← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حظوظها في السَّبعة العوالي ... تتبع بالأربعة الأغفال جاءت على ما يقتضي الترتيب: ... الفذُّ والتَّوأم والضَّريب والحلس والنَّافس وهو الخامس ... منهنَّ والمسبل وهو السَّادس ثمَّ المعلَّى سابع السِّهام ... يفوز بالمياسر العظام والأربع الأغفال هنَّ بعد ... أوَّلها رقيبها والوغد وأبدلوا الرَّقيب بالمصدَّر ... والوغد بالمضعَّف المؤخَّر ثمَّ المنيح بعده السَّفيح ... وذاك عندي نسق صحيح وهذه خطبة من إنشائه أوردها بالمقر الأشرف الملكي العادلي: /١٣٩ أ/ "الحمد لله الذي يسبِّح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، والسحاب الهواطل، ويسجد لعَّزته ما اخترع من بريته ..... بالغدوِّ والآصال، جامع كلمة الموحدين، ومؤيدها بلوامع البراهين والدلائل وقاطع حجة الملحدين ..... ، وقامع أهل البدع والباطل. باعث النبي الأمي من أفضل المنازل، وأشرف القبائل، الذي نسخ بكتابه ورسالته ما تقدمه من الكتب والرسائل – صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه – ما وخد في بيداء بازل، وأمتع الإسلام والمسلمين بطول بقاء السيد الأجل، الملك العادل، السميدع الباسل، الحليم الحلاحل، المفضل الفاضل، الواصل الصائل، ذي العزم القاصل، والرأي الفاصل، الذي طهر الله به وبصنوه الأرض المقدسة والساحل، واستنفذ بسيفهما ما استحوذ عليه الكفرة من البلاد والمعاقل، حين غزوهم بليوث الجحافل، على متون الصواهل، فظهر دين الله بعد أن كان من الدين ..... ، وتحلى بالتوحيد على منبر كان منه عاطل. فالحمد لله منير الحق بعد خبوه /١٣٩ ب/ ومبير الباطل. جلّت ذاته، وتقدَّست صفاته، عن المشابه والمماثل، وتنَّزه عن الحلول والحين والجهة وأن يكون له العرش حامل. لا يقال: متى كان؟ ولا أين كان؟ ولا كيف كان؟ وكل ذلك سؤال الأراذل، كان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان ليس بمنتقل عنه ولا زائل. يجلُّ الربُّ عن

стр. 177

سمات الحدث وعن زعم المشبِّه الجاهل، وتعالى الخالق عن مشابهة المخلوق وأن يوصف بأنه صاعد أو نازل، كما وصفه المبتدع في عقيدته التي عقد بها لبّ كل غافل. جعلها ذريعة للتحريف، ووسيلة للتكليف من أعظم الوسائل، ولو اقتصر على ما قال الأوائل. أو كان عاقلًا، لكان للسانه عاقل، بل قصد ..... والإشارة إليه بالأنامل، في تكفير من خالفه من الشافعية والحنفية والمالكية وموحدي الحنابل، فانتصر الله ولينصرن الله من ينصره إن الله لا يضيع عمل عامل، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل حامل. فأنت المفزع وإليك /١٤٠ أ/ المرجع إن نزل بالمسلمين نازل، أعانك الله على ما ولاك ورعاك، فيما استرعاك، وأراك الحق حقًا. ووفقك لإتباعه، وأراك الباطل باطلًا وأحسن عنك دفاعه. وبلغك في الدارين سؤلك وأملك، وتقبل صالح الدعاء فيك ولك. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وسلم تسليمًا كثيرًا". [٩٠] أحمد بن عليِّ بن أبي معقل بن أبي العلاء المحسن بن أحمد بن الحسين بن محمد بن معقل، أبو الحسين الأزديُّ ثم المهلبيُّ. من أولاد المهلب بن أبي صفرة من أهل حمص. حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الفقيه الحنفي المدرس بحلب

стр. 178

- أيده الله تعالى – في تاريخه الذي صنفه لحلب المحروسة، قال: أبو الحسين أحمد ابن علي الأزدي، شاعر أديب فاضل؛ له معرفة جيدة باللغة العربية، وهو من بيت الأدب والشعر بحمص. ورد علينا حلب في سنة ثلاث عشرة وستمائة، وذكر لي أنه: نظم "الإيضاح"، و"التكملة" لأبي علي الفارسي، /١٤٠ ب/ أرجوزة، وأملى علي مقاطيع من شعره بحلب. ثم اجتمعت به بدمشق سنة ست وعشرين وستمائة ونقلت عنه شيئًا آخر من شعره، وهو ممن يصدّر لإفادة العلوم العربية واشتغل بها عليه. قال: وأنشدني لنفسه: [من الوافر] أنى لي أن أفيق من التَّصابي ... وسكرته وقد جاء النَّذير وينزع عن غوايته فؤادي ... وفي فودي قد لاح القتير فما هذي الحياة سوى عناء ... ولا لذَّاتها إلا غرور وما الدُّنيا الدَّنيَّة غير ظلٍّ ... يزول وطيف أحلام يزور وليس سعيدها إلا شقيٌّ ... وليس غنيُّها إلا فقير يروح المرء ذا أمل طويل ... فيخلف ظنَّ هـ أجل قصير ويحرص أن يقيم بدار ظعن ... يسير ومكثه فيها يسير وأنشدني القاضي الإمام – أيده الله تعالى – قال: أنشدني أحمد بن علي لنفسه: [من الخفيف] يا نديمي من سرِّ أذد عمان ... أشرف النَّاس محتدًا ونجارا إحبس الكأس عن أخيك فقد مال إلى صحوة وملَّ العقارا /١٤١ أ/ وطوى الأربعين لا بل طوته ... وأرته المجون واللَّهو عارا وجلى الشَّيب وانجلى لون فوديه فعادا من بعد ليل نهارا

стр. 179

أأرى خاسر الشَّبيبة والرُّشد ... جلَّ ذان عندي خسارا ما اعتذاري بعد أبيضاض عذاري ... في ارتكابي الآثام الأنام والأوزارا أعذر الدَّهر حين أنذر بالشَّيب ... بنيه وأسمع الإنذارا وأرى بعضهم مصدِّع بعض ... وكفى ذلك اللَّبيب اعتبارا وأنشدني، قال: أنشدني أبو الحسين قوله: [من مجزوء الكامل] يا هند فلَّ الدَّهر حدَّ عزيمتي وتعلمينا وأمرَّ طعم العيش بعد حلاوة مرُّ السِّنينا ونضوب ثوب الدَّهر لمَّا أن نضوت الأربعينا وأنشدني، قال: وسألته بعد أن أنشدني القطع الثلاث، أن ينشدني شيئًا من الغزل، فأنشدني لنفسه: [من الكامل] سفحت دموعك يوم سفح الحاجر ... آرامه بسوالف ومحاجر بيض شهرن من العيون خناجرًا ... للفتك تغمد في طلى وحناجر /١٤١ ب/ لو كان صبرك صادقًا يوم النَّوى ... ما بتَّ مرتقب الخيال الزَّائر ولما غدوت لذكر أيَّام الحمى ... وكأنَّ قلبك في مخالب طائر عرَّضت قلبك للهوى فإذا به ... إعراض ريم من ذؤابة عامر سلَّت عليك سيوفه وعيونه ... فوقفت بين بواتر وفواتر كم ليلة قد بات نومك نافرًا ... فيها لذيَّاك الغزال النَّافر يا صاح من عليا تنوخ أناظر ... ماذا جناه على فؤادي ناظري وأنشدني، قال: أنشدني أحمد بن علي لنفسه بجامع دمشق: [من البسيط] مالي أزوِّر شيبي بالخضاب وما ... من شأني الزُّور في قولي وفي كلمي إذا بدا سرُّ شيبي في عذار فتى ... فليس يكتم بالحنَّاء والكتم وأنشدني، قال: وأنشدني أبو الحسين من شعره: [من المتقارب] رأتني سعاد حليف الهموم ... وكنت قديمًا حليف السُّرور

стр. 180

فغضَّت عن الشَّيب لمَّا بدا ... برأسي طرفًا شديد الفتور فقلت لها: أقذى في الجفون ... فقالت نعم وشجى في الصُّدور [٩١] أحمد بن هبة الله بن سعد الله /١٤٢ أ/ بن سعيد بن سعد بن مقلّد بن أحمد بن صالح بن مقلد بن عامر بن عليِّ ابن أحمد بن يحيى بن عبيد، أبو القاسم بن أبي منصور البحتريُّ الطائيُّ الحلبيُّ، المعروف بابن الجبراني القارئ النحويُّ اللغويُّ. من أهل حلب. قال القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن بن أبي الفضل الحلبي الحنفيُّ – حرس الله مدّته – كان رجلًا فاضلًا، مقرئًا مجودًا، عارفًا بعلوم القرآن العزيز واللغة والنحو معرفة جيدة. وذكره القفطي في كتاب النحاة – من تصنيف – قال: كان شديد الكلب للدنيا، يدخل في دنَّيات الأمور، ويعامل المعاملات المخالفة للشريعة، ويحتمل من ضيق العيش في المأكل والمشرب ما لا يوجد من مثله، إلى أن حصل له جملة من الدنيا ما انتفع بها وخلفها لولده. ولقد شاهدته في الأيام الشديدة البرد؛ وهو رقيق الملبوس، يقاسي من ألم القرّ ما يظهر أثره عليه، وعدته في مرضه؛ فرأيت منزله على جودة بنائه وهو في غاية من الزراية في المفرش والملبس. ورأيته في أول مرة؛ وهو /١٤٢ ب/ على خلاف في كل هذا، فإنني شاهدته عند ورودي حلب في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وهو حسن البزة والمخدوم والمركوب. ثم نسخ الله ذلك بما ذكرته بعد مدّة ليست بالطويلة.

