Полный текст (2 778 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وأنشدني، قال: أنشدني الخطيب قوله وقد سئل ذلك: [من الطويل]
خليلي مرَّابي على أجرع الحمى ... وعوجا على أثلاث يبين والهضب
... بين سلع وحاجر ... وقولا لهم ما بال قلبي من الحبِّ
عساهم يرقُّوا للَّذي ملَّك الهوى ... لهم رقّه حتَّى غدا موثق القلب
أجيروه من نار الصُّدود فإنَّه ... له أضلع في الحبِّ موصدة اللَّهب
إذا قيل هذي دار ميٍّ برامة ... تزايد شوقي واستطار به لبِّي
يقولون لي عنها تسلَّ يغيرها ... فقلت لهم: كفُّوا فما بيدي قلبي
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
إن تناسيتم الوداد وحلتم ... لي قلب إلى التَّواصل صابي
/٨٣ ب/ لست أبغي عن الحبيب سلوّاً ... فأطيلوا وأقصروا في عتابي
ليس أذني تصغي للوم وقلبي ... ليس ممَّن يسلو عن الأحباب
إنَّ لوم العشَّاق لوم وعذل الصَّب ما فيه منهج للصواب
وقال أيضًا، رواها عنه محمد بن أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف القطيعي:
[من الطويل]
دعيه ففي تذكاره ما يشيبه ... ولا تعذليه فالغرام حسيبه
ورقِّي له ممَّا يلاقي من الأسى ... لقد ذلَّ من قسم الصُّدود نصيبه
فكم بين أكناف العقيق وحاجر ... محاجر يصمي نبلها من يصيبه
وكم بربى تلك الرُّسوم مدلَّه ... قتيل بداء الحبِّ باد شحوبه
إذا مرَّ بالأعلام هيَّجن .... وأغراه من ذاك النَّسيم دبيبه
وفي عذبات الرَّمل من جانب الحمى ... مواقف للمشتاق فيها يجيبه
بها كلُّ نضو الهمِّ طاو على الحشا ... مروَّع مفقود الفؤاد سليبه
خليليَّ بالزًّوراء عوجًا فإنَّ لي ... بها قمراً في أفق قلبي غروبه
وفي نهر عيسى والصَّراة مرابع ... ونهر معلَّى دوره ودروبه
/٨٤ أ/ وله: [من السريع]
قد أبدت الأرض كلَّما خزنت ... من كلِّ نوع مدَّبج بهج
стр. 107
ترفل في بردها القشيب وقد ... ضمِّخ طيبًا من عرفها الأرج
تبسم بالبشر كلَّما سفرت ... سماؤها عن أديمها السَّمج
ألقت قناع الحياء مذ رشفت ... كأس حميَّا الحيأ بلا حرج
أنهارها بالغناء مفصحة ... غرائب اللَّحن من يد الدُّعج
خريرها زيرها ويبتعه ... من موجها البمُّ وهي في هزج
فانظر إلى مجلس قد أجتمعت ... فيه تحايا العقول والمهج
عجائبًا للربيع أبدعها ... بواعثًا للنُّفوس في الفرج
[٤٦]
أحمد بن عليِّ بن الحسن بن أبي زنبور، أبو الرّضا النّيليُّ.
الساكن بالموصل.
قرأ بها النحو والأدب على أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان النحوي البغدادي، وقرأ القرآن العظيم على أبي بكر يحيى بن سعدون بن تمام القؤطبي المقرئ الأزدي.
/٨٤ ب/ وكان عارفًا باللغة العربية والقراءات السبع والعشر وغير ذلك من الشواذ. وكان يختلف إليه جماعة يقرؤون عليه، وبلغ سنًا عالية، ونظم أرجوزة مزدوجة سمّاها "وسيلة الإنسان" تتضمن مدح الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب صاحب بلاد الشام –﵁ وشرحها في نحو أربع مجلدات فأحسن صلته.
وكان أعلم الناس في زمانه بنعوت الخيل وأوصافها –وكان يتدين بمذهب
стр. 108
الشيعة الإمامية، ويقول الأشعار ويمدح بها، وتوفي بالموصل سنة ثلاث عشرة وستمائة.
أنشدني العباس بن بزوان الموصلي، قال: أنبأني أبو الرضا لنفسه يمدح بني أيوب سلاطين الشام: [من الرمل]
وصلكم يستنجح الفكر العقيم ... وهواكم كالصِّراط المستقيم
فإذا ما هدي العبد له ... كان عين العالم الحرِّ الحكيم
أصل من والى أصيل ناصع ... والمعادي ناصل الأصل زنيم
يا بني أيُّوب ما أشرفكم ... من صناديد كرام لكريم
عرَّفت أخلاقكم أعراقكم ... إنَّكم إرث صميم عن صميم
/٨٥ أ/ جمع الله بكم شمل العلا ... في ذرى ملك أخي فضل عظيم
ماجد قرم جواد باسل ... عارف عاف عن الجرم حليم
كلُّكم متبَّع سيرته ... يستفيد العلم من طبًّ عليم
رحم الله أمرءاً خلَّفكم ... ورعاكم فهو رحمان رحيم
هل رأيتم قطُّ عبداً هكذا ... إثر فتح في جهاد ونعيم
يحمل المجروح منَّا رُّبه ... وهو ذو جهد من الجرح أليم
وترى الأبطال كلُّ منهم ... يغبط المستلب النَّفس السَّليم
من يمت منَّا يبت في جنَّة ... وملاقونا يقيلون الجحيم
فأهنأوا طرّاً به وليهنه ... أنَّكم فيه ذوو عرف عميم
واكتبوا أعداء ما عشتم ... بمراعاة وليٍّ وحميم
يا بناة المجد قد عاملتكم ... بالَّذي نعضي بإكرام الغريم
بمديح وولاء مخلص ... من يلمني فيهما فهو المليم
وأرى الحال أقتضتني رحلةً ... نحو قوم شوقهم عندي مقيم
كلُّهم يرجو إيابي سالمًا ... غانمًا من نائل غير ذميم
من مليك كاد يحيا في الثَّرى ... من ندى راحته العظم الرَّميم
/٨٥ ب/ جوده للمرتجي إنعامه ... بالغنى عن كلِّ مرجو زعيم
ضاعف الله عليه فضله ... وتولاَّه بنصر لا يريم
стр. 109
وأسلموا في دولة محروسة ... بمواضيكم وجبَّار قديم
ولأنتم ..... الدَّهر لناً ... وغياث للهيف وعديم
ما شرى ركب وغنَّى راكب ... وبدا نجم .... لئيم
[من السريع]
الحمد لله على أنَّن ... قضيت خمسًا وثمانينا
بلَّغنيها مجزل مفضل ... فازددت فيها العلم والدِّينا
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أحمد بن علي لنفسه:
[من السريع]
ما لي أرى الرَّغبة قد أصبحت ... تطلب منِّي عوض الظَّرف
قد ذدتها عنِّي بسوط المنى ... وكفَّ عنها اليأس عن كفِّي
[٤٧]
أحمد بن محمد، أبو نصر الآمدي.
فقيه عالم شافعي المذهب؛ وهو يتولى بماردين إعادة الفقه /٨٦ أ/ بالمدرسة العزيزية. وله أشعار في المقطعات.
أنشدني الأمير شرف الدين أبو حفص عمر بن أسعد بن عمار الموصلي، قال: أنشدني أحمد بن محمد الموصلي الآمدي لنفسه: [من الوافر]
ينمُّ بها وجنح اللَّيل داج ... ثلاث عن زيارتها تعوق
وساوس حليها عند التَّثنِّي ... ومبسمها وريَّاها الفتيق
ولو خلعت حلاها واستكنَّت ... بفاضله لما تمَّ العبيق
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه ما كتبه إلى صديق له مسافر: [من الطويل]
стр. 110
رحلتم ولا والله ما قرَّ في الحشا ... فؤادي ولا والله ما قرَّ لي جنب
وجفني على ما كنت تعهد دائم الدُّموع وقلبي في الهوى ذلك القلب
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه وكتب ذلك إلى ضياء الدين بن شيخ السلامية:
[من الطويل]
وما كنت إلاَّ في المحافل ناشراً ... علاك بأفواه الثَّنا باذلاً جهدي
محبٌّ على بعد الدِّيار وقلَّما ... أقام الهوى في قلب صبٍّ على البعد
/٨٦ ب/ فما عند ليلى لي سقى الله دارها ... وحيَّا مغانيها فهذا لها عندي
[٤٨]
أحمد بن سليمان بن حميد بن إبراهيم بن أحمد بن عليِّ بن إبراهيم المخزوميُّ الكسائيُّ، أبو العباس البلبيسيُّ المعروف بابن كساء.
من شعراء ديار مصر-وبلبيس إحدى قرى مصر-.
شاعر يرحل إلى الملوك وسلاطين الأنام فيسترفدهم بأشعاره واشتهر أمره بالشعر.
أدركت زمانه وكان رجلاً شديد سمرة اللون، يرد كل عام الموصل مادحًا مالكها الملك الرحيم بدر الدين أبا الفضائل –أدام الله اقتدراه- وكان متجملاً ذا هيأة وثروة وحال حسنة وغلمان ظراف، ومات بالقاهرة في صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ بعد أن دوَّخ قطعة من البلاد، وامتدح أكابرها.
وكان قبل ذلك قد تفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ وفهم طرفًا صالحًا منه، وتأدّب وقال الشعر ومدح الملوك /٨٧ أ/ والوزراء، واشتهر بقول الشعر،
стр. 111
وسافر إلى بلاد الجزيرة وغيرها، وكتب الناس شيئًا من أشعارة.
وجدت له قصيدة مدح بها الملك الرحيم بدر الدين –ضاعف الله معاليه-:
[من الكامل]
وركبت ظهر توصُّلي في أوبتي ... وحلفت أنِّي لا أنام عن السُّرى
حتًّى رأيت الأفق أنَّ بدوره ... تخفى وبدر الدِّين متَّقداً يرى
ليث إذا ما الحرب شبَّت نارها ... عاينت تحت النَّقع منها قسورا
وإذا انتضى البيض الصِّفاح أعادها ... يومًا وقد خضبت نجيعًا أحمراً
ومتى يصول على الفوارس تلقهم ... صرعى كأن شربوا شرابًا مسكرا
ألقت له الحدباء فضل زمامها ... إذ عاينته للغوامض مبصرا
وإليه ألقى القأهر الملك الَّذي ... قد جلَّ لمَّا أن رآه مدٍّبرا
فأنار منهاج المكارم وارتدى ... برد الفخار وحلَّ في أسنى الذُّرى
واستعبد الأحرار منه بأنعم ... سبقت سوابقها السَّحاب الممطرا
وغدا ينادي جوده يا للنَّدى ... كرمًا وتدعو ناره يا للقرى!
