Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
تشابها لطف خلقٍ لا شبيه له ... وطيب خلق فتمَّ الحسن والطَّرب
والورد والكأس ذا خدٌّ وذاك فمٌ ... والخمر والحبب الأرياق والشَّنب
والخدُّ والفم ذا وردٌ وذا قدحٌ ... والرِّيق والثَّغر ذا خمرٌ وذا حبب
وليلة جمعة شملي وشملهما ... وبات يرتع في ميداني الأرب
حتَّى إذا ما تشمَّت في شمائلنا ... كأس الشَّمول تمشَّى بيننا الأدب
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه: [من الخفيف]
خذ على الدَّهر إن قدرت يمينًا ... أن يديم الصَّبا وأن لا يمينا
/٢٣٥/ ما تراه قد راق روضًا وقد رقَّ نسيمًا وقد تأرَّج حينا
زمنٌ طيب وعيشٌ رقيقٌ ... وصال ما خلته أن يكونا
فكأنَّ السَّماء تنشر في الرَّو ... ض من القطر لؤلؤًا مكنونا
وكأنَّ البهار حامل أطبا ... ق نضار على سواعدنا مينا
وكأنَّ الأقأح أزرار تبرٍ كلِّلت لؤلؤاً يروق العيونا
فاغتنم لذَّة الزَّمان فليس الدَّهر كيف اعتبرته مأمونا
ونقلت من خطه، ما قاله لنفسه: [من المتقارب]
أطلعت الغواية فيما مضى ... فعاص الغواية فيما بقي
وكن في التُّقى أبدًا راغبًا ... فما إن يفوز سوى المتقي
وخالط أولي الخير تسعد بهم ... فليس السعيد كمن قد شقي
وله دوبيت مردف:
بالله ترفَّقوا بصبٍّ عاني ... فالصَّب غريب
قد ذاب فؤاده من الهجران ... والهجر مذيب
تنهلُّ دموعه من الأجفان ... والدَّمع مريب
/ ٢٣٦ أ/ قد جلَّ غرامه عن الكتمان ... فالصَّبر عجيب
وقال أيضًا: [من المتقارب]
على ذلك الخيف ظبيٌ ملول ... لعينيه في كلِّ حيٍّ قتيل
تحار إذا عاينته العيون ... وتصبو إذا عقلته العقول
стр. 1822
ويتلف جسمي بهجرانه ... وإتلاف روحي فيه قليل
تصبَّرت حتى فداني العدوُّ ... على جوره ورثى لي العذول
أميل إليه وإن ملَّني ... كذلك كلُّ محبٍّ يميل
تملَّك رقِّي فماذا يريد ... وقد حرت فيه فماذا أقول
لساني كليلٌ إذا ما وصفت ... وطرفي إذا ما رآه كليل
ونفسٌ تمكّن منها الهوى ... وجسم تمكن منه النحول
فلم يبقى من تيك إلَّا المنى ... ولم يبق من ذاك إلَّا الاليل
وقال من أبيات: [من الكامل]
دعني أمتِّع [منك] نفسي بالهوى ... ما بعد هذا الحسن حسنٌ يعشق
أرَّقتني لمّا هجرت وشقتني ... وكذاك هجرك شائقٌ ومؤرِّق
وتركتني حلف الصَّبابة مقلةٌ ... عبرى عليك ومهجةٌ تتحرَّق
/ ٢٣٦ ب/ ولقد فرقت من التَّفرق قبل أن ... يلفى ومن مثل التَّفرُّق يفرق
وشفقت من نظري عليك وربما ... كان الغنى ما كنت منه أشفق
قمرٌ له في كلِّ قلب مغربٌ ... من ناظريه وكلِّ عين مشرق
غرقت عقول الناس فيه دائمًا ... في مثل صورته تضلُّ وتغرق
وتجاوزت وصف اللَّبيب صفاته ... فلديه كلُّ أخي اجتهاد مطرق
أهوى الهوى وأذب عنه لأنَّه ... أبدًا إلى طرق العلا يتطرَّق
ويروق لي عذل العذول لأنَّه ... أغرى ليقظان الصَّبابة أشوق
ويزيد رغبتي الملام كأنَّما ... لفظ الملام على الترغُّب يطلق
[٧١٠]
محمَّد بن قيصر بن بلك، أبو عبد الله البغداديُّ.
كان شاعرًا فاضلًا، ذكيًا، ماجنًا، منتقدًا للشعر؛ سمع ذات يوم فقيهًا قد صنع قصيدة في الملك القاهر عزّ الدين، وهو ينشدها، فمرّ فيها على قوله: [من البسيط]
стр. 1823
يا أيُّها الملك السَّامي ومن شهدت ... له الخلائق حتَّى الطَّير والسَّمك
فقال للفقيه: ما كنت أعرف/ ٢٣٧ أ/ أنَّ الملك القاهرة صيَّاد إلَّا الساعة.
قدم من بغداد إلى الموصل، فأقام متفقًا بالمدرسة العمادية، وكان مدرسها يومئذ للشافعية؛ أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الموصلي. فمكث عنده، وكان يختلف إلى أبي حفص عمر بن أحمد النحوي الضرير، فيسمع عليه شيئًا من شعر أبي الطيب المتنبي، فبغته أبو المظفر، فقطع جرايته من المدرسة، فأطنب في هجائه، وهجا بنيه، وشتر بهم أبلغ التشتير، وتركهم ضحكة بين الناس؛ فبلغ من مكروه ودهائه، أنَّه لم يسمع هجاءهم إلَّا لمن كان مفرطًا في بغضهم، ومخالفًا لهم في مذهبهم. فإنَّه أسمعه الجلال أبا جعفر محمد بن إبراهيم الحنفي الرازي، ونقيب العلويين.
وبحثت عن سبب قطع خبزه، فلم أعرف في ذلك شيئًا، ثم أخبرت أنَّ السبب في ذلك، أنه كان يشيع ما يعرض للشيخ أبي المظفر بن مهاجر من اللحن.
والشيخ- ﵀ كان قد فطره الله على اللحن، وترك علم الإعراب، وله في ذلك أخبار عجيبة ولبنية.
أخبرني الإمام أبو عبد الله أحمد بن الحسين النحوي، قال: أخبرني شيخي أبو حفص النحوي، قال: لما: ٢٣٧ ب/ قدم الشيخ أبو المظفر من مكة، مضيت لأهنئه بالقدوم؛ فحدثني ابنه أحمد الذي كان معه، أنه رأى مغربيًا بمكّة، مجاورًا يحفظ سيبويه هكذا لفظ به، ابن الشيخ، ولم أر أحدًا من العامة يقول إلّا سيبويه. فالعجب من عالم تقصر فطرته عن عامي.
وجمع هجاءهم في جزء، ووسمه ((برياضة الخاطر في هجاء ابن مهاجر))، وفيه هجاء مقذع، وكلام قبيح، وقول فاحش بذيء لا يليق سطره في هذا الكتاب، ولو وجدت له غير ذلك لأثبته.
стр. 1824
أنشدني أبو عبد الله النحوي، قال: أنشدني محمد بن قيصر لنفسه: [من الكامل]
درست رسوم الفقه أيَّ دروس ... مذ أهَّلوك لمنصب التَّدريس
وبكى عليه الشَّافعيُّ وكيف لا ... يبكي وقد أفضى إلى إبليس
تبًا لدهر صرت فيه مدرِّسًا ... من بعد رعي الثَّور والجاموس
قد نلت مالًا كنت تأمل عشره ... فحويته بالنَّصب والتَّدليس
عجبًا تعاف الضَّأن شبعًا أكلت ... وتبيت طاويةً أسود الخيس
إن كانت الأرزاق تقسم هكذا ... أبدًا ............
وقال أيضًا/ ٢٣٨ أ/ يعتذر عن ترك هجاء علوان وولده: [من السريع]
ولائم يوجعني عتبا ... ولم أكن مقترفًا ذنبا
يقول لم لم تهج علوان أو ... توسعه ثلبًا ولا سبَّا
فقلت ما أقعد عن هجوه ... عتبًا ولا خوفًا ولا حبّا
لكنَّه كلبٌ وهل شاعرٌ ... سمعته قطُّ هجا كلبا
وقال أيضًا، يخاطب رجلًا من قصيدةٍ امتدحه بها شكرًا على يد أسداها إليه:
[من الخفيف]
صنت وجهي عن بذله لوجوه ... ليس تندى لؤما ويندى الصخر
بأكفٍّ في البحر لو غمسوها ... كدَّرت صفوه وغاض البحر
ورثوا اللُّؤم عن جدودٍ لئامٍ ... لا سقى تربةً ثووها القطر
وقال من قصيدة، امتدح بها الجلال الحنفي: [من الخفيف]
كيف ألحى ظلمًا بلومٍ أليم ... بعد أن أصبح الغرام غريمي
صنت دين النَّبيِّ عن ناس سوء ... حرَّفوه جهلًا بقول أثيم
/ ٢٣٨ ب/ لبسوا الفقه جاهلين بفرقً ... بين منع الدَّليل والتَّسليم
ويح نفسي أنا رضيت وغضَّ الرَّوض لي مملقٌ برعي الهشيم
وورود السَّراب والبحر مورو ... دٌ ونبع المحمود والمذموم
стр. 1825
ليس ديني صبرًا على الذُّل كلَّا ... لا أريد الدُّنيا بعيشٍ ذميم
غير أنَّ القضاء في كلِّ حالٍ ... عجبٌ غير مدركٍ مفهوم
[٧١١]
محمَّد بن محمَّد بن أحمد، أبو الفضل المرنديُّ النحويُّ الأديب.
كان شيخًا مقدمًا في علم النحو والعربية، وصدرًا في معرفة اللغة والأشعار، كثير الحفظ، واسع المعرفة. وكان ينظر شعرًا باردًا، في ألفاظه تعسف.