стр. 181

وتصدّر بجامع حلب برزق قرر له من وقف الجامع لإقراء القرآن والعربية. وكان بخيلًا بما عنده من ذلك يصادف فيما يذكره في أوقات حضوره فما استفاد منه أحد، ولا ظهر له تلميذ معروف. ولم يزل على جده في الكد وتعرّضه للطلب من أكابر بلده من الجند بغير حاجة إلى أن ذهب لسبيله بالوفاة. وكان له شعر رديء من شعر النحاة، فيه تكلّف ..... وتصنع، يذهب رونق النظم يمدح به لطلب الازدياد. وكان إذا تلا القرآن تلاه بصوت غير شج، ويتصنع الحروف من مخارجها فيزيد في ذلك على الواجب، يرفع به صوته ..... المسامع؛ غير أنه كان شديد الاجتهاد في طلب الفوائد من صفحات الصحف يلازم المطالعة ليلًا ونهارًا، ويلزم الحفظ لبعض ما يمر به في أثناء ذلك. ولقد حكى لي الشريف أبو هاشم /١٤٣ أ/ ابن أبي حامد الحلبي صديقي – ﵀ – قال: أخبرني جار له، قال: رأيت ابن الحبراني في زمن الصيف يقوم في ثلث الليل الأخير في سطحه، ويوقد سراجًا في موضع ..... من ..... ، ويقعد للمطالعة وقتًا طويلًا دائمًا في كل ليلة لا يشغله الحر ولا القر عن المطالعة والاستفادة. وكان إذا لوحح في السؤال تضجر وسط لضيق عطنه، وربما سئل عن المسلة فسارع إلى الجواب ويخطئ فإذا ردد عليه الخطأ عز عليه واستوحش وانقطع عن ذلك المجلس. قال الإمام القاضي أبو القاسم بن أبي الحسن الحنفي الحلبي: قرأ على شيخنا أبي القاسم بن علي بن قاسم بن الزقاق الأشبيلي المقرئ وغيره، وقرأ اللغة على شيخنا أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، والنحو على أبي الرجاء محمد بن حرب النحوي الحلبي، وسمع أبا الفرج يحيى بن أبي الرجاء بن سعد الثقفي، وأباه أبا منصور هبة الله بن سعد؛ وله شعر حسن. تصدّر بالمسجد الجامع لإفادة علوم القرآن العظيم واللغة والنحو إلى أن مات بحلب يوم الاثنين سابع عشر شهر رجب من سنة ثماني وعشرين وستمائة /١٤٣ ب/ ودفن في سفح جبل جوشن.

стр. 182

وسألته عن نسبته ابن الجبرانيُّ، فقال: من أجداده من هو منسوب إلى جبرين قورسطايا قرية من ناحية عزاز؛ قال: وهو من شواذ النسب. وكتبت عنه شيئًا من الحديث، وشيئًا من شعره، وفوائد من شيوخه، وسألته عن مولده، فقال: في سنة إحدى وستين وخمسمائة. أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم العقيلي – أبقاه الله تعالى – قال: أنشدني أبو القاسم أحمد بن هبة الله الحلبيّ لنفسه: [من الطويل] لقد سمت ما لا أستطيع من الأمر ... رويدك إنَّ اللَّوم لي بالهوى يغري فلو ذقت ما قد ذقت من لذَّة الهوى ... تيقَّنت أنَّ العذل ضرب من الهجر سقاني الصِّبا كأس الهوى ثمَّ علَّني ... وجرَّعني من حلوه ومن المرِّ بنفسي الَّتي أودى هواها بمهجتي ... وأصبح قلبي عندها موثق الأسر إذا سمتها تعجيل حلو وصالها ... تكلِّفني صبرًا أمرَّ من الصبر وترنو بطرف كلَّما طرفت به ... تقلَّب قلبي في ذكيٍّ من الجمر فتحسب هاروتًا وماروت إذ رنت ... لدى الرَّأي في البابنا نافثي سحر لقد منعت يقظى لذيذ وصالها ... وفي النَّوم حتَّى صدَّت الطَّيف أن يسري /١٤٤ أ/ ولو أنَّها تستطيع بخلًا بذكرها ... لصدَّته أن يجري ويخطر في فكري عليه وصالًا منك بشقيه أنَّه ... أضرَّ به الهجران يا ضرَّة البدر جوانحه تأتجُّ نارًا من الأسى ... وأجفانه قرحى وأدمعه تجري لك الله من قدٍّ رشيق وطلعة ... لقد أزريا بالبدر والغصن النَّضر تعطِّر نادي الحيِّ إذ خطرت به ... ولم تمس الأردان شيئًا من العطر ولم أنسها يوم الوداع وقد سبت ... فؤادي وغالت ما ادَّخرت من الصَّبر بدرَّين منثورين لفظ وأدمع ... ودرَّين منظومين في الفم والنَّحر لأزمع لمَّا إن رحلت ترحُّلًا ... رقادي عن عيني وقلبي عن صدري قفي زوِّديني نظرة منك علَّني ... أعيش بها يا عزُّ واغتنمي أجري

стр. 183

ولا تجمعني هجرًا وبينًا فلم أكن ... لأقوى على بين الأحبَّة والهجر رأت شيب رأسي الغانيات فعفنني ... وكنت أرى ما بين سحر إلى نجر مضت لي أيام الشَّباب حميدةً ... ولم يبق من عصر الشَّباب سوى الذكر وأقبل عصر الشَّيب بالكره مؤذنًا ... بتصريم أيام بقين من العمر كأنَّ شبابي كان ليلة وصلها ... تدج حتَّى روِّعت بسنى الفجر كأنَّ سواد الشَّعر سود مطالبي ... يبيِّضها غاز بأفعاله الغرِّ /١٤٤ ب/ وأنشدني، قال: أنشدنا أبو القاسم بن الجبرانيّ لنفسه من قصيدة: [من الكامل] ملك إذا ما السِّلم شتَّت ماله ... ردَّ الهياج عليه ما قد فرَّقا وأكفُّه تكف النَّدى فبنانه ... لو لامس الصَّخر الأصمَّ لأورقا وحدثني القاضي الإمام أبو القاسم – أيده الله تعالى – قال لي أبو القاسم أحمد بن هبة الله النحوي: عمل أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في لزوم ما لا يلزم؛ وهي النون الساكنة مع الباء والذال وواو الرِّدف: [من السريع] كل واشرب النَّاس على خبرة ... فهم يمرُّون ولا يعذبون ولا تصدِّقهم إذا حدَّثوا ... فإننَّي أعهدهم يكذبون وإن أروك الودَّ عن حاجة ... ففي حبال لهم يجذبون وقيل لا رابع لهذه اللفظة، قال: فزاد فيها أبو الحسين ابن منير بيتًا وهو: /١٤٥ أ/ قزم إذا سيلوا وإن أطمعوا ... رأيتهم من طمع يهذبون قال: فزدت أنا بيتًا آخر، وهو قولي: ليس يرجِّي خيرهم آمل ... يومًا ولا عن لاجئ يشذبون قال، وقال، أبو القاسم عملت بيتًا ثالثًا لبيتي أبي محمد الحريري اللذين ذكرهما

стр. 184

في المقامات، وقيل لا ثالث لهما، وهما: [من المنسرح] لا تسأل المرء من أبوه ورز ... خلاله ثمَّ صله أو فاصرم فما يشين السُّلاف حين حلا ... مذاقه كونها ابنة الحصرم قال: فقلت: [من المنسرح] وإن غدا راقيًا مراتب ذي ... أصل عريق فلا تقل حص رم [٩٢] أحمد بن يرنقش بن عبد الله العماديُّ، الأمير أبو العباس السنجاريُّ. كان أبوه من مماليك عماد الدين زنكي بن مدود بن آق سنقر – صاحب سنجار -. وكان أحمد أميرًا مكملًا فاضلًا شاعرًا حسن الأخلاق طيب المعاشرة /١٤٥ ب/ متمولًا، وله أملاك كثيرة بسنجار، ووجاهة عظيمة. تغيّر عليه قطب الدين بن عماد الدين – صاحب سنجار – وقبض عليه، وأخذ جميع ماله وحبسه حتى مات بسنجار سنة خمس عشرة وستمائة في حبس قطب الدين ممنوعًا من الطعام والشراب. وحدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي – أيده الله تعالى – قال: قدم علينا أحمد بن يرنقش حلب، وأقام بها مدة وسكن درب العادل؛ ثم عاد إلى سنجار. قال العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى: روى لنا عنه شيئًا من شعره أبو الحسن علي بن الحسين الحنفي السنجاري، وأخبرني أنه كان في صدر عمره مسرفًا على نفسه، وأنه أقلع وتاب توبة حسنة، قال: وكان يصوم الهواجر، ويقوم الليل.

стр. 185

ثم أنشدني أبو الحسن، قال: أنشدني أحمد بن يرنقش العمادي لنفسه: [من مجزوء الوافر] مشيب الرَّأس حين بدا ... يقول دنا الَّذي بعدا فقم بادر إلى عمل ... يسرُّك أن تراه غدا فيومك ذا إذا ما فات ليس بعائد أبدا /١٤٦ أ/ وأنشدني أبو الحسن السنجاري، أنشدي أحمد بن يرنقش لنفسه: [من الطويل] تقول وقد ودَّعتها ودموعها ... على نحرها من خشية البين تلتقي مضى أكثر العمر الذي كان نافعًا ... رويدك فاعمل صالحًا في الَّذي بقي وحدثني القاضي أبو القاسم – أسعده الله تعالى – قال: أخبرني جماعة بسنجار أن أحمد بن يرنقش مات في حبس قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي – صاحب سنجار – بعد أن قبض على جميع ماله ومنعه من الطعام والشراب، فبلغ من أمره أن أكل قلنسوته وأكمامه لشدة الجوع. ودخل إليه بعض من كان يشرف على حاله من أصحاب قطب الدين، فقال له: قل لقطب الدين يطعمني ويسقيني، وأعطيه ألف دينار ولم يبق لي غيرها؛ فلما ذكر ذلك لقطب الدين ما ذكره، سير إليه طعامًا وماء بثلج، وقال للرسول: أدخله إليه ولا تمكنه حتى يعطيك الدنانير؛ فلما دخل إليه نظر إليه، فقال: لا سبيل لك إليه! إلا بعد إداء ما ذكرت، فقال: والله ما بقي لي شيء، والذي لي قد قبض جميعه، وإنما قلت ما قلت لتطعموني وتسقوني؛ فردوا الطعام والماء، ولم يتناول منه شيئًا /١٤٦ ب/ وخرجوا من عنده، فنام فرأى النبي – ﵇ – في المنام فناوله شيئًا فأكله فزال عنه الجوع والعطس، فدخلوا عليه فوجدوه قائمًا يصلي؛ فلما فرغ من صلاته أخبرهم بما رأى، فلما بلغ قطب الدين اتهم والدته – أم قطب الدين – بأنها أنفذت إليه مأكولًا ومشروبًا. ولم يزل على ذلك إلى أن مات. وبلغني أن قطب الدين – صاحب سنجار – لما احتضر ودنت منه وفاته جعل يشكو العطش ويسقى فلا يروى، وذكر أحمد بن يرنقش ويردد اسمه على لسانه

