Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
والجسم في سقم يحكي شبا قلمٍ ... والرُّوح في نقم من حيث ما ساروا
فالعين تطلبهم والقلب يرقبهم ... والبين يحجبهم والدَّهر غدَّار
ساروا على عجل والقلب في وجل ... وفي سويدائهم من مائه نار
لم أنس أنسي بهم أيَّام وصلهم ... وهم على الهجر أعوانٌ وأنصار
ونحن في صفو عبش لا يكدِّره ... من الرَّقيب مقالاتٌ وأكدار
حتى رماني النَّوى منهم بما عجزت ... عنه القوى ورثى لي الأهل الجار
/٩٢ أ/ وأنشدني، قال أنشدني لنفسه: [من الوافر]
تولَّت بهجة الدُّنيا بقوم ... لسوء الحظِّ جاء بهم قران
إذا مارمت علمًا نلت جهدًا ... لديهم حيث يعتبر العيان
وإن حاولت منهم صدق قومٍ ... فكلُّهم إذا حاولت خانوا
كلامهم كلامُ في فؤادي ... فليتهم من الاقطار بانوا
ولد هذا عمر سنة سبعين وخمسمائة، وتوفي سنة عشرين وستمائة بماردين. وكان إليه عمالة وقف الجامع بماردين. وكان طبيبًا فيلسوفا منجمًا، وروى الحديث ورحل في طلب الحديث، وسمع شيئًا كثيرًا. وصنف لدنيسر كتابًا سمّاه: "حلية السريين في خواص الدنيسريين". وصنف كتابًا آخر سماه: "رموز الكنوز في علم النشأة" وسماه علم الحق. وصنّف كتابًا في الحديث سمّاه: "الثمانيات" روى كثيرًا من كتب القراءات. وكان شافعي المذهب.
[٥٣٧]
/٩٢ ب/ عمر بن محمَّد بن عمر بن محمد بن أبي نصرٍ، أبو حفصٍ الفرغانيُّ.
هو من مدينة يقال لها "أندكان" من بلاد فرغانة.
стр. 1367
كان شيخًا فقيهًا حنفيًا صوفيًا، يعرف الأصول والخلاف، ويفهم النّحو والعربية.
رحل إلى مدينة السلام فولاه أمير المؤمنين المستنصر بالله تدريس المدرسة الجديدة التي أنشأها على دجلة، وجعلها على الأربعة المذاهب. يدرّس فيها فقه الإمام أبي حنيفة –﵁ وذلك في رجب سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ولم يزل يدرّس بها إلى أن مات يوم السبت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن بجانب الشرقي في مقابر أبي حنيفة؛ وهو أول من درس فيها الفقه على المذهب الحنفي.
وروى شيئًا من الحديث على الحافظ أبي بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الحازمي الحافظ، وغيره. وكان يقول شعرًا متوسطًا ينظمه في أغراض يتفق وقعها، أو أسباب مختلفة، وأحوبة كتب /٩٣ أ/ كانت ترد عليه من أصدقائه وأخوانه الذي يكاتبونه؛ ولم يكن من المسترفدين بالشعر، ولا صنعه لأجل جائزة أبدًا. وكان يتجول في الأقطار، ويخترق البلدان ويكثر الإقامة في المدن. أذهب جدَّة عمره في السفر. وكان كل مدينة ينزل بها يقبل عليه أماثلها وصدورها وأعيانها ويقربونه ويستفيدون منه ويكرمونه؛ فلذلك لا نجد في شعره إلاَّ مكاتبة كتاب ورد عليه من صديق أو .... به في سماع كان يحضر مع هؤلاء، فيقول على ذلك ... ز أما ما يقارن تلك الأجناس ويناسبها.
وله ديوان يدخل في جلد استفرغه في المعاني التي سبق ذكرها آنفًا. وكان متفننًا في كل فضل، فقيهًا حنفيّا نحويًا فاصلاً أصوليًا.
أنشدني أبو الثناء محمود بن فضل الله بن أحمد بن أسعد الهمذاني الصوفي، قال: أنشدوني أبو حفص عمر بن محمد الفرغاني لنفسه: [من الرجز]
يا صاحبي إلى م أتت صاحي ... من سكر هوى وسكر راح
لا تحل من الصَّبوح يومًا ... من خمر مراشف الصِّباح
/٩٣ ب/ العشق طريقه التَّرقي ... والسُّكر حقيقة الفلاح
стр. 1368
لا تعتقدنَّ فسادًا ... هذا هو غاية الصَّلاح
وأنشدني جعفر بن محمد الخسرسابوري، قال: أنشدني عمر بن محمد الفرغاني لنفسه: [من الرمل]
(أترى يقنيه عن قسوته ... خذُّه الذَّائب من رقَّته)
ويروِّى غلَّة من عاشق ... بالزُّلال العذب من ريقته
ويداوي علَّة من وامق ... من أساراه وفي ربقَّته
(قمرٌ لا فخر للبدر سوى ... أنَّه صيغ على صورته)
يا لطيفًا حيَّرت ألطافه ... قلبي المجبور في غربته
أعط من أهواه ما أهوى له ... من دوام العمر في دولته
وأنل من أشتكى قسوته ... رق تثنيه عن قسوته
وأنشدني القاضي الإمام ابو القاسم عمر بن أبي الحسن الحلبي –أيده الله تعالى- قال: أنشدني أبو حفص الفرغاني لنفسه يتشوق بعض الأخوان: [من الكامل]
الله يعلم أنَّني مشتاق ... شوقًا تضيق له بي الآفاق
/٩٤ أ/ لو رمت أشرح بعضه بصحائفي ... لاستنفد الأقلام والأوراق
أرجو وأحيا بالرَّجاء تلافيًا ... ما تنطفي إلا به الأشواق
لازلتم للمكرمات شموسها ... حتَّى يدوم بكم لها الإشراق
وعليكم مني تحايا عاشق ... ما يقتدي إلاَّ به العشَّاق
وله وقد دخل عليه محمد بن الرفاعي، فصبّحه، وكان مساءًا غلطًا، فقال ارتجالاً: [من الطويل]
أتاني مساءً نور عيني ونزهتي ... ففرَّج عنِّي كربتي وأزاحا
فصبحته عند المساء لأنّه ... بطلعته ردَّ المساء صباحا
وقال أيضًا: [من الكامل]
стр. 1369
عاد الحبيب كما بدا متعطفًا ... وأنار نور جماله ظلم الجفا
وأعاد روح وصاله روحي إلى ... جسم أضرَّ به الفراق وأتلفا
جارت عليَّ الحادثات لجوره .. في ظلمهنَّ وأنصفت إذ أنصفا
فله المحامد ما ترنَّم طائرٌ ... وشكا الجفاء متيَّم ألف الوفا
وقال أيضًا بديهة في صديق له على سبيل البسط والتأنيس وقد دخل /٩٤ ب/ عليه، ويلقب بالنجم. وكانوا في بستان صفي الدين بن الموفق: [من الطويل]
رجمنا أكاذيب الظُّنون بصادق ... من العلم صاف لم يشب صفوه الرَّجم
وصرنا هداة مهتدين إلى الهدى ... وكنَّا حيارى بعدما طلع النَّجم
وأصفى صفيُّ الدِّين منَّا قرائحًا ... ...... على ورَّادها النَّثر والنَّظم
وأضفى علينا أنعما جلَّ قدرها ... عظامًا تولَّى شكرها اللَّحم والعظم
وقال أيضًا فيه: [من السريع]
فضللت هذي العلم بعد الهدى ... مذ غاب عن ناظري النَّجم
وهكذا الساري بظلِّ الهدى ... إن غاب عن ناظره النَّجم
وقال يرثي الزعيم المغنّي: [من الكامل]
مات الزَّعيم ومات بعد مماته ... وجدٌ وجدت حياته بحياته
شاد لطيف النَّعت في سكناته ... حاد خفيف الرُّوح في حركاته
ذو نغمة تحيي النفوس كأنَّما ... أنفاس عيسى أودعت نغماته
اللُّطف كلُّ اللُّطف بعض نعوته ... والظَّرف كلُّ الظَّرف بعض صفاته
بلغ النِّهاية في الغناء وكان أعظم آية لله من آياته
/٩٥ أ/ مذ أخلق الأيَّام جدَّته غدا ... يذري عليها باكيًا عبراته
مازال يبكي حسرةً لشبابه ... حتَّى أتاه الموت من حسراته
كم عاش أخوف خائف من موته ... من مات آمن آمن لوفاته
فسقى الإله ثراه سفيا رحمةٍ ... وأحلَّه الفردوس من جنَّاته
وقال من صدر مكاتبة: [من الكامل]
يا معرقين تحمَّلوا حييتم ... عنِّي تحيَّة مشئمٍ مشتاق
стр. 1370
ألف السُّهاد جفونه إلف الكرى ... جفن الميتَّم أعين العشَّاق
وقال وقد خرج يومًا إلى ضواحي الجزيرة العمرية، فمّر بواد يعرف بسقلان، وهو واد ذو أبنية وأشجار وانهار، فتذكر من كان فيه من القدماء، وأنشد بديهًا:
[من الهزج]
سبى قلبي سقلاَّن ... فما لي عنه سلوان
مكانٌ فيه أهنى العيش لو ساعف إمكان
وواد فيه أشجارٌ ... وأنهارٌ وغدران
/٩٥ ب/ وأزهارٌ وأنوارٌ ... وأطيارٌ وألحان
ومنثر ونسرينٌ ... وحوذانٌ وريحان
ومسلاةٌ عن الأوطان لو شاقتك أوطان
وملهاةٌ عن الأشجان إن الهتك أشجان
وأصحابٌ واحبابٌ ... وإخوانٌ وخلاَّن
ولكن أين أقوامٌ ... به من قبلنا كانوا
تذَّكرناهم فيه ... عماراتٌ وبنيان
فكم ضاعت لهم فيهنَّ أوقاتٌ وأزمان
وآمال وأموالٌ ... وأعمال وأعيان
فأحياهم وحيَّاهم ... ملثُّ القطر هتَّان
وعمَّهم من الرَّحمان غفرانٌ ورضوان
وقال فيه أيضًا: [من الهزج]
سقى وادي سقلاَّن ... حيًا يهمي كأجفاني
على ناء عن العين ومن قلبي الشَّجا داني
على من هجره باق ... ولكن وصله فاني
/٩٦ أ/ أتاني طيفه وهنا ... فأحياني وحيَّاني
وقال في الغزل: [من السريع]
يا مخلفَّا بالوصل ميعادي ... ومنجزًا بالهجر إبعادي
стр. 1371
أسقيت بالمبعد يا مسعدي ... بالقرب إن آثرت إسعادي
خوفي من الحسَّاد أن يشمتوا ... لا تشمتن بالله حسَّادي
أصبحت من مرضاك أرضى بأن ... تصبح يومًا بعض عوَّادي
فديت من أصبح في أسره ... وليس لي من أسره فادي
ودِّي أن أحظى بتقريبه ... وودُّه طردي وأبعادي
وحضر في سماع، فأنشد المغني: [من السريع]
نديمتي جاريتي ساقيه ... ونزهتي ساقيةٌ جاريه
فسئل إجازته، فقال مرتجلاً: [من السريع]
في روضة أبهج أقطارها ... أزهارها الزَّاهرة الزَّاهيه
وجنَّةٌ زيَّن أشجارها ... ثمارها السانعة الدَّانيه
شائدة أركان عيشي بها ... ألحان أطيار بها شاديه
راضيةٌ شاركةلإ ربَّها ... ساكنها في عيشة راضيه
/٩٦ ب/ ماضيةٌ أحكام أخوائها ... بالسَّعي في أيَّامها الماضيه
قاضيةٌ أن ليس يقضى على ... من حلَّ فيها أبدًا قاضية
وأنشده الأمير شمس الدين تابكين –حين ودّعه بالبصرة- البيتين الأخرين، فقال مجيزًا لهما: [من الوافر]
بنفسي من .... سيأتي .... في ملكه .... عناني
وبشرني بشاشته ضحّى ... وبلَّغني بلاغته الأماني
فريدٌ في الفصاحة والبيان ... وحيد ماله في النَّاس ثاني
يبدِّد جوده بدر العطايا ... وينظم لفظه درَّ المعاني
توحده بأنواع المعاني ... عنان .......................
