Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
إذا سمته السُّلوان أصبحت مسرعاً ... ويسعى إلى اسم المودَّة في قدِّ
ولي مقلة لم تجفها سنة الكرى ... ولا عرفت مذ بنتم ألم السهد
تناءت بي الأيام عنكم تطولا ... فيا منَّة ألفت بينكم عندي
فلم يصبني شوق ولم يصبني جوى ... ولم تنأ أفرأ حي ولم يقترب وجدي
/٢٤٨ ب، ولا أضحت الذكرى لأيام عالج ... تصاعد أنفاسي مسعَّرة الوقد
جزى الله أيام الفراق بمثلها ... متى سئمت تشتيت شملي على هند
ألا لا رعى الرَّحمن مَّنا محافظاً ... يراعي ذماماً للخليل على البعد
ولا كان منا ذو هوى ومودَّة ... يقيمان إن شطَّ المزار على العهد
كذلك سلي الورد سلي التقاطه ... ويحمي حماه النحل عن مجتني الشهد
وها أنا أقضي مدَّة العمر مذ نأت ... نوال بشكر الله في ذلك والحمد
[٤٣٧]
علي بن منصور بن علي بن عبيد الله، أبو الحسن الخطيبي اللغوي، المعروف بابن سبلتوه البغدادي
أخبرني أن عبيد الله جده الأقصى- الذي امتدحه أبو إسحاق الغزي- وهو أبو إسماعيل عبيد الله بن علي بن عبيد الله الخشبي القاضي.
وأبو الحسن قرأ اللغة والأدب على الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحيم بن العصار اللغوي البغدادي؛ وأخذ علم النحو والعربية عن أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي وغيرهما.
وكان/ ٢٤٩ أ/ أعرف أهل زمانه باللغة، وأيام العرب واشعارها، وافر الحظ؛ كذلك سألته عن مولده؛ فقال: ولدت في سنة سبع وأربعين وخمسمائة.
وكان مع سعة حفظه وفضله، ضجوراً منوعاً يأبي التصدي للأقراء، ويكره
стр. 1122
التعليم فلم يستفد أحد منه بطائل.
ترددت إليه غير مرة، واقتضيته شيئاً من شعره، فكان يعدني ويمطلني ويتعلل بأسباب وأحوال، فحين كثر ترددي إليه، سئمت من مطله، ثم مرض في أثناء تلك الأيام؛ ومات ليلة الإثنين سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة ببغداد، ودفن بجانبها الشرقي بمقبرة الوردية- رحمه الله تعالى.
أنشدني أبو الحسن علي بن المفرج بن المبارك بن المعوج الواسطي؛ قال: أنشدني أبو الحسن اللغوي لنفسه أبياتاً كلفه عملها الوزير جلال الدين أبو المظفر عبد الله بن يونس لتكتب على أيوان في دار الخليفة الناصر لدين الله- ﵁:
[من البسيط]
دار تظلُّ لها الآمال عاكفة ... ويستجير بها من جرمه الجاني
تشب نيران بانيها إذا خمدت ... نار القرى لمضيف أو لضيفان
/٢٤٩ ب/ فلو تراءت لخير الموقدين رأي ... إنسان عينيه فيها غير إنسان
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من المنسرح]
مولاي يا من ذهاب راحته ... هامية للعفاة بالذَّهب
قد اعوزتنا حمراء صافية ... تنمى إذا ما انتمت إلى العنب
فأبعث بها واغتنم ثنائي يكن ... بين عطا ياك أقرب النَّسب
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره: [من السريع]
يا ملكاً أصبح أعداؤه ... بالغيظ هلكي منه بالغيظ
بقيت ما استحسن لفظ وما ... خالف لفظ البيض للبيظ
قد جاءت الغلَّة في وقتها ... كالماء للعطشان في القيظ
وكلما أبطأ إطلاقها ... عني تميزت من الغيظ
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضا قوله: [من الخفيف]
стр. 1123
لي حبيب كالظبي غر ولكن ... يعذابي في الحب ما أغراه
وإذا كرر الذُّنوب فيكفيه ... اعتذاراً عما جنى أن أراه
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في غلام اسمه القطب: [من مجزوء الكامل]
/٢٥٠ أ/ إن كان يوسف حسنه ... شغف النِّساء وما أسا
فالقطب قد شغف الرجا ... ل بحسنه وسبى النِّسا
وأنشدني؛ قال: أنشدني قوله: [من مجزوء الرمل]
يا مليح القدِّ يا من ... وجهه ما البدر مثله
أعطني منك وصدِّق ... واغتنم أجري قبله
وقال أيضا: [من مخلع البسيط]
لو لم أخف من نفار قوم ... ينافسوني على نقير
لكان رأيي أن لا تراني ... في يومك البارد المطير
ولو تمكنت من أموري ... خفيت عن خاطر الخطير
ولم أوجه به فوجهي ... في الأرض من بيته السَّتير
ولا تأوَّل على وابعث ... على ركنيه الأمير
فقط ما اعتاد حر وجهي ... يعود من بابه حريري
وأنشدني أبو الحسن علي بن الحسن بن علي البخاري الفقيه الحنفي؛ قال: أنشدني علي بن منصور اللغوي/ ٢٥٠ ب/ لنفسه مبدأ قصيدة أولها: [من الطويل]
فؤادي معنِّى بالعيون الفواتر ... وصبوة باد مغرم بالحواضر
سميران ذادا عن جفون متيَّم ... كرى منذ باتا عنده شرَّ سامر
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
لمن غزال بأعلى رامة سنحا ... فعاود القلب سكر منه كان صحا
مقسَّم بين أضداد فطرَّته .. جنح وغرَّته في الجنح ضوء ضحى
стр. 1124
[٤٣٨]
عليَّ بن الشّهاب الضرير الواسطيَّ القانونيَّ.
كان يشعر ويعاشر الأصدقاء، مطبوعاً في الجد والهزل والخلاعة
أنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي زيد التبريزي؛ قال: أنشدني علي بن الشهاب الضرير لنفسه: [من الكامل]
قمر تظلم خصره من ردفه ... وبليَّتي من ردفه أو خصره
ما البدر والشَّمسي المنيرة عنده ... إلَّا كمثل صبابة في بحره
وكذاك ليس الغصن يشبه قدَّه ... أني وما للغصن هزَّة سكره
/٢٥١ أ/ أألام إن قبَّلت ورداً طالعاً ... في خدِّه أو رشف بارد ثغره
ويلاه لم أدهى بلحظ فاتر هاروت يعجز عن مواقع سحره
فالصُّبح يبدو من ضياء جبينه ... واللَّيل يكمن تحت فاحم شعره
إن خانني فأنا الوفيٌّ بعهده .. أو كان يهجرني صبرت لهجره
من لي به راض ولم يك ساخطا ... من لي به أو من يقوم بعذره
[٤٣٩]
علي بن عمر بن عبد العزيز بن هبة الله بن الحسن بن أحمد بن حمدون، أبو الحسن السنجاري، المعروف بابن الخطيب
وهو أخو إسماعيل بن عمر الذي تقدم شعره، وعلى الأكثر كانت الخطابة بسنجار فيهم؛ وكان فقيها حنفياً فاضلاً، ذا معرفة بالأصول والخلاف.
أنشدني الخطيب أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن الحسين الإربلي المعروف بابن الكريدي؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن عمر لنفسه؛ وأن سالته أن يصنعه وهو قول القائل: [من الوافر]
стр. 1125
طول العهد منسي ... ... ... ... ... ....
/٢٥١ ب/ تقول وقد وقفنا لا دكار ... لماضي عيشنا من غير لبس
اتنسانا ومثلك غير ناس ... ومذ فارقتني فارقت أنسي
فقلت لها أطلت العهد حتَّى ... نسيت وإن طول العهد منسي
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
أحببت ذاتي فوق الوصف مذ نفر الدُّناة منها وعابوها بما وصفوا
ولو أحبوا صفاتي كنت أبغضها .... لأن خير السجايا ضد ما ألفوا
[٤٤٠]
علي بن محمد بن أبي منصور بن أبي الغنائم، ويعرف بصاحب الخاتم بن أبي غالب واسمه محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن الحسن بن عيسى ويعرف بالرومي- بن محمد الأزرق بن عيسى بن محمد بن علي العريضي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب – ﵈
قال الدبيثي: كان شاعراً مكثراً، وله المدائح الكثيرة في أهل البيت- ﵈ وغيرهم؛ وشعره كثير مدون، قد سمع منه جماعة وكتبوا عنه وكان ينتجع بالشعر
بلغني أنه توفي/ ٢٥٢ أ، بالحلة المزيدية، في سنة ثمان وستمائة ونحوها- والله أعلم ٠ هذا آخر ما ذكره الدبيثي في تاريخه، ولم يورد له شيئاً من شعره.
قلت: كان شاعراً مبرزاً يصنع شعراً معجزاً ذا اقتدار شديد، وباع في معرفة اللغة
стр. 1126
مديد، وفضل غزير، وشعر كثر، التزم في كلامه لزوماً غريباً، وسلك فيه أسلوباً عجيباً، أعجز به المتقدمين وبذ فيه المتأخرين؛ له القصائد المبدعات المخترعات المطبوعات المصنوعات التي لقبها بالبواهر.
صنع كل قصيدة على حرف من حروف المعجم، وذلك أنه ابتدأ فيها بحرف الألف، والتزم أن يضمن في كل لفظة منها حرف الألف ثم حرف الباء ثم التاء ... هكذا متوالياص على اتساق الحروف وانتظامها إلى حرف الياء.