стр. 186

إلى أن مات. وقال لي علي بن الحسين بن دبابا: بلغني أن أحمد بن برنقش أتي بماء ليشرب فرده، وقال: لا حاجة لي فيه فإني رأيت النبي – ﷺ – فشكوت العطش فناولني خاتمه فمصصته فزال عني العطش. [٩٣] أحمد بن يوسف بن عبد الرَّحمن بن مروان بن عبد الجبار، أبو العباس اللخميُّ الفرِّياني ينسب إلى فرِّيانة موضع من نواحي القيروان. أنشدني أبو محمد /١٤٧ أ/ عبد الله ولده، قال: أنشدني والدي لنفسه: [من البسيط] أما رجاء فإسم لا يباح به ... فأقسم الناس بالآيات والصُّحف فنقطة الجيم من فوق أحقُّ بها ... والرَّا تنقَّل بين الخاء والألف [٩٤] [أحمد بن يوسف بن محمد بن عبد الوهاب القيسيُّ، أبو محمد الجيانيُّ. كان فيه فضل وأدب؛ وله شعر حسن. أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي – ﵁ – قال: أنشدني محمد بن أحمد بن يوسف، أنشدني والدي لنفسه: [من الطويل] أحبه قلبي والمزار بعيد ... لمن يشتكي ممَّا يجنُّ عميد كفى حزنًا أنِّي على النأَّي منكم ... فريد على كثر الجليس وحيد وقلتم بأنِّي قد تسلَّيت عنكم ... وكيف وودِّي لا يزال يزيد

стр. 187

أيألف قلبي غيركم وهواكم ... عليه رقيب لا يزال عتيد فمازلتم مذ شطَّت الدَّار بيننا ... يمثِّلكم شوق لديَّ شهيد نأيتم فبان الصَّبر منذ نأيتم ... وعندي على ما أدَّعيه شهود سقام بجسيمي لا يزال يشفُّه ... وعين كما شاء السُّهاد تجود عميت ..... ..... ... عليل ولكن لا يباح ورود] [٩٥] أحمد بن محمد بن عبد الله بن عمر القرشيُّ المصريًُّ، يكنّى أبا المكارم، يعرف بابن نقّاش السِّكَّة. من أهل الديار المصرية. كانت ولادته ليلة حادي عشري شهر رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة. أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبيّ بحلب، قال: أنشدني أبو المكارم لنفسه: [من السريع] يا غيث لو لم تك من أدمعي ... لما هفا برقك في أضلعي أراك أقلعت وقد أزمعوا ... كلُّ سحاب الدَّمع لم يقلع أجاب قلبي: إن قلبي مضى ... يوم النَّوى معكم فلم يرجع ويا حمام الأيك هل أنت إذ ... تبكي على الأحباب تبكي معي لو كنت مثلي فاقدًا إلفه ... ما كنت تبكيه بلا أدمع /١٤٧ ب/ ويا نسيم الرَّوض حدِّث لقد ... ناب انتشاقي لك عن مسعي وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه فيمن اسمه غبراهيم: [من السريع] إن قيل إبراهيم ذو عجمة ... تمنعه الصرف فلا عذل لم لا يجوز الصَّرف فيه ولا ... معرفة فيه ولا عدل وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في بعض المغاربة: [من الطويل] يقولون: أهل الغرب أهل فضيلة ... وكلُّهم ينبيك لفظ مقاله

стр. 188

وما يطلع الغرب الَّذي غير ناقص ... ومن شكَّ فلينظر طلوع هلاله وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من المتقارب] وقالوا لنا: الشَّهم عيسى قضى ... وكثِّر في الموت معنى الحديث وعوَّض عن ماله نفسه ... فقلت الخبيث فداء الخبيث وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يخاطب الملك الكامل، وقد جذب الريح بعض المراكب على ثغر دمياط، فأخذها المسلمون وأحرقوها، وطلعت ومطرت السماء، وكسرت الفرنج /١٤٨ أ/ في ذلك الوقت: [من الطويل] ليهنك نصر الله يا كامل العلا ... لقد حزت ما لا رامه قطُّ إنسان الم تر ملك الرِّيح للسُّفن غاصبًا ... وعمَّهم يا مالك الأرض نيران نصرت بجند الرُّعب، قلنا: محمَّد ... ووافاك جند الرِّيح أنت سليمان وطمَّ على أعدائك البحر والحيا ... فهل أنت نوح في زمانك طوفان فلا زلت منصورًا وجيشك غالبًا ... نعم وعلى الأعداء ذلُّ وخزلان وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه ما كتبه له على حربه: [من السريع] برسم لبَّات أعاديك يا ... مصطنع الإسلام والكفر سلطاننا الكامل ملك الورى ... محمد بن أبي بكر وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل] أيا ملك الإسلام خذها بشارة ... من الله تنطيق لفكري بإلهام إذا ما علا دمياط بالكفر ظلمه ... وكان عليه نور الدين وإسلام فلا تيأسن ما ذاك باق وإنَّه ... يزول بأمر الله عنها وإرغام وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه لما مات العماد بن الشكوي: [من البسيط] /١٤٨ ب/ تعجَّب النَّاس من قسم القضاة على الأحكام بعد العماد الكوكب السَّاري فقلت: لم يجدوا كفرًا لمنصبه ... عدلًا وقد قسموا في بعض أخبار قاض منازل عز الخلد مسكنه ... والقاضيان كما قد قيل في النار

стр. 189

[٩٦] أحمد بن المبارك بن عبد الرحمن بن الحسن بن نفاذة، أبو الفضل السُّلميُّ الكاتب. من أهل دمشق، يلقب نشو الدولة. توفي في سنة إحدى وستمائة. كان أحد الكتَّاب بين يدي الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي – ﵀ – وممن كان بصحبته حضرًا وسفرًا. ذكره الإمام أبو حامد الكاتب في خريدته، وأثنى على فضله ومعرفته، وقال: شاب محبّ للفضل، حريص على تحصيله، بجملته وتفصيله، وهو متولّي الإشراف على الهري بالقلعة بدمشق، وقد كتب ديواني شعري ورسائلي. أنشدني القاضي شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن الأنصاري القوصي /١٤٩ أ/ بدمشق سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو الفضل أحمد بن نفاذة لنفسه: [من السريع] إن أعوز الحاذق فاستبدلوا ... مكانه أخرق لم يحذق فلاعب الشِّطرنج من شأنه .. وضع حصاة موضع البيذق وحكى أبو حامد الكاتب في خريدته، قال: أنشدنا أبو الفضل هذين البيتين؛ قلت مجاوبًا له – البيذق أصغر ما في الشطرنج تقوم الحصاة عوضه – فارتجل في المعنى ما كتبه إليّ: [من الكامل]

стр. 190

ما سدَّ موضعه بمشبه فضله ... ولقد سما فضلًا عن الأشباه وضعوا حصاة وهي يصغر قدرها ... عن بيذق غلطًا مكان الشَّاه وأنشدني القاضي أبو المحامد أيضًا، قال: أنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل] يا من غدا شكري له ... كفريضة بين العباد قد كدت أنسخ شكره ... لولاه في جاه الوداد [٩٧] أحمد بن خليل بن سعادة، أبو العباس الخويِّيّ النحوي. قاضي قضاة دمشق. كان فقيهًا شافعي المذهب نظّارًا إمامًا في الخلاف والأصولين والجدل، ذكيًا مفرط الذكاء والفطنة. سمع من المؤيد الطوسي؛ وله يد في التفسير. صنّف كتبًا شتى في العلوم الشرعية وغيرها. ومات شابًا ولم يبلغ الخمسين. وكان وفاته في سنة سبع وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن بجبل قاسيون.

стр. 191

قال أبو عبد الله محمد بن نصر بن أبي النيان ما كتبه إلى الخويي القاضي بدمشق: [من المتقارب] فديتك يا أحمد بن الخليل ... ويا حكمًا شكره قد وجب ولا تعدمنَّ علاك الشِّام ... وبلَّغك الله أسمى الرُّتب فكم حجج لك عند الجدال تثني الخصوم وتجلي الكرب وكم مشكلات حكين الدُّجى ... فأوضحها علمك المنتخب وأضحت دمشق بأحكامه ... تطول إذا فاخرتها حلب /١٥٠ أ/ ولولا النَّبيُّ – ﵇ – ... ذكرنا الأعاجم قبل العرب فكتب إليه الخويّي جوابًا لنفسه: [من المتقارب] أيا شرف الدِّين يا ابن الكرام ... ويا فاضلًا قرشيَّ النَّسب لقد بمديحك شرَّفتني ... وجمَّلتني عند أهل الرُّتب رفعت مناري نحو السَّماء ... ولا زلت ترفع أهل الأدب فكان مديحك من لؤلؤ ... ومدحي فالخرز فلا تعتبن فإنِّي فقيه ... وشغلي في الدَّرس أو في الطَّلب فجوزيت عني يا سيِّدي ... وشكرك عندي إذن قد وجب [٩٨] أحمد بن محمد بن عليِّ بن أحمد بن الناقد الوزير، أبو الأزهر بن أبي السعادات البغداديُّ. أحد الأعيان الفضلاء، والسادة النبلاء، من البيت المعروف بالتقدّم والمكانة

стр. 192

والتجارة والأمانة. كان أبوه من التجار المعروفين، والأمناء المشهورين. سافر إلى الشام وخراسان، وعاد إلى بغداد، وتولى وكالة الجهة /١٥٠ ب/ الشريفة والدة الناصر لدين الله، وتقلّد أعمالًا جليلة منها النظر في المظالم والوكالة، وغير ذلك. وكان له خمس بنين كلهم فاضل جميل. فلما مات قام مقامه أكبر من أولاده؛ وهو أبو الأزهر، فنظر فيما كان ينظر فيه أبوه من الأوقاف التي شرطت الواقفة لهم، والنظر فيها مدّة. ثم عزله الناصر لدين الله فلازم داره مواظبًا على تلاوة القرآن المجيد؛ إلى أن عين له على نيابة بعض الأمراء والنظر في حال جنده وإقطاعه؛ فكان على ذلك مدة. ثم انفصل عنه وانقطع إلى منزله منعكفًا على قراءة كتاب الله تعالى على أحسن قاعدة، وأجمل طريقة؛ إلى أن مات الناصر لدين الله – ﵁ – وبويع ولده الظاهر بأمر الله – رضوان الله عليه – فاستدعاه لمبايعته. ثم فوّض إليه وكالة السادة الأمراء من أولاده، فبقي على ذلك إلى أن توفي الظاهر – ﵁ – وبويع ولده الإمام المستنصر بالله – أعز الله أنصار دولته – فقربه وأدناه، وفضله على من سواه، وأحضره في يوم /١٥١ أ/ المبايعة، وأحضر قاضي القضاة أبا صالح نصر بن عبد الرزاق، وقال له أستاذ الدار العزيزة أبو نصر المبارك بن الضحاك. وكانا قائمين بين يدي الشباك الشريف، وهو الذي قام بأمر البيعة لشيخوخته ... لأشغال الدار العزيزة، فقال له: إن أمير المؤمنين قد وكل أبا الأزهر أحمد بن محمد بن الناقد في كل ما يتجدد من بيع وإقرار وعتق وابتياع، فقال قاضي القضاة: أهكذا يا أمير المؤمنين! قال: نعم، فقال له: وليتني ما ولاني والدك – رضوان الله عليه؟ - فقال: نعم قد وليتك ما ولاك والدي فنزل وأثبت الوكالة الشريفة بالعلم، وأشهد عليه بثبوتها عنده سائر المعدلين. ثم ردّ أمر الوكلاء بالأبواب الشريفة إليه مضافًا إلى الوكالة، وخلع عليه في ذلك اليوم؛ ولم يزل يرتقي ..... وجاهة في كل يوم؛ إلى أن عزل الوزير أبو الحسن محمد بن محمد بن برز القمي عن نيابة الوزارة وذلك في يوم السبت سابع عشر شوال