وبدَّل بالسرور مقيم غمَّي ... وخوفي من زماني بالأماني
فشكر عطائه ......... ... ونشر ثنائه قد صار شاني
وكنت أعظِّم الأخبار عنه ... فصغَّر ما سمعت به عياني
... عنه وقلبي ... أسسير هواه في معناه عاني
стр. 1372
وودَّعني وأودعني غرامًا ... يقصِّر عن حكايته لساني
وأنشدني وقد أزف التنائي ... وحار بغربها شمس التَّداني
/٩٧ أ/ أودعكم وأودعكم جناني ... وأنثر ادمعي نثر الجمان
وإتَّي لا أطيق لكم فراقًا ... ولكن هكذا حكم الزَّمان
وقال، وكتب بها إلى الملك العظيم مظفر الدين –صاحب إربل- مصدر شفاعة لبعض الاخوان: [من الخفيف]
يسأل الله خاضعًا في سؤاله ... مخلصًا في دعائه وأبتهاله
رافعًا كفَّ ذلَّة وخضوع ... وإنكسار إلى جناب جلاله
أن يلقِّي مظفَّر الدِّين في الدِّين ودنياه منتهى ىماله
المليك الَّذي الملوك جميعًا ... من مماليكه وبعض عياله
ويوقِّيه ما يخاف ويخشى .. من أذاه في حاله وماله
ويجازيه عن جميع مساعيه لمرضاته جزيل نواله
وبرقِّيه من منازل زلفاه ذراها مع النَّبي وآله
وقال وهو صدر كتاب، كتبه شفاعة في حق بعض أصدقائه: -[من الرمل]
/٩٧ ب/ ...... أيَّامًا مضت ... ولا حكام المنى فيما مضى
ولياليها التَّي .... ... من تكاليف الحياة الغرضا
في اجتماع لسماع نشره ... ينشر الموتى ويشفي المرضا
ما وجدنا مذ فقدنا .... ... عن لذيذ العيش فيه عوضًا
وسقى دارًا سقانًا أهلها ... من مراضي الله كاسات الرَّضا
وأرانا بعد يوم أسود ... بالنَّوى للقرب يومًا أبيضا
وحسامًا للمنى أغمده البين بالوصل المهنَّا المنتضى
وقال في العيد: [من السريع]
قد ذهب الغمُّ وجاء السُّرور ... وأقبل الكأس علينا يدور
كأسًا كست .... ... من بعد ثوب الغم ثوب الشُّرور
إذا جلوها في ظلام الدَّجى ... كانت لهم فيه ضياء ونور
стр. 1373
ينشرهم موتى شذا نشرها ... كأنَّ يوم النَّشر يوم النُّشور
ودَّعنا الصَّوم وداع الرِّضا .. وعاد بالأفراح عيد الفطور
فانتهزوا فرصة إمكانكم ... وبادروا فيها انقلاب الأمور
واعتنموا غرَّة دنياكم ... فإنَّما الدُّنيا متاع الغرور
/٩٨ أ/ وقال يتشوق بعض أخوانه: [من الكامل]
طال الفراق وطالت الأشواق ... وامتدَّ نحو لقائك الأعناق
يا نور أحداق الورى لا فارقت ... أنوارها بفراقك الأحداق
يا شمس آفاق العلا لا أظلمت ... يومًا بغيبة شمسها الآفاق
لازلت مشرق شمس رأي مشرق ... الشَّمس من إشراقه إشراق
ونفيت بالبأس المخوف وبالنَّدى ... في كفِّك الآجال والأرزاق
ما سرَّ من بعد الفراق تواصلٌ ... أو ساء من بعد الوصال فراق
وقال في الربيع وارتياحه بأزهاره: [من الكامل]
قدم الرَّبيع قدوم من تهواه ... حيَّاه محيي قطره حيَّاه
وجلا على أسرارنا أنواره ... إذا أشرقت أنوار من تهواه
وافترَّ مبسم كلِّ نور ضاحكًا ... فرحًا بعابس من به وبكاء
وأعاد ميت التُّرب حيَّاً ناطقًا ... سبحان منطقه ومن أحياه
وكتب صدر كتاب إلى أهله، وهم بالعراق: [من الكامل]
/٩٨ ب/ أحبابنا لا تحسبونا بعدكم ... ..........................
فلقد حللتم بالسَّرائر منزلاً ... ما حل فيه ولن يحلَّ سواكم
أبكم من الشَّوق المبِّرح ما بكم ... حاشاكم ممَّا بنا حاشاكم
وترى يجود ماننا بوصالكم ... فتروننا بعيونكم ونراكم
لابدَّ أن نرعى رياضًا أمرعت ... بعد التَّنائي في حريمٍ حماكم
وقال وقد غنى المغنى أبياتًا في المعنى، فسئل إجازتها: -[من الرمل]
أيُّ سرِّ لي ما اظهره ... شادنٌ سفك دمي أضمره
وسبى قلبي ولم أدر به ... طرفه السَّاحر ما أسحره
стр. 1374
طلَّ خداه دمي واعترفا ... ما يخاف الله من أنكره
مستحلٌ دم من يعشقه ... مؤمنًا بالله ما أكفره
كل سكران يرجَّى صحوه ... غير صبَّ حبُّه أسكره
كيف أنساك حبيبًا قدره ... جلَّ أن أنساه أو أذكره
قال في غرض له: [من الكامل]
هل عائدٌ زمن الوصال الماضي ... حتَّى أنال بعوده أغراضي؟
/٩٩ أ/ وتقرُّ عيني بالاحبَّة نظرةً ... فرحي بها يشفي به أمراضي
ويعيد سعدى مقبلاً إقبالهم ... من بعد طول الهجر والإعراض
ويعود قلبٌ شاحطٌ ببعادهم ... ووداعهم بالقرب منهم راضي
لابدَّ أن يقضي وإن طال المدى ... بتواصل بعد التَّفرق قاضي
وأرى ركوبي مع مريع جنابهم ... يرعون هونًا ممرعات رياض
وقال وقد ورد عليه كتاب من أصدقائه من إربل إلى الجزيرة العمرية:
\ [من البسيط]
وافى كتاب أخ واف تذكُّره ... باقٍ على العهد مأمونٌ تغيره
صافي الوداد على طول البعاد بلا ... غش ... أو غلِّ يكدِّره
مصدَّقٌ فعله المشكور فاعله ... قولاً يقول لذي سمع ويخبره
وافى فقرت به عيني وسرَّبه ... قلبي وأصبحت أطويه وأنشره
وقال غزلاً على ما اقترح عليه بعض الأخوان: [من الرمل]
لي حبيبٌ قد سلا في حبِّه ... قلبي المغرى به كل حبيب
لم يغب غنِّي مذ شاهدته ... ذكره في مشهد أو في مغيب
/٩٩ ب/ خدَّ خدِّي بدم فجَّره ... عشق خدِّ بدم الصَّب خضيب
يتبدَّى صاحكًا يضحكني ... ثمَّ يخفي شق جيوبي
وشقائي وعنائي وبلائي ... وبكائي [وعويلي] ونجيبي
وعذابي ومصابي واضطرابي ... واكتئابي وانتحابي ولهيبي
ولهت روحي بروحي ولهًا ... فيه فضوحي ولهيبي ولهي بي
стр. 1375
وبه يزداد دائي ولدائي ... هو إن شاء شفائي وطبيبي
صيَّر الصَّبَّ مصابًا من رماه بسهم [من] معانيه مصيب
يا غريبًا لي إليه دائمًا ... شوق ناء نازح الدَّار غريب
جعلتنا نسبًا غربتنا ... فغريبٌ لغريب كنسيب
وعجيبًا شأنه أوفعني ... حسنه المعجب في شأن عجيب
وقريبًا من بعيد عنه نأي ناله كل بعيد وقريب
وجلاء لعيون رمدت ... مذ جفاها وشفاء لقلوب
بدَّل العشق شبابي بمشيب ... شبابي لمشيب
لا تراخذني بذنب قد مضى ... أنت يا مولاي غفَّار الذنوب
[٥٣٨]
عمر بن بدر بن سعيد /١٠٠ أ/ بن محمّد بن بنكير، أبو حفصٍ الكرديُّ الحنفيُّ الموصليُّ.
قال القاضي الإمام أبو القاسم: قدم علينا حلب، وسافر إلى البيت المقدَّس، فولاّه الملك المعظم عيسى بن الملك العادل رواية الحديث بمدرسته التي أنشأها بالبيت المقدّس، وولاه مملوكه عز الدين إيبك مدرسته التي أنشأها لأصحاب أبي حنيفة. وبقي مدرسًا بها؛ واجتمعت به فيها بالبيت المقدس في سنة [٦٢١].
стр. 1376
ثم رحل إلى البيت المقدّس، حين خرج الفرنج إلى دمياط، قبل أن يخرب بمدّة، وسار إلى الموصل وأقام إلى سنة إحدى وعشرين وستمائة. ثم قدم علينا حلب في هذه السنة؛ وسمعنا عليه أجزاءً من أمالي ابن مللّة الحافظ.
