Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
/٢٤٧ ب/ ... حرف الغين
ذكر من اسمه غازي
[٥٦٩]
غازي بن محمود بن أبي بكر بن المرزبان بن نعمة، أبو المظفر، الأرمويُّ الأصل، الإربليُّ المولد والمنشأ.
رجل من أهل إربل ذو مداعبة وكياسة، مطبوع خفيف الروح، وله أشعار محشوة مجونًا وهزلاً.
انشدني لنفسه بإربل سنة خمس وعشرين وستمائة، وذكر لي أن مولده سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وخبرت أنه توفي بحلب سابع عشري رمضان سنة اثنتين وثلاثين وستمائة: [من الطويل]
ألمَّ به طيفٌ ماى زار يغنه ... سحيرًا وقد خاط الكرى فتق جفنه
محب متى هبَّت له من دياركم ... نسيمٌ أذاع الحبُّ مكنون حزنه
تأهب عنكم للرحيل ودمعه ... على خدِّه ساحة صحنه
رمته صروف الدَّهر سهمًا أصابه ... ولم يغنه تلقاؤه بمجنِّه
أجيراننا بالأجرع الفرد صبُّكم ... صبور على خوف الزَّمان وأمنه
/٢٤٨ أ/ يؤمِّل عودًا أن يراكم بعينه ... على باب سلعٍ أو يعيكم بأذنه
وأنشدني لنفسه. وكان يلقب الرضي: [من السريع]
قالوا: رضيُّ الدِّين، قلت: اسكتوا ... لا تذكروا الألقاب ما بيننا
ذا لقبٌ ما كان إلاَّ على ... نحس وإلاّ فانظروني أنا
وأنشدني أيضَا لنفسه في إنسان، يلقب أيضًا الرضي. وكان يتلوى الأشراف على الرباط: [من الخفيف]
أيُّها الكاتب الَّذي اتَّخذوه مشرفًا للرباط من تسع رهط
إنَّ دينًا أنا وأنت رضيَّاه لدينلٌ طول المدى في سخط
стр. 1437
وأنشد أيضًا فيه قد صار كتابًًا بدكان الصنع بإربل: [من مجزوء الكامل]
ما متُّ منك بحسرة ... حتَّى رأيتك راكبًا
متحكِّمًا متأمِّرًا ... تدعى الرَّضى الكاتبا
وعلى يمينك كاتبًا ... وعلى شمالك حاجبا
والنَّاس حولك يهرعون مسائلاً ومجاوبًا
/٢٤٨ ب/ لمذَا نلويت الرِّباط وجدت مالاً سائبا
فسلكت فيه مذاهبًا ... وقضيت منه مآربا
فمتى أراك مذلَّلاً ... ومكبَّلاً ومحاسبا
والدذَهر عن قوس الأذى ... يرميك سهمًا صائبا
ومنها:
يا دولة في ظلِّها ... تضحى الأسود ثعالبا
مازلت بي حتَّى رأيت من الزَّمان عجائبا
[٥٧٠]
غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، السلطان الملك الظاهر، أبو الحارث بن السلطان الملك الناصر أبي المظفر –صاحب حلب-.
كانت ولادته بآخر [يوم] في رمضان سنة ثماني وستين وخمسمائة وتوفي بحلب يوم الإثنين تاسع جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن بقلعتها، وبقي
стр. 1438
بها إلى العشر الوسطى من شعبان سنة عشرين وستمائة. وكان موته /٢٤٩ أ/ بأمراض اجتمعت عليه وسنطاريا، وحمى باطنة وماثرة، وحمى نوبة، وعسر بول.
ثم نقل إلى المدرسة التي أنشأها مولاه طغرل ابو سعيد الطاهري –رحمه الله تعالى- تحت القلعة المنصورة. ودخل حلب حين أعطاه إياه أبوه الملك الناصر يوم السبت التاسع عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وطلع إلى قلعتها في وقته، وكان الوالي حينئذ من قبل عمه الملك العادل أبي بكر صارم الدين برغش.
وكان سامي الهمة في الأمور السلطانية، وتدبير الملك والدولة والسياسة في الرعية يأخذ نفسه بالعدل والإنصاف، محسنًا إلى العلماء والفضلاء، كثير البر والمعروف إلى الشعراء، ذكيًا متيقظًا، منصفًا شديد الحزم بعيدًا عن الظلم، يحب أهل العلم، ويكثر مجالستهم.
حدثنى القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحنفي الحلبي العقيلي –أيده الله تعالى- بداره في ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: قرأت بخط الملك الظاهر غازي بن يوسف ابن أيوم بيتين كتبهما للنقيب أبي غانم الحلبي: [من البسيط]
/٢٤٩ ب/ هذا النَّقيب الذي أضحت مناقبه ... بين البرَّية مثل الأنجم الزُّهر
لازال يرفل في أيَّام دولتنا ... في حلَّة الجو محروسًا من الغير
وتحتهما بخط الوزير موفق الدين خالد بن القيسراني: هذا خط مولانا السلطان الملك الظاهر، ولفظه في مملوك دولته النقيب أبي غانم.
[٥٧١]
غازي بن مودود بن الخضر بن سودكين، أبو المظفر الحويُّ، المعروف بابن الطفسيِّ.
منسوب إلى طفس مدينة من أعمال حوران شرقيها من مدن الشام.
من أبناء الجند، ورد إربل وتعلق بخدمة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين
стр. 1439
كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁ وولاه حينئذ بشتدر وأعمالها، فبقي بها مدة فلم تطب له، فكتب إلى الصاحب أبي البركات المبارك بن أحمد المستوفي –﵀ وكان يومئذ يتولى الإستيفاء بالديوان المظفري يذم مقامه ببشتدر، ويشكو إليه مما لقيه من /٢٥٠ أ/ من الفار والعقارب والبراغيث والعقارق، وأنشدنيها سنة خمس وعشرين وستمائة بمنزله بمحروسة إربل: [من مجزوء الكامل]
بالسَّيِّد الشّ﴾ ف استجيـ .... ير من المقام بشتدر
الصَّاحب المولى الوزيـ ... ـر في الأمور إذا نظر
الماجد المولى الَّذي ... إنعامه عم ذَ البشر
من جوده يغنيك عن ... فاهل البداوة والحضر
وندى يديه يحار من ... ايجادها صوب المطر
لم اخش من ريب المنون ولا مفرَّ من القدر
أأخاف من كيد العدوِّ ... وأنت كنزي المدَّجر
فالعبد يشرح قصة ... حقًا تؤرَّخ في السِّير
الفأر يصوي دائبًا ... من جوعه لا من بطر
وعقاربٌ صغرٌ يطا ... ير سماها مثل الشَّرر
وبراغثُ يعبثن بي ... فكأنذَها وخز الإبر
وعقارقٌ ينعبن من ... وقت العشاء إلى السَّحر
/٢٥٠ ب/ هذا لا تختٌ لدي فأين منهنَّ المفر؟
حتَّى أقبِّل راحة ... تقبيلها يجلو البصر
وأعود فالأطفال ينتظرون عودي في الأثر
/٢٥٢ أ/.
стр. 1440
/٢٥١ ب/ ... حرف الفاء
ذكر من اسمه الفتح
[٥٧٢]
الفتح بن تميمٍ الهاشميُّ الحمويُّ
أنشدني هذه القصيدة المولى القاضي الصدر السعيد بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد -أيده الله تعالى- عن نظامها الفتح بن تميم الهاشمي الحموي: [من البسيط]
يا ربع أهلك بعد البين ما فعلوا ... وأيَّ منزلة بعد الحمى نزلوا
ساروا بقلبي أسيرًا في رحالهم ... لمَّا استقلَّت بهنَّ الأينق الذُّل
لا يبعد الله أحبابي الَّذين هم ... غيثي الملثُّ وروضي المخصب الخضر
وساحر الطَّرف يقضي العاشقون به ... نحبًا ويحيا عليه اللُّوم والعذل
في خلقه ترفٌ في خلقه صلفٌ ... في عطفه هيفٌ في ردفه ثقل
إذا بدا ظلت من فرط الغرام جوى ... كأنَّني من صدامٍ شاربٌ ثمل
سقى دمشق وأيامًا بها سلفت ... إن لم تصبها دموعي مسبلٌ هطل
/٢٥٢ أ/ حيث الرِّياض بها النُّوَّار مبتسمٌ ... والغيث باك بدمع ماله مقل
وللسَّواجع رجيعٌ يهيج جوى ... وللجداول في أقطارها جدل
كأنَّ جود بها الدِّين باكرها ... حتَّى تروَّض منها السَّهل والجبل
ندبٌ له الجدُّ والمجد الأثيل إذا ... تفاخر النَّاس ثمَّ العلم والعمل
مازال يخطب منَّا المدح نائله ... حتَّى تنافس فيه المدح والغزل
أعيت على كلِّ مدَّاح فضأئله ... من أن يحيط بها التَّفصيل والجمل
بالجدِّ متَّشحٌ والجود منتطقٌ ... والفضل متَّرزٌ والعدل مشتمل
تثنى البلاد أهلوها عليه كما ... تثنى الرِّياض سقاها العارض الهطل
كم قائل زر فتى الخشَّاب إنَّ له ... مواهبًا صحَّ فيها الظَّن والأمل
جودٌ يبخِّل جود املعصرات ندى ... يظلُّ متَّصلا والغيث منفصل
стр. 1441
وعزمةٌ لا يرى في جدِّها لعبٌ ... طول الزَّمان ولا في حدِّها ملل
تريك أراؤه ليل الخطوب ضحى ... فما بآرائه زيغٌ ولا ميل
مناقبٌ أضحت الأيَّام مشرقةً ... بهنَّ حاليةً أجيادها العطل
أبا محمَّد سدت النَّاس قاطبةً ... فضلاً به في البرايا يضرب المثل
أجريت في كل قطر بحر مكرمة ... عذبًا تضيق به الأقطار والسُّبل
/٢٥٢ ب/ أسرعت في صنعك الخيرات مبتدئًا ... ومن عوائدك الإسراع والعجل
وقد أقمت صفي الأيَّام فاعتدلت ... من بعد ما ظلنَّ قومٌ ليس تعتدل
إيَّاك يعني ابن أوس في مقالته ... إذ قال حقًا وبعض القوى منتحل
(يدي لمن شاء رهنٌ لم يذق جرعًا ... من راحتيك درى ما الصَّاب والعسل)
أنت المؤمَّل دون النَّاس كلِّهم ... على عطاياك بعد الله نتَّكل
[٥٧٣]
الفتح بن عبد الله بن محمد بن عليٍِّ بن هبة الله بن عبد السلام بن عبد الله بن يحيى، أبو الفرج بن أبي منصورٍ البغداديُّ.
