Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
وأبو حفص هذا؛ كانت ولادته تقديرًا في سنة .... وتسعين وخمسمائة. يخدم جنديًا للأمراء، وله طبع في قرض الشعر، يقيم وزن البيت بذوق حسن ويقع ... فيجيد رصفها إلاَّ أنه لم يعرف شيئًا من العربية، وإذا أنشد يلحن في إنشاده وربما اتى في شعره بلحن لكونه ما اشتغل بالأدب. وله أشعار تستطاب؛ لأنَّه يضمنها شرح حاله فتأتي مطبوعة خفيفة من غير تكلف. وهو الآن في خدمة الأمير ركن الدين أبي شجاع بن قرطايا الإربلي.
/٢٢٠ ب/ أنشدني لنفسه، وكان في خدمة ركن الدين بن قرطايا ويشكو إليه من غلاء السعر وتعذر النفقة: [من الخفيف]
إنَّ برقا بدا من الأبرقين ... هاج وجدي شوقًا وأسهر عيني
ودعاني إلى الشَّام وعيش ... مرَّ رغداً بالدّضوح والجبلين
وفتاة بشفح عرشين إن لاحت تراها أبهى من القمرين
جعلتني بقصر عيسى مشوقًا .. طول ليلي أراقب الفرقدين
قد كواني حرُّ العراق ومالي ... جلدٌ ثابتٌ على حرَّين
أين عيشٌ لنا رقيق الحواشي ... بمغاني قويق والدَّارين
حبَّذا بالشَّام أبٌ وتموز وبرد النَّسيم في تشرين
يا مليكي اسمع شكاية عبد ... من بني الشَّيخ معلم الطَّرفين
ماله ملتجًا سوى بابك المحروس في المشرقين والمغربين
نهبته الخيل العتاق وأفنت ... ما حواه من كل جنس وعين
كل يوم لهم وللبيت يا مولاي قوتٌ يزيد عن دانقين
ويزيد العلام منِّي إذا سامح نقدًا في الشَّهر دينارين
/٢٢١ أ/ وكر الدار مع كرا الخان والصَّابون أفنى مالي و ....
هات قل لي من أين لي كل ذاك المال أصادفت مطلبًا من لحين
ولئن دام ذا عليَّ تراني ... راجلاً قد قطعت رأس العين
أنت ذخري في النَّائبات وعوني ... في الملمَّات واعتمادي وزيني
стр. 1402
جعل الله نجم سورك محفوفًا بعزَّ يسير في الخافقين وأنشدني لنفسه، وقد نزل بقرية تعرف بأم عبيدة من أعمال واسط، وهي التي فيها بيت الرفاعي مشايخ هذه القرية يخاطب شيخها الزاهد أحمد الرفاعي:
[من الكامل]
يا شيخ أحمد إنَّني متمسكٌ ... بكم وأنتم في البريَّة سادتي
ما جئت من أقصى الشَّام إليكم .. إلاَّ لاحظي في غد بالجنَّة
وأطوف من حول الضَّريح تطوُّعًا ... وأعفر أطراف الرَّواق بوجنتي
تالله لولا صبيةٌ خلفتهم ... بالشَّام بيكون الغداة لغيبتي
/٢٢١ ب/ جاورت أمَّ عبيدة وسكنتها ... فلعلَّ فيها أن تكون منيَّتي
ما كنت أخشى من زفير جهنَّم ... وبنو الرِّفاعي في القيامة عدَّتي
وأنشدني لنفسه، وقد نزل بالهرث –من أعمال واسط- وكان في خدمة الأمير ركن الدين أبي شجاع –حفظه الله- كتب إليه يشكو من البراغيث: -[الكامل]
أشكو إليك من البراغيث الَّتي ... بالهرث قد أكلت جميع جوارحي
فكأنَّهم فقراء أمِّ عبيدة ... يتراقصون على الفراش بطائحي
وأم عبيدة مجاورة الهرث وبها بيت الرفاعي المشايخ، وبها الفقراء ومذهبهم الرقص إلى عالي.
وأنشدني أيضًا لنفسه، وقد فارق الأمير ركن الدين من حلب ونزل دمشق لسبب جرى بينه وبين عمّه داود بن مسعود: -[من المنسرح]
يا أيُّها الملك الَّذي يده ... تعرف بالسَّمهريِّ والجود
/٢٢٢ أ/ غلامك الخال لم يدع حلبًا ... إلاَّ لخوف من خيث داود
داود ما بين .... نكٌ ... يرمى خصامًا وبين عنقود
لا تهجبوا إن أذاع سركم ... نقل حديث وإبن مسعود
стр. 1403
وأنشدني نفسه، وكان يخدم باربل لمالكها مظفر الدين، فعوق نواب الديوان حامكيته. فكتب إلى المستوفي أبي البركات يلتمس منه إستخلاصها: [من الكامل]
مولاي يا شرف الأنام ومن له ... كفٌ تنوب عن السحاب إذا ونى
أنت الَّذي ما رام جودك آملٌ ... إلاَّ انثنى عجلاً وقد نال المنى
مالي أرى الأجناد من ديوانكم ... أخذوا جميع رقاعهم إلاَّ أنا
وأنشدني لنفسه: -[من الخفيف]
كفَّ عنِّي فما عليك ضماني ... خلِّ شأن الدُّموع تجري وشاني
فلقد شاقني إلى الشَّام برقٌ ... أين أرض الشَّام من جابان
مستهامٌ في هرث جابان يشتاق إلى النَّيربين فالميدان
وقصور بنهر باناس والولدان فيها تخالها كالجنان
/٢٢٢ ب/ كلُّ حلو الدَّلال معتدل القامة يسبى بطرفه الفتَّان
وغناء الأطيار يعنيك فيها عن سماع النَّايات والعيدان
حبذا، حبَّذا! ليال تقضَّت ... بينهم والشَّباب في العنفوان
حيث عقد اللَّذات منهم نظيمٌ ... شمل عيشتي في تداني
وحبَّا الزَّمان طلقٌ وأيَّام التذَلاقي من النَّوى في أمان
وورود الوصال عذبٌ وأغصان المسرَّات دانيات المجاني
غدر الدَّهر فافترقنا وهل ينكر غدرٌ من حادثات الزَّمان
وكان في خدمة أمراء إربل، فكتب إليه: [من الوافر]
أيا مولاي ركن الدِّين من لي ... سواك ومن بغيرك أستجير
أتعلم أنَّني في سوء حال ... وقد أضحى يماطلني الأمير
وتمسي الصَّافنات مضمَّرات ... فلا تبنٌ لهنَّ ولا شعير
لقد ضاقت على الأرض حتَّى ... كأنِّي في بلادكم أسير
وأنشدني لنفسه من أبيات: -[من البسيط]
والله ما غرَّدت في الأيك طائرةٌ ... ولا رأيت غريبًا فارق الوطنا
إلاَّ وقلت من الأشواق يا سكني ... ترى تعود ليال قد مضين لنا
стр. 1404
[٥٥٣]
/٢٢٣ أ/ عمر بن المظفر بن عبد الله بن المبارك بن عثمان المخزمي المعروف بالسيهبان.
وهو لقب لبعض أجداده.
[هو من قرية برطلَّة إحدى قرايا الموصل. كانت حرفته الحياكة، ثم صار له طبع فعمل منه قطعًا كثيرة، وعانى فن الطرب فصار مغنيًا يحضر السماعات ..... ؛ وربما أنشأ شعرًا ..... ]: [من الكامل]
شم بارقًا علوي نجد يخفق ... يخبو وطورًا بالغصا يتألَّق
أسرى وقد أغفى الرَّباب على الحمى ... والنَّجم في أفق السَّماء معلَّق
يحدو سحابات ...... ... منه العهاد مواردًا والأبرق
أمسى يروق لشائميه وميضه ... ويريق أدمعه الغمام ويهرق
شرقت بوابله الأجارع غصة ... لمّا سقاها درُّة المترقرق
فغدت به أطلال رامة تشرق ... والزَّهر يرقص والجفار يصفِّق
والرَّوض يبسم والنَّسيم معنبرٌ ... فكأنَّ مسكًا في رباها يسحق
أوساقيًا فضَّت خوابي حنتمٌ يده ودار بها عليّ معتق
فثملت حتَّى ظلت من طرب إلى ... بان الحمى وغريبه أتشوَّق
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
ألمَّ خيالٌ من أميمة طارق ... وقد بيَّنت منه المنى والحقائق
أتى زائرًا وهنا على بعد داره ... وما صدَّه طول السرُّرى والعوائق
/٢٢٣ ب/ عجبت له كيف اهتدى وأمامه ... سجوف ظلام مانع وسرداق
سرى بغيابات الكرى متكتِّمًا ... وقد هجع الواشون واللَّيل غاسق
стр. 1405
فنمَّت به جرس الحليِّ عياده ... وطيب رداء فاعترته النَّواشق
فأهلاً به طيفٌ سرى بعد هجعةٍ .. كما لاح في طيِّ السَّحابة بارق
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
تعرَّض وهنا والرِّكاب هجود ... خيالٌ به عهد المزار بعيد
سرى من زرود بعد يأس ودونه ... من الأرض بيد للمطيِّ تبيد
تخطَّى إلىَّ النَّائبات فليته ... يعيد لبانات الهوى ويعود
وليت الدُّجى يمتدُّ طولاً كهجره ... ولم يبد للصبح المنير عمود
فلم يبق في المشتاق غير حشاشة ... لنار هوًى بين الضُّلوع وقود
وخافت أنفاس يصعِّدها الأسى ... عليها عظامٌ نحَّلٌ وجلود
جرى دمعها دمعًا وغاض كلامها ... فليس على هذا السَّقام مزيد
وأجحد أنِّي بالصَّبابة مولعٌ ... وهل نافعٌ للعاشقين جحود
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
أهاج الهوى العذريَّ برقٌ تبسَّما .. بدا كغرار السَّيف وهنا على الحمى
سرى خافقًا واللَّيل مرخ ستوره ... على ما حوته الخافقان مخيِّما
/٢٢٤ أ/ بذكرني لمياء لم أنس عهدها ... على ما خلا من وصلها وتصَّرما
وما شعفي بالبرق لو لم أظنُّه ... وقد راقني ثغرٌ لسعدى توهُّما
أرقت له لكن أرقت مدامعًا ... تجرَّعتها ماء فأجريتها دما
وبتُّ أودُّ الطيف لو بات زائرًا ... ومن لي بمسراه إذا الرَّكب هوَّما
ومن لي بجرعاء العقيق وجيرة ... تجرَّعت لمَّا قوَّضوا العيش علقما
عدمت وقد بانوا الكرى وتجلُّدي ... ولا خير في عيش لمن كان معدما
стр. 1406
[٥٥٤]
عمر بن إسماعيل بن مسعود بن سعد بن سعيد بن أبي الكتائب بن أبي العشائر الفارقيُّ، الكاتب، الفقيه، الشافعي، المدرِّس.
