Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
وأنشدت لمحمد هذا، يمدح الملك المسعود مودود بن محمد بن محمد بن قرا أرسلان ابن أرتق- صاحب آمد- حين شرع في عمارة خندق آمد وسورها:
[من الكامل]
يا أيُّها الملك الَّذي سعدت به الدُّنيا وأشرق غربها والمشرق
الدِّين من علياك ركن مفاخر ... يسمو على أفق السَّماء ويسمق
ما آمد [و] السُّور إلاَّ مقلتةٌ ... أضحت بناظرها ابن أرتق ترمق
ماذا تحاول في عمارة خندقٍ ... يحمي وبأسك سورها والخندق
لو رام أهل الأرض منها نظرةً ... لتعذَّرت والباب رحبٌ مطلق
لك في قلوب العالمين مهابةٌ ... أضحى فؤاد الدَّهر منها يخفق
وستملكنَّ من البلاد أدانيًا ... وأقاصيا وضياء سعدك مشرق
مولاي شاعرك الشَّكور بحاله ... نقصٌ وجودك زائدٌ متدفِّق
أمنن بإشفاقٍ عليه مثل ما ... كان الشَّهيد عليه قدمًا يشفق
[٦٨٦]
محمَّد بن عليِّ بن عليٍّ القامغار، أبو طالبٍ اللغويُّ العراقيُّ، المعروف بابن الخيميِّ.
/ ٢٠٩ أ/ قيل إنَّ اسمه عقيل، وقيل عبد الله، وقيل محمد.
كان مولده بالعراق في آخر شوال سنة تسع وأربعين وخسمائة، بالقرية بدار
стр. 1787
الخلافة؛ هكذا قرأت نسبه ومولده بخطّ يده.
نزل الديار المصرية وسكنها، وهو إمام في علم اللغة والعربية، ومعرفة القرآن والحديث؛ رواية شاعر، مصنِّف، له رسائل وأشعار ومصنَّفات، ومن تصنيفه: كتاب ((الأمثال في علم القرآن)) وكتاب ((حرف في علم القرآن)) وكتاب ((قد في علم النحو)) وكتاب ((نزهة الملك في اللغة والصيد)) وكتاب ((الملخص الديواني في علم الديوان)) وكتاب ((لزوم الخمس)) استغفرك وكتاب ((المطاول على ديوان أبي العلاء المعريّ)) وكتاب ((إسطرلاب الشعر)) وكتاب ((شرح التحيات في اللغة)) و ((رسالة أهل الإخلاص والمودة إلى الناكثين من أهل الغدر والرّدة)) وكتاب ((شجرة الإيمان في علم القرآن)) وهو من أغرب ما صنف، وكتاب ((الأربعين الأحاديث الأساميات)) وكتاب/ ٢٠٩ ب/ ((مجموع ترجمة جهينة الأخبار وجنينة الأزهار)) وكتاب ((مقصورة الوزير)) وإلى غير ذلك من التواليف، أجازني سائر مصنفاته، وجميع أشعاره ورواياته، وما يندرج تحت ذلك.
ومن شعره، يقول: [من الطويل]
أقمت بمصر جلَّ عمري فلم أجد ... بها أحدًا يجدي ولا عالمًا يهدي
أزاحم منهم ألف ألفٍ بمنكبي ... وأمسي كأنِّي بتُّ في فقرةٍ وحدي
وقال أيضًا: [من الكامل]
يا جاعلًا سلع القريض بضائعًا ... صفها وفي خسرانها لا تمتري
فالشِّعر بائعة بحيث رأيتني ... والمشتري أبدًا مكان المشتري
فارفضه إنَّك لا تجيء بجيِّد الـ ... ـطَّائيِّ منه ولا رديء البحتري
وأخبرني الشيخ صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد البكري بدمشق المحروسة، بمنزله في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: قال أبو طالب محمد بن علي بن الخيمي: رأيت في المنام، وكأن شخصًا ينشدني، وق منعني شخص من الصلاة على ميت مات، ومنع من الصلاة عليه: [من مخلع البسيط]
стр. 1788
/ ٢١٠ أ/ صلِّ على المسلمين جميعًا ... واغتنم الأجر قبل فوته
من ذا الذي ليس فيه ... شيءٌ يقوله الناس عند موته!
وقال أيضًا: [من الطويل]
وقالوا: التحى من كنت تهوى فخلَّه ... فقلت لهم والنَّار حشو حشائي
وقد كان رأيي أن أكون وراءه ... فعدت ورائي أن يعود ورائي
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة النصيبي بحلب، قال: أنشدني أبو طالب محمد بن علي لنفسه: [من الطويل]
أأصنام هذا الجيل طرّاً أكلُّكم ... يعوق أما فيكم يغوث ولا ودُّ
لقد طال تردادي إليكم فلم أجد ... سوى رَّ شان في الغنى شأنه الرَّدُّ
ودعوى كرامٍ يستحيل قبولها ... وتقبل إذ حدُّ الحسام لها حدُّ
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو طالب، قال: لمّا دخلت دمشق كان من جملة من صحبه ابن ..... الوزير، فسألني عمّا وصلت إليه من البلاد، ومن خالطت من الناس، ومن وجدته/ ٢١٠ ب/ من أهل الكرم، فسهرت ليلتي، وكتبت إليه بكرة تلك الليلة بهذه الأبيات: [من الخفيف]
كم أطلت الإتهام والإنجادا ... وطلبت الإسعاف والإسعادا
وتقلَّبت فيَّ البلاد فما أحـ ... ـمدت ناسمًا ولا شكرت بلادا
وبلغت المراد من رحلٍ قـ ... ـضَّين عمري وما بلغت مرادا
وإذا لم يساعف المرء جدٌّ ... فمن الجهل عدُّ الأجدادا
مشعرٌ يفترون فرية عادٍ ... وثمود وهم يسبُّون عادا
ما أعدُّوا للبعث زادًا فإن فهـ ... ـ بذكر المعاد عدت معادا
إن أقلَّ الفتى جفوه وإن أكـ ... ـثر أمسوا طرًا له حسَّادا
كلَّما زدت فضل علمٍ لأحظى ... بنفاقٍ في النَّاس زدت كسادا
فكأنَّي إذا دعوت رئيسًا ... لوذعيًا منهم دعوت جمادا
стр. 1789
كم رأى ناظري محرَّم مال ... ردَّه برد عذره لي جمادى
نعتوا لي الزُّهاد خبًا فلمَّا ... جدت بالفلس لم أجد زهَّادا
وادَّعوا أنَّ معشرًا من ذوي الصَّو ... ف مشوا فوق دجلة عبَّادا
وإذا ذلك الطّفو من الخفَّة لا من إخلاصهم اخنفادا
/ ٢١١ أ/ ولعمري ما زيَّف الدِّرهم الجا ... ئز إلَّا تجويدك الإنتقادا
كم تبينَّت من صديق عدوّاً ... كاشحًا مضمرًا لي الأحقادا
وأرتني الأيَّام من كلِّ من كا ... ن عتادًا للحادثات عنادا
وسعت بي جماعةٌ طمعت من ... حلو فضلي ما فتَّت الأكبادا
كم رأى ناظري لئيمًا ولكن ... ما رأى في سوى كتابٍ جوادا
[٦٨٧]
محمَّد بن الحسن بن عليٍّ، أبو عبد الله الكوفيُّ المصريُّ، المعروف بأعجوبة الفلك.
كان شاعرًا خبيث اللسان، كثير الهجاء، مسترفدًا بأشعاره.
ومن شعره ما أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن العقيليّ- أدام الله أيامه- قال: أنشدني أعجوبة الفلك لنفسه، يهجو راجح بن إسماعيل الحلي الشاعر:
[من الخفيف]
يا بعيد الصَّواب فيما يعانيه ... سخيفًا مبخَّرًا وهو يفسو
هبَّ أنت النَّؤوم يا بادي الرَّأ ... ي رويدًا فأين منك الحسُّ؟
خاب ظنِّي ولا عجبت وقد قلَّ قديمًا لديك عقل وحسُّ
/ ٢١١ ب/ ولقد سمتك الخسيس فلمَّا ... تسخ لؤمًا فأنت منه الأخسُّ
كيف تقني شكر الرَّجال وقد ضا ... ع الرَّئيسان منك قلبٌ ونفس
ونقلت من خطه، قوله يمدح القاضي الأجل الفاضل العالم بهاء الدين أبا محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن الخشاب بحلب: [من الطويل]
ألا يا بهاء الدَّين حزت نباهةً ... فليس لمثلي عن جنابك معدل
تفضَّلت حتَّى لم تذر متفضِّلًا ... يطول فطل يا خير من يتطوَّل
стр. 1790
فأوليتني منك الجميل تفضُّلًا ... حنانيك يا من دأبه يتفضَّل
وسدت بني الدُّنيا فخارًا وسؤددًا ... نبيلًا فهل إلَّا عليك المعوَّل!
