Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
الأردخل لنفسه، يمدح مولانا المالك الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، شرف الملوك والسلاطين، نصير أمير المؤمنين_أعلي الله شأنه وأوضع برهانه_: [من المنسرح]
لله نفس بكم أسوّفها ... تقضي وما ينقضي تأسُّفها
وذات عرفت منكم تجلّدت للَّاحي فأنكرتها وأعرفها
وقفت فيها وآي أرسمها ... ممحوّة بالمحول أحرفها
مكفكفًا عبرتي وودِّي أن ... أبكي عليها ولا أكفكفها
ماذا علي الرّكب من إراقتها ... هل هي إلّا بلوي أخفِّفها
وكيف أمسوا لا بل أصبحّ وبيّ ... ألمي مريض الجفون أوطفها
لم أدر حتَّى تقسَّمتني ظبا ... عينيه أنَّ الفتور يزهقها
عهدي به والحمام فاعله ... في الشَّب فعل الشَّراب هيفها
في دوحة منذ بان تنجزها ... الوعد جفوني والمزن تخلفها
فضّي جسمٍ تكسوه أكؤسنا ... أثواب تبر من حيث يرشفها
فالرّاح شمس ووجهه قمر ... يكسب من نورها ويكسفها
وقد أجوب الفلا بخرف تق ... ود اللحظ وخدا ولا يكيّفها
كأنّها من غواة عبقر وال ... جوّ بشهب الهجيرة يقذفها
تكاد من خفّة بها تطأ الـ ... ـعين مرارًا وليس تطرفها
فسهلة تارة ومحزنة ... وليس إلّا إليك يصرفها
لا زلت بدرًا للدين ما استبق الـ ... ـبيت بأولى الركاب موجفها
من غمّة بالعطاء وتحيي ومن ... غمّاء بالمشرفيّ تكشفها
حكمت حتى للشاة في الأسد ... واستدرجت حتّى ارعوي تغطرفها
وقمت في أنفس الطّغاة مقا ... م الموت لا تستفيق تتلفها
في كل يوم يلفي حماك إلي ... حيّاتهم حياةً تلقّفها
فلا سيوف ولا تثلّمها ... ولا رماح ولا تقصّفها
стр. 1682
تشكو أليك الدنيا وقد شرقت ... بالظلم أقطارها فتنصفها
بكل بيضاء مرّها يرضخ ... الصّخر ومر الصّبا يهفهفها
ما وقفت للقضاء في ملأ ... إلا ومشي الجبال موقفها
معاقل رضتها فراحت تلقَّي ... الأمن من أوجه تخوّفها
حتّى غدت والغنيّ افقرها ... تواضعًا والقويّ أضعفها
إن يدع جود فأنت خاتمها ... أو يدع حلم فأنت أحنفها
أفكرت في المال والمعالي ... فأقبلت بتفريقه تولّفها
أدعوك يا خير شأنه ... الإفصاح عما يثير مصحفها
إذ ليس لي في القريض من ... فطرة تأتيه من حيث لا أكلّفها
لكنّني ذو بضاعة منه ... مزجاة بري عيرها تعفّفها
أأطلب الكيل من سواك ... وكل الأرض مصر وأنت يوسفها
ميتة نفس تقضي إلي شرفٍ ... خير مني النفس ما يشرفها
وأنشدني سليمان بن مليان الصائغ الإربلي؛ يمدح السلطان الملك الأشرف شاه آرمن موسي بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي، وقد مر نسرا ببندقة: [من الكامل]
لو زارني فأضم ما ضم القبا ... منه وألثم أقحوانًا أشنبا
قمر يريك من الأسنّة أنجمًا ... سيارةً ومن العجاجة غيهبا
ميال مركبه فهل راح الّصبا ... تعتاده فيميل أم ريح الصّبا
فأعجب له يقني الصوارم والقنا ... وقوامه ولحاظه أمضي شبا
ويصدّها عند الصّيال مخالبًا ... ومتي رأى الرّائي لظبي مخلبا
لبس الحديد علي الخرير وجال في ... زي الفتاة موشّحا ومنقّبا
لا يستفيق إذا تلمّح أسكرت ... ألحاظه وإذا تكلّم أطربا
بين الفوارس فوق أجرد ضامرٍ ... ضمر الهلاك ودهره مرعي الظّبا
فكأنّه من تحت فاضل درعه ... ريح ترفّع عن سحاب هيدبًا
أرقي لبرقي وعده ووعيده ... لو كان شرّهما علي الخلّبا
وتألمّي لمعنبر من صدغه ... لما تمكّن من حشاي تعقربا
أكذا يسيل الدّمع كلّ مسلسلٍ ... أضحي إلي حبّ القلوب محبّبا
стр. 1683
لا بل إمارات تغر أخا الهوى ... ففيفي لغدّار .... مذنبا
يا قاتل الله الخليّ فلم يزل ... فيه رقيبًا أو عذولًا مطنبا
أضحي يعيّر بالخمول مشمخرًا ... لم يبق في عصب المطالب مضربًا
وأنا الّذي جدلت رحب فجاجة ... مستدركًا نار الحديد وأرحبا
من حيث لا يجد الهوي إلا امرؤ ... لم يتّخذ [عن] شاه أرمن مذهبا
لله أنت ممدّح ألف النهي ... إلف الرضاع فما أبرّ وأنجبا
وجه كلمع البرق بل أسني حيًا ... ويد كصوب المزن بل أندى حبا
أغنيت عن قصد الوري من لم يرد ... إلا وكان الخالع المتعصّبا
وركبت كلّ محجّة بكر الندي ... تأبى لفرط شماسها أن تركبا
كالنّسر لما خرّ وهو مقارب ... في فلك الخيبة كوكبا
ولقد وطئت خلاط وطأة خالط ... بالطّعن أعظم سوقها والأكعبا
في كلّ عاديّ الصّدام لو التقي ... حبلًا لمرّ به أخف من الهبا
ترك الغبار لكلّ نقع بجائد ... بالصبح ليلًا والمعذّر أشيبا
أدعوك دعوة ذي طوى لم يرع مذ ... هدرت شقاشقه مكانًا معشبا
هذا وكم سامي الذّرى خلّفته ... نضوًا يحمل الشوق نحوك متعبا
عهدي به وكأنما ليلاته ... يطلين بالقطران منه أجربا
واليوم لم يلق الشتاء لرأسه ... رأسًا يشيبه فشّيب منكبا
وأنشدني محمد بن علي النيليّ؛ قال: أنشدتي محمد بن الأردخل لنفسه: [من الكامل]
ألق اليراع فدون من يهوي الفتي ... وادي المنّية بين نفسك والمني
لا تطمعنّ القلب منك بعالج ... ورد الحميم ولا ورود المنحنى
ودع التعرّض بالدّيار فربما ... كان الفنا المحتوم من دون الفنا
عن يسرة الحدباء مل يا صاحبي ... بالعيس واجتنب المحلّ الأيمنا
فهناك من لولاه ما كان الهوى ... للناس بل لولاي ما هلق الضني
ظبي تخاف الأسد من سطواته ... قمر يعير البدر في التّمِّ السَّني
لو هدد الله الغصاة بهجره ... قبل ارتكاب الفخش ما عرف الخنى
стр. 1684
مر التّماطل والعواذل والجفا ... حلو الشّمائل والمراشف والجني
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
قومي أنظري من امير الخسن في البلد ... الظّبي والبدر فوق الغصن والأسد
ولا تفوهي بثأري إن قتلت فما ... يا هذه لقتيل الحبّ من قود
هذا الذي عند بعثي من دعا جدثي ... به يردّ الإله الروح في جسدي
يا أعدل الناس قدًا وهو أحورهم ... ها قد أتيتك مظلومًا فخذ بيدي
وأنشدني الشيخ الأديب أبو عبد الله بن الخبّاز النحوي؛ قال: حدثني محمد بن الأردخل أنه جلس في مجمع ينشد قصيدة في أبي اليمن نجاح الشرابي الناصري أولها: [من المتقارب]
أرقت لبرق بتيماء لاحا ... كأنّ علي الجوّ منه صفاخا
فمرّ عليه مودود بن صباح الشاعر، فاستوقفه وقد فرغ من القصيدة؛ فقال له: ما تريد؟ فقال: نسمع تمامها؛ فارتجل هذه الأبيات، وأنشد [من المتقارب]
وقافية كبغيّ ألمّ ... بها مدّع فبغاها سفاحا
وما زال يكذب حتّى دعوه ... مسيلمةً ودعوها سجاحا
وذلك مودود أعني العتل نجل الزّنيمة أعني صباحا
فلما سمع الأبيات سبه وانصرف.
