط شيخنا العراقى.
ومولده سنة خمس وسبعين وستمائة، وعلى ما وجدت بخط ولده أبى عبد الله الحرازى فيما أظن. ووجدت بخط شيخنا ابن سكر، أنه ولد سنة ست وسبعين، فى اليوم الذى مات فيه التوزرى، ﵏. والله أعلم بحقيقة ذلك.
* * *
стр. 929
من اسمه أحمد بن محمد
٦١٤ ـ أحمد بن أبى اليمن محمد بن أحمد بن إبراهيم الطبرى المكى، يلقب بالشهاب:
سمع بمكة من عبد الوهاب القروى، وناب عن أبيه فى الإمامة مديدة، أولها فى سنة ست وتسعين وسبعمائة.
وتوفى فى شعبان سنة تسع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالمعلاة. وكانت فيه مروءة وخير مع حسن الطريقة. وهو أخى من الرضاع.
٦١٥ ـ أحمد بن محمد بن أحمد بن سهل بن عبد الرحمن بن رزق الله بن أيوب البغدادى ـ نزيل مكة ـ أبو بكر، المعروف ببكير الحداد:
وذكره الخطيب، وقال بعد أن نسبه هكذا: بغدادى، سكن مكة، وحدث بها عن بشر بن موسى، وابن مسلم الكجى، وأبى العباس الكديمى ومحمد بن نعيم البياض، وأبى العباس بن مسروق الطوسى، ويعقوب بن إسحاق البيهسى، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، والحسن بن على المعمرى.
روى عنه جماعة، منهم: أبو الحسن الدارقطنى، وأحمد بن إبراهيم بن فراس المكى، وأبو على بن حمكان الفقيه، وأبو يحيى بن النحاس المقرى، وأبو نصر محمد بن أبى بكر الإسماعيلى، وكان ثقة.
ذكر لى الصورى أن بكيرا الحداد، مات بعد سنة خمسين وثلاثمائة.
٦١٦ ـ أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبى بكر، القاضى زين الدين أبو الطاهر بن قاضى مكة جمال الدين، بن الشيخ محب الدين الطبرى المكى:
سمع من يونس بن إسحاق الطبرى: جامع الترمذى، ومن جده سنن أبى داود ـ خلا من باب لبس القباطى، إلى آخر السنن، وسنن النسائى عن ابن المقير بسنده فيهما، وكتاب التنبيه للشيخ أبى إسحاق عن الشيخ نجم الدين بشير بن حامد التبريزى، وجزء البانياسى عن ابن القبيطى إجازة، وسمع عليه من مؤلفاته: خلاصة السيرة النبوية، وصفوة القرى، وعلى الكمال أبى غالب هبة الله بن على بن السامرى البغدادى جزء البانياسى
стр. 930
عن أبى الوقت [الحراى؟ ؟ ؟ ] (١) عن أبى بكر بن الزغوانى عن البانياسى، وغير ذلك على جماعة سواهم.
وأجاز له جماعة من شيوخ مصر ومكة تقدم ذكرهم فى ترجمة الشهاب الحنفى. وخرج له ولجماعة من بنى الطبرى: الآقشهرى أربعين حديثا عن ابن العماد، وابن رزين، وابن عساكر، ولم يحدثوا بها، نعم حدث هو بغيرها.
سمع منه جماعة من شيوخنا منهم: شيخنا أبو اليمن الطبرى، وكتب عنه المحدث جمال الدين إبراهيم بن يوسف البعلبكى أبياتا من نظمه، سمع عليه الحافظ قطب الدين الحلبى بيتين منها.
ووجدت بخطه أنه دخل مصر، وله اشتغال وتحصيل، وله محاضرة حسنة ومكارم وشفقة، أحسن الله إليه. انتهى.
وقد أخبرنى شيخنا الشريف تقى الدين عبد الرحمن الفاسى بحكايتين يتعلقان بترجمة الزين الطبرى، كتبتهما عنه بمعنى ما حدثنى به.
إحداهما: أن شخصا من أعيان الناس ذكر بحضرة الزين الطبرى ووالده الشريف أبى الخير، فنال منه والده، وذكر أنه لم يعطهم كراء منزل لهم سكنه، فسأله الزين عن قدر الكراء، فأخبره به، فلما اجتمعوا ثانية دفع الزين الطبرى إلى والده القدر الذى سماه، فعجب والده من ذلك، وشرع يعتذر للزين الطبرى، وتخيل أن هذا الرجل من أصحابه، فقال له الزين: ما بينى وبينه معرفة، ولكنه من أعيان الناس، فما أحببت الكلام فيه وخصوصا منك.
وبلغنى من غير شيخنا الشريف عبد الرحمن بن أبى الخير، أن الشريف أبا الخير هو الذام للرجل؛ لأنه لم يعطه كراء عما سكن فيه، وأن القدر الذى أعطاه له الزين خمسمائة درهم كاملى.
والأخرى قال: قال العفيف المطرى: ما رأت عيناى فى الكرم، مثل الزين الطبرى وطفيل بن منصور. انتهى.
قلت: ناهيك بهذه منقبة، فإن العفيف المطرى جال فى الآفاق، ودخل ديار مصر والشام والعراق.
стр. 931
ومن أخباره فى الجود ـ على ما بلغنى ـ أنه أتاه فى بعض السنين فتوح مائة ألف درهم، فظفر بها ابن عمه البهاء، ولم يعطه منها شيئا، وأن جماعة من الناس أتوا الزين الطبرى، وأشاروا عليه بأن يطالب البهاء بما أخذه له، فامتنع من ذلك، وقال: لا كانت دنيا تفرق بينى وبين ابن عمى.
ومنها: أنه كان يزيد فى إدامه من اليوم السادس عشر من ذى القعدة إلى انقضاء الشهر، فى كل يوم منين لحم مكة، وكان إدامه كل يوم من لحم مكى، ومقدار هذا المن سبعة أرطال مصرى إلا ثلثا، وأنه كان يأمر غلمانه باستدعاء الغرباء الوافدين إلى مكة، فى كل يوم من الأيام المشار إليها ويطعمهم ذلك ويقول: هؤلاء يردون فى غاية الحاجة، ولا يجدون من يعمل لهم طعاما، فيكفيهم هذا الأمر. فكان يأمر غلمانه بأن لا يقتصروا على من يعرفونه فى استدعائهم للوافدين. وكان يؤخر عشاء عياله إلى أن ييأس من وصول أحد إليه ليلا، وربما عشى عياله بالتمر وشبهه، لفراغ الطعام قبل عشائهم. وله فى الجود أخبار غير ذلك.
توفى ﵀ سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بمكة. كذا وجدت وفاته بخط المحدث أبى موسى [ ....... ] (٢) المقدسى.
ووجدت بخطى فى تعاليقى، أنه توفى فى رابع المحرم من السنة المذكورة.