стр. 193

من سنة سبع وعشرين وستمائة. استدعي أبو الأزهر إلى دار الخلافة، وخلع عليه في موضع البستان خلعة جميلة. /١٥١ ب/ سنية لنيابة الوزارة، وقلّد سيفًا محلى بالذهب. وكان قد حاز من الأوصاف الحميدة في نفسه من: الفضل الشائع، والدين الذائع، وغزارة الأدب، وتوفر الحياء والعقل الرصين مع معرفته بالعلوم الأدبية، وإتقانه من الصناعتين؛ الكتابية، والشعرية، وتفننه في الإنشاء، وتصرفه في ذلك على حسب ما شاء. وما يحفظه من عيون الأشعار، ونكت السير، مع إحكامه للقرآن المجيد، وتحصيله لفنون الأدب دراسةً وبحثًا؛ فإنه نشأ عفيفًا صينًا عالي الهمة، شريف النفس، لم يطلع له على ريبة قط. لا جرم حصل له ما لم يحصل لغيره، وخدمته السعادة، وامتطى غارب السيادة، وانقاد لطاعته قلوب الأنام، وامتثل أمره الخاص والعام، ومدحه الشعراء، واعترف بفضله الفضلاء، وأثنى عليه العلماء، ودعا له الصلحاء. وله نظم صحيح المعاني، جيد المباني؛ ومن شعره ما قاله وكتبه على بعض القصور الشريفة: [من الكامل] لله من قصر الخلافة منزل ... من دونه ستر النُّبوة مسبل /١٥٢ أ/ وروقا ملك فيه أشرف بقعة ... ظلَّت تحار له العقول وتذهل تغضي لغرَّته النَّواظر هيبةً ... ويردُّ عنه طرفه المتأمِّل حسدت مكانته النُّجوم فودَّ لو ... أمسى يجاوره السِّماك الأعزل وسما علوًّا أن يقبِّل تربه ... شفة فأضحى بالجباه يقبَّل وله: [من الكامل] أبدًا لشمس سعودك الإشراق ... يا موطنًا شرفت به الآفاق بل يأمن الجاني ويقترب المدى ... للراغبين وتبسط الأرزاق وله في مثله: [من السريع] ومنزل تخفر القصور به ... لا زال يجري بسعده القدر إنَّ القصور الَّتي تحفُّ به ... كواكب وهو بينها قمر

стр. 194

[٩٩] أحمد بن عليِّ بن أبي محمد، أبو العباس الصفَّار الشيبانيُّ، من أهل دمشق المعروف بابن شقشقة. كان له عناية بالنحو واللغة، جامعًا فضيلتي النظم والنثر. وتوفي في سنة تسع وعشرين وستمائة. أخبرني نجيب الدين أبو الفتح نصر الله /١٥٢ ب/ ابن أبي العّز بن أبي طالب الصفّار الشيباني الدمشقي بها – في المحرم سنة أربعين وستمائة. قال: خالي أبو العباس حبر مجيد، وإمام مفيد، جمع الفضائل والمروءات، وحاز الغايات والنهايات، إن تكلم أضرب، وإن أغرب أعرب، يفوق برقة نظمه شدو الحمام، ويخرج من بساتين فضله ثمرًا يزري بذروات الأكمام، ساد بما لديه أبناء جنسه، فنمق بيراع علمه طرسه بنفسه. أخذ من كل فن غايته، وبلغ من كل أمد نهايته، شهاب قبسه موري ولا يواري، وطرف طرفه في بيداء بدايته لا يجاري، فاق الأدباء في مضماره، فصار الشعر من بعض شعاره، ففنونه لا تدخل في العد، ولا يحيط بها حصر الحد. وأنشدني، قال: أنشدني خالي لنفسه من أبيات: [من البسيط] من لي بصبر غداة البين إذ بانوا ... وكيف بعد وفائي في الهوى خانوا حفظتهم ثمَّ خانوني وما حفظوا ... عهدًا لنا فيه إيمان وأيمان أقسمت بالرُّكن والبيت العتيق ومن ... لبَّاه خوفًا له حاف وعريان /١٥٣ أ/ ما إن سلوت ولالي عنهم عوض ... وإن تناءت بنادار وأوطان وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه من أبيات في مدح دمشق: [من الطويل] وبلِّغ سلامي قاسيون وبرزة ... وجوير والميطور والشَّرفين وحيِّ ربوع النَّيربين ومزًّة ... وسكان داريَّا وما العلمين فأكرم بها يا صاحبيَّ منازلًا ... حكت جنة الفردوس بالضفتين

стр. 195

[١٠٠] أحمد بن الحسين بن أحمد بن أبي المعالي بن منصور بن عليٍّ النحويُّ الضرير اللغويُّ الفرضيُّ الحاسب الأديب الشاعر، المعروف بابن الخباز، أبو العباس. كان أبوه من أهل إربل عاميًا يبيع الخبز، وأصل آبائه من بعض قرايا العراق. ونزل الموصل وتأهل بها وتديَّرها إلى حين وفاته؛ ولد [له] عدة أولاد من الذكور والإناث. وولد له أبو العباس هذا ونشأ، وصرف همته إلى الاشتغال بالعلم وأحبه وأقبل عليه /١٥٣ ب/ بكليته فحفظ أولًا الكتاب العزيز، وقرأ التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي حفظًا جيدًا. ثم ترقى إلى العلوم الأدبية، وتردد إلى جماعة من أدباء الموصل، ولازم الشيخ أبا حفص ودرس عليه كتبًا كثيرة من علم الأدب والنحو واللغة والعروض والقوافي حتى برز على أقرانه، وفاق أبناء زمانه، وبرع في ذلك، وتمهر تمهر المجتهدين. فلما مات أبو حفص شيخه جلس مكانه، وتصدر لإفادة علم الأدب والعربية والقرآن والفرائض والحساب ومعاني الشعر وغير ذلك؛ فانثالوا عليه من كل فج. وهو اليوم شيخ وقته، وحبر مصره، ولم ير في زماننا أسرع حفظًا منه ولا أكثر استحضارًا للأشعار والنوادر والحكايات واللطائف، وهو غاية في الكاء والفهم، سريع الخاطر في نظم الشعر، قوي الروح وقت القراءة عليه. يشغل الناس من بكرة إلى عشاء الآخرة في مسجد بسكة

стр. 196

أبي غنج أنشأه الصاحب أبو الكرم محمد بن علي ابن مهاجر الموصلي. وأقام له فيه جاريًا يدّر عليه، وجامكية تصل إليه تقوم بأوده وتفضل عنه؛ إلّ أنَّه /١٥٤ أ/ لم يزل متألمًا من الزمان، كثير التعب من صروفه، شاكيًا من أبناء دهره، قليل الحظ منهم. ثم انتقل إلى المدرسة البدرية، فلم يزل مقيمًا بها إلى أن توفي. كان رجلًا أسمر اللون، عبل البدن، مدور اللحية. وذكر لي أنَّه كان في بدو أمره له بصر يسير، ويعرف الألوان، ويفرق بينها. ثم ذهب بصره بالمرّة. وكان إذا مشى لم يحتج إلى قائد يقوده. وكان له لحية سوداء حسنة مدوّرة. وحدثني، قال: لما شرعت في الاشتغال بكتاب "الفخري في الحسنات" واجتهدت في دراسته وحفظه على الشيخ أبي المعالي ثارت على السوداء، وبقيت مدة مريضًا بها؛ فلما أبللت من ذلك انثرت لحيتي جميعها ولم تعد إلى ما كانت عليه. وكان خفيف العارضين جدًا خالطه الشيب قليلًا. أخبرني أنه ولد في اليوم الثاني عشر من جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وتوفي في العشر الأول من شهر رجب سنة تسع وثلاثين وستمائة – رحمه الله تعالى -. وحفظ عدّة من الكتب المجردة في النحو /١٥٤ ب/ والأدب واللغة والأشعار العربية منها كتاب "الإيضاح" لأبي علي الفارسي، وكتاب "المفصل" لأبي القاسم الزمخشري، وكتاب "الكافي في علم العروض والقوافي" لأبي زكريا التبريزي، وكتاب "مجمل اللغة" لأبي الحسين [أحمد] بن فارس الرازي، وكتاب "الفخري في الحساب". ثم إنه تحفظ من أشعار العرب الجاهلية والإسلام والمولدين والمحدثين ما لا يحصى، وصنف كتبًا مفيدة في النحو والعروض منها: كتاب "الجوهرة في مخارج الحروف" وهي قصيدة مزدوجة رجز، وكتاب "الإلماع في شرح لمع ابن جني"، وكتاب "التوحيد" في شرحه أيضًا، وكتاب "تحرير المقياس في تفسير القسطاس"