شهدت له شمُّ الملوك بأنَّه ... قد طاب خبراً في العلاء ومخبرا
أنشدني الصاحب شرف الدين أبو البركات /٨٧ ب/ المستوفي بإربل –﵁ قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن سليمان بن كساء الشاعر لنفسه: [من الرجز]
سل عن دمي غير السُّيوف والأسل ... ولا تحد عن الخدود والمقل
ويلاه ما أضيع مطلول دم ... لم تحتكم فيه دمى ولا طلل
وبي غزال كلَّما غازلني ... طاب نسيبي في هواه والغزل
ومنها:
أغنُّ أغنى طرفه عمَّا أرتدى ... لقتلتي وعطفه عمَّا أعتقل
أعرب عن حالي وواو صدغه ... لا تعرف العطف ولا عنه بدل
ذو حاجب ينسيك قوس حاجب ... بحيث يرمي منه طرف من ثعل
قد أجمع النًّاس على تفضيله ... من بعد ما أفنوا زمانًا في الجدل
دعني قد أذَّنت في حبِّي له ... مهاجراً حيَّ على خير العمل
стр. 112
منها:
مذاهب تجمع أشتات المنى ... وأنعم تضحك في وجه الأمل
[٤٩]
أحمد بن عبد السيّد بن شعبان /٨٨ أ/ بن محمد بن بزوان بن جابر بن قحطان، أبو العباس الإربليُّ.
خدم جنديًا للملك المعظم أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكبين بإربل –﵁ وحاجبًا بين يديه.
ثم أبعده مخدومه وصار إلى الأمير شهاب الدين أبي الوفاء قراطايا، ورحل في صحبته عن إربل إلى الديار الشامية سنة أربع وستمائة واتصل بملوكها بني أيوب، وانحاز في جملة الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب، فأقام عنده وأنعم عليه إنعامًا سنيًا، ورزق ثروة من خدمته، وصار أحد ندمائه والمقربين إليه.
وكان شاعراً متأدبًا مغنيًا، اجتمعت فيه أسباب المنادمة. بلغني أنه توفي بالرها أواخر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
أنشدني الصاحب شرف الدين أبو البركات –﵀ قال: أنشدني أحمد بن عبد السيد لنفسه، وأوائل هذه الأبيات إذا اجتمعت كانت بيت شعر، وهو:
قاض به صحَّ يسري ... ومات ضرِّي وعسري
/٨٨ ب/ كتبها إلى القاضي أبي محمد جعفر بن محمد الكفر عّزيّ الحاكم بإربل:
[من المجتث]
قل للَّذي لام تدري ... بأنَّ لومك يغري
الله ينصفني منك ... إذ ولعت بهجري
стр. 113
ضرِّي قصدت فهلاَّ ... قصدت إصلاح أمري
يا منيتي في حياتي ... وبغيتي يوم حشري
بمن أباحك قتلي ... صلني فقد عيل صبري
ها قد أتيتك أشكو ... حالى لتكشف ضرِّي
صل مدنفًأ صار نضواً ... ما بين نهي وأمر
حرَّمت في العشق وصلي ... هتكت بالصَّد سرِّي
يا قاتل الصَّب مهلاً ... عرفَّتني فيك قدري
سلني عن العشق يومًا ... فمنه تعرف عذري
رميت قلبي بسهم ... أمسى يراش بسحر
يا من بمن نالني منه قد تقسَّم فكري
والله مازلت شوقًا ... أعدُّ يومي بشهر
من لي سواك حبيب أفضي إليه بسرَّي
/٨٩ أ/ إحتجت في العشق لمَّا ... أنفقت بيضي وصفري
ترجو سلامة روحي ... وخدُّ هجرك يغري
ضاقت عليَّ حياتي ... إذ وسَّع الشَّوق سكري
روحي سلبت وبدَّلت اسم خيري بشري
يحلُّ قتلي إذا قلت أنت في النَّاس بدري
وامحنتي كم أقاسي ... ملام زيد وعمرو
عدني فالبوعد أحيا ... وفيه طيِّى ونشري
سألت عن وصف حالي ... وما به جاش صدري
رتِّب حروف المعاني ... أوائل الشَّعر تدري
يا تاج دين المعالي ... أصبحت فخري وذخري
وقال أيضًا في الساعات التي عملت بقلعة القاهرة المعزِّية: [من الخفيف]
قل لي أيُّ حكمة في سماع الطَّبل ظهراً وعند وقت الأصيل
قلت ساعاتنا تخبِّر أنَّا ... نحن سفر والطَّبل طبل الرَّحيل
وأنشدني أبو الثناء محمد بن محمد الإربليّ، قال: أنشدني /٨٩ ب/ أبو العباس
стр. 114
أحمد بن عبد السيد لنفسه جواب أبيات كتبها إليه جلال الدين أبو الحسن علي بن شماس الوزير بإربل: [من الطويل]
ألبِّي جلال الدِّين عند دعائه ... بتلبية شكري بها يتسلسل
وأحمد درهاً خصَّني منه بالرِّضا ... ولست بما قد قلته أتقوَّل
ولي شاهد من قلبه غير أنَّني ... مجدِّد ذكر ليس فيه تأوُّل
وأحمل عنه النَّائبات إذا عرت ... وجملة سعدي أنَّني عنه أحمل
شكا رجلاً لا خير فيه وإنَّه ... بحنكته كلُّ امرئ يتمثل
وسمَّاه مقداراً ومقداره الَّذي ... عليه من القدر الحقير وأرذل
[٥٠]
أحمد بن عبد الرحيم بن عليِّ بن الحسن بن الحسن بن أحمد، القاضي الأشرف، أبو العباس ابن القاضي الفاضل أبي عليٍّ اللخميّ البيسانيّ.
كان والده ممن يضرب به المثل في البلاغة والإنشاء وحسن العبارة؛ وابنه هذا من أماثل أهل زمانه، وأوفاهم قدراً، كثير الاعتناء بالحديث وسماعه.
قد بغداد رسولاً /٩٠ أ/ وسمع من أصحاب أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، وأبي بكر بن الزاغوني وفيه فضائل وآداب.
أنشدني أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة البغدادي، قال: أنشدني القاضي
стр. 115
أبو العباس لنفسه: [من الطويل]
وقائله لا تلزم البيت دائمًا ... فإنَّك قبل القبر مستعجل القبر
فقلت: دعي تحت الخمول عزائمي ... لعلِّي أن أخفى على نظر الدَّهر
تعادلت الأحوال عندي كلُّها ... فما خفَّ ميزاني لأنس ولا ذعر
وأستترت عيني صباحًا على دجلى ... ولا أسترحبت نفسي مطاراً على وكر
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره: [من الكامل]
من شاكر عنِّي نداك فإنَّني ... من عظم ما أوليت ضاق نطاقي
منن تخفُّ على يديك وربما ... ثقلت مؤونتها على الأعناق
[٥١]
أحمد بن عبد الله بن محمد بن عيسى بن جامع العقرّي، أبو العباس الفقيه الشافعيُّ.
اشتغل بالفقه بمدينة السلام على أبي الحرم أحمد بن إسماعيل /٩٠ ب/ القزويني، ويحيى بن فضلان البغدادي. وتولّى إعادة درسه.
ثم سافر إلى الموصل وسكنها إلى أن توفي بها في أوائل المحرم سنة إثنتين وعشرين وستمائة، ودفن جوار فتح الكاري الزاهد، وتولّى تدريس المدرسة الفخرية المطلّة على دجلة. وكان قد قرأ الخلاف والفرائض وقال أشعاراً.
أنشدني الخطيب أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد العقري، قال: أنشدني أخي أحمد بن عبد الله لنفسه: [من الكامل]
يا ساكيني أهل الجبال ومن ... في الكهف والحدباء والعقر
ما كنت أعرف قدر وصلكم ... حتَّى بليت بفارط الهجر
لو تعلمون تألُّمي بكم ... يوم الفراق لساءكم أمري
قد كان لي صبر أعيش به ... قدمًا فوا أسفا على صبري
стр. 116
من طيب أيَّام الوصال وما ... قضيته في سالف الدَّهر
وسقت ليالينا بخيف منى ... فالمأزمين سواكب القطر
[٥٢]
أحمد بن عمر بن عليٍّ، المعروف /٩١ أ/ بابن قرّة العين، أبو عبد الله الحلبيُّ.
نزل إلبيرة من أعمال حلب، وانحاز في جملة أصحاب مليكها الملك الزاهر أبي سليمان داود بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصار أحد شعرائه والمنقطعين إليه.
وهو شاعر مقصّد ينظم الشعر طبعًا، ناقص الخط من العربية وعلم الأدب وآلة القريض.
توفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وكان جنديًا يلبس الشربوس ويقول شعراً متوسطًا يمدح به الصدور والسادات من الناس.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن حيدر الدبندار الشاعر الواسطي، قال: أنشدنا ابن قرّة العين لنفسه يمدح فلك الدين أبا القاسم عبد الرحمن بن هبة الله بن علي بن المسيري: [من البسيط]
لو ساءه قبح هذا الغدر ما غدرا ... ولو درى كيف طعم الهجر ما هجرا
مهفهف رقدت عيناه مذ سهرت ... عيني وقد طال ليلي بعده قصر
ومائس العطف لا أمسي على خطر ... في الحبِّ إلاَّ إذا ما ماس أو خطرا
كالرِّيم لم يرم سهمًا من لواحظه ... إلاَّ وصاد بذاك السَّهم ليث شرى
/٩١ ب/ ظبي من التُّرك وحشي سجيته ... ينفِّر النَّوم عن عيني إذا نفرا
أفديه من رشأ في ليل طرَّته ... يبدو لنا قمر للقلب قد قمرا
وليلة بات ندماني فأسكرني ... بالسِّحر من غنج عينيه وما سكرا
стр. 117
لكن صحوت لما حبِّرت عن فلك الدِّين الَّذي خبره قد صغَّر الخبرا
عود إذا عاد ما أبداه من همم ... لم نلق من عوده ضعفًا ولا خورا
سل الأعادي بيوم الرَّوع هل نظرواً ... بكفِّه قلمًا أو صار ما ذكرا
ماضي المضارب ما هزَّت خشينته ... في هامة قطُّ إلاَّ قطَّ أو بترا
لا يخذل الدَّهر من أمسى بعزم يد المولى أبي القاسم المنصور منتصرا
لو لامست كفُّه يوم النَّدى حجراً ... صلداً أسال بماء ذلك الحجرا
هو السَّماح الَّذي تعمي بوادره ... على العفاة وإن لم يسألوا البدرا
لو لم يكن للورى في دسته فلكًا ... ما كان في كلِّ يوم يطلع القمرا
فربعنا لم يزل من جوده خضراً ... ووردنا لم يزل من حوضه خضرا
فقد أمنَّا به ممَّا نحاذره ... فلو يسالمنا لم نعرف الحذرا
فراية الملك ما أهتزت ظفيرتها ... إلاَّ به وتلقَّت ذلك الظَّفرا
وراحة الملك لا نلقى بها شللاً ... عند اللِّقاء ولا في باعها قصرا
/٩٢ أ/ يعطي فلم يلق في إكثار نائله ... قلاً ولا في صفا إحسانه كدرا
ومنها قوله:
فربعنا بعد دثر مربع زهرا ... وعودنا بعد يبس مطلع ثمرا
يبدو فنلقاه في الإقناط مبتسما ... يعطي فنلقاه في الإفراد معتذار
إذا تيَّممه سفر رأوا رجلاً ... في وجهه الشَّمس تبدو كلَّما سفرا
جاد الزَّمان لأبناء البريَّة من ... ابن المسيري بغيث ناب أو خضرا
[٥٣]
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي نصر، ابو حامد الساويُّ خطيب همذان.
قال القطيعي: قدم حاجًا سنة ثلاث عشرة وستمائة، وروى عن شيخنا أبي
стр. 118
الوقت. وسألته عن مولده، فقال: في سنة ست وأربعين وخمسمائة.
ثم أنشدني لنفسه: [من الوافر]
أتيتك مستجيراً مستعيذاً ... بعفوك من عذابك يا إلهي
فقد أوقرت ظهري بالخطايا ... وقد أكثرت غشيان الملاهي
فإن لم تعف ربِّي عن ذنوبي ... رجائي حبله ياربِّ واهي
/٩٢ ب/ فكم عاص عفوت الذَّنب عنه ... وقلت له عصاني وهو ساهي
[٥٤]
أحمد بن الحسن الدمشقيُّ الواعظ
كان يرتفق بالوعظ، وينتقل في البلدان طلبًا للجدوى. رأيت له هذه الأبيات أنفذها
إلى كامل الدين عمار بن سعد بن عمار الوزير بماردين: [من الطويل]
وعار على ذي المكرمات وذي الحجى ... تغافله عن لائذ بجنابه
وليس له عون سواه فيرتجى ... ولا مفزع إلاَّ الوفوق ببابه
إلى كامل الدِّين بن سعد مدائحي ... تزفُّ وتهدى رغبة في اقترابه
وكتب إليه أيضًا لنفسه وهو مقيم بماردين: [من الطويل]
أرى الدَّين شين الدِّين حقًّا كما روي ... فجد بوفاه وأغتنم منِّي الشُّكرا
فلست أرى في ماردين مساعداً ... سواك أبن عمَّار فجد وأكسب الأجرا
وعدَّ الَّذي توليه منك تفضُّلاً ... كما لم تزل يا عدَّتي تكشف الضُّرَّا
[٥٥]
أحمد بن إسحاق بن هبة الله /٩٣ أ/ ابن صديق بن محمود بن صالح، أبو العباس بن أبي البشائر الخلاطيُّ، المعروف بابن قاضيً خلاط:
لأنّ أباه كان يتولى القضاء بها.
стр. 119
وكان أحمد شابًا له فطنة في الشعر لطيفًا دمثًا سهل الأخلاق. رحل إلى مدينة السلام وصار صوفيًا متزهِّداً، ولزم طريقة أهل الدين والتصوُّف، وأقام بها إلى أن مات يوم الاثنين العشرين من ذي الحجة سنة سبع عشرة وستمائة ولم يبلغ الثلاثين. وكانت ولادته بخلاط في سنة تسعين وخمسمائة؛ روى لي من شعره عنه جماعة.
أنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزي –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني أحمد بن قاضي خلاط لنفسه يمدح الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب –﵀: [من الطويل]
دعيه فقد أودى الغران بقلبه ... لقد لمت لواجدى الملام بصبِّه
إليك فمن يصغي إليك وللهوى ... لدى اللَّوم وقر سدَّ سمع محبِّه
أرى جلدي قد قل عمَّا عهدته ... على أنَّه ما زال مغلوب حبِّه
فشدوة حاد بين جنبيَّ والجوى ... ولمعة برق بين دمعي وسكبه
/٩٣ ب/ أزاجرهًا قف حيث تدنهو من اللِّوى ... بربع ملول لا أنقضاء بعجبه
وناد ألا هل من مجير على النَّوى ... لصبٍّ بسكب الدَّمع مغرى وصبِّه
ولي غلَّة في القلب ليس يبلُّها ... سوى ثغر ألمى بارد الرِّيق عذبه
ولي نحو رضوى زفرة تملأ الحشا ... جوًى تاركًا قلبي دمًا ملء خلبه
ولو لم أكن أصبو إلى العلم الَّذي ... ضراغمه صرعى جاذر سربه
لما ضاقت الدُّنيا علي بأسرها ... إذا ذكرت عندي مضائق شعبه
سقى الله نجداً ملعبي زمن الصِّبا ... وليُّ حيًا يولي حياةً لتربه
فتمسي أراضيه رياضًا وتجتلي ... على وهدة وشي الرَّبيع وهضبه
وتطرب ورق الأيك فيه عشيَّةً ... على عفَّة الأرواح من بين عشبه
فيا غيث بخلاً بالحيا حيث يغتدي ... فإن جئت نجداً جد به قبل جدبه
أحبُّ سيوف الهند حيث حكت ظبا ... لواحظ ظبي وصله لم أفز به
رجوت كرى يدني بعيد مزاره ... ويبرد قلبًا ذابً من حرِّ كربه
وأنَّى يذوق الغمض جفن مسهَّد ... جو فرشت شوك القتاد بجنبه
بعادي من الأهلين أدنى أنقلابه ... ونأيي عن الأوطان أيسر خطبه
إلى م أقضِّي العمر للدَّهر عاتبًا ... وليس يفيد الدَّهر تكرار عتبه
стр. 120
/٩٤ أ/ يجور على ربِّ العلا متعمِّداً ... كأنَّ العلا للمرء أعزم ذنبه
لقد فرَّق الأيَّام شملي ولا أرى ... سوى الملك موسى من يرجَّى لشعبه
فتى سخطه إن يذك في البحر جذوةً ... مجاوره لم يلق ماءً لشربه
ولو هطلت يمناه في البرِّ بالنَّدى ... لأصبح مثوى الحوت مسكن ضبِّه
همام هو الحامي حمى الدِّين حيث لا ... مردَّ له عمَّن تصدَّى لنهبه
بأملد خطَّي يريد أعوجاجه ... لتنساب ريم الرِّمل من بين كثبه
كأنَّ ظلام اللّيل حذَّر خصمه ... فأخبر عن طغيانه لمع شهبه
وأبيض ماض للفرند بمتنه ... كمثل تسامي النَّمل فوق مدَّبه
كأنَّ أشتقاق الصُّبح ينذر قرنه ... فيبدي له في الشَّرق آثار غربه
وعوجاء مرنان إذا طاش سهمها ... يخاف السُّها من مكثه عند قطبه
كأنَّ لموع البرق منه أرتعاده ... يخاف فيخفى في ستائر سحبه
ينظِّم نظم الدُّرِّ بالرُّمح للعدا ... وينثرهم نثر الجمان بعضبه
فسبحان ربٍّ ليس يخلق ضدَّه ... كما خلقت طعناته ضدَّ ضربه
له الفخر فليسحب مدى الدَّهر ذيله ... فقد ظلَّ في الدُّنيا مليًا بسحبه
أبا الفتح حزم العزم في طلب العدا ... يرفع لوا .... عند نصبه
/٩٤ ب/ فبادر إلى إسراعه تملك الدُّنى ... فأنت منى عجم الأنام وعربه
ملأت فضاء الأرض من فيض نائل ... به شرقه يثني عليك كغربه
حوت منه أرجاء الرَّجاء مناهلاً ... يفوز لديها كلُّ ظام بشربه
كما فازت الأيَّام منه بماجد ... حميد السُّجايا واسع الصَّدر رحبه
أتتك مليك العصر أفكار خاطري ... كأزهار روض في تنعُّم خصبه
فأقبل عليها بالقبول فإنَّها ... ثناء فتًى حر أخي الفضل تربه
وخذها عروسًا ما ترى ضرَّة لها ... خذا من صبا نجد أمانًا لقلبه