فأنت امرؤٌ لولاك ما خلق النَّدى ... وأنت لهذا الملك تاجٌ ومنصل
ولي منك رسمٌ قد تضاعف شكره ... عليك وبرٌّ من صلاتك مقبل
(فإن تولني منك الجميل فأهله) ... لعمري وأوفى من يقول ويفعل
وفي حلب لي منذ عامين مفلسًا ... مقلًا وحسي ما أجنُّ وأحمل
على أنَّني في الصَّبر أيُّوب دائمًا ... وبفضله والصَّبر بالحرِّ أجمل
/ ٢١٢ أ/ فدم سالمًا يا با محمَّد راقيًا ... بنصرٍ تعمُّ المجتدين وتشمل
وقرأت أيضًا من خط يده، قوله يمدح: [من مجزوء الكامل]
يا أيُّها المولى الزَّكيُّ ومن غدا للخلق عمده
أنت امرؤ أوصافه ... شادت غداة الفخر جدَّه
يا سيِّدًا عوَّدت نطـ ... ـقي بين أهل الأرض حمده
وأريد من شكري له ... بين الورى وأشيد مجده
فأقول أين حللت قو ... لًا لا أخاف الدَّهر ردَّه
هذا الزَّكي محمَّدٌ ... هو لي من الَّلأواء عدَّه
أعددته سيفًا لصرف ... الدَّهر أرهف منه حدَّه
سيفًا إذا صقل الزَّما ... ن متونه أبدا فرنده
يا سيِّدًا إن كنت لا ... أثني عليه منعت رفده
وأذاقني الرَّحمن من ... جدواه بعد القرب بعده
عجِّل وسمِّ سيِّدي ... فوصوله ثمر المودَّه
وتهنَّ بالعيد السَّعيـ ... ـد بنعمةٍ تترى مجدَّه
/ ٢١٢ ب/ وأنشدني القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن
стр. 1791
سعيد بن الخشاب- أدام الله أيامه- قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي المضري لنفسه، من قصية يمدح الملك الظاهر غياث الدين- ﵀:
[من الكامل]
يا للحميَّة خدَّني الخدُّ ... أشقائقٌ يعلوه أم رد
وبنفسجٌ بالسَّالف المصقول أم ... تفويف رقم لاح أن ندُّ
صدُّوا غرير صريم وجرتكم ... عن صدِّه أفما اشتفى الصَّدُّ
وسلوه هل لعسٌ بفيه بدا ... أم سلسبيل الرَّاح أم شهد
رشا طمعت بقرب زورته ... وأرى المسافة منه تمتدُّ
طبعت لواحظه ظبى حدقٍ ... سودٍ فلا يمنٌ ولا هند
وغدا الرُّقاد محجَّبًا ... بالحاجب المقرون عمَّن قدَّه القدُّ
يا سعد إسعادًا ومن ... كلفٍ وكآبة ناديت يا سعد
بأبيك إن وافيت رامة أو ... لاحت لك العلمان والزَّند
/ ٢١٣ أ/ ورأيت محمرَّ الرَّمال فقف ... فهناك تقنص بالظبا الأسد
وسل المويلك بهجتي كمدي ... أنَّى ألمَّ عساه يرتدُّ
قل عن لسان جو أقلَّ جوًى ... بيسيره ثهلان ينهدُّ
حتَّى م تعرض عن أخي وله ... أودى به الهيمان والوجد
ما قبله قبلٌ بحبِّك لًا ... كلِّا ولا من بعده بعد
أضحت ضلالته بكم رشدًا ... يا حبَّذا ذيالك الرشُّد
مولاي يا من ليس لي بدلٌ ... عنه ولا عوضُّ ولا بدُّ
كن كيف شئت عليَّ محتكمًا ... يا ذا الملاحة إنَّني عبد
ملَّكت رقِّي مثل ما ملك الـ ... ـملك المليك الظَّاهر الجعد
[٦٨٨]
محمَّد بن فضائل بن عبد السَّاتر، أبو عبد الله، المقدسيُّ الأصل، المعروف بابن المعيد:
كان جدُّه من أهل بيت المقدس.
стр. 1792
ولد أبو عبد الله بمنية ابن الخصيب، من صعيد مصر. وكان حيًا في نيف وستمائة، ومات بعد ذلك بقليل ولم يبلغ الأربعين. وكان أديبًا فاضلًا له نظم ونثر.
/ ٢١٣ ب/ مدح الملك الظاهر غياث الدين صاحب حلب بقصائد عدّة.
أخبرني أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الريحان المكي، كتابة فيما أذن لي الرواية عنه، قال: أنشدني محمد بن فضائل لنفسه، وذكر أنه ضمنه ورقة إلى الملك الظاهر بحلب: [من البسيط]
فما تعرَّض بي يأسٌ أساء به ... إلَّا وعجَّل ما يأسو به أملي
ولا توغَّلت في شكري فضائله ... إلَّا أقرَّ بعجزي عنه لي أجلي
وقال: وأنشدنا أيضًا لنفسه، ما كتبه أيضًا إليه: [من السريع]
يا من به يأمن كلُّ الورى ... إن عنَّ خطبٌ أو عنى حادث
ما بال حظِّي منكم قد غدا ... حظَّ وفيٍّ حبُّه ناكث
[٦٨٩]
محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن خميس، المغربيُّ الأصل، الموصليُّ المولد، أبو عبد الله الوكيل.
حدثني القاضي أبو القاسم- أدام الله عزّه- قال: كان أبو عبد الله هذا؛ شيخًا حسنًا ظريفًا، مطبوع النظم.
قرأ/ ٢١٤ أ/ الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة- ﵁ على علاء الدين الكاساني، وسمع منه شيئًا من إملائه بحلب. وسمع بالموصل الخطيب أبا الفضل عبد الله بن أحمد بن الطوسي، وأبا الهنا سعيد بن عبد الله بن الشهرزوري، وحدث بحلب وسمعنا منه بها.
وسألته عن مولده، فقال: ليلة الأحد تاسع المحرم من سنة اثنتين وأربعين
стр. 1793
وخمسمائة. وتوفي يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى من سنة اثنتين وعشرين وستمائة بحلب، ودفن بقابر باب الجنان.
قال: وسمعت الصاحب قاضي القضاة أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الأسدي الموصلي يثني عليه كثيرًا، ويقول: كان عين المجلس ووجهه، وله في صحبتنا هذه المدَّة، لم نطَّلع منه إلّا على الصحة والخير.
وأنشدني القاضي أبو القاسم- أيده الله تعالى- قال: أنشدني أبو عبد الله الوكيل من شعره، وذكر أنَّه كان له محبوبة تدعى عائشة، وبلغه أنها تعرضت لأسود:
[من السريع]
عشت زمانًا عيشتي عيشتي ... ما طرق البين لنا بينا
قالت: تسلايت احتقارًا بنا ... قلت تسلَّيت تسلَّينا
/ ٢١٤ ب/ لا تنكري سلوتنا هذه ... رمت تلافًا فتلافينا
ألجأك الدَّهر إلى أسودٍ ... يصرف عن عشاقك العينا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه، وذكر أنَّه أنشدها قاضي القضاة أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم، عند فراغ قراءة الملك الناصر صلاح الدين- ﵁ عليه جميعه: [من الكامل]
يا سيَّد الحكّام سيرة يوسف ... نظَّمتها كالعقد زين بدرِّه
وجمعت يا قاضي الممالك فضل من ... أرضى الإله بسرَّه وبجهره
ملكٌ قضى الله العزيز له بأن ... خضع الملوك لنهيه ولأمره
فسما بني سام وحام على بني ... حامٍ عقاب عقابه في نصره
قهر الألى قهر الألى وأعادهم ... حيَّ المعاد بأسرهم في أسره
أفديه لا نظمٌ يقوم بمدحه ... أبدًا ولا نثر يقوم بشكره
لو حاز في الشَّرع السُّجود لملحد ... سجد الملوك من البلاد لقبره
نشر الثُّغور فطيب نشر حديثه ... يبقى إلى يوم الحساب ونشره
/ ٢١٥ أ/ فتهنَّ يا قاضي الممالك أجر ما ... أوتيت من عمل تفوز بأجره
إن أصبح العلماء شهر صيامنا ... شرفًا فقد أصبحت ليلة قدره
стр. 1794
[٦٩٠]
محمَّد بن يوسف بن الخضر بن عبد الله بن أبي محمَّد عبد الرحيم بن القاسم بن عبد الله، المعروف بابن الأبيض، الفقيه الحنفيُّ الحلبيُّ.
هكذا أملى علي نسبه ولده شرف الدين، بمدينة حلب المحروسة، وكان يكنى أبا القاسم أيضًا.
تفقه على والده، ثم على علاء الدين الكاساني، وبرهان الدين مسعود الحنفي؛ وقرأ علم الحساب والفرائض على الشيخ أبي محمد طاهر بن جعل، وسمع بحلب أبا علي بن إبراهيم بن إسماعيل الغزنوي الحنفي، ووالده المذكور، وأبا الفرج يحيى بن محمود الثقفي وغيرهم.
وأخبرني القاضي أبو القاسم- أيده الله تعالى- قال: كان أبو عبد الله- ﵀ دمث الأخلاق، حسن المعاشرة، كريم الطباع، غزير العلم، كثير الورع، مليح النظم والنثر.
ولد بحلب في رابع صفر من سنة ستين وخمسمائة، ونشأ بها، حتى انتقل أبوه إلى دمشق، وولي القضاء بها، / ٢١٥ ب/ فسار إلى والده، إلى دمشق.
وقدّمه القاضي محيي الدين أبو المعالي محمد بن علي بن محمد بن يحيى الفرسي، ومال إليه حتى نفق على السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي- ﵀ فقلده قضاء العسكر، وسيّره إلى الملوك والرسائل. وقلّده عدّة مدارس بدمشق، منها مسجد خاتون- ظاهر مدينة دمشق- ومدرسة باب البريد، ومدرسة خاتون أيضًا.
ولم يزل كذلك إلى أن حدثت بينه وبين وزيره الصفي محمد بن عبد بن علي بن
стр. 1795
شكر وحشة، خاف منها على نفسه. وكان الملك العادل قد سيّره رسولًا إلى حلب المحروسة وإلى الديار الشرقية؛ وكان قد اتصل إلى والدي- ﵀ فلما ورد حلب، عرض عليه السلطان الملك الظاهر المقام بحلب، وضمن له أشياء، فأجابه إلى ذلك. وسار إلى الديار الشرقية لأداء الرسالة، وعاد إلى حلب، فأقام بها، وسير جواب الرسالة إلى الملك العادل. وولّاه الملك الظاهر مدرسة شاذبخت- ﵀.
وحكى لي أنه؛ لما سيّره الملك العادل في هذه الرسالة، تلطف في طلب ... ، بألطف حيلة، وذلك أنه؛ قال: قد علم مولانا أنَّني قد تأهلت بحلب/ ٢١٦ أ/ وأنا أستخدم الإذن الكريم عند أهلي، عند قضاء شغل السلطان، فأذن له في ذلك، ظنًا منه أنه يقيم مدة ثم يعود.
ولم يزل بعد ذلك مقيمًا بحلب، إلى أن ولّى الملك الظاهر؛ افتخار الدين أبا هاشم عبد المطلب بن الفضل العباسي الهاشمي- ﵀ رئاسة أصحاب أبي حنيفة، فاستوحش لذلك، وترك منصبه، وسار إلى حماة. فأنزله الملك المنصور أبو المعالي محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب بها، وأكرمه وولاه المدرسة النورية بها.
ثم إنَّ الملك الظاهر- ﵀ طلب عوده من والدي- ﵀ فسار- وكنت صحبته إلى حماة- وأعاده إلى حلب المحروسة، إلى منصبه.
قرأت عليه الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة- ﵁ وشيئًا من الحديث. وسمعت منه أشياء من المذاكرة، وأجاز لي رواية مسموعاته ومروياته.
وكانت وفاته- ﵀ ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان، من سنة أربع عشرة وستمائة فجأة. كان قد استدعى فقهاء المدرسة، في تلك الليلة على عادته في شهر رمضان للإفطار على مائدته، وأكلوا وخرجوا عنه. ثم صلّى العشاء الآخرة والتراويح، وسجد وحضرته الوفاة/ ٢١٦ ب/ فلم يتكلم بشيء؛ إلى أن مات، واستدعيت إليه، وهو في الحياة، فلم يزل إلَّا يسيرًا حتى مات، ودفن صبيحة تلك الليلة، بتربتنا بمقام إبراهيم- ﵇ إلى جانب والديَّ- رحمهما الله-.