وأنشدتي أيضًا؛ قال: أنشدني ابن الأردخل لنفسه، وكان واقفًا بباب أسد الدين ..... ، فلم يجد إليه طريقًا، فأقبل بعض أصحابه بشمعة فأخذها، ونقش عليها قوله: [من الكامل]
قبلت شفاعة شمعة تفنى فما ... ظنّ الأمير بشمعة لا تنطفي
صقلت معانيها البلاغة فارتوت ... منها كصقل القين .... المشرفي
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني له من مبدأ قصيدة: [من الكامل]
سل وجهه البدريّ عن كماله ... في مقلتي العبرى وقلبي الواله
أو فأثن عنّي قوس حاحبه فلي ... كبد أمام النزع من نبّاله
ألمي رشيق القد أرجو الريّ من ... معسوله وأخاف من عسّاله
стр. 1685
أعريت شجوًا اربعه فالبان في ... سكراته والورق في أغلاله
وحملت مثل الردف منه غيرة ... لما رأيت الهصر خلف هزاله
لله قلبي كيف خانرة الهوي ... أذلاله جلد على إذلاله
قد شفني طلب الشفاء وملبسي ... ثوب البلي من لا أمرّ بباله
ومن العجب أنني بصدودع ... أشقي وغيري ناعم بوصاله
قم فأستعر لي من خليّ رقدة ... فهي الوسيلة نحو طيف خياله
لم أنس سكري حين أمسي ساقيًا ... وجفونه تغنيه عن جرياله
ومقالتي والكأس منه منوطة ... بيمين ظبي مهجتي بشماله
يا مرسل التفتير رائد لحظه ... ودليل قطع السّيف لمع دباله
عطفًا علي عانٍ دعوت همومه ... فأقمتها وقعدت عن آماله
قلق الضاجع لو لقيت أقل ما ... يلقي لما استحسنت سيّئ حاله
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه، يهجو ابن صباح الشاعر: [من الكلمل]
لو لم يجنّ علي خلالك كلّها ... ليل الغبأ لم تدع بابن صباح
إذهب فقد وضعتك من خيث اشتهت ... ما منك ما يرحي لغير نطاح
وأنشدني أحمد بن عبد الرحمن القزويني؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي الخسن لنفسه: [من الطويل]
سألت مناجاة الوزير ورؤية المحلّ الذي من ساكنيه المقادير
فلمّا أميط الشر عن نور وجهه ... صعقت كموسي دكّ من تحته الطّور
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا من شعره: [من مجزوء الخفيف]
لك في الدّمع راحة ... فانتهز فرصة البكا
وأدر [ها] إنَّ المشو ... ق لو مات وجدًا لاشتكا
وأنشدني؛ قال أنشدني لنفسه: [من الطويل]
أقول وقد قالوا: نراك مقطبًا ... إذا ما أدعي دين الهوى غير أهله
يحق لدود القّز يقتل نفسه ... إذا جاء بيت العنكبوت بنثله
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضا قوله: [من البسيط]
стр. 1686
خلقت للشر لا للخير تفعله ... طبعًا وتسلك فيه كلّ منهاج
كأنّك الحجر الصمّاء أرسلها ... بعض المجانيق في دكان زجّاج
وأنشدني؛ قال: أنشدني محمد له من قصيدة: [من الكامل]
قوم إذا سلّوا الصّوارم في الوغي ... كانت قمام البيض من أغمادها
رمقوا قباب النازلين بأعمد ... ممّا تقصّف في صدور جيادها
[٦٤٦]
محمد بن أبي بكر بن عمر بن منصور، أبو عبد الله الأمويّ الباملّيُّ.
وباملّي قرية من قري ميّافارقين.
كان شابًا فاضلًا بارعًا، قرأ القرآن، وسمع الحديث من جماعة من المتأخرين، وتأدّب علي رافع بن رفاعة النحوي الخصّاوي.
أنبأني عبد الرحمن بن عمر بن شحاتة الحرّاني؛ قال: أنشدتي محمد بن أبي بكر بن عمر لنفسع، بشاقرد من نواحي إربل، يضّمن: [من البسيط]
(الصبر لا شكّ محمود عواقبه) .... ... ...... ... .......
فقال أبو عبد الله: [من البسيط]
لما استقلّوا علي الأكوار وارتحلوا ... عن العذيب ونحو المنحني قفلوا
وخلّفوني علي الأطلال أندبها ... والدّمع من مقلتي يا صاح منهمر
تزايدت زفراتي بعد بعدهم ... وعزّ صبري وقد ضاقت بي الحيل
طفقت أنشد في آثارهم أسفًا ... بيتًا من الشّعر أغراني به الأمل:
(الصبر لا شكّ محمود عواقبه ... لكنّني خائف أن يسبق الأجل)
стр. 1687
[٦٤٧]
محمد بن عليّ بن محمد، أبو عبد الله النعمانيّ، المعروف بابن الأستاذ.
والنعمانيّة من نواحي بغداد.
شيخ بلده في الأدب والشعر، يقرأ عليه ىمدح الإمام أمير المؤمنين المستضيء بالله، والناصر لدين الله، ومن بعدهما من الخلفاء –صلوات الله عليهم-؛ له شعر مليح عذب الألفاظ، وموشحات مستحسنة.
أنشدني أبو زكريا يحي بن المظفر الواعظ الصابوني الواسطي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله بن الأستاذ لنفسه: [من الرجز]
بين قباب المنحنى فالحاجر ... تسبي العقول مقل الجاذر
وفي الحمى مرابع تخبر عن ... دعص مهيل وقضيب ناضر
أقول لما إن برزن للسرى ... وهتكّت سجائف السّتائر
يا للقنا من هز أعطاف النّقا ... يا للظّبا من ظبيات عامر
ثم يراق دم أبناء الهوى ... ويصبح الوافي أسير الغادر
يا حادي الأظعان لا ذقت الوجى ... ولا عرتك روعة من ذاعر
خذ يمنة الجرعاء من كاظمة ... واستهدها نصيحةً من خابر
فإن ربات الخدور بالحمى ... فاتكه بكل ليثٍ خادر
[٦٤٨]
محمد بن حميرٍ قرّيّ.
هو من نهر قرّة من أعمال البصرة
стр. 1688
أنشدني أحمد بن داود المذاري؛ قال: أنشدني محمد بن حمير لنفسه: [من الرمل]
أيّ صبر بعد أن بان القطين ... وسلوّ لأخي القلب الحزين
طال ليلي ساهرًا منفردًا ... أرقب النّجم ومالي من معين
أتبع الزفرة أخرى بعدها ... وكذا أتلو حنينًا بأنين
لم يدع لي البين إلّا أدمعًا ... وعظامًا من نحول ما تبين
وضلوعًا مذ نأى أهل الحمى ... طويت منهم على الدّاء الدّفين
[٦٤٩]
محمد بن علوان بن مهاجر بن عليّ بن مهاجرٍ، أبو المظفر بن أبي المشرّف، الفقيه الشافعيّ المدرس.
كانت ولادته، فيما أخبرني القاضي ولده أبو الفضل عبد الكريم، سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وتوفي ثالث المحرم سنة خمس عشرة وستمائة –رحمه الله تعالى-.
سمع الحديث علي أبي أحمد عبد الوهاب بن علي بن علي الصوفي البغدادي، وأبي الفرج يحي بن محمود بن أسعد الثقفي الأصفهاني وغيرهما، ويفقه على الإمام الزاهد أبي أحمد عبد الله بن الحسن بن المثنى المعروف بابن الحداد؛ ثم على أبي البركات عبد الله بن الخضر بن محمد بن الحسن بن الشيرجي، وأبي الحجاج يوسف بن محمد مقلد التنوخي الدمشقي.
وكان رئيس أصحاب الشافعي في وقته، إمامًا في الفقه والخلاف، وله كتب مصنفة في الخلاف والفقه.
стр. 1689
وكان دينًا صالحًا خيرًّا، كثير الذكر لله تعالى، حجّ وجاور بمكّة، وكان ناقص الحظّ في علم العربية والأدب، قد فطره الله على ..... ذلك، وله أشعار ساقطة غير مستقيمة الأوزان، لا يوجد فيها معنى البتة.
أنشدني القاضي ولده المذكور، قال: أنشدني والدي لنفسه يصف القلم:
[من الوافر]
ثلاثة أحرف نطمت فدلّت ... على معنى به نظم المعاني
وقد نظمت على عكس فدلّت ... على معنى يعين على الزمان
وله أشعار كثيرة على هذا النمط، خالية من المعاني، وربما هذا الذي ذكرته وأوردته هو أصلح شعره.
[٦٥٠]
محمد بن عبد القادر بن ناصر بن الخضر بن عليّ، أبو المظفر الأنصاريّ الدّمشقيّ.
تفقه وتأدّب، وقال شعرًا حسنًا، وصحب الملك الناصر صلاح الدين داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب بإربل، قبل خروجه منها، وسار معه إلى دمشق في حياة أبيه الملك المعظم عيسى.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمر الإربلي؛ قال: أنشدني أبو المظفر محمد بن عبد القادر نفسه، في غلام اسمه عسكر: [من السريع]
وأسمر يخجل من لحظه ... وقده الأبيض والأسمرا
قال: ألقني إن كنت لي عاشقًا ... وكيف يلقى واحد عسكرا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من السريع]
أيام هجرانكم أشهر ... والوجد من أن يختفي أشهر
عودوا وعودوا مستهامًا به ... منذ هجرتم مرض مخطر
стр. 1690
يغار أن يشكو إلى غيركم ... بلا بلًا أنتم به أخبر
ومن بنى الأتراك بي فاتر الا ... لحاظ عن هجري لا يفتر
قام يجر الرمح مع قده ... فما درى أيّهما الأسمر
ريقته الكوثر ألحاظه ... تنحر شانيه وهو الأبتر
[٦٥١]
محمد بن منصور بن جميل بن شدّاد بن محفوظ بن حمضيّ، أبو عبد الله بن أبي العزّ الهيتي الكاتب.
هكذا نسبه لي بعض بني عمّه بمدينة السلام.
وكان مولده بقرية تعرف بجبا من نواحي هيت، سنة سبعة وستين وخمسمائة، وقدم بغداد صبيًا، وقرأ القرآن، وسمع الحديث على جماعة، وتأدّب على أبي الخير مصدّق بن شبيب بن الحسين النحوي الواسطي.
وفهم الفرائض والحساب ونظم شعرًا كثيرًا، وامتدح الإمام الناصر لدين الله –﵁ بعدة قصائد، وكان يوردها في المواسم والهنات، وخدم في أشغال الديوان الناصري، ونظر في ديوان التركات الحشرية، وتولى كتابة المخزن المعمور. ثم يتلو القرآن العزيز، ويدرس العلم، ويحافظ على الصلوات؛ إلى أن توفى يوم السبت النصف من شعبان سنة ست عشرة وستمائة ببغداد، ودفن بجانبها الغربي بمقابر قريش –رحمه الله تعالى-.