كانت ولادته ببغداد يوم عاشوراء سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. وتوفي بها في المحرّم سنة أربع وعشرين وستمائة، وصلي عليه بجامع القصر، ودفن من الغد في مقابر قريش.
стр. 1442
وكان من أبناء المحّدثين الكتاب، وكتب الحديث ورواه هو وأبوه وجّده وأبو جدّه. سمع الحديث على مشايخ بغداد: كأبي عبد الله الطرائفي، وأبي غالب بن الداية، وجدّه أبي الفتح محمد بن /٢٥٣ أ/ علي بن هبة الله، والقاضي علي بن الحسين الزينبي؛ وهو آخر من حدّث عنه فيها بعلم، وأبي الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي، وأبي القاسم هبة الله بن الحسين بن علي الحاسب، وأبي الفضل أحمد بن طاهر بن سعيد المديني، وسعيد بن أحمد بن الحسن بن البناء، وأبي الكرم المبارك بن الحسن الشهرزوري وغيرهم.
وكان يتولّى النظر بطريق خراسان في زمن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد- ﵁ وكان يرجع إلى فطنة وأدب وسلامة قريحة في قرض الشعر، ويحفظ القرآن، ويحكي الحكايات في مواضعها وعمِّر حتى تفرّد بشيوخ يروي عنهم؛ كتب عنه أبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي.
وكان مشتهرًا بالميل إلى التشيّع على مذهب الإمامية، وكفّ بصره في آخر عمره؛ وفي ذلك يقول، وكتبه إلى الإمام الناصر لدين الله –﵁:
[من الكامل]
مولاي عبدك قد أضرَّ وقد غدا ... في قعر منزله طريحًا كالحجر
لا يستطيع السَّعي فيما فاته ... لمصابه بالعين مع وهن الكبر
والعبد عبدك شاكرٌ لمصابه ... إذا كان من دون البصيرة بالبصر
فامنن أمير المؤمنين ببرِّه ... واجبره يا خير الورى فقد انكسر
/٢٥٣ ب/ فالنَّاس كلُّهم لبرِّك عيلةٌ ... ولمثل هذا اليوم برك يدَّخر
فالموت اهون من تقلُّد منّة ... لسوى أياديك الشَّريفة ذي الغرر
لا زال أمرك في البريَّة نافذًا ... أبدًا وفي الأرضين ياخير البشر
وقال في عماه أيضًا: [من الطويل]
стр. 1443
سئمت حياتي بعد فقدي لناظري ... وصرت أرى الأشياء بالَّلمس والسَّمع
أسيرٌ لمن يقتادني غير حاجتي ... له الحكم في ضرِّس وإن شاء في نفعي
ولم يبق وهن الشَّيب منِّي بقيّة ... لدفع أذى عنِّي إذا مسَّ أو منع
أقوم إذا رمت القيام لحاجتي ... على أربع تلوى من الضَّعف كالشَّمع
أقضِّي نهاري والَّليالي ترقُّباً ... لداعي الفنا مصغ إلى قوله سمعي
نديمي أحزاني على ما اقترفته ... من الذَّنب في جهلي وسرِّي من دمعي
فياربِّ جد لي منك لطفًا برحمةٍ ... أفوز بها يا مالك الضُّر والنَّفع
وقال أيضًا: [من المنسرح]
يا من شكاني فلم أنم جزعًا .. ز أدعو له بالشِّفاء مقتبلا
يا ليت ما تشتكيه من ألم ... يكون بي أو إليَّ منتقلا
وأنشدني الشريف أبو نصر: /٢٥٤ أ/ محمد بن أبي طاهر الهاشمي، قال: أنشدني أبو الفرج لنفسه: [من البسيط]
أقول للنَّفس إذا همَّت بمسألة ... لغير خالقها في العسر والعد
كفِّي فلو متَّ صبرًا لم أكن سمحًا ... بماء وجهي لمخلوق من الأمم
لكنَّني أسأل المعني لهم كرمًا ... عنِّي بأن يغنيني عنهم غنى كرم
وقال أيضًا: [من الكامل]
ولقد وددت بأن أراك فأجتلى ... أنوار وجهك فهو بدرٌ مشرقٌ
لكن أوقات اللِّقاء غزيزةٌ ... الله يحرمها العباد ويرزق
وقال أيضًا: [من البسيط]
مالي رجاءٌ سوى نعماك من أحد ... في سائر النَّاس في الدُّنيا ولا أمل
فانعم بتحقيقه نقدًا بلا عدِّة ... فالوقت سيف وما في الحالم حتمل
وانهض إلى النذَضر فالأعداء لا سلموا ... بصارم الخوف من لقياك قد قتلوا
وقال أيضًا: [من الطويل]
إذا أنا لا أحظى بقرب محمَّد ... فموتي عندي والحياة سواء
فتى هو ذخري في الحياة وعندما ... أموت فلي آباؤه شفعاء
стр. 1444
/٢٥٤ ب/ قال أبو الحسن القطيعي، أنشدني أبو الفرج الفتح بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد السلام لنفسه، وكتب بها إلى المستضيء بأمر الله. يستقيل من خدمته بالتركات: [من البسيط]
يا ابن الخلائف من آل النَّبي ومن ... يفوق علمًا ونسكًا سائر النَّاس
يا مستضيئًا بأمر الله مقتديًا ... يا خير مستخلف من آل عبَّاس
يا من إذا رمت أمرًا عزَ مطلبه فاجابه منعمًا من غير إحباس
وإن دجى زمني في مقلتي أملي ... سعيت من جوده فيه بمقياس
أشكو إليك معاشي إنه كدرٌ ... ما بين ناعٍ وحفَّار لأرماس
مذ صرت فيه جغاني النَّاس كلُّهم ... وأنكرتني تصاريفي وأجانسي
إذا مررت بقوم ساءهم نظري ... كأنَّني أعورٌ والبوم جلاَّسي
يذمُّني منهم من لم ألمَّ به ... يقول بالظَّن: هذا قلبه قاسي
تأتي إليَّ صباحًا كلُّ ناحيةٍ ... يضيق من كربها صدري وأنفاسي
فآه من حالتي، ضرٍّ بليت بها ... سواد بختي وشيب الشَّعر في راسي
وبحر جودك ينجيني وينقذني ... من بحر همٍّ وأفكار ووسواس
/٢٥٥ أ/ بقيت مالك اهل الأرض قاطبة ... تفني الإادي شديد البطش والباس
في دولة وهب الله الخلود لها ... كأنَّ أيامها أوقات أعراس
وكتب إليه أيضًا في المعنى: [من الوافر]
إمام العصر يا خير البرايا ... تهنَّ بمقدم العام الجديد
تهنَّ به فقد وافى ببشرى ... لملكك بالتَّأبد والخلود
وإن كان الهناء به حقيقًا ... إذا ماكنت ذا عمر مديد
رماه الحظُّ في التَّركات رغمًا ... بلا رزق ولا عيش رغيد
يصبِّح كلَّ يوم بالرَّزايا ... ويلعن لعن عادً أو ثمود
بقيت على الإمامة والرَّعايا ... بقاء النَّجم في فلك السُّعود
стр. 1445
[٥٧٤]
الفتح بن موسى بن حمّاد بن عليِّ بن إبراهيم بن اسماعيل، أو بنصرٍ الأمويُّ الأندلسيُّ.
من أهل الجزيرة الخضراء أصلاً.
ومولده بقصر كتامة بين فاس وسلا في الثالث عشر من شوال سنة أربع وثمانين وخمسمائة، كذلك أخبرني من لفظه.
فقيه شافعي المذهب، أصولي عالم له معرفة /٢٥٥ ب/ بالنحو والعروض، ونظر في علم الحكمة والمنطق. قرأ المقدمة الجزولية على مصنفها قراءة إتقان وفهم، ونظم كتاب "المفصل" لأبي القاسم الزمخشري أرجوزة، وعمل كتاب "الإشارات" لأبي علي بن سينا شعراً، ونظم كتابًا في العروض لطيفًا. ورحل إلى مدينة السلام سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وسمع بها الحديث على أبي الفضل الداهري وغيره.
نزل برأس عين، وتولى بها تدريس المدرسة النظامية على الفرق الأربع، ثم فوض إليه امر ديوانها. شاهدته بإربل في شوال سنة خمس وعشرين وستمائة في محبة فلك الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن هبة الله بن علي المسيري المصري. وكان حينئذ قد وردها رسولاً.
أنشدني لنفسه يمدح إربل ويصفها: [من الكامل]
يا إربلٌ ما أنت إلاَّ جنَّة ... خصَّت بأكرم جيرة وقرار
لو لم تكوني جنَّة الدُّنيا لما .. ز كان الصِّراط إليك بيت النَّار
سلطانها الملك المعظَّم قدره ... في قلب كلِّ معظَّم جبَّار
يكفيه عند الله وهي عظيمةٌ ... تعظيم مولد أحمد المختار
/٢٥٦ أ/ فليحمدَّ إذا التَّقى بمحمَّد ... آثار ما أولاه من آثار
стр. 1446
وهذه الخطبة من إنشائها، وتلاها بالقصيدة الدالية يمدح بها القاضي زين الدين عبد الله بن عبد الرحمن الأسدي الحلبي، قاضي حلب –﵀ وذلك حين أنفذ رسولاً إلى الديار المصرية إلى السلطان الملك الكامل –﵀:
"الحمد لله الذي كشفت عن الأمة ظلمه الغمة، وأفاض عليهم ما استفاض من سوابع النعمة وسوائغ النعمة، ومد عليهم من جلال العصمة وكمال النعمة وظلال الرحمة رواقًا فيأهم من أماني ظلاً ظليلاً و ﴿خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ وقضى لخلقه أجلين؛ اجلاً اختراميًا مسمى عنده، وأجلاً مستفادًا بتقديره مؤجلاً فأمات وأحيا بالأجلين: الإخترامي، والمستفاد دولاً وخولاً ﴿سنة الله الَّتي قد خلت من قبل ولن تجد لسنَّة الله تبديلاً﴾.
