Полный текст (2 778 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أكرم مورده، وأنعم عليه إنعامًا عظيمًا، وأقطعه إقطاعًا تليق بمثله ببلد البطائح، وعرفوا نبله وفضله، ولقب من دار الخلافة بعدة ألقاب، وكني أبا شجاع، وكان من قبل يكنى أبا الثناء ..... لم يكرمه مثله أحد من الأمراء الذين هم ..... إلى هذه الفضائل التي أحرزها علمه بالآداب الملوكية ..... بالجوارح والكلاب واللعب بالكرة وسباق الخيل ..... في الفروسية، وما يتعلق بهذه الأصناف السلطانية.
ثم إنه كان أخبر الناس بملاقاة الملوك ومخاطباتهم والوقوف بين أيديهم، وأقدرهم على المفاوضة لهم، وأحسنهم في .....
فمما أنشدني لنفسه: [من الطويل]
لذي السَّالف المسكيِّ والمقلة النَّجلا ... رسيس هوى في القلب يبلى ولا يبلى
عزيز عرفت الذُّل من كلفي به ... وكم من عزيز في الهوى عرف الذُّلاَّ
كثير التَّجنِّي ليس لي عنه سلوة ... وأعجب شيء جائر الحكم لا يسلى
ومعتدل كالغصن لا عدل عنده ... ولولا شقائي في الهوى عرف العدلا
فلا تعذلوني في هواه فإنَّني ... حلفت بذاك الوجه لا أقبل العذلا
دعوني وشكوى الحبِّ بيني وبينه ... فما أعذب الشَّكوى إليه وما أحلى
وأنشدني أيضًا بحلب المحروسة محاضرها السليماني يوم الجمعة الرابع والعشين من جمادى الآخرة: [من الطويل]
لعلَّ لقاء بعد طول التَّفرق ... يبلُّ أوامًا من غليل التَّشوُّق
فمنُّوا بتعليل المنى من لقائكم ... فربَّ منى تشفي صبابة شيِّق
فيا ويح قلبي عزَّ فيكم سلوُّه ... فدمعته حرَّى بعدكم ليس ترتقي
بعدتم فلا نشر الشَّام كطيبه ... قديمًا ولا للعيش بهجة رونق
ولا حلب مذ غبتم دار لذَّة ... لبعدكم عنِّي ولا ربع جلِّق
ولا غيِّر النَّأي الَّذي تعلمونه ... وحاشا هواكم ينقضي بألتَّفرُّق
أهيم إذا ما لاح برق دياركم ... وأسأله أخباركم في التألُّق
وأستنشق الأرواح منكم وحبَّذا ... لمغدى الصبا من أرضكم طيب منشق
وأصبو لها وجدًا وأبرح لوعة ... بلين التَّصابي وجدعان ومطلق
стр. 212
وأبعث أشواقي مع الرِّيح علَّها ... تمرُّ بريَّا من صباكم فتلتقي
وأيُّ نسيم الرِّيح يبلغ مشئمًا ... وقد خاب مسراها رسالة معرق
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
أيوسف إن أصبحت للوعد مخلفًا ... وبالعهد غدَّارًا فغير بديع
بذا العقل والتهوير ضيَّعت شيزرًا ... وتأمل منها حظوة برجوع
وكان من الأيَّام ملكك غلطةً ... وعارًا عليها فابكها بنجيع
/١٦٧ ب/ وأنفذ له الشهاب الشيزري فهدة فطلعت عرجاء فكتب إليه، وكان أعرج أيضًا: [من الكامل]
جاد الشِّهاب الشَّيزريُّ بفهدة ... عرجاء زعمًا كلُّ ذي عرج زري
فليعذر الملك العزيز محمَّدًا ... في نفيه لعراجه عن شيزر
وقال فيه أيضًا: [من الوافر]
وقالوا: الشَّيزريُّ غدا مهانًا ... لجهل والهوان به خليق
فلا في الشرِّ يخشاه المعادي ... ولا في الخير يرجوه الصَّديق
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
بنتم فشوقي على ما تعلمون وكم ... قد فرَّق الدهر أحبابًا وأخوانا
لو كنت أملك بالأموال ردكم ... وبالكرائم ممَّا أقتني هانا