стр. 197

عروض، وكتاب "قواعد العربية" وكتاب "كفاية الأعراب عن علم الإعراب"، وكتاب "نظم الفريد في شرح التقييد" شرح المقدمة الجزولية، وكتاب "الغرة .... /١٥٥ أ/ في المسائل الألفية" من علوم شتّى، وكتاب "الإفصاح في الجمع بين المفصل والإيضاح" لم يتمّمه، وكتاب "النهاية في شرح الكفاية" وهو كتاب طويل الذيل جدًا، قل أن يؤتى على مثل مسائله، وقد أملى كثيرًا منه، وكتاب "الفريدة في شرح القصيدة" وهي قصيدة سعيد بن المبارك بن الدهان؛ وهي تشتمل على مسائل معوصة من النحو، وشرع في شرح المفصل مرتين، وعاقت عن ذلك عوائق. أنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المبارك بن أحمد بن المبارك المستوفي – ﵀ – وأنفذ إليه من الموصل إلى مدينة إربل من غير انتظام معرفة بينهما ولا مشاهدة، ولا اجتماع به إلّا لما شاع من معروفه وأفضاله بين الأنام، خصوصًا أهل الأدب والفضل، وإجماع الخلق على شكره، وجلالته في العلم والرئاسة؛ فآثر أن يمتدحه ويثني على حاله حبًا وتقرّبًا، ولم يطلب بذلك أجرًا ..... لكنه رآه أهلًا للمدح والثناء. [من الكامل] /١٥٥ ب/ سترن الغصون الرَّاح من حركاتها ... وتعلَّم الملكان من لحظاتها ونضَّت عن الوجه النِّقاب فأشرقت ... شمس الضُّحى والبدر من قسماتها سمراء تحمي بالملاحة طرفها ... كسنانها وقوامها كقناتها حسناء لو أنضفتها في وصفها ... لحكمت أنَّ الحسن بعض صفاتها وعدت فمات المستهام بخلفها ... وحياته إنجازها وحياتها وكفاه ضرًّا أنَّه في بعدها ... لم يخل من رقبائها ووشاتها فأسرَّ شكوى حاله من خوفه ... منهم وأخفت نفسه خطراتها يا من غرست لها المودَّة في الحشا ... وسقيتها من أدمعي لبناتها ثمر المودَّة أينعت من سقيها ... فإلى متى لا أجتني ثمراتها؟ ! لا تحسبي طول النَّوى ينسي الهوى ... حتى يردُّ النَّفس من صبواتها حكم السَّقام وقد هجرت فجار في ... أحكامه ورضاك في إثباتها قل للبخيلة بالوفاء نفوسنا ... من غدرها قد حان حين وفاتها إن لم يكن وصل فحسبي ..... ... بعد البلى يحيي الرَّميم رفاتها

стр. 198

وتعلَّمي جدون ابن موهوب أبي البركات فالثَّقلان في بركاتها وتشبَّهي بفتى إذا ما صاب في ... ..... بردِّ الرُّوح في أمواتها /١٥٦ أ/ جمع الفضائل والفواضل بعد ما ... دان اللِّئام بتركها وشتاتها وبنى من الشَّرف الرَّفيع محلَّةً ... جعل الطَّباق السَّبع من شرفاتها يا والي الشُّعراء حلمًا إنَّما ... يجني رعايا الناس حلم ولاتها لك بيت عزلٍّا لا يقوم بوصفه ... أضعاف ما حبَّرت من أبياتها ومنها يقول في ذمّ أهل الزمان: فحمدت ربَّ العالمين على العمى ... فيه فقدت شخوصها وشياتها وذممت سامعتيَّ لمَّا كانتا ... سببًا تقربني إلى أصواتها مغناك جنَّات النَّعيم فليتني ... أرعى ثمار الأنس من روضاتها وتغور من ..... من سكَّانه ... روحي ..... زهوقها بنجاتها وأنشدني أيضًا من شعره يتغزل: [من المجتث] علقِّته غصن بان ... فيه جميع المعاني ريق كخمر وثغر ... يفترُّ كالأقحوان تشتقُّ من وجنتيه ... شقائق النُّعمان بنفسجيُّ عذار ... عيناه نرجستان تملي على عاشقيه ... مقاتل الفرسان /١٥٦ ب/ كل عاذل فيه جهلًا ... بما يجنُّ جناني لسان حالي مجيب ... عن عذله لا لساني فراقه والرَّدى عند عبده سيَّان ووصله وحياة النُّفوس مؤتلفان لا يرتجى أحد وصله ولا سلواني يا نائي الوصل شوقي ... إلى لقائك داني يا باقي الهجر صبري ... عن حسن وجهك فاني لم يكف عينيك سقمي ... وبعضه قد كفاني نسيت ليلًا جنينا ... فيه ثمار الأماني

стр. 199

ونحن من كلِّ واش ... وحاسد في أمان وفي الكؤوس رحيق ... منطَّق بالجمان يخال قبل مزاج ... نارًا بغير دخان أبدت لنا لونه قبل شربك الوجنتان وفي ثناياك ريق ... من الرَّحيق ثناني /١٥٧ أ/ وطيب لفظك يغني ... عن استماع الأغاني يا من حرمت رقادي ... بطرفه الوسنان ومن قضى فتعدَّى ... في الحكم بالهجران ومن إذا قلت: حان الوصال، قلت: جفاني لولاك ما لمت حظِّي ... ولا ذممت زماني وأنشدني أيضًا لنفسه من قطعة يذم بها أهل الزمان: [من البسيط] فلا تثق بالليَّالي طالما غدرت ... بذي الوفاء ولو أعطته ميثاقا ذم الورى ..... زمانهم ... لوما فأحدق بالأيام إحداقا أعراضهم لم تزل مسودَّة فإذا ... قدحت فيهم أصاب القدح حرَّاقا بلوتهم فطعمت السُّمَّ في عسل ... فما وجدت سوى الهجران درياقا وأنشدني أيضًا من قصيدة: [من الطويل] أجد له شوقًا إلى ساكني الغضا ... سنا بارق منهم على البعد أو مضا فبات وفي أحشائه فرط لاعج ... إذا هاج بالذِّكرى أقضَّ وأغمضا فيا برق هل ..... الحبيب لعاشق ... ..... في الوصل يخلف ما مضى /١٥٧ ب/ يسرُّبه المحزون من قبل موته ... ويشفي سقيمًا بالحمام معرَّضا تمنَّى وصالًا والأماني منيَّة ... إذا لم يكن يقضيه ود لو قضى وما زال حتف العاشقين محبَّبا ... إليهم إذا ما العيش صار مبغَّضا رعى الله إلفًا قرَّب القلب شخصه ... وإن كان عن عيني بعيدًا معرّضا تعوَّضت عمَّا فاتني بنظيره ... سواه فإنِّي لم أجد متعوَّضا حبيبًا إلى قلبي وإن كان قاتلي ... ..... إلى نفسي وإن كان معرضا وأنفقت صبري بعد يوم فراقه ... فلم أر في أيَّام عسري مقرضا

стр. 200

ولم أنس يوم البين موقفنا وقد ... رأت زفرتي بين الجوانح تركضا وأجريت دمعًا لو جرى فوق صفصف ... لأخصب منه كلُّ محل وروَّضا وكم حاولت بسطًا لتوديعه يدي ... فواحرَّ وجدي أن تكفَّ وتقبضا ومن شقوتي أنِّي حرمت وداعه ... لأن النَّوى قد صار حتمًا بها القضا ولمَّا رأيت الهجر كالدَّهر باقيًا ... تخيَّلته واش عليه محرِّضا لعمرك إنَّ العيش من بعد حمده ... ذميم وكم سخط يولِّده الرِّضا صفا لي بالإقبال والإلف مقبل ... وأعرض عني صفوه حين أعرضا ولم أتجنَّب قصد مغناه سلوة ... ولكنه لمَّا نأى ضيَّق الفضا /١٥٨ أ/ قضى الدَّهر بالهجران بيني وبينه ... ولي دين وصل عنده ليس يقتضي قنعت ببرق الشام يبدو مذهَّبًا ... فيترك خدِّي بالدُّموع مفضَّضا وأنشدني لنفسه في مشترك اللغة: [من الكامل] ودجاجة صارت لثور مركبًا ... والفيل فوق الثُّور يقتل أخرسا الدجاجة: الكبَّة من الغزل، والثَّور: القطعة من الأقط، والفيل: الرجل الضعيف الرأي، ويقتل: يمزح، ولبن أخرس: لا صوت له في الإناء. ناولته قوسًا بلا وتر لها ... سهم إذا ما صاب أحيا الأنفسا القوس: ما بقي في القوصرَّة من التمر، والسهم: النصيب، وقد خيل به التشابه. وصاب وأصاب لغتان، وقوله: أحيا الأنفسا؛ لأن التمر قوت، وهذا موضع الإلغاز. وشربت من كعب لديه مسمّن ... فأثرت من عسل ترابًا أغبسا الكعب: بقية السمن في العكَّة /١٥٨ ب/ ومنه قول الحجاج للطّباخ في سمكة سمنها. والعسل: العدو، والأغبس: من الغبسة كلون الذئب. وفد المسيح له فزرنا مريمًا ... ربُّ المسيح إذا رآها أفلسا وفد: أي جاء، والمسيح: العرق، وقوله: به: أي بالعسل لأنه شيرة، والمريم

стр. 201

من النساء كالِّزير من الرجال، قال رؤبة: لزير لم تصله مريمه والمسيح: الدِّرهم الأطلس، والضمير في رآها يعود إلى مريم، وقوله: أفلس؛ لأنه يبذله لها. وقال يرثي أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الكريم الحنفي البغدادي – رحمه الله تعالى -: [من الكامل] جاد الغمأم كأدمع الأحداق ... قبرًا ثوى فيه أبو إسحاق فلقد ثوب فيه الفضائل والعلا ... بثوائه ومكارم الأخلاق /١٥٩ أ/ قبر بعين الشَّمس فضل جماله ... بعد الشُّروق كبهجة الإشراق قبر مقيم في الثَّرى وعلاؤه ... سام على سبع رفعن طباق قبر أحاط ببحر جود مفعم ... عذب المذاقة ماؤه دفَّاق لم يستفد حرٌّ جزيل هباته ... إلا تقلَّد ربقة الإرقاق ما بعد يومك للصديق سوى الأسى ... ولهيب شوق دائم الإحراق وسهاد عين لو تزوَّجها الكرى ... نشزت فبت حبالها بطلاق وسقام جسم لو ألمَّ جديده ... بالصَّخر الجأه إلى الإخلاق أبقيت في كبدي صدوعًا لا ترى ... شعبًا ولسعًا لا يفوز براقي ليت الحمام وقد غزاك بجيشه ... آلت غنيمته إلى الإخفاق سخنت عيون الشَّام ..... رأت ... شيئًا سوى العبرات والإبراق يا غصن ريح الموت ..... عاصفًا ... فذويت بعد الرِّي والإيراق يا بدر فاجأك المحاق ومن رأى ... بدرًا يفاجأ ..... بمحاق يا شمس عاجلك الكسوف فقطَّبت ... لذهاب نورك أوجه الآفاق يا ليث ..... المنيَّة ظفرها ... ذا لبدتين وماله من واقي .. من سحابة حادث ... هطلت عليك فعدن بالإغراق /١٥٩ ب/ أثريت من صبري وفقدك ردَّني ... من بعد إثرائي إلى إملاق