اخترم النفس النفيسة الملكية الملكة العزيزة –قدس الله روحها- /٢٥٦/ب ونور ضريحهل –لأجلها المحتوم، والحق جزءها الحقيقي، الموجود بالجزء المجازي، لا بل بحر المعدوم. وكأن تصورات المحن، وتصديقات الأحن، تلبس المجهول بالمعلوم وتتخاذل العزائم الإنسانية ﴿وكان الشَّيطان للإنسان خذولاًَ﴾
فصعدت العزائم الصاحبية القاضوية الدينية الأسدية والأسدِّية عن أنوار الهداية، وسطعت آيات آياتها ببوارق سوابق الحمامة والدعاية، وأشارت العناية الصريحة بما هو اهله من الاختصاص باصطفاء العناية، فبعث رسولاً كريمًأ كفيلاً بسعادته، ان يبلغ ما شاء املاً وسؤلاً. فنهض –أيده الله- بأعباء الرسالة نهوضًا واجبًا، وأثبت أسباب الملك الصلاحي بسبب موانعه عنه فكان بحكمية المتقابلين موجبًا وسالبًا. وأسفر صباح سفارته عن صلاح بشارته/ ونجاح رسالته آيبًا وذاهبًا، فقال: ﴿إنّي عبد الله أتاني الكتاب وجعني نبيًا * وجعلني مباركًا أين ما كنت﴾ وبعثني رسولا.
فامن من سبقت له الحسنى من رأى رايات صدقة الباهرة، وصنفت موارد وسعود
стр. 1447
الرعايا بتسخير الله له ملوكًا، قبلت إشارته وامتثلت /٢٥٧ أ/ أوامره، وأسبغ الله على الكافة بحسن تدبيره، وحسنى تقديره، نعمه الباطنة والظاهرة، وهدى به سواء السبيل ﴿فربُّكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً﴾ فألف الله به الكلمة على أحسن نظام وأثبت أساس، واستقر به أمراء من الرعية، .... عنهم لباس البأس، وتكفل تأييد الملك وتأبيده في خير أمة أخرت للناس، ولسان حال الملوك يقول: وكفى به قائلاً، وبكافله كفيلاً".
وهذه القصيدة: [من البسيط]
ما شئت يا دهر فاصنع غير مقتصد ... وعدِّ عن قصد مقصودي ولا تعد
واستجلب العذر عن عذر وفيت به ... وخذ أمانك عن خوفٍ يدًا بيد
فقد حللت حمى لو يستجير به ... حمى كليب لاضحى في حمى الأسدي
الصَّاحب الصَّدر زين الدِّين من بلغت ... به علاً أمدًا أربى على أمد
قاضي القضاة الَّذي أضحت مناقبه ... مؤسَّساتٍ من التَّقوى على عمد
يهدي عقول الورى من علم علمٌ ... اناف فوق شناخيب النُّهى الجدد
تضيء أنواره من نار فكرته ... فتنجلي الحكم القدسيَّة المدد
وتستقلُّ أياديه وإن كثرت ... فكم أياد له عند الورى ويد
/٢٥٧ ب/ صدرٌ أقام قناة الملك عن أودٍ ... في صدرها فانثنت عن ذلك الأود
نائي المحلِّ تراه من تواضعه ... للخلق في صبب من ذلك الصُّعد
سدَّ الثُّغور وقد سدَّت مسالكها ... عن العقول برأي صائب سدد
ومهَّد الملك حتَّى أصبحت حلبٌ ... في درِّ ضرع المنى للوقذ في الصَّفد
مضى لمصر فأمضى من عزائمه ... بيضًا تقدُّ قلوب الأسد في الزَّرد
بدت لهم معجزاتٌ من مناقبه ... فأرسلوه لها في طالع السعد
فقام بالحقِّ لا يلوي مناصحة ... فيما تنال به الأخرى على أحد
فآمنت بهداه أمَّةٌ سبقت ... لها من الله حسنى الفوز والرَّشد
فاستوسق الملك وانجابت بهمَّته ... دجى الخطوب ودام الملك للأبد
стр. 1448
وعاش من كان يخشى الموت في حلبٍ ... ومات أعداؤه من شدَّة الكمد
وكان أكبر عيد يوم مقدمه ... مهنَّأ بالمنى في النَّفس والولد
تباشر النَّاسفي لقياه واحتشدوا ... له بأجمل ما يلقى من الحشد
قل للمحدِّث عن أخباره سؤدده ... حدِّث حديثًا صحيحًا عالي السَّند
وانثر على صفحات الدذَهر من مدحي ... فيه بديع نظام اللؤلؤ البدد
وقابل العالم العوي أجمعه ... منه بكلِّي فضل فيه متَّحد
/٢٥٨ أ/ وعفِّر الوجه في ناديه إنَّ به ... مسكيَّ ترب به يشفى من الرَّمد
وراجع الفكر وارجع عن مهابته ... حسير طرفك والحظ لحظ متَّئد
تلحظ جلال جناب تقشعرُّ له ... جلود كلِّ عظيم الجأش والجلد
وهمَّةً ضاقت الدُّنيا بما رحبت ... عن حملها وسطا الصَّمامة الفرد
وقاضيًا أحكمت أحكامه حكمًا ... جلَت فحلَّ ت ظلام الظُّلم والفند
مؤيِّدًا حكم دين الله مجتهدًا ... فيه بما يرتضيه كلُّ مجتهد
ياذا الَّذي صيغ من طيب ومن زبدٍ ... وغيره صيغ من طين ومن زبد
تبارك الله ما اولاك من رجلٍ ... بفضل ما حزت من سمتٍ ومن رشد
كم اجتهدنا على عيبٍ نعيذ به ... كمال مجدك من عين فلم نجد
لفظ الفضيلة لم توضع حقيقته ... إلاَّ عليك فمن ينقله لم يفد
وحلَّة المحد مذ ألبستها يفعاً ... ساودت علاك فلم تنقص ولم تزد
أعيذ يا وحد الدُّنيا وصاحبها ... فضلاً خصصت به بالواحد الصَّمد
ونلت في قرَّتي عين الفضائل ما ... تختار من أملٍ يبقى مدى المدد
ففي الكمال كمالٌ جلَّ مبدعه ... وفي البهاء بهاء غير منتقد
فلله حركة أوجبت سكون ما انزعج من الخواطر، وبركة ردت /٢٥٨ ب/ سحائب الفتن وهي قواطر مواطر، وهمّة أسدية قامت مقام القَّنا والقنابل، والبواتك البواتر حين كادت ترجف الأرض والجبال ﴿وكانت الجبال كثيبًا مهيلاً﴾ فغلب
стр. 1449
بحمد الله على ما أراده من إصلاح الدولة الصلاحية. وكان من حزب الله عالبًا، واحكم ما حكم به من مصالح النصائح شاهدًا وغائبًا، وقضى للغائب وعليه كان قضاءً نافذًا واجبًا. والقاضي إذا قضى للغائب وعليه كان قضاؤه جائزًا مقبولاً".
وأنشدني لنفسه مهنيًا الملك الأشرف بفتح دمياط من قصيدة أوِّلها: [من البسيط]
الله أكبر هذي أكبر الرُّتب ... شاهت لها أوجه الاوثان والصُّلب
وحصحص الحقُّ وانجابت غياهبه ... واجتثَّ دابر أهل الشِّرك والرِّيب
وصدَّقت عزمات السِّيف ما كتبت ... أيدي الغيوب من الأنباء في الكتب
كادت تنوب بني الإسلام نائبةٌ ... من الفرنج فكادتهم يد النُّوب
من بعد ما شام أهل الشَّام قاطبةً ... منهم بمصر بروق الأين والوصب
وغادروا ثغر دمياط وبرزخه ... تبكي عليه جفون الدِّين والحسب
/٢٥٩ أ/ طمَّت عليهم سجالٌ منك زاخرةٌ ... فلجَّجت بهم في لجَّة العطب
غضبت لله يا موسى وما علموا ... بأن رضوانه في ذلك الغضب
وأجَّجت يدك البضاء بينهم ... نارًا فكانوا لها من جملة الحطب
هم الفراش فمهما ألهبت لهبًا ... أنوارها سقطوا في ذلك اللَّهب
يا للعجائب! عيسى وهو عندهم ... ربٌ دعاهم إلى التَّقوى فلم يجب
ولم يزل وهو روح القدس ينذرهم ... آيات موسى وما فيها من العجب
فجاء عيسى رسولاً من محمَّده ... إلى أبي الفتح موسى البطش والرَّهب
علمًا بأنَّ اليد البيضاء ما برحت ... تبدي لموسى بمصر آية العجب
فجاء موسى لدمياط على قدر ... والنَّصر يقدمه في حجفل لجب
وحال ما بين دمياط وبينهم ... بكلِّ مرتقب للهول مرتكب
بكل قلبٍ كأنَّ السُّمر أضلعه ... لم يهف قلبٌ له يومًا ولم يجب
قجاء فرعون عكَّا خائفًا وجلاً ... يبغي إمامًا ينجِّيهم من الرُّعب
مستيقنين بأنَّ الله خاذلهم ... وأنَّ مرجعهم للسَّيف والهرب
وأين يهرب من موسى وفي يده الدُّنيا جميعًا وحبل الله في الطَّلب
فسلَّموها وما جادوا بهعا كرما ... لكنَّهم فدوا المسلوب بالسَّلب
стр. 1450
[٥٧٥]
/٢٥٩ ب/ الفتح بن عليّ بن محمّد بن الفتح بن أحمد بن هبة الله بن عليَّ أبو إبراهيم بن أبي الحسن البنداري، الكاتب الاصفهاني المنشيء، نزيل دمشق.