ومن شعره يمدح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- صلوات الله عليه وسلامه: [من الطويل]
إذا أنت واليت الإمام المبرعا ... عليا أمير المؤمنين السَّميدعا
سكنت فراديس الجنان مخلَّدا .. وحزت محلاً سامياً مترفِّعا
إمام هو النَّهج القويم إلى الهدى ... أخو سؤدد لم يحوه سعي من سعى
/٢٥٢ ب/ فطوبي لمن والي وصي محمَّد ... إمام هدى حاز الفضائل اجمعا
إمام تقي للرشاد محالف ... تسربل جلبات الهدى وتلفعا
روى النَّاس أنَّ الطُّهر أحمد قال في ... حديث وكم قال النَّبي وأسمعا
سيفترق الإسلام سبعين فرقة ... نعم وثلاثا هكذا قال مسمعا
وكل سيصلى النار بالله في غد ... سوى فرقة تحوي النعيم الموسَّعا
فإن شئت تدري أيُّما فرقة نجت ... فأنصف ولا تنكر مقال مشفعا
وقعت وسل أهل الحديث تجدهم ... جميعاً رووا أن النَّبي المشرِّعا
يقول مراراً: أهل بيتي شبيههم ... شفينة نوح من بها حلَّ موضعا
نجا وكذا من حاد عنها فقد غوى ... وذاق الهلاك أنظر تر القول مقنعا
وقال أيضا: [من المقتضب]
كم تسائل الدِّمنا ... باكياً تذوب ضني
تندب الطُّلول ومن ... حلَّهن والسَّكنا
دع سؤالهنَّ فما ... في سؤالهن غير عنا
فالبكى ليس يردُّ الحبيب إن ظعنا
стр. 1127
ويك ذاك عصر هوى ... فات فاترك الحزنا
/٢٥٣ أ/ تلك عيشة سلفت ... كل لذةَّ لفنا
فاله عن تذكرها ... واسألن ذلك الزَّمنا
كم بنيت مدَّرعاً ... بالغرام مرتهنا
ها ترى المشيب بدا .. صحبه وزاد سنى
فاتق الإله ولذ ... بالولاء للأمنا
غتوة النبي ومن ... يربحهم جننا
صفوة نفوز بهم ... إذ هم الهداة لنا
وأنشدني له أيضا في مدح علي- ﵇ أبو الحسين يحيى بن محمود بن عيسى بن محمد بن جعفر الخلعي البغدادين بإربل سنة ثلاث وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني ابن صاحب الخاتم لنفسه مبدأ قصيدة أولها: [من البسيط]
بانوا ففارق جفني لذَّة الوسن ... وبتُّ مدَّرعاً بالهمِّ والحزن
أخفي الغرام فتبديه الدُّموع إذا ... جرت على الخدِّ كالمثعنجر الهتن
/٢٥٣ ب/ بانوا فما خلت أن الدَّهر مذ برحوا ... عني يفارقني ممَّن يفارقني
فليتهم إذا نأوا ردُّوا الفؤاد عسى ينبي بحالهم حقُا ويعلمني
أهم على العهد أم خانوه عن كثب ... وهل سلوا فنسوا شوقاً يؤرقني
أما أنا فرسيس الشُّوق يرمضني ... والوهم والوجد والبلبال يمرضني
ولي دموع يخدُّ الخدَّ ساكبها ... كأنَّ واكفها مغدودق المزن
يا قب دع ذكرك الأحباب إذا بعدوا ... بانوا وخانوا ومن للعهد لم يخن
وخلِّ ذكر الصِّبا وأسل الهوى فإلى ... متى تعاني رسيس الشَّوق والحزن
ووال آل رسول الله تنج بهم ... فهم أولو الذكر والآيات والسُّنن
آتاهم الله علماً باهراً وتقى ... وإن سلكت فسائل عن أبي الحسن
وأسمع حديثا روينا من مناقبه ... فيه اعتبار لرب الفكرة الفطن
يروي عن أبن طحال عن مشايخه ... فاسأل بما قد روى إن كنت تتهمني
قالوا: أتى رجلان الباقر بن علي ... قالا له: أنت أهل العلم واللّسن
стр. 1128
ألست قلت بأن الصِّنو حيدرةٌ ... لم يرض أفعالهم سراً بلا علن
[٤٤١]
عليُّ بن يحيى الحسن/ ٢٥٤ أ/ بن الحسين بن عليِّ بن محمَّد- وهو البطريق بن نصر بن حمدون بن ثابت بن مالك بن ليث بن عامر بن غنم بن فهر بن دلجة بن بشرً بن معاوية بن بدر بن ثعلبةً بن حبال بن نصر بن سواء بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو الحسن بن أبي زكريا، الحلِّيُّ الأصل، الواسطي المنشأ.
كان والده من فقهاء الشيعة وعلمائهم، عارفاً بمذاهبهم، وسيرد ذكره في حرف الياء من هذا الكتاب؛ وابنه هذا كان يترفع بنفسه من أن يمدح أحداً مجتدياً، ويذهب مذهب الكتاب، ويترامى إلى النثر أكثر من النظم؛ ويدّعي علم الرياضي، ومعرفة النجوم، وكان من الشيعة المغالين في المذهب.
أنشدني الحسن بن علي الإربلي؛ قال: أبو الحسن لنفسه من قصيدة:
[من البسيط]
أفديه من بدر تمٍّ للورى فتنا ... أصبحت أعبد منه في الورى وثنا
وكلَّما ازددت جهلاً في محبَّته ... يزيده الله في عدوانه فطنا
стр. 1129
وكلَّما سرَّه حزني وأعجبه ... سررت فأعجب لمسرور إذا حزنا
/ ٢٥٤ ب/ وإن أساء صنيعاً بتُّ مبتهجاً ... بمالك حسن لا يصنع الحسنا
فإن سمعتم بمقتول بكى فرحاً ... بحبٍّ قاتله حزناً فذاك أنا
يا صاحبيَّ وما الشَّكوى بنافعة ... لمن إذا قلبه في الحبِّ مرتهنا
تسمَّعا سرَّ أشجاني ولا عجبٌ ... في الحبِّ إن صار سرُّ المبتلى علنا
كتمت ما بي حتَّى كاد يتلفني ... كتمانه ويبيد الرُّوح والبدنا
عسى يرقُّ كما راقت سوالفه ... حبٌّ جفا قسوة أيَّام لنت ضنى
فو الَّذي فلق الإصباح مقتدراً ... من نور غرَّته حتَّى أضاء لنا
واشتقَّ للَّيل من مسكيِّ طرَّته ... لونّا وصيَّره سبحانه سكنا
وصيِّر الشَّمس تمثالاً لطلعته ... حتَّى يرى حسنه طرفٌ نأى ودنا
ما عشت لا أنثني عنه للائمة ... واللَّوم عندي لناء عن هواه ثنى
حتَّى يقولوا محبٌّ نال بغيته ... أو عاشقٌ صادقٌ في لحده دفنا
وأنشدني الأمير أبو الحسن علي بن علي بن شماس؛ قال: أنشدني أبو الحسن بن البطريق لنفسه يمدح الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف/ ٢٥٥ أ/- صاحب حلب- أول قصيدة: [من البسيط]
الشَّام داري والأشجان بغداد ... في سرِّ وجدي في الأحيان إعلان
وكلُّ يوم يوافي مؤذنٌ بنوّى ... كأنًّما هذه الأيَّام غربان
يا صاحبيَّ قفا ثمَّ اسمعا خبراً ... من مستهام له عند الحمى شان
يهزُّه الشَّوق والتذكار يطربه ... كأنَّه من مدام الوجد نشوان
كانت له من جلابيب الصِّبا عددٌ ... ومن قلوب الحسان البيض أعوان
إذا دعا اللَّهو نادته على عجل ... لبَّيك لبَّيك أترابٌ وأقران!
نار القرى عنده بشرٌ ومن كرِّم ... حديثه وبنو الآداب ضيفان
لا يسرج الهمُّ في أرجاء منزله ... كأنَّ منزله في الحسن بستان
مكمَّل الوصف كالفردوس من دهر ... بكلِّ شيء شهيٍّ وهو رضوان
راقت خلائقه للَّائذين به ... كأنَّه من سلاف وهو إنسان
لباسه ثوب زهوٍ ليس يخلعه ... ومن لباس الخنا واللؤم عريان
стр. 1130
يهوى الهوى والتَّصابي دينه وله ... إلى الحسَّان على الحالين إحسان
كأنَّما عجنت بالمسك طينته ... فما يعنُّ له ما عاش سلوان
يظنُّ من حسن ظنٍّ في تورُّده ... أنَّ الضَّلال جفاً والكفر هجران
/ ٢٥٥ ب/ حتَّى رمى الدَّهر شملاً كان يألفه ... بالبين والبين للعشَّاق نيران
فبات يجرع من كأس النَّوى غصصاً ... كأنًّما لذعها في القلب خرصان
والدهر يخصمه من كلِّ ناحية ... وكلُّ إخوانه جاف وخوَّان
جرح الزَّمان له في كلِّ جارحةً ... كأنَّه لسيوف الضَّيم أجفان
وشرُّ ما فعل الدَّهر الخؤون به ... خموله وغياث الدِّين سلطان
[٤٤٢]
عليُّ بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد زين الدين، أبو الحسن الكاتب الموصليُّ الشيبانيُّ.
كتب الإنشاء بالموصل لأتابك نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي- ﵁ - وبعده لولده الملك القاهر عزّ الدين مسعود- رحمه الله تعالى-.
قرأ العربية والأدب على الشيخ أبي الحرم مكي بن ريان الماكسي، وسمع الحديث على الخطيب أبي الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي.
وكان حافظاً لكتاب الله تعالى، ولم يكن في وقته مثله في البلاغة والكتابة وسرعة الترسل/ ٢٥٦ أ/ وحسن الخط.
وكان عاقلاً رزيناً وجيهاً مقبولاً، وكان ينشئ الكتاب من خاطره بديهة، من غير أن يخلد فيه إلى التروّي والانفراد، غير محتفل بكلامه، ويكره أن يذاع عنه شيء من إنشائه لقلة اهتمامه به.