سألته عن مولده، فقال، في جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وخمسمائة بالموصل. سمع ببغداد أبا الفرج بن كليب، وابن الصابوني وابن الجوزيّ. ثم سكن دمشق، وتوفي بها في سنة اثنتين وعشرين وستمائة ليلة السبت في التاسع والعشرين من رمضان. أخبرني بذلك أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي. هذا كلام أبي القاسم.
ورأيت له كتابًا في الحديث جارى فيه. /١٠٠ ب/ أبا عبد الله الحميدي في كتابه: "الجمع بين الصحيحين"، وله كتاب سمّاه: "العلم في أطراف البخاري ومسلم" وكتاب "العقيدة الصحيحة في الموضوعات الصريحة".
أنشدني أبو الفضل العباس بن بزوان الموصلي، قال: أنشدني أبو حفص لنفس، وقد طلب منه الإجازة: [من الوافر]
أجزت لمدركي عصري ليرووا .. سماعي والمناول والمحازه
وتصنيفي وما أرويه طرًا على الشَّرط المراعى في الإجازه
وهذا خطَّه عمر بن بدر ... وحمدل ثمَّ صلَّى حيث جازه
[٥٣٩]
عمر بن محمّد بن الحسين، أبو حفصٍ الواسطي
فقيه عالم بالمذهب من حملة القرآن الكريم، راوية للحديث.
أنشدني أبو الفضائل جعفر بن محمد الواسطي، قال: أنشدني أبو حفص لنفسه من أبيات: [من البسيط]
ناديت لمَّا رأيت الحيَّ من سكني ... عفا وجدَّ به سيرٌ فأخلاه:
стр. 1377
يا معهد الحبِّ هل عهدٌ فتهبرنا ... عن الحبيب متى زمَّت مطاياه
[٥٤٠]
/١٠١ أ/ عمر بن أبي الفتح التكريتي. من أهل حماة، أبو حفص.
كان رجلاً قصيرًا من الرجال يلبس الشرنوش والقباء، ويتزيا بزي الجند، وخدم بحلب جنديًا في دولة الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب بن غازي –رحمه الله تعالى- وأنفذ رسولاً إلى مدينة السلام في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، فأكرم إكرامًا وافرًا. وأرادوه إلى الديوان العزيز ليخدم كاتبًا في ديوان الإنشاء، فاستعفى من ذلك وأصبح بسبب .... لا مراع لها ينظر فيها، ويتولى مصالحها، فأعفي عنه. وتوفي سنة إحدى عشرة وستمائة عن سنّ عالية.
وكان شاعرًا مجيدًا كثير الشعر، كاتبًا فصيحًا كامل الفضائل بارعًا في فنه، نبيها أريبا. يعدّ من الكتاب المترسلين، صاحب بلاغة في الإنشاء نظمًا ونثرًا، مشتهر الأمر في وقته.
أنشدني غازي بن مورود الطفسي الحموي، قال: أنشدني عمر بن أبي الفتح لنفسه حين ورد مدينة السلام/١٠١ ب/ رسولاً إلى الإمام الناصر لدين الله –﵁: [من الطويل]
شكوت إلى نفسي صروف زمانها ... فقالت: حروب الدَّهر تأبى إلى الصُّلح
إذا كنت رأسًا في الزَّمان فلا تلم ... جباه اللَّيالي إذ جبهنك بالنطح
ومذ نصر الله العظيم بنصره ... فذلك نصرٌ جاء لابن أبي الفتح
[٥٤١]
عمر بن عليِّ بن سيارٍ، أبو حفصٍ السنجاريُّ.
شاعر من أهل سنجار، رائق الألفاظ، له في الغزل أشياء مستجادة.
стр. 1378
أنشدني ابو الحرم مكي بن علي بن مكي الضرير الكوفي، قال: أنشدني أبو حفص عمر بن علي بن سيار لنفسه: [من الكامل]
وأعنَّ أسمر قدُّه كالأسمر ... سلبت لواحظه جميل تصبُّري
يبدو قضيبًا مثمرًا مشمس الضُّحى ... ناهيك من غصن بشمسٍ مثمر
يجني وآتيه اعتذرا في الهوى ... ومتى أرد غفرانه لم يغفر
منع الوصال فلا خيالٌ زائرٌ ... تحت الدُّجى إلاَّ بحلظٍ أزور
[٥٤٢]
عمر بن أحمد بن هبة الله /١٠٢ أ/ بن محمّد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة –صاحب أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وسلامه- واسم أبي جرادة عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عقيل –أبي القبيلة- بن كعب بن صعصةً بن معاويةً بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو القاسم بن أبي الحسن القاضي المعروف باين العديم، العقيليُّ الحلبيّ.
стр. 1379
صدر صدور الآية، وشمس علماء الأمة، حاز الفضائل بأسرها والمعاني بفخرها والمعالي بعزها، وعقبلة العلوم بحرزها. ذو الباع الأطول في علوم الشريعة، فارع حصونا ومعاقلها المنيعة وله البيت الأصيل والمجد الأثيل، والقدر الجليل.
نشأ في العلم، وترعرع في الفضل، وشبَّ في الزهد، وتكمّل في الورع. الفقيه الحنفي المدرس الكاتب المتفرد بعلم الكتابة والخط؛ وبيت أبي جراده كله أدباء فضلاء شعراء /١٠٢ ب/ رؤساء فقهاء نبهاء محدّثون مقدّمون عبّاد زهاد قضاة، يتوارثون الفضل كابرًا عن كابرٍ، وتاليّا عن غابر. وكل هؤلاء معظمهم من آبائه. ولي القضاء بحلب وأعمالها، وهم على مذهب أبي حنيفة –﵁.
وأبو القاسم فأوصافه في الفضل كثيرة، وسماته بحسن الأثر أثيرة، فان الله كمل خلقه، وحسن خلقه، ووفر فضله، وكثر عقله، وجعل همته في العلوم ومعالي الأمور. وقد درس الفقه فأحسنه، وعني بفن الأدب فأتقنه، ونظم القريض فجوّده، وأنشأ النثر فسدده، وقرأ حديث الرسول وعرف علله ورجاله وتأويله وفروعه وأصوله، والجرح والتعديل والعلم بالخلاف والجدل وغير ذلك من المعلوم.
ثم أنَّ له خطًا فاق به أبناء زمانه، وبلغ الغاية القصوى في جودته واتقانه؛ وينضاف إلى ذلك العفاق ... والوقاؤ، وحسن السمت والجلال. المشهور عند الخواص والجمهور، وقد صنّف عدّة كتب منها: كتاب التاريخ /٢٠٣ أ/ الذي صنعه لحلب، حذا فيه حذو تاريخ الخطيب أبي بكر بن ثابت، وكتاب "زبد الحلب في ذكر ولا حلب" واقتصر فيه على الملوك الذين ملكوها، وكتاب "في الجهاد" وكتاب "الكلم المستفادة في أخبار بني أبي جرادة" ضمنه أخبار أهله ومناقبهم، وما يستحسن من أشعارهم وفضائلهم؛ وغير ذلك من الكتب.
стр. 1380
وفوّض إليه تدريس المدرسة النورية المدعوة بمدرسة الحلاوس مضافًا إلى مدرسة شاذبخت النوري. وصار له منزلة رفيعة من الدولة الناصرية الصلاحية –ثبتّها [الله] وأيدها. وأنفذ رسولاً إلى بلاد الروم عدّة مرات، وكذلك الديار المصرية اعتمادًا على وفور عقله ورزانته.
وكان مولده في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وكتب مصحفًا بخطه، ومجموعًا .... من خطّ ابن البواب وأهداهما إلى السلطان الملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب؛ وكتب معهما رقعة بذهب فيها هذه الأبيات وزمَّكها على غاية الحسن، وأرسل الجميع إليه.
/٢٠٣ ب/ وأنشدنيه بمدينة حلب، بمنزلة العمور ليلة الجمعة الثامنة عشرة من ربيع الآخر أربع ثلاثين وستمائة –أبقاه الله تعالى-: [من البسيط]
كلُّ الهدايا وإن جلَّت مواقعها ... تباينت في نفيس القدر والغنم
وشابهت خطر المهدي وموضعه ... وقصَّرت عن ندى ذي البرِّ والنِّعم
وإنَّ أنفس ما يهدى وأحمده ... عقبى ... القدر والهمم
هدَّيةٌ صدرت عن كاتب حسن ... إلى أجلِّ ملوك الأرض كلهم
الأشرف الملك المأمول نائله ... وخير من أسبغ النُّعمي على الأمم
كلام رب البرايا مصحف شهدت ... كلُّ الهدايا له بالفضل والعظم
تظلُّ ترتع منه العين في زهر ... وفي رياض هدى لم تشق بالدِّيم
قد جاء يحكيك يا من لا شبيه له ... يا أشرف النَّاس من عرب ومن عجم
فيه صفاتك من عدل ومن خلق زاك ... وبذلك النَّدى والجود والكرم
فاجعله خير جليس وأبق ما صدحت ... حمامةٌ ودعت أخرى على علم
وقال أيضًا، وأنشدنيه: [من الطويل]
стр. 1381
وأهيف معسول المراشف خلته ... وفي وجنتيه للمدامة عاصر
/٢٠٤ أ/ يسيل إلى فيه اللَّذيذ مذاقه ... رحيقًا وقد مرَّت عليه الأعاصر
فيسكر منه عند ذاك قوامه .. فيهتزُّ تيها والعيون نواظر
كأن أمير النَّوم يهوى جفونه ... إذا هم رفعًا خالفته المحاجر
خلوت به من بعد ما نام أهله ... وقد غارت الجوزاء واللَّيل ساتر
فوسَّدته كفِّي وبات معانقي ... إلى أن بدا ضوءٌ من الصُّبح سافر
فقام يجرُّ البرد منه على تقى ... وقمت ولم تحلل لإثم مازر
كذلك أحلى الحبِّ ما كان مزجه ... عفاقًا ووصلاً لم تشتنه الجرائر
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من الطويل]
وساحرة الاجفان معسولة اللُّمى ... مراشفها تهدي الشِّفاء من الظَّما
حنت لي قوسي حاجبيها وفوَّقت ... إلى كبدي من مقله العين أسهما
فواعجبًا من ريقها وهو طاهرٌ ... حلالٌ وقد أضحى عليَّ محرَّما
فإن كان خمرًا أين للخمر لونه ... ولذَّته مع أنني لم أذقهما
لها منزلٌ في ربع قلبي محلُّه ... مصونٌ به مذ أوطنته لها حمى
جرى حبُّها مرى حياتي فخالطت ... محبَّتها روحي ولحمي والدِّما
تقول إلى كم ترتضي العيش هكذا ... وقتنع أن تضح صحيحًا مسلمَّاً
/٢٠٤ ب/ فسر في بلاد الله واطَّلب الغنى ... تفز منجدًا إن شئت أو شئت متهما
فقلت لها: إنَّ الَّذي خلق الورى ... تكفل لي بالرِّزق منه وأنعما
وما ضرَّني أن كنت ربَّ فضائل ... وعلم عزيز النَّفس حرًا مكرَّما
إذا عدمت كفَّاي مالاً وثروةً ... وقد صنت نقسي أن أحلَّ وأحرما
(ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لاخدما)
مضمن للقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الأرجاني، ومنها قوله يفتخر بابائه:
سألزم نفسي الصَّفح عن كل من جنى ... عليَّ وأغفو هفَّة وتحلُّما
стр. 1382
وأجعل مالي دون عرضي وقاية ... ولو لم يغادر ذاك عندي درهما
وأسلك آثار الألى اكتسبوا العلا ... وحازوا خلال المجد ممَّن تقدمَّما
أولئك قومي المنعمون أولو النَّهى ... بنو عامر فاسأل بهم كي تعلَّما
إذا ما دعوا عند النَّوائب إن دجت ... أناروا بكشف الخطب ما كان أظلما
وإن جلسوا في مجلس الحكم خلتهم ... بدور ظلامٍ والخلائق أنجما
وإن هم ترقَّوا منبرًا لخطابة ... فأفصح من يومًا بوعظ تكلَّما
وإن أخذوا أقلامهم لكتابة ... فأحسن من وشَّى الطروس ونمنما
/٢٠٥ أ/ بأقوالهم قد أوضح الدِّين واغتدى ... بأحكامهم علم الشَّريعة محكما
دعاؤهم يجلو الشَّدائد إن عرت ... وينزل قطر الماء من أفق السَّما
وقائله يا أبن العديم إلى متى ... تجود بما تحوي ستصبح معدما
فقلت لها: ‘نِّي إليك فإنَّني ... رأيت خيار النَّاس من كان منعمًا
أبي اللؤم لي أصلٌ كريم وأسرةٌ ... عقيليةٌ سنُّوا النّضدى والتكرُّما
وقال أيضًا: -[من البسيط]
قل للوزير أدام الله دولته ... ولا تخطَّت بسوء نحوه قدم
يا أيها الصَّاحب الميمون طائرة ... ومن أياديه لا تحصى ولا النَّعم
بقيت للدولة الغرَّاء تحرسها ... بحسن رأيك يا من فضله ديم
ملكت رقَّ الرَّعايا بالجميل فقد ... أضحوا عبيدك إن عزُّوا وإن عظموا
والله لو أنفقت كفَّاك ما ملكت ... لما مللتهم بالبر .....