مديح بأنواع البيأن مدَّبج ... يدوم دوام العصر من غير مشبه
أراد أمتزاجًا بالهواء لطافة ... عن الذِّهن لو لم أدركته بكتبه
بقيت لعاف يرتجيك وآمل ... ودمت لإحصاء الثَّناء وكسبه
وعشت على مرِّ الزَّمان مخلَّداً ... لإطلاق عانيه وإسهال صعبه
стр. 121
ولا زلت فيه وارف الظِّلِّ وافر النَّدى والأيادي بالنَّبيِّ وصحبه
وأنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي زيدي التبريزي، قال: أنشدنا أحمد بن إسحاق لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات /٩٥ أ/ المستوفى –رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
أساكني خطَّة الغرَّاء ما لكم ... لا الفضل راقكم يومًا ولا الأدب
شعري هو الورد ريَّا المسك نفحته ... والورد النُّهى سلساله الخصب
وعندكم جعل الملقى سدًى هملاً ... أأنتم جعل أم عظلم كلب
أقول جهراً وصدق النُّطق من شيمي ... قول أمرئ ليس فيما قاله كذب
لو لم يكن شرف الدِّين المبارك لم ... يكن إليهًا لندب منكم طرب
خصَّ النَّدى بابن موهوب بذي كرم ... يظنُّ أن ليس يبقىً غير ما يهب
سوى أبي البركات السَّمح من بركت .. لكلِّ من يجتدي في ربعه نجب
يودُّ للمال أن يودي الذَّهاب به ... فداه كلُّ لئيم ربه الذَّهب
صدر حوى صدره الرَّحب العراض ... بحار الفضل فهي إذا يطمو ويضطرب
ويقذشف الدُّر أمواجًا لها كلمًا ... درّاً كأنَّ لديه الدُّرُّ مخشلب
من كلِّ عذراء بكر العقول لها ... كفعل صهباء بكر أمها العنب
لو كان ذو الرُّمًّة المفقود يسمعها ... وهو الَّذي فخرت قولاً به العرب
جرت مدامعه فقداً فقيل له ... (ما بال عينيك منها الماء ينسكب)
أو كان مهيار حيًّا كان قائدها ... بالنَّفس حبًّا وقلَّ المال والنَّشب
/٩٥ ب/ وكان هام بها وجداً وقال لها: ... لك الغرأم وللواشي بك التَّعب
عجبت من قلم ضمَّت عليه أنامل شأنها بين الورى عجب
تكاد من لمسها تندى الصُّخور ندًى ... فكيف لا من نداها يورق القصب
تروق طرفًا رآها سود أسطره ... فلم يكن حيث يرنو عنه تحتجب
كأنَّما حكل الحسناء حال لها ... نفسًا ومن ثغرها طرسًا لها الشًّنب
غرُّ السَّجايا لديه تجتلي كرمًا ... وكلُّ مجد إليه اليوم ينتسب
стр. 122
والفضل كان يتيمًا قد أهين ومنه صار دون الورى يحنو عليه أب
طالت مع الدَّهر في رحب وفي رغد .................. العلا سبب
ما يعذب الماء للظامي وما خطرتً ... فمال للغصن أنفاس الصَّبا عذب
وأنشدني أبو الحسن علي بن مجد الكاتب التبريزي، قال: أنشدني أحمد بن إسحاق لنفسه في غلام خرج من الحمام: [من البسيط]
رأيته مائلاً كالغصن في حلل ... خمر تحاكيه عين الشَّمس بالشَّفق
ووجنتاه من الحمَّام قد جمعتً ... لونيّن من أحمر في أبيض يقق
والماء عن شعره يحكي تساقطه ... تساقط الشُّهب عن جنح من الغسق
/٩٦ أ/ وأنشدني الحسن بن علي بن شماس، قال: أنشد أحمد له في صفة عوَّاد: [من الكامل]
ومهفهف غنَّى فغاب لطيبه ... رشدي وطاب كأن أتاني غائب
لعبت يداه بعوده فكأنَّما ... يمناه تكتب واليسار تحاسب
وأنشدني محمد بن أبي الخير النيسابوري –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن قاضي خلاط من شعره: [من الطويل]
ولست بناس ليلةً كنت باللِّوى ... وقد جمع الدَّهر المشتُّ ...
فلانت لمًا قاسيت قسوة قلبه ... من الوجد والتَّذكار والزَّفرات
وبات لما ألفاه منِّي سائلاً ... بلفظ أراني السِّحر في الكلمات
وقال: [من الطويل]
ولمَّا أتاني ما كتبت معطَّراً ... بما قد حوى من فكرك الطَّيِّب النَّشر
نشرت على ما بي من النَّاس طيبه ... فنلت المنى من ذلك الطَّيِّ بالنَّشر
وقوله: [من الطويل]
أقول لقلبي والنوى مطمئنَّة ... إذا نأب الأحباب لم تتأسف
/٩٦ ب/ فقال مجيبًا: إنَّني تابع لهم ... فقل ذا لقلب عنهم يتخلف
وله: [من البسيط]
لله كم ليلة لي بالحمى سلفت ... بوصل ظبي رشيق القدِّ معتدل
стр. 123
أذبتها وجفوني غير راقدة ... أروي غليل أشتياقي منه بالقبل
يا طيبها من ليال لو رجعن وإن ... لم تدر فيهنَّ ما طيب الكرى مقلي
وقال: [من السريع]
لمَّا تولَّى سكني راحلا ... يا ليت صبري لم يكن زائلا
لا تسألا عن خلدي إنَّه ... قد كان إذ كان النَّقا آهلا
تيَّمة حبُّ ظباء النَّقا ... فليس إلاَّ للهوى قابلا
أطاع قلبي الحبَّ من بعده ... لا غرو إن لم يطع العاذلا
ما كان فيهم لائم لامني ... لو لم يكن من كلفي غافلا
وقال: [من الطويل]
رأيت الَّذي قد شف جسمي غرامه ... أسير هوى من ليس في الحبِّ ينصف
فقلت له: ذقت المرارة في الهوى ... وقاسيت بلوى ما يقول المعنِّف
فرقَّ لما بي ثم قال: دع الهوى ... فما فيه إلاَّ زفرة وتلهُّف
/٩٧ أ/ وصف ما ترى حتَّى أرى كيف حالتي ... فقلت وقلبي قد براه التأسف
كأنَّك يا من حبُّه قد أذابني ... من الحزن يعقوب وفي الحسن يوسف
وقوله: [من الكامل]
ومههفهف يحكي القضيب قوامه ... من لين أعطاف وحسن تمايل
عاطيته راحًا يريح فلم يطب ... ومرُّ الشَّمول بغيًر حلو شمائل
وله: [من الكامل]
كم ليلة بالجزع لي سلفت ... إذ كان فيها مشبه الشَّمس
عذب اللَّمى أرج يسامرني ... وضَّاح ثغر ناعم اللَّمس
فلهذه الأوصاف علقته ... ملكت قياد حواسي الخمس
وقال: [من الكامل]
هيهات سرُّ هواك كيف يكتَّم ... والدَّمع عمَّا في الضَّمير يترجم
يا قاسيًا أشكو إليه فلم يزل ... يتأمَّل الشَّكوى ولا يتألَّم
كيف السَّبيل إلى الوصال وحولك الرُّقباء قد كثرت وحولي اللُّوَّم
стр. 124
لا تظلمَّني في هواك فربما ... تعطى الهوى فأخاف أنَّك تظلم
وحذار من سفك الدِّماء فقلَّ من ... سفك الدِّماء ولا يراق له دم
/٩٧ ب/ لي في الجنان جنان وجهك صورة ... والنَّار فيه من الهوى تتضرَّم
إنِّي عجبت له ومن عجب الهوى ... قلبي وفيه جنَّة وجهنَّم
وله من قصيدة: [من الكامل]
فرش النَّوى شوك القتاد بمضجعي ... فالطَّيف كيف يزور من لم يهجع
لله ما فعلت عشيَّة ........ بالقلب منِّي حين قأل مودِّعي:
نجد عشيته تزول سريعة ... فاطلب شميم عراره وتمتَّع
وله: [من الطويل]
وما رقدت عيناي إلاَّ خياله ... أتاني على طول النَّوى طالبًا عذري
أحبُّ الكرى شوقًا إليه لأنُّه ... يريني يوم الوصل في ليلة الهجر
وقوله: [من الطويل]
بلوت بني الدُّنيا فلم أر فيهم ... صديقًا يوافي أو شقيقًا يوافق
وما زال منهم كلُّ شخص رأيته ... حقوداً ينافي أو حسوداً ينافق
وقال: [من السريع]
هبَّت عليلاً نسمات الصَّبا ... بمنحنى الجزع قبيل الصَّباح
فذَّكرتني طيب عهد الصِّبا ... إذا كنت مغرًى بالحسان الصِّباح
/٩٨ أ/ وقال في الخمر: [من الطويل]
وصفراء مثل التِّبر عاطيت كأسها ... من التُّرك طيبًا والدُّجى مسبل الذيل
أضاءت نواحيها فكاد شعاعها ... يريني طروق الجنِّ في ظلم اللَّيل
وله: [من الكامل]
هاجت مطاياهم غداه رحيلهم ... لمَّا بدت آثارهنَّ زفيري
لاحت بدراً تجتلى وأهلًّة ... فذكرت قرب أهلَّتي وبدوري
стр. 125
وقال يرثي أخاه محموداً. وكان أصغر أخوته وتوفي ولم يستكمل سبع سنين:
[من مجزوء الرمل]
يا هلالاً سارع الموت إليه بالأفول
كيف غطَّى التُّوت مرآى ... ذلك الوجه الجميل
لك فيها اليوم يا ... غابة آمالي وسولي
مقلة نجلاء قد ... سالت على الخدِّ الأسيل
وقوام كالقضيب الرَّطب ملقًى للذبول
كلُّ شيء ينتهب إلاّ بكائي وعويلي
/٩٨ ب/ ولكلِّ غاية إلاَّ ... لوجدي وغليلي
بعد أن قدمت لامتِّعت بالعمر الطَّويل
فعسى ألقاك إن نلت المنى عمَّا قليل
وقال: [من الكامل]
ومنعَّم خصر المراشف خصره ... أعطى الضنَّى جسدي فرضَّ عظَّامي
لو لم يكن ........ يخالف حبَّه لا ............................