وقد سألت عنه شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة، قال: كان رجلا صالحا خيّرا جوادا ذا مكارم كثيرة، وكان بينه وبين أخيه القاضى نجم الدين الطبرى قاضى مكة عداوة كبيرة، وتهاجرا مدة طويلة، فلما مات القاضى نجم الدين، أنشد الزين الطبرى [من الرمل]:
لو علمنا أننا لا نلتقى ... لقضينا من سليمى وطرا
وكان لكل منهما أصحاب لا يصحبون الآخر، إلا على بن الزين القسطلانى، فإنه كان يصحبهما.
وبلغنى أنه سئل بعد موت أخيه فى قضاء مكة، فكره ذلك، وآثر به ابن أخيه القاضى شهاب الدين أحمد.
وبلغنى أنه أضر بإحدى عينيه، وكتم ذلك سنين كثيرة إلى أن أضرت الأخرى، وأنه
стр. 932
سئل فى المعالجة، وأطمع بالبرء، فامتنع وقال: أحتسب ذلك عند الله. وكان الناس يعظمونه كثيرا.
وبلغنى أن جدى الشريف عليا الفاسى، كان إذا ذكره عبر عنه بسيدى الزين، وهو من أجدادى؛ لأنه جد والدتى لأمها.
ومن شعر القاضى زين الدين الطبرى، ما أنشدناه جدى لأمى أبو الفضل النويرى، وجماعة عنه، إذنا إن لم يكن سماعا من أبيات [من الكامل]:
بين السلو وبين قلبى معرك ... عمدا دم التعنيف فيه يسفك
وعلى للحسن البديع مواثق ... أنى بغير هواه لا أتمسك
٦١٧ ـ أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن القاسم بن عبد الرحمن العقيلى، قاضى الحرمين وخطيبهما، محب الدين النويرى المكى الشافعى، يكنى أبا البركات:
ولد فى أوائل شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة بمكة، وأجاز له على ما وجدت بخط شيخنا ابن سكر، شخص يروى عن المحب الطبرى يقال له ابن المدنى من أهل عدن، والشيخ شهاب الدين الحرازى، وعلى بن الزين القسطلانى، وأم الهدى عائشة بنت الخطيب تقى الدين عبد الله بن المحب الطبرى، والشهاب الحنفى، وسمع عليه، على ما ذكر شيخنا ابن سكر.
ووجدت سماعه على سيدى الشيخ خليل المالكى للموطأ رواية يحيى بن يحيى، وغير ذلك، وسمع على القاضى عز الدين بن جماعة أربعينه التساعية، ومنسكه الكبير، وجزء ابن نجيد، وغير ذلك، وسمع جزء ابن نجيد على القاضى موفق الدين الحنبلى، وسمع على الكمال بن حبيب سنن ابن ماجة، وسمع على محمد بن أحمد بن عبد المعطى كثيرا من الكتب والأجزاء، وسمع بالمدينة على القاضى بدر الدين بن فرحون: الموطأ.
وطلب العلم، وأخذ الفقه عن أبيه، والقاضى شهاب الدين بن ظهيرة، وأخذ عنه الفرائض، وأخذ النحو عن الشيخ أبى العباس بن عبد المعطى، ولازمهما مدة، فحصل كثيرا، ودرس وأفتى وحدث بالحرمين، وولى قضاءهما وخطابتهما، وغير ذلك من الوظائف بهما.
وأول ولاياته أنه ناب عن أبيه القاضى أبى الفضل فى الحكم والخطابة بمكة، فى سنة
стр. 933
ثلاث وسبعين ثم ولى قضاء المدينة النبوية وخطابتها وإمامتها، على قاعدة من تقدمه، فى سنة خمس وسبعين بعد وفاة القاضى بدر الدين بن الخشاب، وأتاه الخبر بذلك إلى مكة فى سابع عشر رجب من السنة المذكورة، وتوجه إلى المدينة ومعه عمه القاضى نور الدين على بن أحمد النويرى.
وبلغوها فى مستهل شعبان، وباشر جميع ما فوض إليه، ولقى من كثير من أهل المدينة أذى كثيرا بالقول، فقابل كثيرا من ذلك بالصفح والإحسان، ثم صرف عن الخطابة والإمامة مديدة يسيرة بالشيخ شهاب الدين الصقلى، ثم عاد إليه، واستمر على ذلك حتى صرف عنه فى جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، لما ولى قضاء مكة وخطابتها بعد عزل القاضى شهاب الدين بن ظهيرة على ما كان عليه، وجاءه الخبر بذلك وهو بالمدينة.
وتوجه إلى مكة ودخلها فى أول العشر الآخر من رمضان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وباشر ما فوض إليه من الحكم والخطابة وغير ذلك، ثم أضيف إليه فى سنة تسع وثمانين تدريس درس بشير الجمدار، ثم أضيف إليه تدريس المدرسة المجاهدية بمكة.
واستمر على ذلك حتى مات فى ليلة الأربعاء تاسع عشر شهر رجب سنة تسع وتسعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة عند أبيه، وكثر الأسف عليه، لما فيه من المحاسن العديدة، فإنه كان كثير التودد للناس مجملا لهم، مع عقل راجح وديانة وصيانة وعفاف، وكان نشأ على ذلك من صغره، ولديه فضائل ومعرفة بالأحكام، ورزق فيها من صغره السداد مع الهيبة والحرمة، وكان نقمة على الرافضة بالمدينة، وله فى إهانتهم لإعزاز السنة أخبار كثيرة، ولم يحترم منهم فى ذلك كبيرا، حتى إنه كان يغلظ لأميرهم عطية بن منصور صاحب المدينة.
ومما جرى بينهما فى ذلك، أن عطية قال له يوما ما معناه؛ يا قاضى، أنا مثل هذه المنامة ـ يعنى سارية من سوارى المسجد النبوى ـ إذا طحت على شيء كسرته، وإن طاح على شيء انكسر.
فقال له القاضى محب الدين المذكور ما معناه: هذه المنامة إذا رأينا منها خللا أزلناها وأقمنا عوضها أخرى. فأفحم عطية ولم يحر جوابا، وقال: قتلنى ابن النويرى.
وكان له حظ وافر من العبادة والذكر وصحبة أهل الخير وخدمتهم والإحسان إليهم،
стр. 934
وكان ذلك دأبه من الصغر، وفيه مكارم. وله علىّ فضل كثير. تغمده الله برحمته وجزاه عنى خيرا.
ومن جميل أخباره، أنه بلغنى عنه ما معناه، أن والده كتب إليه؛ إذ كان قاضيا بالمدينة يقول له: إنى سألت الشيخ طلحة ـ يعنى الهتار (١) ـ أحد كبار صلحاء اليمن أن يدعو لك، فقال لى الشيخ طلحة: إنه رأى النبى ﷺ فى حالته، وقال له: يا سيدى يا رسول الله، خاطرك مع أحمد بن أبى الفضل، فقال له النبى ﷺ : هو فى كنفى، وأرجو يا ولدى أن تكون فى كنفه، ﷺ فى الدنيا والآخرة، وسبب كتابة أبيه إليه بذلك، يبشره بهذه الحكاية.