كانت ولادته بعيد الستين والخمسمائة، ومات يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة
стр. 1131
بقيت من رمضان بالموصل سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
ومن شعره في أتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود، وكان على ناحية كفر زمار من أعمال الموصل، سنة وفاة سنجر شاه غازي بن مودود- صاحب الجزيرة- وهي سنة خمس وستمائة، وكان السفير في إيصالها الملك الرحيم بدر الدين أبو الفضائل- أنفذ الله أمره- وهو مشدود إليه في الفترة، وقد اتفق في تلك السنة برد شديد، وهي منقولة من خط يده: [من المتقارب]
أيا ملك الأرض يا ذا النَّوال ... ومن صوب راحته صائب
ومن ظلُّه للورى شاملٌ ... ومن عزمه في الوغى ثاقب
ومن جوده أبداً سائرٌ ... ومن جدهُّ للعلا غالب
/ ٢٥٦ ب/ ومن بابه كعبةٌ للعفاة ... يطوف بأركانها الرَّاغب
ومن هو في كلِّ أوقاته ... وهوبٌ إذا منع الواهب
ومن لا يرى في جميع الأنام ... من فضله أبداً خائب
ومن هو رماح للمكرمات ... ويهتزُّ إن أمَّه طالب
ومن يكشف الضُّرَّ من مشتكيه ... إذا حزب المشتكي حازب
جوادٌ إذا ما الأكف انقبض ... واخلف نواء النَّدى السَّاكب
وبحرٌ على كرَّة الواردين ... لهم ليس ينقصه شارب
أمولاي أشكو أشكة إليك الزَّمان ... فقد مسَّني برده النَّاصب
رماني من قرِّه قارسٌ ... ومن ريح بلَّته حاصب
وجاء بثلج غدا مفرق الثَّرى ... وهو من لونه شائب
أظلُّ نهاري ذا رعدة ... كمن مسَّه نافضٌ صالب
فحسِّي بجامده جامدٌ ... وجسمي لذائبه ذائب
ودجله يجري هواها الشَّريف ... إلىَّ فلوني له شاحب
وشمس النَّهار لنسج الضريب ... لم يبد من وجهها حاجب
ولم أك ذا سفر في الشِّتاء ... ولكن أتى أمرك الواجب
/ ٢٥٧ أ/ ولمَّا عجزت احتمالاً لما ... أعانيه وانقطع الغارب
لجأت إلى من يجيب النِّداء ... إذا ما استغاث به الصَّاحب
стр. 1132
فجد لي يا من عطاياه لا ... يقوم بأيسرها حاسب
يفرُّ ويقبل ... الزَّمهرير ... فإنِّي إلى مثله راغب
وإلاَّ أحلني على من له ... عليَّ يدٌ شكرها واجب
. فتاك ونعم الفتى ... الكريم لشكر الورى كاسب
به الدَّولة اكتسبت رونقاً ... وعاد به نورها الغائب
وعمَّ بإحسانه فالقلوب ... له نحو طاعته جاذب
لقد شمت منه الحسام الَّذي ... شباه لهام العدا ضارب
وقدَّمت منه فتّى كاملاً ... سجاياه ليس لها عائب
حجاه يبذُّ عقول الكهول ... ويسبقها فمه الثَّاقب
وكنت على الرَّأي فيما دخلت ... فيا حبَّذا رأيك الصَّائب
حباني بدهماء تسمو الجياد ... إذا ما امتطى ظهرها الرَّاكب
وأخجلني فرط إحسانه ... فشكري له أبداً راتب
ولكنَّه في فعال الجميل ... على نهج مالكه ذاهب
/ ٢٥٧ ب/ فإن جدتما لي سريعاً بها ... وإلاَّ فقد هلك الكاتب
فبينكما لا يخيب الرَّجاء ... ولا يحرم الأمل الرَّاغب
فلازلتماه ما أهلَّ الهلال ... وما فاه في مجمع خاطب
وأنشدني أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد الموصلي؛ قال: أنشدني عمي لنفسه هذه الأبيات، قالها ارتجالاً في داره التي بناها متجددةً، وأمر أن تكتب فيها: [من البسيط]
يا دار قابلك الإقبال متَّصلاً ... بالسَّعد واليمن والتَّأييد والظفر
وواجهتك وجوه العزِّ مسفرةً ... في نعمة وسرور مونق الزَّهر
ولا عدا الخير مغناك الأنيس ولا ... زالت ربوعك في أمن من الغير
ودام ريعك معموراً بساكنه ... في ظلِّ عيش رغيد ناعم نضر
ما غرَّدت في ذرى الأغصان ساجعةٌ ... وما استمرَّ طلوع الشِّمس والقمر
ومن كلامه المنثور، فأنني رأيت منه رسالتين، ولم يدون له شيء لقلّة اهتمامه، فالتقطت شيئاً يسيراً.
стр. 1133
/ ٢٥٨ أ/ حدثني المولى الأمير الكبير العالم ركن الدين أبو شجاع أحمد بن قرطاباً- أدام الله علوه- قال: لمّا كنت بالموصل مقيماً؛ كتبت إلى الأجل شمس الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد عبد الكريم الموصلي الكاتب، وكان بيننا صحبة متأكدة، وهو يومئذ يتولى الكتابة الإنشائية في أيام الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه- رحمة الله تعالى- ألتمس منه ما تيسر من ترسله.
وكان- ﵀ لا يثبت شيئاً من كلامه ويدونه، لاحتقاره عنده، وقلّة مبالاته به؛ فكتب إلى رقعة يعتذر فيها بقلّة اكتراثه بهذا الشأن، من ذلك قوله من فصل:
((أدام الله على الأولياء فيض نعمه، وأمدّهم بسيب جوده وكرمه، ومتعهم بالإنعام من يده وقلمه، ووفقهم لما يصرف فيه من خدمه)).
/ ٢٥٨ ب/ ومنها:
((وليس كلام المملوك مما يدّون ويسطر، ولا مما يعدّ ويذكر، لارتجاله من غير رؤيّة، لسرعة المهام السلطانية، فصار ذلك عادةً معروفة، وسنّة مألوفة، فمتى أبطأ ولو بقدر فواقٍ، أسرع إليه اللوم والإزهاق، وإذا وجد المولى الدرّ فلا حاجة إلى الصدف. وكلام الفاضل- ﵀ يشهد بفضله كل من عرف، وبه ختم هذا العلم فلا يرى له خلف)).
قال: ثم سيّر إلى مجلدة من رسائل القاضي- ﵀.
وله من كتاب، كتبه إلى بدر الدين لؤلؤ، وهو يومئذ يحاصر قلعة الشوش؛ وكان قد ترك الخدمة البدرية، وانقطع في منزله، يستأذن فيه إلى الحج، ويعرض فيها بنوع من النعت وهو ومنه:
((وهو ذاك المملوك الصادق أن ذكر أوسى، والمخلص في في الولاء إن أحسن إليه أو أسا، وحاشا مولانا من الإساءة وطبعه الإحسان، ولكن عادة المماليك في الخطأ والنسيان، طمعاً في الحلم الذي ليس له فيه ثان، وهكذا الناس مرزوق ومحروم)).
/ ٢٥٩ أ/ وله جواب رقعة وردت إليه من بعض أصدقائه.
стр. 1134
((وقف على هذه المشرفة الكريمة، بعد أن قبلها ألفاً لا عشراً، ونثر عليها ثناءً لا تبرأ، وقابل ما ضمنته من الإنعام بالدعاء، وما حوته من الإيعار بالاحتذاء، وأما ما ذكره في معنى الكتابة، فأي كتابة ترضيه، وأي عبارة تزف إلى ناديه، وهل البلاغة إلَّا معنى من معانيه)).
[٤٤٣]
عليُّ بن أيبك بن عبد الله، أبو الحسن التركيُّ الأسديُّ.
كان والده يعرف بالجاولي الكبير، وكان مولى أسد الدين أبي الحارث شيركوه بن شاذي- صاحب حمص-.
وأبو الحسن كان مولده مصر وبها كان منشأة؛ وكان أثيراً مقدماً في خدمة الملك العادل سيف الدين بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي- ﵁ وبعده خدم لولده الملك الكامل ناصر الدين بن أبي المعالي محمد.
ثم فارق خدمته، وخدم مع الملك المنصور أبي المعالي محمد بن عمر بن شاهنشاه- صاحب حماة- ثم سافر في النجدة / ٢٥٩ ب/ إلى دمياط، فاجتمع بالملك المعظّم شرف الدين عيسى بن العادل، فاستماله بعد امتحانه ومنادمته له؛ فوعده الرحلة إليه، فلما عاد كل منهما إلى دمشق، خرج من حماة مهاجراً إلى الملك المعظّم مستخفياً من الملك المنصور بعد أن قدّم حريمه أمامه، وخرج في جملة مماليكه وحاشيته. وبلغ الملك المنصور خروجه فسَّير وراءه جيشاً عظيماً في مقدمته البراطسة، وراموا ردّه فما استطاعوا، وأعادهم إلى حماة منكسرين.
وقدم دمشق واتصل بمليكها الملك المعظم، ونال عنده المنزلة الرفيعة، والمقام الأسنى، ولم يزل في خدمته إلى أن توفي سنة تسع عشرة وستمائة.
وكان ذا شجاعة وفروسية، مقدامً شهماً فصيحاً شاعراً جواد البنان، جريء الجنان، مليح الخطّ، جيد المنظوم، حسن المنثور، عارفاً بدقائق الأمور، حسن المحاضرة، لذيذ المحاورة.
أنشدني الحسن بن محمد بن علي بن الحسين الحسيني العبيدلي؛ قال: أنشدني الأمير أبو الحسن لنفسه: [من الكامل]
стр. 1135
أملكت رقَّي أم عليك ضماني ... دع شأن من سلب الرُّقاد وشاني
أو ما علمت بأنَّني لعواذلي ... في حبَّه إذ عنَّفوني شاني
/ ٢٦٠ أ/ أنا في بحار دلاله وملاله ... ظهرت عليَّ من الغرام شواني
ولقد رجوت بأن يبرَّد وصله ... ناراً بقلبي من جوى فشواني
رشا تلفَّت عن وصالي معرضاً ... تيهاً وعاد على تلافي جاني
شيئان فيه تجمَّعا وتباينا ... جسدٌ كماء ضمَّ معدن جان
قسماً بماء فتور مقلته الَّتي ... سلبت لذيذ الغمض منذ جفاني
ويعين عقرب صدغه وعذاره ... إذ خطَّ لا ما فوق أحمر قان
وبخال خدٍّ خدَّ قلبي حسنه ... وبثاء ثغرٍ أشنب كجمان
ويجيد جيد وجدانه هو جيده ... لا جيد عفر جواري الغزلان
لم أحذف السُّلوان كنه خواطري ... ولئن ختتت لقيت جور زماني
وأنشدني؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه: [من الطويل]
خليليَّ ما شان الوشاة وشاني ... وقد أقرحت سحب المدامع شاني
ألم ترياني من ضنيً وصبابة ... إذا رمتما مرآي لم ترياني
خذا بدمي ريماً بسهمي لواحظ ... رنت عن قسيٍّ الحاجبين رماني
له قامة كالرمح في يد نابلٌ ... لها طرفه الوسنان حدُّ سنان
علا نار خدَّيه دخان عذاره ... ولست ترى ناراً بغير دخَّان
/ ٢٦٠ ب/ لقد فتكت في النَّاس شامة خده ... بكلِّ شامي وكلِّ يماني
جفا إذ جفا جفنيَّ نومي وقلبي الهدوُّ وصبري كالسُّلوِّ عصاني
ومعتدل جار على الجور كلَّما ... تثنَّى ورمت الصَّبر عنه ثناني
ومنها قوله:
فللَّه وصلٌ لذَّ طيباً كأنَّه ... خيالٌ سرى أو خاطرات أماني
وليلة وصل بات مظلمها ضحى ... بقرب حبيب بالوصال حباني
ضممت وقد عانقته الغصن يانعاً ... وقبَّلت ورد الآس ورد جنان
وبتنا على رغم الحسود يضمُّنا ... عفافٌ وشوقٌ ليس يفترقان
أقبِّل منه الثَّغر أبيض ناصعاً ... وأجري على خدَّيَّ أحمر قاني
стр. 1136
ولم يك إلَّا خيفةٌ من فراقه ... فإنَّ اللَّيالي جمَّة الحدثان
وقال وقد حضر مجلس الملك المعظم شرف الدين عيسى بن صاحب دمشق؛ وغنّى المغني:
أصل تلافي من تلافيكم
وأشار الملك المعظم إلى أبي الحسن أن يعمل/ ٢٦١ أ/ على وزنه ورويّه؛ فقال ارتجالاً: [من السريع]
أصل بلائي من تنائيكم ... وكلُّ وجدي من تجافيكم
فعلِّموني كيف أسلو الهوى ... أم كيف أدري إذا أداريكم
ضاع فؤادي بين أظعانكم ... لمَّا حدا للعيس حاديكم
وعدت لا أعرف طعم الكرى ... للنَّاس أدعى وأراعكيم
يا سادتي عودوا على مدنف ... في طول ذا اللَّيل يناديكم
هجرتموه بعد وصل فكان العرس منكم والعزا فيكم
ولم يكن هجركم هكذا ... إلَّا بأقوال أدانيكم
فالآن قد عدت بكم منشداً ... أصل تلافي في تلافيكم
وأينما كنتم فلي عندكم ... قلبٌ طريحٌ بين أيديكم
فعذبوه وأنعموه فقد ... أصبح يهواكم ويأويكم
[٤٤٤]
عليُّ بن محمدَّ بن محمود بن .......... ، أبو الحسن الكوفيُّ المخزوميُّ.