وكان ذكيًا متصرفًا في الكلام شاعرًا مترسلًا، مقتدرًا حسن البلاغة في الإنشاء، ذا كتابة مرضية، وأشعار متقنة، وكان يبتدئ بإنشاء الرسالة من آخرها إلى أولها، وذلك بقوة قريحته، واقتداره على الترسّل.
стр. 1691
أنشدني الشريف أبو علي المظفر بن الفضل الحسيني الموصلي الشاعر؛ قال: أنشدني أبو عبد الله بن جميل لنفسه، من قصيدة يمدح بها الناصر لدين الله –رضوان الله عليه: [من الكامل]
يا ابن الصفا والمروتين ومن له ... معنى الرشيد وصورة المسترشد
لك من أبيك المستضيء مراحم ... وعزائم من جدك المستنجد
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
إن الكتائب في يوم النزال لها ... في السلم من كتب الشهم الأبي أب
فأسمر الخط موصول له نسب ... بأسمر الخط إذ يحويهما الغضب
قد شاب رأسأهمأ عزمًا فلونهما ... بالخطر طورًا وبالحناء يختضب
وحدثني أيضًا من لفظه وحفظه، أبياتًا يتشوقه فيها، وكان بتكريت، ثم كتب إليه عقيب مكاتبته أخي هذه الأبيات من جملة صدر كتاب: [من البسيط]
بني جميل لقد جملتم زمنًا ... موسومة بكم فينا مواسمه
أحرزتم المجد موروثًا ومكتسبًا ... فالمجد معلم فينا معالمع
هشنا إليه وقد طار العدو فلم ... تلحق بأقدامكم منه قوادمه
قال: فكتب إلينا الجواب في موضع واحد: [من البسيط]
هبت عليّ نسيم من قريضكما ... كأنها الند في لطف وفي أرج
للخالدين منها حين أنشدها ... من الحياء محيا غير مبتهج
كأنما صغتماها من صفاتكما ... أو من صفاتكما في الرحب والحرج
أو من خلائق من تغنى خلائقه ... وناظماها له سر من الحجج
وهذه شاهد عدل بأنكما ... فوق الرضيين في درج وفي درج
وأنشدني العدل أبو البركات علي بن عبد الله الموصلي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن جميل لنفسه يصف سيفًا وصنعهما بديهة: [من البسيط]
وصارم فيه ما لو [قد] ألم به ... نوح على فلكه لم يأمن الغرقا
стр. 1692
وبين أمواجه نار مسعرة ... لو كان فيها خليل الله لاحترقا
وقال في صفة السيف والقلم: [من الطويل]
يراع إذا أبكيته ضحك العلا ... وعضب إذا أضحكته بكت العدا
فشيمة ذا إن يعتدي فط رأسه ... وشيمة هذا قطف رأس إذا اعتدى
ومن لطيف قوله يصف الخمر [من الكامل]
قم فأجلها يا فرحة الندماء ... عذراء ترقص في يدي عذراء
كرمية الآباء إلا أنها ... كرمية الأصهار والأبناء
عقد الشعاع لها لواء فوقها ... فسرت علينا وهي تحت لواء
ومنها قوله:
وأشرب فقد وهب الزمان لأهله ... صوتًا وصيتًا من غنى وغناء
وحدثني الشيخ فصيح الدين قال: كتبت بهذه الأبيات إلى مجد الدين محمد بن جميل –صاحب المخزن المعمور- في أيام الناصر لدين الله، وذلك في سنة ست وستمائة: [من البسيط]
يا من وجوههم في لحظ أعيننا ... أحلى وأشهى لنا من لذة الغمض
أمر تمونا بأنا لا نزوركم ... وقد سمعنا وأغضينا على مضض
وقد عرانا لبعض عنكم مرض ... براكم برءنا من ذلك المرض
وأنتم بكم من غيرنا عوض ... وما لنا عنكم والله من عوض
فكتب إلى جوابها نظمًا ونثرًا:
((تأملت لمعته الناطقة، ولمعته الصادقة، فرأيت معناها مخالفًا لمسماها، إذ المكاتبة تؤذن بعتق الأرقاء من الأنصار، وهذه مؤذنة بتعجيل استرقاق الأحرار، فأما الشوق، فقد شب عمرو عن الطوق:
[من البسيط]
وكيف يسكن ذو شوق يسامره ... إلى بديل عن الأحباب أو عوض
ولا يجوز لمن فازت أنامله ... بالجوهر الفرض أن يصبو إلى عرض
стр. 1693
/١٣٤ ب/فالله يمتع بمودته، ويفسح في مدته)).
وقال أيضًا: [من الكامل]
إن حال دونك أسمر وسمير ... فدما الظبى لدمى الظباء مهور
يا هند في أجفان لحظك فترة ... الجفن هندي يكون فتور
أبليتني بقنا الأشم وطوله ... وقنا المشيم أتم وهو قصير
أسد يغار على محاسن ظبيه ... فيها نفار وهو فيه نفور
بيضاء مذهبة الشباب يزينها ... وجه تحار إذا رأيته الحور
ويهز عطفيها الصبا ويد الصبا ... فيميلها المدود والمقصور
تفتر ضاحكة وأندب باكيًا ... فلها بحزي غبطة وسرور
دران إلا أن داك منضد ... عذب وهذا مالح منثور
وقال أيضا يمدح: [من الكامل]
يا خير من مدت إليه يد ... وسعت إلى أبوابه قدم
يا من على أبوابه أبدا ... عصب من الآمال تزدحم
يا من إذا ذكرت مواهبه ... فالكون لفظ والأنام فم
أيجوز أن أظمأ وبحرك لي ... ورد وبعض صفاتك الكرم
فتولني بالبر أنت فما ... في الناس لا كعب ولا هرم
والأرض لا يشفى لها ظمأ ... إلا إذا ما جادت الديم
وقال أيضًا: [من البسيط]
أفعال هجرك يا أسماء لازمة ... وضرها متعد غير منصرف
هجرت فاعتل جسمي بعد صحته ... من غير واو ولا باء ولا ألف
стр. 1694
[٦٥٢]
محمد بن إسماعيل بن علي، أبو عبد الله الحصفكيّ.
وهو من حصن كيفا لامولدًا ومنشأ.
وكان من أصحاب أبي الحرم مكي بن ريان النحوي، وعليه اشتغل بالأدب والنحو بالموصل.
وكان فقيهًا حنفيًا شاعرًا، سكن ماردين، وتولى إعادة الدروس بالمدرسة الفخرية، ظاهر المدينة.
أنشدني الأمير أبو حفص عمر بن أسعد الموصلي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن إسماعيل في شهر ذي الحجة سنة خمس وعشرين وستمائة لنفسه، قال: نظمها بالموصل أيام الصبا: [من البسيط]
أهاج شوقك رسم دارس خالي ... من زينب وسعاد مقفر خالي
وقفت أسأله يومًا وليس به ... إلا الأثافي وهل يفقهن تسالي
وكيف تفقه دار ما بها أحد ... إلا مرابع آرام وآجال
تبدلت ولبئس الفعل ما فعلت ... من الأنيس بأسراب من الرال
أين الذين عهدنا قبل من مضر ... من كل ناعمة الأطراف مكسال
كأن ظلم ثناياها لراشفها ... ماء الغمامة ممزوجًا بجريال
وحولها من قنا أعامامها أجم ... من كل أسمر خطي وعسال
ومرهف ذي شبا كالملح رونقه ... ولاحق مشرف الأقطار صهال
وفتية من كماة العرب حامية ... عن الحقيقة بسامين أبطال
لا يرهبون من الموت الذعاف ولا ... يصدهم عن مراد خوف آجال
стр. 1695
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
إن عندي من الملام لشغلا ... فذر اللوم صاحبي والعذلا
كيف يصغي إلى الملام محب ... سلبوه يوم الرحيل العقلا
خلفوه في الدار يندب ربعا ... ليس فيه بعد الأحبة أهلا
ذو قذال قد شج من ألم الضر ... ب وقد قلدوه مع ذاك حبلا
شاحب اللون في الديار مقيم ... أشعث بعد بينهم لن يفلا
وأثاف كأنهن حمام ... طليت من مواقع النار كحلا
أين سكانك الذين عهدنا ... قبل بادتهم زمانا تولى
كل خمصانة أرق من الخمـ ... ر بريق من المدامة أحلى
ذات فرع تريك منه دجى الليـ ... ل وطرف تريش منه النبلا
حولها من بني العشيرة صيد ... خادرات لا يرهبون القتلا
لو يروم الكمي يرفع طرفا ... نحوها أتحفوه في الحال نصلا
وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
صحا قلبه مما يجن من الوجد ... وباع التصابي والغواية بالرشد
وأعرض عن ذكر العقيق وأهله ... ولم يشجه أطلال هند ولا دعد
ولا شام برقا لاح في الأفق لامعًا ... ولو أن مسراه من العلم الفرد
ولم يتصدى للجنوب مسائلًا ... أهل حملت نشر الخزامى أم الرند
ولم يسأل الركبان هل أعشب الحمى ... وهل مطرت تلك الخمائل من بعد
ألست ترى وخط المشيب بفوده ... كفاه به من واعظ زاجر مهدي
أيجمل بالحر اللبيب وعقله ... سلوك سبيل الغي والباطل المردي
وقد جاءه من غير شك وريبة ... رسول التقاضي بالمسير إلى اللّحد
[٦٥٣]
محمد بن عليّ بن أحمد، أبو الفضل البلخيّ.
كان من أهل الأدب والفضل له شعر.
أنشدني الشريف أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين البلخي الحسيني؛ قال:
стр. 1696
أنشدني محمد بن علي من شعره: [من الكامل]
ميدان وصلك فيه كيف أسير؟ ... والجسم في حبس الفراق أسير
فعقاب عقلي في عقاب هوائكم ... مقصوص أجنحة فكيف يطير
وجواد فكري في خيال خيالكم ... ألقى النعال فما يكاد يسير
[٦٥٤]
محمد بن عمّار القصريّ الحديثيّ.