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال: [من البسيط]
حتَّى ترتاح يا ذا الوجد والوصب ... إلى ديار عفت من حادث النُّوب
وكم تعالى الجوى من سجع هاتفة ... باحت بسرِّك إذ ناحت على القضب
بادر إلى الرَّاح وأشربها معتَّقةً ... تصفي من العيش ما قد شيب بالكرب
ودع حديث طلول باللِّوى درست ... ومربع قد خلا في الحزن بالعذب
وهأت يا طيِّب الأخلاق صافيةً ... بدونها العيش لا يصفو ولم يطب
تحيى بشربي لها نفسي وقد تلفت ... وليس إحياؤها نفسي من العجب
فإنَّها شابهت ماء الحياة بأن ... قد جيء قدمًا بها من ظلمة العنب
/٩٩ أ/ مشبوبة بزلال الماء جمرتها ... والنَّهار من قبلها بالماء لم تشب
стр. 126
كأنَّها حين تجلى في زجاجتها ... ودٌّ صفا في فؤاد رقَّ من طرب
إنِّي عجبت لماء جامد أبداً ... عليه ذائب نار وهو لم يذب
وما رأيت سوى صفراء مذهبةً ... ناراً متى شبتهًا بالماء تلتهب
وقد سقاني وذيل اللَّيل منسدل ... جذلان يسحب ذيل اللَّهو واللَّعب
ذو غرَّة بسواد الصُّدغ قد سترت ... كالصُّبح من كلل الظَّلماء في حجب
ظبي من التُّرك أعيا خصره هيفًا ... حمل النِّطاق بردف ماج في كثب
حسبته إذ سعى نحوي وفي يده ... كأس مرصَّعة من جوهر الحبب
بدراً تمنطق بالجوزاء قاربه ... شمس عليها بواقي السَّبعة الشُّهب
رعى الإله زمانًا فيه واصلني ... من عن تمنِّيه قلبي غير منقلب
إذ كنت في دعة لو تذُّكرها ... رأسي علي عنفوان العمر لم يشب
ولم أكن شائقًا أصبو إلى وطن ... قد غيرته صروف الدَّهر والحقب
حيَّا خلاط حيًا يحيى الثَّرى فبهًا ... مثوى خليط ثوى في قلبي الوصب
لم يخل ذكراه عن فكري وأين خلا ... عن فكر ظمان ذكر السَّلسل الخصب
ولا عداها سحاب مرزم هطل ... لتجتلي الأرض في أبراده القشب
/٩٩ ب/ والورد يبدو كخدٍّ حليه خجل ... والأقحوان كثغر زين بالشَّنب
وإنَّ قلبي لا تصفو مشاربه ... حتَّى لدى أرضها مملوءة القلب
وإن جفا جوده مغنًى بها فلها ... موسى الَّذي جوده مغن عن السُّحب
المالك الأشرف السَّمح الَّذي أبداً ... إن ضنَّ بالماء غيث جاد بالذَّهب
لله درُّ فتى نال العلا بيد ... منها ينال المنى ذو الفضل والأدب
فيها إذا ما شكا عاف بها ظميء ... ماءً متى يأته ظمان ينسكب
ما حلَّ موكبه أرضًا وقد جدبت ... إلاَّ لوطأه تختص بالعشب
[٥٦]
أحمد بن عثمان بن خطلخ بن عبد الله الموصليُّ، المعروف بابن الشهرستانيِّ:
من بيت مشتهر بالموصل.
стр. 127
وكان جنديًا في خدمة الملك الرحيم بدر الدين أبي الفضائل –أعز الله نصره- وكان يحفظ من الحكايات والأشعار جملة. وتوفي سنة تسع عشرة وستمائة.
أنشدني إبراهيم بن مسعود الشهرستاني، قال: أنشدني أحمد بن عثمان لنفسه من قصيدة أولها: [من الطويل]
ألا هل مجيري من غرام أكابد ... وهل يقصرنَّ اللَّوم خبٌّ معاند
/١٠٠ أ/ وكيف أعي للعذل في حبِّ أغيد ... يحلُّ أصطباري وهو للبند عاقد
ورأيت له قصيدة يمدح بها الملك الرحيم بدر الدين أبا الفضائل –أعز الله أنصاره-[من الكامل]
لام العواذل في هواك المغرما ... أو كيف لا أصبو إلى ذاك اللَّمى
دنف يبيت بكم حليف صبابة ... لا يستفيق من الغرام تألُّما
تعتاده زفرات وجد أعربتً ... عن سرِّ حبٍّ لا يزال مكتَّما
نامي الصَّبابة لا يصيخ لعاذل ... فيكم ويعصي في الغرام اللُّوما
قلق المضاجع لم يذق طيب الكرى ... يصبو إلى وصل الحبيب تتيُّما
صبٌّ يحنُّ إذا تألَّق بارق ... من نحو رامة أو أضاء تبسُّما
ويهزُّه طربًا إلى أرض اللِّوى ... ذكرة تعاوده وشوق خيَّما
فلعلَّ أيَّامًا مضت وتصرَّمت ... يومًا تعود له بسكَّان الحمى
ولئن تعذَّرت المطالب أو غدا ... باب المسالك دون قصدي مردما
فرجاء بدر الدِّين يكفل ضامنًا ... ويجير ملهوفًا ويغني معدما
ملك يثيب السَّائلين فحاتم ... من دونه والحلم أحنف قد سما
مولًى يجود على العفاة بما حوى .... أبداً ويبدأ بالنَّوال تكرُّما
/١٠٠ ب/ فتراه يوم الرَّوع ليثًا باسلاً ... شرسًا وفي يوم النَّدى بحراً طما
مغني الكماة بصارم من عزمه ... قبل النِّزال وبالنَّضال إذا رمى
ومجدِّل الأبطال في يوم الوغى ... كلمى وجاعل وردهم علق الدِّما
شرفت به الحدباء إذا أضحى بها ... ملكًا فعاد لكل أمر مبرما
وترنَّحت طربًا وقالت صبوةً ... وزهت على كلِّ البلاًد به فما
стр. 128
بلد يضاهيها فقد أضحت به ... في فخرها كالشَّمس في أفق السَّما
لازال في عزٍّ وسابغ نعمة ... ما حنَّ حاد في الفلا وترنَّما
[٥٧]
أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن غازي بن خولة السلميُّ الشريديُّ، أبو جعفر الخفافيُّ،
من ولد خفاف بن ندبة صاحب رسول الله ﷺ .
كانت وردته بغرناطة –إحدى بلاد الأندلس- في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وخبرت أنه توفي بهراة سنة سبع عشرة وستمائة.
وكان محدثًا حافظًا طاف الآفاق، وجال البلدان في طلب الحديث /١٠١ أ/ وسماعه. ثم مال إلى الشعر، فامتدح به الملوك وسادات الناس؛ فحسنت حاله وأثرى بعد الإملاق.
أنشدني أبو عبد الله الدُّبيثي، قال: أنشدني أبو جعفر لنفسه: [من الوافر]
إذا ما الدَّهر بيَّتني بجيش ... طليعته اهتمام واكتئاب
سننت عليه من جلديً ... أمراه الذبالة والكتاب
وبتُّ أنصُّ من شيم اللَّيالي ... عجائب في حقائقها أرتياب
أريع بها التّسلِّي مستريحًا ... وليس على الزَّمان بها عتاب
وقال يلغز باسم: [من مجزوء البسيط]
نعتُّ من ملكت قيادي ... وهام في حبِّها فؤادي
تأثير مقلوبه عظيم ... في عالم لكون والفساد
لو صيّر العين فافعل ... كان شقائي من الجواد
وقال أيضًا ملغزاً: [من البسيط]
إسم الَّذي بي إن أسقطت أوَّله ... إحدى المقولات فاصدع عنه أو فحد
وإن نطقت بموضوع أسمه خبراً ... ولا تحاش من الأقوام من أحد
стр. 129
وقال أيضًا: [من البسيط]
/١٠١ ب/ للحبِّ في أنفس العشَّاق منزلة ... طرف الخلييِّن منها جدُّ مطروف
وللهوى حالة تخفى لطافتها ... إلاّ على غزل بالظَّرف موصوف
لم يدر ما لذَّة الدُّنيا سوى كلف ... قد سيم في الحبِّ أنواع التَّكاليف
لا والهوى ورجال بالهوى عرفوا ... وليس غيرهم عندي بمعروف
لولا مرارة طعم الهجر ما تركت ... حلاوة الوصل قلبًت غير مشعوف
وقال أيضًا: [من الكامل]
يا راحلين ومارثوا لمتيَّم ... ضعفت حشاشته عن التَّوديع
بنتم وعاق الصَّبَّ عن تشييعكم ... أمران فرط ضنًى وفرط مشيع
قسمًا بما فعلت تباريح الجوى ... يوم الرَّحيل بمقلتي وضلوعي
لولا حرارة زفرتي يوم النَّوى ... ضرقت ركائبكم بفيض دموعي
وقال يرثي البخاري محمد بن إسماعيل المحدث: [من الطويل]
سقى جدثًا فيه البخاريُّ ثاويًا ... عهاد الغوادي صيِّف وربيع
فقد نضبت أحجاره فوق رمًّة ... لها منصب سام أشمُّ رفيع
ضريح بأدنى الصِّين عاطر نشره ... بأقصى بلاد المشرقين يضوع
/١٠٢ أ/ ففي كلِّ نجد في البلاد وغائر ... حنين إلى أرجائه ونزوع
[٥٨]
[أحمد بن محمد بن عمر الأزجيُّ:
من أهل بغداد.
стр. 130
أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي بها، قال: أنشدني أحمد بن محمد لنفسه: [من الطويل]
أحبَّة قلبي طال شوقي إليكم ... وعزَّ دوائي ثمَّ لم يبق لي صبر
أحنُّ إليكم والحنين يذيبني ... وأشتاقكم عمري وينصرم العمر
فوالله ما أخترت البعاد ملالة ... ولا عن قلى يا سادتي فلي العذر
ولكن قضة رِّبي بتشتيت شملنا ... له الحمد فيما قد قضة وله الشُّكر
فصبر العلَّ الله يجمع بيننا ... نعود كما كنَّا ويصفو لنا الدَّهر [
[٥٩]
أحمد بن هبة الله بن العلاء بن منصور النحويُّ المخزوميُّ، أبو العباس بن أبي المعالي البغداديُّ، المعروف بابن الزاهد، ينعت بالصَّدر:
من أهل قطيعة العجم، وسكن آخر عمره باب العامة.
أخذ علم النحو والأعراب عن جماعة من كبراء النحويين كأبي محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي، وبعده على أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري وغيرهما.
وروى الحديث عن أبي البركات الأنماطي، وأبي العباس المندائي؛ وقرأ عليه جماعة واستفادوا منه. وكان أديبًا حاذقًا فاضلاً له شعر حسن.