ويعرف بالكوفة بابن حبانة، المقيم برأس عين صاحب الديوان؛ بها خدم الملك/ ٢٦١ ب/ الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر.
وهو شاعر ذو أخلاق دمثة، وغريزة في النظم منبعثة، لذيذ المحاضرة، طيب المعاشرة؛ وقدم ماردين رسولاً، فأخذه وحبسه، فبقى بالحبس مدّة، وتوفي معتقلاً في أواخر تسع وثلاثين وستمائة.
стр. 1137
ومن شعره وقد أضافه أبو الحسن علي بن عدلان الموصلي النحوي، وأوقد بين يديه شمعة فداعبه علي بن محمد بن محمود، فأطفأها علي بن عدلان، ثم أشعلها علي بن محمد من غير حضوره؛ فلما رآها ابن عدلان قال على طريق الانبساط لعليّ بن محمد ولأبي بكر بن أبي النجم الجزري الشاعر: ما تستاهلان أن يوقد عليكما إلا مشعل فارتجل علي بن محمد، وأنشد بديهة: [من البسيط]
داعبت وهنا فتى عدلان معتمداً ... إيقاد شمعته لمّا دجا الغسق
فاصفرَّ ثمَّ انثنى بالغيظ مشتعلاً ... وأقبل الدَّمع من عينيه يستبق
نحلته شمعة أخرى فأقسم لو ... لم أبلِّغها كدت بالأنفاس احترق
وله وقد وصل إلى الملك الرحيم بدر الدين عضد الإسلام أبي الفضائل/ ٢٦٢ أ/ غرس أمير المؤمنين- خلد الله ملكه- خلعةٌ صفراء من السلطان الملك الأشرف وذكر إنها كانت قبل ذلك على السلطان الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد، وذلك عقيب فتح دمياط، واتفق بالقرب من ذلك وفاة الملك الصالح أبي الفتح محمود ابن محمد- صاحب آمد- فقد بديهة: [من الطويل]
أطاعك ما تحت المجرَّة صاغراً ... ودانت لك الدُّنيا وهانت صعابها
ووافتك أثواب الجهاد غبارها ... شفاءٌ وذخرٌ في المعاد ثوابها
حياً أشرفياً كاملياً وفت به ... مودَّات صدق لا يخاف انقضابها
كست أوجه الحسَّاد صفرة لونها ... وأبعدهم بالسُّحق عنك اقترابها
لوى فتح دمياط الأعادي فبعضها ... قضى نحبه والبعض ذلَّت رقابها
وله من أبيات يهجو بها ابن صباح الشاعر: [من البسيط]
والأخرق ابن صباح إن تعرَّض لي ... فإنَّما قاتلاه العي والحمق
مثل الفراشة تلقيها جهالتها ... إلى السِّراج لتطفيه فتحترق
وأنشدني أبو محمد عبد الرازق/ ٢٦٢ ب/ ابن رزق الله الرسعنيّ المحدث؛ قال: أنشدني أبو الحسن الكوفي لنفسه، في إنسان كان له يقطينة مزوّقة فسرقت منه، وكان يلقب بالرضيّ: [من الخفيف]
صفعت قَّرعة الرَّضيِّ فأضحى ... ذا غرامٍ لفقدها وحنين
стр. 1138
ومشقٌّ فقد الشَّقيق فقوموا ... لنعزِّي اليقطين باليقطين
وأنشدني؛ قال: أنشدني في إنسان يعرف بابن كروَّس، كان يخدم مع أمير يقال له سنجر، فبعثه ليقبض دخله من الغلات، فأنفق ذلك على مغنية تعرف بسنبلة:
[من مجزوء الرجز]
إنَّ فتى كروَّس ... حبَّ الفتاةً بلبله
ويدَّعي الفهم ومّا ... لديه فهمٌ بل بله
باع غلال سنجر ... جميعها بسنبله
وأنشدني غازي بن محمود الإربلي؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن محمد الكوفي/ ٢٦٣ أ/ لنفسه من أبيات: [من البسيط]
رقَّ النَّسيم ووجه الصُّبح مستتر ... فسَّقِّني والدُّجى قد كاد ينحسر
والجوُّ ارقَّط والأفلاك مسفرةٌ ... والبدر في الأسر للإشراق ينتظر
كأنَّه ديدبان الجيش والشُّهب الفرسان منجدلٌ هذا ومنعفر
أو روضةٌ غضَّة الأزهار قابلها ... زهر الرُّبى فكلاها أنجمٌ زهر
فاترع قنانيك والكاسات وأمل وخذ ... عمراً فإنِّي أخشى ينفد العمر
أما ترى الدَّوح قد غنَّت بلابله ... كأنَّما كلُّ غضنٍ فوقه وتر
ومنها يقول:
فسقِّني من يدي شاد معتَّقة ... تكاد من ريقه في الكأس تنعصر
مقرطقٌ يبتدي بدراً على غصن ... وينثني سمهرياً فوقه قمر
إذا انثننى فقناه القدِّ مشرعةٌ ... وإذ دنا فحسام اللَّحظ مشتهر
يسعى إلىَّ بكاسات إذا لثمت ... وثغره هان ألَّا يلثم الحجر
وأنشدني؛ قال: أنشدني نفسه: [من الكامل]
كم لي بمنعرج اللِّوى من موقفٍ ... أذري المدامع فيه كالمتأسِّف
وأهزُّ أعطاف الغرام تثنِّياً ... فكأنَّني ثملٌ بخمرة قرقف
/ ٢٦٣ ب/ ويهزني طربٌ إلى غيد القنا ... من كلِّ عسال القوام مهفهف
حدثني القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة بحلب- أيده الله- قال
стр. 1139
أبو الحسن علي بن محمد بن محمود البغدادي الشاعر؛ نزيل رأس عين، شاعر مجيد فاضل حسن المذاكرة.
أخبرني أنه قدم حلب مراراً، واجتمعت به بسنجار في سنة أربع وعشرين وستمائة، وكان في أوتل مرّة قريباً من الملك الأشرف، وكان ينفذه في رسائل، ولما اجتمعت به كانت أحواله قد تناقضت عنده؛ فمما أنشدني لنفسه، وذكر أنه اقترح عليه أن يعمل في وصف الحماحم بالموصل، فسألهم في أي وزن يريدزن. وكان في وليمة؛ فقالوا: في الوزن الذي يغني به المغني؛ فقال: فغنى المغني أبياتاً منه:
باكر صبوحك يا نديمي ... ...... ...... ......
ومهفهف في وجهه ... جيشان من زنجٍ وورم
فقال: [من مجزوء الكامل]
باكر صبوحك يا نديمي ... ورم الحياة بكفِّ ريم
في مجلس خضل النَّبا ... ت يرقُّ من ماء النَّعيم
/ ٢٦٤ أ/ حلب الكروم غذاء ذاك ... النَّبت لا حلب الغيوم
وحماحمٌ كأسنَّة ... في كلِّ معتدل قويم
طعنت قلوب وشاتنا ... فتخضَّبت بدِّم الهموم
أو أنجمٌ بزغت لتحرق ... كلَّ شيطان رجيم
أو مثل أعراف الدّيوك ... لدى مبارزة الخضوم
أو كالشَّقيق تحرَّشت ... بفروعه أيدي النَّسيم
أو ثاكلٌ صبغت بناناً ... من دم الخدَّ اللَّطيم
وسقاتنا كأهلَّه ... حملت شموساً في نجوم
من كلِّ ذي دلِّ رخيم ... غير ذي قلب رحيم
طفلٌ يجور على النَّدامى ... جور محتنك عليم
فراهم صرعى الكؤوس ... بكفِّ لقمان الحكيم
فيه نضلُّ ونهتدي ... بالفرع والوجه الوسيم
стр. 1140
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
قال: وأنشدني لنفسه في المروحة: [من الطويل]
/ ٢٦٤ ب/ وذات جناحٍ خافق وهي تنتمي ... إلى حسبٍ زاكي الفروع أصيل
تطير فلا تنأى وتطلّب قربها ... لبرد غليل أو لبرء عليل
لها يقظةٌ عند المقيل وهبَّةٌ ... ورقدتها في بكرةٍ وأصيل
قال: وأنشدني لنفسه في القلم: [من البسيط]
وذابل العطف مهزول يرى أبداً ... ميتاً ولكنَّه يحيى إذا ذبحا
شرباه ماءٌ قراحٌ سلسلٍ ودمٌ ... طوراً وينتج في الوقت الَّذي نكحا
قال: وأنشدني لنفسه يصف قلماً من قصيدة: [من الطويل]
وفي الكفِّ ظام شربه من سجالها ... ومن عجب ظام غزير المشارب
نحيفٌ ولكن طالما دقَّ في الوغى ... صدور العوالي في صدور الكتائب
علته القنا في غابها وتعصَّبت ... وطالت وتاهت وازدهت بالعصائب
فجاملها حتَّى رماها بحاطم ... فقصَّدها حتَّى رماها بحاطب
فآونةً يسقي العفاة بعارضٍ ... وآونةً يرمي الطُّغاة بحاصب
[٤٤٥]
عليُّ بن يوسف بن أحمد/ ٢٦٥ أ/ بن محمّد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن جعفرٍ، أبو الفضائل الواسطي، المعروف بابن الآمدي.
كان يتولى قضاء واسط وأعمالها ونواحيها في عهد الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد- ﵁.
وكان فقيهاً شافعياً عارفاً بالعربية، وفنون الشعر، وأحكام القضاء، وكان نعم
стр. 1141
الرجل ديناً عقلاً وعلماً وفضلاً؛ وتوفي في شهر ربيع الأول سنة ثمان وستمائة.
ساق أبو عبد الله الدبيثي ذكره في مذيله؛ وقال من بيت معروف بواسط بالصلاح والرواية للحديث والعدالة، قدم بغداد وأقام بها مدة متفقهاً على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ على الشيخ أبي طالب بن [المبارك بن المبارك صاحب] ابن الخل، ثم بعده على أبي القاسم يعيش بن صدقة الفراتي، أعاد له درسه بالمدرسة الثقتية بباب الأزج.