هو من موضع يعرف بالقصير من نواحي الحديثة، يقارب هيت.
لم يكن يشعر من شأنه، إلا أنه كان ينظمه طبعًا، فتأتي معانيه صحيحة؛ أنشدني أبو فراس بن عبيد الله بن أبي فراس الهيتي؛ قال: أنشدني محمد بن عمار لنفسه:
[من البسيط]
يا ضيعة السعي لا أهل حصلت بهم ... ولا بحبل وداد منك أمتسك
فكنت كالصائد البحري فرط في ... طماعة الصيد لا نوم ولا سمك
[٦٥٥]
محمد بن محمد بن عبد المنعم بن مسكينٍ، أبو الفضل المصريّ.
كان أبوه من الشهود المعدلين بمصر، وكذلك جده وأسلافه من بيت الفصاحة والجلالة؛ وهو من أهل المعرفة والشعر، ومات في صفر سنة ثلاث وعشرين ةستمائة.
أنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي يزيد التبريزي؛ قال: أنشدني محمد بن محمد بن مسكين لنفسه، يمدح الناصر لدين الله –رضوان الله عليه-:
[من البسيط]
برد عليك الجوى من ريقك الشنب ... ففي رضابك معنى ليس في العنب
فليس يشفي سقامًا حل في بدني ... إلا برود بذاك الظلم والشنب
يا مانعي وصله والسقم ينحلني ... وما نحى هجره ظلمًا بلا سبب
وما بأجفانك المرضى الصحاخ وما ... يجن منك جناني حين يخطر بي
стр. 1697
/١٣٧ ب/إرحم خضوع فتى قامت قيامته ... عليك يا فضة فاقت على الذهب
وأنت يا قلب فاصبر في عناك به ... فالدهر يأتي بأمر غير محتسب
يا سائق العيس يحدوها على مضض ... من شدة الأين والإرقال والخبب
إن جئت أرض بلاد الشام حيي بها ... كثبان جوشن والسفحين من حلب
وقف بنهر قويق وابك روضته ... عني فماء جفوني غير منسكب
وأبلغ سلامي إلى قومي الذين نسوا ... ودي وخانوا عهودي وافدهم بابي
وقل لهم بادروا دار السلام إلى ... ظل الإمام تحوزوا غاية الطلب
تلقوا حياض رياض البر مترعة ... جودا فراجي نداه جد لم يخب
الناصر الأعظم الهادي الخليفة وهاب الألوف وحامي الجحفل اللجب
عمت صنائعه الدنيا وساكنها ... فنفسه لسوى الإحسان لم تطلب
قد طبق الأرض إحسانًا فنائله ال ... غمر الهني سرى في العجم والعرب
ليث إذا ما سطا دهر على بشر ... غيث إذا ضنت الأنواء بالسحب
وطول أقلامه أغنى وعزمته ... عن الطوال الردينيات والقضب
فلو رآها ابن أوس لم يقل خجلًا ... (السيف أصدق أنباء من الكتب)
جلت معاليه أن تحصى وتحصر في ... نظم من الشعر أو نثر من الخطب
جبريل خادمه والله حارسه ... من موبقات صروف الدهر والنوب
وحبه طاعة نلقى الإله بها ... نرجو النجاة بها من ربقة العطب
خليفة الله يا ظل الإله ومن ... كل الخلائق في إنعامه الخصب
ومن بأيامه الأيام طيبة ... قد دل من خوفه الضرغام للشبب
لا زال ملكك يا من لا شبيه له ... في المجد والفضل والإحسان والحسب
لا برحت طوال الدهر ممتطيًا ... مملكًا صهوات السبعة الشهب
ونقلت من خطه، شعره ما كتبه في صدر مكاتبة إلى الصاحب صفي الدين بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الخالق بن شكر المصري –وزير السلطان الملك العادل-
стр. 1698
سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب –﵁: [من البسيط]
يا عمدة الملك بل با عمدة الدول ... يا كعبة الفضل بل يا قبلة الأمل
قد أصبح الدهر يسعى سعي معتذر ... إليك يعثر في ثوب من الخجل
وبات من كان ذا ود لقربك في ... أمن ومن كان ذا حقد على وجل
والسعد ينشد من أضحى يحاوله ... لدي سواك بأسياف من الحيل
لا أبتغي بدلًا عما ظفرت به ... ولا أفارق باب الصاحب بن عليّ
[٦٥٦]
محمّد بن محمّد بن هبة الله بن إبراهيم بن شماس، أبو عبد الله الإربليّ، المعروف بالمرنديّ.
كان كاتبًا جميلًا، عنده ذكاء وفطنة، صاحب طبع في الحساب؛ أخذه عن القاضي أبي محمد جعفر بن محمد الكفر عزي، صرفه حب البطالة عن الأشغال؛ سافر إلى الديار المصرية سنة اثنتي عشرة وستمائة، واستخدم بها جنديًا.
أنشدني أبو الثناء محمود بن محمد الإربلي؛ قال: أنشدني المرندي لنفسه:
[من البسيط]
إن الذي كنت أرجوه لمعضلتي ... وأدعي أنه ذخر الملمات
فتشت عنه فما رد الذي حضرت ... من أسهل الأمر كيف المشكل الآتي؟
[٦٥٧]
محمّد بن محمّد بن أبي حرب بن عبد الصمد بن النرسيّ، أبو الحسن بن أبي الفرج الكاتب.
من أهل بغداد.
стр. 1699
كان ناظرًا على عقار الخليفة الخاص؛ وكان قد سمع الحديث الكثير بإفادة أبي أحمد البصري؛ من أبي أحمد محمد بن أحمد بن عبد الكريم بن المادح، وأبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان، ومن جماعة .....
وكان شيخًا فاضلًا دينًا، يقول الشعر، ويحفظ الحكايات والنوادر، إلا أنه كان سييء الطريقة، مذموم الأفعال في ولايته.
ولد في يوم الإثنين ثاني عشر في أحد الربيعين، سنة أربعة وأربعين وخمسمائة، وتوفي ليلة الثلاثاء التاسع عشر من جمادي الآخر سنة ست وعشرين وستمائة ببغداد، ودفن بالوردية؛ ومن شعره: [من البسيط]
ليت العواذل للعشاق ما خلقوا ... كم عذبوا بأليم اللوم مشتاقًا
أشجاه نوح حمامات فصاغ لها ... من أسود العين يوم البين أطواقا
وبات يرعى أحمر النجم يحسبه ... في الليل سقط زناد مس حراقا
والأزرق اللون كالكبريت ذي شعب ... أطرقن عند اقتباس منه إطراقًا
وله في امرأته يرثيها: [من الكامل]
لما تعذر أن أكون لها الفدى ... فتعيش [بعدي] أو نموت جميعا
اتبعتها حلل السواد فما بقي ... فسواد عيني قد أذيب دموعا
وأنشدني أبو العو مفضل بن علي بن عبد الواحد المصري؛ قال: أنشدني أبو الحسن ابن النرسي لنفسه، في الشيخ شهاب الدين أبي عبد الله عمر بن محمد السهروردي حين عاد من الحج: [من الكامل]
جددت في تلك المواقف وقفة ... سرت بها بالمأزمين قلوب
وتباشر الركن المقبل والصفا ... فرحًا كما يلقى المحب حبيب
فجزى الخليفة خير ما جزي امرؤ ... غصن الحياة بما يجود رطيب
منحتك همتك الشريفة قوة ... حملتك في سن القنى لا النيب
ليجاب منك بمكة رفع الدعا ... فيما يفوح بها الثنا ويطيب
стр. 1700
حادت مطاياك الغرائب في الثرى ... عجبًا وما الإنعام منه غريب
فاشكر له شكر المبالغ في الدعا ... والله في الإخلاص منك يجيب
ولقد أردت القرب منك فعاقني ... دون المرام موانع وخطوب
قسم الأحاظي من مصابي بالشقا ... منها فمالي في النعيم نصيب
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
إن كان ميثاق عهدي بالصريم وهي ... وحان من دونه يا مي أعذار
فهل حداة مطاياهم تخبرني ... أأنجدوا أم ترى من بعدنا غاروا
واحر قلباه مني يوم بينهم ... وإذا خلت لا خلت من أنسها الدار
فلا تثني قضيب البان بعدهم ... ولا تمتع من قرب الحمى جار
ولا صبا قلب ذي وجد بغانيه ... ولا تحرك في المزموم أوتار
حتى أبثهم الشكوى فتكنفنا ... دار بنجد عذّال وسمّار
[٦٥٨]
محمد بن محمود بن الحسن بن عليً بن محمد بن المنتجب بن أبان، أبو عيد الله الطائيً الإربليً المعروف بابن غميضا.
كان أحد شعراء الأندلس، ممن اشتهر بها، ذا طبع عمل الشعر، وقريحة حسنة في نظمه.