شاب اجتمعت به بدمشق بقلعتها المحروسة يوم الاثنين ثاني عشر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة.
أخبرني أنه ولد في تاسع شعبان سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وأنه حفظ القرآن الكريم في ستة أشهر وعمره ست سنين، وقرأ مذهبًا وخلافًا وأصولاً على عدة من المشايخ منهم: أبو حفص عمر بن محمد الفرغاني، وأبي الحسن علي بن علي الآمدي. وتميَّز فيما قرأ عليهم.
/٢٢٤ ب/ وشدا طرفًا من الأدب على أبي عبد الله محمد بن حيدر النحوي الموصلي.
وخدم جماعة من بني أيوب ملوك الشام. وكان مبدأ خدمته لتاج الملوك أبي المكارم إسحاق بن الملك العادل؛ ثم لأخيه الملك الأمجد تقي الدين عباس، وبعده لأخيه شهاب الدين غازي؛ ثم للملك الأشرف شاه أرمن، [وصحبه إلى مدينة دمشق
стр. 1407
في سنة ست وعشرين وستمائة، ولم يزل في خدمته إلى أن توفي الملك الأشرف]، فاتصل بأخيه الملك الصالح أبي الفداء أسماعيل واستكتبه في ديوان إنشائه، وجعله مدرسًا في المدرسة الفلكية مضافًا إلى الكتابة. وهو أحد الكتاب المنشئين بدولته.
وأنشدني جملة من أشعاره، إلاَّ أنَّه إذا أنشد شيئًا منها يستغرق بالثناء عليها ويصفها ويعجب بها غاية الإعجاب، ويتعاطى أكثر مما عنده ويفرط في ذلك.
أنشدني لنفسه بدمشق المروسة بقلعتها يوم الإثنين الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة يقولها للأمير شمس الدين أبي الفضل لؤلؤ بن عبد الله، المقيمة بمدينة حلب: [من الطويل]
حكيت سحاب البحتري معرِّجًا ... على حلب فارتاحت الرُّح والنَّفس
فشاهدت بحر للنَّدى فيه لؤلؤٌ ... وعاينت أفقًا للهدى وبه .........
//٢٢٥ أ/ وأنشدني لنفسه أيضًا من قصيدة: [من البسيط]
خودٌ تجمَّع فيها كلُّ مفترق ... من المعاني الَّتي تستغرق الكلما
عطت غزالاً سطت ليثًأ خطت غصنًا ... ماجت كثيبًا رنت نبلاً بدت صنما
رأيت شعري في الشِّعري بمدته ... لأنَّ مدحته علوى إذا نظام
أضاء شمسًا بدا بدرًا علا فلكًا ... نما هلالاً سما نجمًا همى ديما
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
ومخطفة تسبي العقول وتخطف العيون كأنَّ السَّحر من جفنها يوحى
خطت وسط ظبيًا وليثًا وأسفرت ... صباحًا وفاحت عنبرًا وبدت ....
وأنشدني أيضًا لنفسه وهما بيتان لا ثالث لهما: [من الكامل]
стр. 1408
من غرس نعمته وناظم مدحه ... بين الورى وسميِّه ووليِّه
يشكو ظماه إلى السَّحاب لعلَّه ... يرويه من وسميه ووليَّه
وأنشدني أيضًا في الملك الصالح عماد الدين إسماعيل: [من المديد]
إنَّ إسماعيل بحر ندى ... غمامٌ هاطل وكفا
/٢٢٥ ب/ صالح في اسم وفي صفة ... وعمادٌ للورى وكفى!
وانشدني أيضًا لنفسه في رجل اسمه عثمان، وقد رمدت عيناه، ثم شفيت وله ولد يدعى نور الدين وعمل ذلك إرتجالاً: [من الكامل]
قرَّت غيون النَّاظرين لأنَّها ... نظرت إلى عثمان ذي النُّورين
نورٌ بعين لم تزل تستحقر الدُّنيا ونورٌ قرةٌ للعين
стр. 1409
ذكر من اسمه عيسى
[٥٥٥]
عيسى بت سليمان بن عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد الرُّعينيُّ الرُّنديُّ، أبو محمدٍ، وقيل أبو موسى، الأندلسيُّ.
من أهل مالقه.
كان من .... الحديث، وسمع منه كثيرًا، وكتب بخطه. ولقي رجال أهل العلم والفضل، وأخذ عنهم وسار واجتهد وحصل بعد أن طاف قطعة من البلاد. ثم استقر مقامه بدمشق ثم كرَّ راجعًا إلى مدينته فلما وصلها بقي بها مدة يسيرة، ومات في سنة /٢٢٦ أ/ ثلاثين وستمائة.
وكانت ودلاته في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، بقرية من قرى الأندلس يقال له "بلمالة" من كورة بشقير. توغل في ديار مصر وأقام مدة ببلاد الشام، وطوف قطعة من البلاد الجزرية ثم عاد إلى وطنه فمات به.
وكان حافظًا للقرآن العظيم؛ شاعرًا فاضلاً. وعمل كتابًا سماه "الحنين إلى الأوطان الغالب على النفس هواه والهوى سلطان" ونظم معشرات.
أنشدني الشيخ تاج الدين أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن أبي بكر القرطبي، ثم الدمشقي بها سنة أربعين وستمائة في المحرم، قال: أنشدنا الشيخ تاج الدين أبو محمد عيسى بن سليمان العريني لنفسه، وذكر بعض ما أتى به المصطفى
стр. 1410
-صلى الله عليه- من الآيات: [من الطويل]
لك الحمد يا الله والشُّكر دائبًا ... كثيرًا على كلِّ الَّذي أنت فاعل
وسبحانك اللَّهم أنت هديتني ... لنظم به تزهو لعمري المحافل
مننت بنظم في الحبيب محمَّد ... فمن بترحالي فقلبي راحل
وهبني أصحابًا كرامًا أعفَّةً ... لهم قدمٌ في الجدّش والعزم طائل
/٢٢٦ ب/ تشدَّ بهم أزري فإنِّي مدنفٌ ... حليف اشتياق للرسول وناحل
ألا ليت شعري هل أزور محمَّدًا ... أم اعتال موتٌ دون ذلك حائل
لعمري لئن طال المقام ولم أزر ... بلادًا بها بدر الهداية كامل
لأيقنت أنَّي بالذنوب مقيَّد ... وأني عن الإرشاد والخير غافل
توسلت للرحمن لا ربَّ غيره ... بخير الورى طرأ وأنِّي سائل
بمن نبع الماء القراح بكفِّه ... بمن أورقت فيه الغصون الذَّوابل
بمن وجهه يزهو على البدر في الدُّجى ... بمن جمعت حقًا لديه الفضائل
بمن كلَّمته الشَّاة وهي سميطةٌ ... وذلَّت له أسد الشَّرى والمقاول
بمن حنَّ جذغ النَّخل شوقًا لصوته ... وأخصب النَّاس إذ هو ماحل
بمن كلَّم الضَّبَّ البهيم حقيقة ... بمن كلَّمته الجامدات الجنادل
بمن أخبر الكهَّان دهرًا ببعثه ... بمن بشَّرت حقًأ بذاك الأوائل
بمن ارتجي في الحشر منه شفاعة ... نعم والرِّجال الصَّالون الأفاضل
بمن خصَّه الرَّحمن بالنَّصر في الوغى ... وذلَّت له ياصاحبيَّ الجحافل
فذاك الذي أسرى به الله ليله ... إلى المسجد الأقصى فما إن يساجل
وذاك الذي قد كلَّم الله ربَّه ... إذ أسرى به حقًا وما هو باطل
/٢٢٧ أ/ وذات الذي جاء بالنور والهدى ... وذاك الذي تزجى لديه الرَّواحل
وذاك رسول الله يا صاح أحمدٌ ... وذاك الَّذي تطوي إليه المراحل
وذاك الذي من أجله الشَّمس أشرقت ... ولاح هلال الدِّين أو هو آفل
توسلت يا ربِّي إليك بفضله ... فأنت الَّذي ترجى لديك الوسائل
فما أبلغ .... من عشر فضله ... فإنَّ لساني بالمآثم عاطل
لتغفر زلاَّتي وترحم ذلَّتي ... فإنِّي أنا العبد الضَّعيف المواصل
стр. 1411
وبلِّغني يا الله قبر محمَّد ... ولا تحزني ربِّي إذا سأل سائل
وهب والديَّ منك أعظم رحمةً ... تعمهما دأبَا لمجدك شامل
وللمسلمين اغفر فأنت مؤمَّل ... وفضلك معلومٌ وجودك سائل
وصلِّ على خير البريَّة أحمد ... وأصحابه طرأ فدمعي هامل
ودارًا وشوقًا للرَّسول وصحبه ... وحبُّهم في مضمر القلب حاصل
عليهم سلامي ما ترنَّم طائرٌ .. وما قطعت أفق السّماء المنازل
وأنشدني أيضًا، قال: انشدنا لنفسه وقد سأله بعض مشايخه بدمشق شيئًا مما يتعلق بأصحاب الحديث: [من البسيط]