قال القاضي- أيده الله تعالى- ومما أنشدني القاضي أبو عب الله لنفسه:
[من الطويل]
стр. 1796
أشدُّ المحبِّين اشتياقًا ووحشةً ... لمحببوه صبٌّ يبيت على وعد
يخاف اجتنابًا واضعًا عن تعمُّد ... وأصعب ما كان التَّجنُّب عن عمد
وقد كان يرجو قبل ذلك وصلة ... ويحب أنَّ الهجر ما كان عن قصد
فإن صدَّ بعد الوعد ظنَّ بأنَّه ... جفاه على علمٍ فمات من الوجد
وأنشدني؛ قال: أنشدني محمد بن يوسف لنفسه: [من مخلّع البسيط]
لا تهجعن تحظ بالأماني ... هجر الكرى حلية الجدود
واسع إلى الفضل غير وانٍ ... تقطع إذًا دابر الحسود
وأنشدني، قال: أنشدني محمد بن أبي محمد، قوله أبياتًا كتبها إلى الوزير صفي الدين عبد الله بن شكر معتذرًا ومتنصلًا: [من الطويل]
لعبدك من ضعف لمنقبع متى ... دعا أجبت وكان العفو عنه جوابا
/ ٢١٧ أ/ ويؤمنني حلمٌ وجود وقدرةٌ ... لمالك رقِّي إن خشيت عقابا
ولست وإن أذنبت أوَّل من جنى ... على نفسه ثمَّ استقال ونابا
وأنشدني، قال: أنشدني المذكور لنفسه، ما كتبه إلى الصفي محمد بن إسماعيل الكاتب المصري، سأله حسن المناب عنه، عند ابن شكر الوزير: [من الخفيف]
كن شفيعي عند الوزير فإنِّي ... واثقٌ إن شفعت لي بالقبول
أنت أهلٌ لكلِّ قولٍ جميلٍ ... وهو أهلٌ بكلِّ فعلٍ جميل
وأنشدني، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه، ما كتبه إلى المبارز يوسف بن خطلخ- ﵀ وكان قد تكلم في حقّه عند الملك الظاهر بكلام حسن من غير أن يطلب منه ذلك: [من مجزوء الكامل]
أهنا العوارف ما أتى ... عفوًا بلا طلبٍ مهنَّا
والوجه موفور الحيا ... ء وقد تعجَّل ما تمنَّى
ما غاض منه ماؤه ... بل زاد إشراقًا وحسنا
لم يبغ فيه ولا تقلِّد للشفيع يدًا ومنَّا
/ ٢١٧ ب/ كيد المبارز أخجلت ... بسماحها بحرًا ومزنا
مطرت ولم يفتح لها ... للوعد بالإيماض جفنا
стр. 1797
بل سحَّ وابلها ولم ... نستقها سحّا وهتنا
[٦٩١]
محمَّد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن بن هبة الله، أبو عبد الله بن أبي الفضل البغداديُّ المعروف بابن النجار.
وكان النجار والده.
كانت ولادة أبي عبد الله في ليلة الأحد الثالث والعشرين من ذي القعدة، من سنة ثماني وسبعين وخمسمائة ببغداد.
стр. 1798
أخذ شيئًا من علم العربية، عن جماعةٍ من النحاة البغداديين؛ كأبي بكر المبارك بن المبارك الواسطي النحوي، وأبي الحسن علي بن المبارك بن بابويه النحوي، وأبي البقاء عبد الله بن الحسين النحوي العكبري، وأبي الخير مصدّق بن شبيب بن الحسين الواسطي.
ثم اشتغل بالحديث وكتابته، وسمع ببغداد في سنة ثماني وثمانين وخمسمائة، وهو أول سماعه، ثم طلبه بنفسه في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، فقرأه على أبي الفرج عبد المنعم ب/ ٢١٨ أ/ عبد الوهاب بن صدقة بن كليب الحرّاني، وأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، وأبي أحمد عبد الوهاب بن علي بن علي بن سكينة البغدادي، وأبي طاهر المبارك بن المبارك بن هبة الله بن المعطوش العطار، وأبي القاسم ذاكر بن كمل بن غرائب الخفاف، وعلى جماعة سواهم.
رحل إلى الحجاز، وأقام بمكّة سنة سبع وستمائة، وسمع بها وبالمدينة على جماعة، ثم دخل الشام من مكة في سنة ثماني وستمائة، فقرأ بدمشق على أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وأبي القاسم الحرستاني وجماعة غيرهم. وقدم حلب فسمع بها أبا هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي، وأبا محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي وغيرهما.
ثم سمع في طريقه بحران وبلاد الجزيرة والموصل وتكريت، ودخل بغداد، وخرج منها إلى بلاد الجبل، فسمع بهمذان من أصحاب أبي المحاسن نصر بن المظفر البرمكي، ودخل أصفهان، فسمع من أصحاب أبي بكر محمد بن علي بن أبي ذر الصالحاني، وإسماعيل بن الفضل بن أحمد بن الأخشيد السراج، وغانم بن خالد التاجر، وزاهر بن طاهر الشحامي.
ثم رحل على خراسان، فسمع بنيسابور المؤيد/ ٢١٨ ب/ ب محمد بن علي الطوسي، وأبا بكر القاسم بن عبد الله بن عمر بن أحمد الصفار، وزينب بنت عبد الرحمن بن أحمد الشعري وغيرهم، وبهراة: أبا روح عبد المعمر بن محمد بن أبي الفضل البزاز الصوفي، وبمرو: أبا المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني وغيرهم؛ ثم عاد راجعًا إلى بغداد، فسمع ببسطام ودامغان والريّ وساوة وهمذان وأسد
стр. 1799
آباذ، وغير ذلك من البلاد.
ثم أقام ببغداد سنة، ثم عاد ودخل أصفهان، فسمع في طريقه بنهاوند والكرج، وأقام بأصبهان إلى استولى الكفار على البلاد، وهو بها يكتب ويسمع إلى أن يسر الله الخروج سالمًا منها، مع كتبه وما جمعه وألفه إلى بغداد، فدخلها في سنة عشرين وستمائة، وأقام بها ثلاثة أشهر. ثم رحل عنها إلى البلاد الشامية، فحدّث بها.
ثم توجه نحو الديار المصرية، فكتب بها عن الشيوخ، وعلق الفوائد، وأكرمه سلطانها الملك الكامل، وأطلق له شيئًا، وسأله المقام، فلم يجب إلى ذلك.
ثم عاد من الديار المصرية، قاصدًا مدينة السلام، فدخلها وهو مقيم بها، يسمع الحديث، ويفيد الناس وألّف على ((تاريخ الخطيب)) مذيّلًا في عدَّة/ ٢١٩ أ/ مجلدات، ولي منه إجازة بجميع مؤلفاته ومسموعاته ومروياته.
[من مصنفاته: كتاب ((التاريخ المجدد لمدينة السلام، وأخبار علمائها الأعلام، ومن وردها من فضلاء الأنام))؛ وهو ذيل على تاريخ أبي بكر الخطيب في مائتين واثنين وثلاثين جزءاً، وكتاب ((التاريخ الكبير)) في ذكر الأعلام من سائر البلاد، المذيل على تاريخ أبي عبد الله محمد بن إسحق بن مندة الأصفهاني، الذي به على تاريخ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الإمام- رضوان الله عنهما-. وكتاب ((المحكم في ترتيب المفحم))، يشتمل على مشايخه الذين كتب عنهم الحديث، وعلى من كتب من رفقائه الفضلاء ومن الشعراء والأدباء، يدخل في عشرة أجلاد، ولم يبيض. وكتاب ((الكمال في تكملة الإكمال، في معرفة المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والألقاب والأنساب في أسماء النساء والرجال))؛ ذيل به على كتاب الأمير أبي نصر بن ماكولا، يشتمل على خمسة أجلاد، وكتاب ((الرائق في معرفة السابق واللاحق))؛ ذيله على كتاب أبي بكر الخطيب، وكتاب ((كشف النقاب عن المنمق في الأنساب)) - خطًا ولفظًا- في معرفة الصحابة، وكتاب ((المنمق والمغترب))؛ ذيل به على كتاب أبي موسى محمد بن عمران بن أبي عيسى الأصفهاني، وكتاب ((المنتخب في معرفة النسب))، وكتاب ((مناقب الإمام الشافعي)) ﵁ وكتاب ((الألقاب))، وكتاب ((الذيل على خريدة القصر وجريدة العصر)) لأبي عبد الله محمد بن
стр. 1800
محمد بن حامد الأصبهاني الكاتب، وكتاب ((التاريخ على السنين)) في أخبار الملوك والحوادث والوفيات، ابتدأ فيه من سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وهو أول تأريخ ... ].
أنشدني الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار لنفسه؛ وذكر لي أنَّ بعض الأصدقاء رآه بأصبهان مكتئبًا، يوم عيد، وسأله عن السبب الموجب لذلك، فقال ارتجالًا: [من البسيط]
وقائلٍ قال يوم العيد لي ورأى ... تململي ودموع العين تنهمر:
مالي أراك كئيبًا باكيًا قلقًا ... كأنَّ قلبك فيه النَّار تستعر
فقلت: إني بعيد الدَّار عن وطني ... ومملق الكفَّ والأحباب قد هجروا
وأخبرني الحافظ أبو عبد الله بن النجار، بمدينة السلام، يوم السبت العشرين من ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: اجتزت بدورق مدينة من نواحي خوزستان، فحضر عندنا غلام تركي، مليح الصورة، فسألناه عن واقعة وقعت له، وأطال الكلام. ثم ذهب فرمدت في الحال، ومرضت عيني، /٢١٩ ب/ وكان معنا فقيه كرماني، فقال: هذا خلاف القياس وكان ينبغي بنظرك إليه، أن لو كانت عينك رمدةً، أن تبرأ، فأنشدته مرتجلًا: [من المنسرح]
وقائلٍ قال: قد نظرت إلى ... وجه مليح فاعتادك الرَّمد
فقلت: إنَّ الشَّمس المنيرة قد ... يعشو لها النَّاظر الَّذي يقد
وقال الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود البغدادي، في غلام اسمه أوحد، وهي أوائل الأبيات: [من المنسرح]
إن الغزال الَّذي يتيَّمني ... منه بقدٍّ كالغصن معتدل
ووجنةٍ وردها الجنيُّ جنى ... قتلي لمَّا أومأت للقبل
حشاي مجروحةٌ بأسهم عيـ ... ـنيه وما فيهما من الكحل
стр. 1801
دواء دائي ريقٌ يجود به ... من فيه أحلى ذوقًا من العسل
إنَّ اسمه ملغزًا أوائل أبيا ... تي بلا خفيةٍ ولا خلل
[٦٩٢]
محمَّد بن مسعود بن محمَّد المالينيُّ الهرويُّ.