توفي بإربل يوم الأحد سادس عشر من رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن مكي بن عبد الملك الإربلي الصيرفي؛ قال: أنشدني عبد الله محمد بن غميضا لنفسه: [من الخفيف]
يا نديمي صرّفا بالشراب ... هم قلبي ولوعتي واكتئابي
وانهضا بي والصبح في غسق اللي ... ل ووجه الضياء تحت النقاب
واقصدا بي باب السرور لعلي ... استرد السرور مع اترابي
стр. 1701
واسقياني خمرًا تفعل في الكأس ... فعال القنديل في المحراب
بين ورد حكى السوالف في الحسـ ... ـن احمرارًا أو صبغة العناب
فإذا سكرت وأبصر تماني ... لا أطيق الحراك في أثوابي
وسداني في وسط دن كبير ... وارفعاني على رؤوس صحابي
ثم لا تقربا بشيء أمامي ... غير شعري إلى المعاني العذاب
إنه لا يصح شعر لراو ... دون تقديم لفظة المستطاب
مثلما لا تصلح طاعات عبد ... في صلاة بغير أم الكتاب
فإذا ما وصلتما عمكابًا ... ذ فحطا ببعض تلك الهضاب
ثم قولا من ذا يصلي على الشيـ ... ـخ صريع الكؤوس والأكواب
فإذا ما أتاكما كل شيخ ... يتولون سكره كالمصاب
قبلاتي وقلباني إلى الشر ... ق لكي تسخرا بأهل العذاب
جاعلين المسيح في قدم الدهر ... سبيلًا للواحد الوهاب
وهو سبحانه يجل عن الوصـ ... ـف بذكر الأولاد والأصحاب
فإذا ما لهجتما في صلاة ... ليس بعلو فويق عند الباب
فادفناني بين الرياحين والور ... د لدى من أحب من السرداب
أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي؛ قال: أنشدني ابن غميضا لنفسه في غلام بخده خال: [من البسيط]
يا من يتيه دلالًا في غلائله ... ويحمل الغصن لينا في تمايله
أخذت حبة قلبي فاتخذت بها ... خالًا بخد أسيل في مخايله
كأن وجهك صمصام بصفحته ... أدنى ضدأ ليت كفي من صياقله
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني ابن غميضا لنفسه في صبي يرمي بالنشاب:
[من الكامل]
ومهفهف كالغصن قد مرامه ... والشمس عند طلوعها في حسنه
يرمي بقطعي لحظه وسهامه ... فكأن قلب جفيره في جفنه
стр. 1702
وأنشدني؛ قال: أنشدني في صبي يدعى ((سلك)) تركي: [من البسيط]
يا طاعن الطعنة السلكي بقامته ... والاسم مستخرج من ذاك يا سلك
من أجلك الترك تحلو لي شمائلهم ... وقد فليت البوادي أية سلكوا
دمي الذي حرسته كل غائرة ... شعواء عندك بالألحاظ ينسفك
وأنشدني أيضا؛ قال: أنشدني لنفسه: [من المتقارب]
غرير إذا رمت تسويفه ... أديرت على سقا ريقه
إذا رمت قبلًا دنا خده ... وإن رمت رشفًا سقا ريقه
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في معناه: [من المتقارب]
غرير إذا رمت تسويفه ... أحيدت على أباريقه
فإن رمت قبلًا أبى خده ... وإن رمت رشفًا أبى ريقه
ومن شعره ما كتبه إلى أولاد جلال الدين الوزير بن شماس، حين حبس والدهم –رحمه الله تعالى- متأسيًا لهم عند نكبتهم: [من الخفيف]
يا بني المكرمات يا معدن السؤدد ... والمجد يا بني شماس
لكم الله من أناس تعالوا ... بفخار على جميع الناس
وأقروا على الريا أساسًا ... ثابتًا في الفخار خير أساس
لا ترعكم نوائب الدهر بالسطـ ... ـوة فيكم فإنما الدهر قاسي
وتأسوا بآل أحمد عقلا ... وقياسًا مشابهًا للقياس
لكم السبق والمعاد إلى السبـ ... ق وأنتم منابت الأغراس
ستعودون ظاهرين بأمر ... نافذ خالصين من كل باس
وتظنون ما بكم من منام ... وترون اضطرابكم في نعاس
وتنادي هذا هو الغرض الأقـ ... ـصى هنيئًا في جملة الجلاس
وتكيدون كل من كاد بالطعـ ... ـن وترسون كالجبال الرواسي
لا تخافوا أذى من الدهر فالدهـ ... ـر مضر والله نعم النطاسي
стр. 1703
وقال فيهم أيضًا: [من المنسرح]
يا سادة أرهف الزمان على ... رتبتهم سيفه وقد ندما
لا تيأسوا في الضيق من فرج ... لا تشتكوا من زمانكم ألمًا
فليس بين المكروب والفرج الـ ... ـعاجل إلا كبارق بسما
صبرًا على حكم حادث حكمت ... أسبابه في ديار من حكما
فأل طه لم يعد قسمهم ... عنهم ولم يبرحوا لنا قسما
لكم به أسوة وقدركم ... عال وإن كان دهركم دهما
سيرجع الدهر مبرمًا سببًا ... ويضرب النصر ضاربًا خيما
ويكتب الله من سلامتكم ... حظًا ويجري بذلك القلما
وقال أيضًا: [من البسيط]
هب النسيم فأجري نشر أهله ... فعاود القلب من رياه بلبال
سقيًا لأيامنا بالدار حين خلت ... من السواري رحيب الجيب هطال
ما كان أسبغ ما كنا على ثقة ... من الزمان وغض الوصل ميال
ما أم سقب أظلته بمقفرة ... زيزاء يرقص في معزائها الآل
لها حنين إذا ما بالعراء أدركت ... سقبها ثم إدبار وإقبال
يومًا بأوجع من قلبي إذا خطرت ... خواطر الذكر فيه والأطيفال
وقال أيضا: [من البسيط]
لأهملنك عن نفسي وإن تلفت ... شوقًا إليك وعن قلبي لو تلفا
حتى تعود من الهجران معتذرًا ... أو تنثني بالذي أنكرت معترفًا
وقوله أيضًا: [من البسيط]
إذا تغير من ترجى إقامته ... عن الجميل فكيف الظّن باللحّز
إذا الرياض تحامتها السوام فهل ... يرجى لها الخصب من ديمومة جرز
стр. 1704
إن دام هذا أين الفراق يوجد بيـ ... ـن والتبن والتبر ثم الدّر والحرز
وقال أيضًا: [من الطويل]
إذا كان المرء في ذات نفسه ... فليس له في العالمّين قبول
ومن كان لؤم الطّبع في ذات أصله ... وبالفسق يسمو دهره ويطول
فلا تعذلوني في ولعي يعرضه ... فما ذاك من يحنو عليه عذول
ولي خاطر بالمدح والذم نافذ ... بأفكاره في الخافقين يجول
[٦٥٩]
محمّد بن نصر بن عقيل, أبو عبد الله بن أبي المظفر القرظي الإربلي.
من بيت مشهور بفقه وعلم.
كان فقيهً شافعي المذهب, قرأ الأصولين والخلاف, وتميز في ذلك , وهو بيت عريق في العلم والدين, ودرّس الفقه بإربل في المدرسة العقلية نيابه عن والده.
ثم خرج عن إربل ونزل آمد, ودرس بها الفقه مشتملًا, وكان يحضر درسه جماعة من الفقهاء المعتبرين, برهة من الزمان, ثم سافر عنها إلى عّدة بلاد, وشخص إلى مصر ممتدحًا بجائزة.
ثم عاد وهو على حاله يقصد الملوك بالشعر, وتردد إلى الموصل, وشغل نفسه بقول الشعر من صباه, واستقرّ قراره بدمشق, فجذبه الملك الأشر ف إلى منادمته, فترك ماكن عليه من الاشغال بالفقه والتدريس, وملابس الفتيا, وبزيّ الجند, ولميمكنه الخروج عن ذلك الزيّ لتعليقه بخدمة السلطان, وصار من جملة
стр. 1705
ندمائه وجلساته.
وكان ظريفًا معاشرًا متأدبًا, له اعتناء بصنعة الدّوبيب, فاق بها كثيرا من الناس, وأشتهر عنه الكثير, وغنّى به القالون, وتوفي على تلك الحال- سامحه الله تعالى- بعد مرض سنتين.
وسمعت أنّهلما طعن في السّن, رجع الله تعالى, وقضى صلاته أربع عشرة سنة, وكانت وفاته يوم الثلاثاء أو الأربعاء الثامن من محرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بدمشق, ودفن بمقابر الصوفيه غربي المدينة- رحمه الله تعالى-.
أنشدني أبو الثناء محمود بن محمد بن الأنجب الإربلي, قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه, وكتبها إلى من بغداد سنة تسع وتسعين وخمسماة, وأنشدها لأبس الدر الرومي فاستحسنها, وكان بجامع القصر, وقال: لولا أنّني بالجامع لرقصت منها عجبًا: [من الوافر]
وقّاتله رأت كلفي ووجدي ... بإربل قد يرى جسديّ وأبلى
فريعي عند من أهوىّ هواه ... أحب إلى من نهر المعلّى
وأطيب لي من الدّنيا جميعًا .... وأعذب من نهر المعلّلى
وأنزه رقعة من نهر عيسى .... وأشرف بقعةّ عندي وأغلى
بها رشا عليه الحسن وقف ... يفوق النّيرين إذا تجلّى
بجفنيه جفون ماضيات ... بها يسطو إذا ما رام قتلا
غريب الحسن لو فكرت فيه ... لما نظرت له عيناك مثلا
كساني سقم ناظره وولى ... قّريرآ لا يراقب فيه إلاّ
وشرّدنى فها أنا ذا غريب ... وألبسني بعهد العز ذلاّ
أردد ناظري في كلّ وقت ... فلا خدناّ أراه لي وخلاّ
فقل يا خير من ناداه صب ... قتيلك كم بنار الشّوق يصلى
стр. 1706
وكم قلب وكم فؤاد ... سلبت تجنيًا وعقلت عقلا
أقول للاّئمين فيه تأيد ... وحسبك كف قد أكثرت عدلا
سقاني حبه فثملت منه ... فلا أصحو إذن حاشا وكلًا
أرى العبء العظيم أخف من أن ... يقولوا عن هواه قد تسلّى
فإن اك لا يفارقني هواه ... فشيء قد ربيت عليه طفلا
وقال أيضًا, الأمير العالم العادل ركن الدين أبو شجاع أحمد بن قرطايا- أدام الله أيامه-, قال: أنشدني محمد بن نصر بن عقيل لنفسه: [من المديد]
لا سقي من بعدك الطّلل ... ولام المنزل الهبل
بنت عن عين فلا أكتحلت ... بكرى أو ينجح الأمل
كلّ ربع لا تحل به ... لا سقاه الصّيب الهطل
ومغان لا أراك بها ... إقطعوا حبلى ولا تصلوا
كلّ شئ منكم حسن ... سائغ عندي ومحتمل
لا تقيسونى أخا كلف ... فبوجدي يضرب المثل
رق لي يا من أؤمله ... وعليه الدّهر أتكل
كف ساطي اللّحظ عن دنف ... آفتاه الغنج والكحل
لا أبالي بالمنون إذا ... سالمتني تلكم المقل
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
شوقي إليك يجل عن ... إدراكه كلّ الأنام
فلفكرتي ولحيرتي ... فيه أقتصرت على الّلام
وله في اجتماع الملك الأشرف موسى, والملك الحافظ أرسلان شاه أبناء الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب, وأنشدنيها الأمير العادل ركن الدين- ثبت الله دولته- عن قائلها: [من الطويل]
وكم قائل لي هل رأيت عجيبةّ ... تعظيمها في حالة القرب والبعد
فقلت نعم ها قد حللت بمرشد ... يريك سبيل الحّق والسّبب المهدي
стр. 1707
أصخ تستبن عيسى وموسى وصنوه ... أرسلان أباب العلا وأولي المجد
فلا زالت الدّنيا إلى الحشر ملكهم ... وأمرهم بالحل فيها وبالعقد
بمطلع سعد قد جمعن ومارؤي ... ثلاثة أقمار ببرج من السّعد
كان أبو عبد الله محمد بن عقل, له على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل رسم, وكان يركب في المواكب معه, ويذكره برسمه, فطال عليه تردده, فقال في ذلك: [من الطويل]
تسائلني عن شرح حالي وقصّتي ... وما قد ألاقي من نوى ونوائب
خذي شرح حالى بيّنا وأكتفي به ... ففي شرح حالي عبرة للنوادب
لكلّ من القصّاد ررفد موفّر ... وما حظّنا إلاّ غبار المواكب
فوصلت الأبيات إلى الأمير بدر الدين, فوصله بما كان يصله به.