/٢٢٧ ب/ قل للذين بعلم الرَّأي قد ولعوا ... وأهملوا السُّنة الغرَّاء واخترعوا
مسائلاً جمَّة ما مثلها وردت ... في الشَّرع لكنهم في وصفها ابتدعوا
وصوبوا رأيهم حتَّى لقد زعموا ... أن ليس علمٌ سوى هذا الَّذي وضعوا
العلم ويحكم ما فيه حدَّثنا ... خير الأنام رسول الله فاستمعوا
والقائلون به والنَّاقلون له ... هم الرِّجال وأنتم خلفه تبع
ياشانيًا لهم مهلاً عليك فكم ... تبغي ببغض أهيل الفضل يالكع
الله فضلهم حقًأ وأهَّلهم ... لنقل قيل رسول الله فقاتَّبعوا
آثاره فغدوا والله يكلؤهم ... مستمسكين لواء العلم قد رفعوا
كافاهم شرفًا والله أنَّهم ... في سلك إسناد خير الخلق قد جمعوا
من ذا يضاهيهم أم من يساجلهم ... أم من يفاخرهم يومًا وقد رتعوا
في روضة من رياض العلم مؤنقة .. أزهارها وجناها العلم والورع
.أهل الخديث العلم أنَّهم ... تمسَّكوا بعرى ما ليس ينقطع
حتَّى تبوءهم دار الخلود على ... خير الانام الذي طاحت به البدع
صلى الله عليه إله الخلق ما طلعت ... شمس النَّهار ولاح البرق يلتمع
وأنشدني تاج الدين أبو الحسن /٢٢٨ أ/ محمد بن أحمد بن علي القرطبي، قال: أنشدنا أبو محمد الرعيني، قال: انشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أبي بكر لنفسه بدمشق: [من الكامل]
من لم تنله غربةٌ من الرِّدى ... فهو القناة وتلك حد سنان
стр. 1412
وحروفها من كلِّ بؤسٍ ركبت ... لتعمَّ من يغشاه بالأشجان
فالغين من غمٍّ وغبن دائمٍ ... والرَّاء من رزء على الأوطان
والبناء من برحٍ وبينٍ أوبلى ... والهاء من همٍّ وهلك داني
وأنشدني تاج الدين أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن أبي بكر بن إسماعيل القرطبي الدمشقي بها، قال: أنشدني أبو محمد عيسى بن سليمان بن عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد الرعيني، في الجزء الأول من تأليفه الذي سماه "كتاب الحنين إلى الأحباب والأوطان الغالب على النفس هواه والهوى سلطان" فمن ذلك ما أنشأه في وصفه، وهو عشرون بابًا: [من البسيط]
/٢٢٨ ب/ هذا كتاب قصيِّ الدَّار ممتحن ... بفرقة الأهل والأخدان والوطن
صبِّ مشوق براه البين فاضطرمت ... أحشاؤه فغدا والهمّ في شطن
كذاك كلُّ غريب الدَّار منتزحٍ ... ما عن له حيث ما قد حلَّ من سكن
يشكو البعاد وما قد ظلَّ يرمقه ... من سوء فعل النَوى في السِّرِّ والعلن
طال الثَّواء بأرض الشَّام وأسفي ... ماذا منيت به من غدرة الزَّمن
فالله يجبر ثكلي ثمَّ يجمعني ... قبل الممات بمن أهوى بلا محن
برحمة منه ما أرجو سواه كذا ... سبحانه جلَّ ذو الإحسان والمنن
وأنشدني، قال: انشدني لنفسه في الباب الأول؛ وهو باب في ذم الغربة والاغتراب وبيان كون الغريب أذل من التراب: [من الوافر]
أبت لي همَّتي وأبى انتخابي ... سوى حفظ المودَّة والإخاء
ألا إنِّي بشتَّل مستهامٌ ... أدين لساكنيها بالوفاء
شتَّل: اسم ضيعة من ضياع مالقة بها أهله وولده.
/٢٢٩ أ/ أهيم بمن بشتَّل قد أقاموا ... ونابهم بلا مين شقائي
إذا الأقدار لم تسمح بقرب ... سأقني في ودادهم ذمائي
стр. 1413
أنوح لغربتي ولفقد أهلي ... فدهري لا أملُّ من البكاء
أبيت خليف وجد واشتياقٍ ... وليلي قد فزعت إلى الدُّعاء
أنادي في بلاد الشَّرق .... ... إله العالمين أرتح شفائي
أذا العرش المجيد إليك أشكو ... نزوح أبَّتي والهمُّ دائي
ألا إنِّي غريب الدَّار صبُّ ... إلى كم ذا التَّغرُّب والتَّنائي
ألا إنَّ الغريب مدى اللَّيالي ... أذل من التَّراب بلا ....
إلى الله العظيم شكوت حالي ... عساه بفضله يدني لقائي
وأنشدني، قال: انشدني لنفسه: [من الطويل]
خليليَّ إنِّي قد نصحتكما جهدي ... وإن كان نصحي لا يفيد ولا يبدي
ولكنَّ نصح الخلق في الشَّرع قد أبى ... فذاك حداني أن أبثَّ الذي عندي
فدونكما كم ذا التَّغرب في الورى ... وحتَّى متى لا تنزعان إلى الرُّشد
ألا غنَّ سبل الرُّشد للمرء أوبهُ ... لأوطانه اللاَّتي بها كان في المهد
فلا تسمعا ممَّن يبهرج قوله .... وإن زعموا أنَّ الفوائد في البعد
/٢٢٩ ب/ .... أنَّ البعد ... لفظه ... ذوو الدِّين والدُّنيا ذوو الحلِّ والعقد
فكلُّ غريب الدذار لا بدَّ أن يرى ... ذليلاً حقيرًا لا يعيد ولا يبدي
ولو كان ذا مال عريض وثروةٍ ... فلابدَّ أن يلقى كثيرًا من الجهد
وما إن يزال الدّضهر حلف صبابةٍ ... ولو مالك الدُّّنيا إلى آخر الهند
فمن كان ذا عقلٍ غزير وهمَّةٍ ... فلا يلتفت يومًا إلى العلم الفرد
ولا يحفلن بالظَّاعنين إلى الحمى ... ولا يصبون للسَّاكنين ربى نجد
ولكنَّ طرف العزم يركب متنه ... نؤومٌ به الأوطان بالنَّصِّ والوخد
ويتحف أهليه برؤية وجهه ... فما منهم إلاَّ مشوقٌ ومستجدي
إلى الله يشكون الغرام وفقده ... فيا بؤس ما يلقون من شدَّة الوجد
فلله من يرعى قلوب أهيله ... ويكسب في ذاك الثَّناء مع الحمد
стр. 1414
[٥٥٦]
عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت البردكيُّ، خطيب الجامع بمراكش، أبو موسى الجزليَّ.
منسوب إلى قبيلة من البربر مشهورة تسمى "جزولة" أصلها بين الكاف والقاف فعربها الكتاب، وكتبوها بالجيم.
/٢٣٠ أ/ من أهل مراكش.
الشيخ الأديب النحوي الفقيه الخطيب.
رحل إلى مصر وأدرك أبا محمد عبد الله بن بري النحوي، وقرأ عليه أصول أبي بكر بن السراج، وقرأ على أبي منصور ظافر بن الحسين المالكي المصري كتابًا في أصول الدين، فنال عندهم حظوة، وتقبلوه وحسن موقعه عندهم، وقاسى مدة إقامته بمصر ضرًا من الفقر والفاقة، ولم يدخل في مدرسة.
وكان يخرج إلى الضياع فيحصل ما يقوم بنفقته، وهو غاية من القلة وضيق المعيشة، ثم رجع إلى المغرب فقيرًا مدقعًا فوصل إلى المرية وغيرها من البلاد. وصاحب ابني عبد المؤمن المستولين على تلك البلاد، فنال عندهم حظوة، وتقبوله وحسن وموقعه عندهم، فتمشت احواله معهم، واكتسب رزقًا متوافرًا من صحبتهم.
стр. 1415
وكان قد ندبه الأمير أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن عبد المؤمن لكشف أحوال القضاة الولاة على البلاد، ثقة بعدالته وأمانته، فتوفي في تلك السفرة في دولة الأمير محمد بن يعقوب قبل السنة العاشرة والستمائة، والله أعلم بصحة ذلك. وكان نحويًا /٢٣٠ ب/ حاذقًا بصيرًا بعلم العربية، إمام زمانه في معرفتها وإتقانها؛ وهو صاحب المقدمة الجزولية المشهورة في علم الأعراب التي سارت وانتشرت في الآفاق، واستجادها أهل هذا الشأن، واستحسنوها غاية الإستحسان، وشهدوا لمصنفها بالتبريز والسبق على أبناء جنسه استخاروها على مصنفات القدامى من النحاة، وكتبت بها النسخ لكونها فريدة في معناها. وكانت وفاته في حدود سنة خمس وستمائة بهسكورة من بلد مراكش.
أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله الفقيه المدرس الحنفي بمحروسة حلب، بمنزله المعمور في سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو الحسن يحيى بن معطي بن عبد النور المغربي النحوي، قال: أنشدني أبو موسى لنفسه، يذكر فضل شيخ من العلماء، وكان رجلاً صالحًا يعرف بأبي العباس الفقيه:
[من السريع]
أقول قولاً ماله منكر ... إلإَّ امرؤٌ أحمق مستكبر:
إنَّ أبا العبَّاس ممَّن به ... يستنزل الرِّزق ويستمطر
/٢٣١ أ/ بقيَّةٌ من سلف صالحٍ ... كان كما كانوا فما يكدر
كنت لعمري إن جري ذكره ... أظنُّه من بعض من يذكر
فاليوم لا أرتاب في فضله ... صدَّق عندي الخبر المخبر
جالست منه الشَّمش في قدرةٍ ... وأبحرًا في العلم لا تعبر
هم بنو الدُّنيا بما ناله ... في العلم والتَّقوى فلم يقدروا
أبصر ما لم يبصروا بعدما ... شاركهم في كلِّ ما أبصروا
стр. 1416
[٥٥٧]
عيسى بن المعلَّى بن مسلمة، أبو إبراهيم الرافقيُّ.
الشيخ الأديب الفاضل النحويُّ.
كان له مكتب قد فتحه يعلم فيه الصبيان الخط، ويؤدبهم بالعربية والأدب، وله عدّة تصانيف منها "تبيين الغموض في علم العروض"، وكتاب "المنتخب من لغة العرب"، وكتاب "الجامع في شرح الكافي في معرفة القوافي"، وكتاب "تحفة المجالس وغبطة النديم والمؤانس" ألّفه للملك الظاهر صاحب حلب عمله على ألسنة الشعراء المتقدمين. /٢٣١ ب/ ومن ذكر من الفتيان والقيان المجيدين، وكتاب "الإقناع في الرسائل" وصنّف في النّحو كتابًا لطيفًا سماه "المعونة" وشرحه بكتاب آخر سماه "القرينة في شرح كتاب المعونة".
وكانت وفات ليلة الجمعة ثالث ربيع الآخر من سنة خمس وستمائة، وصار ديوان شعره في مجلدتين كبيرتين، مشروحًا افتتحه بخطبة من إنشائه، ورتبة أبوابًا يشتمل على ستة أبوب "باب في المديح والاتفحارات"، "باب في الزهديات والمسائل الفقهية والأحاجي النحوية"، "باب في ... الصلات"، "باب في الاعتذارات والشكر على ابتداء الحسنات"، "باب التشوقات وما يكتب في المراسلات"، "باب المودات في الآداب والمعاني المختلفات"، "باب في الاحاجي وما فيه من اللغز والأحاجي".
ولم يكن شعره رقيقًا مطبوعًا بل مرذولاً ظاهر التعجرف، بادي الركاكة لكثرة ما يستعمل فيه من الألفاظ الحوشية تبنى عليه الرثاثة. وكان خبيرًا باللغة العربية، عالمًا بأخبار العرب وأمثالها ووقائعها، ذا فضائل جمّة /٢٣٢ أ/ وداب كثيرة وعلم واسع.
стр. 1417
ومن شعره ما كتبه إلى صديق له، يعتذر إليه من انقطاعه عن عيادته:
[من المتقارب]
أعيذك من ألم حادث ... يكون لجسمك يومًا مهيضًا
ولازلت عمرك في صحَّة ... تنال الثَّناء الطَّويل العريضا
وليس انقطاعي عن أن أراك إلاَّ كمن لا يودُّ الفروضا
بلى إنَّ قومًا ما رأوا قبلنا ... بأن لا يعود مريضٌ مريضا
وقال في غلام أزرق: [من المتقارب]
لقد لامني في هوى اغيد ... أناسٌ لمعناه ما حقَّقوا
وقالوا: بمقلته زرقةٌ ... فذَّمُّوه عندي ولم يصدقوا
وهل يبلغ المشرفيُّ مرادًا وما متنه أزرق
ومن ثقة الماء إن قيل فيه أزرق في لونه مشرق
ولون السَّماء إذا كان في العيون فمن حقِّها تعشق
فلست أبالي بلوم الأنام ... ولو أرعدوا فيه أو أبرقوا
وقال في غلام ضرير: [من البسيط]
قالوا: عشقت ضريرًا قلت: ويحكم ... لا تعذلوني على عشق الأضرَّاء
/٢٣٢ ب/ لو كان ببصر لم آمن ملالته ... قربي ودان يرى رأيًا سوى رائي
ماذا انتفاعي بعينية وفي فمه ... ووجنتيه دواءٌ لي من الدَّاء
وقال: [من المجتث]
قل للأحبَّة ها قد ... جئنا فهل تقبلونا
يا هاجرينا إلى كم ... يكون ما تعدونا
يا واجدين علينا ... ما آن أن ترحمونا
جئنا نحاول قربًا ... منكم فلا تبعدونا
وقد وقفنا على بابكم فلا تطردونا
ما ترحممون كئبًا ... بحكبّكم مفتونا
وقوله أيضًا: [من الطويل]
стр. 1418
ألا ربَّ طمرين أرضاه ربُّه ... وحلاَّه في جنَّاته بجواهر
فألبسه في الخلد من كلِّ حلَّه ... تراها عليه زينة للنَّواظر
وكم من زريِّ الحال أصبح ظاهرًا ... يحلَّى بها من عسجد بأساور
وكم من غنيٍّ في قرار جهنَّم ... بوجه عبوس أسود اللَّون باسر
أقام بها يلقى هوانًا وذلَّةً ... وأخلده فيها ذنوب الكبائر
/٢٣٣ أ/ وقال: [من مجزوء الرجز]
صاح غرابٌ بينهم .. فبتُّ أبكي أسفا
ولست أشكو من أحبَّائي سوى طول الجفا
ما ضرَّ من غذَّبنا ... بهجره لو عطفا
من لي بعيش كدَّرته الحادثات لو صفا
ما بالكم لا تقبلون من أتى معترفا
هلاَّ رحمتم من على ... أبوابكم قد وقفا
أما ترون جسمه ... لهجركم قد دنفا
صافوه إذ عادكما ... تهوون من أهل الصَّفا
وقوله: [من الخفيف]
يا أخي هكذا تكون العباده ... لا تراد الدُّنيا بها والزياده
لا ترد غير وجهه بالعبادات ولا غيرها بعدلك عاده
لا ترم طالب السِّيادة في الدُّنيا ورم في الجنان تلك السِّياده
صلِّ فوق التُّراب لا تحسبَّن الزُّهد بسط الصِّقاع والسجاده
ودع الكبر والرِّئاسة والمال ليشقى بجمعه من أراده
/٢٣٣ ب/ زوِّد النَّفس بالبقيًّة فالرَّاحل يبغي لنفسه ....
لا ترد غير وجه ربِّك بالأعمال حتَّى تنال منه الإراده
فاللَّبيب الأريب من يترك الدُّنيا ويبغي لما أحبَّ معاده
ما السَّعيد الَّذي تراه كثير المال بل في التُّقى تكون السَّعاده
وقوله: [من المجتث]
стр. 1419
لا تكثرنَّ كلامًا ... فالصَّمت فيه السَّلامه
كم من كلامٍ كثيرٍ .. ز جنى عليك ندامه
وقال يصف التقويم: [من الوافر]
أرى التَّقويم ذا علم جليل ... يروق لكلِّ ذي فهم جليل
إذا طلَّعت فيه وكنت حبرًا. بمعرفة الطُّلوع من الأفول
علمت بسيرة الأفلاك منه ... مواقيت الإقامة والرَّحيل
وتدبير الأمور محقَّقات ... بعاقبة القبيح من الجميل
وأقرب مايفاد المرء منه ... على الأيَّام معرفة الفصول
وأعياد اليهود مع النَّصارى ... وقد يعزبن عن عقل الجهول
/٢٣٤ أ/ كثير النَّفع تحسبه قليلاً ... فيا حسن الكثير من القليل
وقال يصف حمامًا: [من الخفيف]
قد رأينا من لطف صنع الباري ... منزلاً في نهاية الغختصار
فيه مثل السَّعير من سورة النَّار تلظَّى من جاحم نوَّار
وجحيمًا جنيت منه نعيمًا في غدوِّ ... بابتكار
أرضه مرمرٌ نزلُّ به الأقدام محفوفة بماء جاري
مرلاً طاب ظلُّه بسماء ... رفعت فهي نزهة الأبصار
تنظر اللَّيل والكواكب منه ... طالعات من جوِّه بالنَّهار
وحشتي أن أزار منه وماكدت أراه يخلو من الزُّوَّار
ما سمعنا من قبله بنعيم ... في جحيٍم وجنَّةٍ في نار
[٥٥٨]
عيسى بن محمّد بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، الملك المعظم، أبو الفضائل بن الملك العادل أبي بكرٍ
стр. 1420
صاحب دمشق.
كان أشدَّ اخوته بأسًا، وأقواهم جأشًا، له السياسة والشجاعة والشهامة /٢٣٤ ب/ والصرامة، ذا همّة وحزم شديد.
وحدّثته نفسه بتملك البلاد فعاث في بعضها، وسلط عليها العرب فقطعوا الطرق وأخافوا السبيل، وذهبت بسببه الأموال والأنفس، فتقلدها في عنقه، ولقي الله تعالى بها، وامتدت يده في الظلم والمصادرات، وظلم جماعة ووصل جوره وظلمه إلى خلق كثير، فأخذه الله –تعالى- في أغفل حاله حيث لم يشعر. وصار رهنًا بعمله.