ومالين من رستاق هرات، أبو يعلى.
كان أديبًا/ ٢٢٠ أ/ فاضلًا عارفًا بالنحو واللغة، ويقول شعرًا جيدًا بالفارسية والعربية، ويذهب إلى مذهب الكرَّاميَّة.
أخبرني أبو عبد الله الدبيثي، إجازة منه إلي إن لم يكن سماعًا، قال: قدم أبو يعلى بغداد حاجًا، في سنة ثمان وستمائة، وكتب عنه بها من شعره، فحجّ وعاد إلى بلده، وسألت عنه، فقيل: لم يكن محمود الطريقة، وأنَّه كان متسامحًا في الأمور الدينية.
ومن شعره العربي قوله ما أنشدني الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود البغدادي، قال: أنشدني أبو يعلى محمد بن مسعود لنفسه بمنزلة في سنة إحدى عشرة وستمائة: [من الطويل]
أصون المحيَّا لا أرقرق ماءه ... إذا ابتذلت عند الطَّماعة أوجه
أأنزل بالأدنى ومن تحت أخمصي ... من الفلك الأعلى تطامن أوجه
[٦٩٣]
محمَّد بن الفضل بن بختيار بن أبي نصرٍ الواعظ، أبو عبد الله بن أبي المكارم.
стр. 1802
من أهل باعقوبا.
سكن دقوقا؛ وعقد مجلس الوعظ، وصار له قبول عند أهلها.
/ ٢٢٠ ب/ روى بها عن أبي الوقت، وذكر أنه سمع منه ببغداد، ومن جماعة مجاهيل، روى عنهم.
وكانت ولادته في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة في ربيع الأول، وتوفي بدقوقا، ثاني عشر جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة، ودفن بها.
وكان يتولّى الخطابة ببعقوبا في الجمع، ويعظ. أخبرني أبو عبد الله الدبيثي في تاريخه، قال: قدم أبو عبد الله بغداد، وأقام بها مدّة، وسمع بها، فيما يقول من أبي الوقت وعب القادر الجيلي وغيرهما، وببعقوبا من أبي إسحاق إبراهيم بن بدر بن أبي طالب النباري- ونبارى المنسوب إليها من قرى إبراز الروز- ومن أبي طاهر المؤمل بن نصر بن المؤمل وغيرهم.
وسكن بأخرةٍ دقوقًا، ولقيته بها، وكتبت عنه شيئًا يسيرًا، وكان قد حدث بأحاديث من سنن أبي عبد الرحمن النسائي؛ ذكر أنها ثلاثيات للنسائي، وكانت وهما وقع في نسخه له، ذكر أنَّه سمعها من إبراهيم بن بدر المذكور، فعرف الخطأ في ذلك، فترك روايتها.
سألته عن مولده، فقال: في شهر ربيع الأول، سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وكتب لي بخطه، وأنشدني لنفسه من كتاب، كتبه إلى صديق له: [من الطويل]
/ ٢٢١ أ/ وأخلصه قلبي الولاء حقيقةً ... كإخلاصه في الحبِّ سفن النَّجا حقَّا
موالٍ مواليهم ينال المنى بهم ... فلا زال طول الدَّهر في حبِّهم يرقى
стр. 1803
[٦٩٤]
محمَّد بن حازمٍ السَّمَّان، أبو عبد الله الحلبيُّ.
من أهل حلب.
وكان قد ولاّه بعض أمراء حلب، كتابة شيخلية الحاضر السُّليماني، لكونه مدحه أولًا بقصيدة.
وكانت وفاته في سنة سبع عشرة وستمائة. كان شاعرًا يمدح الأكابر والرؤساء، وله يد في حلِّ الألغاز، وعنده فضل وتميز.
ومن شعره يقول: [من الطويل]
أعاذل مهلًا إنَّ سلوانهم عار ... ومن لي بأن أسلو وقد شطَّت الدَّار
أعد ذكر نعمان الأراك فإنَّه ... ليعتادني منه على البعد تذكار
وقصَّ أحاديث العذيب فإنَّني ... رحلت ولي فيهم حديثٌ وأسمار
سلا بانة الوادي متى خطرت به ... ففي إثرها للمندل الرَّطب آثار
تأرَّج ريَّاها بذي البان والنَّقا ... ففي كلِّ ميَّالٍ هنالك عطَّار
وأنشدني أبو محمد القاسم بن محمد بن سراج/ ٢٢١ ب/ الحلبي، قال: أنشدني محمد بن حازم لنفسه: [من المتقارب]
أما آن أن تتلافى تلافي ... وأن تتجافى سبيل التَّجافي
وأن تتجنَّب ذا الاجتناب ... وتعرف عهد المحبِّ الموافي
стр. 1804
ألا يا غزالًا غزا مهجتي ... وأضعفني بالجفون الضِّعاف
عيونٌ تفيض عيونًا عليك ... فطر في لجَّة الدِّمع طافي
وشاهد شاهد سقمي فعاد .. صفا قلبه يشبه الماء صافي
وقد زار تحت إزار الدُّجى ... وخالف عذَّاله في خلافي
فقبَّلت قبلة ورد الخدود ... وصيَّرت شافي لماه ارتشافي
وما عاقني من لذيذ الوصال ... سوى الخوف من هول يوم المخاف
فنفس النَّفيس تعاف الفساد ... ورسم الخنا قد عفا في عفافي
[٦٩٥]
محمَّد بن أبي الخير بن أبي الفضل بن الفضل بن أبي الفضل بن سطيحٍ، أبو عبد الله الحموي الحكيم الطائفيُّ.
من خواص أصحاب الملك المنصور أبي المعالي محمد بن/ ٢٢٢ أ/ عمر بن شهنشاه- صاحب حماة-؛ ولديه فضل، وعلم، وأدب، ودراية، ومعرفة، وفصاحة، وله شعر جيد مستحسن.
لقيت ولده أبا الفضل أحمد الحكيم الفاضل بحلب المحروسة، وذكر لي أنَّ والده توفي في ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين وستمائة.
ومن شعره يمدح الملك المنصور- صاحب حماة-: [من الطويل]
أما والهوى يوم استقلَّت حمولها ... وأضحت خلاءً من حبيبٍ طلولها
لقد غادرت بين الضُّلوع صبابةً ... ولوعة حزن ليس يشفى عليلها
وسارت فقلب المستهام محرَّقٌ ... بنار الأسى والعين تجري سيولها
لعمري لقد جدَّ البلاء وأعلن الـ ... ـمشوق بشجوٍ يوم جدَّ رحيلها
وضنَّت بتقبيل البنان وإنني ... لينفعني ممَّا تنيل قليلها
سقى دار ليلى حيث حلَّت وخيَّمت ... من المزن منهلُّ الرَّباب هطولها
لك الله هل بعد الصُّدود تعطُّفٌ ... وهل بعد هذا النَّأي يقضي وصولها
هي القمر الوضَّاح والشِّمس للضحى ... تنير ولكن لا يخاف أفولها
لها مقلتا ريمٍ وخدٌّ مورّدٌ ... أسيلٌ ألا خير الخدود أسيلها
стр. 1805
وخصرٌ دقيقٌ عاد يشكو نحوله ... وأحسن ممشوق الحصور نحولها
/ ٢٢٢ ب/ تمايل من سكر الصِّبا فكأنَّما ... تدار علينا بالكؤوس شمولها
ومنها في المديح:
نشير إلى ملكٍ رفيع عماده ... وحيث يرى جمُّ العطايا جزيلها
له حملاتٌ في الوغى مستبينةٌ ... وصولات طعنٍ لا تزال نصولها
تقصِّر عن إدراك شأو علائه ... ملوك زماني شيبها وكهولها
هو الملك المنصور والماجد الَّذي ... له كلَّ يومٍ عارفاتٌ ينيلها
علا بك شاذي وابنه وقبيله ... ذرى شرفٍ ما كان قدمًا يطولها
ما برسول الله حقًا تشرَّفت ... قريشٌ ولولاه لطال خمولها
[٦٩٦]
محمَّد بن بدران بن مليل، أبو البدر الكرمونيُّ.
من قرية شرقي تكريت، من أعمالها تدعى كرمي.
[كان] رجلًا ذا عقل ودين، وأمانة ومعرفة، يفوق بصفاته على أضرابه وأشكاله، ويتميّز بها من أصحابه وأمثاله؛ ولذلك كثر خلاّنه وأصدقاؤه، وركن إلى صدقه وحذقه ولاته وأمراؤه، ينزل نفسه في نصرة/ ٢٢٣ أ/ صحابه، ويكرم قاصده، ويقوم بواجبه، وعنده من الشجاعة والنجابة والأخلاق العذبة المستطابة، ما يرغِّب اللبيب في معاشرته، ويحبِّب البعيد والقريب في مصاحبته وأخوته.
ما زال الأمراء بقلعة تكريت، يأتمنونه في أشغالهم، ويطلعونه على ما يحتاجون إليه فيه من بواطن أحوالهم.
وكان معين الدين ارنقش الخاص؛ حين تولى إمارة تكريت من جانب الديوان العزيز- مجّده الله تعالى- لما صار أمرها إليه، اعتمد عليه في بعض مهام الدين العزيز، وأنقذه إلى بلد ماردين، وكذلك من بعده من الأمراء بتكريت. وكانت له عناية تامة، ولجماعة أخوته من الأمير فلك الدين آقسنقر الناصري، حين ولي تكريت، ودقوقًا،
стр. 1806
وبين النهرين.
وهو مع اشتغاله بخدمة السلطان، محافظ على أداء الصلوات، متجنّب للحرام والشبهات، خدم متجنِّدًا بقلعة تكريت من زمن معين الدين ارنقش لحاجته إلى طلب الرزق.
وحضر عند القاضي تاج الدين ابن زكريا، بتكريت كثيرًا، وسمع ما يذكره، وما يقرأ عليه من العلوم، وقرأ عليه جميع كتاب ((العقود اللمع)) لابن جني.
/ ٢٢٣ ب/ وكان له ميل إلى فن الأدب والنظم، وعنده معرفة حسنة في منازل الشمس والقمر ومسيرهما، ومعرفة الأنواء، وقد صحبته عدّة مرار في تردداته إلى مدينة السلام. وسألته حين كثرت معه صحبته، وصحت له إرادته، أن يلبسه خرقة التصوف، ليتسم بسمة التلاميذ والأصحاب، ويتمسك منه بأجمل الوسائل، وأحسن الأسباب، فالبسه الخرقة.