[٦٦٠]
محمّد بن محمّد بن محمّد بن أحمد بن أبي الفتح, أبو عبد الله المرزباتيّ.
ينسب جده إلى المرزبانية, التي من العلث, وهي غير المرزبانية التي ينهر عيسى, كذلك ذكر لي ولده عبد الحميد, وزعم أنّهم من أولاد عمرو بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي, قال: كان مولده في شعبان سنة خمس وثلاثين وخمسمائة, فاستوفى ثمانين سنة وشهرًا واحدًا وخمسة عشر يومًا.
وهو المعروف بسبط هداب, كان من أهل التصرف والحساب والكتابة, عارفًا بالحبر والمقابلة والمساحات, وتولى في عهد الناصر لدين الله- ﵁ أعملًا.
وينتمي إلى مذهب الإمامية, وله أشعار معظمها في التجنيس, ومات سلخ شهر رمضان سنة ستّ وعشرين وستمائة, وقيل يوم عيد الفطر.
стр. 1708
أنشدني الياس بن توما بن عيسى البوزايجي, قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه, ما كتب إلى بعض الشرفاء العلويين: [من البسيط]
إن رمت إبقًا وإنكارًا لحقكم ... فليس لي والدّ حرّ ولا خال
وكيف أنكر إنعامًا تملكني ... وميسم البّر في وجهي له خال
ما قال هذا بنو هدّاب قاطبةّ ... قلبي ولا حسبوا هذا ولا خالوا
وأنشدني, قال: أنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
ماذا يريد الهوى مني وقد ذهبت ... شيبتي ومشيت الرّأس قد وخطا
فليمض عنّي فإني إن ولعت به ... لقيت ربي بوزر موبق وخطا
عصيته والصّبا غض الأديم فتى ... أطيعه وزماني قّد عدّا وسطا
لا أقبل النصح منه حين ينصحني ... ولو توعّدني مستقمًا وسطا
وأنشدني, قال: أنشدني لنفسه, وهي مسألة في الجبر والمقابلة:
[من الرجز]
مدينة حاضرها معسكر ... وسورها مدرهم مدنّر
وبين كلّ فارسين منهم ... قدر ذراعين كما قد ذكروا
فافتتحوها عنوة واقتسموا ... أرضًاحواها سورها المدّبر
فكان سهم فارس مخاصمًا ... سبعا وسبعين ذراعا مكسر
فكم يكون سورها وقطرها وكم يكون يا حبيبي العسكر
فإن أتيت بالجواب شافيا ... أصبحت في الحساب ممّن يشكر
وأنسدني, قال: أنشدني أيضًا لنفسه من أبيات قالها في الظاهر بأمر الله- ﵁: [من الكامل]
بكرت تؤنبني وتشده خاطري ... وتلومني لتعسفي ومفاقري
وتقول كم هذا التغرب والنوّى ... مااآن أن تلقى عصاّ لمسافر
فأجبتها لا تجزعني وتوكّلي ... فالرّزق يأتي من مليك قادر
قد عنّ لي أحوز به الغنى ... بتمسكي بأوّاصر أبن النّاصر
وأنشدني, قال: أنشدني أيضصا لنفسه: [من الطويل]
стр. 1709
وأقسم بالأبرار من آل أحمد ... آلّيه حر طيب الأصل واللّبن
لأني إلى رؤياك في كلّ لحظه ... أحسن حنين الغئبين إلى الوطن
أنشدني, قال: أنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
وأقسم بلأبرار من آل أحمد ... آلّيه حر طيب الفرع والأصل
لأني إلى رؤياك في كلّ لحظة ... أحن حنين النّازحين إلى الأهل
[٦٦١]
محمد بن حياة بن يحيى بن صدقة, أبو عبد الله الخابوري الشيباني المجدلي.
المعروف بالحيص بيص, لقب نفسه بذلك, لسلوكه طريقة الحيص بيص الشاعر أبي الفوارس.
صحب أبا الحرم مكي بن ريان الماكسي, وقرأ عليه النحو والأشعار, وفن الأدب, وكان شاعرًا يتعاطى الصناعة في نظمه, ويمتّ بعلم العروض والقوافي, ومات بنصيبين في العشر الوسطى من شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن حيدر بن الدبندار الوسطي الشاعر قال: أنشدني ابو عبد الله محمد بن حياة لنفسه, يمدح فلك الدين بن الميري: [من الكامل]
هبني كتمت صبابتي وهيامي ... اني ودمعي فوق خدي هامي
حلّت عقود الدّمع لوعة مغرم ... واشبّها في الخد وقد ضرام
كم عبرة مشفوعه أرسلتها ... مشفوعة أفرادها بتؤام
لا تسألو صّواب السّحاب فأدمعي ... كلفت لكم منها بفيض غمام
стр. 1710
إيه عن الاطان ما شعفي بها ... إلا لعظم تحر في وهامي
يا نازحين لعبرتي ... والنازلين منازلي وخيامي
إني أبثكم جوى حملته ... اوهى أقوى جلدي وفتّ عظامي
وملاعب قضيت أيام الصًبا ... فيها وروض اللهو غض نامي
فعلى مرابع دجلة الحدباء فالـ ... ـجسرين فضل تحيتي وسلامي
أيام أسحب في الغوية في طرفي ... طربًا وألبس مطرف الاثام
أختال في برد الشباب وأجتلى ... ثغر الحباب من أنتهاب مدام
حمراء كالقبس المنير بها أهتدى ... من ظلّ في كفر عن الإسلام
وأغن منها في يديه أساور ... ولجيده بالدرّ عقد نظام
إني سأدّرع الدّياجي والفلا ... وأخوض كلّ مهامه ومواميّ
وأصدّ عن ورد يشأب بذلّة ... وأعود عنه بغير نقع أوام
والود بالفلك الوزير ومن له ... يومان: يوم ندّى ويوم حمّام
الوهب البدر النّضار وعاقر ... الكوم العشار بذابل وحسام
معطي الجزيل مغرسين سواله ... كرما ولا يصغي للآم ملام
حاط المملك عزمه فأحلّلها ... ما بين كيوان إلى بهرام
ما إن يهاب الخطب عند حلوله ... رأس يناط بيذبل وشمام
ذو مفخر لو لبست شمس الضّحى ... منه السّنى لم تشمل بظلام
حلّ الحضيرا فهي كعبة حجّنا ... وبها طواف السّعي والإحرام
وكمكّمة أضحيت ولولا وردها ... عذاب لقلنا زمزم بمقام
يا أيها المجرجو من دهر غدا ... ونوازل توهي الجليد جسام
ما ديمة وطفاء يحدوها الصّبا ... مشفوعة بالهطل والإرزام
فوراء سارية همت بمرابع ... فيح محلّ الغيد والآرام
جادت بنوء المرزمين فغادرت ... غدر الحمائل بالنصاف طوامي
سحبت عليها السحب أذيال الحيا ... فقتحن بالآكام كلّ كمام
стр. 1711
/١٤٨ ب/ضاعت بمسكي النسيم معطرًا ... وتأرجت بشذا ونشر خزام
سقيًا لدّهر جادلي بلقائه ... حتى شرقت وقادني بزمامي
أنى يحلّ فكلّ ربع مخبا ... ومتى يصول فكلّ قرن دامي
لا زالت الأيام تجري بالذي ... تختاره في سائر الأيام
وأنشدني عبد الرحمن بن عبد الله الصقيل الشاعر الموصلي, قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه في غلام نحوي: [من الكامل]
ومهفهف خفضت عوامل حسنه ... حظي ورحمته جفاه وصده
يا حضرة المعتل بل يا حظّي الـ ... ـمنقوص أنى جاز عندك مده
[٦٦٢]
محمّد بن عبد العزيز بن القاسم محمد بن عمر بن سليمان بن الحسن بن إدريس بن يحيى العلي بن عليّ العالي بن حمّود بن ميمون بن أحمد بن عمر بن عبيد الله بن عمر بن أدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبي طالب, أبو جعفر الأدريس الحسني المصري.