وتعصّب على مذهب الشافعي –﵁ وعلى الائمة على مذهبه للنحفية، وقرب الأطراف، وأبعد الأماثل، ودرس من فقه الإمام أبي حنيفة –﵁ وناظر الفقهاء وتكلّم معهم في المسائل الخلافية. وكان يقرّب العلماء وأهل الأدب ويباحثهم، ويقبل عليهم ويكرمهم. ونظ شعرًا كثيرًا، ودوّن شعره ومعظمه في الإفتخار ووصف نفسه بالفروسية والإقدام والحروب والوغى.
وتوفي بدمشق يوم الجمعة سلخ ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة. وكانت ولادته سنة ست وسبعين وخمسمائة.
أنشدني منقد بن سالم /٢٣٥ أ/ بن رافع الدمشقي الشاعر، قال: أنشدني الملك
стр. 1421
المعظم لنفسه: [من الكامل]
ومورَّد الوجنات أغيد خاله ... بالحسن من ماء الملاحة عمَّه
كحل الجفون وكرَّ في لحظاتها ... غنجاً فقلت: سقى الحسام وسمَّه
وأنشدني أبو الطليق معتوق بن أبي بكر بن سعد الشاعر الخزاعي، قال أنشدني الملك المعظم لنفسه: [من الطويل]
نزلنا ضميرًا والجياد ضوامرٌ ... وقد حان من شمس النَّهار غروبها
ففاضت دموع العين شوقًا إليكم ... وليس عجيبًا أن تفيض غروبها
وقال أيضًا: [من المنسرح]
ناولني في الدُّجى كوجنته ... ظبيٌ سباني بحسن طرَّته
لو بشرٌ يسجد الأنام له ... يومًا سجدنا لحسن صورته
سكري ثلاثًا من خمر راحته ... وخمر فيه وخمر مقلته
وقال أيضًا: [من الكامل]
الجسم مذ هجر الحبيب سقيم ... والجفن من فيض الدُّموع كليم
يا من جفا بعد الوصال فقلت من ... يهواه من ألم الفراق سليم
/٢٣٥ ب/.
/٢٣٦ أ/ بي منك ما بو أنَّ عشر عشيرة ... بالخلق لم يحيوا وأنت عليم
كيف السَّبيل إلى رضاب سلسل ... مسكٍ كأنَّ مزاجه تسنسم
[٥٥٩]
عيسى بن محمّد القمراويُّ
مشارف رأس العين.
стр. 1422
أنشدني القاضي أبو القاسم الحنفي، قال: أنشدني عيسى بن محمد لنفسه:
[من الطويل]
إذا كان في وسط الحشا مستقركم ... والعين منكم حظُّها ونصيبها
فما ثمَّ هجرانٌ ولا ثمَّ جفوةٌ ... فدامت لنا هذي اللَّيالي وطيبها
[٥٦٠]
عيسى بن محفوظ بن الطيِّب، أبو الفضل الأصفهانيُّ الطَّرقي
من ناحية أصفهان – النحوُّي الأديب.
أخذ النّحو عن المفيد القاشاني، والرفيع اللبناني. وكان أستاذًا في الآداب بصيرًا بها، وله تصانيف ومن تصانيف ومن تصانيفه كتاب "شرح اليميني العتبي".
وكان مع تفرّده بعلم الأدب والعربية، ناقص العقل ذا غفلة وبله يعتريه في وقت.
/٢٣٦ ب/ وتوفي بأصبهان عاشر المحرم سنة خمس عشرة وستمائة، عن ثلاث وستين سنة.
انشدني أبو القاسم محمد بن ثابت بن غانم بن عبديل الأصفهاني، قال: أنشدني عيسى بن محفوظ الطرقي لنفسه: [من الكامل]
في كلِّ جارحة هواك يبين ... كلِّي بكلِّك ..... رهين
أعددت حبَّك للبقاء فغيره ... شخص تماسك ماؤه والطِّين
الجسم يبلى والحياة وديعةٌ ... والرُّوح تذهب والفؤاد يبين
قالوا: تماسك بالذَكاء فإنَّه ... كلٌّ بمذخور الحياة ضنين
ومفلّج الأسنان في حلفاته ... وعدٌ إذا رمت الوفاء يمين
لم يتَّسم إلا وأنشد دونه ... نظري إلى لمعلٌ الوميض حنين
стр. 1423
هذا هو .... الّذي يبقى معي ... إن عطِّلت دارٌ وخفَّ قطين
وأنشدني، قال: أنشدني الطرقي لنفسه: [من البسيط]
هب انَّ سرِّي بفيض الدَّمع ما انتثرا ... وهاتف البان ما أملى له الخبرا
والبرق ما شبَّ نار الوجد في خلدي ... والرَّوض ما أطربتني ريحه سحرا
ماذا أقول وقد زمِّت جمالهم ... تكاد زفرة صدري تفلق الحجرا
ووجدت له قول من قصيدة: [من الطويل]
/٢٣٧ أ/ ترنُّم ورق أيكها متشابك ... ورنَّة باكي المزن والبرق ضاحك
وأنفاس صبح دون نفثة ناسٍم ... إليهنَّ يهفو صبري المتماسك
[٥٦١]
عيسى بن محمد بن موسى بن محمد بن عبد الله بن إبراهي بن خليل الحميريُّ الاندلسيُّ التاكرنّيُّ أبو الروح.
وتاكرنا من أعماله قرطبة.
قدم إربل في شوال سنة سبع وعشرين وستمائة للاستجداء، ولم أكن ذلك الوقت مقيمًا بها. كتب عنه جماعة من أهلها. وكان يروي شيئًا من أشعار الأندلسيين، وله عناية بحفظها وأنساب قائليها. ثم سافر عنها إلى مدينة آمد فلم يمكث بها إلاَّ مدّة قريبة.
وكانت وفاته بارزن من ديار بكر في سنة تسع وعشرين وستمائة عائدًا من آمد، كذلك أخبرني البدر أبو الوفاء الحسن بن علي بن الموصلي الكاتب بحلب المحروسة.
стр. 1424
/٢٣٧ ب/ وله أشعار انشدني منها الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي، قال: أنشدني أبو الفرج عيسى ابن محمد لنفسه: [من الطويل]
سلامٌ لساعات التَّلاقي في الهوى ... محلاًّ وأيَّام الشَّباب من العمر
أخصُّ به معنى الكمال وشخصه ... ويبَّاق غايات الفضائل والفخر
أبا البركات الألمعيَّ الَّذي غدا ... له شرفٌ يربي على الشَّمس والبدر
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
ياربَّ أضحية سوداء حالكة ... لم ترع في البيد إلاَّ الشَّمس والقمرا
تخال باطنها في اللَّون ظاهرها ... فهي العداة لزنجيٍّ إذا كفرا
وانشدني، قال: أنشدني قوله: [من الكامل]
يا قلب مالك لا تفيق من الهوى ... أوما يقرُّ بك الزَّمان قرار
الكلِّ ذي وجه جميلحنَّةٌ ... ولكلِّ عهد سالف تذكار
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
إن اودع الطِّرس ما وشَّاه خاطره ... أبدى لعينيك أزهارًا وأسحارا
وإن تهدَّد فيه أو يعد كرمًا ... بثَّ البريَّة آجالاً وأعمارا
[٥٦٢]
عيسى بن أقبوري بن علي /٢٣٨ أ/ بن علي بن بكتكين بن محمدٍ، الأمير أبو سعيدٍ.
وهو إبن أخي الملك المعظم مظفر الديم كوكبوري بن علي –﵁ له شعر ضعيف.
أنشدني أبو علي محمد بن علي بن سلار الإربلي الكردي الهذباني، قال:
стр. 1425
أنشدني الأمير عيسى بن أقبوري لنفسه: [من مجزوء الكامل]
دنيا أراك وزهوكي ... سجنًا لمن فيه فضيله
سحقًا لزهو جمالك الفاني وحلَّتك الرَّذيله
إذ لا تدومي لا تكوني في التَّحكُّم مستطيله
يكى الورى من حلمك الموت الَّذي ما فيه حيله
وانشد أبو نصر أحمد بن إسماعيل بن أحمد الإربلي، قال: أنشدني الأمير عيسى لنفسه: [من البسيط]
ياذا الَّذي قال قولاً صادقًا ووفى .. ز وأفخر النَّاس قدرًا حيثما وقفا
إن كان للصَّبر حدٌّ في نهايته ... حد النِّهاية في الصَّبر الجميل كفى
لا زال بابك للرَّاجين ملتجأ ... فضلُّ عزمك للمعنى به كنفا
ما لاح صبحٌ وأضحت في ..... ... شمسٌ وأمسى ظلام اللَّيل منعكفا
[٥٦٣]
/٢٣٨ ب/ عيسى بن الفضل بن بشر بن عيسى بن مواهب، أبو الفتح، المعروف بابن البحريِّ النصرانيُّ الموصليُّ.
كانت ولادته بالموصل في ذي القعدة من سنة إحدى وثلاثين وخمسامائة. وتوفي بمدينة إربل ليلة الثلاثاء التي صباحها اليوم التاسع من المحرم من سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
انتقل إلى مدينة إربل، وخدم الأمير قرطايا بن عبد الله المظفري، فحين قبض عليه الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي –﵁ حبس في جملة أصحابه وحاشيته. ثم أخرج فتولى الإشراف بالديوان ثم عزل عن ذلك، وصار عارض الجيش وتمكن من الدولة تمكنًا لم يتمكنه أحد من أبناء زمانه.
وكان خبيثًا رديء الباطن فيه شراسة خلق مع تهوّر وإقدام على الأمور. وكان يحفظ جمل من أشعار المتأخرين؛ معتنيًا بفن النثر. وله شعر كثير ولم يكن عنده شيء من الأدب؛ فلذلك جل شعره يوجد فيه لحن فاحش.