لكن ..... انلار غادرهم ... بطول عمرك إذ يدعون ربَّهم
يدعونه بأبتها لا يغادره ... إلاَّ التَّضرُّع والأغخبات ليلهم
أبردت منها قلوبًا طالما احترقت بظلمه وانبعاث الشرِّ نحوهم
أرسلت نحو قفاه أسهمًا خضعت ... بالقول منك لها الأذقان والقمم
/٢٠٥ ب/ تكاد تفعل في أرجاء هامته ... من المذلة ما لا يفعل الأدم
أحرقت بالخائن الزنديق فانشرحت ... لك الصدور فلا غلٌ ولا سقم
تثنى عليك بما اوليته حلبٌ ... ويثربٌ وكذا البَّطحاء والحرم
كذاك يثنى رسول الله والملأ الأعلى عليك به والدِّين والكرم
стр. 1383
وأنشدني أيضًا لنفسه ما كتبه إلى الصدر الكبير شهاب الدين أبي جعفر يحيى بن خالد بن القيسراني الكاتب: [من الخفيف]
ياكتابي عنَّي تحمَّل سلاما ... يخجل الورد عرفه والخزامى
صنائعٌ نشره أجزت بدارين به أم مزجت فيه مداما
ثمَّ زر ساحة الوزير شهاب الدِّين والثم أبوابه إعظاما
ولج النزل الكريم وقابله وقبِّل يديه والأقداما
فهو مولى بالعلم قد زانه الله فأضحى للمتِّقين إماما
المعيُّ تراه إن أعمل الفكرة تلقى الأغراض منها سهاما
وإذا جرَّد اليراع لخطب ... سلَّ منه على الأعادي حساما
/٢٠٦ أ/ وله دانت البلاغة وانقادت وألقت إلى يديه الزِّماما
وإذا ما حللت في بطن كفٍّ ... فيه تولي الورى الآيادي الجساما
ومتى فضَّ منك ختمك واستجلى محيَّاك حين أبدى اللِّثاما
حيِّه عن متيَّم ذي اشتياق ... في هواه قد خاالف اللُّوَّاما
قل له: عبدك المحبُّ أبو القاسم يشكو لبعدك الآلاما
لوغدا شارحًا جميع الَّذي يلقى لأفنى المداد والأقلاما
مذ ترحَّلت نحو حارم أضحى ... نومه وحشة عليه حراما
كان مستأنسًا بقربك منه ... يتمنَّى النَّعيم والإنعاما
فغدا إذ رحلت حلف اكتئاب ... دائم الفكر مدنفا مستهاما
فاحبه منك منعمًا بكتاب ... تعل منه قدرًا وتشف أواما
وأبق في نعمة وابقى لك الله تعالى محمَّدًا والنِّظاما
وقل أيضًا: -[من الطويل]
أجنُّ إذا برق العوير تألقا ... وأصبو إليه حسرةً وتشوُّقا
وأذكر أيَّامي بمنعرج اللِّوى ... سقاها الحيا سحًا من المزن مغدقا
/٢٠٦ ب/ ومحجوبة ما شئت قل متغزلاً ... بها تلف أوفى النَّاس قولاً وأصدقا
إذا قلت: إنَّ الشمس تشبه وجهها ... ترى وجهها أبهى وأحسن مشرقا
стр. 1384
وإن قلت: غصن البان يحي قوامها ... تجد خدَّها يزي على بانة النَّقا
وإن قست ... ريقها بمدامة ... مدحت إذا قست الرَّحيق المعتَّقا
يود نسيم المسك لو أنه حكى ... ترائب منها إذ تضوغ ومفرقا
لها مبسمٌ عذبٌ وعينٌ كحيلةٌ ... وخدٌ أسيلٌ فلًّ عزمي وفرقا
وجيدٌ يغير الظَّبي أبيض لونه ... وشعرٌ يعير اللَّيل عن شاء قرطقا
أتت تتهادى بين بيض نواعم ... يخمرن أطراف البنان من التُّقى
فحيَّيتها ثمَّ اشتكيت صبابتي ... إليها فقالت: هكذا من تعشَّقا
فقلت: ارحمي من ذاب وجدًا وبادري ... قتيل جوى غادرته في الهوى لقى
فقالت تجنَّب أن تزور فإنَّ لي ... أبًا غائرًا مازال يخشى ويتقَّى
ولا تلجن يومًا عليَّ فإنني ... أخاف إذا ما زرتني ان تمزَّقا
فعدت إلى الشَّكوى وأبديت ذلَّة ... وأسبلت دمعًا جاريًا مترقرقا
فرقَّت لما بي ثمَ قالت لصحبها ... أرى ذا الفتى في أسر حبِّي موثقًا
وأبرزت الوجه المنير وأصبحت ... على العاشق المسكين أحنى وأشفقا
/٢٠٧ أ/ وظت تجاذبني الحديث وإنني ... لأمنحها مني الوداد المروقا
وله قد رأى في عارضه شعرة بيضاء، وعمره يومئذ أحد [ى] وثلاثون سنة، وأنشدنيه: [من الطويل]
أليس بياض الافق في اللَّّيل مؤذناً ... بآخر عمر اللَّيل إذ هو أسفرا
كذاك سواد النَّبت يقرب بيسه ... إذا ما بدا وسط الرِّياض منوِّرا
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من الكامل]
إحذر من إبن العمِّ فهو مصحَّف ... ومن القريب فإنَّما هو أحرف
فالقاف من قبر غدا لك صافرًا ... والزَّاء منه ردى لنفسك يخطف
والياء ياس دائمٌ من خيره ... والباء بعضٌ منه لا يتكلَّف
اقبل نصيحتي الَّتي أهديتها ... إنِّي بأبناء العمومة أعرف
стр. 1385
[٥٤٣]
عمر بن عليِّ بن المبارك بن يوسف بن عليٍّ، أبو حفصٍ الموصليُّ، المعروف بابن النحَّال.
هكذا ذكر لي نسبه لما سألته عنه.
كان شيخصا طويلاً عانى نوع الأدب والخط والكتابة والتجويد لها، فتميّز في ذلك كلّه /٢٠٧ ب/ ولازم الشيخ أبا الحرم النحوي، وأخذ عنه صدرًا حيِّداً من علم العربية والنحو.
ثم تردد إلى أولاد الأمراء بالموصل يعلمهم خطًا وأدبًا. وكان قبل ذلك مقلاً فأثرى وصار له رزق صالح وحرمة عندهم وقبول. لقيته عدّة مرات ولم ينشدني شيئاً من شعره.
ثم عثرت له بعد ذلك بقصيدة، فأنشدنيها وهي بخط يده نظمها في القاضي حجّة الدين أبي منصور المظفر بن عبد القاهر الشهرزوري، توفي يوم الأثنين رابع عشر المحرم من سنة إحدى وثلاثين وستمائة بالموصل: [من الطويل]
نه عجَّزت من دونها النَّظم والنّثرا ... وأوضاح فضلٍ فاقت الانجم الزُّهرا
تسامت فلا نثرٌ تزداد به علا ... وتاهت فلا نظمٌ تزان به ذكرا
فلو جاءها بالنَّثرة النَّثر لم يجز ... مناقبها أو حفَّها الشِّعر بالشِّعرى
وهبني ملأت الأفق بالمدح أنجما ... فهل يتغشَّى نورها الشَّمس والبدرا
بدا كمحيَّا الصُّبح من نوره سنى ... وأبدى سحيق المسك من نشره عطرا
على أنَّ طيب الذَّكر أجدر بالفتى ... وأعلى له قدرًا وأبقى له ذكرا
فإنَّ لأنفاس الخزامى تأرُّجًا ... إذا ما نسيم الرِّيح ضوَّعها نشرا
/٢٠٨ أ/ هجرت مديحًا في سواك تقيَّة ... وصونًا فلا إفكا أقول ولا هجرا
فإنَّك قاضي النَّاس حجَّة ديننا ... غياثٌ لمن وافى .... معترَّا
تخولِّله نعمى وتسعفه يدًا ... وتلحفه ظلاً وتكنفه برَّا
صلاتٌ تراها كالصَّلاة فريضة ... إذا عنّ منها الشَّفع أعقبها الوترا
стр. 1386
لقد حزت فضلاً لم يحزه من الرى ... سواك ملّكت السِّيادة والفخرا
ونلت محلاً في الآنام ورتبة ... تجاوزت الجوزاء بالفخر وال ....