وكان ينتمي في لباس الفتوة إلى الشيخ شهاب الدين يوسف القصاب، وهو من جملة رفقائه وأصحابه، وله معرفة بجماعة من صدور مدينة السلام، حسن التوصل إليهم، فيما يحتاج إليهم فيه من أشغالي وأشغال رفقائه وجماعته.
ولما أقام القاضي تاج الدين أبو زكريا بالمدرسة النظامية، مدرسًا لها، كتب إليه الرئيس أبو البدر، كتاب استيحاش، وضمنه أبياتًا من نظمه وهي: [من السريع]
يا سادتي من ذا الَّذي قد رمى ... بالعين أصمانا بسهم لخطوب
كنتم مصابيحًا بها نهتدي ... في الدِّين والدُّنيا ونور القلوب
واليوم مذ فارقتمونا نرى ... قد بان في تلك القلوب الغيوب
/ ٢٢٤ أ/ أنتم رضيتم غيرنا خبرةً ... نحن لمن يرضى بكم في الشُّعوب
شوقي إلى الزَّوراء ما ينحصي ... ولو تعاناه حساب الضُّروب
إذا تذَّكرت زمانًا مضى ... قلت لعلَّ الدَّهر يومًا يؤوب
وحقَّكم ما مرَّ بي طيفكم ... في اللَّيل أو هبَّت رياح الجنوب
إلَّا وفاضت مقلتي أدمعًا ... شوقًا إليكم وفؤادي يذوب
يا سادتي بالله لا تقطعوا ... أخباركم عنِّي فعندي كروب
стр. 1807
[٦٩٧]
محمَّد بن موسى المتانيُّ.
ينسب إلى متانة قرية من أعمال حوران.
رجل شديد سمرة اللون، قيل إنَّ أصله من بلاد المغرب، من أنزق خلق الله، وأشرسهم أخلاقًا، يلزم نفسه العزلة عن الناس والرياضة والمجاهدة على ما كان عليه. ويدّعي علومًا كثيرة، ويحضر مجلس الفقهاء، ويبحث معهم، ويسفه عليهم في فلك المناظرة والجدل؛ ولم يخرج عن الأخلاق الغريبة، لضيق عطنه، وكثرة شرّه. وكان يغضب على من يخاطبه ويسمعه كلامًا غليظًا لرداءة طباعه وقحته.
/ ٢٢٤ ب/ واجتمعت به كثيرًا بالمدرسة المنسوبة إلى بني عصرون بحلب، وكان نازلًا بها.
أنشدني القاضي عماد الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عصرون التميمي؛ قال: أنشدني محمد بن موسى المتاني لنفسه: [من الخفيف]
تلفت مهجتي فوامهجتاه ... من غزالٍ سبى الفؤاد هواه
رشأ أهيفٌ أغنُّ كحيلٌ ... تحتوي سحر بابلٍ مقلتاه
فاق بالحسن حسن كلِّ مليحٍ ... فشهدنا أن لا مليح سواه
هل تراه يجود لي بوصال ... بعد طول الصُّدود فيه تراه
أيها القاتلي بطول الأماني ... وعدك الصَّبَّ بالوصال شي هو
اتَّق الله كم تعذِّب قلبي ... يا هواه وسؤله ومناه
أحيي بالوصل مستهامًا كئيبًا ... مغرمًا منك داؤه ودواه
أيها النَّاس من معينٌ لصبٍّ ... طال بالنَّجم وجده وعناه
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني محمد المتاني لنفسه [من البسيط]
أهل الصَّبابة هل صبٌّ من البشر ... لاقى من الوجد ما لاقيت من عمر
/ ٢٢٥ أ/ يرنو فينضو لنا من لحظه صقل ... ماض مضاربه أمضى من القدر
стр. 1808
[٦٩٨]
محمَّد بن الحسين بن أسعد بن عبد الرحمن بن الحسن بن طاهر بن محمَّد بن محمَّد بن الحسن بن عليِّ بن يزيد الكرابيسيُّ النيسابوريُّ، أبو المعالي بن أبي عبد الله بن العجميِّ.
من أهل حلب، ومن أكبر بيت بها، وأقدمه في الحشمة الظاهرة، والثروة الوافرة.
كانت ولادته في شهر ذي القعدة سنة أربع وستين وخمسمائة، وتوفي بدمشق عائدًا من الحجّ، وكان موته يوم الإثنين في فندق ابن المقدم على باب الفراديس، وكان ذلك اليوم الحادي والعشرين من صفر سنة خمس وعشرين وستمائة، وحمل تابوته إلى محروسة حلب، فدفن بها، وكان وصوله يوم الأربعاء مستهل ربيع الأول، ودفن بالجبل صبيحة ذلك اليوم.
وكان فقيهًا شافعي المذهب، له معرفة بالخلاف والأصولين، مدرسًا درس بالمدرسة السلطانية الظاهرية، خارج مدينة حلب قبليها. وكان قد سافر إلى البلاد الخراسانية، وتجّول فيها، واشتغل هنالك مدّة، ثم عاد إلى مدينة حلب، درس الفقه على أبي الحسين عبد الملك/ ٢٢٥ ب/ بن نصر الله بن جهبل الحلبي، وقرأ بالموصل على أبي حامد محمد بن يونس بن محمد بن منعة ابن مالك الموصلي الفقيه الشافعي المدرس.
أنشدني أبو عبد الله الحسين، قال: أنشدني والدي لنفسه؛ وأنشدنيها أيضًا الشيخ الأجل الأمين محيي الدين أبو صالح عبد الكريم بن عثمان بن عبد الرحيم بن العجمي- أيده الله تعالى- قال: أنشدني أبو المعالي محمد بن الحسين بن العجمي
стр. 1809
لنفسه: [من الطويل]
ألا هل بنعمان الأراك مقيل ... لذي لوعةٍ منه ويسمع قيل؟
وهل لليالينا برامة عودةٌ ... وطرف الأعادي والوشاة كليل؟
وهل يرد الصَّادي رضاب رضاكم ... فشفى عليلٌ أو يبلَّ غليل؟
أحبَّه قلبي قد ضنيت من الظَّما ... فهل لي إلى ماء العذيب سبيل؟
أرى منهلًا عذبًا غزيرًا ووروده ... ألا عنه لي حتى الممات سبيل
أيحسن في شرع الهوى أنَّ ظلَّكم ... ظليلٌ وأنِّي مدنفٌ وقتيل
ولا عجبٌ أنِّي أموت صبابةً ... وقد مات قلبي عروةٌ وجميل
وله: [من الطويل]
تغيَّرت الأيَّام واسودَّ بيضها ... وساد سواد النَّاس فيها قرودها
/ ٢٢٦ أ/ وفي الموت فوزٌ للكريم وراحةٌ ... إذا ملكت أحرار قومٍ عبيدها
ومما ينسب إليه أيضًا، وأنشدنيه عنه أبو البركات محمد بن عثمان بن المنبجي:
[من الطويل]
لئن قرَّب الله التداني وقوِّضت ... خيام النَّوى واعتضت عن بعدكم قربا
غفرت لصرف الدَّهر كلَّ جريمةٍ ... وإن كنت ممَّن لا أبيح له سبَّا
وأنشدني ولده أبو عبد الله الحسين، قال: أنشدني والدي لنفسه [من البسيط]
يا نازلي البلد الأقصى ومنزلهم ... وسط الضَّمير وهم في القلب سكَّان
أفنيت صبري وأبقيت الغرام فلا ... صبرٌ ولا عنك لي يا عين سلوان
نفيت عزمي عن أهلي وعن وطني ... يا من إذا ماس فيه يخجل البان
هل تذكرون محيّا قد فنى أسفًا ... أفناه في حبِّكم همٌّ وأشجان
لا يطعم الغمض مذ شطَّت دياركم .. وليس يؤنسه أهلٌ وخلَّان
أشكو إلى الله عمرًا قد مضى عبثًا ... لا الدَّار دارٌ ولا الجيران جيران
стр. 1810
ضدّان قد لازماني في محبَّتكم ... في العين ماءٌ وفي الأحشاء نيران
/ ٢٢٦ ب/ من لي بكتمان ما الأحشاء تضمره ... وفيض دمعي على الخدِّين عنوان
قد كان دمعي لآلي قبل بينكم ... والآن مذ غبتم فالدَّمع مرجان
قد كنت ذا طربٍ في قربكم فغدا ... لبعدكم [في الحشا] همٌّ وأحزان
ونقلت من خطه شعره: [من السريع]
وإن كنت لا أطمع في وصلكم ... ولا أنال الفوز في الآخره
وقد مضى عمري ضياعًا بكم ... فيا لها من ضفقةٍ خاسره
[٦٩٩]
محمَّد بن إبراهيم بن خشنام بن أحمد، أبو حامدٍ الحلبيُّ.
كان له عناية بالحديث وسماعه، ورحلة في طلبه، وسمع الكثير منه، وله مع ذلك يد في معرفة الطبّ، وعلم الأدب، وكان فاضلًا.
صار إلى من تأليفه، مجموع حسن في معناه، صنعه باسم بعض الكبراء في ذلك الوقت، محتوٍ على فنون من محاسن الأشعار، ولطائفها، وقد رتَّبه أبوابًا وفصولًا، وأورد فيه نبذًا من شعره.
وحدثني أخوه نجم الدين أبو الحسن بن إبراهيم بن خشنام الفقيه الحلبي، بحلب المحروسة، قال: توفي أخي أبو حامد/ ٢٢٧ أ/ بعد الستمائة؛ لأنه كان الأكبر، وكنت صغير السن يومئذ.
ومن شعره يقول في كتاب ورد عليه من بعض أصدقائه: [من الكامل]
ورد الكتاب فمرحبًا بوروده ... من عند خير مكاتبٍ ومراسل
فلثمته من بعد قولي ناشطًا ... يا مرحبًا بقدومه من واصل
وخضعت للرحمن ﷻ ... أن يجمعن ما بيننا بالعاجل
وقال في مثله: [من المتقارب]
أتاني الكتاب وفصل الخطاب ... لبرد الشَّباب وعهد الصَّبا
من البحر فصلًا من القطران ... تراه إلى نشر علمٍ صبا
стр. 1811
فبرَّد عنِّي غليل البعاد ... كما الصَّبُّ هبَّت عليه الصَّبا
وقبَّلته العشر من بعد أن ... تأمَّلته قائلًا مرحبا
وقوله يمدح: [من الكامل]
صدرٌ يداه مقبل الإقبال ... وعلى نداه معوَّل الآمال
إن كان لا يأتي السَّحاب بنقله ... فبكفِّه يأتي سحاب المال
وقوله: [من المتقارب]
إذا نشر الصُّبح أعلامه ... ...... يد البين أكمامه
/ ٢٢٧ ب/ فقم يا غلام وهات المدام ... وناد الصِّبوح ومن رامه
ولا تهملن زقَّ بنت الكروم ... إلى ابن الكرام وإكرامه
فما عاقلٌ من يعقُّ العقار ... ومن يصغ سمعًا لمن لامه
وقال أيضًا: [من الطويل]
سلامٌ كأنفاس الشَّمال تبسَّمت ... على نفس مهموم يودُّ نسيمها
نسيمٌ ينسِّي طيب ريَّاه ربربًا ... ترَّبى بجنَّات النَّعيم نعيمها
[٧٠٠]
محمَّد بن أحمد بن رافعٍ، أبو المحامد الهلاليُّ.