أنشدني الخطيب الفقيه أبو بكر بن جبريل بن عبد الجليل الأزهري، قال: أنشدني محمد بن محمد المرندي لنفسه، ما كتبه إلى القاضي محيي الدين، قاضي مرند، يشكو إليه حاله:
كيف للحوت بغير الماء ... قلقا يشوى على الرَّمضاء
كيف للصبِّ ولكن له ... طمَّه الثَّلج على الأنداء
/ ٢٣٩ أ/ كيف للداء الذي له ... وللمراق رمين الدَّاء
كيف للطفل فطام لبنًا ... وفراق الشَّمس للجرباء
كيف محمودٌ لدى غلَّته ... كيف مخمورٌ بلا صهباء
كيف ظمانٌ ولا ماء له ... وهو في دغدغة استسقاء
كيف مجنونٌ وليلاه نأت ... ونوى الوامق والعذراء
كيف للظبي ويناه طلا ... كابر الآساد في البيداء
كيف للروضة هجران صبًا ... وهي قد تبدل بالنَّكباء
كيف للنملة سهلًا جرها ... حبلًا في خطَّةٍ عسراء
في سحيق في سفا مخلولق ... في محاكي قلَّة شمَّاء
صرت مأخوذًا بقاف عنوةً ... فاعترتني رنَّة الفأفاء
وهي قصيدة طويلة، ويكفي هذا القدر منها.
стр. 1826
[٧١٢]
محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن قدامة، أبو عمرٍو المقدسيُّ.
وهو أخو الشيخ الموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد.
وأبو عمرو كان من الشيوخ الصالحين الأولياء العاملين، إمام وقته/ ٢٣٩ ب/ في الزهد والورع. وكان يقطع ليله تسبيحًا وتهجُّدًا، ولم يزل في علمه وعمله حظيًا مجتهدًا.
عمّر إلى أن جاوز التسعين عامًا. وكانت أنفاسه تحية من الله وسلامًا.
أنشدني أبو الفضل عمر بن علي بن هبرة، قال: أنشدني أبو عمرو لنفسه:
[من الطويل]
ألم يك منهاةً عن اللَّهو أنَّني ... بدا لي شيبٌ الرَّأس والضَّعف والألم.
ألَّم بي الخطب الَّذي لو بكيته ... زماني حتَّى ينفد الدَّمع لم ألم
[٧١٣]
محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن أبي الفضل السُّلميُّ، أبو عبد الله المرسي النحويُّ المقرئ المتكلم الأديب الفقيه المالكي الأصوليُّ.
стр. 1827
صنّف التصانيف، وخرّج التخاريج.
رحل إلى بلاد خراسان، ووصل إلى مرو الشاهجان، ولقي مشايخ العلم، ورجال الأدب، وجال في بلاد الشام والعراق، وجاور بمدينة الرسول ﷺ وأقام بها على الدراسة والتعليم.
وهو أحد الأدباء المعدومين، من جملة الأئمة الأعيان، سلك طريق النسك والاجتهاد، وآثر العزلة عن الناس والإنفراد، /٢٤٠ أ/ جامع لأشتات العلوم، حائز، ضارب فيها بسهم فائز، يتكلم فيها بعقل صائب، وذهن ثاقب.
ثم إنّه يقوم بعلم تفسير القرآن، وعلوم الصوفية، أحسن قيام، تكلّم على كتاب المفضل لأبي القاسم الزمخشري، وأخذ عليه عدة مواضع، وعمل كتابًا في تفسير القرآن المجيد، لم يصنف أحد من العلماء المتقدمين مثله، أورد فيه أشياء والتزمها؛ ولم يذكر غيره ممن كان له عناية بهذا الشأن.
وكان مولده سنة سبعين وخمسمائة. شاهدته شيخًا بدار الحديث، بمدينة حلب، يوم الأحد الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
стр. 1828
وأنشدني لنفسه هذه المقطعات: [من الكامل]
قالوا محمَّد قد كبرت وقد أتى ... داعي الحمام وما اهتممت بزاد
قلت الكريم من القبيح لضيفه ... عند القدوم مجيؤه بالزَّاد
وقال وقد تماروا عنده في الصفات: [من الكامل]
من كان يرغب في النَّجاة فما له ... غير اتِّباع المصطفى فيما أتى
ذاك السَّبيل المستقيم وغيره ... سبل الغواية والضَّلالة والرَّدى
فاتبع كتاب الله والسُّنن الَّتي ... صحِّت فذاك إذا اتَّبعت هو الهدى
/ ٢٤٠ ب/ ودع السُّؤال بكم وكيف فإنَّه ... من باب بحر ذوي البصيرة والعمى
الدِّين ما قال الرَّسول وصحبه ... والتَّابعون ومن مناهجهم قفا
وقال ملغزًا في شخص اسم يحيى: [من الطويل]
أبثُّك ما بالقلب من لوعة الحبِّ ... وما قد جنت تلك اللَّحاظ على لبِّي
أعارتني السُّقم الَّذي بجفونها ... ولكن غدا سقي على سقمها يربي
على أنَّني في بثِّك الحبَّ مثل من ... يبوح بما في الصَّدر منه إلى القلب
أما وهواك المذهبي إنَّ مهجتي ... مقسَّمةٌ بين الصَّبابة والكرب
وإنِّي ما ذقت الكرى مذ نسيتني ... وما حال من يصبو إذا صدًّ من يصبي
كتمت الَّذي بي من هواك عن الورى ... على أنَّ دمعي ذو ولوع بأن ينبي
ولكن سأبديه إليك لأنَّني ... أرى ذلك الإبداء من سنَّة الحبِّ
صبا بفؤادي نحوك اثنان سؤددٌ ... وحسنٌ فعذرٌ واحدٌ منهما يصبي
فديتك من قاضٍ عليَّ لو أنَّه ... يعدِّي اسمه لي ما قضيت أسى النَّحب
стр. 1829
ودونكها بكرًا لها من حبابها ... رداءٌ أتت فيه مروَّعة السِّرب
فمدَّ لها كفّا فمنك حياؤها ... ولا تبدينها فهي من ذاك في رعب
وقال: [من الطويل]
/ ٢٤١ أ/ تقبَّل أبا بكر كتابًا وهبته ... كقلبي لا أبغي إليَّ إيابه
وطبت به نفسًا فخذه بمثل ما ... غدا آخذًا يحيى النبيُّ كتابه
وقال أيضًا: [من الطويل]
فؤادٌ كما شاء الحبيب الَّذي يهوى ... يسعِّر فيه النَّار وهو له مثوى
وجسمٌ براه الحبُّ إلَّا أقلَّه ... ويحمل ما ينهدُّ من حمله رضوى
بليت بداني الدَّار ناء بهجره ... ولي صبر أيُّوب على هذه البلوى
على أن صبري كلَّما زاد قوَّة ... تلقَّته من هجرانه هجرةٌ أقوى
إلى الله أشكو لا إليه لأنَّني ... شكوت له حالي فلم تنفع الشَّكوى
طبيبٌ إذا استشفيته قال لي: اصطبر ... أسى الحبِّ داءٌ لست تلفي له أسوا
وماؤٌ ولكن كدت يهلكني الصَّدى ... فيا ماء هل لي من سبيل لأن أروى
وقالوا الهوى شهدٌ وصابٌ فذقته ... فألفيته مرًا ولم ألفه حلوا
ولو أنَّ ما لاقيت منه أبثُّه ... لكان حديثي فيه أعجب ما يروى
فرفقًا بصبٍّ كلَّما قيس حبُّه ... بحبِّ سواه كان كلُّ هوًى دعوى
يرى حبَّكم فرضًا تأكد حكمه ... ولكنَّ فرضًا ليس يحتمل السَّهوا
[٧١٤]
محمَّد بن يحيى بن أبي دلف/ ٢٤١ ب/ بن خشرم- بضم الخاء المعجمية من فوقها، وتسكين المهملة وبعدها ياء مهملة- أبو عبد الله البغدادي الواعظ المعروف بالشاعر.
واعظ حسن، له قبول عند طائفة من الناس، شاهدته عدّة مرَّات في سنة اثنتين
стр. 1830
وثلاث وعشرين وستمائة، بمدينة السلام، في أيام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد- ﵁ يعظ الناس بباب البدرية، ولم يقدَّر لي الاجتماع به، لأعلق عنه من شعره.