اخبرني أنَّه ولد بأصبهان في منتصف شعبان سنة ستٍّ وثمانين وخمسمائة. من أبناء الرؤساء الأصفهانيين وأشراف أماثلها وأرباب النعم والجلالة.
وأبو ابراهيم هذا صدر نبيل، ذو قدر جليل، من أصحاب الهيئات والمروءات في أموره واعتراف بأقدار الناس مع سكون وعقل، ووفور أدب وفضل، وتواضع مبين، ودين مبين، وصلاح وسداد.
سمع الحديث الكثير في بلده، وقرأ فقهًا وأدبًا، وله اليد الطولي في الكتابة الإنشائية بالفارسية والعربية. فارق وطنه وقدم دمشق في المحرم سنة سبع عشرة وستمائة في أيام الملك المعظم شرف الدين أبي الفتح عيسى بن أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق.
وصنّف عدّة تصانيف، واختصر منها كتاب "نجوم الهدى وأعلام التُّقى" في أسماء العلماء الشافعية، مجلد. /٢٦٠ أ/ وكتاب "سنا البرق" اختصره من كتاب العماد الكاتب المسمى "البرق الشامي"، واختصر كتاب "خريدة القصر" وسمّاه "وشاح الخريدة وطراز الجريدة" واختصر كتاب "نصرة الفترة" سماه "نخبة النصرة" في وزراء الملوك السلجوقية، وكتاب "منتهى الآمال من كتاب الاكمال" لابن ماكولا مختصر منه. وكتاب "التذكرة الأشرفية والصناعة الطبية"، وديونا نظمه ونثره بالفارسية والعربية، وعرّب كتاب "شاه نامه" ونقله إلى العربي وأهداه إلى الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب –﵀ واختصر كتاب "الأنساب لأبي سعد السمعاني، ولقبه
стр. 1451
"بكتاب اللباب في الأنساب"، وكتاب نقله في ترجمة أخبار ملوك العجم خمس مجلدات عمله للملط المعظم عيسى بن أبي بكر.
لقيته بدمشق في سنة أربعين وستمائة، فرأيت منه رئيسًا كافيًا، وحبرًا كاملاً –فأكرمني وأفضل عليّ وأحسن إليّ، فبلّغه الله تعالى امنيته، وهو أحد الكتاب المترسلين بدولة الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل /٢٦٠ ب/ بن أبي بكر بن أيوب.
وأنشدني لنفسه في أواخر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، وقد نزل تبوك: -[من البسيط]
لمَّا نزلنا تبوك انتابني طربٌ ... حتَّى لقد خلت بي مسّاً من اللَّمم
فظلت ألصق خدِّي بالثَّرى كمدًا ... وأمتري منشدًا من دمعي السَّجم
لم لا أدوس برأسي ترب منزلة ... قد ادسها خير خلق الله بالقدم
يا أرض طيبة لازالت مرفرفة ... عليك أجنحة الانواء بالدِّيم
لله تربك أنَّى ضمَّ في جدث ... بحر الفضائل والإفضال والكرم
جعلت هالة بدر يستضيء به ... أهل البسيطة من عرب ومن عجم
لو استطاعت بلاد الأرض أجمعها ... سعين نحوك للإجلال عن أمم
وأنشدني لنفسه، وقد أراد أن يزور النبي – ﷺ من الشام فلم يقدّ ﴿له ذلك في تلك السنة:
إشتقت طيبة أعوامًا فإذ قربت ... منذِي مسالكها أقصاني القدر
وكنت كالحائم الحيران حين دنت ... منه موارده اودى به الصَّدر
قد كدت أدرك صفو العيش مغتبطًا ... لكن أبى ذاك دهرٌ كلُّه كدر
/٢٦١ أ/ وقال فيه – ﷺ وأنشدنيه: [من الطويل]
نبيَّ الهدى لولا علائق شقوة ... علقن بذيلي ما تركت مزاركًا
نعم عفوك الفضفاض ضاف إزاره ... فأسبل على التَّقضير مني إزاركا
وأنشدنيه حين تشرف بزيارة إبراهيم الخليل –صلوات الله عليه- سنة سبع عشرة وستمائة: [من الطويل]
أيا رافعًا للحقِّ شمَّ قواعدٍ ... بها شاد من أركان بنيانه الدّين
стр. 1452
نشرت على الآفاق نورًا من الهدى ... وأدم في طيِّ الثَّرى بعد مكنون
وأظهرت للأبصار بدر .... الورى ... فلا حمأ فيما تروق ولا طين
نعم طينك النُّور المبين وإنَّه ... بماء من الوادي المقدَّس معجون
اتاك خليل الله تذرف عينه ... خليلٌ كصادٍ ورده الكاف والنون
تشفَّع إلى الرَّحمان يطلق رحمةً ... فها هو في حبس الجرائم مسجون
عليك سلام الله ما ذرَّ شارقٌ ... ولاح هلالٌ مثل ما اعوجَّ عرجون
نعم وعلى أولادك الغرِّ بعده ... صلاةٌ لها صوت الملائك تأمين
وأنشدني لنفسه في القاضي بهاء الدين أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بعد منصرفه من مصر: [من الطويل]
/٢٦١ ب/ لقد سرَّ سرُّ الشَّافعيِّ وأشرقت ... أسرَّته بشر الوجه ابن رافع
قناواه من دون الصَّفائح معلنًا ... نداء وعاه القلب قبل المسامع
لك الخير من ضيف أتاني مسلًَّماً ... ومن زائدٍ نائي المنازل شاسع
بعلمك ذكري ف المحافل شائعٌ ... لشعيك قد أنشرت بين المجامع
أنرت منار الحقِّ بعدي في الورى ... ببرهان فضلٍ ساطعٍ النور صادع
وصيَّرت ما بين المذاهب مذهبي ... كشرع رسول الله بين الشَّرائع
فلازلَّت ذا قدر يعزُّ مناله ... ولازلت ذا فضل على الخلق واسع
وهذا خطابٌ ذا قدر يعزُّ مناله ... ولازلت ذا فضلٍ على الخلق واسع
وهذا خطابٌ عنه أفصح حاله ... لكلِّ أخي فهمٍ من الحقِّ سامع
ويكفيك ما بين الأنام دعاؤه ... وذلك عند الله أعلى الشَّوافع
وأنشدني لنفسه لمّا نزل السلطان الملك الأشرف بعين الفارسية متوجهًا إلى البلاد الشرقية: [من الوافر]
ولمَّا إن رحلنا من دمشقٍ ... وخيَّمنا بعين الفارسيَّه
تقدَّم من مهابتنا سريعًا ... إلى أعدائنا ألفا سريَّة
/٢٦٢ أ/ وأنشدني أيضًا وكتبه إلى الملك: [من الوافر]
أيا ملكًا رحيب الباع سمحًا ... حططت ببابه العالي رحالي
стр. 1453
لقد قرَّت غداة رأتك عيني ... وفازت من لقائك باكتحال
رعاك الله من مدرار فضل ... بوصف علاه جيد الفضل حالي
أؤمِّل منك أن تسعى لرزق ... على نعماك في الدُّنيا محال
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
إذا شئت أن تسمى وتصبح مالكًا ... رقاب قلوب الخلق في الأرض قاطبة
فأوسعهم لطفًا وبشرًا ولا تكن ... عبوس المحيَّا كالح الوجه قاطبه
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
أيا ملكًا ملوك الأرض طرّاً ... لهم بنواله في الأرض أسوه
إذا قسننا بحار الأرض كلاًّ ... إلى جدواك كانت مثل حسوه
عزمت على الرَّحيل إلى دمشق ... وأرجو من نداك الغمر كسوه
وقد هجمت جيوش البرد تترى وغادرت الرِّجال الغلب نسوه
بميمنة وميسرة وقلبٍ ... علينا لم يزل يزداد قسوه
وإن لم تكسني شيئًَا فأيقن ... بأنِّي لست الحق أرض ....