٦١٨ ـ أحمد بن محمد بن أحمد بن على بن محمد القيسى، يلقب بالشرف، ويعرف بابن القسطلانى، يكنى أبا الفتح:
ولد فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وستمائة بمكة بدار العجلة.
سمع باعتناء أبيه الشيخ قطب الدين القسطلانى على ابن أبى الفضل المرسى جزء ابن نجيد، والأربعين الفراوية، والمائة للفراوى، وبعض صحيح ابن حبان، وسمع فى الرابعة على أبى عبد الله محمد بن معين المنبجى سداسيات الرازى، وعلى فاطمة بنت نعمة الحزام الجمعة للنسائى، وعلى غيرهم كثيرا.
وحدث، سمع منه النجم بن عبد الحميد بقراءته، ومات قبله، والحافظ قطب الدين الحلبى بالقاهرة، وبأخميم، قال: وكان خيرا ساكنا. قال: وبلغنى أن أبا نمى أمير مكة أرسله فى رساله إلى مصر، فجاء من مكة إلى مصر فى اثنى عشر يوما، ووهم الحافظ قطب الدين فى تكنيته له بأبى الهدى؛ لأن أبا الهدى هو أخوه حسن. على ما ذكر غير واحد منهم جدى أبو عبد الله الفاسى، وذكر ذلك القطب فى ترجمة المذكور، ولشيخينا بالإجازة: ابن السلال وابن عوض البيطار منه إجازة تفردا بها.
توفى ليلة الثلاثاء سادس صفر سنة أربع عشرة وسبعمائة باللؤلؤة على الخليج ظاهر القاهرة ودفن بالقرافة.
نقلت مولده ووفاته من المعجم البرزالى، وهو من شيوخه بالإجازة. وكان له ولد اسمه محمد، ويكنى أبا عبد الله. سمع من التوزرى والصفى والرضى، وكتب بخطه طباقا
стр. 935
بعد العشر وسبعمائة، ولم أدر متى مات، إلا أنه كان حيا فى سنة ثلاث عشرة، لأنى وجدت له فيها سماعا على أبيه بقوص، وليس للشرف الآن ذرية، إلا امرأة بمكة؛ ولم أدر ما نسبتها إليه.
٦١٩ ـ أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد المكى، أبو بكر، المعروف بابن أبى الموت:
سمع من محمد بن على الصائغ، وعلى بن عبد العزيز البغوى، ويوسف بن يزيد القراطيسى، والقاسم بن الليث الرسعنى وغيرهم.
روى عنه: أبو محمد النحاس، وأبو العباس بن السحاج، ورشا بن نظيف وآخرون.
توفى فى شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وله تسعون سنة.
ذكره هكذا الذهبى فى تاريخ الإسلام، وذكره فى الميزان: وقال: ضعف قليلا.
ووجدت بخط ابن عساكر فيما نقلته من وفيات أبى الحسن أحمد بن محمد بن مرزوق، أنه توفى يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الآخر من السنة.
٦٢٠ ـ أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم، صفى الدين، أبو العباس الطبرى المكى:
ولد فى آخر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، أو فى أوائل سنة أربع وثلاثين. وأجاز له جماعة من شيوخ أخيه الرضى، منهم ابن المقير، وسمع على ابن أبى حرمى صحيح البخارى والمجالس المكية للميانشى عنهم، ونسخة أبى مسهر الغسانى، ويحيى بن صالح والوحاظى وما معها، ونسخة أبى معاوية الضرير، وبكار بن قتيبة البكراوى، وعلى شعيب الزعفرانى: البلدانية للسلفى، وعلى ابن الجميزى: اختلاف الحديث للشافعى، والثقفيات العشرة، والأول من جامع، عبد الرزاق، والأول من غرائب مالك لدعلج، والثانى من حديث سعدان، والرابع من الاغراب للنسائى، والسادس والسابع والثامن من أمالى المحاملى والسابع من حديث ابن السماك، وجزء مطين، وجزء القزاز، وثمانين الآجرى، وفوائد العراقيين للنقاش، وغير ذلك. وعلى ابن أبى الفضل المرسى: صحيح ابن حبان وجزء ابن نجيد.
стр. 936
وحدث، سمع منه النجم بن عبد الحميد بقراءته، ومات قبله، وجماعة، منهم البرزالى، ذكره فى معجمه، وقال: كان فقيها صالحا مباركا أضر مده سنين، ثم رد عليه بصره وقال: حكى لى شهاب الدين بن قاسم النقيب ـ كان بالشامية الجوانية فى جمادى الآخرة سنة سبع وسبعمائة ـ أن الشيخ صفى الدين أحمد المذكور، سقط من درج سلم، فوقعت جبهته فى حجر واستلقى على قفاه مغشيا عليه، ثم أفاق وهو يبصر، بعد أن كان مكفوف البصر مدة.
فلما اجتمعت به فى سنة عشر وسبعمائة ـ سألته عن عود بصره، فقال: سألت الله تعالى فى ذلك، فرده علىّ، ولم يذكر السبب المذكور. انتهى.
قلت: لا منافاة بين كلام الصفى هذا، وبين الحكاية التى حكاها البرزالى؛ لأنه يجوز أنها وقعت ليشفى بها لسؤاله الله تعالى فى الإبصار.
وقال البرزالى: توفى فى عصر يوم السبت الحادى عشر من شوال سنة أربع عشرة وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة يوم الأحد، وكانت جنازته حفلة، وقال: كتب إلينا بذلك عبد الله بن خليل.
وذكر البرزالى أنه وجد بخط عثمان بن الصفى هذا، أنه ولد فى أواخر سنة ثلاث وثلاثين.
٦٢١ ـ أحمد بن محمد بن أبى بكر بن على بن يوسف الذروى الأصل، المكى المولد والدار، المعروف بابن المرشدى المصرى، يلقب بالشهاب بن الجمال:
ولد بمكة سنة اثنتين وثمانمائة، وسمع بها معنا كثيرا على شيخنا مسند الحجاز، القاضى زين الدين أبى بكر بن الحسين المراغى وغيره، وحفظ المنهاج للنووى وغيره، وحضر دروس الفقه وغيره، عند غير واحد من الفضلاء بمكة، وزار المدينة النبوية ماشيا فى بعض السنين، وكان ذا خير ودين وعبادة وحياء.
ودخل اليمن غير مرة، منها فى صحبة والده، فى سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، وعاد فى أواخرها إلى مكة، فأدركه الأجل فى البحر، على نحو يومين من جدة، فمات غريقا شهيدا فى نصف ذى القعدة من سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة. وما عرف له خبر بعد الغرق، وفاز بالشهادة، رحمه الله تعالى.