ثم بعد ذلك انحدرت إلى بغداد في سنة تسع وثلاثين وستمائة، ولقيته بها؛ فاستنشدته فأنشدني أواخر ربيع الآخر من السنة السابق ذكرها، يمدح الإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين- صوات الله عليه-: [من السريع]
خليفة الله أبو نصر ... مؤيّدٌ بالعزِّ والنَّصر
من صفوة الله بني هاشم ... الطَّيِّبين الأصل والذِّكر
أصبح وجه الدَّهر مستبشرًا ... بوجهك المستحسن البشر
وظلَّت الشمسة شمس الضُّحى ... فيه وأبدت طلعة البدر
ومنها قوله:
وهو عليه بردة المصطفى ... وتاجه نور أبي بكر
/ ٢٤٢ أ/ ورحت من طيب مناجاته ... أهزُّ عطفيَّ من الشُّكر
وظلت في ظلِّ بساتينه ... أخطر في روضاته الخضر
كأنَّني أخطر في جنَّة ... أنهارها من تحتها تجري
لكلِّ شيء ثمرٌ يجتنى ... منه وهذا ثمر الصَّبر
هذا كتابه دائما ... ندعو له في جامع القصر
فانبسط السُّنِّيُّ في عصره ... وغيره في القبض والعصر
إنَّ أمير المؤمنين اشترى ... حسن ثناء الخلق بالتِّبر
ففاز بالرِّبح وحاز العلا ... من ذا الَّذي يبتاع بالسِّعر
وأرخص البرَّ بإنعامه الـ ... ـهامي وهذا غاية البرِّ
لم أر أبهى قطُّ من وجهه ... كأنَّه يوسف في مصر
أنتم بني العباس ساداتنا ... نطيعكم في السِّرِّ والجهر
طاعتكم بالنصِّ مفروضةُّ وأنتم حقًا أولو الأمر
стр. 1831
عش ألف عامٍ يا إمام الهدى ... ما أنت إلَّا غرَّة الدَّهر
وانشر لواء الحمد في ذروة الـ ... ـعلياء بين الحمد والشكر
ما روَّحت ريح الصَّبا نسمةً ... وروَّحتها نسمة الفجر
/ ٢٤٢ ب/ تبت من الشِّعر ولكنَّني ... في حبِّه عدت إلى الشِّعر
وأنشدني أيضًا من شعره، من أبيات أولَّها: [من الطويل]
بلي ببلاء الصَّبِّ من عذل الصَّبا ... فما لامه إلَّا وما عرف الحبَّا
ولم يبقى حبُّ العامريَّة لي ذمًا ... يرام ولا سمعًا يلام ولا لبَّا
أغالط عذَّالي فأذكر عزَّةً ... ولبنى وأعني في ضميري الكنى عتبا
كلانا نصون الحبَّ خوف وشاته ... فأنظمه شكوى وتنثره عتبا
وأنشدني أيضًا لنفسه، من أبيات، يمدح بها النبي ﷺ : [من الوافر]
أنارٌ أم سنى برق أنارا ... فأذكى في قلوب الركب نارا
تسامى يمنة العلمين وهنًا ... ضريمًا ما ورى حتَّى توارى
يفوت تتابع اللَّحظات سبقًا ... ويأخذ من بيوت الزَّنج نارا
عشيَّة كلُّ من في الرَّكب حيرى ... فلو مرَّ الهدى بهم لحارا
فبينا نحن في سجف الدَّياجي ... على الأحداج نرتقب النَّهارا
كوجهك يا رسول الله لمَّا ... سفرت على زمانك فاستنارا
بك افتخرت قريشٌ في البرايا ... أفضحت تملأ الدنيا افتخارا
/ ٢٤٣ أ/ ولولا سعد جدِّك لم يعدُّوا ... معدَّا في الجدود ولا نزارا
سبقت إلى العلا وسمعت أقصى ... نهايتها فشأوك لا يجاري
معال أصبح الفصحاء فيها ... ووصف صفاتك العليا حيارى
فمدحك لا تحيط به البرايا ... ولو جعلوا مدادهم البحارا
стр. 1832
[٧١٥]
محمَّد بن يوسف بن أبي بكر بن بقاء، أبو عبد الرحمن الموصليُّ.
كان شابًا ذكيًا من حفاظ القرآن، ومن أهل الفقه؛ وأخذ طرفًا من علم الحساب والفرائض، وله شعر حسن، رأيته ولم أكتب عنه من شعره شيئًا، لتوانٍ لحقني.
أنشدني أبو الفضل العباس بن ثروان بن طرخان الموصلي، قال: أنشدني أبو عبد الرحمن محمد بن يوسف لنفسه، يمدح الصاحب الوزير أبو البركات المبارك بن أحمد المستوفي- رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
بي من لحاظك جرحٌ أنت مرهمه ... وفي الحشا منك وجدٌ أنت تعلمه
أخفيت حبَّك جهدي أن أبوح به ... فأعرب الدَّمع ما قد أعجمه
/ ٢٤٣ ب/ ومن جوارحه تبدي مفاضحه ... إذا طرا الحبُّ قل لي كيف أكتمه
لا غرو أن مات من يهوى الملاح جوًى ... أو دام في حبِّ فتان يتيِّه
ما أعذب الحبَّ ما أحلى مغبَّته ... لو أنَّ أيدي النَّوى منهًا تسلِّيمه
ترى يبلُّ غليلٌ من صدى دنف ... أم هل يبلُّ عليلُّ عزَّ مرهمه
لجدَّه الوجد في أحشائه قدمٌ ... وإنَّ أقتل داء الحبِّ أقدمه
جفاه كل حبيب كان يألفه ... وملَّه كلّ خلٍّ كان يرحمه
فعاد ليس له بين الورى أملٌ ... في الجود إلَّا ابن موهوب مقدِّمه
[٧١٦]
محمَّد بن حيدر بن مسعود بن محمَّدٍ، أبو عبد الله الأصفهانيُّ الأصل، الموصليُّ المنشأ والمولد.
قدم أبوه مع الملك السلجقي الموصل، من أصفهان.
ونشأ محمد ولده وأحبّ الأدب، فصحب الشيخ أبا الحرم مكي بن ريّان النحوي الماكسي مدّة، وقرأ عليه النحو واللغة والأدب والأشعار، حتى تميّز من بين تلاميذه
стр. 1833
وكان ذا فضل ومعرفة، وكان نزقًا شرسًا، سريع الغضب، في طبعه/ ٢٤٤ أ/ جفاء، بسفّه على من يخاطبه، خرج عن الموصل إلى ديار بكر، واتصل بجماعة من ملوكها.
ثم انقطع آخرًا بالملك المسعود ركن الدين مودود بن محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سليمان بن أرتق بامد سلطانها. ولم يزل في خدمته، يفيد الناس علم النحو والأدب إلى أن مات بجباني في أوائل شهر الله رجب سنة ست وعشرين وستمائة.
ومن شعره، يمدح الأمير فخر الدين أبا إسحاق إبراهيم بن سعد بن عمار المهلبي- رحمه الله تعالى- وذلك في سنة تسع وثمانين وخمسمائة، من قصيدة:
[من الكامل]
ما راغ عنك على عظيم بلائه ... قلبٌ أحلَّك منه في سودائه
قسمًا بمن أمَّت زيارة بيته ... أممٌ تحاول من جزيل عطائه
وبمهجتي غفرت جرائم من به ... يدعو الإله تبهُّلًا بفنائه
يفديك من لحن الزَّمان وصرفه ... بك مغرمٌ يفنى ومن برحائه
ومن مديحها يقول:
لك يا أبا إسحاق رقِّي فاحتكم ... أنت الَّذي أنا منه في آلائه
فخرت بفخر الدِّين آراءٌ له ... إذ هنَّ فيه ولسن في نظرائه
/ ٢٤٤ ب/ لو أنَّ من منح السناء بعقله ... والمجد كان على ذرى علوائه
صومٌ يبشِّرك الصِّيام بمثله ... ألفًا وفطرٌ ناطقٌ بإزائه
[٧١٧]
محمَّد بن خلف بن راجح بن بلال بن عيسى، أبو عبد الله المقدسي الأصل، الدمشقي المولد والدار.
стр. 1834
كان رجلًا صالحًا متدينًا، سمع بدمشق أبا المكارم عبد الواحد بن محمد بن المسلم. كان من فقهاء الحنابلة؛ محدّثًا عالمًا مناظرًا، حسن العلم والكلام، عارفًا بالتفسير.
تفقه بمدينة السلام، وسمع الحديث من شهدة بنت الأبري، وابن تغوبا [وأبي محمد بن الخشاب، وأبي الحسين عبد الحقّ بن عبد الخالق بن يوسف] وغيرهم. وعاد إلى دمشق؛ حدّث بمسند مسدد بن مسرهد، عن أبي الحسن علي بن المبارك بن تغوبا، ووعظ الناس.
وتوفي في أواخر صفر سنة ثماني عشرة وستمائة. وكانت ولادته في سنة خمسين وخمسمائة.
رأيت له هذه الأبيات، رواها عنه إنشادًا من لفظه أحمد بن الحمزة أبو الحسين السلمي العدل: [من الكامل]
قربت وحانت أوبة التَّرحال ... عن هذه الدُّنيا بلا إشكال
/ ٢٤٥ أ/ الأرض قد منعت كلاها والسَّما ... ضنَّت وذلك رائد الأهوال
ظهر الفساد ببرِّها وببحرها ... وتنكَّرت أحوالها في الحال
لم يبق في الدُّنيا جميلٌ ظاهرٌ ... إلَّا أقاصيص الزَّمان الخالي
هل في الورى متيقِّظ متحفِّظٌ ... يدع التَّواني عنه في الأعمال
[٧١٨]
محمَّد بن المظفر بن عمر بن الحسين بن المظفر، أبو طاهرٍ- من أهل قزوين- الفقيه الشافعي الواعظ.
نزيل منبج، المدعو بالناصح.
стр. 1835
كانت ولادة أبيه بقزوين، سنة ثلاثين وستين وخمسمائة. قدم منبج، واستقر بها مقامه، وأولد بها.
وكان فقيهًا عالمًا أصوليًا شاعرًا، يعرف الخلاف والحديث والمذهب والتفسير والنحو واللغة والأدب. وتوفي بمنبج في شهر شوال سنة إحدى عشرة وستمائة.
وكان يعظ الناس على أسلوب وعظ العجم؛ بملاحة إشارة، ولطافة عبارة.
وكان فصيحًا في إنشاده، وصحب جماعة في أسفاره من المشايخ المشهورين المعتبرين. وكان أكثر اعتماده في الاشتغال والصحبة على قطب الدين بن أبي المعال/ ٢٤٥ ب/ مسعود بن محمد النيسابوري الفقيه الشافعي- ﵄ وكان يذكر الدليل من يديه، والأئمة يحضرونه- وهو صغير السن- وأنجب على يديه. وكان يتعجب من فرط ذكائه، ويؤيد دليله.