وتوفي ببغداد يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة إحدى عشرة وستمائة. وقد نيَّف على الثمانين، وقيل يوم الثلاثاء؛ وترك ستمائة دينار وزيادة يسيرة. وكان يسأل الناس إلى أن مات وورثه زوجته وبيت المال ودفن بقرب مشهد. /١٠٢ ب/ عبيد الله،
стр. 131
وتعرف بمقبرة دفين النذور.
فمن الشعر المنسوب إليه، قوله: [من الطويل]
فما رفع الهنديُّ وهو حديدة ... على التِّبر إلاَّ ضربه بالمفارق
ولو رمت ما راموه بالعلم لم يكن ... وجيههم في حلبة المجد لاحقي
وقال أيضًا: [من البسيط]
فعربدت منه الحاظ معوَّدة ... بالفتك تخجل بيض الهند والأسلا
مرحًا تهزَّأ بالآرام لو عرضت ... لأشهب كسبت الحاظه كحلا
وكتب إلى الحيص بيص، وقد توفيت زوجته يعّزيه: سيدي شهاب الدين أيده الله بقرين من الأناة، ومصاحب من صليب العزيمة خبراً لا دعاء متحصن بشكَّتي بسالة وسداد يقيانه سهام الجزع، ويحميًانه وخز أسنة الأسف لنازحة فرطت إلى الورد الرَّوي بجًوار ذي الطَّول عَّز وعلا.
[٦٠]
أحمد بن خالد بن محمد، أبو العباس البغدادي المحوّلي.
من باب المحوّل.
стр. 132
كان شيخًا ماجنًا فيه ظرف وكياسة، له أشعار يظهر فيها تخالعًا، ويخلطها بالهزل. وكان متوليًا في أيام الناصر /١٠٣ ب/ لدين الله –﵁ المصالح.
أنشدني أبو الفضل هبة الله بن أبي بكر محمد بن شنيف الكتبيُّ البغداديُّ، قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن خالد المحوَّلي لنفسه: [من الكامل]
لمَّا رأت شيبي وعّزه ولَّى وقد ... أودى وما يرجى لديه قيام
من بعد ما قد كان يفتق طعنه ... رتق الكساس ودأبه الإقدام
طفقت تلمَّس شلوه وترنَّمت ... (يا دار ما صنعت بك الأيَّام؟ )
أصبحت ملقًى فوق بيضك ميِّتا ... لم تبق فيك بشاشبة تستام
ثم أنثنت مقروحة فأجبتها ... منِّي عليك إلى المعاد سلام
[٦١]
أحمد بن عبد الواحد بن أبي الأصبغ الكاتب، أبو العباس المراكشيُّ اللخميُّ، المعروف بابن الشريشيِّ.
عالم متقن بارع، أخذ في كل جنس من العلوم كالفقه والحديث والأدب والتفسير والطب والمنطق والنجوم والهندسة والأصولين والخلاف، ولم ير مثله في تفننه وكمال /١٠٢ أ/ فضائله.
خرج عن وطنه، ونزل الديار المصرية، وهو بها مقيم يقرئ العلوم.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن يحيى المغربي الفقيه القسطنطيني، قال: أنشدني أبو العباس بن الشريشي لنفسه، وزعم أنه عملها بديهة: [من الطويل]
يكلِّفني كتمان أمر صبابتي ... وفي مقلتي عنوانها ودليلها
ويخشى عليها إن شهرت بحبِّها ... مقالة أهل الحيِّ أنِّي خليلخا
فتهجرني والهجر لا شكَّ قاتلي ... وإن متُّ قالوا: إنَّ هذا قتليها
وقالوا: أمأ يشفى فؤادك من جوى ... وروحك من بلوى يذيب غليلها
وأنت قد قيل في الطِّب أوحد ... تباشر أدواء الورى وتزيلها
فقلت لهم: إنَّ الصَّبابة حكمها ... مع السُّقم أن لا يستفيق عليلها
стр. 133
وعندي إذا حدَّثت نفسي سلوةً ... غرام ينافيها وشوق يحيلها
وبايعتها طوعًا فلست أقيلها ... ولو أنَّها جارت ولا أستقيلها
وقال: [من الكامل]
يا ناسيًا يسعى بذاك تمنُّعًا ... هيهات شخصط في الفؤاد مقيم
سر حيث شئت تكفَّلت بك لوعة ... طير الفؤاد بها عليك تحوم
/١٠٤ ب/ وقوله من أبيات: [من مخلّع البسيط]
عمرك يا ذا النُّهى قصير ... فاعلم وإن طال إذ تمادى
يزيد نقصًا إن زدت يومًا ... وأنت تفنى بأن تزادا
[٦٢]
أحمد بن مسعود بن محمد، أبو العباس القرطبيُّ الخزرجيُّ.
كان إمامًا فقيهًا شافعيًا مدرسًا متفننًا في علوم كثيرة؛ وله اليد البيضاء في علم الحساب والفرائض والحديث وتفسري القرآن والقراءات والكلام والأصول مع معرفته باللغة والنحو والعروض وضروب الأدب.
وضع أرجوزة في الطب نحو ثمانمائة بيت، وصنف كتابًا آخر في الأصول نحو ثماني مجلَّدات سمّاه "تقريب المطالب والقوانين في أصول الدين"، وله كتاب في النحو، وكتاب سمّاه "الاختيار في علم الأخبار".
نزل دنيسر وسكنها وانتفع بها أهله واستفادوا منه، إلى أن توفي بها سنة إحدى وستمائة.
أنشدني أبو العباس لنفسه من أبيات: [من الكامل]
стр. 134
/١٠٥ أ/ وقع الملام مواقع الأشواق ... فأصاب فيك مقاتل العشَّاق
ذِّكر فديتك يا عذول معاتبًا ... إنَّ التَّكُّكر راحة المشتاق
ومنها:
جارت عليه الرَّاح وهو محادثي ... فكبا وأطراف الحديث بواقي
ومن مديحها:
ما جاد حرصًا أن يقال: هو الجوأد ولا توقَّف خشية الإملاق
لكنه يعطي ويمنع عالمًا ... بمواقع الإمساك والإطلاق
وقال أيضًا: [من الطويل]
أرى نفحات الرَّوض جاءت بريَّاكم ... لعلَّ نسيم الرِّيح مرَّ بمغناكم
إذا ما شممناهأ طربنا كأنَّنا ... نشاوى فعلَّلنا القلوب بذكراكم
يذِّكرني عرف الصَّبا زمن الصِّبا ... فأرتاح للذكرى أرتياحي للقياكم
ألا ضوِّعوا ذيل النَّسيم بنشركم ... وحيُّوا لتحيوا في الهوى بعض قتلاكم
وإلا أئذنوا لي في الكرى علَّ طيفكم ... يزور فحقّ أن تعينوا معنَّاكم
تمثَّلتم في كلِّ شيء لناظري ... فحيث التفتنا أو نظرنا رأيناكم
وكنت أمنِّي النَّفس قبل فراقكم ... تصبُّرها عنكم إلى حين لقياكم
/١٠٥ ب/ ولم أدر أنَّ الصَّبر عنكم يخونني ... وأنَّ منى الآمال أن أتمنَّاكم
قال أبو الفتح مسعود النقاش أنشدني أحمد بن مسعود لنفسه في يوم الخميس الحادي عشر من ربيع الآخر سنة ستمائة بظاهر حلب: [من الطويل]
أعانقه غصنًا والثمه بدراً ... وأرشف وهنًا من لمى فمه خمرا
وأهصر منه حين تثتيه نشوة ... تهادت به تيهًا وماست به سكرا
بتمثال نور في ظلام ذوائب ... إذا ما توارت شمسه أطلع البدرا
ومنها:
ونمَّت بنا في اللَّيل أنوار وجهه ... فمدَّ علينا من ذوائبه سترا
وقال من أبيات: [من مجزوء الكامل]
راض بحكم هواك واجد ... فعلام أنت عليَّ واجد
стр. 135
ما كان لي ذنب سوى ... أنِّي سهرت وأنت راقد
أنشدني أبو الحسن علي بن يوسف /١٠٦ أ/ بن محمد بن الصفار المارديني الشاعر، قال: أنشدني أبو العباس الخزرجي لنفسه: [من الوافر]
وفي الوجنات ما في الرَّوض لكن ... لرونق زهرها معنًى عجيب
وأعجب ما التعجُّب منه أنِّي ... أرى البستان يحمله قضيب
وأنشدني، قال: أنشدني أبو العباس لنفسه: [من الرجز]
يا ظبي سنجار أما ترثي لمن ... قد صار من أجلك في كفِّ الأجل
قد كان مشغولاً بدرس علمه ... فاليوم لا علم بقي ولا عمل
[٦٣]
أحمد بن محمد بن المظفر المختار، أبو العباس الرازيّ.
كان من أهل الفقه والعمل فاضلاً شاعراً. وكان بعد الستمائة.
وجدت له أشعاراً في مدح الأئمة الراشدين والخلفاء المهديين –﵃ فأثبتها ونقلتها من خط يده، من ذلك قوله في أبي بكر الصديق –﵁: [من الوافر]
/١٠٦ ب/ أبو بكر قد ابتكر العروبه ... وعن غير الهدى أختار العزوبه
مواليه عزيز في البرايا ... وفي العقبى له خير المثوبه
ومنهله لأهل الحقِّ ورد ... فشت فيه الفروقة والعذوبه
وشانئه ذليل كلَّ حين ... وفي الدَّارين يبلى بالعقوبة
وقال أيضًا في عمر بن الخطاب –رضي اللع عنه-: [من الوافر]
لقد عمر الهدى عمر التَّقيُّ ... وعند العالمين هو الرَّضيُّ
لروض الحقِّ منطقه وليٌّ ... ولله العليِّ هو الوليُّ
بكى من خشية الرَّحمان دهراً ... وما يده لدى النُّعمى بكيُّ
стр. 136
خفى في الدِّين بارقه وضوحًا ... وما في الحقِّ حجَّته خفيُّ
وقال أيضًا في عثمان بن عفان – ﵁: [من البسيط]
عفا الإله بعثمان بن عفَّانا ... ذنوبنا وعن النِّيران أعفانا
منه الملائكة أستحيت معظِّمةً ... فاستحي با جاهلاً عن بغض عثمانا
هذا الَّذي جمع القرآن أجمعه ... واستشهدوه لدى القرآ، عدوانا
قد فرَّق المال في الخيرات قاطبةً ... فحاز من رَّبه بالجود رضوانا
وقال في علي بن أبي طالب –كرم الله وجهه-: [من الوافر]
/١٠٧ أ/ عليٌّ سيِّد الأبرار طراّ ... عليٌّ في العلا قد كان بحرا
عليٌّ أشجع الشُّجعان حقًّا ... عليٌّ أوسع الأحرار صدرا
به جبر الكسير فلا كسير ... كما كسرت به الأصنام كسرا
تمسَّك وأعتصم بهوى عليٍّ ... تصر يا عبد في الدَّارين حرّا
وهذا أحمد بن المختار أبو العباس الفقيه الحنفي الرازي الصوفي المفسر قدم دمشق. وكان يفسر القرآن على المنبر بجامعها.