ينسب إلى جبل بني هلال من أعمال صرخد، من الشعراء الدمشقيين.
أخبرني القاضي السيد بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن الخشاب- أيده الله تعالى- بحلب، قال: كان أبو المحامد رجلًا أسمر، وافي اللحية، عبل الجسم، وأوّل ما وخطه الشيب يسلك سلوك الأعراب في إنشاده الشعر، جهوري الصوت. يفد إلى حلب، ويمدح سلطانها الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف- ﵀ فيجيزه على شعره، ويكرمه، وينصرف عنه شاكرًا لأياديه، وسمعنا منه كثيرًا من شعره.
стр. 1812
ذكره أبو الحسن بن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي/ ٢٢٨ أ/ في تاريخه المذيل على تاريخ السمعاني أبي سعيد، وقال: قدم أبو المحامد هذا بغداد، أيام قاضي القضاة ابن الشهرزوري، ثم قدمها سنة إحدى وستمائة.
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
عفا الربع من سلمى فأقوت منازله ... وعيفت لبعد الحيِّ عنه مناهله
وناحت به ورق الحمام كأنَّها ... تحاول من سكَّانه ما تحاوله
خليلي إنَّ الحبَّ داءٌ دواؤه ... فراق حبيب أو حبيبٌ تواصله
إذ الوجد لا ينفكُّ في مذهب الهوى ... كسبًا إذا لم يخرج الحقَّ باطله
وليل بثٍّ بتُّ فيها كأنَّما ... بجفني من شوك القتاد عوامله
أراصد منها كلَّ نجمٍ كأنَّما ... حرامٌ عليه أن يرى الغرب مائله
وكم رمت إسعاف الرُّقاد وقد دنت ... أواخر ليلي أرَّقني أوائله
لعلَّ خيال العامريَّة موهنًا ... يغازلني في جنحه وأغازله
وهيهات أن يحنو على ذي صبابةً ... حليف هوًى قد ملَّ منه عواذله
له أنَّه الشَّاكي إذا ما ترنَّمت ... على الدَّوح من وادي الأراك بلابله
وأنشدنا أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سعد بن الخشاب؛ قال: أنشدنا أبو المحامد الهلالي لنفسه، / ٢٢٨ ب/ هذه القصيدة الدالية، يمدح السلطان الملك الظاهر- رحمه الله تعالى-: [من الكامل]
بالمشرفيَّة والقنا الميَّاد ... ملكت معاقل يعرب وإياد
وبحثِّ والدك الصَّوافن ضمَّرًا ... تختال تحت قساور الأمجاد
دانت ملوك المشرقين وزعزعت ... بالمغربين شوامخ الأطواد
فعلام يا خير الملوك أبًا ومن ... خلقت صوارمه بلا أغماد
لم تورد البيض القواضب والقنا ... مهج العداة فإنَّهنَّ صوادي
وتقيدها بدم الكماة كأنَّما ... خضبت عواملها يد العرصاد
فانظر غياث الدِّين يا خير الورى ... وأجلَّها من حاضر أو باد
يا ابن الَّذي ملك الطُّغاة وأصبحوا ... رهن الحقوف لديه والأضداد
стр. 1813
واغتر لدين المسلمين فقد سمت ... ظلمًا ثعالبه على الآساد
وانهض إلى الدُّنيا بكلِّ غضنفر ... ندب لكلِّ وقيعةٍ معتاد
ثبتٍ يودُّ لدى الطِّعان بأنَّه ... لعلاك من دون البريَّة فادي
وافتح حصون الخافقين فإنها ... وافتك طائعةً على ميعاد
لا تخش من كيد الملوك فإنَّهم ... نعمٌ وأنت لها بسيفك حادي
/ ٢٢٩ أ/ تالله لا بلغو مداك ولا شأوا ... علياك يا ابن السَّادة الأجواد
أنَّى وأنت لهم إذا اشتجر القنا ... ليث الشَّرى وإلى المكارم هادي
غرست رماحك في الجوارح منهم ... رعبًا تبقِّيه على الأولاد
إن يحسدوك على المكارم والعلا ... والمجد لا يخلو من الحسَّاد
كم بين من نسخ الكرام وأصبحت ... أمواله وقفًا على الوفَّاد
نال المدى يوم السِّباق ومجده ... إرثٌ عن الآباء والأجداد
ومدمَّم بخلت يداه فلا يرى ... طرف الفخار إليه بالمنقاد
كم رام ذو خطر ليدرك بعض ما ... أوتيت من شرف وبذل أيادي
فرآك كالنَّجم الَّذي لا ترتقي ... يومًا إليه طبائع الأجساد
أنت الَّذي عمَّت سحائب جوده ... سحّا على الأغوار والأنجاد
وغدا لنشر مديحه بين الورى ... وثنائه في كلِّ قطر شادي
أغياث دين الله يا من لم يزل ... عزِّي إذا طلب الزمان عنادي
يا خير من جرًّ الجيوش وخير من ... تليت مناقبه على الأعواد
إنِّي ولجت فناء جودك راجيًا ... مننا تبلِّغني لديك مرادي
فاجمع رعاك الله شملي عاجلًا ... يا ابن الكرام الغرِّ بالأولاد
/ ٢٢٩ ب/ فلقد وعدتهم بأنَّك منجحٌ ... قصدي وأنَّك عدَّتي وعمادي
واسلم فخير النَّاس أنت وللندى ... أهلٌ وأنت بكلِّ خير بادي
وتهنَّ شهر الهاشميِّ محمدٍ ... وبشهر أمَّته وبالأعياد
стр. 1814
[٧٠١]
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن عليٍّ اليحصبيُّ، أبو عبد الله القرمونيُّ الأندلسي.
كان طويلًا من الرجال، خفيف الروح، مداعبًا معاشرًا. نزل دمشق وخالط صدورها، واتصل بأماثلها.
وكان طول دهره، لم يزل مكشوف الرأس، ما وضع على رأسه عمامة ولا قلنسوة. ويعتني بالتصوف، وطريقة التوكل، ويميل إلى السياحة والفقر، ولبس الصوف. وكان له شعر حسن، وفيه أدب وفضل.
حدثني أبو الفضل عمر بن علي بن محمد بن هبيرة، قال: رأيت بدمشق، ومدح والدي بهذه الأبيات: [من مجزوء الكامل]
يا طالبًا معنى الزَّمن ... إلق الوزير أبا الحسن
تلق المكارم والنُّهى ... والخلق والخلق الحسن
/ ٢٣٠ أ/ ما مثل نجل هبيرةٍ ... لا بالشَّام ولا اليمن
فإذا ظفرت بحبله ... ظفرت يمينك بالمنن
وركنت منه إلى يدي ... طود ترفَّع عن قنن
يا أيها الشَّمس الَّذي ... حاز الفرائض والسُّنن
يا فجر بغداد الَّذي ... أضحت لمجدكم سكن
إن لم تكن أنت الَّذي ... ترجى لمكرمةٍ فمن؟
ومنها:
لا زلت من ريب الحوا ... دث لابسًا أوفى الجنن
[٧٠٢]
محمَّد بن صالحٍ المعلم، أبو عبد الله الواسطيَّ.
شاعر، له دراية بالأدب؛ نزل البصرة، وهو بها مقيم، يمدح وجوه أهلها، ولم يكن له حرفة سوى التكسب بالشعر، والاستجداء به. وهو من سواد واسط.
стр. 1815
أنشدني أبو عبد الله محمد بن شعيب الواسطي، قال: أنشدني محمد بن صالح الواسطي لنفسه: [من البسيط]
/ ٢٣٠ ب/ هل نازح الدَّار بعد البعد يقترب ... فيستريح فؤادٌ كله كرب
أما اللَّيالي الَّتي جاد الزَّمان بها ... تعود من بعد ما فاتت فترتقب
أيَّام قد كنت يا لمياء راضيةً ... فلم أبل رضي الواشون أم غضبوا
ما بال أثواب وصلي بعد جدَّتها ... قد أخلفت وجلابيب الصِّبا قشب
إذا نهضت إلى مجد أوثِّله ... تقاعدت بي عن إدرأكه النوَّب
يستضحك الفضل منِّي حين يخطبني الـ ... ـعلا ويدركها عريٌ فينتحب
ومنها:
يا من أغات على قلبي لواحظه ... ببيضهنَّ ألا فليهنك السَّلب
صل مدنفًا قلبه شوقًا إليك على ... مثل اللَّظى يتلظَّى حين ينقلب
ما راق بعدكم شيءٌ له أبدًا ... ولا دعاه إلى مستحسنٍ طرب
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا لنفسه، من ابتداء قصيدة: [من البسيط]
أفنى وليس بفان ما أكابده ... ولا عج الشَّوق ماينفك عائده
وأكتم الوجد والتَّبريح يظهره ... وكيف [يكتم] داعي الحبِّ واحده
يا من صحبتهم دهرًا فما نظرت ... عيناي منهم أخا صدقٍ أوادده
/ ٢٣١ أ/ من كان طالب خلٍّ يستعين به ... على الزَّمان فقد أكدت مقاصده
[٧٠٣]
محمَّد بن أحمد بن عليِّ بن محمَّدٍ، أبو أحمد الواسطيُّ الضرير، نزيل الموصل.
كان قارئًا مجودًا، ماهرًا في القراءات، فقيهًا جدلًا مناظرًا، حسن القراءة للقرآن وتجويده. وكان قد تفرّد بشيء ما انفرد به غيره؛ وذلك أنَّه كان يقرأ السورة من آخرها إلى أولها؛ آية بعد آية. ويأخذ من سورتين من أول واحدة، وآخر أخرى، فيقرأ من أول كل سورة آية، ومن آخر سورة أخرى آية؛ فيختم هذه إلى آخرها، ويختم تلك إلى أولها؛ ثم يأخذ من سور متعددة، من أول واحدة، ووسط أخرى، وآخر أخرى، ثم
стр. 1816
يختم السور كلّها. قراءة مرضية من غير توقف.