/٢٦٢ ب/ وأنشدني أيضًا من شعره: [من الكامل]
لا تحملنَّ أمانةً فلربما ... لعبت بحاملها يد الإتلاف
قد أودع الصدف السَّحائب قطرةةً ... وبها تشقُّ خواطر الأصداف
وأنشدني أيضًا قوله: [من الوافر]
إذا ما النَّائبات غزتك يومًا ... وهمَّت بالحوادث أن تدوسك
فعذ بالله متًّكلاً عليه ... ولا تنزع من التَّقوى لبوسك
ولا تقصد من الأمراء إلاَّ ... عماد الدِّين داد بن موسك
هو المولى الذي إن ناب خطبٌ ... يفرِّج عنك بالإفصال بؤسك
وأنشدني أيضًا من شعره في غرض: [من الكامل]
وحنتني الأيَّام لمّا أثقلت ... ظهري على جلدي بفادح همٍّها
فالظهر قوسٌ والصا وترٌ لها ... وكلامي المستدُّ ضائب سهمها
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
стр. 1454
كريم المحيّا أبلج الوجه ماجدٌ ... زكت منه أرضُ في السعادة أعراق
طلاقته تجري سحائب أنعمٍ ... بها قسمت بين الخلائق أرزاق
وأنشدني له: [من الكامل]
/٢٦٣ أ/ ذو الفضل لا يعدوه نقص حظوظه ... وأولوا التناقص حظهم متناسق
مثل اليمين تراه عينك عاطلاً ... وعلى الشِّمال يرى الطِّراز الرَّائق
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
يا من نأى فدموعي فيه مطلقةٌ ... والقلب في أسر أشجانٍ وأشواق
أبقيت منِّي على طول المدى رنقًا ... لكن فراقك ما أبقى على الباقي
فالآن لم يبق لي عينٌ ولا أثرٌ ... سوى رجاء التَّلاقي من إخفاق
وقال أيضًا: [من الكامل]
تبّاً لدهر ظلمه كظلامه ... ما إن يزال يجور في أحكامه
متلوِّنٌ كالغول يلبس دائمًا ... فينا لياليه على أيَّامه
يستنزل العصم العواقل مثلما ... يستخرج الضَّرغام من آجامه
فيذل هذا لللكلاب نواحًا ... ويشكُّ ذاك بنبله وسهامه
بينا العقاب تراه عينك في السَّما ... إذ حطَّه بنباله من رامه
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
وأمٍّي لمشتاقٌ إليك وذاكرٌ ... مدى الدَّهر عهدًا كان للشَّمل يجمع
تمثِّلك الذكرى لعيني ساهرًا ... وطيفك يأتيني إذا العين تهجع
/٢٦٣ ب/ وأنشدني لنفسه في القوس ملغزًا: [من الوافر]
ألا يا عالمًا لم تلق عينٌ ... ولن تلقى مدى الدُّنيا قرينه
حللت المشكلات بنور ذهنٍ ... أشغَّته كدنيا مستبينه
فما محنَّية الأضلاع تطوى ... جوانحها على حسك الضَّغينه
إذا صحَّفتها فهي اسم جمعٍ ... لواحدة بها دعيت مدينة
وأنشدني من قوله: [من الطويل]
ذكرتكم فاهتزَّ عطفي كأنَّما ... أديرت بذكراكم عليَّ شمول
стр. 1455
وعاود عودي رونقٌ ونضارةٌ ... وقد مسَّه بعد الفراق ذبول
فياليت شعري هل أرى لي عودةٌ ... إليكم وهل لي بالعقيق نزول
وأنشدني لنفسه من قصيدة أوّلها: [من السريع]
قد زمِّت العيس صابرًا ... إنِّي إذاً في حسن عهدي ضنين
هيهات أين الصَّبر من عاشق ... ما إن له غير الأسى من قرين
يبيت موقوذ الحشا ساهرًا ... بليلة في الطُّول تحكي سنين
يدٌ على القلب وأخرى على ... الرَّأس حليفٌ للجوى والحنين
/٢٦٤ أ/ يذري دموعًا لو جرى فيضها ... ظلَّ الورى ما بين ماء وطين
لله بيضاء هضيم الحشا ... أصبح قلبي بهواها رهين
ذات نطاق خصرها تحته ... يشبه شكّاً قد حواه يقين
تدير عيني رشأ أغيد ... يصمي بسهم اللَّحظ أسد العرين
يرقُّ لي صمُّ الصفاً رحمةً ... وقلبها ذو قسوةٍ ما يلين
стр. 1456
ذكر مفاريد الأسماء في هذا الحرف
[٥٧٦]
الفاخر بن عليِّ بن رافع بن فضائل بن عليِّ بن حمزة بن أحمد بن حمزة بن عليِّ بن أحمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ- ﵈ أبو المجد العلويُّ الموسويُّ.
كانت ولادته سحرة اليوم الثامن عشر من رمضان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ببغداد في الكرخ بين السورين، وبقي إلى سنة عشرين وستمائة. سكن الحلة السيفية. وكان يرد بغداد، وينشد في الهناءات مدائح الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد/ ٢٦٤ ب/﵁ وكان شاعرًا له ذكر ونباهة بالشعر.
أنشدني الشريف الجليل فخر الدين أبو الوفاء عبيد الله بن علي بن زيد بن محمد بن عبيد الله الحسيني الموصلي بها- ﵁ قال: أنشدني الشريف أبو المجد الفاخر لنفسه: [من مخلّع البسيط]
إذا رأيت امزًا وضيعًا ... قد رفع الدَّهر من مكانه
فكن سميعًا له مطيعًا ... معظِّمًا من صغير شانه
وامش مع الدَّهر كيف أرخى ... بمشيه الدَّهر في عنانه
فقد سمعنا بأنَّ كسرى ... قال قديما لترجمانه
إذا زمان السِّباع ولَّى ... فارقص لدى القرد في زمانه
وقال من قصيدة، قالها في الناصر لدين الله- ﵁: [من الطويل]
/٢٦٥ أ/ بكفِّك للتَّدبير أرقش دونه ... صدور المواضي البيض والأسل السُّمر
يشتِّت شمل المال بالبذل والعطا ... وبجمع أشتات البلاغة في سطر
стр. 1457
إذا ما انتضى الصَّمصام بهمة معركٍ ... نبت شفرتاه وهو في طرسه يجري
وله في مبدأ قصيدة يرثى بها بعض الدارجين: [من البسيط]
صفة الحياة وإن طال المدى كدر ... وحادث الموت لا يبقى ولا يذر
ولا يزال لسان الدَّهر ينذرنا ... لو أثَّرت عندنا الآيات والنُّذر
ووجدت من شعره قصيدة بخط يده، يمدح بها النقيب مجد الدين أبا جعفر أحمد بن زيد بن محمد بن عبد الله الحسيني الموصلي: [من الكامل]
لا غرو ان وصل الملول القاطع ... ودنا بمن بعد المزار الشَّاسع
كم فرقة جلب السُّرور وراءها ... من بعد وشك البين شملٌ جامع
ولربما يأتي الزَّمان بما مضى ... وتعود راجعةً بذاك رواجع
ولقد مررت على الدِّيار فنازعت ... إليها .... بالحنين نوازع
/٢٦٥ ب/ واغرورقت عيناي لمَّا استعجمت ... فيها مصايف أفقرت ومرابع
لولا تذُّكر ساكنيها لم تفض ... من مقلتيَّ على الدِّيار مدامع
يا عاذلي كيف الملامم وليس لي ... سمعٌ لعذلك في الأحبَّة سامع
عزَّ اللَّقاء فما المحبُّ بطارقٍ ... منهم يزور ولا بقرب طامع
. بزورتها عليك متيم ... تحنو على الزَّفرات منه أضالع
قالوا: أتقنع بالخيال؟ فقلت من ... فرط الغرام: نعم به أنا قانع
ما كان أشفى للغليل خيالها ... لو كان للمشتاق طرفٌ هاجع
ولقد لقيت من الزَّمان وصرفه ... مالو بأيسره يصاب متالع
فما ........ سيل النَّقا ... مرّت عليه من الرِّياح زعازع
من مخبري أنا والخطوب إلى متى ... تفنى حروبٌ بيننا ووقائع
يا للرِّجال ألا كريمٌ ماجدٌ ... يقتاده مستصحب فيطاوع
عليَّ لان سقط الرَّجاء وعزَّ من ... يدعى إلى أكرومةٍ فيسارع
стр. 1458
فإلى ابن زيدٍ أحمد بن محمّد ... تحدى بنات .. وهي خواضع
من لا بكم لأن نلوذ بظلِّه ... من حادثات الدَّهر خطبٌ صارع
وإذا علقت بذمَّةٍ من جوده ... فلك الأمان بأن يروعك رائع
/٢٦٦ أ/ من سيِّد عتق النِّقابة قدره ... بالشَّمس متَّصل وفيه تواضع
عذب المواهب لا تكدَّر أنعمٌ ... بالمنَّ منه ولا تذُّم صنائع
ومحسَّدٍ يرمى بأعراض العدا ... حسدًا له والله عنه يدافع
أجرى برفعته الإله قضاءه ... فجرى السُّعود له بها والطَّالع
وعناية الله الَّتي .... ... في العالمين بها مذاعٌ شائع
فما يذلُّ على سريرة ربِّه ... فيه وعرنين المعاند جادع
إن سالمت أقلامه وقع الرِّضا ... أو حاربت فالموت منه جازع
تنبو السُّيوف لها وهنَّ قواطعٌ ... وتقصَّف المرَّان وهي شوارع
فكأنَّما فيها الرَّدَّى متعلِّقٌ ... وكأنَّما فيها النَّدى متدافع
سبحان من أعطاك مجدًا لم يكن ... لك فيه مجد الدِّين قطُّ منازع
مجدًا تركت به الحسود وليله ... ليل السّليم عراه سمٌّ ناقع
حتَّى يقول وبين أثناء الحشا ... منه التياعٌ في الجوانح لاذع:
يا من إليه حياتنا ومماتنا ... وله التَّفضُّل والعطاء الواسع
من يمنع المرزوق إن أعطيته ... ومن الَّذي يعطي وأنت المانع
/٢٦٦ ب/ فلم يكف مجد الدِّين أسباب الرَّدى ... إلَّا اليقين وبره المتتابع
يا ابن الأئمَّة كيف يجحد فظلكم ... بين البريَّة وهو نور ساطع
أنتم نجوم سماء كلِّ فضيلةٍ ... زهر السَّماء تغيب وهي طوالع
فلقد زرعت معي الجميل ورُّبَّما ... حمد النَّما عند الحصاد الزَّارع
وحفظت حرًّا لا افتقادك عنده ... منُّ عليه ولا جميلك ضائع
فتهنَّ بالعيد المبارك إنه ... يومٌ جليلٌ مثل عرضك ناصع
стр. 1459
وإذا الجمال عدته أسباب الرَّدى ... فالعيد عند كلَّ يوم راجع
فالله يوليه السَّلامة إنه ... كفٌ ومنتجعٌ وحصنٌ مانع
فاسعد بطلعته ونور جبينه ... فالسَّعد والإقبال منه طالع
فهو الشَّفيع إليك في إنجاز ما ... أبغى فلا عدم القبول الشَّافع
[٥٧٧]
فتيان بن عليِّ بن فتيان بن ثمالٍ، أبو محمدٍ الأسديُّ الشاغوريُّ الدمشقيُ النحويُّ.
أصله من بانياس، الأديب الشاعر.
أخذ العلم بالعربية والنحو عن أبي نزار الحسن بن صافي البغدادي الملقب/ ٢٦٧ أ/ بملك النّحاة- وبعده على أبي اليمن زيد بن الحسن الكنديّ البغداديّ. وكان من الشعراء وذوي الآداب، عارفًا بعلم اللغة والإعراب، ليبيًا عاقلًا، أديبًا كاملًا، ذا سمتٍ حسن وديانة. وكان يعلّم الصبيان بدمشق فترك التعليم، وتصدّى لإقراء النّحو والآداب والعربية، واستفاد منه خلق كثير، واشتهر شعره وشاع في الأقطار، واستملحه أولو العلم واستجادوه لحسن ديباجته، وملاحة ألفاظه، وبلاغة معانيه.
أخبرني أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغداديّ بها، قال: سألت فتيان بن علي الأسدي عن ولادته، فقال: ولدت في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ببانياس. وتوفي بدمشق يوم الجمعة الثاني والعشرين من المحرم من سنة خمس عشرة وستمائة- رحمه الله تعالى-.