واهًا لبغداد من دار لقد عدمت ... منكم ..... ومن معناك لقمانا
تغدو الشَّياطين فيها من أطبتَّها ... ممرَّدين فلو ألقى سليمانا
وما كتبه إلى مولانا أمير المؤمنين [المستنصر بالله]: [من الطويل]
أرقت لبرق بالدِّيار كليل ... فيا لك من ليل عليَّ طويل
وآمرة بالصَّبر عمَّن أحبُّه ... إليك فحسن الصَّبر غير جميل
/١٦٨ أ/ سقى جيرة الشَّهباء من سفح جوشن ... غوادي حيًا ذي هيدب وسيول
نأوا وهم الأدنون والدهر مولع ... بتفريق جمع أو بصدع قبيل
стр. 213
خليليَّ هل لي في الأخلَّاء مسعد ... على لوعة ما تنقضي وغليل
تبرِّح بي ذكرى ..... وتركتهم ... وقد ساءهم حيث ارتحلت رحيلي
ثلاثة أغصان رجوت نموَّها ... رمى الدَّهر شفعًا منهم بذبول
فقد ساء بالماضين دهر ولا أرى ... إلى أوبة الباقين وجه سبيل
دواء بأكناف الشّام ممنَّع ... ومؤلم داء بالعراق دخيل
يطالبني قلبي ..... إليهم ... وإن طاب في ظلِّ الإمام مقيلي
أبي جعفر المستنصر بن محمَّد ... خليفة حقٍّ وابن عمِّ رسول
كريم السَّجايا غافر الذَّنب قادر ... شديد على الأعداء غير عجول
عليه جلال للنُّبوَّة لائح ... كشمس الضُّحى لاحت بغير دليل
محبَّته فرض أتى بوجوبها ... تلاوة آيات وحكم نزول
إمام هدى طال الخلائف فعله ... فأعجز عن شبه له ومثيل
حمى الدِّين واستدعى الكتائب فانبرت ... إلى النَّصر خيل أردفت بخيول
وليلة يمَّمنا من الشَّام ظلَّه ... بعزم كحدِّ المشرفيِّ صقيل
/١٦٨ ب/ هدانا إلى معرفة نور وجهه ... فبتنا نشيم البرق غير كليل
تجوب إليه الأرض حبًّا ورغبة ... ونفري الفيافي من نقًا وسهول
ولو شاء نلنا من خراسان مانعًا ... بسمر قنا ملد وبيض نصول
دنونا فألفينا الندى في جنابه ... خصيبًا وفيض الجود غير قليل
فرقَّت حواشي العيش في ظلِّ ملكه ... وراقت كمزن ضعِّفت بشمول
لنا منه إحسان إلينا ورأفة ... علينا وعطف واصطناع جميل
هنيئًا لأهل الأرض عدل خليفة ... غدا لرسول الله خير رسيل
أبا جعفر مالت إليك قلوبنا ... فملنا إلى حسناك كلَّ مميل
أتيناك نبغي عيشة من ..... ... ببابك في ظلٍّ لديه ظليل
تركنا على وعد من القرب أهلنا ... وخلنا النَّوى مرماه غير طويل
قضى شطرهم دون اللِّقاء بغربة ... ولست على سبِّ الرَّدى بوكيل
فإن شملتنا نظرة منك حقَّقت ... مآرب نرجوها وحسن وصول
وكيف قنوط النَّفس من قرب زورة ... ورأي أمير المؤمنين كفيلي
стр. 214
وما كتبه إلى صاحب الديوان يتشوقه إلى واسط؛ وهو فخر الدين /١٦٩ أ/ المبارك بن يحيى المخزومي: [من الوافر]
أجدَّك لو أتيتك بالصَّواب ... لجئتك ساعيًا عوض الكتاب
ولو أنِّي استطعت لكنت دهري ... ملازم مجدك الخضل الرِّحاب
أيا مولاي فخر الدِّين عذرًا ... لمشتاق يقصِّر في الخطاب
غدت بغداد بعدك في حنين ... تراقب منك ساعات المآب
فحيَّا واسطًا إذ بتَّ فيها ... ملثٌّ القطر منبجس السَّحاب
وأعقل ركبة في كلِّ أرض ... يحلُّ بها المبارك بالرِّكاب
تملَّكت القلوب فدتك نفسي ... أبا سعد بأخلاق عذاب
فلي مذ سرت نحو فرط شوق ... كشوق أخي ..... .....