وجده المعتلي, هو الخارج بالغرب, والمستولي على بلاد الأندلس.
وأبو جعفر: نسابة الأشراف بالديار المصرية, وصنف في علوم القرآ ن والأحاديث النوبة, واللغه العربية والتوريخ, وفنون الآدب والعلوم, مصنفات
стр. 1712
جليلة. وله منثور ومنظوم, ومزدوج وجز ومخمس, وخطب ورسائل وشعر كثير.
وهو منآية العلماء في عصره, كبير الشأن, عالم أظفر بشئ من شعره إلى ما اذكره.
انشدني أبو حامد بشر بن حامد التبريزي الفقيه الشافعي, قال: أنشدني الشريف أبو جعفر الحسني لنفسه: [من البسيط]
كلّ العلوم سوى علم الكتاب وما ... يروى عن المصطفى وسواس إبليس
وللنصوص سيوف قط ما ضربت ... إلاّ وطارت بها روس المقاييس
ومالك ... فيما ذكرت ما ... أدري لهذا خلافا لأبن إدريس
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلت, قال: أنشدني الشرف أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الأدريسي يصف كتاب [دلايل]
الأحكام الذي صنعه القاضى بهاء الدين بن شداد: [من الكامل]
بدلائل الأحكام ذي الإحكام ... علمت معالم شرعة الإسلام
وتبين السنن الذي وضحت به ... سنن الهدى منشورة الأعلام
وتألقيت أنواره للمهتدي ... وتدفقت أنواؤه للظامي
تصنيف من بهر الأئمّة علمه ... وأختص بالإجلال والاكرام
قاضي القضاة أبي المحاسن يوسف ... فخر العراق جميعه والشام
[٦٦٣]
محمّد بن مسلم, أبو عبد الله الأسدي المعروف بالفارقي.
الفقيه الأديب المقرئ.
أخبرني أنه ولد بماردين, ونشأ بمياّفارقين برهية من الزمان, وذلك عرف بها.
стр. 1713
قال أبو المجد ابن باطيش في كتاب طبقات الفقهاء الشافعية: انحدر إلى العراق, وقرأ القرآن العزيز بواسط, وتفقه ببغداد بمدرسة الخلفة الناصر لله, بالجانب الغربي على الفخر النوجاني. وقرا ايضًا بها الأدب, وصعد إلى الموصل, وصحب بها الشيخ أبا حامد محمد بن يونس بن منعة بن مالك الموصلي الفقيه المدرس الشافعي, والشييخ أبا الحرم مكّي بن ريان بن شبة الماكسي النحوي, وتميز في الفقه والأدب, وانتهت إليه المعرفة بالقرآن العزيز, وحسن آدابه, وتفرد بجودة التلاوة, وحسن الأداء.
وأشتهر بالموصل, وتصدر للإقراء وانتشر صيته, وكان يقرئ القرآن والأدب وغيرهما من علوم الشريعة.
وكان حسن السيرة, ظاهر النسك, لم يزل على ذلك إلى سنة سبع وعشرين فحجّ إلى بيت الله تعالى, وقضى الحج ورضي من مدينة النبي ﷺ في عوده, ولم يزل مريضًا إلى أن توفي بالنجف ليلة الإثنين ثاني عشر المحرم سنة ثماني وعشرين وستمائة, ودفن بمشهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه-ز
وعمل أبياتًا ضمنّها كتابًا كتبه إلى الأمير أبي الفضل شمس الدين لؤلؤ بن عبد الله- نائب الأتابك شهاب الدين أبي سعيد طغريل بن عبد الله بن الطاهري- بحلب في مدح الاتابك- وكان محساناً إليه, يبره ويتفقده مع بعد الدار, ويعتدّ ببركته, ويرغب في دعائه وهي: [من الكامل]
يا طالبا بحرآ يجود على الورى ... عذبًا فراتًا نيله مبذول
عرج على حلب ويّمم منزلا ... فيه شهاب الدين ذاك السول
ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... يسمو إلى دوح العلا ويطول
حتى تنزّ منزلًا لورامه ... فلك الزّمان لفاته المأمول
لله در يديه ما أنداهما ... سيف الأله على العدا مسلول
الله أسأل أن يديم بقاءه ... مترقّيًا وحسوده المقتول
стр. 1714
قال أبو أحمد المجد: نقلت هذه الأبيات من خطه, وهي كما ترى.
وأنشدني أبو عبد الله بن الخضر الموصلي المقرئ, قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه: [من الرمل]
قل لسكّان الحمى أين مضوا ... فعليهم من محبيهم سلام
فارقوا فاتّقدت بين الحشا ... نار وجد تتلظى وغرام
آه من صرف زمان غادر ... جار في الحكم رزاياه تؤم
[٦٦٤]
محمّد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب, الملك المنصور ابو المعالي بن الملك المظفر أبي المناقب- صاحب حماة-.
ولي حماة في سنة سبع وثمانين, وتسلّم وما كان لأبيه بالشام , وهو شيخ المعرّة وحماة وسلمية, له تصانيف, منها تاريخه الكبير الموسوم "بمضمار الحقائق في علوم الخلائق", واختصر كتاب"الشامل" لابن الصباغ في الفقه, وله كتاب في أسماء شعراء عصره.
وكان أوفى الملوك في وقته, سياسة, وذكاء, وفضلًا قد قرأ الأداب, وتميز فيها, ودرس المنطق, ومن مصنفاته كتاب " در الآداب في التأريح" أيضًا , وكتاب"شغف وطرب" في حق العاشق والمعشوق, وكتاب"طبقات الشعراء", وأشعار كثيرة مدونة.
стр. 1715
حدثني القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة, قال: أخبرني من رآه أنه كان قليل العلم, وأنّ التصنيف بعيد منه, وكذلك قول الشعر, وكان يدعيه.
وقيل إنه استخدم جماعة يصنفون له التصانيف, وكان يأخذ نفسه بعلوم الأوئل والحكمة, وكان كردبازوه مولى أبيه قد استولى على منبهج, وحجر على ذرية والده الصغار, فافتتحها الملك المنصور في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وخمسمائة, واستنقذها منه وأخرجه عنها.
أنشدني أبو بكر محمد بن نصر الله الدمشقي الشاعر, قال: أنشدني الملك المنصور لنفسه: [من الكامل]
قسما بمجدك إنه لعظيم ... ما العيش إلا القرقف المختوم
وسماع مطربة بلحن مطرب ... يصيبو إليه البابلي الريم
وأنشدني أيضًا بمحروسة حلب يوم الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة خميس وثلاثين وستمائة, قال انشدني الملك المنصور أبو المعالي لنفسه:
[من البسيط]
حيّا المنازل من قلبي صورانا ... حيًا بنا كرّرها سحًا وتهتانا
فهي الدّيار التى تحوى مرابعها ... من الكواعب أقمارًا أغصانا
كواعب بفنون من محاسينها ... تهز أعطافها بالدّل افنانا
فهل قدود دماها أم مثقفة ... تضحى لأسيافها الأجفان أجفانا
وما تريك بنودآ من ذوائبها ... حتى تربيك من الآلحاظ خرصانا
من كلّ سمراء في سمراء قامتها ... لدى تعطفها ما بخجل البانا
وللشباب جنى ورد بوجنتها ... ماء الحياء به كم شب نيرانا
وفوق غصن الّنقا من دعص قامتها ... إذ قام تحسب بدر التم هيفانا
تهز رمحا له من طرفها طرف فلا عدمناه فتاكًا وفتانا
خود غدا ردفها الريان ذا شبع ... لمّا غدا خصرها الظّان غرثانا
стр. 1716
تسقيك من فمها راحًا معتّقَة ... ومن سوالفها تجنيك ريحانا
ويوم أضحكها من لؤلؤ نسق ... بكيّ طرف بدمع فاض مرجانا
فارقتها ومناي لو يلائمني ... بعد السّهاد رقاد فيه ملقانا
فطيفها لو إلينا نائية ... أهدى تحيّتها وهنا لأحيانا
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني الملك المنصور لنفسه في النسيب والغزل من قصيدة أولها: ] من البسيط [
سح الدّموع فإنّ الحيّ قد بانوا ... وأقفر الصّبر لمّا أقفر البان
وأسعدني بوجد بعد بينهم ... فالشّأن لما نأوا عنّي له شأن
وخبّرا أهل ذاك الحيّ من إضم ... بأنني ساهر العينين حيران
وأنّني من غرامي واله ذنَف ... وفي فؤادي على الأحباب أشجان
لا درّ درّ اللّيالي بعد فرقتهم ... ولا سقى الغيث ربعًا عنه قد بانوا
إن كان خان حبيب كنت آلفه ... فما أنا في الهوى للعهد خوّان
سأذكر العهد من نجران بعدهم ... وأين ممّن ثوى بالشّام نجران
إقر السّلام علي من كان لي سكنًا ... أيام كنا وهم بالغور جيران
ففرقت بيننا الأيّام عن كثِب ... وحال من دوننا قفر وكثبان
وأذكر العهد من سلمى بذى سلم ... والعيش صاف ودار القوم نعمان
فإن نأوا عن سواد العين مذ طعنوَا ... فإنهم في سويدا القلب سكّان
أحبابنا إنّني ولهان بعدكم ... وحامل الحب طول الدّهر ولهان
وإنّني منذ غبتم ليس لي جلد ... يا ناز حين على الأيّام عتبان
إن كان قد نسيوا وصلي ببعدهم ... فما أنا للذيذ الوصل نسيان