قدم حجَّة الدِّين الإمام على الورى ... تنيل النَّدى جوداً وتصلي العدا الجمرا
ولازلت للعافين مأوى وملجأ ... نزيل بك البأساء والضُّر والفقرا
[٥٤٤]
عمر بن إسحاق بن هبة الله بن صدّيق بن محمود بن صالحٍ، المعروف بابن قاضي خلاط.
وقد تقدّم شعر أبيه وأخيه وكانت ولادته بخلاط في ليلة السادس من شعبان في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وانتقل مع أبيه وأخيه إلى مدينة إربل، ثم سافر عنها بعد موت أبيه في سنة سبع عشرة وستمائة إلى بلاد الشام؛ ثم نزل دمشق خدم أميرًا /٢٠٨ ب/ بها، يعرف بكريم الدين إبراهيم. ثم خدم بعده الملك الصالح عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي صاحب دمشق.
لقيته بحلب المحروسة بخانقاة القصر يوم السبت العشرين من جمادى من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وستمائة، وقد رودها رسولاً من قبل الملك الصالح مخدومة.
وهو شاب جميل حسن المنظر فاخر الملبوس، متزيٍ الاكراد؛ شعره
стр. 1387
يضرب إلى كتفيه، جندي كيّس ذو طبع مؤات فيما يرومه من إنشاء العلم ولم يكن عنده شيء من العلم سوى نظم الشعر لا غير. فاستشدته فأنشدني هذه المقطوعات ما خلا هذه القصيدة البائية.
أنشدني عمر بن إسحاق لنفسه: [من الطويل]
ولَّما دنا ممَّن أؤمِّل قربه ... بعادٌ أذاب القلب بين الجوانح
وسارت نواجي العيس عن أرض بارق ... وكلُّ نضير الخدِّ للبدر فاضح
وعاينت وخد الرَّاقصات عشيِّة ... ومر حدوج القوم بين الصَّحاصح
وألفيت أبناء الهوى شارفوا أسَّى ... مناياهم ما بين باك ونائح
تيقنت أنِّي لا محالة واردٌ ... حياض المنايا إثر بين الطَّلائح
/٢٠٩ أ/ ربحت دنوَّ الدَّار دهرًا قبضته ... وكنت غداة البين أحسن رابح
وأنشدني من شعره: [من السريع]
يا ليلة الحاجر هل عودةٌ ... ترى لووصل النَّازح الهاجر
وهل يعيد الوصل قولي: ترى ... هل عودةٌ يا ليلة الحاجر
أحبابنا بانوا فلم يكتحل ... بالغمض من بعدهم ناظري
كان التمني فيهم أوَّلى ... فصار يأسي منهم آخري
واربا من عاذل عادل ... في الحكم عن إيضافه جائر
يأمرني بالصَّبر عنهم ومن ... أين لقلبي جلد الصَّابر
أيا شقائي في الهوى إنَّني ... أعيش إلاَّ تعب الخاطر
فيا مريقاً دم عشَّاقه ... بصارم من طرفه السَّاحر
بالأسود الفاتر حتَّى متى ... تفعل فعل الأبيض الباتر
أنشدني لنفسه: [من المجتث]
سبت فؤاد المعنَّى ... لواحظٌ منك وسنى
يمرضننا حيث ترنو ... وهنَّ أمرض منَّا
стр. 1388
ما أكثر النَّاس حسنًا ... أقلُّهم أنت حسنا
/٢٠٩ ب/ ردَّ الرُّقاد لعلَّ .. الخيال يطرق وهنا
إلى متى ذا التَّجافي ... جد بالتَّلاقي وصلنا
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من الكامل]
سحرته ألحاظ الحسان كما ترى ... وغذته البان الهوى فتحيَّرا
وغدا يصوب لذكر نَّجد دمعة ... فلأجل ذلك ما جرى إلاَّّ جرى
يا طرف دع شكوى السُّهاد جهالة ... أنت الَّذي في بحره غرق الكرى
وأنا الَّذي أصبحت أنزح ماءه ... أبغي الغريق به وها أنا لا أرى
تشكو وأنت .... أسباب الهوى ... حتى .... بها العذاب الأكبرا
ماكنت من خلدي لرائعة النَّوى ... قبل الحمام .... ومصوَّرا
فدنا بها زمن أساء ولم يكن ... من قبلها بنوى الأحبَّة أنذرا
وأبادني ببعاد أهيف خدُّه ... كالورد أزهر فوق غصن أزهرا
فسرى الفؤاد وما أقام وحبُّه ... بين الجوانح قد أقام وما سرى
وقال أيضًا وأنشدنيه: -[من الكامل]
ومهفهف رطب المعاطف ناعم ... عذب المراشف طيِّب الأنفاس
جمع المحاسن وجهه فكأنَّما ... هو روضةٌ راقت على .....
/٢١٠ أ/ فالنَّرجس الطَّرف المضاعف ... لوعتي واقاعها ثغر جنى ...
والخدُّ يبدو محدقًا بعذاره ... كالورد حفَّ به جنيُّ الآس
سبحان من أنشاه من إحسانه ... حسنًا فأصبح فتنة للناس
[٥٤٥]
عمر بن عبد الله، أبو حفص، الأنصاريُّ الواسطيُّ الفقيه.
نزل بغداد وتفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ وصار معيدًا له؛ وله شعر رقيق.
أنشدني زين الدين أبو الفضل صدقة بن أبي إليه الشيرازي، قال: أنشدني عمر الأنصاري لنفسه: [من الطويل]
стр. 1389
أواخر أشواقي إليك أوائل ... وسائل دمعي لي إليك رسائل
وأيسر ما .... منك ..... قاتل ... من الوجد والدَّاء الذي لا يزايل
وأسدُّ عن التَّعدال سمعي وإن دعا ... غرامٌ فمغري بالإجابة مائل
وفي مذهب العشَّاق أنَّ أبن صبوة ... سلى كان فيما أدَّعى وهو جاهل
وما أنا ممَّن يردع العذل قلبه ... على كل حال فلتكفَّ العواذل
رضيت بقتل في هواك وراق لي ... وأحلى الهوى للصبِّ ما هو قاتل
/٢١٠ ب/ لعمري لولا أن أؤمِّل أنَّه ... إذا مرَّ عام جاء بالوصل قابل
لغارقت النَّفس الحياة وأصبحت ... تنوح عليها النَّائحات الثّ واكل
ولولا سقام الجفن لم يلف مسقمٌ ... ولولا نحول الخصر لم يلف ناحل
قطعت حبال الوصل لا عن جزيرة ... وما النَّاس إلاَّ قاطعٌ ومواصل
فهلاَّ بعثت الطيف في سنة الكرى ... لعلي أرى بعض الذس أنا أمل
فإنَّ الكرى في طرف كلِّ مسهَّد ... لكلِّ خيال من حبيب حبائل
وهل عاذلٌ إذا حلّ عاقلاً ... ولم تقتنصه باللِّحاظ العقائل
بواد بواد كالشُّموس بأعين ... إذا ما رنت لم تحم منها المعاقل
رشقن بنبل السِّحر منَّا مقاتلاً ... فما جاوزت تلك النبال المقاتل
فمن كان يروي السِّحر عن أرض بابل ... فعن هذه الألحاظ ترويه بابل
[٥٤٦]
عمر بن أبي بكر بن يحيى، أبو حفص البغداديُّ
حفظ كتاب الله –تعالى- ببغداد، وسمع الحديث على جماعة من شيوخها منهم؛ أبو أحمد عبد الوهاب بن علي بن سكينة، وأبو الرِّضا بن العودي وغيرهما؛ وله /٢١١ أ/ إجازة من أبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي وغيره من أصحاب الحديث.
خرج من بغداد لضائقة لحقته متوجهًا إلى محروسة إربل، فنزل بدار حديثها المظفرية؛ وسمع حديثًا كثيرًا على شيخنا أبي الخير بن أبي المعمر التبريزي المحدّث وتولى بها الإمامة، يصلّي بجماعتها الصلوات الخمس. رأيته بها وهو شيخ كثير
стр. 1390
الدرس للقرآن يته دائمًا آناء الليل وأطراف النهار.
اخبرني أنه [ولد] سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وبلغني أنَّه قتل بإربل حين دخلها التتار الملاعين –خذلهم الله تعالى- في شوال سنة أربع وثلاثين وخمسمائة –رحمة الله تعالى- وله مقطعات من الشعر.
أنشدني لنفسه؛ وكان قد مرض حتى أشرف على الهلاك، فمنَّ الله عليه وأنقذه من مرضه الَّذي ألم به: [من الرمل]
ذكره أنسي وأنسي ذكره ... ليتني لم يخل من ذكر لساني
عجبًا لي كيف أنسى شكره ... ومن الأمراض ربِّي قد شفاني
يا إلاهي كن لعبد مذنبٍ ... دائمًا يدعوك في كلِّ مكان
إنَّ ربي قال في تنزيلة ... انا من عبدي قريبٌ إن دعاني
/٢١١ ب/ ربِّ فاغفر لي ذنوبي كلَّها ... واعف عنِّي ثمَّ أصلح لي لساني
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى علاء الدين أبي علي بن عمر بن صالح الإربلي، وهو يومئذ يتولّى الاشراف بالديوان المظفري –يشكو إليه من عمال دار الحديث، تشفعًا في استخلاص جامكيته منهم وقد عوقت عليه ومطلوه بها: -[من الخفيف]
أيَّها السَّيِّد العلاء أغثتي ... وانتصر لي من هذه العمَّال
كم يعنُّون بالتَّردُّد والمطل ... ولا ينظرون في سوء حالي
جهلوني فليتهم عرفوني ... إنَّني كنت في زماني الخالي
بمدار وحنطة بغال ... وبجاه وحشمة ودلال
فرماني قضاء ربِّي إليكم ... يعدما ان عدمت جاهي ومالي
ليتني كنت قد قرب وما جئت إلى إربل رقيق الحال
إن تكن مسعدي عليهم فوالله يمينًا بكلَّهم ما أبالي
стр. 1391
[٥٤٧]
عمر بن عبد الكريم /٢١٢ أ/ بن عمر بن الرحيم بن إسماعيل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن دوت داذ، البغداديُّ المولد والمنشأ، النيسابوريُّ الأصل، أبو المحاسن بن أبي سعدٍ.
من أبناء المشايخ المعروفين بالتصوّف وحسن الطريقة.