стр. 202

غيِّبت في لحد وذكرك حاضر ... وفنيت والخيرات منك بواقي إن قيَّدتك يد الزَّمان فطالما ... جادت يداك عليه بالإطلاق ومن العجائب أنَّه يدري ولم ... يستحي حين دهاك بالإرهاق ساقيت إخوان الصَّفاء شموله ... دهرًا وأنت اليوم غير مساقي لا تغضبن عليهم فجميعهم ... صافي المودَّة محكم الميثاق أسرتني الأحزان بعدك عنوةً ... فاعطف عليَّ وحلَّ عقد وثاقي ولقد شفيت عداك من أدوائهم ... لما مرضت ولست ذا إفراق وأعدت فقداني ففقدك عارض ... ما كان وابله سوى الإصعاق لما بلغت حمى ..... فقدته ... ..... ..... بفراق لا تقدر الأيَّام بعدكما على ... تقليل أحزاني ولا أشواقي ولقد أمنت الخوف من حدثانها ... أمنًا يسهِّل حزن ما أنا لاقي يوم الحسين شبيه يوم سميِّه ... في الحزن والتَّبريح والإشفاق وإذا ذكرتكما تحنُّ إلى الرَّدى ... نفسي حنين الواله المشتاق ومتى أراد الصَّبر قلبي عنكما ... سفهًا فإنَّ الصَّبر غير مطاق /١٦٠ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه يرثيه – ﵁: [من الكامل] جرت الدُّموع فسحبها لا تقلع ... ومضا العزاء فلا أراه يرجع أعجبت من جزعي لرزء هدَّني ... لا تعجبنَّ فذو الرَّزيَّة يجزع أبكي ولا أرجو إعادة ما مضى ... ومتى أعادت ما تقضَّي الأدمع في كلِّ يوم فقد خلٍّ مؤلم ... ومحلُّ إيناس خلاء بلقع فإلى م أحمل ما يصدِّع حمله ... صمَّ الصُّخور وكاهلي يتضعضع كنت الضَّنين بوالدي فسخا [به] ... دهر يفرِّق صرفه ما أجمع حفظتني الأيَّام قبل وفاته ... فمضى فها أنا بينهنَّ مضيَّع ومصاب إبراهيم إجهاز على ... علمي فما في قوس صبري منزع يا يوم إبراهيم إلَّا ..... ... شمس الفضائل بعده لا تطلع يوم به وجه الزَّمان مقطِّب ... داج وانف الفضل فيه أجدع اللَّيل محزون عليه لأنَّه ... مازال يسجد في دجاه ويركع

стр. 203

وعلى كواكبه كآبة عاشق ... فقد الحبيب فطرفه لا يهجع ذهبت محاسنها وأبطأ عيرها ... وجدًا فهن به قباح طلَّع ونهاره يثني عليه بصومه ... وقت الهجير وليس ريق ينقع /١٦٠ ب/ وإذا أتى صاد إلى إحسانه ... فله من المعروف بحر مترع يهوى البداءة بالعطاء ودينه ... صمت وإغضاء به وتخشُّع ويغضُّ عن نظر الفواحش مقلة ... تقذى إذا رأت العيون وتدمع وإذا تحدَّث من يجالسه بما ... فيه ذهاب مروءة لا يسمع وإذا جرى يوم السِّباق إلى العلا ... وقفت عن الجري الرِّياح الأربع وإذا أمال ذوي الغواية مطمع ... فيما يدنِّس لم يمله مطمع ويفلُّ حدَّ النَّائبات بحدِّه ... ويذبهنَّ عن الصَّديق ويدفع ويذُّل من عادى ويخفض صيته ... ويعزُّ بالنَّصر الوليَّ ويرفع يا موت كم أشقيت مسعودًا به ... ما زال في روض التَّنعُّم يرتع فنضا بكره عنه ثوب نعيمه ... فسروره يوم المصاب مودَّع قل للسَّحاب إذا مرته يد الصَّبا ... وذكت بأعلاه البروق اللمَّع وأصمَّت الأسماع شدَّة رعده ... فبكلِّ أذن حين يرعد إصبع واسودَّت الآفاق من إظلامه ... فعلى النَّهار من الحنادس برقع احلل عراك على ضريح حلَّه ... من لم يزل يروي نداه ويشبع وتعلَّم المعروف من معروفه ... حتى تنيل فكلُّ علم ينفع /١٦١ أ/ واستحي لا تفخر عليه فإنِّه ... وله المفاخر بالحياء ملفَّع وحياك نائله وبرقك نشره ... فرحًا ورعدك بأسه إذ يوقع يعفو عن الجاني بغير مذلَّة ... ويكفُّ غرب المعتدين ويردع يبغي رضا الله الكريم ووجهه ... فيما يلامسه وما يتوقَّع وإذا طريق القول ضاق على امرئ ... من عيِّه فله طريق مهيع كم مشهد للعلم يعجز حيرة ... عن أن يفوه به الخطيب المصقع أمضيت فيه من لسانك صارمًا ... تفرى الأكفُّ بحدِّه والأذرع كم جائع أشبعته متيِّقن ... من بعد موتك أنَّه لا يشبع

стр. 204

كم ليلة أحييتها بعبادة ... لله تسهر والخلائق هجَّع سعدت قبور جاورتك وأهلها ... بخلود جنَّات النَّعيم تمتَّع جزعي لفقدك في الفؤاد مخيِّم ... ومن العجائب أننَّي لا أجزع أرضاك رُّبك بالنَّعيم مضاعفًا ... ووصلت بالخير الَّذي لا يقطع وضفا عليك من الخلود لباسه ... وصفا لديك من الجنان المكرع وسكنت جارًا للنبيِّ بمنزل ... في كلِّ وقت بالكرامة يشفع وأنشدني أيضًا يرثي أبا إسحاق إبراهيم /١٦١ ب/ ابن محمد الرُّقي المعيد بالمدرسة النوريّة: [من الطويل] تمنَّى بنو الدُّنيا بها أن يعمَّروا ... وإنَّ المنايا من مناهم لتسخر تدور كؤوس الموت في كلِّ ليلة ... ويوم وتسقاها برغم فتسكر ونعرف أنَّا صائرون إلى الرَّدى ... ولكنَّنا نهوى الحياة فننكر نريد على مرِّ اللَّيالي تغيُّرًا ... وتأميلنا للعيش لا يتغيَّر أما في ذهاب الأهل عنَّا إلى البلى ... لمن كان ينسى حتفه ما يذكِّر أما في فناء الأصدقاء وفقدهم ... موارد أحزان لها الفكر مصدر فحتَّى م شيطان الغرور مسلَّط ... وكيف انتعاش المرء والجدُّ يعثر وكم يستغرُّ النَّفس في الغيِّ مطمع ... ويغدر بالنَّاس الزَّمان فيعذر وكم ينظم العيش الرَّخيُّ عصائبًا ... فيغتالهم صرف الحمام فينثر ومن يتَّقي بالمال سهم منيَّة ... يصاب به منَّا مقلٌّ ومكثر وما نحن إلاَّ مثل سفر مشيَّع ... فمنَّا الذي يغدو ومنَّا المهجِّر ولو غشي الألباب نور رشادها ... لكان لها في كل وقت يذكِّر ومن أبن الموتى بذكر محاسن ... فتأبين إبراهيم أولى وأجدر كريم إذا رجَّيته فزت بالغنى ... وحبر لأنواع العلوم يحبِّر /١٦٢ أ/ شجاع إذا ما الخصم صعَّر خدَّه ... أقمنا به من خدَّه ما يصعَّر ولو كان ملكًا أو خطيبًا سما به ... على كلِّ ما يسمو سرير ومنبر يروقك ألفاظًا حلت ومعانيا ... ومن سرعة الإدراك لا يتفكَّر وكم وشي شعر حاكه ببديهة ... إذا وشت استحيت من الوشي عبقر

стр. 205

بنى لأبيه بيت مجد مشيِّدًا ... إذا طاولته الأنجم الزُّهر تقصر وكان عصاميَّ السِّيادة نفسه ... تعلِّمه أفعالها وتبصِّر يذكِّرني أخلاقه بهبوبه ... نسيم الصَّبا والرَّوض ريّان أخضر فتزداد أشواقي إليه وبينه ... وبيني منهال من التُّرب أغبر شكوت خطوب الدَّهر من قبل فقده ... ومن بعده البلوى تزيد وتكثر شرين خيار النَّاس من بشرهم ... فبعت على كره لأنِّي أخسر خليليَّ هلاَّ تسعداني فإنِّني ... ذخرتكما وألخلُّ للخطب يذخر أعيراني الصَّبر الجميل فإنِّني ... جزعت ومن لي أنَّني عنه أصبر قفا بي على قبر الغريب وإنَّما ... وقوفي عليه عبرة وتحسُّر ولو أننَّي أنصفته فاض مدمعي ... دمًا فكأنِّي في شؤوني أنحر وقولًا له مغناك بعدك مظلم ... تجنَّبه السُّكَّان والتِّبر نيِّر /١٦٢ ب/ وقولا له إن حالت الأرض بيننا ... تساوى له عندي مغيب ومحضر وقولا له عظَّمت قبرًا سكنته ... فليسُّ يمس القبر إلا المطهَّر فقدناك فقد الرَّوض سقيا سحابة ... وفقد الضحى شمسًا بها كان ..... ولو كانت الأنواء عالمة بما ... وهانا لما زالت من الحزن تمطر ولو عرفت شمس الضُّحى ستر وجهه ... بهيل تراب لم تزل تتستَّر طوته المنايا في اللُّحود وحمده ... إلى يوم إنشار الخلائق ينشر ويحيا الفتى بالذِّكر بعد وفاته ... وما مات من آثاره الغرُّ تذكر وأنشدني من شعره لغزًا في اللحية: [من الطويل] وصاحبة مصحوبها لا يملُّها ... إلى الموت يكسي جسمها ثوبي الدَّهر يخاف إذا ما صارمته وأنَّه ... يرى هجر بعض إن أحبَّ أبا بكر تصاب بغسل إن أصيب ولم تكن ... لتغشى ويحيا الطُّهر إن كان ذا طهر وأنشدني أيضًا في الديك والدجاجة: [من الخفيف] جارتي أمُّ حفصة وأبو المنذر زوجان يرضيان الفجورا حرَّما الغسل دائمًا عن جماع ... واستباحت دم ابنها المحضورا فصحيح إذا ناها وإن يدن ترى العين صلبه مكسورا

стр. 206

/١٦٣ أ/ وهو عاج أبو لجين وتبر ... سخيًا لابسين فيه حريرا وأنشدني أيضًا لنفسه يلغز: [من الطويل] رأيت أبا بكر يصلِّي وقد زنى ... بأنثى ولم ينكر عليه محمَّد ولولا ابنه أو عرسه لم يكن أتى ... إلى عمر في الدَّهر يومًا موحِّد وعثمان لم يظلمه قاتله وما ... لحيدرة إذ جار إلاَّ المهنَّد وقال: [من الكامل] وقب الظَّلام بخدِّه فأعاذني ... من لامني من شرِّ ليل غاسق ما زال يظلمني البياض ويعتدي ... فاسودَّ من ظلمات ظلم العاشق وله: [من مجزوء الكامل] كم خاب ذو العقل الصَّحيح ... وفاز ذو العقل السَّقيم فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وقوله: [من الكامل] يا من تراه الشَّمس وقت شروقها ... فتصير حمراء المحيَّا والحيا وأقبِّل التُّفاح وهو مذكِّري ... خدَّيه مكتفيًا بآل عن حيا لما عصيت اللاَّئمين تقوَّلوا ... زورًا وأخرجهم إلى السَّفه العيا /١٦٣ ب/ وأنشدني قوله في غلام قبّل المرآة: [من الكامل] أمقبِّل المرآة حين رأى بها ... وجهًا يردُّ الطرف عنه كليلا لا أحسد المرآة حين منحتها ... قبلًا لأن لثغرك التَّقبيلا وأنشدني لنفسه ابتداء قصيدة: [من الكامل] ظفرت يد المشتاق يوم فراقه ... أهل النَّقا من طيبهم بعناقه وأراد منه قبلة يحيا بها ... فاستعجل الحادي بحثِّ نياقه ومنها: لم أنس ليلة زارني ونسيمه ... عبق يفوح المسك من أطرافه فلثمت من فيه أقاحي روضة ... حل الغمام بها عقود نطاقه