يا ظبية البان هل وصل نسر به ... لتنجلي بلذيذ الوصل أحزان
تعطفوا وارحموا صبًا بكم كلفًا ... فدمعة إذ حرى بالشوق غدران
لا تبعثوا في نسيم الريح نشركم ... فإنّني من نسيم الريح غيران
عودوا بعود زمان كان منشرحًا ... فها أنا بكؤوس الهمّ نشوان
стр. 1717
لا تشمتوا حاسدًا يختار فرقتنا ... فإن إحسانكم للصبّ إحسان
طعنتم ففؤادي في طعائنكم ... معذّب مذ سرت في البيد أظعان
كيف السلوّ ولي صبر يغالبني ... وفي الهوادج أقمار وأغصان
سقاكم الغيث من قبليّ كاظمة ... سحّا وروّى ثراهم أينما كانوا
وأنشدني أيضًا، قال: أنشد الملك المنصور لنفسه في المعنى المذكور:
] من البسيط [
سار الحبيب فدمع العين مدرار ... لا استقلّت بهم للبين أكوار
وخلفوني على الأحزان منهمكا ... عندي من الوجد آيات وأخبار
وفي الظّعائن من قحطان لي قمر ... كأنّما لحظة للفتك بتار
يا ظبية البان مالي عنك مصطبر ... وفي حشاي وجفني الماء والنار
كيف السّلوّ عن الأحباب مذ ظعنوا ... وفي فؤادي صبابات وتذكار
يا راحلين وفي الأحشاء قد نزلوا ... وغائبين وهم في القلب حضّار
وأفدي غزال نقًا تصمي لواحظة ... وفي وجهه لي جنات وأنهار
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه الغزل: ] من الطويل [
عليك لقلبي لوعة وغليل ... وأحوال وجدي فيك ليس تحول
وبين ضلوعي منك داء كآبة ... أقام بأحشائي فليس يزول
وما نال تبريحي كثّير عزّة ... ولا ذاق وجدي عروة وجميل
وطلت على مجنون ليلى صبابَة ... بها تقصر الأيّام وهي تطول
ويا حبّذا قرب الديار الّتي بها ... ظلال وصال الغانيات ظليل
ديّار تصح الرّوح في عرصاتها ... إذا هبّ فيها الرّوح وهو عليل
وتمنحنا فيها الغرام عقائل ... فتسلب منّا بالغرام عقول
وبيض الظبا تستلّها من جفونها ... ظباء على أسد العرين تصول
فأعطافها إما تهزّ ذوابل ... والحاظها أنّى تسلّ نصول
وفيها مهاة صاغها الله من مهًا ... بأعطافها ماء النّعيم يجول
لها كفل سال وخصر متيّم ... فذا منعم راب وذاك نحيل
ترنح منها بالدلال شمائل ... لألبابنا منها تدار شمول
стр. 1718
ومن ظلمها المعسول وهو ممنّع ... بماض من الألحاظ وهو كليل
تحوم القلوب الصاديات من الأسى ... على سلسبيِل ما إليه سبيل
وفوق محيّاها ترفّ خميلة ... بنور جمال ما لديه جميل
وهيفاء أمّا خدها فمورّد ... أسيل وأما طرفها فكحيل
أجود لها بالنّفس وهي بخيلة ... علي بوصل ما إليه وصول
فتاة لديها من سني الشّعر بارق ... له وابل من مقتليّ هطول
يحبّ فؤادي طرفها وهو قاتل ... .... بحب السّيف وهو صقيل
فلا زال معناها بطيب تحيّتي ... تمرّ عليه شمال وقبول
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل: ] من الخفيف [
أيّ دمع يوم الفراق أجابا ... أيّ قلب يوم التفرّق ذابا
أيّ حزِن أصابنا يوم بانوا ... أي صبر يوم التباعد غابا
شاب قلب المحبّ في الحب لما ... أن رأي مفرقي من الحب شابا
هل إلي الوصل من سليمي سبيل ... وسليمى بوصلها تتغابى
صاب قلبي من الحبيب سهام ... تركت عيشتي من الهجر صابا
كلّ وصل سوى وصال محلك ... وأرى لذة الوصال عذابا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل أيضًا: ] من الطويل [
لعينيك في قلبي الكئيب ندوب ... وما لسقامي في هواك طبيب
وحيّا الحيا هيفاء أما قوامها ... فغصن وأمّا ردفها فكثيب
أحن إليها كلما هبت الصّبا ... وما آن من شمس النهار غروب
وحيا محلًا أنت فيه مقيمة ... سحائب أجفان عليه تصوب
وأنت الّتي لولاك ما جئت زائرًا ... ولا خلبتني زينب وخلوب
وعندي من الأشواق ما لو شرحتها ... لقصر عنها مالك وحبيب
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل من كلمة أولها: ] من الطويل [
خليليّ عوجا نحو سلمى فسلّما ... فقد تركتني في هواها متيّما
قفا علّماها ساعة كي ترق لي ... فما علّم الإنسان إلاّ ليعلما
стр. 1719
وقولا لها إرثي لصب فإنه ... غدا بكم دون البرية مغرما
وحنّي عليه وارحميه فإنه ... حقيق بأن يحنى عليه ويرحما
ولا تقتليه بالقطيعة والجفا ... فإن دم الإنسان أضحى محرّما
وها هي قد أضحت تصيب مقاتلي ... وقد فوقت نحوي من اللحظ أسهما
إذا حدثت فالدر تبديه ناثرًا ... وإن بسمت فالدر تبدي منظّما
وقائلة هذا الجنون إلى متى ... فقلت إلى إن يرجع الضوء مظلما
وقلت لها لا تكثري اللّوم للفتى ... فمن لام صلًا في الهوى كان ألاما
فقالت/ دع الأهواء إن كنت عاقلًا ... وشمر إلى العلياء كفًا ومعصما
فقلت لها: أنّي إلى المجد سابق ... وأعجز في العلياء قيسًا وجرهما
ولا بدّ ما أسلوا عن البيض والدّمى ... وأكلف بالبيضات والبيض الدّما
فأنفق في العلياء مالي وإنّما ... تعيمي أن أغدوا على النّاس منعما
فما أنا ممّن يجعل الجود مغرمًا ... ولا أنا ممّن يجعل البخل مغنما
سأشغل نفسي بالمكارم والعلا ... واجعل لهوي مشرفيًا ولهذما
ولا بدّ أسطو بجيش عرمرم ... أفل به في الكفر جيشًا عرمرما
فأعمل رمحي أو أرأه مقصدًا ... وأعمل سيفي أو أراه مثلّما
لأظهر حقًّا أو لأخفي باطلًا ... وأنصر دينًا قد أتانا من السّما
وأنصر دين الهاشمي محمّد ... علي كل دين في الورى متحكّما
وأنشر ما أضحى من النصر طاويًا ... وافتح ما أمسى من الأرض مبهما
وأبني للإسلام بيتًا مشيّدًا ... كما شاده الكفار أضحي مهدّما
وأسهر أجفانًا من الشرك دائمًا ... بضرب غدا للمؤمنين مسوًاما
لئن كان عصري في العصور مؤخّرًا ... فإني أغدوا في المعالي مقدّما
أنا الفارس المعروف أعزى وأتنمي ... إلى آل أيّوب وهم خير منتمى
هم القوم ما من مالك أو معظّم ... على الناس إلّا قد غدوا منه أعظما
مظفّرهم في الجود والبأس والنّدى ... وأقدمهم يوم الوغى متقدّما
وما زال في يوم الجلاد مجالدًا ... بسيف غدا للمشركين مكلّما
فمهلًا بني الإفرنج إنّي معيدها ... عليكم كحطّين الأولى وكأنّما
стр. 1720
فمن كان بالبيض القواضب ضاربًا ... فلابدّ أن يرقى من العزّ سلّما
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل من قصيدة أوّلها: ] من الطويل [
سقى الله أيام الصّبا ما يسرّها ... وشرخ شبابي عند غيرك شافع
وحيّا ليال قد تقضّت بقربكم ... وروّى ثري تلك الربوع المدامع
وإني لمشتاق إلي حسن وجهها ... ويمنعني عنها أسود موانع
عسى الدهر أن يقضي بطيف خيالها ... ومن لي بأيّام مضين رواجع
وعمري بها حتّي الممات مذلّة ... قياليت شعري ما الّذي أنا صانع
وهاتفة بالبان وتشجي بنوحها ... فما هجعت شوقًا ولا أنا هاجع
فلله ما هاج الهوى من هديلها ... ولله ما تحنو عليه الأضالع
فسرّي بمن أحببته لا أذيعه ... فلا يطمعن في ذاك ما عشت طامع
وقلت وقد أبديت وجدًا وحسرًة ... وقد غيّبت عني بدور طوالع:
سلوا مضجعي عنّي وعنها فإننا .. رضينا بما تخبرن عنّا المضاجع
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الرجز: ] من الرجز [
يا من يساميني ويذكر أسمي ... فإنّي من قوم كراِم شمّ
بحار علم وجبال حلم ... فمن كلّ ذي بأس شجاع شهم
يذب عن هام العلا ويحمي ... فيسعى إلى الغنم بها بالغرم
في رتبة فوق السّها والنجم ... فبلغتها قبل بلوغ حلمي
أنبيك عن معرفتي وفهمي ... فإنّ علوم ذا الورى من علمي
وحزمهم قلامة من حزمي ... قولي لسان قوله كالسّهم
ينفذ بالصخر الصّلاب بالصّمّ ... فولي يد مثل السّحاب تهمي
على العفاة بالنوال تهمي ... فينتعش العافي بها وينمي
يسبح من عظائها في يمّ ... فولي حسان مشرع في الجسم
يكلم قبل ضربه ويدمي ... فطوبى لمن حاول يومًا سلمي
رب حسود لي ولا أسمّي ... فيهرب من سهمي حين أرمي
أغفل عنه عفلة الأصمّ ... ولا يمر قلبه بوهمي
لو حلّ من خوفي محل العصم ... فإذا سمت في شاهق أشمّ
следующие страницы →