أخبرني أنه ولد في شهر ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة. وتوفي آخر نهار يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وستمائة. وصلِّى عليه برباط .... الشيخ أبي سعيد النيسابوري، ودفن يوم السبت بالجانب الغربي ببغداد في مقبرة باب البصرة تجاه جامع المنصور. وكنت ممن شهد الصلاة عليه –تغمده الله برحمته ورشوانه عنه وكرمه-.
وكان شابًا عفيفًا جميلاً، وموصوفًا بالعقل، حسن الأدب، ولم يعرف له منذ نشأ صبوة، تأكدت بيني وبينه صحبة ببغداد، وكنت كثير التردد إلى والده.
مما أنشدني لنفسه من قصيدة يناقض بها قصيدة أبي الفتوح بن البخاري التي تقدّمت، فقال أبو المحاسن: [من البسيط]
جنى ورد خدود العاتب الجانبي ... إلى احتمال التجني من الجاني
/٢١٢ ب/ أحوى خوى الحسن في خلق وفي خلقٍ ... فاق الخلائق حتَّى ماله ثاني
طلق المحيَّا لو استسقى الحيا لسقى ... ولو تعذَّر نابت عنه أجفاني
ما عاين الإنس إنسانًا كصورته ... لمَّا يصوِّره إنسان إنساني
في فيه راحي وروحي في يديه وفي ... تقبيل وجنته روحي وريحاني
أغنت عن الغانيات الغر غرَّته ... وشهد فيه عن الصَّهباء أغناني
والخمر ما خامرت عقلي ولا غفلت ... عن المواقيت تسبيحي وقراني
أهوى العفاف كما أهوى شمائله. وللنُّهي عن تناهي الآمر ينهاني
واعتضت من راهبات الدَّير يا سكني ... بسَّاكني الدُّور من حور وولدان
أحبب بهنَّ شموسًا لا شمامسة ... قد توِّجوا بأكاليل وتيجان
стр. 1392
ونحظر الدُّف والمحصور ننكرة ... ولا نصيخ لنايات وعيدان
والزَّفن مضطربٌ للقوم من طرب ... وليس ينكر عرف الحبِّ عرفاني
وفي المعنى لأرباب الهلوى أربٌ ... لم يبلغوه بشمعون وشمعان
فالقسُّ لو كان قساً في فصاحته ... لما انتصرت على غيٍّ بنصراني
مالي وللجاثليق الشَّيخ متَّزراً ... بالصُّوف يزري على ديني وإيماني
فأبن البحيريِّ لما إن طغى وبغى ... قال: اعذروني فالرَّبان ربَّاني
/٢١٣ أ/ ساء اعتقادًا فناجته عقيدته ... هذا هو العيش إلاَّ أنَّه فاني
هذا إلى مالك مالت جوارحه ... ونحن ملنا إلى روض ورضوان
أرجو من الله أن يغفو برحمته ... ولم يكلني إلى ضعفي ونقصاني
فلست أنكر جرمي وهو يعرفه ... ولا أصرُّ على إصري وعدواني
ولا أقول وعمري بل عامره: (عرِّج بدير حنينًا أيها الجاني)
[٥٤٨]
عمر بن يوسف بن أبي بكرٍ، أبو حفصٍ القفصيُّ، المعروف بابن التبسىِّ.
وتبس مدينةٌ من مدن أفريقية.
حدثني القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة بحلب –أيده الله تعالى- قال: كان شيخًا حسنا دمت الأخلاق، طيب المحاضرة، اقام عندنا بحلب سنين عدّة. وكان يختلف إليها بعد ذلك.
وروى لنا شيئًا من شعر عبد المنعم الجلياني عنه، وأنشدنا مقطعات من الشعر له ولغيره. وكان له معرفة بالحكمة والهندسة.
وأخبرني أنّه ولد في العشر الأول من ذي الحجة سنة تسع وأربعين وخمسمائة،
стр. 1393
قال: وجدته كذلك بخط/ ٢١٣ ب/ والدي، قال: وتوجه إلى ذبلاد الروم بعد العشرين والستمائة، فبلغني بعد ذلك أنه توفي بها. وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
وقائله مالي أراك مغيَّرا ... أمن فرط وجد صار لونك أصفرا
فقلت كليني ياهنيدة واعلمي ... فلو أنَّ ما بي بالجلامد أثَّرا
فقالت: رعاك الله هل أنت مخبرٌ ... بما هو أو ما كان قدماً وما جرى
لعلَّ برأي يحدث الله راحة ... فإن الَّذي أبلى يفرِّج ما ترى
فقلت لها: صرف الزَّمان وجوره ... احال على الأحوال حالي فغيَّرا
وشئت أحبابي وأذهب ثروتي ... فصرت فقيرًا بغد ما كنت موسرا
تناءت دياري واضمحلَّت أحبَّتي ... فهذا الَّذي أهدى لجسمي التَّغيرا
فدمعي سفوحٌ والجوى حلَّ في الحشا ... وقلبي قتيل الحالتين مغفَّرا
ولا حاكمٌ يقضي فيحكم بيننا ... ولا مسعد تلفي لنصري ميسَّرا
فمن مانعي من ظلم دهري وجوره ... ولم ألق إلاَّ من إذا قال: قصَّرا
وقد حار وهمي من عظيم بليَّتي ... فما خيلتي فيما سمعت وما ترى
[٥٤٩]
عمر بن أسعد بن عمّار /٢١٤ أ/ بن سعد بن عمار بن عليِّ بن أبي العلاء بن أبي الفرج بن هذيل الأمير أبو حفص ابن أبي المعالي الموصليُّ.
من أبناء الأمراء وبيت الجاه والولاية والخدمة للملوك والسلاطين.
كانت ولادته فيما أخبرني به من لفظه ظهر يوم الأحد سادس جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وخمسمائة. سمع في حال صغره الحديث، وكتب خطًا رائقًا؛ وله معرفة حسنة بالتواريخ والسير وأيام الناس وأخبارهم، صاحب نظم حسن، ونثر لاباس به؛ وهو نعم الرجل دينًا وتواضعًا وفضلاً.
أنشدني لنفسه: [من الوافر]
إذا علقت من الديوان كفي ... بأسباب العبودة والولاء
فلست أخاف أحداث اللَّيالي ... إذا أصبحت منه بالفناء
стр. 1394
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من السريع]
هنِّيت بالخلغة يا من له ... مجدٌ ووجه يخجل الشَّمسا
قد فقت أضرابك في كل ما ... تأتيه في المصبح والممسى
وأنشدني أيضًا قوله: [من البسيط]
يامن له مقلو تسبى العقول بها ... رفقًا بقلب حشاه الوجد أحزانا
/٢١٤ ب/ إن كانقصدك قتلي بالُّدود فقد ... أضرمت في كبدي بالهجر نيرانًا
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
فأنت الَّذي عظَّمت للدِّين أمره ... وشيَّدته مبنى ونوَّهته قدرا
سموت علوَّا وارتفاعًا وبسطةً ... ونلت المنى في كلِّ حادثة قطرا
حسام أمير المؤمنين الَّذي انتضى ... لجذِّ رقاب الصِّيد يبترها بترا
وأنشدني لنفسه: [من السريع]
صبِّحت بالإقبال والنَّصر ... يا مالك الإحسان والأمر
وعشت ما ناحت على أيكة ... قمريَّةٌ في غرَّة الفجر
وأنشدني أيضًا قوله: [من الوافر]
مثلت بخدمة الملك الهمام ... أبي الأشبال واللَّيث المحامي
فأرعدت الفراص منه خوفًا ... وآذن منه ظهري بانفصام
ألام على مهابة ليث بيد ... عداه [] بالعضب الحسام
مليكٌ يكسب الضرغام بأسًا ... وإقدامًا على الجيش اللُّهام
مليكٌ شأنه قمع الأعادي ... وبذل ندّى كمنهل الغمام
وانشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
/١٢٥ أ/ ألا يا أيُّها المولى الهمام ... ويا ملكًا أياديه حسام
شأوت ملوك أهل الأرض طرّاً ... وفتَّ العالمين فما ترام
إذا ضنَّ السَّحاب وأنت فينا ... سقانا جود كفِّك والسَّلام
إذا رضي الكرام عليَّ منهم ... فما آسى إذا سخط اللِّثام
стр. 1395
ومن كلامه المنثور ما كتبه إلى بعض الولاة في معنى أملاك له أخذت منه: "شابت ذوائب الأمل في الوعود الكريمة، واتسع خرق الفاقة، وتضاءل الصبر واشتدّت فيه الحاجة، والإلحاح في السؤال، يؤدي إلى الملال، والإمهال، يؤذن بالإهمال".
[٥٥٠]
عمر بن عليِّ بن محمّد بن الوزير أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، أبو الفضل بن أبي الحسن الشيبانيُّ
وقد تقدم نسب مستقصىّ عند ذكر ابن عمه أحمد بن ظفر.
أخبرني أنّه ولد تقديرًا سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بدمشق، وهو من بيت الوزارة والرئاسة كان في خدمة /٢١٥ ب/ الملك المسعود مودود بن محمود بن محمد –صاحب آمد- وكاتب أسراره؛ فلما اخذ الملك الأشرف موسى آمد وملكها خرج الأمير أبو الفضل متوجهًا إلى مدينة إربل سنة ثلاثين وستمائة ليخدم سلطانها الملك المعظم كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁.