ثم رحل عنها متوجهًا إلى بلاد الروم، وتولّى بها القضاء والتدريس، وسمع الحديث الكثير بنفسه من أبي المعالي عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل العرادي، وبدمشق من أبي اليمن الكندي، وأبي المعالي محمد بن موهوب بن البنا.
أنشدني الشيخ الحافظ العالم نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العربي أبي طالب الشيباني الصفار الشافعي، بحضرة شيخ الشيوخ صدر الدين بن برناطة، قال: أنشدني أبو العباس لنفسه: [من السريع]
تفقُّد السَّادات خدَّامهم ... مكرمة لا تنقص السُّؤددا
هذا سليمان على ملكه ... قد قال: "ما لي لا أرى الهدهدا"
стр. 137
[٦٤]
/١٠٧ ب/ أحمد بن عليّ بن باختيار بن عبد الله، أبو القاسم البغداديُّ.
كان من أهل الفضل والمعرفة؛ شاعراً متأدّبًا أشعاره فيها ضعف، ومعظمها في الألغاز.
لقيته بمدينة السلام –شيخًا كبيراً- برباط أبيه بدرب المقبرة؛ وهو رجل خير صالح ذو دين وعفاف، فاستنشدته هذه الأبيات [فأنشدها، وسألته عن ولادته، فقال: ولدت في سنة خمس وخمسين وخمسمائة] كتبها إلى الشيخ أبي عبد الله بن الدُّبيثي: [من البسيط]
ماذا يقول جمال الدَّين لا برحت ... آراؤه في ليالي دهره شهبا
في مسلم شافعيٍّ ظلّ مكتئبًا ... بغادة تحجل الأغصان والكثبا
ما زال يلطف في الأيَّام مجتهداً ... حتَّى رأى خلوةً يقضي بها إربا
هل أن يرى ما رأى داود معتمداً ... يرجو النَّجاة به أو يحذر العطبا
ورأي داود أنَّ العقد منفرد ... يقضي بصحَّته فاسلم ودم حقبا
فأجابه أبو عبد الله:
بزيارة ممَّن حوى الأدبا ... والعلم والفضل والإفضال والرُّتبا
لا زال في نعمة تصفو مشاربها ... مبلَّغًا سؤله مستنفداً حقبا
/١٠٨ أ/ وقفت منها على درًّ شدهت له ... وحكمة أعجزت سحبان إذ خطبا
وقلت لا عرو إن بحر طما فلكم ... من مثلها لصفيِّ الدِّين إن طلبا
والحكم منِّي أنَّ العقد مفتقر ... إلى وليٍّ وإشهأد لمن رغبا
فإن ترخَّص هذا الشَّخص معتمداً ... خلاف مذهبه فالحدُّ لن يجبا
لسنَّة قالها داود منفرداً ... إنَّ النَّكأح بلا إشهاد قد ذهبا
خذ الجواب ودم في العزِّ مرتقبًا ... ما لاح نجم وحنَّ الصَّب أو طربا
стр. 138
[٦٥]
أحمد بن محمد بن عليِّ، أبو الفضل القاشانيُّ:
نزيل همدان.
كان من الفقهاء الحنفية أصوليًا عارفًا بالمسائل الخلافية حافظًا من الأشعار جملة؛ شاعراً باللسانين، منشئًا للرسائل، ويكتب خطًا في نهاية الحسن والملاحة ما يعجز عن نظيره أبناء زمانه. وكان صاحب سخاء ومروءة. ومات بهمذان سلخ ذي القعدة سنة تسع عشرة وستمائة.
أنشدني من شعره ابنه أبو بكر إسحاق –رحمه الله تعالى- بمدينة السلام بالمدرسة /١٠٨ ب/ التتشية في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، هذه القصيدة عن أبيه؛ ثم نقلتها من خطّ ناظمها يمدح بها بعض رؤساء همذان: [من الوافر]
بحمد الله حصِّلت المارب ... ونلت من العلا أسنى المراتب
هنيئًا للمعالي منك مجد ... تلاشى عند منصبه المناصب
ترفَّع في مراقي العزِّ حتَّى ... تسنَّم هامة الشثّهب الثَّواقب
أفضت على الورى عدلاً وبذلاً ... فيالك من فتىً حاوي المناقب
بعارفة لها فوح كمسك ... حوى ريًّاه أجنحة الجنائب
يجاليك الغمام إذا تراخت ... عزاليه بأنواء سواكب
وظنَّ ......... أنَّهم حقيق ... بحفظ الملك أو كشف الحوازب
تمكَّن في دماغهم التَّمنِّي ... وفيما يعشقون لهم مذاهب
فلمَّا طالعوك أقرَّ كلٌّ ... بسبق علاك في نيل المطالب
سبقت العالمين ولا عجيب ... فما لك في المعالي من مناسب
لدولتك الَّتي طابت ودامت ... على الله الرِّعاية في المصاعب
شأوت النَّاس مكمةً وفضلاً ... وعدت مبرَّاً من قدح عائب
هو الصَّدر الَّذي يرجى لديه ... إغاثة صارخ عند النَّوائب
/١٠٩ أ/ تلوذ بظلِّه زمر الرَّعايا ... وتمشي تحت موكبه المواكب
وفيك فضائل يكفيك ... بلى يغنى العيان عن التَّجارب
стр. 139
له لفظ وأين الشَّهد منه ... فيغرق في احجى له منه صاحب
يكشِّف بشره جنح اللَّيالي ... متى يبدو لبدر في الغياهب
سحاب نواله من غير مطل ... يفيض على الأقارب والأجانب
بنى العلياء عالية ذراها ... وهل للمكرمات سواه كاسب
يفرِّج فكره إن عنَّ خطب ... برأي في أمور الملك صائب
له قلم وأين السَّيف منه ... فقد يغني الكتاب عن الكتائب
لذي القرنين في ظلمات نفس ... يخوِّض تارة كالشَّمس غارب
فمشرب مائه كدر ولكن ... يصفِّي بالعطيَّات المشارب
سطور سواده كاللَّيل أمَّا ... معانيه المضيئة كالكواكب
حباك الله من نعماه جاهًا ... تمنَّته الأعاجم والأعارب
محلُّك شامخ والقدر عال ... وفضلك باهر والجدُّ غالب
[٦٦]
أحمد بن ظفر بن محمد /١٠٩ ب/ بن هبيرة بن سعيد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن الجهم بن عمر بن هبيرة ابن عمران بن الحوفزان –وهو الحارث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شرحبيل ابن مرّة بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن الحصن بن عكابة بن صعب بن عليِّ بن بكر بن وائل قاسط هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة ابن أسد نزار بن معد بن عدنان، أبو الفتح بن أبي المنذر الغداديُّ.
كان جدُّه الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة.
وأبو العباس كان أمثل أسرته أدبًا وفضلاً وفصاحة ونبلاً، شاعراً له حظ من علم النحو والعربية. وانتدب لإنشاء مقامات فصنع مقامات حذا فيها حذو مقامات
стр. 140
الحريري؛ وهي تسع عشرة مقامة. وخبرت أنه أنشأها في مدّة تسعة عشر يومًا.
وكان حاجب الباب في أيام الناصر لدين الله –﵁ وأمور القضاء عائدة إليه. وكذلك أمور المناثر وغيرها. وخدم المستنجد بالله والمستضيء بأمر الله.
/١١٠ أ/ ولم يزل منتدبًا في هذه المدد إلى الرتب الجسيمة والمقامات النبيلة، مع احترام الجانب ووفور المنزلة. وتوفي في أيام الناصر لدين الله – ﵁.
قال أبو عبد الله الدبيثي في مذيَّله: من بيت مشهور بالتقدم والولاية. وكان فيه فضل وتميّز، وله معرفة بالأدب. تولى حجابة النوبى في أواخر المحرم سنة ثمانين وخمسمائة، إلى أن عزل يوم الاثينين ثامن جمادى الآخرة من سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
ثم تولّى الإشراف ببعض البلاد المزيدية، وخرج إليها وأقام بها، وقد سمع الحديث من أبي الوقت لمّا قرئ عليه بمجلس جدِّه، وأبي الفضل فاخر وغيرهما.
سمع منه أبو عبد الله الدبيثي، وسأله عن ولادته، فقال: ولدت يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. وتوفي ليلة الجمعة الثامن والعشرين من المحرم سنة عشرين وستمائة. ودفن يوم الجمعة بباب البصرة عند جدّه الوزير أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة غربي بغداد.
أنشدني أبو الفضل عمر بن علي /١١٠ ب/ ابن محمد بن الوزير يحيى بن هبيرة، قال: أنشدني ابن عمي أحمد بن ظفر لنفسه: [من المنسرح] لا ضمَّني اللَّيل في غياهبه ... ولا أستقلَّت بي السَّلاهيب
ولا أثرت الثَّرى بمصطدم ... حتَّى يرى الصَّبح وهو غريب
ولا تركت العدوَّ مرتفقًا ... يأوي إليه الضِّباع والذِّيب
إن كان يعرى لرسمها طلل ... إلاَّ ودمعي له جلابيب
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه مما ضمَّنه في كتاب المقامات من إنشائه:
[من الكامل]
دع ما تؤمِّل من زمان فاسد ... وصن الشِّكاية عن صديق عائد
стр. 141
واصبر فللأيام جولة باطل ... تغري بسفك دم الوليِّ العابد
غير البديع إذا رمى بمقاصد ... موفورة الأقسام أو بمكائد
حرب لذي الخطر الكبير ومتجر ... رغد الأماني للجهول الهامد
تبًا له ما حلَّ يومًا عقدةً ... منه ففاتتها يد من عاقد
يعطيك وهو إلى سلابك مسرع ... ويريك صفحًا وهو كلُّ القاصد
وبنيل صفو مشارب من دونها ... كفّ الهمام .......