أنشدني الخطيب عبد الرحمن بن منصور بن جامع الدمشقيّ أبو محمد، قال: أنشدني فتيان لنفسه: [من الخفيف]
стр. 1460
إسقني من معتَّقات الكروم ... بنت كرمٍ تفني جيوش همومي
إسقني عانسًا ألذَّ من الشَّهد وكالمسك عرفها من شميم
/٢٦٧ ب/ إسقني القهوة الَّتي أنزل الله فيها الآيات بالتَّحريم
عتَّقها خوَّا لآدم لمَّا ... هبط الأرض في الزَّمان القديم
إسقنيها صرفًا على نغم الأوتار من مطلقٍ ومن مزموم
إسقنيها حتَّى تراني لا أفرق بين المعوج والمستقيم
صيدنانيةً كسا وجهها المزج حبابًا كاللؤلؤ المنظوم
من يدي شادنٍ أغنَّ غضيض الطَّرف أحوى يرنو بطرفٍ سقيم
وفتاة ٍكالبدر أبهى من الشَّمس سبتني بكشحها المهضوم
بنت سبعٍ وأربعٍ وثلاثٍ ... تخجل البدر من بنات الرُّوم
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه بجامع دمشق سنة ثلاث عشرة وستمائة:
[من الطويل]
سلامٌ عليكم أنسى عهودكم ... فحاشاكم أن تنقضوا في الهوى عهدي
حنيني إلى أكناف جلِّقَّ زائدٌ ... كما حنَّت الأعراق قدمًا إلى نجد
ومن بعدكم ما الحال عندي بصالحٍ ... ألا أخبروني كيف حالكم بعدي
وقال ابتداء قصيدة: /٢٦٨ أ/ وأنشدنيه الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن البغدادي- أدام الله سعادته-: [من الرجز]
نوح الحمام الورق في أوراقها ... دلَّ أخا الشَّوق على أشواقها
فأظهر الدَّمع وأخفى زفرةً ... خاف على البانات من إحراقها
فاعجب لها شاكيةً باكيةً ... لم تسلك الدُّموع في آماقها
لو بكت الورق ببعض دمعه ... امتحت الأطواق من أعناقها
стр. 1461
ما أفرقت مهجته من الجوى ... لكنَّه أشفى على فراقها
ومنها قوله:
سقى دمشق الله غيثًا محسبًا ... من مستهلَّ ديمة دفَّاقها
مدينةٌ ليس يضاهى حسنها ... في سائر الدُّنيا ولا آفاقها
تود زوراء العراق أنَّها ... منها ولا تعزى إلى عراقها
أهدت لنا يد الرَّبيع حلةً ... بديعة التَّفويف من خلَّاقها
بنفسجٌ مثل الخدود أدميت بالقرص والتَّجميش من عشَّاقها
ونرجسٌ أحداقه رانيةٌ ... عن مقل الغيد وعن أحداقها
/٢٦٨ ب/ قد رتع الرَّبيع في ربوعها ... وسيقت المنى إلى أسواقها
لا نسأم العيون والأنوف من ... رؤيتها يومًا ولا انتشاقها
بعدل فخر الدِّين قرَّ أهلها ... عينا وزاد الله في أرزاقها
زوَّجها الأمن وناهيك به ... بعلًا فطيب العيش من صداقها
وأنشدني الفصيح أبو بكر الجزري الشاعر، قال: أنشدني فتيان بن علي لنفسه: [من مخلّع البسيط]
الملك الأمجد الَّذي شهدت ... له ملوك الأنام بالفضل
أصبح في السَّامريِّ معتقدًا ... ما أعتقد السَّامريُّ في العجل
والسَّامريُّون كالبرامك في النُّبل فأين الرَّشيد للقتل
وقال يمدح أبا حامد محمد الكاتب الأصفهاني، ويصف كتابه الذي ألّفه وسماه «خريدة القصر وجريدة العصر» وأنشد فيه الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود ابن الحسن- أيده الله تعالى-: [من البسيط]
/٢٦٩ أ/ نعشت قومًا وكانوا قبل قد دثروا ... لولا علاك فطاب الورد والصَّدر
стр. 1462
أحييت شعرهم من بعد ميتته ... قدمًا فقد شعروا قدمًا وما شعروا
أقسمت ما روضةٌ مخضرةٌ أنفٌ ... باتت تسحَّ على أقطارها القطر
ذبابها هزجٌ نوَّارها أرجٌ ... نباتها بهجٌ مستحسنٌ عطر
كأنَّ فارات مسك وسطها فريت ... فنشرها بأماني النَّفس منتشر
شقَّ النَّسيم على رفقٍ شقائقها ... فضرِّجت بدمٍ لكنَّه هدر
قضب الزَّبر جد منها حمِّلت صدف الياقوت فيها فتيت المسك لا درر
أحداق نرجسها ترنو فأدمعها ... فيها ترقرق أحيانًا وتنحدر
وللأقاحي ثغور الغيد باسمةٌ ... شيكت بإسحلةٍ أنيابها الأشر
تريك حسن سماءٍ وهي مصيحةٌ ... والأنجم الزُّهر فيها ذلك الزَّهر
تبدو بها طررٌ من تحتها غررٌ ... يا حبَّذا طرر الأزهار والغرر
يومًا بأحسن من خطَّ العماد إذا أقلامه نشرت عن حبرها الحبر
ولا العقود بأجياد العقائل كالدُّمى فمنتظمٌ منها ومنتشر
على ترائب كافورٍ يزيِّنها ... حقاق عاجٍ عليها عاجت الفكر
تلك الَّلآلي تروق النَّاظرين فما ... يسومها سأمًا من حسنها النَّظر
/٢٦٩ ب/ يومًا بأحسن من نظم العماد ولا ... من نثره فيه ذو العصر يفتخر
أضحت صعاب المعاني عنده ذللًا ... تحوي دقائقها من لفظه الدُّور
كأنَّما لفظه السِّحر الحلال أو الماء الزُّلال النُّقاخ الطيِّب الخصر
شيبت به قهوةٌ حمراء صافيةٌ ... عصارها غيِّرت من دونه العصر
ولا السَّحائب بالأنداء صائبةٌ ... فجودها غدق الشُّؤبوب منهمر
стр. 1463
حتَّى إذا انقشعت من بعدما همعت ... أثنى عليها نبات الأرض والشَّجر
يومًا بأغزر من كفِّ العماد ندّى ... وكلُّ أنملة من كفِّه نهر
فللغمائم تقطيبٌ إذا انبجست ... وبشره دونه عند النَّدى القمر
ما إبن العميد ولا عبد الحميد ولا ... الصَّابي بأحسن ذكرًا منه إن ذكروا
ولو يناظره في الفقه أسعد لم ... يسعد وأحصره عن نطقه الحصر
هذا ومحتده ما إن يساجله ... خلقٌ إذا الصِّيد في نادي العلا افتخروا
أصخ محمَّد إنَّي جدُّ معتذر ... إنَّ المقصِّر فيما قال يعتذر
يا ابن الكرام الألى سارت مكارمهم ... حتَّى تعجَّب منها البدو والحضر
راووق حلمك فيما أنت تسمعه ... يبدي الجميل وفيه الغثُّ يستتر
وقال أيضًا: [من المتقارب]
/٢٧٠ أ/ أهيم غرامًا بآرام رامه ... وكم من قلوب بها مستهامه
وأصبوا إلى أثلاث الحمى ... إذا ما تغنَّت سحيرا حمامه
ولولا غريبٌ بنجد لما ... أطعت النَّوى وعصيت الملامه
حذار حذار فأجفانهنَّ ظبًا ما لمكلومها من سلامه
وكم غادة إن نضت برقعًا ... حكت لك شمسًا بدت من غمامه
وإن بسمت لاح من ثغرها ... لعاشقها ضوء برق قشامه
إذا ما تثنَّت شكا خصرها ... إلى ردفها جوره والظُّلامه
وقال أيضًا: [من المنسرح]
إقدح زناد السرور بالقدح ... والمح به ما تشاء من ملح
صهباء قل للذي تجنَّبها ... صه باء بالإثم تارك القدح
وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب الشيباني الصفار الدمشقي
стр. 1464
بها في أوائل المحرم سنة أربعين وستمائة، قال: انشدني أبو محمد فتيان بن علي لنفسه: [من البسيط]
إنشر حديثًا قديمًا كنت تطويه ... وأبد ذكر حبيب أنت تخفيه
/٢٧٠ ب/ ولا تعرِّض وصرِّح لا بتوريةٍ ... ولا تعرِّض وصحِّح لا بتمويه
إنَّ الحبيب الَّذي هام الفؤاد به ... هامٍ له دمع عيني إذ أسميه
فللأقاح وللتُّقاح مبسمه ... وخدُّه وامتياحي الخمر من فيه
من منصفي من بديع الحسن معتدل القوام أحوى كحيل الطَّرف شاجيه
ظبيٌ من التُّرك لم تترك محاسنه ... شيئًا من الحسن إلَّا وهي تحويه
واهًا له كلَّما ارتجَّت أسافله ... وآه منه إذا اهتزَّت أعاليه
يا للرجال لظبي صائدٍ أسدًا ... قاسي الفؤاد على صبٍّ يقاسيه
يجني علي فأستحلي جناياته ... وما أمرَّ وما أحلى تجنِّيه
شبَّهته وقوام الغصن يخطفه ... ومن لواحظه وردٌ يحاكيه
من صدغه صولجانٌ خده كرةٌ ... والخال حبَّة قلبي لا أخلِّيه
بسهم ناظره [عن قوس حاجبه ... يرمي فؤادي على عمدٍ فيصميه]
[ولست أنظره] إلَّا مخالسةً ... أكاد من لطفه باللَّحظ أدميه
وما تأمَّلت وجدي في محاسنه ... إلَّا تأمَّلت وجدي من مساويه
стр. 1465
متى تحرَّجت من شرب المدام شدا ... فدسَّ في أذني خمرًا تغنِّيه
يا من يلوم أعد ذكر الحبيب فما ... ينسيه شيءٌ بل الأيَّام تنسيه
واذكر دمشق فإنَّ الله فضَّلها ... على البلاد بما لا يمترى فيه
/٢٧١ أ/ زهت بجامعها والنَّسر ممتطيًا قوادم النَّسر تتلوها خوافيه
فقد أنافت على الجوزاء قبَّته ... تبدي الهلال الَّذي لا شيء يخفيه
شكَّت بسفُّودها جوز الهلال وقد ... نحت به نحو قلب الحوت توشيه
وباب جيرون قد فارت بساحته ... فوَّارةٌ هي ظئر الجدي ترويه
يا حبَّذا جنَّة باب البريد بها ... والحسن قد حشيت منه حواشيه
فالمرج فالنَّهر فالقصر المنيف على القصور ... فالشرف الأعلى مثانيه
فالجسر جسر ابن شوَّاش فنيربها ... تحلو معانيه ما تخلو مغانيه
كأنَّ في رأس علِّيين ربوتها ... يجري بها كوثرٌ سبحان مجريه
كأنَّ مشمشها في دوحه ثمر الجنان يجنيه منها كفُّ جانيه
كأنَّما كلُّ غصنٍ منه ذو كرمٍ ... لم تخل في النَّاس أيدٍ من أياديه
بها الهزازات تشدو في منابر بانات فنحن بما تأتيه في التِّيه
كأنَّ ناي زنامٍ في مناقرها ... وعود إسحاق يتلوه مثانيه
стр. 1466