ومن شعره ما أنشدنيه ولده المذكور: [من الرجز]
اذكره ومض البروق الأبرقا ... فأمطر الأجفان سحّا غرقا
هاج له الوجد دعاء ورقه ... على غصون بانه تشوُّقا
اله أنشده يمين منشد ... وقل له قل لي متى يوم الِّقا
ولائمٍ لام على تجلُّدي ... ما درى أنِّي أداري الحرقا
يقول لي دمعك جفَّ أورقا ... فلا رقا دمعك جفَّ أورقا
أإن صبرت جلدًا أو سلوه ... فما رعيت للغرام موثقا
يا لك من قاسي الفؤاد أكذا ... جزيت بعد البين جيران النَّقا
ماذا أقول إن جرى ذكركم ... في أرضهم مات لكم طول البقا
стр. 1836
[٧١٩]
محمَّد بن لؤيِّ بن محمَّد بن عبد الله، أبو منصور بن أبي محمَّدٍ القرشيُّ.
من الشعراء/ ٢٤٦ أ/ البغداديين المتسمِّين بخدمة الديوان العزيز الخليفتيّ- مجّده الله تعالى- وله المدائح الكثيرة في الناصر لدين الله أبي العباس أحمد- رحمه الله تعالى- ومدح الظاهر بأمر الله، وكذلك المستنصر بالله.
وقد ذكرت والده في كتاب ((تحفة الوزراء المذيل على معجم الشعراء))، وكان أبو منصور ينشد في الهنآت وغيرها.
كتب عنه شيخنا أبو عبد الله محمد بن سعد بن الدبيثي، وأبو عبد الله محمد بن محمود ابن الحسن بن النجار البغدادي الحافظان؛ إلَّا أنَّ شعره نازل لا حلاوة عليه.
وكانت ولادته- فيما ذكر أبو عبد الله الدبيثي- في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وأخبرني أبو عبد الله بن النجار البغدادي بها، قال: مولد أبي منصور في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وتوفي إما في سنة خمس أو ستٍّ وثلاثين وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار البغدادي، قال: أنشدني أبو منصور لنفسه من أبيات: [من الخفيف]
تاه بالحسن شادنٌ عربيُّ ... صار في القلب منه داءٌ دويُّ
بدر تمٍّ يسعى بغنج لحاظٍ ... ساحراتٍ وسحرها بابليُّ
/ ٢٤٦ ب/ يخجل البدر خاطرًا حين يبدو ... وجهه المشرق البهيُّ المضيُّ
بعذارٍ كالنَّمل دبَّ على العا ... ج ولكن له دبيبٌ خفيُّ
стр. 1837
رشاٌ جسمه أرقُّ من الما ... ء وأندى قلبه جلمديُّ
أنا من عظم هجره مستجيرٌ ... بجوادٍ له النَّبيُّ سميُّ
[٧٢٠]
محمَّد بن عبد الجليل بن أبي المجد بن أبي الفوارس التاجر الدمشقيُّ، أبو عبد الله.
ولد ببغداد، ونشأ بها، وقرأ القرآن، وتفقه بالمدرسة النظامية، وكتب بخطه الكتب الكبار في الفقه. وسمع الحديث من جماعة. ثم اشتغل بالكسب والتجارة، وسافر إلى الشام عدّة نوب.
قال محبّ الدين: سمع معنا الحديث؛ وهو أحد رفقائنا وأترابنا ربينا معه في المكتب، وفي قراءة الأدب، وسماع الحديث، ولم تر عيناي صاحبًا أسلم جانبًا منه في سفري وحضري، ولا أتم مروءة، ولا أصدق إخاءً، ولا أحفظ منه العهود، وحقوق الصحبة.
علقت عنه شيئًا من الشعر له، ولغيره/ ٢٤٧ أ/ في المذاكرة، وسألته عن مولده، فقال: في يوم الأربعاء مستهل ربيع الآخر سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد.
قال: وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
قلبي إليكم من السَّاعات مشتاق ... ودمع عيني على خدَّيَّ مهراق
والجسم من بعدكم حلف الضَّنى أبدًا ... إذا ابتدا يتثنَّى وهو حرَّاق
صلوا لديغ صدودٍ في محبَّتكم ... قصدُّكم موته والوصل ترياق
يا عاذلي خلِّ عذلي في محبَّتهم ... فالعذل يغري بمن قد ضلَّ يشتاق
لولا تذكُّرهم لم أبق بعدهم ... ولا سعت قدمٌ بي لا ولا ساق
لم أملك الصَّبر إذ ساقوا مطيَّهم ... فليتهم ملَّكوني الصَّبر إذ ساقوا
[٧٢١]
محمَّد بن عبد الحميد بن عبد الله بن أسامة بن أحمد بن عليِّ بن محمَّد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن
стр. 1838
عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، العلويُّ.
كانت ولادته في ثامن عشر من رجب، سنة تسع وخمسين وخمسمائة، بمشهد علي بن أبي طالب- صلوات الله عليه- / ٢٤٧ ب/ بالنجف.
كان أديبًا فاضلًا، له معرفة بالنسب؛ ويقول الشعر الحسن، ومنه قوله، وأنشدنيه تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله البغدادي، بمدينة السلام، رابع شوال، يوم الاثنين سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني الشريف أبو طالب لنفسه: [من الطويل]
وصادحة باتت ترجِّع شجوها ... وتظهر ما ظمَّت عليه ضلوعي
تنوح إذا ما اللَّيل أرخى سدوله ... فتذكر أشجاني بكم وولوعي
فيا ليت شعري والأمانيُّ ضلَّةٌ ... هل الله يقضي بيننا برجوع
فنبلغ أوطارًا ونقضي مآربًا ... ويلتذَّ طرفي من كرًى بهجوع
وما ذاك من فعل الإله وصنعه ... غريبٌ ولا من حوله ببديع
[٧٢٢]
محمَّد بن إسماعيل بن عبد الجبار بن يوسف بن عبد الجبار بن شبل بن عليِّ الصويتيُّ- من صويت فخذ من اليمن- أبو الحسين ابن أبي طاهر بن أبي محمَّدٍ المقدسيُّ.
من أهل الديار المصرية.
стр. 1839
وكان والده كاتبًا في ديوان العرض هناك. وأبو الحسين فاضل أديب له أنسه بالتواريخ، وأخبار الأدباء.
وكانت ولادته في ليلة الأربعاء تاسع صفر سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
قدم بغداد طالبًا للحديث، وسمع من شيوخها/ ٢٤٨ أ/ وحصّل وجمع واستفاد، وانحدر إلى واسط، وسمع من أبي الفتح المندائي، ومن غيره. وعاد إلى بلاده.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي بها، في سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو الحسين محمد بن إسماعيل لنفسه:
[من المتقارب]
فلا تعجبا لاختلاف الأنام ... وما قد نرى من صروف الزَّمن
بهذا قضى الله في خلقه ... فقومٌ سرورٌ قومٌ حزن
[٧٢٣]
محمَّد بن الحسن بن محمَّد بن عليِّ بن إبراهيم، المعروف بابن الكريم، أبو عبد الله البغداديُّ.
الكاتب الشيخ الأديب.
كان فيه أدب وفضل، وله كتابة وشعر.
أنشدني وجيه الدين الإسكندري، أنشدني ابن الكريم النفسه: [من الخفيف]
إن يغب عن فنائك الرَّحب شخصٌ ... فدعائي إليه سارٍ وشكري
وثنائي على معاليك مازا ... ل مقيمًا في كلِّ سرٍّ وجهر
وانقطاعي عن الحضور لأمرٍ ... سوف أنهيه فهو يوضح عذري
стр. 1840
/ ٢٤٨ ب/ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من السريع]
ما صاحبٌ يسعى على رأسه ... للنفع بين النَّاس والضُّر
معكوسه منقصةٌ في الورى ... لا ترتضى للماجد الحرَّ
حوى علوم الخلق من عابر ... وغابر في سالف الدَّهر
وهو إذا استودع سرًا فلا ... يحفظ ما استودع من سرَّ
وطالما أجرى دماء وكم ... فرَّج بعد العسر باليسر
وقد تراه صامتًا ناطقًا ... ممتهنًا مرتفع القدر
فاعجب لناهٍ آمرٍ لم يزل ... ممتثل النَّهي مع الأمر
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
قلت لمَّا سئلت عن كنه حالي ... من هوى نجمه فكيف يكون؟
أنا ممَّن أصابه حادث الدَّهـ ... ـر فأمسى لريبه يستكين
أتمنَّى خلًا أمينًا على الدَّهـ ... ـر أراه وأين خلُّ أمين!