وكان حسن الكلام في المناظرة، سمع الحديث بواسط من أبي الحسن علي بن المبارك بن الحسن بن الخلال، وببغداد من شيخه أبي طالب بن الخل وأبي القاسم الفراتي.
وتولّى القضاء بواسط في أواخر صف/ ٢٦٥ ب/ سنة أربع وستمائة، وصار إليها في ربيع الأول من السنة المذكورة، وأضيف إليه إنهاء الأشراف بالأعمال الواسيطة؛ وكان له شعر ومعرفة بالحساب، ولم يزل على ولايته إلى أن توفي ليلة الاثنين ثالث شهر ربيع الأول سنة ثمان وستمائة؛ ودفن من ذلك اليوم عند أبيه وأهله ظاهر البلد؛ وكان مولده في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. هذا آخر كلام أبي عبد الله الدبيثي.
ومن الشعر ينسب إليه، وهو مشتهر يغني به القوالون والمغنون، وسار العالم هذه القصيدة الغزلة الهائية: [من الكامل]
آهاله ذكر الحمى فتأوَّها ... ودعا به داعي الهوى فتولَّها
هاجت بلابله البلابل فانثنت ... أشجانه تنهي عن الحلم النُّهى
فبكى أسى وشكى جوى وتنبَّه الوجد القديم ولم يزل متنبِّهاً
قالوا: وهي جلداً ولو علق الهوى ... بيلملمٍ يوماً تأوَّه أو وهى
стр. 1142
يا عتبُ لا عتبٌ عليك فسامحي ... وصلي فقد بلغ السَّقام المنتهى
عذل العذول على هواك فما اعورى ... ونهاه فيك اللَّائمون وما انتهى
قالوا اشتهاك وقد رآك مليحةً ... عجباً وأيُّ مليحة لا تشتهى
/ ٢٦٦ أ/ علَّمت بأنَّ الجزع ميل غصونه ... لما خطرت عليه غي حلل البها
ومنحت غنج اللَّحظ غزلان النَّقا ... فبدا أحسن ما ترى عين المها
لولا دلالك لم أبت متقسِّم الأفكار مسلوب الرُّقاد مدلَّها
أنا أعشق العشَّاق فيك فليس لي ... شبهٌ ولا لك في الملاحة مشبهاً
لا تكرهوه على السُّلو فطائعاً ... حمل الغرام فكيف يسلو مكرهاً
وحدثني أبو الفرج محمد بن بدر بن الحسن بن السمين البصري؛ قال: حضر عند القاضي أبي الفضائل بن الآمدي، امرأةً وزوجها يحتكمان؛ فطلبت المرأة الطلاق، فخيّره على طلاقها بما اقتضاه الحكم الشرعي؛ فامتنع الرجل من الطلاق وأبى، فأمر القاضي بحبسه، فذهبوا به ليجسوه، فحين وصل بعض طريق الحبس، سأل الرجل العود إلى القاضي، فعاد إليه، وحضر بين يديه؛ فقال له القاضي: ما بك؟ فقال: يا قاضي المسلمين كيف يحسن بك أن تأمر بحبسي وتكرهني [على] الطلاق؟ ألست القائل؟ : [من الكامل]
/ ٢٦٦ ب/ لا تكرهوه على السُّلوِّ فطائعاً ... حمل الغرام فكيف يسلو مكرهاً
فقال له القاضي: نعم أنا قلت ذلك؛ فأمر له بعشرين ديناراً من ساعته، وأصلح بينه وبين زوجته، وصرفهما وهما راضيان.
ومن شعره يلغز: [من الطويل]
كلفت بظبي غرَّه حين أغراه ... سوادٌ تبدَّا في بياض محيَّاه
غزالٌ كبدر التَّم ليلة تمِّه ... رمى مقتلي عمداً ولم يخط مرماه
هلالٌ على غصن يميس وينثني ... كما اهتَّز بانٌ حين يهتزُّ عطفاه
ومن أين للغصن الرَّطيب قوامه ... ومن أين للبدر المنير ثناياه
يبيح دمي عمداً وأكره أنَّني ... أبوح به بل استلدُّ بذكراه
فأوضح ما أخفيت غير مصرَّحٍ ... يبين لأهل الفضل لا شكَّ معناه
стр. 1143
فربَّع اسمه مال ....... ولجذره ... ومثلاه نصف الجذر فاثبته وأقراه
وثانيه ربع الاسم مع نصف ثمنه ... مضافٌ إلى ما نحن من قبل قلناه
تجده رباعياً يساوي لجذره ... وثالثه حرفٌ يماثل مبداه
ورابعه وهو الأخير لاسمه ... إذا انزاح منه خمسة فهو ثمناه
[٤٤٦]
عليُّ بن أبي غالب/ ٢٦٧ أ/ بن أحمد بن عمرو بن المفرج بن عطاء الله الربعيُّ، أبو الحسين السَّلَّاميُّ الموصليُّ، المعروفٌ بابن شيخ السَّلَّاميّة.
هي قرية تحت الموصل بأربعة فراسخ بجانبها الشرقي؛ وسلف أبي الحسن كانوا رؤساءها ومشايخها؛ وهم بيت مشهور بالرئاسة.
وسافر أبو الحسن إلى بخاري وسمرقند والشام والعراق وديار مصر؛ وكان جليلاً رئيساً متمولاً ذا يسار ونعمة واسعة، فيه أريحية ومروءة، وله نظم ونثر.
ورأيت من إنشائه مقامة هجا بها قاضي إربل وتنتَّزه فيها تنتيراً قبيحاً؛ وكانت وفاته بالسلامية سنة تسع عشرة وستمائة.
أنشدني معتوق بن المفرّج بن عمرو السلامي؛ قال: أنشدني ابن عمِّي لنفسه:
[من الطويل]
سرى طيفها خلسا وقد غوَّر النَّسر ... قد غابت الجوزاء وابتسم الفجر
فحيَّا محبّاً بات من لوعه الهوى ... يقلقله ذكرٌ ويقلقه فكر
وأنَّى اهتدى واللَّيل ملق جرانه ... وقد حال فيما بيننا المهمه القفر
يزوِّر لي أنَّ الحبيب بزورني ... وهيهات إنَّ الوصل من طيفها هجر
أتسمح لي بالوصل والرَّمل دونها ... ألا إنَّ هذا العرف من وصلها نكر
/ ٣٦٧ ب/ تصدُّ وتجفو والدِّيار قريبةٌ ... وتدنو دوني البحر واللَّجج الخضر
مهفهفةٌ كالغضن هبَّت به الصَّبا ... سحيراً وكالسَّكر إن مال به الخمر
стр. 1144
يجول وشاحاها وما جال حجلها ... وتشكو إلينا النُّطق ما ضمَّت الأزر
لها الدُّرُّ ثغرٌ وهو عقدٌ لنحرها ... فواعجبًا من ثغرها قلِّد النَّحر
إذا سربت في السِّرب والسِّرب كالدُّمى ... فهنَّ نجومٌ وهي ما بينهم بدر
تجرِّعني السُّمَّ الزُّعاف تذلُّلاً ... وتعجب من صبري وقد نفد الصَّبر
تعلَّقتها بكر الصَّبابة والصِّبا ... وقد شاب رأسي والغرام بها بكر
فيا عاذلي في الوجد لو كنت شاهداً ... عذرت فتّى في الحبِّ ليس له عذر
ولو عاينت عيناك تمثال دمية ... سجدت وإن كان السُّجود لها الكفر
فدعني ووجدي والغرام وإنَّما ... تعاتب جلموداً وهل يسمع الصَّخر
خلقت قذى عين الحسود لحبِّها ... وإنِّي لفي حلق العدوِّ شجاً مرُّ
ومنها:
وكم مهمة في جنح ليل قطعته ... إليها ولم يكتب عليَّ به وزر
بناجية كالنَّجم عند انقضاضه ... إذا وخدت فالميل في خطوها فتر
ومثلي لا يعبث بسوء إذا خلا ... ولا تطبيه الكاعب الرُّود يا نصر
/ ٢٦٨ أ/ أنا ابن السُّراة الغرِّ من فرع خندف ... بجدِّي أبي العباس يفتخر الفخر
هو الطَّاعم المطعان في حومه الوغى ... إذا اغبرُّت الآفاق واحتبس القطر
بنا يعرف المعروف والبأس والنَّدى ... ويعزى إلينا الجود والحمد والشُّكر
إذا ناب دهرٌ فادع يوسف إنَّه ... إذا ناب دهرٌ خاف من بأسه الدَّهر
وإن جاد أروى غلَّة الفقر سيبه ... وإن صال فهو اللَّيث والغيث والبحر
يعمُّ الآقاصي والآداني نواله ... ويسري إلى الآفاق نائله الغمر
فتّى ذكره في الشَّرق والغرب سائرٌ ... كما سارت الشَّمس المنيرة والبدر
وأقلامه تغني عن البيض والقنا ... ويكفي لقاء الجيش من خطِّه سطر
ونهَّاب أعمار الأعادي محمَّدٌ ... ووهَّاب ما أبقاه من تالد عمرو
وهازم أزمات الزَّمان بجوده ... إذا صرَّت الخضراء وامتنع الدَّرُّ
وإن أمَّه ذو حاجة وهو مدقعٌ ... نأى فقرة بالجود وارتحل العسر
فمن شاء فليفخر بعزَّ ورفعه ... فنحن الَّذي ذلَّت لنا الأنجم الزُّهر
أيطمع في إدراك شأوي مقصِّرٌ ... جهولٌ له في جهله والخنا ذكر
стр. 1145
له عن سبيل المكرمات زواجرٌ ... من اللُّؤم لا حمدٌ لديها ولا شكر
وهيهات لم يبلغ مداى مقصِّرٌ ... إذا قال شعراً ...... في شعره الشعر
/ ٢٦٨ ب/ ومازال شعري في البلاد مسافراً ... يروح به ركبٌ ويغدو به سفر
وينشده الرَّؤوان شرقاً ومغرباً ... وينشده بدوٌ ويشدو به حضر
أغوص على درِّ البيان فأجتني ... وأنظمة شعراً كما نظم الدُّرُّ
فكيف يناصي النَّجم يا نصر جاهلٌ ... تساوى لديه القطر والتِّبر والصُّفر
سأجلو على الرَّاوين كلَّ قصيدة ... هي السِّحر لا بل إنَّ ألفاظها السِّحر
إذا أنشدت أضحى حسودي صاغراً ... لديها وألحاظٌ العدا دونها خزر
ونقلت من خطه قوله وهو مما قاله ............ ، وحرره بالموصل عند عوده إليها في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة: [من الطويل]
إذا هبَّ من أرض الحجاز نسيم ... أبلَّ من الدَّاء العضال سقيم
وأطلق مأسوراً يبيت من الجوى ... يقلقله شوقٌ الدُّ خصيم
وبرَّد ناراً في الحشا مستكنَّة ... لها بين قلبي والشَّغاف جحيم
أحنُّ إلى أرض الحجاز ودونها ... مهامه دهسٌ أفقرت وحزوم
ومنها:
فهيهات نجدٌ أين نجدٌ وأهلها ... وهيهات يشفى بالرُّقاة سليم
[٤٤٧]
/ ٢٦٩ أ/ عليُّ بن الحسين بن عليُّ بن القاسم بن المظفر بن عليٍّ الشهزوريُّ، أبو الحسن بن أبي عليٍّ الموصليُّ.