стр. 207

فسألته إخلاصه لو كاده ... والحسن يأمره بقبح مذاقه هو كالزَّمان إذا أذاقك حلوه ... أسقاك مرًا منه بعد مذاقه ومنها: فالعلم محروم بقبح كساده ... والجهل مرزوق بحسن نفاقه يا ليتني أبصرت قبل منيَّتي ... من نال حظًّا منه باستحقاقه [١٠١] أحمد بن المبارك بن نوفل /١٦٤ أ/ ابن ناش بن المهيا، أبو العباس الضرير النحويُّ النصيبيُّ. أخبرني أنَّه ولد بقرية من نواحي الموصل – تدعى خرفة – غربيها، وانتقل إلى نصيبين وعمره اثنتا [عشرة] سنة، فأقام بها مدّة فنسب إليها. ثم قدم الموصل وصحب الشيخ أبا حفص عمر بن أحمد العسفنيّ النحويّ، فأخذ عنه علم العربية، وقرأ عليه أشعار العرب واللغة والعروض، وسائر فنون الأدب. وكان أولًا قد درس فقه الشافعي والفرائض والأصول والحساب وغير ذلك، وذكر لي أنه حفظ القرآن العزيز في سبعة أشهر. سألته عن ولادته، فقال: ما أتحققها إلا [أن] لي الآن أربعون سنة. وكان سؤالي له في شوال بالموصل سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وهو رجل فاضل عالم حافظ لأخبار الناس وحكاياتهم ونوادرهم يغشى مجلسه جماعة من المستفيدين، يقرأون عليه. وصنف كتبًا في النحو والعروض، منها كتاب سماه "إيضاح العلل الخوافي في معرفة العروض والقوافي"، وكتاب في النحو /١٦٤ ب/ سماه "بيان المنهج وشرح الأنموذج" لأبي القاسم الزمخشري، وكتاب

стр. 208

"الرجحان في شرح الميزان" لأبي البركات الأنباري، وكتاب "الإفصاح في شرح الإيضاح" لأبي علي الفارسي. وهو مقل من عمر الشعر، يقول منه يسيرًا في غرض يقع. أنشدني لنفسه، وكان في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة في جمادى الأولى بعد رجوع التتار الملاعين – خذلهم الله تعالى – عن الموصل، وأمر أميرها بدر الدين لؤلؤ ابن عبد الله بتعطيل المدارس وصرف الفقهاء والمدسين، وأن لا يقيم أحد بها غير بوَّاب وفرَّاش وإمام ومؤذن، يستعين بذلك على العدو وقمعه. ثم أقطعها الأجناد والأمراء فلم يبق يومئذ بالموصل مدرسة يدرس فيها الفقه، فعند ذلك سافر المتفقهة وتبدد شملهم، وتفرقوا في البلاد، ودثرت معالم الدين، وعظمت البلوى لنزول هذه الحادثة الشنيعة، وحلول هذا الخطب الجسيم، فقال في ذلك أبو العباس متوجعًا نادبًا لرسوم الفقه باكيًا أهله: [من الخفيف] /١٦٥ أ/ يا لخطب دها وشأن شنيع ... وبلاء فاجا وآمر فظيع ورزايا أصابت الدِّين حتَّى ... هدمت منه كلَّ حصن منيع ومصاب ذلَّت به ملَّة الإسلام ... من بعد عزِّها المجموع وانتهاك لحرمة الشَّرع بالمنكر ... من خفض قدره المرفوع حين أضحت معالم العلم قفرا ... آفلات الأقمار بعد الطُّلوع خاليات من لذة الأنس فيها ... موحشات الأرجاء بعد الجموع لهف نفسي على المدارس إذ تندب سكَّانها بفيض الدُّموع سلبت بهجة الدُّروس فأضحت ... في دروس من بعدها وخشوع طالما كان ليلها كسنى الفجر بتكرار كلِّ فنٍّ بديع إذ بسكانها يؤسّس للدين مباني أصوله والفروع فابك يا صاح بعدها منصب الشَّرع بحزن وعبرة وخشوع ثم منَّ الله بعد ذلك على الفقهاء وأهل العلم، وتداركهم بلطفه وأنزل في قلب الأمير بدر الدين بأن أمر بردّ الفقهاء إلى المدارس، وإعادة جراياتهم، وذلك في أوائل

стр. 209

شهر صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة. /١٦٥ ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه يصف الربيع: [من المنسرح] لله درُّ الرَّبيع من زمن ... في طيب آنائه وأوقاته فهو نبيُّ الزَّمان والزَّهر الزَّاهر في الحسن بعض آياته من كلِّ لون يتسأسر اللَّحظ إذ ... يرنو ويحبوه فوق مرضاته بكى على ..... طربًا ... فضاحكت أرضه سماواته وانتثرت أدمع السحاب به ... فنظَّم الدُّرَّ حسن إنباته . في الرُّبى برود بأيدي ... المزن فيها جميل صنعاته يا حبَّذا نفحة الرِّياض إذا ... باشرها الطَّلُّ وقت خطراته كأنَّها نشر من تحبُّ وقد ... واصل من بعد طول غيباته وحبَّذا ذلك النسيم الَّذي ... يحيى بغدواته وروحاته يهدي إلى كلِّ ذي حياة إذا مرَّ عليه جميع لذَّاته وأنشدني أيضًا من شعره: [من الخفيف] همَّتي همُّها بلوغ الثُّريَّا ... لكن الحظُّ نجمه في الحضيض فمتى ما نهضت أبغي المعالي ... ردَّني الدهر ذا جناح مهيض وإذا قالت السَّعادة لي اقرض ... قلت: حال الجريض دون القريض /١٦٦ أ/ كيف أسمو وطالع الحظِّ يقضي ... بأمور صحيحها كمريض [١٠٢] أحمد بن قرطايا بن عبد الله، أبو الثناء بن أبي الوفاء الإربليُّ الأصل. الكامل، والأروع، الفاضل، والشهم الذكي، والفطن اللوذعي، ذو الكرم

стр. 210

والسخاء، و ..... والرواء، والصبح المحيا، الذي ..... والنفس الأبية، والمروة والأريحية، إن استغاثه مستجر حماه، ..... له النظم المطرب في النثر المغرب، والبلاغة الإنشائية، والعبارة الكتابية، أربى بإجادتها على الكتاب المترسلين، وفاق بإنشائها على البلغاء المبرزين]. كان والده من عتقاء الملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين صاحب إربل – ﵁ – وكان أعظم أمير في دولته، ناب عنه في مملكته، رفيع المنزلة لديه، فاعتقله مخدومه بقلعة كرخين، ومات محسوبًا – رحمه الله تعالى – وكان يميل إلى أهل العلم، ويقرّبهم لأجل ولده هذا؛ لأنه كان يبالغ في تأديبه، ويجتهد في تعليمه، وسمع الحديث النبوي وجالس فضلاء ذلك الوقت .. فنبغ – بحمد الله – أميرًا كبيرًا نبيلً متأدبًا جليلًا مقبولًا عند ملوك زمانه، وافر الحرمة لدى سلاطين أوانه. وابنه هذا أمير جليل ذو منظر حسن، وفيه بشر وحياء ومحاضرة مليح الخط، جيد القول نظمًا ونثرًا، ويعرف علم النجوم والإصطرلاب. أخبرني أنه ولد يوم الإثنين التاسع والعشرين من المحرم سنة ثماني وتسعين وخسممائة بالدربند، بقرية تعرف بالراية من أعمال إبريل. ترددت إليه أيام مقامي بإربل، وكان ينشدني أشعارًا في الغزل وغيره، وخرج عن إربل متوجهًا في ذي الحجة سنة ثلاثين وستمائة، نحو حلب، ونزل بها، وأقبل عليه مالكها السلطان الملك غياث الدين وقربه إليه، وأنعم عليه إنعامًا عظيمًا، ولم يقبل على أحد من الأمراء. /١٦٦ ب/ كإقباله عليه. وكان السفير بينه وبين الملك الكامل فيما يرجح إلى إصلاح الدولة؛ فلم تطل به الأيام حتى توفي الملك العزيز، فزيد في إكرامه، واحترم احترامًا عظيمًا وافرًا، واستدعي من الديون العزيز المستنصري، ووصل إلى مدينة السلام في شهر شعبان سنة خمس وثلاثين وستمائة، فحيث قدمها

стр. 211

أكرم مورده، وأنعم عليه إنعامًا عظيمًا، وأقطعه إقطاعًا تليق بمثله ببلد البطائح، وعرفوا نبله وفضله، ولقب من دار الخلافة بعدة ألقاب، وكني أبا شجاع، وكان من قبل يكنى أبا الثناء ..... لم يكرمه مثله أحد من الأمراء الذين هم ..... إلى هذه الفضائل التي أحرزها علمه بالآداب الملوكية ..... بالجوارح والكلاب واللعب بالكرة وسباق الخيل ..... في الفروسية، وما يتعلق بهذه الأصناف السلطانية. ثم إنه كان أخبر الناس بملاقاة الملوك ومخاطباتهم والوقوف بين أيديهم، وأقدرهم على المفاوضة لهم، وأحسنهم في ..... فمما أنشدني لنفسه: [من الطويل] لذي السَّالف المسكيِّ والمقلة النَّجلا ... رسيس هوى في القلب يبلى ولا يبلى عزيز عرفت الذُّل من كلفي به ... وكم من عزيز في الهوى عرف الذُّلاَّ كثير التَّجنِّي ليس لي عنه سلوة ... وأعجب شيء جائر الحكم لا يسلى ومعتدل كالغصن لا عدل عنده ... ولولا شقائي في الهوى عرف العدلا فلا تعذلوني في هواه فإنَّني ... حلفت بذاك الوجه لا أقبل العذلا دعوني وشكوى الحبِّ بيني وبينه ... فما أعذب الشَّكوى إليه وما أحلى وأنشدني أيضًا بحلب المحروسة محاضرها السليماني يوم الجمعة الرابع والعشين من جمادى الآخرة: [من الطويل] لعلَّ لقاء بعد طول التَّفرق ... يبلُّ أوامًا من غليل التَّشوُّق فمنُّوا بتعليل المنى من لقائكم ... فربَّ منى تشفي صبابة شيِّق فيا ويح قلبي عزَّ فيكم سلوُّه ... فدمعته حرَّى بعدكم ليس ترتقي بعدتم فلا نشر الشَّام كطيبه ... قديمًا ولا للعيش بهجة رونق ولا حلب مذ غبتم دار لذَّة ... لبعدكم عنِّي ولا ربع جلِّق ولا غيِّر النَّأي الَّذي تعلمونه ... وحاشا هواكم ينقضي بألتَّفرُّق أهيم إذا ما لاح برق دياركم ... وأسأله أخباركم في التألُّق وأستنشق الأرواح منكم وحبَّذا ... لمغدى الصبا من أرضكم طيب منشق وأصبو لها وجدًا وأبرح لوعة ... بلين التَّصابي وجدعان ومطلق