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
إنَّ البلاغة إن أردت بيانها ... فضلٌ لمعنًى زانه الإيجاز
كالوعد أحسن ما يكون لآملٍ ... من ذي النَّوال أتمَّه الإنجاز
/ ٢٤٩ أ/ وقال يصف زهر الخشخاش، وأنشدنيه: [من البسيط]
أمأ ترى زهر الخشخاش حين بدا ... تقلُّه في الرِّياض الخضر قضبان
كأنَّه لعيون النَّاظرين يرى ... مشاعلًا أضرمت فيهنَّ نيران
وله أيضًا فيه، وأنشدنيه عنه: [من الوافر]
سقى صوب الحيا روضًا نزلنا ... به مذلاح للإصباح فجر
وقد أبدى به الخشخاش وردًا ... يحيِّر ناظرًا فيه وفكر
كأنَّ بدائع الأزهار فيه ... مطارد عسكر بيضٌ وحمر
وله: [من المتقارب]
قنعت بميسور قسم الإله ... وقد كان من باليسر اقتنع
وأصبح راض بخاء الخمول ... ونون النَّباهة عنه رفع
стр. 1841
وأنشرت نفسي بقاف القنوع ... وألزمتها طيَّ طاء الطَّمع
وإن وفق الله كنت امرءاً ... يرى لازمًا رأي راء الورع
وقوله: [من السريع]
وصاحب لي بالنُّهى لم أزل ... أعرفه والفضل موسوما
يقول يومًا حين ناديته ... ما أحسن المنثور منظوما
/ ٢٤٩ ب/ مثل عقود الدر تفصيلها ... تراه بالياقوت مفهوما
أهداه لي عصر الرَّبيع الَّذي ... إحسانه مازال معلوما
فاسعد به لازلت في نعمةٍ ... ولا أراك الدَّهر مهموما
وله: [من الطويل]
إذا ما بدا من صاحب لك زلَّةٌ ... وأخفيتها ثمَّ ابتدرت عقابه
فإنَّك قد عاقبته ظالمًا له ... ولورمت انصافًا نشرت عتابه
وله: [من مجزوء الكامل]
متحلِّفٌ إن جئته ... لم تلقه للهمِّ فارج
وتراه يستمع المدا ... ئح ثمَّ لا يقضي الحوائج
وله: [من المنسرح]
أمسيت في جلِّق أسير أسى ... رهين همٍّ محالف الكمد
لا مسعدًا أرتجيه يسعدني ... على زمان يفت في عضدي
يا بلدة السُّوء ويك لست أرى ... فيك معينًا يعين ذا رشد
لأرحلن عن فنان لا ندمًا ... أقرع سنِّي ولا أعضُّ يدي
وكون مثلي يسير عن بلدٍ ... عارٌ على أهل ذلك البلد
/ ٢٥٠ أ/ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
أيُّها الماجد الَّذي لست عن حفـ ... ـظ ودادي ما غبت عنه أحول
وثنائي عليه كالرَّوض غضٌّ ... لا يدانيه ما حييت المحول
стр. 1842
لي عذرٌ عن التَّأخُّر لمَّا ... أصبحت بيننا الوحول تحول
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
أرى بجلَّق أقوامًا مودَّتهم ... إذا تبينتها منحلَّة السَّبب
إن أولموا لم يلمُّوا بالصَّديق وإن ... دعوه لم تك إلَّا دعوة النَّشب
ونشدني عنه أيضًا: [من البسيط]
حتَّى م ترضى بضنك العيش مغتربًا ... ناء عن الأهل والجيران والسَّكن
وأنت من سعة البيداء في رحلٍ ... تمسي وتصبح فيها ضيِّق العطن
لا تستقرُّ بدار غير نازحة ... تجد سيرًا كثير الحضر في المدن
فاثن العنان وسر بالعزم مرتحلًا ... من بعد طول النأي واربع على الوطن
وإن حللت بدار العزِّ مغتربًا ... فالضُّرُّ والذُّلُّ بالتَّغريب في قرن
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من السريع]
تغيَّر النَّاس وأحوالهم ... فما ترى منهم فعالًا جميل
/ ٢٥٠ ب/ لا صادقًا ألقى ولا ألقى ... لما ناب نبيها نبيل
قد عدم المشفق في عصرنا ... حتَّى فقدنا وعزَّ المنيل
فعدت بالوحدة مستأنسًا ... وحسبي الله ونعم الوكيل
وأنشدني وجيه الدين، قال: أنشدني ابن الركيم لنفسه: [من الطويل]
إذا فرصةٌ لاحت فخذها ولا تكن ... بمعتذرٍ عن أخذها بسبيل
ولا ترجها إن أمكنتك إلى غدٍ ... فمن لغدٍ من حادثٍ بكفيل
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الرمل]
لم أزل أعفو ويهفو صاحبي ... وإذا أبصرت عيبًا أتعامى
ولكم راءيت غمرًا جاهلًا ... وإذا خاطبني قلت سلاما
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره: [من المتقارب]
إذا ما نظرت إلى جاهلٍ ... سفيه يفوه بغير الصَّواب
وقد جاء مستهترًا عابثًا ... يخاطب جهلًا بسوء الخطاب
فلا تحفلنَّ به واطَّرحه ... مهانًا ولا تلقه بالجواب
стр. 1843
فما إن لعمري يضرُّ السَّماء ... إذا ما فهمت نباح الكلاب
/ ٢٥١ أ/ وأنشدني أيضًا وجيه الدين أبو المظفر الأسكندري، في المحرم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن إبراهيم المعروف بابن الكريم البغدادي، بدمشق لنفسه: [من المنسرح]
أهدى إليَّ النِّظام مبتديًا ... مكفَّنًا يبتغي له سترا
من فوق عرش مزخرف بهرت ... ألوانه ثمَّ حيرت فكرا
يخبر في الطَّعم عن خلائقه ... وعرفه قد غدا له نشرا
دفنته في الفؤاد من حزنٍ ... وظلَّ صدري إذًا له قبرا
فهو حقيقٌ منه بكلِّ ثنًا .. أهديه نظمًا وتارةً نثرا
ما زال يهدي برًا إليَّ وما ... زلت بجهدي أهدي له شكرا
فلا عداني إفضاله كرمًا ... ولا عدته مدائحي تترى
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الكامل]
قل للَّذي خضب المشيـ ... ـب مغالطًا حكم القدر
هلَّا ادَّعيت تصابيًا ... وغدوت تخفي ما ظهر
/ ٢٥١ ب/ وسترت شيبك بالخضا ... ب فكيف تصنع بالكبر؟
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره: [من مجزوء الكامل]
صارحت إخوان الوداد ... فعل اللَّبيب أخي السَّداد
لمَّا تكَّر منهم ... صفو الأخوة والوداد
وأطلعتهم وجفوتهم ... كالعضو يقطع للفساد
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من المتقارب]
قبول المديح بغير اعتذارٍ ... يدلُّ على سوء رأيٍ قبيح
ولكنَّ هذا جزاء امرئٍ ... أتى كاذبًا لكم في المديح
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من السريع]
وباخلٍ جادلنا غالطًا ... بالنَّزر من فاضل إنعامه
في عامه الماضي ولكنَّه ... استقضاه في الحاضر من عامه
стр. 1844
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره: [من الخفيف]
أنكرتني لمَّا علا الشَّيب فودي ... وضننت حتَّى بطيف المنام
ليس شيبي من طول عمري ولكن ... شيَّبتني وقائع الأيَّام
/ ٢٥٢ أ/ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
ولقد مررت على الدِّيار مسائلًا ... عن جيزةٍ كانوا بها مستخبرا
فأجابني الرَّسم المحيل بها حدا ... حادي المنون بهم وقد سكنوا الثَّرى
هذي قبورهم وتلك قصورهم ... فانظر وقف بفنائها مستعبرا
والله ما نعمت حياتي بعدهم ... كلَّا ولا التذَّت جفوني بالكرى
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
هل بعد ما شاب العذار يرى ... في اللَّهو لي إن عدت من عذر؟
ما كان ذا حدَّ المشيب، بلى: ... هذا غبار وقائع الدَّهر!
غادرتني غرضًا لأسهمها ... ورميتني من حيث لا أدري
وخفضن أحوالي الخطوب بما ... قد حطَّت الأقدار من قدري
فغدوت في الأحداث معتصمًا ... لمَّا نزلن بأجمل الصَّبر
أجرى مع الأيَّام كيف جرت ... لا فوز عند الصَّبر بالأجر
لا أشكينَّ لوقع نائبةٍ ... والصَّبر أحسن بالفتى الحرِّ
[٧٢٤]
محمَّد بن أحمد بن أبي عيسى/ ٢٥٢ ب/ أبو عبد الله المايرقيُّ.
الناسخ الأديب، نزل دمشق.
أنشدني أبو المظفر منصور بن سليم بن منصور الإسكندري، قال: أنشدني أبو عبد الله الناسخ لنفسه بدمشق: [من البسيط]
قالوا: تحبُّ ترى بغداد قلت لهم ... إنِّي بحبِّ ثرى بغداد مشغوف
وكيف لا وبها البدر المنير بدا ... من في الأنام عليه الحسن موقوف
стр. 1845
[٧٢٥]
محمَّد بن محمَّد بن الحسين ابن الخراسانيِّ الوراق، أبو عبد الله.
من أهل بغداد، ومن أولاد المحدثين.
قال محب الدين: سمع الكثير من شيوخنا، وكتب بخطه، وقرأ بنفسه، وكان يكتب خطًا حسنًا، ويورّق للناس. كتب الكثير من الكتب الكبار والصغار والكراريس، والإجزاء؛ وكتب لي كثيرًا، وسمعت معه وبقراءته.
وكان شابًا فاضلًا صالحًا ورعًا زاهدًا تقيًا متعففًا، لازمًا لمنزله، لا يخرج منه إلَّا في يوم الجمعة لأجل الصلاة، ويأكل من كدّ يده.
وما رأيت أحدًا أبلغ احتياطًا منه في أداء الأمانة، وصحة المعاملة، والخروج/ ٢٥٣ أ/ من مظالم العباد، لحقته أمراض متعبة، وطالب به إلى أن مات شابًا، قبل أوان الرواية، يوم الأربعاء الخامس من رجب سنة ستٍّ وستمائة، ودفن من الغد بباب حرب- رحمه الله تعالى-.
حدّث بالسير عن ابن زريق؛ وحدّث الحديث قديمًا من أبي الحسين بن يوسف، وأبي السعادات القزاز.
ثم قال: قرأت بخط محمد بن الحسين بن الخراساني: ولد الولد أبو عبد الله في تاسع عشر من صفر سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وقرأت بخط ابن الخراساني محمد بن محمد في كتابه، قال: رأيت كأني أنشد هذه الأبيات في المنام لنفسي:
[من الخفيف]
غرَّدت في الأراك أيكة سلع ... فوق غصنٍ سقيته ماء دمعي
стр. 1846
فاعتراني إلى الحبيب اشتياقٌ ... وتذكَّرت موقفي بالربع
يا عذولي دع عنك لومي فإنِّي ... عن ملام العذول قد صمَّ سمعي
كتبه محمد بن محمد بن الحسين الخراساني.
قال: وقرأت بخط محمد بن محمد بن الخراساني، قلت: [من السريع]
/ ٢٥٣ ب/ جدُّو إلى طاعة مولاكم ... فإنَّما دنياكم ذاهبه
فقد حظي بالفوز من ربِّه ... من كان برًا للورى ذاهبه
[٧٢٦]
محمَّد بن معمر بن عبد الواحد بن الفاخر، أبو عبد الله القرشيُّ.