لقيته بالموصل، وطلبت منه شيئًا من شعره، فوعدني ذلك؛ ثم توفي ليلة الاثنين بعد عشاء الآخرة، حادي عشر رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني ولده أحمد؛ قال: أنشدني والدي لنفسه من قصدية أوَّلها: [من الرمل]
/ ٢٣١ ب/ حظر الوجد عن العين كراها ... فأتت ساهرةً إلَّا قذاها
وأبى البين فأصمى سهمه ... كبدًا لم يخطها يوم رماها
[٧٠٤]
محمَّد بن المؤمل بن فضلٍ البحرانيُّ، أبو عبد الله.
كان فقيهًا على مذهبه الإمامية، فاشتغل بالحلة المزيدية، ثم ورد الموصل، وأقام بها، إلى أن مات سنة خمس وعشرين وستمائة.
أنشدني الرئيس أبو العباس أحمد الموصلي- أيده الله تعالى- قال: حججنا سنة إثنين وعشرين وستمائة، ومضينا إلى البيت المقدس، وزيارة الخليل- ﵇ وكان أبو عبد الله في صحبتنا، فأنشدنا لنفسه: [من الطويل]
حججنا وزرنا المصطفى ثمَّ إنَّا ... عطفنا المطايا يا حسراتٍ ضوامرا
نؤمُّ كريمًا كان في الله بذله ... وأنزل فيه: قانتًا لي وشاكرا
فكن يا خليل الله ذخرًا وعدَّةً ... لنفس أتى بالمال والنَّفس زائرًا
وحاجته العظمى إذا جاء في غدٍ ... تكون له عونًا معينًا وناصرًا
/ ٢٣٢ أ/ وحاشا لجدِّ الهاشميِّ محمدٍ ... يؤمِّله راجٍ ولم يك ظافرا
[٧٠٥]
محمَّد بن يوسف بن خمر تاش بن سعيدٍ، أبو عبد الله القطبيُّ".
وكان يعرف بأمير علم، وخدم جنديًا لبني أتابك أوّلهم؛ عزّ الدين مسعود بن مودود بن زنكي، ثم ولده من بعده نور الدين أرسلان شاه، ثم ولده الملك الظاهر عزّ الدين مسعود- ﵃.
стр. 1817
وكان موصلي المولد والمنشأ، وتوفي بالموصل في السابع والعشرين من رجب سنة خمس عشرة وستمائة.
أنشدني ولده المبارك، قال: أنشدني والدي لنفسه، يمدح المولى المالك الرحيم، بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين، ملك أمراء الشرق والغرب، أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين- ثبت الله دولته، وأدام الله عليه نعمته- يهنئه بالشهر: [من الطويل]
أمولاي بدر الدِّين ذا النَّائل الغمر ... أهنِّيك يا خير البريَّة بالشَّهر
وإنَّك أهلٌ للهناء وصاحبٌ ... له غزَّة كالشَّمس والقمر البدر
وكفٌ إذا مدَّت ببذل مواهبٍ ... تقاصر عنها نائل البحر والقطر
/٢٣٢ ب/ أنا السَّائل المملوك يرجوك للَّذي ... تشرِّفه في حاله الطَّيِّ والنَّشر
فما أنا عبد عق مولا لا ولا ... عصى أمره في حالة العسر واليسر
وأنشدني، قال: أنشدني والدي فيه أيضًا: [من الكامل]
ما قام يستجلي المدام بكفَّه ... إلَّا حسبت البدر يحمل كوكبا
صنمٌ تفرَّد بالملاحة وحده ... وسواه إن ذكرت ملاحته هبا
كالملك بدر الدِّين أفرد بالنُّهى ... فغدا إلى كلِّ القلوب محبَّبا
ملك ظلت بعزِّه مستعصمًا ... فأغاثني والسَّيل قد بلغ الزُّبى
يا مالك الحدباء بشرى إنَّه ... الإقبال حولك كيف شئت تقلَّبا
[٧٠٦]
محمَّد بن سعد الله النهرديريُّ.
نهر الدير من أعمال البصرة.
أنشدني أحمد بن عبد الله بن داود المذاري، قال: أنشدني محمد بن سعد الله لنفسه: [من الكامل]
ردي عليَّ تحيةً حيِّت ... ثمَّ افعلي من بعدها ما شيت
стр. 1818
ودعي الحليَّ وحمله يا هذه ... فعن الحليِّ وحمله أغنيت
/ ٢٣٣ أ/ والله ما أزداد منك على الَّذي ... قد نالني خلِّيت أو خلِّيت
تيهي على الخفرات تيهًا فافخري ... فخرًا فما أعطين ما أعطيت
الرِّبح راح لمن شراك ورحت في ... أشراكه أرخصت أو أغليت
[٧٠٧]
محمَّد بن عليِّ بن عبد الله بن الحسين بن سندٍ، أبو عبد الله بن أبي الرضا الموصليُّ.
كان والده من الأماثل بالموصل، وذوي الثروة والجاه، وورث لولده هذا مالًا كثيرًا، فأتلفه جميعه في الخمر والفساد والقمار. وكان مبتذِّلًا في مواطن اللهو والإنعكاف عليه، حتى افتقر، ونفد ما معه، وساءت حاله، واجتدى الناس بالشعر، ومات على أقبح حال بالموصل، بطاقات سور المدينة.
أنشدني الشريف منصور بن عبد الخالق الموصلي، قال: أنشدني أبو عبد الله بن سند لنفسه، يمدح الوزير أبا المظفر عبد الباقي بن محمد بن أبي يعلى بحلب، من قصيدة أوّلها: [من الطويل]
نسيم الصَّبا إن سرت في السَّحر الأعلى ... قفي ساعةً في ساحة الشَّرف الأعلى
/ ٢٣٣ ب/ رعى الله بالميدان والكجك ليلة ... تقضت وكانت من أقاصي المنى أحلى
وحيَّا فنا الحدباء عنِّي فإنَّ لي ... بها جيرةً ما اخترت غيرهم أهلا
وكم قد تثنَّى في ثنا الثِّني أهيفٌ ... بصرف شمولٍ كأسها نظم الشَّملا
يميس قضيب البان تحت قبائه ... وشمس الضُّحى من نور طلعته خجلى
يميت إذا رام القطيعة والجفا ... ويحيي لموتاه إذا منح الوصلا
стр. 1819
[٧٠٨]
محمَّد بن أبي عليِّ بن سالمٍ، أبو بكرٍ الحلبيُّ.
وجدت له قصيدة بخط يده، يمدح بها بعض الرؤساء، أنشدنيها عنه أبو القاسم التبريزي، أولها: [من البسيط]
مرَّت على سرحة الوادي فلم تقف ... وخلَّفتني حليف الدَّمع والأسف
لمياء ما في جفون الظبي من دعجٍ ... فيها وما في قوام الغصن من هيف
يغار بدر الدُّجى منها إذ سفرت ... عن واضحٍ من محيَّاها بلا كلف
تكامل الحسن من فرعٍ إلى قدمٍ ... فيها وجلَّت معانيها عن الصَّلف
من منصفي من جفاها والهوى له ... حكمٌ معانيه عانٍ غير منتصف
/ ٢٣٤ أ/ ما كنت من قوم طالوتٍ فتأخذني ... وما عرفت سواها أخذ معترف
من لي بساخرة الألفاظ ساحرة الأ ... لحاظ تسلب قلبي سلب ملتقف
ذات المخلخل لو مرَّت نسيم صبًا ... به لأدمته من لينس ومن ترف
[٧٠٩]
محمَّد بن أبي الوفاء بن أحمد بن أبي طاهر، أبو عبد الله النحويُّ العدويُّ الموصليُّ، المعروف بابن القبيصيٍّ.
أصله من قرية من أعمال الموصل، تدعى القبيصة، شرقيها.
قرأ القرآن العزيز ببغداد بالقراءات، على القاضي أبي الفتح نصر بن علي الكيّال الواسطي؛ ثم قرأه أيضًا على جماعة من المشايخ، وأخذ علم النحو عن شيخه أبي الحرم مكي بن ريّان الماكسي، وحصل له معرفة جيدة بهذا العلم.
وتفقه على أبي القاسم يحيى بن علي بن فضلان البغدادي ببغداد، وسمع الحديث من أبي سعد بن حميه الصوفي، وتخرّج عليه جماعة في علم العربيّة والأدب بإربل والموصل، واستفادوا منه.
стр. 1820
وخرج إلى بلاد الروم فسكنها مدّة، ثم رحل عنها إلى الشام. أصله من/ ٢٣٤ ب/ أصفهان، وإنَّما نزل بعض أجداده القبيصة وتديَّرها، فنسب إليها.
وكانت ولادته في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، هاجر إلى حلب بأخرةٍ. وأقام بها مدّة، وتصدّر لإفادة علم النحو والعربية والأدب، إلا أن مات سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن من قبيلها بجوار مقام إبراهيم- ﵇.
وصنّف ثلاث مقدمات؛ مقدمة في النحو، ومقدمة في التصريف، ومقدمة في الحساب.
كان شخصًا قصيرًا، ضعيف العينين، وكان يقول شعرًا صالحًا؛ رأيته عدّة مرات ولم آخذ عنه شيئًا.