стр. 937
٦٢٢ ـ أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى، المكى، شهاب الدين أبو العباس:
سمع من قريبه الرضى الطبرى: صحيح البخارى، وجامع الترمذى، والشمائل له، وسنن أبى داود وسنن النسائى، وصحيح ابن حبان بفوت، وعلوم ابن الصلاح، وعلى فاطمة بنت القطب القسطلانى: جزء من فوائد أبى بكر بن أبى داود السجستانى، وجزء فيه ثلاثة مجالس من أمالى الجوهرى، وسداسيات الرازى، وأجازت له وتفرد بذلك عنها.
وسمع على عيسى الحجى، والزين الطبرى، ومحمد بن الصفى الطبرى، وبلال عتيق ابن العجمى، وجمال الدين المطرى: جامع الترمذى.
وحدث، سمع منه والدى والمحدث صدر الدين بن إمام المشهد، وشيوخنا الحفاظ: زين الدين العراقى، وابنه ولى الدين، ونور الدين الهيثمى، والقاضى جمال الدين بن ظهيرة، وسألته عنه فقال: كان رجلا صالحا خيرا، وكان ابتلى بالوسواس وتعب به كثيرا. وجماعة غيرهم من شيوخنا، منهم ابن سكر، وقد أجاز لى باستدعائه.
ووجدت بخطه تحت خط شيخنا هذا فى الاستدعاء: أنه توفى يوم الحادى عشر من رجب سنة ثمانين وسبعمائة بمكة، بمنزله بقرب باب إبراهيم، ودفن فى عصر يومه ذلك بالمعلاة، بالقرب من ضريح الحافظ محب الدين الطبرى، وكان مولده فى شوال سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، بمنزل والده بالسويقة بمكة، رحمهم الله تعالى ورضى عنه. انتهى.
أخبرنى الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إسماعيل الطبرى المكى إذنا قال: أخبرتنا أمة الرحيم فاطمة بنت الشيخ قطب الدين محمد بن الشيخ أبى العباس أحمد ابن على القسطلانى سماعا، يوم الجمعة سلخ شوال سنة ثمان عشرة وسبعمائة بمكة، قالت: أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عيسى المنبجى.
(ح): وقرأت على العلامة أبى حفص عمر بن على الأنصارى، والعدل تاج الدين أحمد بن محمد بن أحمد الإسكندرى بالقاهرة منفردين، قال الأول: أنا أحمد بن كشتغدى الخطابى سماعا، وجماعة إجازة، قال: أنا أبو البركات أحمد بن عبد الله النحاس.
(ح): وقال الثانى: أنا القاضى شرف الدين أحمد بن أبى الحسن بن الصفى وغيره، قال: أنا أبو البركات هبة الله بن رزين وجماعة إجازة.
стр. 938
(ح): وأخبرنى المحدث أبو عبد الله محمد بن على البكرى بقراءتى عليه بمكة، أن الموفق أحمد بن أحمد بن محمد بن عثمان الشارعى، والأسد عبد القادر بن عيسى، المعروف بابن الملوك، أخبراه بقراءته عليهما منفردين وغيرهما.
قال الموفق: أنا جد أبى عثمان بن مكى بن عثمان قال: وابن معين، وابن النحاس، وابن رزين، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن مكى بن موقا الأنصارى.
وقال الأسدى: أنا محمد بن إسماعيل الخطيب، قال: أنا أبو طاهر إسماعيل بن صالح الدهان، قال: أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازى، قال: أنا أبو القاسم على ابن محمد بن على الفارسى بفسطاط مصر، قال: أنا أبو الحسن على بن عبد الله بن الفضل البغدادى بانتقاء الدار قطنى وقراءته، قال: ثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحى، قال: ثنا الوليد بن هشام القحذمى، قال: حدثنا حريز ابن عثمان قال: سألت عبد الله بن بسر رضى الله عنه: أشاب رسول الله ﷺ ؟ فأومأ بيده إلى عنفقته.
وقرأت على مسند الشام أبى هريرة عبد الرحمن بن محمد الحافظ أبى عبد الله الذهبى بالغوطة ظاهر دمشق، أخبرك الأمين محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن النحاس سماعا، وأبو الفتح محمد بن عبد الرحيم بن النشو القرشى حضورا، وأبو نصر محمد بن محمد بن القاضى أبى نصر الشيرازى سماعا منفردين قالوا: أنا الخطيب أبو الحسن على بن هبة الله اللخمى، قال: أنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الأصفهانى، قراءة عليه بالثغر، قال: أنا نصر بن أحمد بن عبد الله بن البطر ببغداد، فيما قرأت عليه، قلت له: أخبركم أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه، قال: أنا أبو على إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار قال: ثنا محمد بن سنان بن يزيد القزاز قال: ثنا عثمان بن عمر قال: أنا حريز قال: لقيت عبد الله بن بسر السلمى رضى الله عنه فقلت: أكان رسول الله ﷺ شيخا؟ قال: كان فى عنفقتهصلى الله عليه وسلم شعرات بيض.
أخرجه البخارى فى صحيحه (١)، عن عصام بن خالد الحمصى عن حريز ـ بحاء وراء مهملتين، ثم ياء مثناة من تحت، ثم زاى ـ الرحبى، فوقع لنا بدلا له عاليا، وهو من عوالى حديثه؛ لأنه أحد ثلاثياته.
أخبرنى أحمد بن محمد بن إسماعيل الطبرى وغيره إذنا، قال: أنا الرضى إبراهيم بن
стр. 939
محمد بن إبراهيم الطبرى إجازة، إن لم يكن سماعا عن الخطيب أبى محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن برطلة قال: أنا الفقيه المحدث أبو الخطاب أحمد بن محمد بن عمر بن واجب القيسى، قراءة منه علينا بحاضرة تدمر (٢)، قال: أنا أبو عبد الله محمد بن يوسف ابن سعادة من لفظه، قال: ثنا الفقيه الإمام الحافظ الشهيد أبو على حسين بن محمد بن فيرة ابن حيون بن سكرة الصدفى، قراءة عليه وأنا أسمع.