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
سلامٌ على من ليس لي منهم بدُّ ... وإن هجروا عن غير جرم وإن صدُّوا
سلامٌ كأنفاس الرِّياض تأرجت ... سحيرًا وفي أرجائها البان والزَّند
أيا ساكني الزَّوار هل بعد بعدنا ... تدان ففي الأحشاء من بينكم وقد
تناسيتموني واضمحلَّت مودَّتي ... لديكم وقلتم غاله البين والبعد
وما عندكم أنِّي إذا هبَّت الصَّبا ... عراقِّية من أرضكم هزَّني الوجد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
من مبلغ الواشين لا نالوا المنى ... عنِّى إليه صادق الأعذار
والله ما رقدت جفوني بعدها ... إلاَّ لرقبة طيفها الزَّوار
ولما خزنت الدَّمع يوم وداعها ... إلاَّ لحفظ ودائع الأسرار
стр. 1396
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى الصاحب /٢١٦ أ/ شرف الدين أبي البركات المستوفي:
[من البسيط]
أنَّي أعدُّ انقطاعي عن مقرِّكم ... كيما أحقِّقه من أعظم الحرب
فإن تجاوزتم عنِّي فحلمكم ... عن كلِّ صاحب جرم غير محجوب
ولي رسائل حمد أستغين بها ... مستوهب المسك منها نفحة الطِّيب
زهت بكم إربل الغرَّاء وافتخرت ... لمَّا عدت سلب الغرِّ المناحيب
كذا المبارك أنذَى حلَّ في بلد ... كساه بالفخر فضفاض الجلاليب
وافي الصيِّام فلا زالت ميامنه ... تنيله كلَّ مأمول ومطلوب
وانشدني لنفسه: [من الطويل]
ومن عجب أنِّي أرى ذا حشاشة ... بوجه لئيم من دجى البخل كالح
يؤمل أن يثنى عليه بصالح ... وهيهات أن يثنى عليه بصالح
وأنشدني أيضًا قوله: [من الخفيف]
لا يغرَّنكم تضاعف بشري ... عند لقياكم وفرط ابتسامي
إنَّ للسيف حين يشهر للضرب بروقا فيهنَّ ومض الحمام
وانشدني قوله في إنسان أتلف له بغلة ثمينة، ثم أتبعها بضياع محفورة ثم هجره /٢١٦ ب/ عقيب ذلك، وتجنّى عليه حتى أنه كاد أن لا يكلمه: [من السريع]
إنِّي وإيَّاه حديثٌ غدا ... أعجوبة بين الورى مثله
كنت أضافيه وأعتده ... ذخراً على الأيَّام ما مثله
ما باله يجتاز بي معرضًا ... عنِّي ويثني عامدًا نعله
كأنني ضيَّعت محفورة ... منه وأتلفت له بغله
وأنشدني لنفسه، وكان مقيمًا بخلاط، والخوارزمي يحاصرها في النوبة الأولى؛ وكتبها إلى الأمير أسد الدين أبي العباس أحمد بن عبد الله بن عيسى المهراني الكردي وهو أسير في يده. وكانت بينهما صحبة ومحبّة تتجاوز حدّ الوصف: -[من الكامل]
أأبثَّك الأشواق أم أشكو الَّذي ... أنا فيه من حذر ومن وسواس
هيهات لا إحداهما أنا قادرٌ ... أنِّى أعبَّر عنه في قرطاس
стр. 1397
ولقد سمعت من الكلام عجائبا ... زادت على عدِّي وحدِّ قياسي
وتعرَّض الأعداء بي لمَّا رأوا ... بيني وبينك ضجَّة الحرَّاس
/٢١٧ أ/ أولست تعلم أنَّني الخلُّ الَّذي ... يتلو محاسنكم مع الأنفاس
وإذا اعترى أمرٌ وفاجأ فادح ... يومًا يجود بروحه ويواسي
ولئن أتاح الله عودك سالمًا .. وأجاب فيك الدَّهر بعد شماس
فجميع ما لاقيت مغتفرٌ له ... إلاَّ فراقك يا أبا العبَّاس
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الطويل]
إذا أنت حقَّقت المكارم في أمرئ ... وأيقنت أنَّ المجد تحت ردائه
فزره ولا تخشى الملال فإنَّه ... يرى لك حقًا في لزوم فنائه
[٥٥١]
عمر بن محمود بن أبي عليِّ بن عليِّ بن أبي عليِّ بن محمود بن الربيع، أبو حفص الإربليُّ
يعرف عند أهل بلده بابن الموازينيِّ.
شاب أزرق العينين أشقر، ذو خاطر مؤات في الشعر المتزن، وفطنة حسنة في إنشائه؛ استظهر القرآن الكريم، وأخذ من العربية ما يعصمه من اللحن. ومال إلى حفظ الأشعار. وهو سريع الحفظ، ينشد البيتين والثلاثة مرة واحدة فيحفظها في الوقت ولم ينسها.
/٢١٧ ب/ وكان مولده سنة ثلاث وستمائة بإربل، وبها توفي في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.
أنشدني من شعره، يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي –رحمة الله تعالى-: [من الخفيف]
هل إلى سالف الوصال وصول ... أم بقرب الحبيب يشفى الغليل
بعدت شقَّة الوصال على المشتاق فالجسم منه مضني عليل
حرَّم الغمض جفنه فقصير اللَّيل في جنب ما يلاقي طويل
стр. 1398
في هوى أهيف القوام له من ... جفن عينيه صارمٌ مسلول
إن تبدَّى فيدرتم منيرٌ ... أو تثنَّى فغصن بان يميل
هدَّ ظهري ثقلاً وأوهى اصطباري ... منه ردفٌ واف وخضر نحيل
كحل الجفن بالسُّهاد وصدَّ النَّوم عن مقلتي طرفٌ كيل
يا عذولي في حبِّ من شرح أشواقي إليه إذا يعدُّ يطول
لا تلمني فمسمع الصَّب عن ثقل استماع الملام واه كليل
ياخليلي وقلَّ في الحبِّ أن بوجد للعاشق المعنَّى خليل
كان ظنِّي أنِّي مدى الدَّهر لا أسلو وعن عهد حبِّه لا أحول
علَّمتني أفعاله كيف أسلوه وماذا –إذا سئلت- أقول
/٢١٨ أ/ فتسلَّيت واسترحت من التَّعذيب في الحبِّ واستراح العذول
حسب جسمي يطيق حمل أيادي ... شرف الدِّين فهو عبءٌ ثقيل
أنا من نائل المبارك ذي الإنعام في روضة النَّعيم أجول
لي من صوب راحتيه إذا أجدب ربعي سحاب جود هطول
ذو محيّا طلق وربع رحيب ... فيه للقاصد المجدِّ مقبل
يظهر البشر حين يأتي يروم النَّيل من جود احتيه النزيل
فهو في المكرمات فردٌ في دفع الأعادي عن نازليه قبيل
عمَّ إحسانه الأنام فأضحى ... وكثير الثناء فيه قليل
أسرع المعتفون يبغون جدواه وتأميلهم لديه دليل
غير بدعٍ يا إبن موهوب في ربع ... معاليك نزِّل التَّننزيل
يا وزيراً أشباهه وعطاياه قليل هذا وهذا جزيل
لحمي ربعه حقيقٌ بأن تطوى إليه صحاصحٌ وسهول
خزَّنا عند مدحه طربٌ حتى كأنَّ المديح فيه شمول
فلإنشاده نميل كأنَّ الغصن هبَّت له صباً وقبول
فليعش ما أحبَّ في خفض عيش ... فأمانيُّنا إليه تؤول
/٢١٨ ب/ وأنشدني لنفسه أيضًا يمدحه: [من الخفيف]
قم فقد آذن الدُّجى بالرَّواح ... ودعا بالفلاح داعي الفلاح
стр. 1399
وتولَّت عساكر اللَّيل واستولت على هزمها جيوش الصّّباح
واحبنا من رضاب فيك بخمر ... ما علينا في شربها من جناح
فوق ورد من وجنتيك وآسٍ ... من عذاريك نزهة الأرواح
واسقنيها أولاً فصهباء كرمٍ ... خندريسًا تدعو إلى الأقداح
قرعتها يد المزاج وكانت ... لم تدلَّس من قبل ذاك براح
برزت في الدُّجى فعاد نهارًا ... فغنينا بها عن المصباح
يا نديمي قم نشرب الرَّاح صرفًا ... فكذا شربها بطيب افتضاح
في رياض يهدي إليك أريج المسك منها منثورها والأقاحي
يتغنَّى الحمام فيها بألحان تسري الهموم عجم فصاح
لا تراني إلاَّ إليها مدى الدَّهر عدوى الًَّذي ....
أين قلب الخليِّ مما كرهته أسهم الأعين المراض الصحاح
فاغتنم لذة الزَّمان وحاذر ... أن ترى يا أخا الخلاعة صاحي
لا تخف فاقة وقد بتَّ ترجو ... شرف الدِّين ذا النَّدى والسَّماح
/٢١٩ أ/ أريحيا ما في يديه مباحٌ ... وحمى العرض منه غير مباح
حجبته عن أن ينال بسوء القول سمر القنا وبيض الصِّفاح
يا أجلَّ الأنام قدرًا وأذكى النَّاس نشرًا ومن لديه نجاحي
حمد السَّائرون نحوك يرجونك سير الظَّلام عند الصَّباح
بات كفُّ الإعطاء منك لما خطَّته في الجود كف غيرك ماحي
فإلى وجهك البهي اشتياقي ... وإلى جود راحتيك التياحي
لك ذل الورى فليس لمن بتَّ تروم انقياده من جماح
واستقادت لك المنون .......... ... ......................
فأبق فالعاملون ما لم تكن فيهم جميعًا أولو أياد شحاح
وأنشدني لنفسه يصف فصّ النرد: [من المنسرح]
وذي جهات ستَّ له جسدٌ ... الجسم أمره وجبا
تجور في حكمه فتبذل في الطَّوع لديه اللُّجين والذَهبا
كأنَّه الدَّهر في تصرُّفه ... متى حبانا استرَّ ما وهبا
стр. 1400
وأنشدني قوله فيه أيضًا: [من الطويل]
وعاجي جسم نقَّط المسك جسمه ... كصبح عليه للدُّجَّنة آثار
/٢١٩ ب/ مسدَّس شكل فيه ضرُّ وراحةٌ ... تصرِّفه فينا .. أقدار
فلا تتعدَّى ما يقول وإن جنى ... علينا وعقبى ما نسرُّ به النَّار
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه: [من مجزوء الكامل]
جيشان من زنج وروم ذا على هذا يصول
يتجاولان ولا يطل دمٌ غيرهما القتيل
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض أصدقائه: [من البسيط]
أبلغ محمَّد عنِّي إن مررت به ... قضيَّة تقلق الأحشاء مشتهره
أشكو إليك رعاك الله حادثة ... يشبُّ منها لظى في النَّفس مستعره
ما بال عثمان ينهى عامدًا عمرًا ... أن يستظلَّ وتحنو فوقه الشَّجره
يسطو عليه وينهاه ويزجره ... كأنَّه لم يكن من جملة العشره
وقال أيضًا وأنشدنيه لنفسه: [من الكامل]
لم يفضل القدماء فيما ألَّفوا .. إلاَّ مؤلَّف درَّة التَّفصار
ما شئت من معنى بديع رائق ... فيها ومن مستحسن الأشعار
فكأنني لمَّا أطالغ .... ... منها ومن مستحسن الأشعار
فكأنَّني لما أطالع .... ... منها أشاهد سائر الأمصار
/٢٢٠ أ/ ولئن تقدَّمه أناس قبله ... وتفطَّنوا في ذلك المضمار
فله الفضيلة حيث جاء بمائه ... لم يشعروا من صحَّة الآثار
لولا اللَّجين وما يساوي لم يبن ... للنَّاظرين فضيلة الدِّينار
[٥٥٢]
عمر بن إبراهيم بن مسعود بن محمد بن إبراهيم، أبو حفصٍ الإربليُّ، ينعت بالخال.
وهو من بيت الشيخ الذس كانوا رؤساء إربل ومشايخها، وإليهم الرئاسة بإربل.