أنشدني أبو بكر بن محمد بن أمريكا الزنجانيّ، قال: أنشدني ابن القبيصيّ لنفسه، في غلام قصّاب: [من الوافر]
وأهيف قدُّه قدُّ العوالي ... ولكن خدُّه خدُّ العوالي
بمديته ومقلته تصدَّى ... لسفك دم المواشي والرِّجال
تراه قاطمًا ماظلَّ يفري ... به الأودأج خلوًا لا يبالي
فلو ردَّت وقد نهلت رضابًا ... كشهد شيب بالماء الزُّلال
إلى أعناقها من غير ذبح ... لكلِّ قام يسعى غير آل
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا من شعره: [من الوافر]
/ ٢٣٥ أ/ وريمٍ قد سقيت الرَّاح حتَّى ... أمال برأسه فرط العقار
فأقسم أنَّه لابدَّ من أن ... يريني الشَّيب في وسط النَّهار
فلمَّا أن تبسَّم قلت هذي ... نجومٌ في النَّهار بلا تماري
لقد برَّت يمينك يا حبيبي ... بما أبديت من تلك الدَّاري
وأنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزي- ﵀ قال: أنشدني ابن القبيصي لنفسه: [من البسيط]
ما لذَّة الدَّهر إلَّا الرَّاح نشربها ... أو الفم العذب مضروبًا به الضَّرب
стр. 1821
تشابها لطف خلقٍ لا شبيه له ... وطيب خلق فتمَّ الحسن والطَّرب
والورد والكأس ذا خدٌّ وذاك فمٌ ... والخمر والحبب الأرياق والشَّنب
والخدُّ والفم ذا وردٌ وذا قدحٌ ... والرِّيق والثَّغر ذا خمرٌ وذا حبب
وليلة جمعة شملي وشملهما ... وبات يرتع في ميداني الأرب
حتَّى إذا ما تشمَّت في شمائلنا ... كأس الشَّمول تمشَّى بيننا الأدب
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه: [من الخفيف]
خذ على الدَّهر إن قدرت يمينًا ... أن يديم الصَّبا وأن لا يمينا
/٢٣٥/ ما تراه قد راق روضًا وقد رقَّ نسيمًا وقد تأرَّج حينا
زمنٌ طيب وعيشٌ رقيقٌ ... وصال ما خلته أن يكونا
فكأنَّ السَّماء تنشر في الرَّو ... ض من القطر لؤلؤًا مكنونا
وكأنَّ البهار حامل أطبا ... ق نضار على سواعدنا مينا
وكأنَّ الأقأح أزرار تبرٍ كلِّلت لؤلؤاً يروق العيونا
فاغتنم لذَّة الزَّمان فليس الدَّهر كيف اعتبرته مأمونا
ونقلت من خطه، ما قاله لنفسه: [من المتقارب]
أطلعت الغواية فيما مضى ... فعاص الغواية فيما بقي
وكن في التُّقى أبدًا راغبًا ... فما إن يفوز سوى المتقي
وخالط أولي الخير تسعد بهم ... فليس السعيد كمن قد شقي
وله دوبيت مردف:
بالله ترفَّقوا بصبٍّ عاني ... فالصَّب غريب
قد ذاب فؤاده من الهجران ... والهجر مذيب
تنهلُّ دموعه من الأجفان ... والدَّمع مريب
/ ٢٣٦ أ/ قد جلَّ غرامه عن الكتمان ... فالصَّبر عجيب
وقال أيضًا: [من المتقارب]
على ذلك الخيف ظبيٌ ملول ... لعينيه في كلِّ حيٍّ قتيل
تحار إذا عاينته العيون ... وتصبو إذا عقلته العقول
стр. 1822
ويتلف جسمي بهجرانه ... وإتلاف روحي فيه قليل
تصبَّرت حتى فداني العدوُّ ... على جوره ورثى لي العذول
أميل إليه وإن ملَّني ... كذلك كلُّ محبٍّ يميل
تملَّك رقِّي فماذا يريد ... وقد حرت فيه فماذا أقول
لساني كليلٌ إذا ما وصفت ... وطرفي إذا ما رآه كليل
ونفسٌ تمكّن منها الهوى ... وجسم تمكن منه النحول
فلم يبقى من تيك إلَّا المنى ... ولم يبق من ذاك إلَّا الاليل
وقال من أبيات: [من الكامل]
دعني أمتِّع [منك] نفسي بالهوى ... ما بعد هذا الحسن حسنٌ يعشق
أرَّقتني لمّا هجرت وشقتني ... وكذاك هجرك شائقٌ ومؤرِّق
وتركتني حلف الصَّبابة مقلةٌ ... عبرى عليك ومهجةٌ تتحرَّق
/ ٢٣٦ ب/ ولقد فرقت من التَّفرق قبل أن ... يلفى ومن مثل التَّفرُّق يفرق
وشفقت من نظري عليك وربما ... كان الغنى ما كنت منه أشفق
قمرٌ له في كلِّ قلب مغربٌ ... من ناظريه وكلِّ عين مشرق
غرقت عقول الناس فيه دائمًا ... في مثل صورته تضلُّ وتغرق
وتجاوزت وصف اللَّبيب صفاته ... فلديه كلُّ أخي اجتهاد مطرق
أهوى الهوى وأذب عنه لأنَّه ... أبدًا إلى طرق العلا يتطرَّق
ويروق لي عذل العذول لأنَّه ... أغرى ليقظان الصَّبابة أشوق
ويزيد رغبتي الملام كأنَّما ... لفظ الملام على الترغُّب يطلق
[٧١٠]
محمَّد بن قيصر بن بلك، أبو عبد الله البغداديُّ.
كان شاعرًا فاضلًا، ذكيًا، ماجنًا، منتقدًا للشعر؛ سمع ذات يوم فقيهًا قد صنع قصيدة في الملك القاهر عزّ الدين، وهو ينشدها، فمرّ فيها على قوله: [من البسيط]
стр. 1823
يا أيُّها الملك السَّامي ومن شهدت ... له الخلائق حتَّى الطَّير والسَّمك
فقال للفقيه: ما كنت أعرف/ ٢٣٧ أ/ أنَّ الملك القاهرة صيَّاد إلَّا الساعة.
قدم من بغداد إلى الموصل، فأقام متفقًا بالمدرسة العمادية، وكان مدرسها يومئذ للشافعية؛ أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الموصلي. فمكث عنده، وكان يختلف إلى أبي حفص عمر بن أحمد النحوي الضرير، فيسمع عليه شيئًا من شعر أبي الطيب المتنبي، فبغته أبو المظفر، فقطع جرايته من المدرسة، فأطنب في هجائه، وهجا بنيه، وشتر بهم أبلغ التشتير، وتركهم ضحكة بين الناس؛ فبلغ من مكروه ودهائه، أنَّه لم يسمع هجاءهم إلَّا لمن كان مفرطًا في بغضهم، ومخالفًا لهم في مذهبهم. فإنَّه أسمعه الجلال أبا جعفر محمد بن إبراهيم الحنفي الرازي، ونقيب العلويين.
وبحثت عن سبب قطع خبزه، فلم أعرف في ذلك شيئًا، ثم أخبرت أنَّ السبب في ذلك، أنه كان يشيع ما يعرض للشيخ أبي المظفر بن مهاجر من اللحن.
والشيخ- ﵀ كان قد فطره الله على اللحن، وترك علم الإعراب، وله في ذلك أخبار عجيبة ولبنية.
أخبرني الإمام أبو عبد الله أحمد بن الحسين النحوي، قال: أخبرني شيخي أبو حفص النحوي، قال: لما: ٢٣٧ ب/ قدم الشيخ أبو المظفر من مكة، مضيت لأهنئه بالقدوم؛ فحدثني ابنه أحمد الذي كان معه، أنه رأى مغربيًا بمكّة، مجاورًا يحفظ سيبويه هكذا لفظ به، ابن الشيخ، ولم أر أحدًا من العامة يقول إلّا سيبويه. فالعجب من عالم تقصر فطرته عن عامي.
وجمع هجاءهم في جزء، ووسمه ((برياضة الخاطر في هجاء ابن مهاجر))، وفيه هجاء مقذع، وكلام قبيح، وقول فاحش بذيء لا يليق سطره في هذا الكتاب، ولو وجدت له غير ذلك لأثبته.
стр. 1824
أنشدني أبو عبد الله النحوي، قال: أنشدني محمد بن قيصر لنفسه: [من الكامل]
درست رسوم الفقه أيَّ دروس ... مذ أهَّلوك لمنصب التَّدريس
وبكى عليه الشَّافعيُّ وكيف لا ... يبكي وقد أفضى إلى إبليس
تبًا لدهر صرت فيه مدرِّسًا ... من بعد رعي الثَّور والجاموس
قد نلت مالًا كنت تأمل عشره ... فحويته بالنَّصب والتَّدليس
عجبًا تعاف الضَّأن شبعًا أكلت ... وتبيت طاويةً أسود الخيس
إن كانت الأرزاق تقسم هكذا ... أبدًا ............
وقال أيضًا/ ٢٣٨ أ/ يعتذر عن ترك هجاء علوان وولده: [من السريع]
ولائم يوجعني عتبا ... ولم أكن مقترفًا ذنبا
يقول لم لم تهج علوان أو ... توسعه ثلبًا ولا سبَّا
فقلت ما أقعد عن هجوه ... عتبًا ولا خوفًا ولا حبّا
لكنَّه كلبٌ وهل شاعرٌ ... سمعته قطُّ هجا كلبا
وقال أيضًا، يخاطب رجلًا من قصيدةٍ امتدحه بها شكرًا على يد أسداها إليه:
[من الخفيف]
صنت وجهي عن بذله لوجوه ... ليس تندى لؤما ويندى الصخر
بأكفٍّ في البحر لو غمسوها ... كدَّرت صفوه وغاض البحر
ورثوا اللُّؤم عن جدودٍ لئامٍ ... لا سقى تربةً ثووها القطر
وقال من قصيدة، امتدح بها الجلال الحنفي: [من الخفيف]
كيف ألحى ظلمًا بلومٍ أليم ... بعد أن أصبح الغرام غريمي
صنت دين النَّبيِّ عن ناس سوء ... حرَّفوه جهلًا بقول أثيم
/ ٢٣٨ ب/ لبسوا الفقه جاهلين بفرقً ... بين منع الدَّليل والتَّسليم
ويح نفسي أنا رضيت وغضَّ الرَّوض لي مملقٌ برعي الهشيم
وورود السَّراب والبحر مورو ... دٌ ونبع المحمود والمذموم
стр. 1825
ليس ديني صبرًا على الذُّل كلَّا ... لا أريد الدُّنيا بعيشٍ ذميم
غير أنَّ القضاء في كلِّ حالٍ ... عجبٌ غير مدركٍ مفهوم
[٧١١]
محمَّد بن محمَّد بن أحمد، أبو الفضل المرنديُّ النحويُّ الأديب.
كان شيخًا مقدمًا في علم النحو والعربية، وصدرًا في معرفة اللغة والأشعار، كثير الحفظ، واسع المعرفة. وكان ينظر شعرًا باردًا، في ألفاظه تعسف.
أنشدني الخطيب الفقيه أبو بكر بن جبريل بن عبد الجليل الأزهري، قال: أنشدني محمد بن محمد المرندي لنفسه، ما كتبه إلى القاضي محيي الدين، قاضي مرند، يشكو إليه حاله:
كيف للحوت بغير الماء ... قلقا يشوى على الرَّمضاء
كيف للصبِّ ولكن له ... طمَّه الثَّلج على الأنداء
/ ٢٣٩ أ/ كيف للداء الذي له ... وللمراق رمين الدَّاء
كيف للطفل فطام لبنًا ... وفراق الشَّمس للجرباء
كيف محمودٌ لدى غلَّته ... كيف مخمورٌ بلا صهباء
كيف ظمانٌ ولا ماء له ... وهو في دغدغة استسقاء
كيف مجنونٌ وليلاه نأت ... ونوى الوامق والعذراء
كيف للظبي ويناه طلا ... كابر الآساد في البيداء
كيف للروضة هجران صبًا ... وهي قد تبدل بالنَّكباء
كيف للنملة سهلًا جرها ... حبلًا في خطَّةٍ عسراء
في سحيق في سفا مخلولق ... في محاكي قلَّة شمَّاء
صرت مأخوذًا بقاف عنوةً ... فاعترتني رنَّة الفأفاء
وهي قصيدة طويلة، ويكفي هذا القدر منها.
следующие страницы →