وسمعته مرة أخرى قال: ثنا الفقيه أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس بن دلهاث العذرى، قراءة عليه، قال: ثنا أبو الحسن على بن الحسن بن على بن محمد بن العباس بن فهد المصرى الحافظ، قال: ثنا أحمد بن محمد بن الفرج، قال: ثنا عبيد الله بن المنتاب القاضى، قال: ثنا سليمان بن إسحاق قال: ثنا الفروى، قال: كنت جالسا عند عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، فجاءه بعض جلسائه فقال: يا أبا مروان: أعجوبة، قال: وما هى؟ قال: خرجت إلى حائطى بالغابة، فلما أصحرت وبعدت عن بيوت المدينة، عرض لى رجل، فقال لى: اخلع ثيابك، فقلت: وما يدعونى إلى خلع ثيابى؟
فقال: أنا أولى بها منك، اخلع. قال: قلت: ومن أين؟ قال: إنا إخوة، وأنا عريان وأنت مكتس، قلت: بالمواساة. قال: كلا، قد لبستها أنت، فأريد ألبسها أنا كما لبستها، قال: قلت: فتعرينى وتبدى عورتى؟ قال: وما بأس بذلك، قد روينا عن مالك بن أنس رضى الله عنه أنه قال: لا بأس بالرجل أن يتطهر عريانا بالعراء، قلت: فيلقونى الناس فيرون عورتى، قال: لو كان الناس يلقونك فى هذا الطريق ما عرضت لك، قال: قلت له: فأراك ظريفا، فدعنى حتى أمضى إلى حائطى فانزع الثياب وأوجه بها إليك قال: كلا، أردت أن توجه إلى بأربعة أعبد من عبيدك، فيقبضون علىّ، ويمضون بى إلى السلطان، فيسجننى ويمزق جلدى ويطرح رجلى فى الغلقة، قال: قلت: كلا، أثلجك بالأيمان، إنى أوفى لك بما وعدتك ولا أسوءك، قال: كلا، إنا روينا عن مالك ﵀ أنه قال: لا تلزم الأيمان التى يحلف بها اللصوص. قال: قلت: فأحلف أنى لا أحتال فى أيمانى هذه. قال: هذه أيمان مركبة على أيمان اللصوص، الباب فيها واحد، قال: قلت له: دع المناظرة بيننا، فو الله لأوجهن إليك بهذه الثياب طيبة بها نفسى، قال: فأطرق، ثم رفع رأسه، فقال: أتدرى فيما فكرت؟ ، قال: قلت: لا. قال: تصفحت اللصوص من عهد
стр. 940
عصر النبى ﷺ إلى وقتنا هذا، هل أجد لصا بنسيئة فلم أجده، وأكره أن أبتدع فى الإسلام بدعة، اخلع الثياب، قال: فخلعتها ودفعتها إليه.
٦٢٣ ـ أحمد بن محمد بن حسب الله القرشى الأموى، المعروف بابن الزعيم:
مات أبوه وهو صغير، فاستولى على ماله أخوه على، وفات منه وعوضه بيسير من النقد والعقار، فأضاعه الآخر، واحتاج إلى أن صار يتكسب بالحطابة، ثم عاجلته المنية بالاخترام، فتوفى فى نصف جمادى الآخرة سنة تسع وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة عن نحو ثلاثين سنة أو أزيد.
٦٢٤ ـ أحمد بن أبى الخير محمد بن حسين بن الزين محمد بن الأمين محمد ابن القطب محمد بن أبى العباس القسطلانى المكى:
سمع بمكة من العفيف النشاورى وغيره، وأجاز له فى سنة سبعين جماعة واشتغل قليلا، وجوّد الكتابة، وصار يكتب الوثائق، ويسجل على الحكام، مع تأديبه للأطفال بالمسجد الحرام، تحت مأذنة باب على.
توفى فى العشر الآخر من شوال سنة ثلاث وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة.
٦٢٥ ـ أحمد بن محمد بن زكريا النشوى، أبو العباس:
شيخ الحرم. سمع أبا الفضل عبيد الله الزهرى، وأنا بكر بن شاذان، وأحمد بن عطاء الروذبارى وجماعة.
روى عنه تمام الرازى، وأبو على الأهوازى، وأبو عبد الرحمن السلمى، وذكر أن بعض البغداديين سعى به إلى أبى المعالى بن سيف الدولة بن حمدان، وقال: إنه ناصبى، وأمر به أن يحمل [ .... ] (١) ويغرق فى الفرات، فعطف الله بقلوب الموكلين به، حتى خرقوا الرقعة التى كانت معهم إلى والى منبج، وخلصه الله.
وذكره الخطيب وقال: كان ثقة. توفى بطريق الحجاز، سنة ست وتسعين وثلاثمائة. وقيل سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
стр. 941
٦٢٦ ـ أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم العبدى أبو سعيد الأعرابى البصرى:
نزيل مكة وشيخها. حدث عن أبى داود السجستانى بكتاب السنن من تأليفه، وعن أبى جعفر أحمد بن المنادى، والحسن بن محمد الزعفرانى، وسعدان بن نصر، وعبد الله بن أيوب المخرمى، وعباس الترقفى، وعباس الدروى، ومحمد بن عبد الملك الدقيقى، وجماعة.
روى عنه ابن خفيف، وابن المقرى، وابن منده، وابن النحاس، وابن جميع، ذكره أبو عبد الرحمن السلمى فى طبقات الصوفية، وذكر أنه كان فى وقته شيخ الحرم، صنف للقوم كتبا كثيرة، وصحب الجنيد وعمرا المكى، والنورى وجماعة.
وكان من جلة مشايخهم وعلمائهم، ومات بمكة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. انتهى.
وذكر وفاته، هكذا، أبو القاسم القشيرى.
وذكر الذهبى أنه قرأ برنامج أبو عمر الطلمنكى عن شيخه أبى عبد الله محمد بن أحمد بن مفرج القاضى، قال: لقيت بمكة جماعة منهم أبو سعيد بن الأعرابى، توفى فى التاسع والعشرين من ذى القعدة سنة أربعين، وصلينا عليه ومولده سنة ست وأربعين ومائتين.
قرأت على الخطيب أبى هريرة عبد الرحمن بن الحافظ أبى عبد الله الذهبى بغوطة دمشق [ .... ] (١).
٦٢٧ ـ أحمد بن الرضى محمد بن أبى بكر عبد الله بن خليل بن إبراهيم العسقلانى المكى، يكنى أبا العباس، ويعرف بابن خليل:
سمع على يحيى بن محمد الطبرى أربعى المحمدين للجيانى، ثم سمع الكثير على الفخر التوزرى، والصفى الطبرى، وأخيه الرضى.
стр. 942
وأجاز له من مصر والشام جماعة من شيوخ أخيه بهاء الدين بن خليل، وما علمته حدث، ولا علمت متى مات، إلا أنه كان حيا فى سنة عشرين وسبعمائة؛ لأنى وجدت له فيها سماعا على الرضى الطبرى. وكانت وفاته بالعراق، على ما ذكر لى شيخنا أبو بكر بن قاسم بن عبد المعطى، وذكر أن له اشتغالا بالعلم.
٦٢٨ ـ أحمد بن محمد بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة القرشى المخزومى المكى الشافعى، قاضى مكة ومفتيها، محب الدين أبو العباس بن قاضى مكة وخطيبها ومفتيها جمال الدين أبى حامد بن عفيف الدين:
ولد فى جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وحفظ القرآن وصلى به التراويح فى سنة تسع وتسعين وسبعمائة، وحفظ كتبا فى فنون من العلم، منها: المنهاج للنواوى، والمنهاج للبيضاوى، والألفية فى النحو، والألفية فى الحديث، المسماة: بالتبصرة، والشاطبية، وغير ذلك.
وفى رمضان سنة إحدى وثمانمائة، عرض المنهاج للنواوى على جماعة، منهم شيخنا برهان الدين الأبناسى، وحضر عنده دروسا فى الفقه، وسمع عليه بقراءتى الموطأ، رواية يحيى بن يحيى.