стр. 1401
وأبو حفص هذا؛ كانت ولادته تقديرًا في سنة .... وتسعين وخمسمائة. يخدم جنديًا للأمراء، وله طبع في قرض الشعر، يقيم وزن البيت بذوق حسن ويقع ... فيجيد رصفها إلاَّ أنه لم يعرف شيئًا من العربية، وإذا أنشد يلحن في إنشاده وربما اتى في شعره بلحن لكونه ما اشتغل بالأدب. وله أشعار تستطاب؛ لأنَّه يضمنها شرح حاله فتأتي مطبوعة خفيفة من غير تكلف. وهو الآن في خدمة الأمير ركن الدين أبي شجاع بن قرطايا الإربلي.
/٢٢٠ ب/ أنشدني لنفسه، وكان في خدمة ركن الدين بن قرطايا ويشكو إليه من غلاء السعر وتعذر النفقة: [من الخفيف]
إنَّ برقا بدا من الأبرقين ... هاج وجدي شوقًا وأسهر عيني
ودعاني إلى الشَّام وعيش ... مرَّ رغداً بالدّضوح والجبلين
وفتاة بشفح عرشين إن لاحت تراها أبهى من القمرين
جعلتني بقصر عيسى مشوقًا .. طول ليلي أراقب الفرقدين
قد كواني حرُّ العراق ومالي ... جلدٌ ثابتٌ على حرَّين
أين عيشٌ لنا رقيق الحواشي ... بمغاني قويق والدَّارين
حبَّذا بالشَّام أبٌ وتموز وبرد النَّسيم في تشرين
يا مليكي اسمع شكاية عبد ... من بني الشَّيخ معلم الطَّرفين
ماله ملتجًا سوى بابك المحروس في المشرقين والمغربين
نهبته الخيل العتاق وأفنت ... ما حواه من كل جنس وعين
كل يوم لهم وللبيت يا مولاي قوتٌ يزيد عن دانقين
ويزيد العلام منِّي إذا سامح نقدًا في الشَّهر دينارين
/٢٢١ أ/ وكر الدار مع كرا الخان والصَّابون أفنى مالي و ....
هات قل لي من أين لي كل ذاك المال أصادفت مطلبًا من لحين
ولئن دام ذا عليَّ تراني ... راجلاً قد قطعت رأس العين
أنت ذخري في النَّائبات وعوني ... في الملمَّات واعتمادي وزيني
стр. 1402
جعل الله نجم سورك محفوفًا بعزَّ يسير في الخافقين وأنشدني لنفسه، وقد نزل بقرية تعرف بأم عبيدة من أعمال واسط، وهي التي فيها بيت الرفاعي مشايخ هذه القرية يخاطب شيخها الزاهد أحمد الرفاعي:
[من الكامل]
يا شيخ أحمد إنَّني متمسكٌ ... بكم وأنتم في البريَّة سادتي
ما جئت من أقصى الشَّام إليكم .. إلاَّ لاحظي في غد بالجنَّة
وأطوف من حول الضَّريح تطوُّعًا ... وأعفر أطراف الرَّواق بوجنتي
تالله لولا صبيةٌ خلفتهم ... بالشَّام بيكون الغداة لغيبتي
/٢٢١ ب/ جاورت أمَّ عبيدة وسكنتها ... فلعلَّ فيها أن تكون منيَّتي
ما كنت أخشى من زفير جهنَّم ... وبنو الرِّفاعي في القيامة عدَّتي
وأنشدني لنفسه، وقد نزل بالهرث –من أعمال واسط- وكان في خدمة الأمير ركن الدين أبي شجاع –حفظه الله- كتب إليه يشكو من البراغيث: -[الكامل]
أشكو إليك من البراغيث الَّتي ... بالهرث قد أكلت جميع جوارحي
فكأنَّهم فقراء أمِّ عبيدة ... يتراقصون على الفراش بطائحي
وأم عبيدة مجاورة الهرث وبها بيت الرفاعي المشايخ، وبها الفقراء ومذهبهم الرقص إلى عالي.
وأنشدني أيضًا لنفسه، وقد فارق الأمير ركن الدين من حلب ونزل دمشق لسبب جرى بينه وبين عمّه داود بن مسعود: -[من المنسرح]
يا أيُّها الملك الَّذي يده ... تعرف بالسَّمهريِّ والجود
/٢٢٢ أ/ غلامك الخال لم يدع حلبًا ... إلاَّ لخوف من خيث داود
داود ما بين .... نكٌ ... يرمى خصامًا وبين عنقود
لا تهجبوا إن أذاع سركم ... نقل حديث وإبن مسعود
стр. 1403
وأنشدني نفسه، وكان يخدم باربل لمالكها مظفر الدين، فعوق نواب الديوان حامكيته. فكتب إلى المستوفي أبي البركات يلتمس منه إستخلاصها: [من الكامل]
مولاي يا شرف الأنام ومن له ... كفٌ تنوب عن السحاب إذا ونى
أنت الَّذي ما رام جودك آملٌ ... إلاَّ انثنى عجلاً وقد نال المنى
مالي أرى الأجناد من ديوانكم ... أخذوا جميع رقاعهم إلاَّ أنا
وأنشدني لنفسه: -[من الخفيف]
كفَّ عنِّي فما عليك ضماني ... خلِّ شأن الدُّموع تجري وشاني
فلقد شاقني إلى الشَّام برقٌ ... أين أرض الشَّام من جابان
مستهامٌ في هرث جابان يشتاق إلى النَّيربين فالميدان
وقصور بنهر باناس والولدان فيها تخالها كالجنان
/٢٢٢ ب/ كلُّ حلو الدَّلال معتدل القامة يسبى بطرفه الفتَّان
وغناء الأطيار يعنيك فيها عن سماع النَّايات والعيدان
حبذا، حبَّذا! ليال تقضَّت ... بينهم والشَّباب في العنفوان
حيث عقد اللَّذات منهم نظيمٌ ... شمل عيشتي في تداني
وحبَّا الزَّمان طلقٌ وأيَّام التذَلاقي من النَّوى في أمان
وورود الوصال عذبٌ وأغصان المسرَّات دانيات المجاني
غدر الدَّهر فافترقنا وهل ينكر غدرٌ من حادثات الزَّمان
وكان في خدمة أمراء إربل، فكتب إليه: [من الوافر]
أيا مولاي ركن الدِّين من لي ... سواك ومن بغيرك أستجير
أتعلم أنَّني في سوء حال ... وقد أضحى يماطلني الأمير
وتمسي الصَّافنات مضمَّرات ... فلا تبنٌ لهنَّ ولا شعير
لقد ضاقت على الأرض حتَّى ... كأنِّي في بلادكم أسير
وأنشدني لنفسه من أبيات: -[من البسيط]
والله ما غرَّدت في الأيك طائرةٌ ... ولا رأيت غريبًا فارق الوطنا
إلاَّ وقلت من الأشواق يا سكني ... ترى تعود ليال قد مضين لنا
стр. 1404
[٥٥٣]
/٢٢٣ أ/ عمر بن المظفر بن عبد الله بن المبارك بن عثمان المخزمي المعروف بالسيهبان.
وهو لقب لبعض أجداده.
[هو من قرية برطلَّة إحدى قرايا الموصل. كانت حرفته الحياكة، ثم صار له طبع فعمل منه قطعًا كثيرة، وعانى فن الطرب فصار مغنيًا يحضر السماعات ..... ؛ وربما أنشأ شعرًا ..... ]: [من الكامل]
شم بارقًا علوي نجد يخفق ... يخبو وطورًا بالغصا يتألَّق
أسرى وقد أغفى الرَّباب على الحمى ... والنَّجم في أفق السَّماء معلَّق
يحدو سحابات ...... ... منه العهاد مواردًا والأبرق
أمسى يروق لشائميه وميضه ... ويريق أدمعه الغمام ويهرق
شرقت بوابله الأجارع غصة ... لمّا سقاها درُّة المترقرق
فغدت به أطلال رامة تشرق ... والزَّهر يرقص والجفار يصفِّق
والرَّوض يبسم والنَّسيم معنبرٌ ... فكأنَّ مسكًا في رباها يسحق
أوساقيًا فضَّت خوابي حنتمٌ يده ودار بها عليّ معتق
فثملت حتَّى ظلت من طرب إلى ... بان الحمى وغريبه أتشوَّق
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
ألمَّ خيالٌ من أميمة طارق ... وقد بيَّنت منه المنى والحقائق
أتى زائرًا وهنا على بعد داره ... وما صدَّه طول السرُّرى والعوائق
/٢٢٣ ب/ عجبت له كيف اهتدى وأمامه ... سجوف ظلام مانع وسرداق
سرى بغيابات الكرى متكتِّمًا ... وقد هجع الواشون واللَّيل غاسق
стр. 1405
فنمَّت به جرس الحليِّ عياده ... وطيب رداء فاعترته النَّواشق
فأهلاً به طيفٌ سرى بعد هجعةٍ .. كما لاح في طيِّ السَّحابة بارق
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
تعرَّض وهنا والرِّكاب هجود ... خيالٌ به عهد المزار بعيد
سرى من زرود بعد يأس ودونه ... من الأرض بيد للمطيِّ تبيد
تخطَّى إلىَّ النَّائبات فليته ... يعيد لبانات الهوى ويعود
وليت الدُّجى يمتدُّ طولاً كهجره ... ولم يبد للصبح المنير عمود
فلم يبق في المشتاق غير حشاشة ... لنار هوًى بين الضُّلوع وقود
وخافت أنفاس يصعِّدها الأسى ... عليها عظامٌ نحَّلٌ وجلود
جرى دمعها دمعًا وغاض كلامها ... فليس على هذا السَّقام مزيد
وأجحد أنِّي بالصَّبابة مولعٌ ... وهل نافعٌ للعاشقين جحود
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
أهاج الهوى العذريَّ برقٌ تبسَّما .. بدا كغرار السَّيف وهنا على الحمى
سرى خافقًا واللَّيل مرخ ستوره ... على ما حوته الخافقان مخيِّما
/٢٢٤ أ/ بذكرني لمياء لم أنس عهدها ... على ما خلا من وصلها وتصَّرما
وما شعفي بالبرق لو لم أظنُّه ... وقد راقني ثغرٌ لسعدى توهُّما
أرقت له لكن أرقت مدامعًا ... تجرَّعتها ماء فأجريتها دما
وبتُّ أودُّ الطيف لو بات زائرًا ... ومن لي بمسراه إذا الرَّكب هوَّما
ومن لي بجرعاء العقيق وجيرة ... تجرَّعت لمَّا قوَّضوا العيش علقما
عدمت وقد بانوا الكرى وتجلُّدي ... ولا خير في عيش لمن كان معدما
следующие страницы →