كأنَّ في كلِّ عودٍ عود غانية ... بصدرها منه مولودٌ تناغيه
تلك المرابع لا حزوى وكاظمة ... ولا العقيق بواديه، بواديه
أقلُّ شعب تراه في دمشق يوافي شعب بوَّان وافي الفخر والتيه
/٢٧١ ب/ كم يوم سبت بديع في دمشق أتى ... بالحسن من يوسف الصدِّيق يجليه
إذا تأمَّلتها من كلِّ ناحيةٍ ... دعتك للعجب البادي دواعيه
بها الجواسق أمثال الكواكب ... نحر البساتين تعلوها صواريه
وأنشدني الشيخ جمال الدين أبو العباس أحمد بن عبد الله بن يوسف التميمي البقفي بها في سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني الشهاب فتيان لنفسه:
في حبِّك صرت كالخلال ... والصبر فليس من خلالي
واصل من حاز كل حزنٍ ... يا حائز جملة الجمال
العاذل عادلي عذيري ... والقلب عن السَّلوِّ سالي
عذِّب بسوى الصُّدود قلبي ... يا منيته فما أبالي
شر بوشك يا صبيُّ منه ... تنكيس عمائم الرِّجال
هذا الحالي بكلِّ حسنٍ ... ما أعجب في هواه حالي
غصنٌ في الحقف تحت بدرٍ ... فيرنو عن مقلتي غزال
يرمي عن قوس حاجبيه ... من لحظ الطَّرف بالنِّبال
/٢٧٢ أ/ لأمتِّع في هواه قلبي ... ما عشت بلذَّة الوصال
إن كنت على الرُّقاد أبكي ... إلَّا شوقًا إلى الخيال
وأنشدني بهاء الدين أبو العلاء رافع بن شجاع بن رافع بن محمد الدمشقي
стр. 1467
السلمي بظاهر مدينة الموصل في شهر صفر سنة تسع وثلاثين وستمائة: : [من المتدارك]
أنا بالغزلان وبالغزل ... عن عذل العاذل في شغل
ما تفعل بيض الهند بنا ... ما تفعله سود المقل
بأبي وسنان أغنُّ كحيل الطَّرف غنيُّ عن كحل
رشًا أحور عينيه لنا ... جادت بالخمر وبالعسل
من كان الخمر جنى فمه ... لم لا يمشي مشي الثَّمل
يمشي فيكاد يقدُّ الخضر ليثنيه ثقل الكفل
وتغار عقود الدرِّ إذا ... ما أفترَّ عن الثَّغر الرَّتل
أتقاضاه فيماطلني ... ظلمًا بدنوِّي وهو ملي
أغمد في الحرب السَّيف فمن ... لحظاتك يشهر سيف علي
/٢٧٢ ب سأؤذِّن في حبِّيبك جهارًا حيَّ على خير العمل
يا ظالم حين عليَّ ولي ... لم لا أصبحت عليَّ ولي
يا بدر دجى مطلعه ... لسويدا القلب فلم يغل
آهًا من هجرك والإعراض ومن طول صدودك والملل
أنشدني الرئيس الأجل سديد الدولة أبو سعيد بن أبي الحسن بن أبي سعيد السامري الدمشقي، بمنزله بحلب يوم الثلاثاء سلخ جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني الشهاب فتيان لنفسه بدمشق سنة تسع وستمائة، وأنشدنيها أبو الفتح نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب الشيباني الدمشقي بها في أوائل المحرم سنة
стр. 1468
أربعين وستمائة، قال: أنشدني فتيان لنفسه: [من الخفيف]
أظبًا جرِّدت لنا من جفون ... أم ظباءٌ رنون أم حور عين
أم وجوهٌ واجهننا أم شموسٌ ... في غضونٍ بين اعتدال ولين
كلُّ فتَّانةٍ تقلِّب هاروت وماروت بين سحر الجفون
/٢٧٣ أ/ من بنات التُّرك الرَّواجح أكفالًا ولكَّنهن خمص البطون
هتفت بي صبابتي بصبايا ... مصيباتٍ بالدَّل أهل الدين
يا نديمي أما ترى خطباء الورد ترقى منابرًا من غصون
وهم قائلون حيَّهلا بالرَّاح من معربون أم حلبون
قهوة تطرد الهموم عن القلب وتأتي بفرحة المحزون
وكأنَّ الحباب ثغر حبيبٍ ... ذي ابتسامٍ عن لؤلؤٍ مكنون
صاغه الخالق الَّذي إن يرد شيئًا يكن منه بين كافٍ ونون
هات بكرًا تمخَّضت بجنين ... السُّكر لله درُّه من جنين
إنَّ عمر الورد الأنيق قصيرٌ ... فاغنموا قبل الحين طيب الحين
بين عودٍ وبين نايٍ وجنكٍ ... وطبيب القانون بالقانون
من مجيري من جور أحور أحوى ... عند باب القناة من جيرون
لو تراني وشعره بيساري ... والحميَّا ممزوجةٌ بيميني
لرأيت الشُّجاع والشَّمس والدِّرياق والرِّيم صيد ليث العرين
стр. 1469
وهو كالجار بيت بيت ولكن ... بان عنِّي كالرَّمل من يبرين
ولقد هاجت النَّواقس بالدَّير جناني فقمت كالمجنون
/٢٧٣ ب/ والشَّحارير كالرَّهابين يتلون الزَّبور البديعة التَّلحين
وصفير الصُّفريِّ يشدو بشدوٍ ... معربٍ عن صبابةٍ وحنين
والهزارات والبلابل والورق على الدَّوح باديات الشُّجون
وإذا العندليب صاح ظننَّاه تلا المحكمات من ياسين
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
الترك إن لبسوا يومًا ترائكهم ... على الدُّروع وألقوا بالشَّرابين
ألفيت أسدًا على الأعداء واثبةً ... إذا انحنوا في قرابيس الأكاريش
تقلى ملائكةً قد أرسلت شهبًا ... على العفاريت من أفق التَّراكيش
بدور تمٍّ تمطَّى في الأهلَّة ترمى بالكواكب لا العيدان بالرِّيش
شاموا جداول لمَّا استلأموا غدرًا ... فأوقدوا بمياه نار شاريش
عادوا أجادل دجنٍ صيدها أسدٌّ مردَّفين بها فوق الكبابيش
أبصار أعدائهم تعشى بنورهم ... أنَّى ترى الشَّمس أبصار الخفافيش
متى دنوا ومتى افترُّوا جنوا وحبوا ... بالسِّحر من بابلٍ والُّدِّر من كيش
стр. 1470
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه بالتاريخ المقدم: [من الوافر]
/٢٧٤ أ/ بكم قلبي عليلٌ ما يبلُّ ... به منكم غليلٌ ما يبلُّ
فطر في كاتبٌ والطِّرس خدِّي ... وأشواقي تملُّ وما تملُّ
وأحبابي استقلُّوا ما ألاقي ... من البرحاء فيهم فاستقلُّوا
هم في القلب حلُّوا حين ساروا ... وهم عقدوا الهوى والصًّبر حلُّوا
ومن أجفانهنَّ السُّود يوم التَّفرُّق للسُّيوف البيض سلُّوا
فأيُّ حشًا هناك نجا سليمًا ... وأيَّ دمٍ هنالك ما أطلُّوا
رأوا قتلي ببينهم حلالًا ... ولا والله قتلي ما يحلُّ
كفى حزنًا بأنَّ الوجد نامٍ ... بقلبي والتَّجلُّد مضمحلُّ
وفي حبِّيهم قدمي استقامت ... وآلت لا تزول ولا تزُّل
ولمَّا أن رأوا منَّا نفوسًا ... تظلُّ من المآقي تستهلُّ
سقوا من نرجس الألحاظ وردًا ... ففي ورد الخدود الدَّمع طلُّ
لقد كنت العزيز وفي هواهم ... ذللت وكلُّ من يهوى يذلُّ
ألا يا حبَّذا أعلام نجد ... ووادي الخيف والبان المطلُّ
منازل لا ألمَّ بهنَّ محلٌ ... فهنَّ لمن كلفت به محلُّ
ومملوكٍ له في الترك آلٌ ... يروع وجنده لم يرع إلُّ
يدلُّ ومن يكن في الحسن فردًا بلا شبهٍ له لم لا يدلُّ
هلال السَّرج يطلع منه شمسًا ... علينا فرعه المسودُّ ظلُّ
وتصمي قوس حاجبه بنبلٍ اللَّواحظ عاشقيه ولا يولُّوا
إذا خطف القناة فذاك رمحٌ ... برمحٍ في الكريهة مشمعلُّ
وإن هزَّ الحسام يكن حسامًا ... تفلُّ به الجيوش ولا يفلُّ
ومن ضيق اللِّثام يرى هلالًا ... به لله إذ يبدو نهلُّ
ذؤابته بها ذابت قلوبٌ ... وفوق السَّرج منها صال صلُّ
стр. 1471
فما أغناه عندي عن سلاحٍ ... ففي حمل السَّلاح عليه كلُّ
يخوض من المفاضة في غدير ... تسلسل منه لي بالٌ مدلُّ
ولكنَّ الهزبر يرى شتيمًا .. أزلَّ ولا أميلح لا أزلُّ
هو الصَّنم الَّذي لولا تقائي ... إلهي لم أزل فيه أضلُّ
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يمدح المهّذب الحكيم يوسف بن أبي سعيد الإسرائيلي السامري- وزير صاحب بعلبك- الملك الأمجد بهرام شاه بن فرخشاه بن شهنشاه: [من السريع]
/٢٧٥ أ/ يا عاذلي كن في الهوى عاذري ... وعدِّ عن شقشقة الهادر
هيهات أن يستمع العذل في ... ليلاه مجنون بني عامر
ما اللَّيل لي من سهري مؤمنٌ ... يا صدق من سمَّاه بالكافر
أحسن ما يسمع من سامرٍ ... في الدَّهر مدحي يوسف السَّامري
مهذَّب الدِّين الَّذي وجهه ... أبلج مثل القمر الزَّاهر
لا يقبل الرَّشوة يومًا على المشهور من إحسانه الغامر
ولا كمن ينصر من خاذلٍ ... ولا كمن يخذل من ناصر
إحسانه بادٍ بنا حاضرٌ ... يعرف في البادي وفي الحاضر
إن جاءه شاكٍ مضى شاكرًا ... فكم له في الخلق من شاكر
في حفظه ما جاء عن شارعٍ ... وفيلسوفٍ وامرئٍ شاعر
فسخَّر الله بنيل المنى ... له مسير الفلك الدَّائر
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه في يوم بارد: [من البسيط]
قد أجمد الخمر كانونٌ بكلِّ قدح ... وأخمد الجمر في الكانون حين قدح
يا جنَّة الزَّبداني أنت مسفرةٌ ... عن حسن وجهٍ إذا وجه الزَّمان كلح
стр. 1472
/٢٧٥ ب/ فالثَّلج قطنٌ السُّحب تحلجه ... والجوُّ ندَّافه والقوس قوس قزح
متى نجلُّ فيك ظرف الطَّرف من مرحٍ ... قضَّيته لمحًا نأتي بحسن ملح
[٥٧٨]
فرامرز بن محمود بن محمد بن أبي المعالي بن بايدار بن إسماعيل بن الديلميُّ، أبو سعد بن أبي الثناء، الأصبهانيُّ الأصل.