وقرأت لأجله على شيخنا إبراهيم بن محمد بن صديق فى سنة خمس وثمانمائة، غالب مسموعاته من الأجزاء، وسمع عليه قبل ذلك صحيح البخارى، وقرأ له عليه والده، مسند الدارمى بقبة العباس، وسمع معنا على شيخنا القاضى زين الدين أبى بكر بن الحسين المراغى بالمسجد الحرام: صحيح مسلم، وسنن الدارقطنى، وقرأ عليه: كتاب العمد فى شرح الزبد، لقاضى حماة شرف الدين البارزى، وأذن له فى الإفتاء والتدريس، وأذن له فى ذلك مكاتبة شيخنا قاضى القضاة ولى الدين أبو زرعة بن شيخنا الحافظ زين الدين العراقى، وقبل ذلك قاضى القضاة جلال الدين بن شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى، وخطيب دمشق ومفتيها شهاب الدين أحمد بن حجى، والشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله الغزى أحد المفتين، ونواب الحكم بدمشق، بعد أن قرأ عليه بمكة منهاج البيضاوى وسمع عليه جانبا من جمع الجوامع، لتاج الدين السبكى، فى سنة تسع وثمانمائة، وبسؤاله أجازه البلقينى وابن حجى وحضر فى الأصول والمعانى والبيان
стр. 943
والمنطق عند الشيخ حسام الدين الأبيوردى بمكة، وحضر عند الشيخ أبى عبد الله محمد ابن أحمد الوانوغى دروسا كثيرة فى التفسير والأصول والعربية وغير ذلك، وقرأ عليه فى المنطق.
وله فى العلم والرواية شيوخ غير هؤلاء، منهم الشيخ بدر الدين حسين بن على الزمزمى، أخذ عنه الفرائض والحساب والفلك، وجلس للتدريس بالمسجد الحرام عند الأسطوانة الحمراء، فى سنة تسع وثمانمائة، وفيها استنابه والده فى الحكم والخطابة، ولازم دروس أبيه نحو خمس عشرة سنة.
ونزل له أبوه فى مرض موته عن تدريس المدرسة المجاهدية بمكة، ومدرسة صاحب بنجالة، فباشر التدريس بهما قريبا من عشرة أعوام، وكان معه توقيع بأن يكون نائب أبيه فى الحكم وغيره فى حياته، ويستقل بذلك بعد وفاته، فحكم له نائب القاضى الحنبلى بمكة بصحة هذه الولاية المعلقة، وباشر بها أشياء بعد موت أبيه.
وكان موت أبيه فى رمضان سنة سبع عشرة وثمانمائة، ثم ترك المباشرة، لما وصل الخبر إلى مكة بولاية القاضى كمال الدين أبى البركات بن القاضى جمال الدين أبى السعود بن ظهيرة، لقضاء مكة، عوض القاضى جمال الدين.
وكان وصول الخبر بذلك عقيب سفر الحاج من مكة فى هذه السنة.
وفى العشر الأخير من ذى القعدة سنة ثمان عشرة، باشر قضاة مكة لوصول توقيع إليه بذلك، مؤرخ بشعبان من هذه السنة، واستمر مباشرا إلى ثامن شوال سنة تسع عشرة.
وكان ورد الخبر بعزله وعود القاضى أبى البركات قبل ذلك بأشهر، ولم يتحقق ذلك. فلما وصل توقيع القاضى أبى البركات لقضاء مكة فى ثامن شوال، باشر القاضى أبو البركات إلى أوائل ذى الحجة من هذه السنة.
وفى خامس ذى الحجة منها، وصل توقيع للقاضى محب الدين بقضاء مكة، مؤرخ بأوائل ذى القعدة من هذه السنة، فباشر به أمور القضاء، ولم يزل متوليا حتى مات.
وكانت فيه نزاهة وديانة وخير، وقلة شر، وإنصاف كثير. وله براعة فى الفقه والفرائض والحساب وغير ذلك، ويلقى دروسا حسنة ويذاكر بأشياء مليحة، ووردت عليه من الطائف وغيره فتاوى كثيرة، وأجاب عنها. وله شعر. وكان على طريق والده،
стр. 944
فى صرف ما عنده من الزكاة، وما يصل إليه من الصدقات لمن يواده ولمن يباعده، وغيرهما من القضاة يرى صرف ذلك لمن يواده، لعدم لزوم التعميم فى مثل ذلك، وهى طريقة حسنة.
وعرض له قبل موته مرض تعلل به نحو أربعين يوما، ثم مات ضحى يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وثمانمائة بمكة، ونادى المؤذن بالصلاة عليه فوق زمزم، وصلى عليه بعد صلاة العصر، ودفن بالمعلاة عند أبيه وجده، بجوار قبر مقرئ مكة عفيف الدين عبد الله بن عبد الحق الدلاصى، وكثر الأسف عليه لمحاسنه، وتقدم فى الصلاة عليه القاضى العلامة شمس الدين محمد بن أحمد بن موسى الكفيرى الدمشقى الشافعى، أحمد المفتين ونواب الحكم بدمشق.
٦٢٩ ـ أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبى بزة المكى، أبو الحسن البزى:
مقرئ أهل مكة، ومؤذن المسجد الحرام.
ولد فى سنة سبعين ومائة، وقرأ القرآن على عكرمة بن سليمان، وأبى الإخريط وهب بن واضح، وعبيد الله بن زياد، مولى عبيد بن عمير الليثى.
قرأ عليه أبو ربيعة محمد بن إسحاق الربعى، وأحمد بن فرح [ ..... ] (١)، وإسحاق بن أحمد الخزاعى، وجماعة.
وقد سمع البزى من سليمان بن حرب، وسفيان بن عيينة، وأبى عبد الرحمن عبد الله ابن يزيد المقرى، ومالك بن سعيد، ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم.
روى عنه البخارى فى تاريخه، وجماعة منهم يحيى بن صاعد. وقد وقع لنا عاليا من طريقه، حديثه الذى تفرد به فى التكبير من: والضحى. وهذا الحديث أخرجه الحافظ أبو عبد الله فى المستدرك، وقال: إنه حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهذا منه عجيب؛ لأن أبا حاتم قال: إن البزى ضعيف الحديث، سمعت منه ولا أحدث عنه.
وقال العقيلى: هو منكر الحديث، وساق له حديث الديك الأبيض الأفرق حبيبى.
نعم ذكره ابن حبان فى الثقات.
стр. 945
وبالجملة فهو كما قال الذهبى فى العبر: لين فى الحديث، حجة فى القرآن. وقال فى تاريخ الإسلام: كان شيخ الحرم وقارئه فى زمانه، مع الدين، والورع والعبادة.
وذكر فى طبقات القراء: أنه أذن بالحرم أربعين سنة.
توفى سنة خمسين ومائتين بمكة.