/١١١ أ/ فهباته كهباتً أحلام الكرى ... ملأت يديك وأنت عين الفاقد
وبروقة ما إن ترى في غيِّها ... إلاَّ سرابًأ لا معاً للرائد
وتراه معتذراً إليك وربما ... شاب المقال بمحكمات أوابد
والنَّاس أبناء الزَّمان وغلطة ... أن لا ترى ولداً شبيه الوالد
[٦٧]
أحمد بن عبد اللطيف بن بدل، أبو الفضل القاضي التبريزيُّ.
كان يتولّى قضاء أهر من بلاد أذربيجان. وكان من الفقهاء الأدباء العلماء الفطناء؛ له معرفة بالتفسير والحديث وعلم الكلام والأدب والشعر.
أنشدني الفقيه أبو بكر بن الخطيب جبرئيل بن عبد الجليل الأهري، قال: أنشدني القاضي أحمد بن عبد اللطيف لنفسه ما كتبه إلى شمس الديت الدهسّان يلتمس منه شرح "عيون الحكمة" فلم يجبه إلى ما سأل. وكان لشمس الدين هذا ولد اسمه المرتضى: [من المتقارب]
أيا قرَّة العين للمرتضى ... لك المرتضى قرَّة للعيون
/١١١ ب/ ويا من بفضلك قرَّت عيون ... أقَّرنَّ عيني بشرح العيون
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة كتبها إلى مسعود المراغي:
[من الطويل]
стр. 142
لو ما سواد اللَّيل جاز تحوزه ... يداه لأفنى في بياض نهار
فيا دهر لا تنكر مقالي ولا تقل ... يمين وساعد كفه بيسار
وقال: [من الوافر]
تبدَّى وجههها تحت اللِّثام ... كما يبدو الهلال من الغمام
فحيَّت إذ تبدَّت بالسَّلام ... وأحيت إذ أشارت بالسَّىم
وهبَّ نسيم ريَّاها فهبَّت ... عيون ناعسات من منام
وراقت وأشرقت ثم رقَّت ... لما بين الضُّلوع من الضَّرام
وخصَّتني بعطف بعد عطف ... فزادت في الغرام على الغرام
وقال: [من الطويل]
خليليَّ إنِّي قد شعفت بغادة ... تبدَّت لنا تختال بين عواني
بفاترة الأجفان فاتنة الصِّبا ... صقيله مرآة العذار حصان
خفيفة ما دون الوشاحين بضَّة ... ثقيلة ما تحت الإزار ردان
/١١٢ أ/ أعدَّت سنان اللَّحظ للقتل عدَّةً ... ليوم ظعان لا ليوم طعان
تسابق قرناها إلى حدَّ ساقها ... فصارا على الخلخال بلتويان
عفوت لها حين أبتليت بحبِّها ... وكم للهوى كالعاملايّ عراني
وفي القلب أن أفدي بروحي مبسمًا ... عن الدُّرِّ معتّزاً كما ترياني
ويا جبلي نعمام واصلت فيكما ... لدى الدوحة الخضراء أمَّ أبان
وعندما غازلتها فسقيتما ... حيا ديمة يا أيُّها الجبلان
وقال: [من الطويل]
حمائم ورق قد هتفن سحيرة ... فهيَّجن لي شوقًا إلى ساكني نجد
سلبن سلوِّي وأجتلبن مدامعي ... وذَّكرنني ما قد نسيت من الوجد
تذَّكرت من شدو الحمائم بالنَّقا ... نقا ردفها يرتجُّ في حلَّة البرد
ومن ضوء بدر التَّمِّ في حندس الدُّجى ... سنى وجهها الوضاح في كلَّة المهد
تمايل غصن البان شبه أختيالها ... لو أنشقَّ غصن البان عن لمَّة الورد
على نقوي وادي الأراك بذي الغضا ... تقضَّت لي الأيَّام في عيشة رغد
стр. 143
تغازلني سعدى سعدت بوصلها ............. الأسنان مصقولة الخدِّ
سقتني شفاهل من نمير شفاهها ... ألذَّ من السَّلسال في .... الشَّهد
/١١٢ ب/ عهدت بها عهداً نعمت بوصلها ... سقى الله ذاك العهد من صيِّب العهد
أأنسى بطول العهد [عهد] أحبَّتي ... ولست يناسي العهد طال به عهدي
وقال: [من الطويل]
لها الله من خود تميس كأنَّه ... قد أعتورتها شمال وجنوب
طوت كشحها عنِّي لتعرض فانطوت ... على النَّار منِّي أضلع وجنوب
وقال معرّضًا ببعض تلامذته: [من الطويل]
ولست وإن أ‘رضت عنِّي مضيِّعًا ... حقوقي إضلال الأنام عن الحقِّ
بأوَّل ثان عطفه ليضلَّ عن ... مناد سبيل الله قاطبة الخلق
وكتب من صدر كتاب إلى حلال الدين الخواري: [من الكامل]
ريح الصَّباهبِّهي على صوب الحمى ... تشفي لقلبي بالهبوب غليلا
..... لطفًا برقَّة دمعة ... وجدت على الخدِّ الأسيل مسيلا
وتحمَّلي منِّي تحيَّة مدنف ... قد ظلَّ مثلك في المسير عليلا
وإذا أسترحت من الهبوب فقبل مًا ... تجدين فيه للقرار مقيلا
خصِّي جلال الدِّين أفضل من غدا ... بجلاله الدِّين القويم جليلا
من ذهنه أضحى لكلَّ دقيقة ...... ناديه البيان دليلا
/١١٣ أ/ غرر اللَّطائف تحت ظلِّ بنانه ... صادفن ظلاً لا يزال ظليلا
لو صافحت حدَّ الحسام يمينه ... بيراعها عاد الحسام كليلا
... صبّ لم تجد لشفائه .... نحو الوصول إلى الوصال سبيلا
[٦٨]
أحمد بن شاه ملك الواسطيُّ.
نزل البصرة وتولّى بها النيابة في ديوان الأشراف؛ وله عناية بالأدب وقرض الشعر، وله فيه طبع.
стр. 144
أنشدني أبو الحسن علي بن أبي الفرج بن محمود الجراحي الواسطي، قال: أنشدني أحمد بن شاه ملك الواسطي لنفسه من قصيدة يمدح بها الأمير أبا الفضائل باتكين بن عبد الله المستنصري –وكان يومئذ أمير البصرة: [من الطويل]
أقول لصحبي والرَّكاب ملاحة ... طلائح يحدوهن بين يزايله
إلى باتكين القيل عجُّوار كابنا ... لتبلغ من أيَّامنا ما نحاوله
ومنها:
أمولاي شمس الدِّين تاهت بك العلا ... فلا مفخر إلاَّ عليك غلائله
/١١٣ ب/ مضى رمضان وهو يثنى على أمرئ ... فرائضه مقبولة ونوافله
فلا زلت في ظلِّ الإمام مملَّكًا ... سعيداً تحاماك الرَّدى وغوائله
إمام هدى عمَّ الأنام سماحةً ... وجوداً إذا ما أضمر الخير فاعله
ومنها:
وأبيض فياض لديه غمامة ... على معتفيه ما تغبُّ نوافله
فلا زلت شمس الدِّين في كنف العلا ... تبلِّغك الأيَّام ما أنت آمله
[٦٩]
أحمد بن رستم بن المبارك بن الحسن بن الحسين، أبو العباس الموصليُّ.
كان يكتب على الحيطان تشبيهًا بعلي بن أبي بكر الهروي السائح. وكان يميل إلى زيّ المتصوفة، وفيه فطنة، ويقول شعراً حسنًا، ويعرف بالنعًال. وتوفي قريبًا من سنة عشرين وستمائة بالموصل.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن ميكائيل بن أحمد الموصلي، قال: أنشدني أحمد بن رستم لنفسه ملغزاً في الدفّ والشبابة: [من الطويل]
/١١٤ أ/ ومقروحة الأحشاء مثلي نحيلة ... تناءت عن الأهلين وأنتابها البعد
تزوَّجها عشر وذاك محرَّم ... فلا حرج كلاَّ ولا وجب الحدُّ
стр. 145
إذا وطئوها القوم تصرخ صرخةً ... يرقُّ لديها القلب لو أنَّه صلد
فيا عجبًا تزني ويجلد آخر ... إلى جنبها حدّاً ويلزمه الجلد
ففي أيِّ شرع أم بأيِّ قضيَّة ... يحدُّ عفيف والَّذي ساؤ ما حدُّوا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه ملغزاً في اللسان: [من المتقارب]
وما أسد حلَّ في قلَّة ... لها شرف دون أبوابها
يخاف ويرجى ولكنَّه ... بعكس الأسود لأصحابها
وأنشدني، قال: أنشدني له يلغز في السروال: [من الوافر]
وصندوق يروق العين حسنًا ... بمنظره ويعطي اللَّمس لينه
زكيِّ الأصل ذي نسب منيف ... بعرق نابت في قعر طينه
له رجلان لم تحمله حتَّى ... يرى ملآن بالسِّلع الثَّمينة
بقفل واحد سهل ضعيف ... بعشر مفاتح عدد مكينه
/١١٤ ب/ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
لا تطمعنَّ بشيء أنت طالبه ... بغير شيء فتحظى منه بالتَّعب
من لم تنل منك بالبرطيل راحته ... أخطتك راحته عمداً ولم تصب
لو لم تروِّ نخيلاً أنت غارسها ... من المياه لما جاءتك بالرُّطب
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه من قصيدة: [من البسيط]
ألا بهايا أصيحابي إذا أخذت ... منِّي فروُّوا بها روحي وجثماني
حتَّى أقول على صحوي بها شعفًا ... أماتني كأسها والدَّن أحياني
[٧٠]
أحمد بن عليِّ، [بن أبي الفتح] المعروف بابن الشمّاع بن الرقيق، أبو العباس الواسطيُّ.
من أهل حلَّة واسط وجملة من ينظم بها الشعر.
следующие страницы →