كانت ولادته بالموصل سنة ستٍّ وثمانين وخمسمائة، وتوفي بها يوم الثلاثاء لخمس بقين من جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة. ودفن قبليَّها ظاهر البلد بمقبرة عنار.
وكان من أكبر بيت بالموصل؛ وجدُّه أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي الأصفهاني، كان سفيرًا لبني أتابك. ينفذ رسولًا إلى بلاد العجم.
وفرامرز قرأ طرفًا من الفقه والأدب وأغري بالشعر. وكان له فيه عارضة وجودة طبع، وقال منه جملة وافرة.
رأيته بالموصل مرارًا ولم أعلق عنه شيئًا من قبله. وكان شابًا أسمر اللون ربعة، شديدًا قويًا في نفسه، يشيل الأحجار الثقال ويعالج /٢٧٦ أ/ بها. وكان معاشرًا كيسًا حسن الصحبة، يخالط أهل الخلاعة والمتطربين في الحانات. وانقطع إلى الملك الأشرف مظفر الدين أبي الفتح موسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب ورزق منه خطوة.
أنشدني الأمير مظفر بن محمود بن محمد، قال: أنشدني أخي فرامرز لنفسه: [من البسيط]
منَّا السَّلام عليكم والتَّحيات ... يا من دموعي لمسراهم غزيرات
بنتم فبان اصطباري بعد بينكم ... واعتادني بعدما الأفراح ترحات
كلُّ الحواسد قد نالوا الَّذي طلبوا ... إذ هم لهجركم للصب شمَّات
ملكتم فاعدلوا فينا فقد وردت ... في أجر ذي العدل أخبارٌ وآيات
стр. 1473
واهدوا لنا الوصل أو بالطَّيف يطرقنا ... فللخيال إلى العشَّاق سلطات
ويلاه لا خبرٌ بالوصل يطربني ... وكم لصدِّكم عندي صبابات
هزمتم جيش صبري مذ بدت لكم ... بل للتباعد أعلامٌ ورايات
كم صحت واشؤم حظِّي هل يعود لنا ... ذاك الزَّمان ........
هذا زماني انقضى في الهجر وا حربا ... ترى ترى لليالي الوصل أوقات
ونقلت من خطه قوله من قصيدة: [من الكامل]
/٢٧٦ ب/ زمن الشَّباب مطيَّة اللَّذات ... ونظيره زمن الرَّبيع الآتي
ظهرت عوارض نيته كعوارضٍ ... مخضرَّة في حمرة الوجنات
وتزخرفت فيه الرِّياض بحلَّةٍ ... من نسج راحات الحيا الهطلات
بكت السَّماء فأضحكت نوَّارهًا ... عن ثغر أشنب طيِّب النَّكهات
وترنَّمت أطيارها وترنَّحت ... أغصانها طربًا على النَّغمات
فعليك في العصرين بنت معاصرٍ يحنو .... بها على الحانات
واستجلها راحاتها المرحات تستهدى إلى الأرواح بالرَّاحات
بيضاء ساطعة الشُّعاع وليس من ... عجب ظهور النُّور في الجنَّات
يسعى بها رشًا أغنُّ مذكَّر الأوصاف وهو مؤنَّث الحركات
كالماء رقَّة جسمه، والغصن في ....... ، والظَّبي في اللَّفتات
والبدر يحمل أنجمًا أفلاكها الطَّاسات والأبراج في الكاسات
فإذا رنا في كلِّ طاسٍ خلته ... قمرًا مطالعه من الهالات
ما كنت أعلم أنَّ آساد الشَّرى ... لولاه خائفةٌ من الظَّبيات
لو شاء أسكر قبل مزج مدامه ... بكلامه وبنرجس اللَّحظات
وبماء غرٍّ كالَّلآلي جمِّعت ... في صحفة الياقوت مفترقات
/٢٧٧ أ/ فتهنها ما دام غصنك يانعًا ... نضرًا وعنك الدَّهر ... والغفلات
والجوُّ أزرق والسَّحاب مكوفرٌ ... والنَّبت أغيد والزَّمان مواتي
стр. 1474
[٥٧٩]
فضلان بن أبي الفرج بن فضلان، أبو الطيّب الذميُّ الواسطيُّ الضرير.
كان شاعرًا فطنًا يجيد نظم الشعر في القصائد والمقطعات. وكان مع ضرره ذكيًا لطيف الحس حسن الخاطر يلعب بالشطرنج بقلبه فلا يكاد يغلبه أحد. خرج عن العراق إلى بلاد الشام وانقطع خبره هناك.
أنشدني الصاحب الوزير شرف الدين أبو البركات المستوفي- أدام الله سعادته- قال: أنشدني أبو الطيب لنفسه يمدح عليًا- ﵇ ويذكر إذمامه لليهود:
[من الرجز]
إن عادلي من الشَّباب ما فرط ... عاد بكم عيشي وهو مغتبط
لله أيام الصِّبا لآلئًا ... لولا امتناع نثرها أن يلتقط
وسائرين ما علت قبابهم ... يوم النَّوى إلَّا وجدِّي قد هبط
/٢٧٧ ب/ أيَّان ... البين مع ... كلِّ عقال لمطاياهم نشط
تحمَّلوا من حوملٍ وجاذبوا ... سقط اللِّوى والقرص غربًا ما سقط
حتَّى إذا ميط برى مطيِّهم ... وحلَّل الرَّكب عرى الرَّحل وحط
ومدَّ داجيه الهزيع وغطا ... شبابه من فرق الصَّبح الشَّمط
قمت قصير الخطوات خائفًا ... أن ينظر الحبُّ مشيبي قد وخط
أقول: هب لي قبلةً أحيي بها ... ما شطَّت الدَّار، فقال: ذا شطط
ومنها في مديحه- صلوات الله عليه وسلم: -
وقائلٍ تمدحه ولست من ... ملَّته ما ذاك منَّي بفرط
هذا حبانا عربيَّ ذمَّةٍ ... من بعد فتك الرُّوم فينا والنَّبط
стр. 1475
وكيف لا ننظم ما عشنا كذا الـ ... ـعقود من درِّ ثناه والسَّمط؟
وكتب إلى بوّاب معاملة قوسان يستمحيهم ويتقاضهم برسم له عليهم من التمر فأنفذوه له تمرًا عتيقًا مسوسًا، فلما حضر بين يديه ولمسه وجده نوى لا يصلح لشيء، قد أكله السوس، فقال: [من الخفيف]
/٢٧٨ أ/ لم يربني فعل المجيزين شعري ... بتمورٍ كثيرة التَّسويس
بل تعجَّبت كيف خلَّص نظمي ... للقوافي هذا النَّوى من ...
وقال أيضًا: [من البسيط]
أصبحت أرجو أناسًا لا رجاء بهم ... باللُّؤم والشُّحِّ من قبل الوجود غذوا
أجاز كذبًا على كذبي بمدحهم ... كأنَّما من مديحي الوعد متَّخذ
فلا تصفو قطبًا شعري مجردة ... وفوق هام العطايا منهم ...
أقول زورًا فأجزى زور فعلهم ... فيرجعون وما أعطوا ولا أخذوا
[٥٨٠]
فخار بن معد بن فخار بن أحمد بن محمد بن محمد بن الحسين الملقب شيتي بن إبراهيم المجاب بن محمد الصالح بن الإمام موسى بن جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب- صلوات الله عليهم أجمعين- أبو عبد الحميد العلويُّ الموسويُّ الحليُّ.
من أهل الحلة المزيدية.
قرأ الأدب على عميد الرؤساء أبي منصور هبة الله بن أيوب اللغوي. وتخرج
следующие страницы →