٦٣٠ ـ أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع، المعروف بابن بنت الشافعى:
هكذا ذكره الإسنائى فى طبقاته، وقال: فهو سبطه وابن عمه، يعنى الشافعى. وقال: قال أبو الحسين الرازى: كنيته أبو محمد، وقال: كان واسع العلم جليلا فاضلا لم يكن فى آل شافع بعد الإمام أجلّ منه، وقال: قال العبادى فى طبقاته: كان أبوه من فقهاء أصحاب الشافعى، وله مناظرات مع المزنى، فتزوج بابنة الشافعى زينب، فأولد أحمد المذكور، ويكنى أبا بكر وتفقه بأبيه، وروى الكثير عنه عن الشافعى. قال: وذكر المطوعى نحوه أيضا، ولكنه كناه أبا عبد الرحمن. انتهى.
قلت: هو مكى؛ لأن الطبرانى لما ذكره فى معجمه الصغير، قال: أحمد بن محمد الشافعى ابن بنت محمد بن إدريس، وروى عنه عن عمه إبراهيم بن محمد الشافعى.
وذكر القطب الحلبى، أنه روى عن أبيه وعمه، وروى عنه صالح بن محمد، وعمرو ابن عثمان المكى. انتهى.
وذكره الفاكهى فى فقهاء مكة؛ لأنه قال فى الترجمة التى ترجم عليها بقوله: «ذكر فقهاء مكة»: ثم مات أبو الوليد موسى، يعنى ابن أبى الجارود، فصار المفتى بمكة بعده، عبد الله بن أحمد بن أبى مسرة إلى يومنا هذا، وأحمد بن محمد الشافعى. انتهى.
٦٣١ ـ أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله، المعروف بابن فهد القرشى الهاشمى المكى:
أجاز له فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة من دمشق، أبو العباس الحجار، وجماعة، وسمع على الحجى: صحيح البخارى، وعليه وعلى الزين الطبرى: صفوة القرى، والسيرة لجده المحب الطبرى، وعليه وعلى قطب الدين بن المكرم، والآقشهرى: سنن النسائى،
стр. 946
وعلى أبى عبد الله الوادآشى: الموطأ والاكتفا، والتيسير، وعلى المقرى برهان الدين المسرورى، وفخر الدين الدمياطى: مسند الشافعى، وغير ذلك.
توفى سنة تسع وستين وسبعمائة بمصر، أخبرنى بوفاته شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة، وذكر لى أن مولده بعد العشرين وسبعمائة. وهو ولد القاضى جمال الدين بن فهد السابق.
٦٣٢ ـ أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين النيسابورى:
قاضى الحرمين، وشيخ الحنفية فى عصره، تفقه على أبى الحسن الكرخى، وأبى طاهر الدباس، وبرع فى المذهب، وسمع أبا خليفة الفضل بن الحباب، والحسن بن سفيان، وأبا يحيى زكريا بن يحيى البزاز، وجماعة سواهم.
روى عنه أبو عبد الله الحاكم، وذكره فى تاريخ نيسابور، وقال: غاب عن نيسابور نيفا وأربعين سنة، وتقلد قضاء الموصل (١) وقضاء الرملة. وقلد قضاء الحرمين، وبقى بهما بضع عشرة سنة، ثم انصرف إلى نيسابور سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ثم ولى القضاء بها فى سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، ثم قال الحاكم: توفى ضحوة يوم السبت الحادى والعشرين من المحرم سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.
وذكر أنه سمع القاضى أبا بكر الأبهرى شيخ المالكية يقول: ما قدم علينا من الخراسانيين أفقه من أبى الحسين النيسابورى، وناهيك بهذه منقبة.
٦٣٣ ـ أحمد بن محمد بن عبد الله التونسى المالكى شهاب الدين أبو العباس، المعروف بالمرجانى:
سمع بمكة على القاضى عز الدين بن جماعة سنن النسائى، رواية ابن السنى، وسمع معظمها على الشيخ فخر الدين النويرى، مع ابن جماعة، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة
стр. 947
بالحرم الشريف، والسماع بخط شيخنا ابن سكر. ومنه نقلت نسبه هذا، وسمع غير ذلك على ابن جماعة.
وسبب معرفته بالمرجانى، أنه كان تزوج خديجة بنت الشيخ أبى محمد المرجانى، وهى أم أولاده، على ما ذكر لى شيخنا السيد تقى الدين عبد الرحمن الفاسى، وذكر أنه يعمل ميعادا بالحرم، وأنه أقام بمكة سنين، وبها مات. وسألت ولده إبراهيم عن وفاته فلم يعرفها، لكن ذكر لى أنه مات فى حياة الشيخ خليل.
ووجدت بخط ولده عبد الله فى نسبه ما يخالف ما ذكرناه، لأنه كتب فى استدعاء أجاز لنا فيه: عبد الله بن أحمد بن يحيى.
٦٣٤ ـ أحمد بن محمد بن عبد الله، الشيخ شهاب الدين البدماصى الشافعى:
ذكر شيخنا الحافظ أبو زرعة بن العراقى، أنه تفقه على مذهب الشافعى، وبرع وتميز وحصّل، وأعاد بمدرسة أم الأشرف، وكان عنده خير ودين، وفيه سكون وتواضع. وذكر أنه جاور بمكة، وتوفى بها سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة.
وذكر لى شيخنا القاضى جمال الدين بن ظهيرة: أن وفاته فى شوال، وقال: كان فقيها فاضلا، ديّنا خيّرا. جاور بمكة واشتغل بالعلم، وكان كثير المجاهدة فى العبادة. انتهى.
٦٣٥ ـ أحمد بن محمد بن عبد الله النفطى المدنى، يلقب بالشهاب:
كان أمينا على بعض حواصل الحرم النبوى ولخدام الحرم، وله ملاءة وأولاد بالمدينة، تردد منها إلى مكة للحج مرات، منها فى سنة عشر وثمانمائة فى أثناء السنة، وأقام بها إلى أن خرج إلى الحج، ثم توفى بمنى بعد وقوفه بعرفة فى أيام التشريق من هذه السنة، ودفن بالمعلاة. وقد بلغ الستين، فيما أظن، سمع بالمدينة من قاضيها بدر الدين بن الخشاب.
٦٣٦ ـ أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن على بن إسماعيل بن على بن سليمان بن يعقوب بن إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمى، أبو العباس، وأبو جعفر المكى البغدادى:
نقيب العباسيين بمكة. سمع من أبى على الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن الشافعى
стр. 948
المكى، عدة أجزاء، منها جزء ابن عرفة العبدى، عن أبى القاسم السقطى، عن الصفار، عنه.
ونسخة إسماعيل بن جعفر المدنى، عن ابن فراس، عن الديبلى، عن ابن زنبور، عنه.
تفرد بها عنه أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعى البغدادى، المؤرخ. ووقعت لنا من طريقه عالية، وهو خاتمة أصحابه بالسماع، وخاتمة أصحابه بالإجازة أبو الحسن ابن المقير البغدادى، إن لم تصح إجازته لعبد الرحمن بن أبى حرمى المكى، فإنه ادعاها.