من أهل أصبهان.
كان شيخًا حسنًا فاضلًا عالمًا ثقة نبيلًا؛ سمّعه والده الكثير من أبي الفضل جعفر بن عبد الواحد بن الثقفي، وأبي نصر أحمد بن عمر الغازي وغيرهما من المشايخ المعتبرين.
وكانت ولادته ليلة الإثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة عشرين وخمسمائة. وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وستمائة.
قال ابن القطيعي؛ أنشدني أبو عبد الله محمد بن معمر لنفسه: [من الوافر]
تبدَّت مثل ما بزغت براح ... وآذنت الكواكب بالرَّواح
стр. 1847
فقلت فضحت حين وضحت ليلًا ... وطال لسان واشٍ فيَّ لاحي
فقالت بعدما جادت ونادت ... وأبت عن ثغورٍ كالأقاحي:
وهل تستنجح الحاجات إلَّا ... بوجه في مساعيه وقاح
[٧٢٧]
محمَّد بن النفيس بن مسعود بن محمَّد بن عليِّ الدقاق، أبو سعدٍ المعروف بابن صعوة البغداديُّ.
كان شابًا حسنًا، وفقيهًا فاضلًا، حافظًا لكتاب الله، كيّسًا متوددًا، ظريفًا لطيفًا؛ قرأ الفقه على أبي الفتح بن المنى، وتكلم في مسائل الخلاف، وحصل طرفا صالحا من العلم.
وسمع الحديث من أبي علي أحمد بن علي الرحبي، وأبي عبد الله بن منصور بن هبة الله الموصلي، وأبي الحسن عليّ بن عساكر البطائحي. وحدّث باليسير، لأنه توفي شابًا، قبل أوان الرواية.
قال محبّ الدين: علقت عنه شيئًا من الأناشيد في المذاكرة، وكان صديقنا- رحمه الله تعالى- وسألتها عن ولادته، فقال: في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. ومات ليلة الجمعة ثاني عشر شوال سنة أربع وستمائة ببغداد، وصلينا عليه، من الغد بجامع القصر؛ وحمل على رؤوس الناس إلى الزرادين، فدفن بها.
قال القطيعي: أنشدني ابن صعوة لنفسه: [من المديد]
стр. 1848
رقَّ يا من قلبه حجر ... لجفون حشوها سهر
/ ٢٥٤ ب/ ولجسمٍ ما لناظره ... منه إلَّا الرَّسم والأثر
فغرامي لو يحمَّله ... صخر رضوى كاد ينفطر
إن لومي في هواك لمن ... شرِّ ما يجري به القدر
يا بديعًا جلَّ عن شبه ... ما يداني حسنك القمر
صل ووجه الدَّهر مقتبلٌ ... فزمان الوصل مختصر
كم رأينا وجنةً قتلت ... فما آثارها الشَّعر
[٧٢٨]
محمَّد بن أبي الفرج بن معالي بن بركة، الفقيه الشافعيُّ [المقريء، أبو المعالي الموصليُّ.
قال أبو الحسن القطيعي: رفيقنا من أهل القرآن والفقه والأدب، قم بغداد في المحرم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة].
قال القطييعي: أنشدني لنفسه، يمدح بعض الصدور: [من الوافر]
وقد أوتيت أخلاقًا ... تحيِّر ضارب المثل
فأنت الكامل المتفرد الخالي من الخلل
стр. 1849
لقد أصبحت للوفَّا ... دمن حافٍ ومنتعل
مسيح مروةٍ تحيي ... لدينا ميِّت الأمل
[٧٢٩]
محمَّد بن أحمد بن هبة الله/ ٢٥٥ أ/ ابن تغلب، أبو عبد الله النحويُّ، الفرزانيُّ.
من قرية تدعى فرزينيا، من قرى نهر ملك.
كان مقربًا عارفًا فاضلًا، وقيِّمًا بعلم العربية والقراءات. قرأ على الإمام أبي محمد بن الخشاب، وغيره، وسمع من أبي منصور مسعود بن عبد الواحد بن الحصين.
وكانت ولادته في سنة ثلاثين وخمسين، وتوفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر سنة ثلاث وستمائة ببغداد، ودفن في باب حرب، بمقابر الشهداء.
فمن شعره قوله: [من المجتث]
يا هاجري ادلالا ... هجرتني أم ملالا
أم كاشحٌ أم عذول ... أراك قتلي حلالا
يا غصن بانٍ رطيبٍ ... فاق الغصون اعتدالا
ارفق بمهجة صبٍّ ... أضحى يحاكي الخلالا
تظنُّه عنك سال ... حاشاك هيهات لا، لا
وكيف يسلوك صبٌّ ... يذوب فيك اشتعالا
стр. 1850
ولو أطاق سلوًا ... أبى هواه انتقالا
إيهًا على طيب عيشٍ ... ألذَّ ما كان زالا
/ ٢٥٥ ب/ أنالنا الدَّهر وصلًا ... ثمَّ استردَّ النوالا
[٧٣٠]
محمَّد بن عليِّ بن الحسن بن محمَّد بن رضى، أبو حامد بن أبي المكارم الموصليُّ العمرانيُّ.
كان أحد أجداده من العمرانيّة، قرية من نواحي الموصل شرقيها.
وقد تقدم شعر أخيه.
ورد أبو حامد مدينة إربل، في عهد سلطانها الملك المعظم مظفر الدين- ﵁ وأقام بها متوليًا نظارة ديوانها، ثم حبس بعد ذلك، وآلت به الأحوال إلى أن ضمن جهبذة الديوان؛ فأقلع عن ظلم فاحش، وسيرة غير حميدة، فلم تطل أيامه بها، حتى أتت عليه منيته، وذلك يوم الاثنين أواخر صفر سنة إثنتين وعشرين وستمائة.
وكان حسن الحظ والشعر، له كتاب سمّاه: ((بهجة الناظر في الخيال الزائر)) ذكر فيه مدائح الملك القاهر عزّ الدين مسعود.
ومن شعره، وكان سائرً مع بعض الأكابر، وذكر له، أن عمل بيتين يتضمن شرح من يكتب بليقة حمراء في كاغد أصفر، فعمل أبو حامد فيمن يكتب بالأسود في الكاغد الأبيض: [من الطويل]
/ ٢٥٦ أ/ كتبت بخطِّي فوق خطِّ معذِّبي ... سطورًا تحاكي أضلعي وسقامي
وأوردت فيها بعض ما بي من الجوى ... وأودعتها وجدي وفرط غرامي
ومن شعره أيضًا، ما كتبه إلى بعض الرؤساء: [من الطويل]
سلامٌ كأنفاس الخزامى وقدهما ... عليه سحيرًا دائمًا سبل القطر
стр. 1851
تهبُّ به ريح الشَّمال معطَّرًا ... وتهديه من صبٍّ نحيل أخي فكر
أدام له الله الكريم بفضله ... سعادات جدٍّ لا تزال مدى الدِّهر
ألا أيُّها المولى الَّذي جاد باللُّهى ... وإحسانه عمَّ البريَّة بالوفر
ومن سابقت آلاؤه وتتابعت ... إليَّ أياديه ونعماه كالقطر
أبثُّك أشواقي وفرط صبابتي ... تقلِّب أحشائي على مسعر الجمر
فلو كانت الأرض الفسيحة صفحةً ... لسطري عليها والمداد من البحر
وأوغلت إفصاحًا وأطنبت شارحًا ... وأسهبت بالإفراط لم آت بالعشر
فيا ليت أنِّي كنت بين سطوره ... لأحظى برؤيا وجهه المشرق البدر
ولولا عوادٍ أشغلتني عن السُّرى ... لجئت إليه ساعيًا عوض السَّطر
وقال غزلًا: [من الرجز]
/ ٢٥٦ ب/ وغادة شبَّهتها في حسنها ... بالقمر الزَّاهر في جنح الدُّجى
قلت لها: يا منية القلب إلى ... أورثت الجسم سقامًا وضنى
صلي محبّا ذائبًا فؤاده ... أذابه الهجر وأفناه الجوى
قالت أجبت القول فيما تبتغي ... إن كان ما قد قلت حقًا يا فتى!
وله من صدر كتاب: [من الطويل]
كتابي عن شوق إليك وغبطة ... ........ لا يزال يزيد
ولي بعد بعدي عن لقائك زفرةٌ ... لها بين أحناء الضُّلوع وقود
وقال أيضًا: [من البسيط]
يا ربَّ قد أخذ البلوى مآخذها ... منِّي ولم يبق لي صبرٌ ولا جلد
فليس لي ملجأ إلَّا إليك ولا ... ركن ألوذ به إلَّاك يا صمد
وله أيضًا: [من الوافر]
عساها عن صباح النُّجح تجلى ... وترفع من دجى الغمرات سدلا
وتعقب بعد شدَّتها لباثًا ... وتنشط من عقال الهمِّ حبلا
فقد طاولت ناصية اللَّيالي ... أريد تجلُّد وأريد مطلا
/ ٢٥٧ أ/ إلى أن أنفدت صبري وأفنت ... سهام خطوبها حطمًا وفلَّا
стр. 1852
أرح قلبي بذكراهم فإنِّي ... أحنُّ على الجوانح منه طلَّا
فلي طرفٌ بحرِّ الدَّمع يدمى ... ولي كبدٌ بنار الشَّوق تصلى
وله وقد سأله بعض أصدقائه، أن يضع أبياتًا يلغز فيها اسمًا، فصنع هذه الأبيات، وألغز فيها اسم ((كلبهار)): [من البسيط]
يا من تحلَّ لديه كلُّ مشكلةٍ ... ومن وجدنا إليه الفضل منسوبا
ما اسمٌ إذا ما عكست الثُّلث مختبرًا ... منه يصير من الأصباغ محسوبا
وإن عكست بالَّذي يبقى يكن رجلًا ... يبغي رضا الله قلا، أن يرى طوبى
فأوضح الاسم لازالت منائح ذي ... الإفضال تأتيك مهديًا وموهوبا
وقال يلغز باسم سلطان: [من البسيط]
يا من علا رتبًا في الفضل ساميةً ... ومن وجدناه أكفى النَّاس في الأدب
ما اسم ما ذكرت خمسًا بدايته ... يطل أمرًا لخرط النصل ذي الشطب
وإن ذكرت الَّذي يبقى يظلُّ كمن ... رمَّ البناء بترب أحسن التُّرب
/ ٢٥٧ ب/ وإن عكست المبقَّى منه صار كما ... تعلَّق الأمر في هذا بذا السَّبب
وإن جمعتهما صارا بلا ريب ... قيلًا عظيمًا كريم الأصل والنَّسب
فحقِّق الاسم واغنم فيه محمدةً ... تبقى على قدم الأزمان والحقب
[٧٣١]
محمَّد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الواحد، أبو عبد الله الآرسيُّ السبيُّ بحلب.