قاضي الموصل.
من بيت الرئاسة والعلم؛ كان فصيحاً بارعاً ديناً خيراً سليم الجانب، مشهور [اً] بالديانة، وسلامة الجانب، كثير الخير والصلاح.
سمع عمّه أبا بكر محمد بن القاسم الشهرزوري قاضي الخافقين، والقاضي تاج الإسلام أبا عبد الله الحسن بن نصر بن خميس الجهني الموصلي، والوزير أبا المظفر
стр. 1146
يحيى بن محمد بن هبيرة وغيرهم.
وكانت وفاته في رابع المحرم في سنة إحدى وستمائة؛ وصلىّ عليه بظاهر باب الميدان، ودفن بتربتهم من صحراء المعافى بن عمران- ﵁.
نقلت من خط يده وشعره يمدح أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي- ﵁ ويرثى والده أتابك عز الدين مسعوداً- ﵁[من الكامل]
جار الزَّمان قلَّ منه ناصري ... فمن المجير من الزَّمان الجائر
أبداً أغصُّ من الزَّمان بجوره ... أفما لأوَّل جوره من آخر
/ ٢٦٩ ب/ هيهات لا برد الغليل وقد ثوى ... من كان من عددي وخير ذخائري
ملكٌ قضى فارتجًّت الدُّنيا له ... فكأنَّما ركبت جناحي طائر
أضحى وحيداً في التُّراب كأنَّه ... ما سار بين مواكب وعساكر
إن كان عزُّ الدِّين غاب فما خبت ... أنوار ذا القمر المنير الزَّاهر
أو كان ذاك السَّيف فلَّ فما نبا ... الحدَّان من هذا الحسام الباتر
أو كان ذاك البحر غاض فما رقا ... ما فاض من هذا الغمام الماطر
مولاي نور الدِّين عشت مسلِّماً ... في ظلِّ مملكة وعزِّ قاهر
ملكٌ تشرَّفت القضاة بذكره ... وثناه بين محافل ومنابر
لم يخل يوماً منبرٌ من خاطب ... يثني عليه ومحفلٌ من ذاكر
فالنَّاس كلُّهم بطيب ثنائه ... وبشكره من ناظم أو ناثر
فهو الَّذي شمل الأنام بعدله ... من بين باد منهم أو حاضر
ما للكسير إذا استغاث بجوده ... بين البريَّة غيره من جابر
فاسمع مقالة شهرزوريِّ غداً ... يربي على العلما بفضل باهر
أفديك نور الدِّين ليس بخاطر ... ما عشت ذكر سواكم من خاطري
واسعد بمقدمك المعظَّم سعده ... ....... الممالك كابراً عن كابر
/ ٢٧٠ أ/ وافعل كما فعل المقدَّس روحه ... في حقِّ داع حامد أو شاكر
وانعم بتحقيق الوعود وكن لنا ... عوناً على نوب الزَّمان الغادر
وانظر لنجلي عبدك الدَّاعي الَّذي ... يدعو إذا رقدت عيون السَّاهر
стр. 1147
يثنى على أوصاف مجدك مطنباً ... ما بين دانٍ واردٍ أو صادر
لا تتركنِّي في بلادك ضائعاً ... وانظر إلىَّ بباطن أو ظاهر
فتأخُّري لتألُّمي وتظلُّمني ... ولضيق ذات يدي وقلَّة ناصري
قد كان والدك السَّعيد معظِّماً ... قدري ومعترفاً بفضلي السَّائر
فاسمح وجد وانعم فصبري نافدٌ ... والله قد أوصى بحقِّ الصَّابر
واسلم ودم في نعمة وسلامة ... وجلالةٍ سامي الأوامر فوق كلِّ أوامر
[٤٤٨]
عليُّ بن محمَّد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن يوسف بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن سهم- من ولد عمرو بن العاص- القرشيُّ ثم السهميُّ، أبو الحسن بن أبي عبد الله، شهر بابن البيّانيّ الغرناطيّ الأندلسيّ.
شاعر من الفضلاء.
أنشدني أبو الفتح محمد بن بدر التبريزي- رحمه الله تعالى- قال:
/ ٢٧٠ ب/ أنشدني أو الحسن بن البيّاني لنفسه بإربل، قدمها في العشر الأولى من شعبان سنة ثلاثين وستمائة؛ مجتازاً إلى دار السلام؛ يمدح مولانا وسيدنا الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور- ﵁: [من الكامل]
حرم الخلافة قصد كلِّ ميمِّم ... ومحل موثوق العقيدة مسلم
شرفت قواعده فبان سماكنا ... في جوِّ قبَّة سمكه كالدِّرهم
وكأنَّما العافي الملمُّ ببابه ... يخطو إليه على جبين المرزم
دمنٌ سمت شرفاً مساكن أفقهاً ... من آل أحمد سرِّ صفوة آدم
أسنى الخلائف والخلائق محتداً ... وأجلهم ذكراً لدى نطق الفم
مستنصرٌ بالله في أفعاله ... ماضي العزيمة في المهمِّ المبرم
دار السلام لقاصديها قبلةٌ ... كالبيت من ...... يحجُّ ويخدم
شهدت ببهجتها به أمُّ القرى ... أو حلَّها فرهت بأشرف مبسم
والبيت يشهد بالفخار ... ثمَّ المقام مع الحطيم وزمزم
стр. 1148
وكذا المشاعر لم يزل يتلو بها ... آي المآثر كلُّ أشعت محرم
فيكم بني العبَّاس عصمة ديننا ... في عصرنا دار الزَّمان الأقدم
/ ٢٧١ أ/ أنتم خلائف ربِّنا في أرضه ... طرّاً ومن يأبى فليس بمسلم
وبفضلكم نطق الكتاب لأنَّكم ... آل النَّبي وفخركم لم يكلم
وإذا امروٌ جارت به سبل الهوى ... عن قصدكم يدعى بأجهل مجرم
فإذا استتيب فتاب كان مؤمَّناً ... وإذا أبى فمثابه سفك الدمًّ
إمام أهل الأرض بلِّغت المنى ... فمغرِّبٌ في طوعكم كالمشئم
وبلاد أندلسٍ أديلت دولةً ... لكم ببيعة مخلصٍ لم تكتم
شبَّ الوليد بها سروراً واكتست ... شرخ الشَّباب الشِّيب للمتوسِّم
فثغورها افترَّت لطاعة أهلها ... لله ثمَّ لكم بصدق مسلِّم
تبدو ...... خوارج قد اثقلت ... منهم ظهوراً بالنِّفاق المؤلم
واستبشروا بكمال نعمة دينهم ... ونعيم دنياهم وفيض الأنعم
ومليكهم سبعٌ بن هود مالكٌ ... منهم أزمَّة طاعة لم .....
ملكٌ بكم ملكت يداه مناقلاً ... بعدت عن الفتح الشِّداد الحوَّم
فأزارها أسداً وكان شعاركم ... خيلاً لها تحت العجاج الأقتم
وسما إليها بالسَّوابق شزَّباً ... تردي بكلِّ مدجَّج مستلئم
وأذاقها صدق الطِّعان فأذعنت ... بالطَّوع دون مهنَّد ومقوَّم
/ ٢٧١ ب/ يطوي البلاد بجحفل خلق الملا عن نحره الطَّامي العباب الخضرم
خفقت بنود سعودكم فيه على ... أعدائكم فاستسلموا للمغنم
ولقد غزا أرض الفرنج بعصة ... فطرت على دين النَّبيِّ الأقوم
فإمامهم مستنصرٌ ومليكهم ... متوكلٌ يا نصرهم لا تعدم
وإذا هم أمُّوا العدا صدموهم ... بالمشرفيِّ وكلِّ أسمر لهذم
وعليهم سرد الدِّلاص كأنَّه ... سيلٌ تلاطم في غدير مفعم
وطئت سنابك خيلهم هاماتهم ... والسَّيف يرسم أسطراً لم تفهم
واستعجلت قصد الوشيج عليهم ... حرقاً بها من قبل نار جهنَّم
وجرت مذانب من نجيع نحورهم ... فتحجَّلت شهب السَّوابق بالدَّم
стр. 1149
ملأوا الفلاة مجدَّلين تنوشهم ... عصب الوحوش وكلُّ نسر قشعم
فمياهها قد عافها متطهِّراً ... وترابها ما حلَّ للمتيمِّم
وقد استقام الدِّين في أقطارها ... شرقاً وغرباً والعدوُّ بمرغم
فالحمد لله المفيض عليهم ... بإمام أهل الحقِّ أسبغ أنعم
فشبابهم في غبطة ونساؤهم ... في حوطة وشيوخهم لم تهرم
نزلوا المنى لمَّا انجلت عن أرضهم ... ظلم الجهالة من زنيم مجرم
/ ٢٧٢ أ/ واستوضحوا نور الهدى وتيمّوا ... بالدولة الغرَّاء في ......
عمَّ البسيطة عدله فيكاد أن ... تلقى الذِّئاب مع الظِّباء بمجثم
لا زال سحب نوالهم تهمي على ... أهل الولاء بكلِّ نوء مثجم
وسيوفه تمسي رقاب عداته ... أجفانها يوم الوطيس الملحم
ورماحه في صدر كلِّ معاند ... أمضى وأنفذ من قضاء مبرم
يا ابن الأئمَّة من قريش أنتم ... خير البرايا والحمى لمتمِّم
قطب الدِّيانة والأمانة فيكم ... إرثٌ لكم من أكرمٍ عن أكرم
صلَّى على تلك العناصر ربَّكم ... وكساكم ثوب الفخار الأعظم
وأدامكم للمسلمين موطِّدي ... أديانهم بمثقَّف وبمخذم
وحباكم العمر الطَّويل تمتُّعاً ... وأمدَّكم نصراً بكلِّ مسوَّم
والدِّين والإسلام لمَّا استمسكا ... منكم بعرورة عصمة لم تفصم
فعلى مواقفكم أتمُّ تحيَّةٍ ... ما دام بيت الله قبلة مسلم
[٤٤٩]
عليُّ بن محمد بن حامدٍ، أبو الحسن البغداديُّ.
سافر عن مدينة السلام، ونزل آمد في أيام / ٢٧٢ ب/ الملك الصالح أبي الفتح محمود بن محمد مليكها؛ فلولّاه بها القضاء إلى أن مات بها وهو قاضٍ ولم يبلغ الأربعين؛ وكان قد أخذ من كلّ علم طرفاً حسناً.