стр. 1426
أنشدني الصاحب الوزير /٢٣٩ أ/ شرف الدين أبو البركات المستوفي باربل، قال: أنشدني أبو الفتح بن البحري لنفسه: [من البسيط]
إن غبت عنك فلي روحٌ بربعكم ... موقوفةٌ بين إخلاص وأشواق
وإن دهتني من الأيَّام نائبة ... فليس عيركم ياسادتي واقي
وإن جفوتم فمالي عنكم عوضٌ ... وإن نسيتم فظنِّي فيكم باقي
وأنشدني أيضًا، قال: كتب إلي عيسى بن البحري من الحبس، وأنشدنيه بعد ذلك: [من البسيط]
يا سادةًَ أشرقت لطفًا خلائقهم ... أنتم وجودٌ وكلٌّ غيركم عدم
ما نال من عبدكم سجنٌ أضرَّ به ... ما نال منه أليم الشُّوق نحوكم
وأنشدني، قال: كتب إلي أيضًا لنفسه: [من الطويل]
وعدتكم وعدًا وما كنت مضمرًا ... وفاء به إذ لم أكن قلت عن جدّ
وكم مرَّة وعد الكذوب وعدتكم ... فمن بعدها لا تزلموني بالوعد
وقال الصاحب أبو البركات فأجبته: [من الطويل]
وقيت الرَّدى ما ردَّها فيك خبرةٌ ... فيحمل هزل الوعد منك على الجدذِ
كذلك مازالت وعودك كلُّها ... على سائر العلاَّت كابية الزَّند
/٢٣٩ ب/ متى فهمت مضطرًا بوعد مسوَّف .. .فعجلت عقد الحلف من أوَّل العهد
وأنشدني الحسن بن علي بن شماس، قال: أنشدني عيسى بن البحري لنفسه:
[من المتقارب]
على الهمِّ انفقت شرخ الشَّباب ... وفي النَّائبات رماني الزَّمان
وفي كلِّ يوم حماي يباح ... ومالي يصاب ونفسي تهان
فياربِّ قد طال وقع الأذى ... أما لي من صرف دهري أمان
[٥٦٤]
عيسى بن سلامة بن سليم –بفتح السين- بن عبد الوراث بن عليِّ بن سليمان بن عبد الرحمن، أبو موسى الحضرميُّ الحميريُّ.
كانت ولادته بصقلية سنة سبعين وخمسمائة، ونشأ بالإسكندرية، وحفظ القرآن
стр. 1427
العزيز. وكنا فقيهًا أصوليًا محدثًا قارئًا؛ لقيته باربل في شهر رمضان سنة خمس وعشرين وستمائة.
وانشدني لنفسه، وذكر أنه أول شعر قاله في صباه: [من الوافر]
إلى كم ذا اخلمول وأي عيش ... يطيب لمن يصاحبه الخمول
/٢٤٠ أ/ بليت بمعشر سفهوا حلومًا ... وإن سفهوا فعالمهم جهول
معاشرهم يذمِّم ما ارتضاه ... معاشرهم فكثرهم قليل
فحظِّي إذ اماسهم مهيضٌ ... وعيشي إذ أماشهم محيل
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
وإذا أبتلاك بفاقة زمنٌ فلا ... ترفع بها إلاَّ إلى سلطان
فندى الملوك ورفدهم لمؤمل ... أسنى وأشرف من ندى الأخوان
أخوان دهرك ربما منوا وما ... ترضى الملوك سجيَّه المنَّان
[٥٦٥]
عيسى بن سنجر بن بهرام جبرائيل بن خمارتكين بن طاشتكين، أبو الإربليُّ المعروف بالحاجريِّ.
وعرف بذلك لأنه يكثر "حاجر" في شعره، قلّما يخلو له قصيدة إلاَّ ويعرّض
стр. 1428
بذكره فيها.
وهو شاب من أبناء الاتراك باربل وقدماء أجنادهم. وكان جنديًا ثم صار بعد ذلك صوفيًا. وهو ذو مفاكهة ومحاضرة، جيد القريحة في الشعر. وله أشياء حسنة /٢٤٠ ب/ في الغزل والهجاء، ومعان يجيد استنباطها بلا رأس مال في النحو، ولا قرأ منه شيئًا إلاَّ تأتيه طبعًا.
لقيته باربل سنة خمس وعشرين وستمائة؛ وتأكدت بيننا صحبة. وخبرت أنه قتل يوم الخميس ثالث شوال باربل سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
انشدني لنفسه: [من الطويل]
بدا فأرانا الظّبي والغصن والبدرا ... فتبًا لقلب لا يبيت به مغرى
نبيُّ جمال كلُّ ما فيه معجزٌ ... من الحسن لكن وجهه الآية الكبرى
أقام بلال الخال من فوق خدِّه ... يراقب من لالاء غرَّته الفجرا
سرى طيفه ليلاً إليَّ مجدِّداً ... عهود الهوى يا حبَّذا ليلة الإسرا
ترفَّع عن حدِّ الملاحة رتبة ... فأجملت فعلاً ................
أعاذل هل أبصرت من قبل خدِّه ... وسالفه نارًا حوت جنَّة خضرا
من الترك لم يترك لقلبي تجلُّدا ... فتورٌ بعينيه المراض ولا صبرا
أعلط أخواني إذا ذكروا له ... حديثًا كأني لا أحبُّ له ذكرا
وأصغي إذا جاءوا بغير حديثه ... بسمعي ولكِّي أذوب به فكرا
سقاني بعينه المدام وكأسه ... فلم أدر أيُّ الرَّاح أعقبني سكرا
/٢٤١ أ/ أرى العدل معروفًا بكسرى فكم ترى ... ظلمت بأجفان شهدت بها كسرا
كأنَّا تعادينا السَّقام لحاجةٍ فأمرضني جسمًا وانحلته خضرا
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
ياواحد الحسن إرحم واحد الكمد ... حاشاك من حرق يصلى بها كبدي
في كل جارحة منِّي لسان هوى ... يشكو إليك رسيس الوجد والكمد
واطول سقمي وفي فيك الشِّفاء ويا ... ظلمي وأنت أمير الحسن في البلد
إن كان تعذيب قلبي فيك أو تلفي ... ممَّا يسؤُّك ياكلَّ المنى فزد
стр. 1429
أنت الذي ما بدت للعين صورته ... إلاَّ وعوَّدته بالواحد الصَّمد
كم من أسير غرام فكاك له .. لمقلتيك ومقتول بلا قود
روحي الفداء لظبي من بني أسد ... وأعجب الأمر ظبيٌ من بني أسد
كيف السَّلامة لي ممن محاسنه ... جاءت لقتلي بأنواع من العدد
الطرَّرف بالنَّبل والقدُّ المرنَّح بالخطِّي والسَّالف المصقول بالزَّرد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
صنم عليه لللملاحة رونق ... ريَّان من ماء الشَّباب مقرطق
كالرُّمح فتَّاك الطَّعينة قدُّه ... لكنَّ ناظره السِّنان الأزرق
/٢٤١ ب/ نادمته والعيش برد نعيمه ... ضاف وشمل الحادثات مفرَّق
في ليلة سمح الزَّمان بطيبها ... ليلاً ونشر القرب منها يعبق
ما خلت قبل تمتُّعي بنغيمها ... أن أعتراضات الأماني تصدق
لله أي لبانة قضَّيتها لو ... لم ينغصها الصَّباح المشرق
بأبي وأمي من إذا عاينته ... لم أدر من دهش بماذا أنطق
مالأبن مقلة صاد مقلته ولا ... نونٌ كنوني حاجبيه معرق
لام العذار محقَّقٌ في خدِّه ... لكنَّ واو الصُّدع منه معلَّق
بين السُّيوف المرهفات وطرفه ... عهدٌ على سفك الدِّماء وموثق
وأنشدني لنفسه من مبدأ قصيدة: [من الطويل]
لوى جيده كالظَّبي عنَّ لسربه ... وأقسم تيهًا لا يرقُّ لصبِّه
حبيبٌ له عند العناب تعذُر البريِّ ولي ذل المقرَّ بذنبه
إذا راءني أودى بقلبي فرحةً ... فأذهل عن فوزي بلذَّة قربه
أعانقه والطَّرف يفتك في دمي .. فديت حبيبًا سلمه مثل حربه
وكيف أرى لي في هواه تخلُّصاً ... وآخر وجدي فيه أول حبِّه
/٢٤٢ أ/ وبي سقمٌ من جفن عينيه بعضه ... عياءٌ لبقراط وعجزٌ لطبه
ألا يا أمير الحسن هل أنت كاشفٌ ... ظلامة شاك نهب طرفك سلبه
هواك الذي لم يبق منه بقيَّةٌ ... يعرِّفه كيف الخلاص لقلبه
стр. 1430
كأن دموغي من لماك مجاجةٌ ... فما راق لي مذ ذقته غير شربه
ومعتدل أغناه عن مل رمحه القوام وغنج الطَّرف عن سلِّ عضبه
أودُّ لخدِّي أن يكون ترابه ... إذا مرَّ يثني عطفه بين تربه
ولما اعتقنا للوداع بحاجر ... وقد أزمع الحادي المسير بركبه
تمنَّيت لو أجدى التَّمنِّي وقفةً ... أشاهد قلبي كيف يقضي بنحبه
ونشر يضوع المسك من نفحاته ... يخبِّر عن بان الغوير وكثبه
شكوت إليه ما أجن فرق لي ... فيا برد مسراه وطيب مهبه
ألا إنَّ بالجرعاء لو تعلم الصَّبا ... لأكرم من هام الفؤاد بحبِّه
سلامٌ على الوادي الَّذي تسكنونه ... وإن كنت لا أحظى بساكن شعبه