توفى يوم الخميس رابع شعبان سنة أربع وخمسين وخمسمائة ببغداد، ودفن من الغد بالعطافية، ومولده فى أحد الجمادين سنة ثمان وستين وأربعمائة.
قال أبو سعد: شيخ صالح متواضع، ما رأيت فى الأشراف مثله. قدم علينا أصبهان (١)، فأتى بهاء الدين ركبه، ومعه خمسة أجزاء، فسمعت منه، وسماعه فى الخامسة من الشافعى. انتهى.
وسمع فى الكهولة، ونسخ بخطه الكثير.
قرأت على فاطمة وعائشة بنتى محمد بن عبد الهادى المقدسى بالسفح ظاهر دمشق: أخبركما أبو العباس أحمد بن أبى طالب الحجار، عن أبى الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعى، قال: أنا النقيب أبو جعفر أحمد بن محمد العباسى، قال: أنا الحسن بن عبد الرحمن الشافعى المكى، قال: أنا أحمد بن إبراهيم بن فراس المكى، قال: ثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الديبلى، قال: ثنا محمد بن زنبور المكى، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن دينار: أنه سمع ابن عمر رضى الله عنهما يقول: «كنا نبايع رسول الله ﷺ ، على السمع والطاعة، يقول لنا: فيما استطعتم؟ » (٢).
أخرجه مسلم والترمذى والنسائى، عن على بن حجر، ومسلم أيضا عن يحيى بن أيوب وقتيبة، كلهم عن إسماعيل بن جعفر، فوقع لنا بدلا لهم عاليا.
стр. 949
٦٣٧ ـ أحمد بن محمد بن عبد المعطى بن أحمد بن عبد المعطى بن مكى بن طراد الأنصارى الخزرجى، أبو العباس النحوى المالكى شهاب الدين، نحوى الحجاز:
ولد سنة تسع وسبعمائة بمصر، وسافر منها إلى بلاد المغرب مع والده، واجتمع فيها على جماعة من الصالحين والعلماء، منهم الفقيه أبو زيد عبد الرحمن الجزولى، وحضر دروسه، وأخذ الفقه بمصر عن الشيخ عبد الله المنوفى، قرأ عليه الرسالة مرارا، وسمع عليه مختصر ابن الحاجب، ودروسا فى التهذيب، والجلاب والتلقين، والعربية عن الشيخ أبى حيان الأندلسى، قرأ عليه التسهيل لابن مالك، فأذن له فى إقرائها. وروى عنه شعرا. وعن الحافظ صلاح الدين خليل العلائى، سمع عليه بمكة، وعلى جماعة من شيوخها، والقادمين إليها، كثيرا من الكتب والأجزاء، منها: سنن النسائى على الزين الطبرى، وسنن أبى داود على عثمان بن الصفى، وانتصب بمكة للاشتغال فى العربية والعروض، وكان فيهما بارعا أيضا، وله فى ذلك تواليف، وانتفع به فى ذلك جماعة من شيوخنا وغيرهم، منهم والدى أعزه الله، وأذن له فى الفتوى والتدريس.
وكان حسن التعليم، ودرس فى الفقه درسا قرره له القاضى ناصر الدين بن سلام، وكان له نظم كثير.
وكتب بخطه الحسن كثيرا من كتب العلم، وناب فى العقود بمكة، وبها توفى يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من المحرم، سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، ودفن بالمعلاة.
وأخبرنى بعض أصحابنا العارفين بحاله، أنه توفى فى صفر من السنة المذكورة، والله أعلم بالصواب.
وقد أجاز لى مروياته باستدعاء شيخنا ابن سكر. ومن خطه نقلت وفاته المؤرخة بالمحرم، ونقلت مولده من خطه وكان حسن الأخلاق، سليم الباطن، كثير التودد للناس، مواظبا على الخير. انتهى.
وبلغنى أن شيخنا كمال الدين الدميرى، رأى فى المنام جدى لأمى القاضى أبا الفضل النويرى؛ فسأله عن حال الشيخ أبى العباس هذا، فقال له ما معناه: إنه فى مقعد صدق.
وأخبرنى بعض أصحابنا عن امرأة خيرة كانت مجاورة بمكة، أنها رأت النبىصلى الله عليه وسلم فى
стр. 950
النوم، وقال لها: سلمى على أبى العباس ـ يعنى المذكور ـ وقولى له: رسول الله يسلم عليك؛ فلما مر بها أبو العباس يريد الطواف، نادته إليها وكان بالمسجد، فأخبرته بقول النبى ﷺ لها فى حقه، فسر بذلك وكشف رأسه وطاف بالبيت سبعا شكرا لله تعالى، وهو مكشوف الرأس. هذا معنى ما أخبرنى به صاحبنا فى هذه القصة.
وبلغنى أنه لم يطف مكشوف الرأس إلا شوطا واحدا، وأنه بكى كثيرا لما أخبر بهذه الرؤيا.
ومن أخباره الحسنة، ما صح لى عن الشيخ كمال الدين الدميرى، قال: اتفق بمكة مطر منعنى من الحضور ليلا إلى عيالى، وهم بمنزل الشيخ أبى العباس المذكور، فنمت برباط الخوزى؛ فلما صليت الصبح، أتيت إلى منزلى، فسمعت الشيخ أبا العباس يفتح بعض الأبواب، وسمع طرقى للباب، فقال: من؟ فقلت: محمد، فقال: كمال الدين؟ قلت: نعم. فقال لى: صلوا الصبح؟ فقلت: نعم، فبكى كثيرا، فقلت له: ما يبكيك يا سيدى؟ فقال: لى أربعون سنة ما فاتتنى صلاة الصبح فى الجماعة.
هذا معنى ما بلغنى فى هذه الحكاية.
وقد رويت للشيخ أبى العباس المذكور منامات تدل على خيره.
أنشدنى العلامة أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد المعطى المكى لنفسه إجازة [من البسيط]:
لم تغمض العين بعد الهجر أجفانا ... لا وأخذ الله بالهجران أجفانا
يا أهل ذاك الحمى من حى كاظمة ... لا تبعدوا بالنوى من ذاق أشجانا
مذ بنتم بان صبرى بعدكم ونفا ... عنا الكرى بانكم فالبين أشجانا
لا تجنحوا لو شاة الحى ما نظرت ... مذ غاب حيكم العينان إنسانا
ما غاب عن ناظرى محياكم أبدا ... إلا وذكراكم فى القلب أحيانا
جودوا علينا بوصل من جنابكم ... وسامحونا ولو بالطيف أحيانا
من لى برد زمان فى دياركم ... أجر تيها بها ذيلا وأردانا
آه على ما مضى من عيشنا رغدا ... لو دام وصلكم ما كان أسنانا
إذا ذكرت اجتماعى فى معالمكم ... أبكى الدماء كأنى كنت وسنانا
ما كان أحسن أيامى بقربكم ... ما كان أبهجها ما كان أهنانا
والله لا حلت عن أقصى ودادكم ... يا أهل كاظمة سرا وإعلانا