أنشدني له أبو الفضل عمر بن علي بن هبيرة، حين خرج عن وطنه، وفارق أهله وبنتاً له صغيرة، وجلس على دجلة، وتذكر من فارقه، فأنشد لنفسه: [من السريع]
стр. 1150
لو صبَّ ما ألقى على صخرةٍ ... لذابت الصَّخرة من وجدها
أو ألقيت نيران وجدي على ... دجلة لم يقدر على وردها
أو ذاقت النَّار غرامي بكم ... لم تتوار النَّار في وقدها
لو لم ترجِّ الرُّوح روح اللِّقا ... لكان روح الرُّوح في فقدها
[٤٥٠]
عليُّ بن محمدّ بن يوسف بن قليج بن تكين خان بن محمود خان ابن إيل خان، أبو الحسن الموصليُّ المولد والمنشأ.
من ولد الأتراك الملقب بالمؤيد الجاندار.
كان جندياً بالموصل، ومستحفظ قلعتها في عهد الملك نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن زنكي وبعده/ ٢٧٣ أ/ لولده الملك القاهر عزّ الدين أبي الفتح مسعود.
وكان رجلاً عاقلاً من أهل الفضل والمعرفة بأخبار الناس وأيامهم، حسن الاقتصاص لها، وجمع كتاباً سمّاه ((مساهر السامر ومُّسامر الساهر)) يحتوي على أشعار وحكايات.
وكان مولده يوم الاثنين ثاني عشر شعبان سنة ست وأربعين وخمسمائة بالموصل، وتوفي بها عشية السبت تاسع عشر شوال سنة ست عشرة وستمائة، ودفن ظاهر البلد، بمقبرة الباب الكاري بالشرف الأعلى المطل على دجلة.
أنشدني أخوه أبو عبد الله محمد بن محمد؛ قال: أنشدني أخي لنفسه:
[من مجزوء الكامل]
يا أيُّها الغادي على ... عيرانةٍ أجدٍ أمون
أبلغ بهاء الدِّين شوق متيَّم قلق حزين
وأخبره أنَّ فراقه ... عندي أشدُّ من المنون
стр. 1151
وأنشدني؛ قال: أنشدني أخي لنفسه؛ وهي ذات وزنين وقافيتين: [من الكامل]
أمجاور البيت العتيق وتاركي رهن الصَّبابه ... ما إخالك منصفاً
/ ٢٧٣ ب/ إمنن عليَّ بأوبة تحي الكئيب من الكآبة ... فالعدوُّ قد اشتفى
[٤٥١]
عليُّ بن محمد بن سديرٍ، أبو الحسن المدائنيُّ الطبيب.
كان له يد في علم الطب والمعالجة خيراً، وكان دمثاً مداعباً مطبوعاً، يتشيع مفرطاً، ولي حسبة المدائن سنة تسعين وخمسمائة. توفي بالمدائن فجأة في العشر الآخر من شهر رمضان سنة ست وستمائة.
ومن شعره؛ قوله: [من الطويل]
أيا منقذي من معشر زاد لؤمهم ... فأعيا دوائي واستكان له طبِّي
إذا اعتلَّ منهم واحدٌ فهو صحَّتي ... وإذا ظلَّ حيّاً كدت اقضي به نحبي
أداويهم إلاَّّ من اللُّؤم إنَّه ... ليعيي علاج الحاذق الفطن الطَّب
وقال أبو الحسن القطيعي، أنشدني علي بن سدير لنفسه ببغداد سنة تسعين:
[من الرمل]
هاجه السِّرب الَّذي عنَّ لنا ... بين جرعاء اللِّوى والمنحنى
ورمته العين من آرامه ... أسهماً متَّخذاً أعيناً
/ ٢٧٤ أ/ يا ديار الحيِّ من أين لنا ... مثل أيَّامك من أين لنا
أتمنَّى والأماني ظلَّةٌ ... أن أرى ذاك الكثيب الأيمنا
ولقد أهوى إلى نجدٍ وإن ... لم تكن نجدٌ لأهلي وطناً
стр. 1152
[٤٥٢]
عليُّ بن روح بن أحمد بن الحسن بن عبد الكريم، أبو الحسن بن أبي طالبٍ.
هكذا قرأت نسبه بخطه، النهرواني المعروف بابن الغباري.
كان مولده سنة سبع وثلاثين وخمسمائة بالنهروان، ورد مدينة السلام، وسمع بها الحديث، وأخذ الفقه عن أبي النجيب السهروردي؛ وقرأ الأدب على أبي الحسن علي بن عبد الرحيم بن العصَّار اللغوي، وروى الخطب النبهانية عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن نبهان الرقي الغنوي، وسمع المقامات الحريرية على أبي الفضل منوجهر محمد بن تركانشاه البغدادي.
وتولّى القضاء بها، في عهد الإمام أمير المؤمنين الناصر لدين الله- ﵁ وعزل عن القضاء، وتوفي يوم الأربعاء منتصف رمضان سنة خمس عشرة وستمائة؛ وكان فقيهاً/ ٢٧٤ ب/ شافعي المذهب؛ فاضلاً ديناً صدوقاً ثقة.
له شعر، وكان يتكئ عند كبره على عصا، ومن شعره: [من مجزوء الرجز]
إنِّي إذا هلَّ رجب ... في تعب وفي نصب
أمشي على ثلاثة ... أصحُّ ما فيها الخشب
من عادة بغداد إذا هلَّ رجب، يخرج الفقهاء والعلماء والصوفية وغيرهم من ذوي العلم، ويبيتون في الرصافة عند قبور الخلفاء- ﵃ ويقرأون القرآن ويعقد مجلس الوعظ هنالك، وكذلك أيضاً في النصف من شعبان؛ فهذا معنى قوله: ((إذا هلَّ رجب)).
وقال أيضاً: [من الطويل]
стр. 1153
وقد كنت أشكوك الحوادث برهةٌ ... واستمرض الأيَّام وهي صحاح
إلى أن تغشَّتني وقيت حوادثٌ ... تحقِّق أنَّ السَّالفات منائح
[٤٥٣]
عليُّ بن مسلم بن كاملٍ/ ٢٧٥ أ/ أبو الحسن الموصليُّ، العدل.
كان قد قرأ شيئاً من العلم، وقال شعراً كثيراً، أدركت آخر أيامه، وهو شيخ مسنّ بالموصل، يكتب بها الشروط بالأجر، ولم آخذ عنه شيئاً.
رأيت من شعره قصيدة؛ أنشدنيها بعض المعارف، يمدح بها القاضي محيى الدين أبا محمد حامد بن محمد بن عبد الله الشهرزوري: [من الكامل]
عج بالقلوص على المحلِّ الماحل ... وسل الطُّلول عن الخليط الرَّاحل
واستوقف الأطلال ربة وقفة ... جادت على الصَّبِّ الكئيب بنائل
واسكب دموعك في عراص أقفرت ... وعفت معالمها كجسمي النَّاحل
واستبدلت من كل َّ ريمٍ آنسٍ ... حال باخر نافرٍ بعاطل
ماذا يؤمِّل مجتد من مانع ... رفدّاً ويرجو طالبٌ من باخل
يا عاذلي لو كان عندك بعض ما ... يلقاه قلبي كنت عاذل عاذلي
كفَّ الملام فما أصيخ للائم ... ما ذاق طعم هوّى غبيٌّ جاهل
من منصفٌ لي من ظلوم حاكم ... أو آخذٌ لي من مليٍّ ماطل
غرث في بحر الغرام بمهجتي ... أبغي رضاه فما حصلت بطائل
أنا بين أعطاف تميس وأعين ... ترنو قتير بواتر وذوابل
وأهيم من وجديٌ عليه فمن رأى ... يا قوم مقتولاً يهيم بقاتل
/ ٢٧٥ ب/ يرمي القلوب بأسهم من لحظة ... وكأنّ مقلته كنانة نابل
قد بلبلت البابنا الحاظه ... فكأنَّ سحر جفونه من بابل
وكأنَّ قسوَّة قلبه من يذبلٍ ... وكأنَّ حسن قوامه من ذابل
سقمي من الطَّرف السَّقيم وادمعي ... سالت على ذاك العذار السَّائل
أخفقت حين نصبت أشراكي له ... فاعتاق قلبي حين فات حبائلي
стр. 1154
فعلمت أنَّ الدَّهر يبغي نصره ... فيما أرادوا وأنَّ دهري خاذلني
فطفقت أسأل الورى عن ماجد ... جمِّ العطار رحب الفناء حلاحل
أشكو إليه جور دهر باسلٍ ... أنحى عليَّ بكلكل وبكاهل
فوجدت محيي الدِّين أسخاهم يداً ... تندى وأدفعهم لخطَّب نازل
سمحٌ إذا خانوا، حكيمٌ إن هفوا، ... قوَّال محكمةٍ، زعيم محافل
فذكرت حين رأيت شمس عطائه ... في ليل منعهم مقال القائل
أفلت نجوم المكرمات ونجمه ... للطالبين تراه ليس بافل
ومنها يقول في آخرها:
الله اسأل أن يديم بقاءه ... فتدوم لي نعمي إذا أبقاه لي
تمَّ الجزء الخامس
ويتلوه في السادس إن شاء الله تعالى من اسمه علي
стр. 1155
/١ ب/ بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
[تتمة حرف العين]
[تتمة ذكر من اسمه علي]
[٤٥٤]
عليُّ بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى بن أحمد بن محمد بن إسحق بن محمدٍ بن ربيعةً بن الحارث بن قريش بن أبي أوفى بن أبي عمرو بن الحكيم بن الجبير بن عادية بن حيّان بن معاوية بن تيم [بن] شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليِّ بن بكر بن وائلٍ، أبو الحسن القفطيُّ.
القاضي الأكرم بن القاضي الأشرف أبي علي نزيل حلب، الكاتب الوزير أحد
стр. 1156
الكتاب المشهورين، والفضلاء المذكورين، جمّ الفضل، كثير النبل، عظيم القدر، واسع الصدر، يعرف كل فنّ من فنون العلم كالنحو واللغة والفقه والحديث وعلم القرآن والمنطق والأصول والرياضة والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل. فما فاتحه أحد في فنّ من هذه الفنون على الإطلاق إلَّا وقام به أحسن قيام.
ثم إنّه عاليّ الهمة في تحصيل الكتب النفيسة وإقتنائها، مبالغٌ في أثمانها، راغب في تصحيح أصولها، ولم ير في زماننا أحد /٢ أ/ من الوزراء، حصل مثل الكتب التي حصّلها وحازها.