كأنَّ وميض البرق من هضباته ... تعمَّد قلبي فاستطار بلبه
وأنشدني أيضًا قوله: [من الكامل]
أنا والأحبَّ منجدٌ مغوِّرٌ ... فعلام لا أحنو ولا أتذكر
/٢٤٢ ب/ لبكاي هذا اليوم صنت مدامعي ... وكذا العزيز لكلِّ خطب يذخر
يا ساكني وادي العقيق فدتكم ... عين مدامعها عقيق أحمر
بنتم فما استعذبت بعد حديثكم ... لفظًا ولم يحسن لعيني منظر
ليت اللَّيالي بالحمى رجعت لنا ... ولها من ... ما تخبر
وصبًا تأرَّج نشرها من حاجرٍ ... أنفاسها كالمسك بل هي أعطر
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
بنفسي وروحي ذلك العارض الَّذي ... فدا عنبرًا فوق السَّوالف سائلاً
دري خدُّه أنِّي أجنُّ من الأسى ... فأظهر لي قبل الجنون السَّلاسلا
وانشدني قوله أيضًا: [من الكامل]
ومهفهف من شعره وجبينه ... يغدو الورى في ظلمة وضياء
لا تنكروا الخال الَّذي في خدِّه ... كلُّ الشَّقيق بنقطةٍ سوداء
стр. 1431
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الخفيف]
قلت لمَّا تصفَّرت وجنتاه ... مرضًا تحت خضرة العارضين
ذهب الخدِّ واسمه إربليٌّ .. فلهذا بدا بسلسلتين
وأنشدني أيضًا قوله: [من الخفيف]
/٢٤٣ أ/ قلت لمَّا بدا وأعرض غنِِّي: ... هكذا من هواك يلقى الهوانا
قال: أن العزيز بل ذاك كي لا ... يفهم الكاشحون منَّا هوانا
وأنشدني لنفسه: [من الرمل]
كيف حرَّمت على الطَّرف الوسن ... ما كذا من فرض العشق وسن
يا غزالاً حلفت مقلته ... أنَّها تشهر أسياف الفتن
قل لخدَّيك متى كان الحيا ... بجحيم النَّار ربعًا ووطن
كلفاً كلَّفتنيه مظهرًا ... من صبابات غرامي كلَّ فن
مذ هويناك علمنا أنَّ في ... مركز الإسلام عبَّاد الوثن
وأنشدني أيضًا قوله: [من السريع]
بمهجتي الظَّبي الَّذي حسنه ... تحار في معناه بلقيس
لا تحسبوا أنَّ عيون المها ... أحسن من عينيه بل فيسوا
وأنشدني من شعره أيضًا: [من الكامل]
وافى شبيه الغصن يخطر مائلاً ... ثمل القوام فديته من خاطر
لا شيء أبلغ من هواه من الرَّدى ... يا نفس دونك فاعسفيه وخاطري
وأنشدني لنفسه /٢٤٣ ب/ في إنسان يعرف بزبالة بن مقدار النميري. وكان قصيرًا من الرجال: [من الكامل]
لبس ابن مقدار الزّيالة فروةً ... حسناء تنعت بالجمال وتوصف
فعذ ١ رته إذ ظلَّ .... بها ... جعس المخنَّث بالحرير ملفَّف
وقال فيه أيضًا: [من الخفيف]
قال ثوب الشُّجاع وهو جميلٌ ... تعشق العين نظرةً منه عشقًا
стр. 1432
صرت في فروة النُّميريِّ سجفًا ... كيف لا أستلذُّ قرضًا وخرقا
لو أراد الزَّمان تعظيم قدري ... لم يعدني على الزّبالة ملقى
وله فيه، وقد شتمه شخص اسمه بلدق. وكان فراشًا: [من مخلّع البسيط]
بلدق بالقذف مستطيلٌ ... على النُّميريِّ لا محاله
وليس في ذا عليه عيبٌ ... فرَّاش دار رأى زباله
وقال؛ وأنشدنيه أيضًا: [من الطويل]
أيا مولاي قد فصَّلت لي العام فروة ... لألقي بها في ظلِّ خدمتك القرَّا
وقد عراني فيها لتنجز سبعة ... هويَّته تعمى يديك بها أخرى
/٢٤٤ أ/ عشاءٌ وخيَّاطٌ وفروٌ وقندرٌ ... وسمُّورةٌ سودا وجودك والفرا
وكتب إلى الأمير شمس الدين أبي الفضائل باتكين المستنصري، وكان يومئذ متوليًا مدينة إربل قبل قتله، وكان قد أحسن بأنه ييقتل: [من الكامل]
أشكوك يا ملك البسيطة حالة ... لم تبق رعبًا فيَّ عضوًا ساكنا
إن تستبح إبلي لقيطة معشرٍ ... ممَّن أؤمِّل غير حاشاك مازنا
ياللعجائب كيف يصبح خائفًا ... من بات في حرم الخلافة قاطنا
стр. 1433
ذكر مفاريد الأسماء في هذا الحرف
[٥٦٦]
عبَّاس بن زوان بن طرخان بن بزوان بن أحمد بن محمد بن المعمر، أبو الفضل الشيبانيُّ، إربليُّ الوالد، موصليُّ المولد.
عني بطلب الحديث وسماعه، وسمع بمدينة السلام من أصحاب أبي القاسم المسرقندي وغيرهم من هذه الطبقة، وأدرك الأسانيد العالية. وهو حسن القراءة /٢٤٤ ب/ للحديث طيّب الصَّوت، ضيّق الحال، فقير لا يملك شيئّا من الدنيا.
رويت عنه قطعة من أناشيده، وربما يقع له غرض من الأعراض فينظم في ذلك أبياتًا، وألف كتابًا "إسلام الصحابة الأعلام ومن له ولد منهم في الإسلام" في نحو مجلدين؛ وهو كتاب حسن في فنه. وكانت ولادته في المحرم سنة تسعين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه من قصيدة أولها: [من الكامل]
هل أنت بعد الظَّاعنين صبور ... هيهات صبرك والفؤاد عقير
عهدي بدمعك وهو قبل فراقهم ... خوفًا من البين المشتِّ غزير
فالأن حقَّ لك البكاء وإنَّني ... لك لو بكيت دمًا إذن لعذير
إنَّ المحبَّ إذا نأى محبوبه ... اوصدَّ عنه بالحمام جدير
لله درُّ الحبِّ لولاه لما ... قنص الأسود بلحظه يعفور
ولما غدا قلبي أسير ملولة ... إلاَّ من الهجران ليس تحور
يامغرمًا بلِّغ تحيَّة مشئمٍ ... اهل الحريم فديت حيث تسير
واسأل مهاة بالصَّريم كناسها ... أبدًا هناك على القلوب تغير
ما حال قلبي ما الذي فعلت به ... واشفع إليها فيه فهو أسير
стр. 1434
/٢٤٥ أ/ واستجد لي منها الرُّقاد وقل لها ... من بعد لثم الأرض فهي نفور
يامن كست شمس الضُّحى من نورها ... فلذاك لم يغلب عليها نور
وأعارت الهنديَّ فتك لحاظها ... فلذاك تحكم في الطُّلى وتجور
لا تسمعي قول الوشاة فإنَّه ... حسدٌ عليك لمن يحبُّك زور
ما رمت أن تهبي لعيني الكرى ... إلا عسى طيف الخيال يزور
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
ذر الدُّنيا ولا تغترَّ فيها ... بصحبة صاحب ووداد خلٍّ
وكن فردًا تعش فيها حميدًا ... ولا تركن إلى ولد وأهل
ففي الأولاد متعبةٌ، ونقصٌ ... وعزُّ الاهل مقرون بذل
[٥٦٧]
عرفة بن بركة بن إبراهيم بن عرقة الموصليُّ.
شاب من أهل الموصل، صرف فكره إلى نظم الشعر فقال فيه قصائد ومقطعات.
أنشدني لنفسه: [من المقتضب]
قد شفى بزروته .. مسكري بريقته
زار والرَّقيب على ... عفلة برقدته
/٢٤٥ ب/ هاديًا لنا قمرًا ... دون ليل طرَّته
حبَّذا الملمُّ ويا ... مرحبًا بطلعته
والمدام يمزجها ... من رحيق ريقته
والعبير يعبق من ... طيِّبات تكهته
في الجبال قد حبك المسك وسط طينته
خلت شخصه ملكًا ... إذ بدا بجنَّته
لو رآه حاسده ... ما أبى لسجدته
دون حبِّه عجبٌ ... حرت دون قصَّته
كلَّما خلوت به ... زدت في محبَّته
стр. 1435
قال لي يعاهدني ... موثقًا بعهدته
إنَّني أسير هوى ... قادني بقبضته
راعبًا وها انا في الحب طوع دعوته
لا أحول عن قسم ... لا وحقِّ كلمته
وأنشدني من شعره: [من المتقارب]
/٢٤٦ أ/ إلى كم تعذِّب قلبي الكئيبا ... وتضرم حشو حشاي اللَّهيبا
وتسرف في الهجر ما هكذا ... فعال الَّذي يستميل القلوبا
فكم من فعال قباح ترى ... يفارق فيها الحبيب الحبيبا
فوجدي قريبًا سيلقى السلوَّ ... كذاك وحسنك يمضي قريبا
[٥٦٨]
عربشاه بن أبي الحسن الاربليُّ.
الإمام العلامة الفقيه الشافعي، المتفنن في كل علم وفضل. وهو أوجد عصره لا يجاريه أحد في علمه ومعرفته.