[عمران الغرناطي، قال: أنشدنا محمد: ] [من البسيط]
قف بالدِّيار وحيِّي الأربع الدُّرسا ... ونادها فعساها أن تجيب عسى!
وإن أجنَّك ليلٌ من توحُّشها ... فاشعل من الشَّوق في ظلمائها قبسا
إذا تنشَّق أنفاس الصَّبا سحرًا ... يكاد تسري إليهم نفسه نفسا
стр. 1853
وإن يكن في قفار ظنَّها لججًا ... وإن تنفَّس عادت كلُّها يبسا
مضى الزّمان الَّذي قد كنت أعهده ... وكان بالأمس معمورًا فقد درسا
يا هل درى الغادون عن دنفٍ ... يبيت وليل الدَّياجي يرقب الغلسا
ظبيٌ غريرٌ ولكن لحظ مقلته ... يسطو على الصَّبِّ سطو اللَّيث مفترسا
كلَّمته فتشكَّى الكلم من كلمي ... وكدت أجرحه باللَّحظ مختلسا
وابتزَّ قلبي قسرًا قلت مظلمة ... يا حاكم الحبِّ هذا القلب لم حبسا
/ ٢٥٨ أ/ غرست باللَّحم دمعًا فوق وجنته ... حقًا لطرفي أن يجني الَّذي غرسا
وإن أبى فالأقاحي منه لي عوض ... من عوِّض الثَّغر من خدِّ فما بخسا
فبات طوع يدي والشَّمل يجمعنا ... في بردةٍ للتُّقى لا تعرف الدَّنسا
تلك اللَّيالي الَّتي اعتدُّ من عمري ... وبالأحبَّة كانت كلُّها عرسا
لم يحل للعين شيءٌ بعد بعدهم ... والقلب مذ أنس التَّرحال ما أنسا
يا جنَّة فارقتها النَّفس مكرهةً ... لولا التأسِّي بدار الخلد متُّ أسى
[٧٣٢]
محمَّد [بن] نصر بن أبي البيان، أبو عبد الله الأديب الدمشقيُّ.
كان يفهم صدرًا صالحًا من علم العربية، وينظم شعرًا حسنًا، وسمع الحديث ورواه عن أبي القاسم الحافظ، وحمل عنه، وسمع سعادة الأعمى، وروى عنه من شعره.
أنشدني أبو المظفر منصور بن سليم بن منصور الإسكندري، الفقيه الشافعي، قال: أنشدني الأديب أبو عبد الله بن أبي البيان لنفسه: [من البسيط]
لا تنكرن ضعف خطِّي وارتعاد يدي ... فإنَّه خطُّ من قد جار سبعينا
/ ٢٥٨ ب/ صرَّفتها بيد التَّسويف مرتجيًا ... عفو الإله وأسلافي المطيعينا
قومٌ مضوا منذ كانوا قطُّ ما برحوا ... إلى العفاف وفعل الخير ساعينا
لم يحملو لمليك منةً أبدًا ... ولم يكن قصدهم جاهًا وتعيينا
نبا بناصية حتَّى لقد وجدوا ... أصحابه في الورى غرًا ميامينا
стр. 1854
طريقهم بالتُّقى والدِّين واضحةٌ ... بالذكر لله لا بالرَّقص لاهينا
فالرَّقص نقصٌ عظيمٌ لا يقول به ... قومٌ مصيبون بل قومٌ مصابونا
هذا مقالي وكلُّ الخلق يعرفه ... فلا تكونوا لقول الحقِّ قالينا
فنسأل الله حقًا أن يثبِّتنا ... عليه حتَّى نرى في الخلد ثاوينا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
قلت إذ لفَّع الزَّمان رداء الشَّيب بالثَّلج فهو ضاف قشيب
أنا ما نلت بغيتي في زماني ... حيث غصن الزَّمان غضٌّ رطيب
أفأرجو نيل الأمانيِّ فيه ... كيف ترجى وقد علاه المشيب
قد تلاقى مشيبة ومشيبي ... فانتشا بينهن أمرٌ عجيب
من قريبٍ أراه وهو بعيدٌ ... وبعيدٍ أراه وهو قريب
وزمان إذا تأمَّلت أهليه ... فإنَّ الوفاء فيهم غريب
/ ٢٥٩ أ/ ومن شعره يمدح القاضي الخويّ: [من المتقارب]
لقد أسعف الله أهل الشَّام ... وأنقذهم من أذى يونس
وعادت دمشق بقاضي القضاة ... تزيد على شرف المقدس
وصار الخويّ لمَّا به ... تسمَّى أعزَّ من الأطلس
فيا حاكمًا قد ملكت القلوب ... بلطف ينطِّق للأخرس
ومالت إليك نفوس الأنام ... كأنَّك مغنيطس الأنفس
وأيَّك الله سبحانه ... بفصل الخطاب لدى المجلس
فعشت مدى الدَّهر في أنعمٍ ... وأعداؤك الآن في أبؤس
وكتب إلى بعض القضاة معتذرًا: [من البسيط]
قاضي القضاة عماد الدِّين سيِّدنا ... سمت مناقبه بالعلم والعمل
فالعدل منبسطٌ والظُّلم منقبضٌ ... والعلم في عزَّة والجهل في خذل
وليس تأخذه في الله لائمةٌ ... وخالص الدِّين لا يخشى من الزَّلل
لا تحسبنَّ انقطاعي عنك من سببٍ ... يصدُّني أو لأمر الحمَّق السَّفل
ومنها:
стр. 1855
أعوذ بالله إلَّا أننَّي زمنٌ ... عشر الثَّمانين قد ضاقت به حيلي
وقد بلغت إلى عمر يؤخِّرني ... عن كلِّ خيرٍ ويدنيني إلى الأجل
/ ٢٥٩ ب/ فاعذر لعبدك في التقصير وارع له ... حقًا تقدَّم يا ابن السَّادة الأول
لا زال مجد عماد الدِّين مرتقبًا ... إلى الكواكب والشِّعرى ولم يزل
وله: [من الطويل]
وقائلة لا ترض بالشِّعر خطَّةً ... فإنِّي أرى أهليه من أرذل البشر
فقلت أنا الياقوت بين حجارة ... وقد يشمل الياقوت تسمية الحجر
وله يمدح ابن مرزوق: [من الكامل]
سبحان من رزق ابن مرزوق النُّهى ... وحباه منه بوافر الأقسام
لمَّا رأيناه رأينا سيِّدنا ... بمناقبٍ أعيت ذوي الأفهام
متكبِّرًا عن أن يرى متكبِّرًا ... متواضعًا وله المحل السَّامي
يحنو على الضُّعفاء منه تلطُّفًا ... ويبرُّهم بالبرِّ والإنعام
فهو المجمَّل بالمناقب كلِّها ... وهو المجمِّل ملَّة الإسلام
لا زال ماضي الأمر في مصرٍ وفي ... حلبٍ وبغدادٍ وكلِّ الشَّام
وقال من قصيدة، يمدح بها الفلك بن المسيري: [من البسيط]
باليمن والنُّجح دار أنجم الفلك ... تنمى سعادتها للصاحب الفلك
/ ٢٦٠ أ/ مولى مدائحه كالمسك مسلكها ... في النَّثر والنَّظم منه خير منسلك
لا زال يرفل في أثواب عافيةٍ ... وصانه الله عن بؤسٍ وعن درك
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله النصيبي بحلب، قال: أنشدني محمد بن نصر بن عبد الرحمن لنفسه: [من الكامل]
ولقد ضعفت فلم أزرك وإنَّ لي ... قلبًا إليك صميمه يرتاح
ودعاؤنا لك صالحٌ ندعو به ... فيؤمِّن الإمساء والإصباح
يا أيُّها القاضي الَّذي سرَّ الورى ... بقدومه وتوالت الأفراح
لمَّا قفلت من الحجاز تباشروا ... أهل الشَّام به فلاح فلاح
стр. 1856
فاعذر لخادمك المقصِّر إنَّه ... يفنٌ ضعيفٌ ما عليه جناح
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
عشر الثَّمانين قد أوهى قواي وقد ... تضاعف الضَّعف في عشر الثَّمانينا
فاسأل الله لطفًا منه يلطف بي ... باقي الحياة فقل بالله آمينا
[٧٣٣]
محمَّد بن المبارك بن عليٍّ/ ٥٦٠ ب/ حمى الله حوزته-. وكان ذا فضل وأدب، حافظًا للقرآن الكريم، شاعرًا؛ نظم أرجوزةً في النحو.