ولي الوزارة أوائل سنة أربع عشرة وستمائة، وبقي إلى أن كانت سنة ثمان وعشرين وستمائة، خرج الأمر عن طغريل الخادم شهاب الدين، واستقلّ -السلطان الملك العزيز- بالملك. وكان قد وعد ابن خطيب القلعة بالوزارة في أيام الصِّبا، فلما ولي الأمر أراد أن يقوم بوعده، فولّاه وأحسن إليه إحسانًا زائدًا. وبقي مدة خمس سنين، فبدت منه أمور قبيحة وأصله من قرية ..... من أعمال ......
وكان معلمًا لأولاد الأمير شمس الدين لؤلؤ، فلما ظهر للملك ما ظهر عزله وحبسه؛ وعاد الحق إلى أهله، واستحضر الوزير الصاحب الكبير الإمام العالم جمال الدين أبا الحسن علي المذكور، وخلع عليه، وفوّض إليه الأمور، فظهر منه للناس ما كان معروفًا به من الإحسان والعدل ومحاققة النواب، واستخلاص الأموال من وجوهها من غير عسر ولا ظلم.
صنَّف كتبًا كثيرة منها: "كتاب الضاد والظاء" وهو ما اشتبه في اللفظ، واختلف في الخط. وكتاب "الدرّ الثمين /٢ ب/ في أخبار المتيَّمين" وكتاب "من ألوت الأيام عليه فرفعته ثم التوت عليه فوضعته"، وكتاب "أخبار المصنِّفين وما صنَّفوه" وكتاب "أخبار النحويين" سمّاه: "إنباه الرواة في أنباه النحاة" وكتاب "تاريخ مصر من ابتدائها إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵁" في ستّ مجلدات. وكتاب "تاريخ المغرب ومن تولّاها من بني تومرت"، وكتاب "تاريخ اليمن منذ اختطّت إلى الآن" وكتاب "المحلَّى في استيعاب وجوه كلا"، وكتاب "الإصلاح لما وقع من الخلل في كتاب الصحاح لأبي نصر الجوهري"، وكتاب "الكلام على الموطَّأ"، لم
стр. 1157
يتمّه، وكتاب "من تاريخ أبي القاسم محمود بن سبكتكين الملقب يمين الدولة وبينه إلى حين الانفصال عنهم". وكتاب "تاريخ السلجوقية - منذ ابتداء أمرهم إلى نهايته"، وكتاب "الإيناس في أخبار آل مرداس"، وكتاب "الردُّ على النصارى وذكر /٣ أ/ مجامعهم"، وكتاب "مشيخة أبي اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي البغدادي"، وكتاب "نزهة الخاطر ونزهة الناظر في أحاسن ما نقل من ظهور الكتب"، وكتاب "إسعاف الصديق لما في حائيا من التحقيق".
وكانت داره مألف أهل الفضل وأرباب العلم. وكان مولده في أحد الربيعين سنة ثماني وستين وخمسمائة، بمدينة قفط من الصعيد الأعلى وبها قبر قبط بن بيصر بن سام بن نوح. وكان منشؤه بالقاهرة المعزِّيَّة؛ خرج إلى مدينة حلب وصاحبها الملك غازي غياث الدين يوسف بن شاذي -رحمه الله تعالى-.
ومن شعره قرأته عليه -أيده الله تعالى- بكرة يوم الاثنين الثامن والعشرين من رمضان بحلب على باب قلعتها المحروسة سنة أربع وثلاثين وستمائة: ] من السريع [
ضدَّان عندي قصَّرا همَّتي ... وجهٌ حييٌّ ولسانٌ وقاح
إن رمت أمرًا خانني ذو الحيا ... ومقولي يطمعني في النَّجاح
فأنثنى في حيرةٍ منهما ... لمخلبٍ ماضٍ وما من جناح
/٣ ب/ شبه جبانٍ فرَّ من معركٍ ... خوفًا وفي يمناه عضب الكفاح
وقال أيضًا: ] من السريع [
شيخٍ لنا يعزى إلى منذرٍ ... مستقبح الأخلاق والعين
(من عجب البحر فحدِّث به ... بفرد عينٍ ولسانين)
مضمّن لفخر الدين ابن الدهان.
стр. 1158
ووجدت للوزير الصاحب القاضي الأكرم جمال الدين أبي الحسن علي بن يوسف القفطي -أدام] الله [ظلاله- قوله يمدح الملك المعظم عيسى بن العادل -صاحب دمشق-: ] من الكامل [
أخبت برودتها الغداة نفوسا ... لعسًا مراشفها تزيل البوسا
هيفاء ما ماست لدى إنزالها ... إلَّا أرتك أهلَّةً وشموسا
يغنيك عن بدر التَّمام جبينها ... ورضابها يحكي بفيك كؤوسا
إن لاحظت جرحت بفاتر لحظها ... قلبًا وإن نطقت فجرحٌ يوسى
ما عاين العشَّاق نار خدودها ... إلَّا وأضحوا بالخضوع مجوسا
ففدى البريَّة نفسها بنفوسهم ... ومراد هندٍ أن تضيع نفوسا
/٤ أ/ لمَّا تحقَّقت إنصرام وصالها ... ورأيت حظِّي عندها منحوسا
أجفلت إجفال الظَّليم مسافرًا ... أهوى الرَّحيل وأكره التَّعريسا
حتَّى أنخت بباب سلطان الورى ... حقًّا وزرت جنابه المحروسا
السَّيِّد الملك الهمام ومن غدا ... ربع الوفود ببذله مأنوسا
أحيا لنا ما مات من آمالنا ... وكأنَّ عيسى في البسيطة عيسى
عرِّج على محيي الموات وخلِّني ... من طبِّ بقراطٍ وجالينوسا
نشر العطاء لقاصديه وغيره ... تجد العطاء ببابه مرموسا
ليثٌ إذا زأرت أسود عرينه ... خلت الملوك أرانبًا ونموسا
كم وقفةٍ لك في الصَّريخ وقفتها ... فملكت فيها سائسًا ومسوسا
وقذفتهم بسهام جيشك جاهدًا ... قذف الكواكب في الدُّجى الميسا
ظلَّ البنود ..... ضلالهم ... وصليل سيفك أخرس النَّاقوسا
تلقى الحروب وصبح وجهك مسفرٌ ... إسفار مستجلٍ لديه عروسا
أنتم ملوك الأرض نجل مليكها ... أعطيتم التَّبجيل والتَّقديسا
فليهن سيف الدِّين وما وليه ... من ملك وولاه بنيه الشُّوسا
بالشَّام عيسى مالكٌ ومحمَّدٌ ... بديار مصر وفي خلاطٍ موسى
стр. 1159
/٤ ب/ ملكٌ غدت في حضرموت يمينه ... ويساره سارت إلى تفليسا
جمعت لكم أرض البطالسة الألى ... وبلاد كنعانٍ إلى بلقيسا
هذا هو الملك الأثيل فمن له ... نفسٌ يعرض للنَّفيس نفيسا
يا مالك الدُّنيا ويا نجل الَّذي ... فات العقول ..... التَّقييسا
وثنًا فجلَّ عن المديح ولم يجد ... مثلًا يقاس به إذا هو قيسا
ورقى إلى العلياء منفردًا بها ... فأحلَّ إكبار الملوك رسيسا
أأكون عبدكم ورقَّ ولائكم ... وأرى بكفِّ الحادثات فريسا
أسر ابن شكرٍ أسرتي وأباد من ... خضرائهم متمكِّنًا مغروسا
ففررت لمَّا خفت جائر حكمه ... وخشيت منه عقله المعلوسا
وبقيت في أسر الخطوب مهيِّمًا ... آوي الخراب وأسكن النَّاووسا
وعدمت في الأرض الَّتي استوطنتها ... المأكول والمشروب والملبوسا
حتَّى خفيت عن البصير نحافةً ... ولقد رئيت مجسَّدًا محسوسا
فأقل عثاري يا ابن من منح الورى ... من عفوه التَّفريج والتَّنفيا
وأذن لعبدك في الرُّوجوع فإنَّه ... بجناب غيرك يعدم التَّأنيسا
واجعله وقفا للدُّعاء وإن تشأ ... مدحًا جلى التَّطبيق والتَّحبيسا
/٥ أ/ حتى تراه على المنابر منشدًا ... وترى الحداة به تحثُّ العيسا
واسلم تر الدُّنيا بكفِّك أمرها ... وتر الزَّمان براحتيك حبيسا
ومن شعره ما قاله في الشيخ العالم الأديب تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي: ] من المتقارب [
إذا عمرو دهري أسدى إليَّ ... مكاره أفعاله المولمه
ندبت إلى ضربه زيده ... إمام الأنام فتى المكرمه
أتانا وأفكارنا سذَّجٌ ... فأضحت بعلمٍ له معلمه
وقرَّب عهد نبيِّ الهدى ... بعالي أسانيده المحكمه
وأفصح عن غامضات العلوم ... وأين البيان من الحمحمه
وقوَّى أدلَّة قول النُّحاة ... وكان أخو النَّحو ذا مفحمة
ترى في معانيه فصل الخطاب ... ومن غيره تسمع الهمهمه
стр. 1160
بألفاظه توضح المشكلات ... إذا الغير فرَّ إلى الهينمه
فلا حقَّ إلَّا الَّذي قد روى ... ولا علم إلَّا الَّذي أحكمه
بمعلومه شدَّ ..... الكلام ... كما شدَّت الكفُّ بالبرجمه
علمت حقائق كلِّ العلوم ... وغيرك من شأنه الخضرمة
/٥ ب/ لك الخير إنِّي أسير الزَّمان ... يعاهد حالي بالدَّمدمه
وإن لم تجر جار في حكمه ... وجرَّعني من حماه حمه
فعطفًا عليَّ مليك الزَّمان ... هزبر العرين أخا الملحمه
أبا الفتح عيسى خليل النَّدى ... معظَّم ذا العصر ما أعظمه
أبا اليمن جدلي بأهل اليمين ... ولا تتركَّني في المشأمه
وتوصي فديتك عنِّي الخبير ... ومن يعتري لفظه غمغمه
وأنت الخبير بكل الأمور ... لك العلم بين البرايا سمه
مغش آمنًا من صروف الخطوب ... معافى الشَّمائل من مهرمه
وقال يمدح الملك الظاهر غياث الدين من قصيدة مطلعها: ] من السريع [
لا مدح إلَّا لمليك الزَّمان ... من المنى في بابه والأمان
غياث دين الله في أرضه ... إن أخلف البرق وضنَّ العنان
فالضُّرُّ مصروع بساحاتها ... واليسر سامٍ في ظهور الرِّعان
وراحتاه راحة للورى ... على كريم الخلق مخلوقتان
فكفُّه اليمنى لبسط الغنى ... وكفُّه اليسرى لقبض العنان
/٦ أ/ تعرب في الهيجاء أسيافه ... عن حركاتٍ مثل لفظ اللِّسان
ومنها، يقول في ولديه:
بدران بل شمسان ما يكسفان ... روحان للملك وريحانتان
لؤلؤتا بحرٍ وإن شئت قل ... يا قوتتا نحرٍ وعقدا لبان
следующие страницы →