أنشدني الحكيم أبو سفيان بن عبد الخالق الأنادي الفخري، قالأ: انشدني الإمام عربشاه لنفسه: [من الطويل]
أإيماض برق بالعقيق أنارا ... أم الحيُّ أذكى في المنازل نارا
اما الكاعب الحسناء حلَّت بذي النَّقا ... فحلَّت عن الوجه المنير خمارا
أم الحرب شبَّت بين كلبٍ وعامر ... بيداء سلُّوا في الغبار غرارا
/٢٤٦ ب/.
/٢٤٧ أ/.
стр. 1436
/٢٤٧ ب/ ... حرف الغين
ذكر من اسمه غازي
[٥٦٩]
غازي بن محمود بن أبي بكر بن المرزبان بن نعمة، أبو المظفر، الأرمويُّ الأصل، الإربليُّ المولد والمنشأ.
رجل من أهل إربل ذو مداعبة وكياسة، مطبوع خفيف الروح، وله أشعار محشوة مجونًا وهزلاً.
انشدني لنفسه بإربل سنة خمس وعشرين وستمائة، وذكر لي أن مولده سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وخبرت أنه توفي بحلب سابع عشري رمضان سنة اثنتين وثلاثين وستمائة: [من الطويل]
ألمَّ به طيفٌ ماى زار يغنه ... سحيرًا وقد خاط الكرى فتق جفنه
محب متى هبَّت له من دياركم ... نسيمٌ أذاع الحبُّ مكنون حزنه
تأهب عنكم للرحيل ودمعه ... على خدِّه ساحة صحنه
رمته صروف الدَّهر سهمًا أصابه ... ولم يغنه تلقاؤه بمجنِّه
أجيراننا بالأجرع الفرد صبُّكم ... صبور على خوف الزَّمان وأمنه
/٢٤٨ أ/ يؤمِّل عودًا أن يراكم بعينه ... على باب سلعٍ أو يعيكم بأذنه
وأنشدني لنفسه. وكان يلقب الرضي: [من السريع]
قالوا: رضيُّ الدِّين، قلت: اسكتوا ... لا تذكروا الألقاب ما بيننا
ذا لقبٌ ما كان إلاَّ على ... نحس وإلاّ فانظروني أنا
وأنشدني أيضَا لنفسه في إنسان، يلقب أيضًا الرضي. وكان يتلوى الأشراف على الرباط: [من الخفيف]
أيُّها الكاتب الَّذي اتَّخذوه مشرفًا للرباط من تسع رهط
إنَّ دينًا أنا وأنت رضيَّاه لدينلٌ طول المدى في سخط
стр. 1437
وأنشد أيضًا فيه قد صار كتابًًا بدكان الصنع بإربل: [من مجزوء الكامل]
ما متُّ منك بحسرة ... حتَّى رأيتك راكبًا
متحكِّمًا متأمِّرًا ... تدعى الرَّضى الكاتبا
وعلى يمينك كاتبًا ... وعلى شمالك حاجبا
والنَّاس حولك يهرعون مسائلاً ومجاوبًا
/٢٤٨ ب/ لمذَا نلويت الرِّباط وجدت مالاً سائبا
فسلكت فيه مذاهبًا ... وقضيت منه مآربا
فمتى أراك مذلَّلاً ... ومكبَّلاً ومحاسبا
والدذَهر عن قوس الأذى ... يرميك سهمًا صائبا
ومنها:
يا دولة في ظلِّها ... تضحى الأسود ثعالبا
مازلت بي حتَّى رأيت من الزَّمان عجائبا
[٥٧٠]
غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، السلطان الملك الظاهر، أبو الحارث بن السلطان الملك الناصر أبي المظفر –صاحب حلب-.
كانت ولادته بآخر [يوم] في رمضان سنة ثماني وستين وخمسمائة وتوفي بحلب يوم الإثنين تاسع جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن بقلعتها، وبقي
стр. 1438
بها إلى العشر الوسطى من شعبان سنة عشرين وستمائة. وكان موته /٢٤٩ أ/ بأمراض اجتمعت عليه وسنطاريا، وحمى باطنة وماثرة، وحمى نوبة، وعسر بول.
ثم نقل إلى المدرسة التي أنشأها مولاه طغرل ابو سعيد الطاهري –رحمه الله تعالى- تحت القلعة المنصورة. ودخل حلب حين أعطاه إياه أبوه الملك الناصر يوم السبت التاسع عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وطلع إلى قلعتها في وقته، وكان الوالي حينئذ من قبل عمه الملك العادل أبي بكر صارم الدين برغش.
وكان سامي الهمة في الأمور السلطانية، وتدبير الملك والدولة والسياسة في الرعية يأخذ نفسه بالعدل والإنصاف، محسنًا إلى العلماء والفضلاء، كثير البر والمعروف إلى الشعراء، ذكيًا متيقظًا، منصفًا شديد الحزم بعيدًا عن الظلم، يحب أهل العلم، ويكثر مجالستهم.
حدثنى القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحنفي الحلبي العقيلي –أيده الله تعالى- بداره في ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: قرأت بخط الملك الظاهر غازي بن يوسف ابن أيوم بيتين كتبهما للنقيب أبي غانم الحلبي: [من البسيط]
/٢٤٩ ب/ هذا النَّقيب الذي أضحت مناقبه ... بين البرَّية مثل الأنجم الزُّهر
لازال يرفل في أيَّام دولتنا ... في حلَّة الجو محروسًا من الغير
وتحتهما بخط الوزير موفق الدين خالد بن القيسراني: هذا خط مولانا السلطان الملك الظاهر، ولفظه في مملوك دولته النقيب أبي غانم.
[٥٧١]
غازي بن مودود بن الخضر بن سودكين، أبو المظفر الحويُّ، المعروف بابن الطفسيِّ.
منسوب إلى طفس مدينة من أعمال حوران شرقيها من مدن الشام.
من أبناء الجند، ورد إربل وتعلق بخدمة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين
стр. 1439
كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁ وولاه حينئذ بشتدر وأعمالها، فبقي بها مدة فلم تطب له، فكتب إلى الصاحب أبي البركات المبارك بن أحمد المستوفي –﵀ وكان يومئذ يتولى الإستيفاء بالديوان المظفري يذم مقامه ببشتدر، ويشكو إليه مما لقيه من /٢٥٠ أ/ من الفار والعقارب والبراغيث والعقارق، وأنشدنيها سنة خمس وعشرين وستمائة بمنزله بمحروسة إربل: [من مجزوء الكامل]
بالسَّيِّد الشّ﴾ ف استجيـ .... ير من المقام بشتدر
الصَّاحب المولى الوزيـ ... ـر في الأمور إذا نظر
الماجد المولى الَّذي ... إنعامه عم ذَ البشر
من جوده يغنيك عن ... فاهل البداوة والحضر
وندى يديه يحار من ... ايجادها صوب المطر
لم اخش من ريب المنون ولا مفرَّ من القدر
أأخاف من كيد العدوِّ ... وأنت كنزي المدَّجر
فالعبد يشرح قصة ... حقًا تؤرَّخ في السِّير
الفأر يصوي دائبًا ... من جوعه لا من بطر
وعقاربٌ صغرٌ يطا ... ير سماها مثل الشَّرر
وبراغثُ يعبثن بي ... فكأنذَها وخز الإبر
وعقارقٌ ينعبن من ... وقت العشاء إلى السَّحر
/٢٥٠ ب/ هذا لا تختٌ لدي فأين منهنَّ المفر؟
حتَّى أقبِّل راحة ... تقبيلها يجلو البصر
وأعود فالأطفال ينتظرون عودي في الأثر
/٢٥٢ أ/.
стр. 1440
/٢٥١ ب/ ... حرف الفاء
ذكر من اسمه الفتح
[٥٧٢]
الفتح بن تميمٍ الهاشميُّ الحمويُّ
أنشدني هذه القصيدة المولى القاضي الصدر السعيد بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد -أيده الله تعالى- عن نظامها الفتح بن تميم الهاشمي الحموي: [من البسيط]
يا ربع أهلك بعد البين ما فعلوا ... وأيَّ منزلة بعد الحمى نزلوا
ساروا بقلبي أسيرًا في رحالهم ... لمَّا استقلَّت بهنَّ الأينق الذُّل
لا يبعد الله أحبابي الَّذين هم ... غيثي الملثُّ وروضي المخصب الخضر
وساحر الطَّرف يقضي العاشقون به ... نحبًا ويحيا عليه اللُّوم والعذل
في خلقه ترفٌ في خلقه صلفٌ ... في عطفه هيفٌ في ردفه ثقل
إذا بدا ظلت من فرط الغرام جوى ... كأنَّني من صدامٍ شاربٌ ثمل
سقى دمشق وأيامًا بها سلفت ... إن لم تصبها دموعي مسبلٌ هطل
/٢٥٢ أ/ حيث الرِّياض بها النُّوَّار مبتسمٌ ... والغيث باك بدمع ماله مقل
وللسَّواجع رجيعٌ يهيج جوى ... وللجداول في أقطارها جدل
كأنَّ جود بها الدِّين باكرها ... حتَّى تروَّض منها السَّهل والجبل
ندبٌ له الجدُّ والمجد الأثيل إذا ... تفاخر النَّاس ثمَّ العلم والعمل
مازال يخطب منَّا المدح نائله ... حتَّى تنافس فيه المدح والغزل
أعيت على كلِّ مدَّاح فضأئله ... من أن يحيط بها التَّفصيل والجمل
بالجدِّ متَّشحٌ والجود منتطقٌ ... والفضل متَّرزٌ والعدل مشتمل
تثنى البلاد أهلوها عليه كما ... تثنى الرِّياض سقاها العارض الهطل
كم قائل زر فتى الخشَّاب إنَّ له ... مواهبًا صحَّ فيها الظَّن والأمل
جودٌ يبخِّل جود املعصرات ندى ... يظلُّ متَّصلا والغيث منفصل
следующие страницы →