стр. 212

وأبعث أشواقي مع الرِّيح علَّها ... تمرُّ بريَّا من صباكم فتلتقي وأيُّ نسيم الرِّيح يبلغ مشئمًا ... وقد خاب مسراها رسالة معرق وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل] أيوسف إن أصبحت للوعد مخلفًا ... وبالعهد غدَّارًا فغير بديع بذا العقل والتهوير ضيَّعت شيزرًا ... وتأمل منها حظوة برجوع وكان من الأيَّام ملكك غلطةً ... وعارًا عليها فابكها بنجيع /١٦٧ ب/ وأنفذ له الشهاب الشيزري فهدة فطلعت عرجاء فكتب إليه، وكان أعرج أيضًا: [من الكامل] جاد الشِّهاب الشَّيزريُّ بفهدة ... عرجاء زعمًا كلُّ ذي عرج زري فليعذر الملك العزيز محمَّدًا ... في نفيه لعراجه عن شيزر وقال فيه أيضًا: [من الوافر] وقالوا: الشَّيزريُّ غدا مهانًا ... لجهل والهوان به خليق فلا في الشرِّ يخشاه المعادي ... ولا في الخير يرجوه الصَّديق وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط] بنتم فشوقي على ما تعلمون وكم ... قد فرَّق الدهر أحبابًا وأخوانا لو كنت أملك بالأموال ردكم ... وبالكرائم ممَّا أقتني هانا واهًا لبغداد من دار لقد عدمت ... منكم ..... ومن معناك لقمانا تغدو الشَّياطين فيها من أطبتَّها ... ممرَّدين فلو ألقى سليمانا وما كتبه إلى مولانا أمير المؤمنين [المستنصر بالله]: [من الطويل] أرقت لبرق بالدِّيار كليل ... فيا لك من ليل عليَّ طويل وآمرة بالصَّبر عمَّن أحبُّه ... إليك فحسن الصَّبر غير جميل /١٦٨ أ/ سقى جيرة الشَّهباء من سفح جوشن ... غوادي حيًا ذي هيدب وسيول نأوا وهم الأدنون والدهر مولع ... بتفريق جمع أو بصدع قبيل

стр. 213

خليليَّ هل لي في الأخلَّاء مسعد ... على لوعة ما تنقضي وغليل تبرِّح بي ذكرى ..... وتركتهم ... وقد ساءهم حيث ارتحلت رحيلي ثلاثة أغصان رجوت نموَّها ... رمى الدَّهر شفعًا منهم بذبول فقد ساء بالماضين دهر ولا أرى ... إلى أوبة الباقين وجه سبيل دواء بأكناف الشّام ممنَّع ... ومؤلم داء بالعراق دخيل يطالبني قلبي ..... إليهم ... وإن طاب في ظلِّ الإمام مقيلي أبي جعفر المستنصر بن محمَّد ... خليفة حقٍّ وابن عمِّ رسول كريم السَّجايا غافر الذَّنب قادر ... شديد على الأعداء غير عجول عليه جلال للنُّبوَّة لائح ... كشمس الضُّحى لاحت بغير دليل محبَّته فرض أتى بوجوبها ... تلاوة آيات وحكم نزول إمام هدى طال الخلائف فعله ... فأعجز عن شبه له ومثيل حمى الدِّين واستدعى الكتائب فانبرت ... إلى النَّصر خيل أردفت بخيول وليلة يمَّمنا من الشَّام ظلَّه ... بعزم كحدِّ المشرفيِّ صقيل /١٦٨ ب/ هدانا إلى معرفة نور وجهه ... فبتنا نشيم البرق غير كليل تجوب إليه الأرض حبًّا ورغبة ... ونفري الفيافي من نقًا وسهول ولو شاء نلنا من خراسان مانعًا ... بسمر قنا ملد وبيض نصول دنونا فألفينا الندى في جنابه ... خصيبًا وفيض الجود غير قليل فرقَّت حواشي العيش في ظلِّ ملكه ... وراقت كمزن ضعِّفت بشمول لنا منه إحسان إلينا ورأفة ... علينا وعطف واصطناع جميل هنيئًا لأهل الأرض عدل خليفة ... غدا لرسول الله خير رسيل أبا جعفر مالت إليك قلوبنا ... فملنا إلى حسناك كلَّ مميل أتيناك نبغي عيشة من ..... ... ببابك في ظلٍّ لديه ظليل تركنا على وعد من القرب أهلنا ... وخلنا النَّوى مرماه غير طويل قضى شطرهم دون اللِّقاء بغربة ... ولست على سبِّ الرَّدى بوكيل فإن شملتنا نظرة منك حقَّقت ... مآرب نرجوها وحسن وصول وكيف قنوط النَّفس من قرب زورة ... ورأي أمير المؤمنين كفيلي

стр. 214

وما كتبه إلى صاحب الديوان يتشوقه إلى واسط؛ وهو فخر الدين /١٦٩ أ/ المبارك بن يحيى المخزومي: [من الوافر] أجدَّك لو أتيتك بالصَّواب ... لجئتك ساعيًا عوض الكتاب ولو أنِّي استطعت لكنت دهري ... ملازم مجدك الخضل الرِّحاب أيا مولاي فخر الدِّين عذرًا ... لمشتاق يقصِّر في الخطاب غدت بغداد بعدك في حنين ... تراقب منك ساعات المآب فحيَّا واسطًا إذ بتَّ فيها ... ملثٌّ القطر منبجس السَّحاب وأعقل ركبة في كلِّ أرض ... يحلُّ بها المبارك بالرِّكاب تملَّكت القلوب فدتك نفسي ... أبا سعد بأخلاق عذاب فلي مذ سرت نحو فرط شوق ... كشوق أخي ..... ..... سلام الله منِّي كلَّ يوم على ... علياء بابك والجناب ومما عمله بديهًا بدار الوزارة الشريفة مجاوبًا لبدر الدين أب نصر زيادة دجلة، وانقطاعه عن خدمة الدار: [من الطويل] وقيت الرَّدى يا موج دجلة بيننا ... إذا ما طرا من موجبات العوائق فما قطعت تيه السماوة عنكم ... مرادي إذا ودِّي لكم ودُّ صادق /١٦٩ ب/ ولا بعدت دار وللنَّفس هبَّة ... إليها ولو حالت سلوك المضايق وقال أيضًا: [من الكامل] سقيت قبور بالشَّام ولا ونى ... جفن السحاب بها يسحُّ ويسمح أجداث من اعزز عليَّ بفقدهم ... فينا عليهم غلَّة لا تبرح جدث به الملك العزيز وحفرة ... ضمَّت أخي والقرح بالأخ أبرح وقال أيضًا: [من الطويل] إذا ما سقى الغيث الشَّام فلا غدا ... ربى حلب من سحبه كلُّ ممطر ديار بها مثوى العزيز محمَّد ... أخي الجود جادته دموعي بكوثر جزى الله عنِّي أهلها كلَّ صالح ... أطابوا مغيبي بالثَّناء ومحضري صحبتهم حينًا كأنَّا مع النَّوى ... ذوو رحم في إربل لم تغيَّر

стр. 215

وقال أيضًا من قصيدة عملها ليسيرها إلى شمس الدين لؤلؤ تشوقًا إليه، ولم يسيّرها: [من الطويل] صفا لك ودِّي والدِّيار بعيدة ... وما الصَّفو إلَّا ما يكون على البعد وما غيَّرتني عن عهدك سلوة ... وكلُّ الَّذي في البعد يبقى على العهد /١٧٠ أ/ أبا الفضل جادت ربع دارك ديمة ... تبسَّم فيها البرق من غضب الرَّعد يفلِّل جيش المحل حبل بروقها ... بصارمها المسلول من باطن الغمد يضوع عليها من خلال برودها ... ..... طيب من شذا البان والرَّند تحوك بها وشيًا من الرَّوض مذهبًا ... وترقم طرزًا فوق جدولها الجعد فأحسن بخد الأرض منها معذَّرًا ... وإن كان حسن الخدِّ وصفًا من المرد فهام رباها تحت تاج مرصَّع ... وجيد حماها في الثَّمين من العقد فللَّه قلبي ماله كلَّما بدا ... له البرق شامََيًا يهيم من الوجد يذكِّرني من طيب قربك ذاهبًا ... وعيشًا صفيق الظِّلَّ في زمن رغد فوا وحدة إلا لا أراك مصاحبًا ... وإن كنت ذا قوم كرام ذوي ودِّ فما كان أهنأ العيش لولا منيَّة ... أتاحت لنا فقد العزيز على عمد فلو أن دهرًا ردَّ سالف عيشة ... على سائل يومًا سألناه في الرَّد ومما أراد أن يسيره إليه ولم يسيره: [من الوافر] خيال زار وهنا في المنام ... يذكِّرنا لييلات الشَّام وعيشًا بالعواصم مرَّ رغدًا ... لنا في خدمة الملك الهمام أهيم إليك شمس الدِّين شوقًا ... فيا لله شوق المستهام! /١٧٠ ب/ يذَّكرنيك ضرب البيض صبرًا ... وطعن السُّمر في يوم الزحام وأوقات السُّرور وركلُّ خلٍّ ... لقيت وطيب ساعات المدام وأذكر منك عزمًا كان أمضى ... على الأعداء من حدِّ الحسام وأخلاقًا كنشر الرَّوض مرَّت ... معطَّرة بأنفاس الخزام سقى مثوى العزيز سحاب دمعي ... إذا ما ضن منسجم الغمام وحيَّا الله من حلب مقامًا ... وأجداثًا بأكناف المقام سلام رائح منِّي وغاد ... عليهم من حمى دار السَّلام
следующие страницы →