وقع إليّ قصيدة من قيله في البيت المقدّس، حين خرّبه الملك المعظم شرف الدين عيسى بن أبي بكر- صاحب دمشق-. وفي تلك السنة أخذ الفرنج- خذلهم الله تعالى- دمياط، وهي سنة ست عشرة وستمائة؛ فأنشأ أبو عبد الله هذه القصيدة:
[من الوافر]
مصاب القدس قد سلب الرُّقادا ... وقد لبس الخطيب به حدادا
وقاضيه قضى نحبًا وإن لم ... يمت لخراب ما أعلى وشادا
ونادى المسجد الأقصى أيرضى ... بهذا الفعل من فرض الجهاد
ومنبره الشَّريف يئنُّ خوفًا ... وممَّا حلَّ بالمحراب مادا
ولا ترقى لصخرته دموعٌ ... فكم قد أقرحت أسفًا فؤادا
كذا محراب داود علته ... الكآبة دمعه يحكي العهادا
ولازم باب رحمته عذابٌ ... وسطَّح الطُّور أدمعه وجادا
/ ٢٦١ أ/ وأصبحت المدارس معولات ... تريق محابر الفتيا المدادا
وما عن عين سلوان سلوٌ ... لساكنه ولو ملك البلادا
وبيت خليله وجلٌ لما قد ... أصاب سواه يرتعد ارتعادا
стр. 1857
وعند قمامة اليوم التَّهاني ... تتيه ككاعب جاءت تهادى
إذا سمعت بدمياط وما قد ... أشيع تقول بلِّغت المرادا
ولكنَّ الكنائس ضاحكاتٍ ... تعالى الله يفعل ما أرادا
ألا يا زائريه أبكوا ونوحوا ... على الإسلام وافترشوا الرَّمادا
فلو بكت العيون دمًا عليه ... تقاضى رزؤه الباكي ازديادا
فمكَّة ثاكلٌ عبرى فلمَّا ... ألمَّ بأختها لبست سوادا
فترك الحجِّ أبكى كلَّ عين ... وعن طيب الكرى اعتاضت سهادا
رضا الملك المعظَّم ذا عظيمٌ ... ولو ملك البسيطة ما أفادا
ولكن ربنا ربٌّ غفورٌ ... لطيف الصُّنع يمتحن العبادا
فخوَّلنا وبوَّأنا بلادًا ... أرانا جاحدي نعماه عادا
أبعد خراب بيت القدس خطبٌ ... أشدُّ ولو توسدنا القتادا
على الدُّنيا وما فيها عفاءٌ ... ولو نلنا بها السَّبع الشِّدادا
/ ٢٦١ ب/ وأنشدني القاضي شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن القوصي بدمشق، في المحرم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن المبارك الضرير خطيب القدس، وقد أنشدته هذين البيتين:
وما طلب المعيشة بالتَّمنِّي ... ولكن ألق دلوك في الدِّلاء
تجيء بملئها طورًا وطورًا ... تجيء بحمأةٍ وقليل ماء
فقال مجاوبًا لي ما انحصرت القسمة، بل بقي قسمان آخران، وأنشدني لنفسه بديهة: [من الوافر]
وكم من مرسلٍ دلوا تردى ... وطورًا عاد منقطع الرشاء
فأجمل في طلاب الرِّزق واعلم ... يقينا أنَّ رزقك في السَّماء
فلا حرصٌ يقيك ولا توانٍ ... يغيث فثق بسابقة القضاء
стр. 1858
[٧٣٤]
محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم بن يحيى بن عليِّ بن يحيى، أبو عبد الله ابن الأكّاف الموصليُّ المعروف/ ٢٦٢ أ/ أبو عبد الله الموصليّ المقرئ.
كان ممن قرأ على الشيخ أبي بكر يحيى بن تمام بن سعدون القرطبي الأزدي، القرآن والقراءات، وتلمذ به، وجود عليه. وكان شيخًا شيعيًا متواليًا، له أشعار في المدح وغيره. وكان يعرف بابن نصيف.
قرأ عليه القرآن، خلق كثير من أهل الموصل، وتوفي في سنة اثنتي عشرة وستمائة. أدركت آخر زمانه، وهو شيخ كبير.
ونقلت من خطه، قوله يمدح أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود- ﵁: [من الكامل]
لعداك فرط صبابتي وغرامي ... وعداك وجدي في الهوى وهيامي
يا من غدا متفرِّدًا بجماله ... صل من غدا متفرِّدًا بسقام
رشا جموح الحسن طوع يمينه ... يقتاده عنفًا بغير زمام
يرمي وترمي مقلتاه بأسهمٍ ... فسهامه موصولةٌ بسهام
كيف التَّخلص من لواحظه الَّتي ... جعلت مراميه وهنَّ مرامي
قسمًا بسحر كامن في جفنه ... ولذاك عندي أوفر الأقسام
لأصاحبنَّ الدَّهر غير مسالمٍ ... وأصول مقتدرًا على الأعوام
أأرأع يا دهري ونور الدَّين لي ... مولًى وعونٌ إن سطوت وحامي
/ ٢٦٢ ب/ ملكٌ يرى في سرجه ملكٌ له ... سيما الهدى وسكينة الإكرام
متقلِّد من عزمه ذا رونقٍ ... يرضيك في نقضٍ وفي إبرام
стр. 1859
ليثٌ العرين إذا تثنَّى في وغًى ... وإذا انثنى لندًى فبحرٌ طامي
تلقى أرسلانًا إذا اشتجر القنا ... وتأخَّر المتقدِّمون يحامي
يا آل زنكي أنتم الصِّيد الألى ... بكم حمى اللَّاجي وريُّ الظَّامي
ليقر عينًا يا فثٌ بكم فقد ... أربى على سام بفخر سامي
مولاي عوة من أتى مستمطرًا ... يرجو الرَّذاذ فجدته بركام
حكَّمته في دهره فتقهقرت ... وتقاعست عنه خطى الأيَّام
حسدتني الدُّنيا عليك وباعدت ... خدمي ولم يبعد نداك الهامي
فاعطف على العبد الَّذي أبدأته ... بسجال قربك فهو ذاو ظامي
واسلم منيع الجار مبذول النَّدى ... خصب الجناب مؤيَّد الأعلام
ونقلت من خطّه شعره، ما كتبه إلى بهاء الدين الربيب: [من السريع]
قل لبهاء الدِّين عنِّي شفاه ... يسألك الله غدًا من سماه
شيمتك العدل وفيك التُّقى ... وكلَّ أعمالك ترضي الإله
/ ٢٦٣ أ/ فاسئل عن حالي وعن قصَّتي ... وذبَّ عنِّي من أذًى قد أراه
غلمان إبن العجمي كلُّهم ... قد حلَّلوا قتلي وقالوا: الغزاه
وكيف ألقى القتل في بلدة ... ملك أبي الحارث رسلان شاه
ممهِّد الأرض بأطرافها ... وليس في الأرض مليك سواه
مجَّدك الأبطا يوم الوغى ... سائل ملوك الأرض عن ملتقاه
ما جاءه من خاف من ظالمٍ ... إلَّا أزال الظُّلم لمَّا أتأه
وإنَّني أخوف من أرنب ... يرى كلاب الصَّيد تعدو وراه
وذاك خوفي لم يكن منهم ... ما يعجز الرَّامي عمَّن رماه
وإنَّما خوفي من بطشكم ... أجتنب الشَّر وأخشى أذاه
إنههم مولاي عن فتنتي ... وردَّهم عنِّي وإلَّا فاه
قد مضَّني فرط سؤالي لهم ... وليس يزدادون إلَّا عماه
لو أنَّني قد جئت من خيبر ... كنت أداريهم بوزن البراه
وإبن غازي هو أسُّ البلا ... يؤلِّب القوم ويهوى هواه
يزوِّر الكتب كما يشتهي ... مجاهد الدِّين لهذا اتَّقاه
стр. 1860
وقد تأذَّى النَّاس من شرِّه ... فازجره عن مسك القلم والدَّواه
/ ٢٦٣ ب/ ولا خلوت الدهر من دعوةٍ ... من نالها في الخلق يعطى مناه
واسلم ودم وأبق لدى نعمةٍ ... ما سارت الركبان أرض الفلاه
[٧٣٥]
محمَّد بن محمَّد بن محَّمد بن محمَّد بن الحسين، أبو البركات ابن أبي جعفرٍ النحويُّ البغداديُّ المولد والمنشأ.
وأصله من شهرستانة، وهي بلدة عند نسا من بلاد خراسان، مما يلي خوارزم، يقال لها: رباط شهرستانة؛ بناها عبد الله بن طاهر في خلافة المأمون.
كانت وفاة أبي البركات يوم الأحد سابع عشر ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وستمائة ببغداد، ودفن بجانبها الشرقي بمقبرة الوردية. وكان مولده في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
أخذ النحو عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي، وبعده على أبي الحسن علي بن المبارك المعروف بابن الزاهدة، ولازمه حتى حصل معرفة هذا العلم، وتميّز فيه على غيره، وسمع الحديث من جماعة، وله شعر حسن.
أنشدني أبو عبد الله/ ٢٦٤ أ/ محمد بن سعيد الواسطي، قال: أنشدني أبو البركات لنفسه: [من الكامل]
لمَّا جفا من كنت آمل وصله ... ظلمًا وجدَّ فديته من ظالم
أخفيت زرقة ملبسي من حاسدي ... ولبستها من خشيةٍ في الخاتم
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني محمد بن محمد لنفسه: [من الطويل]
خليليَّ عوجا عرَّضا لي بذكر من ... بها ينقضي عمري وأدفن في رمسي
ونوحا بشجو واندبا لي فرقتي ... ليال تقضَّين فهل راجعٌ أمسي
غداة افترقنا غاب عقلي فما أرى ... لي اليوم من عقل صحيح ولا حسِّ
ألا إنَّ نور الشَّمس من نور وجهها ... فما لي أراها تستظلُّ من الشَّمس
следующие страницы →