سلام الله منِّي كلَّ يوم على ... علياء بابك والجناب
ومما عمله بديهًا بدار الوزارة الشريفة مجاوبًا لبدر الدين أب نصر زيادة دجلة، وانقطاعه عن خدمة الدار: [من الطويل]
وقيت الرَّدى يا موج دجلة بيننا ... إذا ما طرا من موجبات العوائق
فما قطعت تيه السماوة عنكم ... مرادي إذا ودِّي لكم ودُّ صادق
/١٦٩ ب/ ولا بعدت دار وللنَّفس هبَّة ... إليها ولو حالت سلوك المضايق
وقال أيضًا: [من الكامل]
سقيت قبور بالشَّام ولا ونى ... جفن السحاب بها يسحُّ ويسمح
أجداث من اعزز عليَّ بفقدهم ... فينا عليهم غلَّة لا تبرح
جدث به الملك العزيز وحفرة ... ضمَّت أخي والقرح بالأخ أبرح
وقال أيضًا: [من الطويل]
إذا ما سقى الغيث الشَّام فلا غدا ... ربى حلب من سحبه كلُّ ممطر
ديار بها مثوى العزيز محمَّد ... أخي الجود جادته دموعي بكوثر
جزى الله عنِّي أهلها كلَّ صالح ... أطابوا مغيبي بالثَّناء ومحضري
صحبتهم حينًا كأنَّا مع النَّوى ... ذوو رحم في إربل لم تغيَّر
стр. 215
وقال أيضًا من قصيدة عملها ليسيرها إلى شمس الدين لؤلؤ تشوقًا إليه، ولم يسيّرها: [من الطويل]
صفا لك ودِّي والدِّيار بعيدة ... وما الصَّفو إلَّا ما يكون على البعد
وما غيَّرتني عن عهدك سلوة ... وكلُّ الَّذي في البعد يبقى على العهد
/١٧٠ أ/ أبا الفضل جادت ربع دارك ديمة ... تبسَّم فيها البرق من غضب الرَّعد
يفلِّل جيش المحل حبل بروقها ... بصارمها المسلول من باطن الغمد
يضوع عليها من خلال برودها ... ..... طيب من شذا البان والرَّند
تحوك بها وشيًا من الرَّوض مذهبًا ... وترقم طرزًا فوق جدولها الجعد
فأحسن بخد الأرض منها معذَّرًا ... وإن كان حسن الخدِّ وصفًا من المرد
فهام رباها تحت تاج مرصَّع ... وجيد حماها في الثَّمين من العقد
فللَّه قلبي ماله كلَّما بدا ... له البرق شامََيًا يهيم من الوجد
يذكِّرني من طيب قربك ذاهبًا ... وعيشًا صفيق الظِّلَّ في زمن رغد
فوا وحدة إلا لا أراك مصاحبًا ... وإن كنت ذا قوم كرام ذوي ودِّ
فما كان أهنأ العيش لولا منيَّة ... أتاحت لنا فقد العزيز على عمد
فلو أن دهرًا ردَّ سالف عيشة ... على سائل يومًا سألناه في الرَّد
ومما أراد أن يسيره إليه ولم يسيره: [من الوافر]
خيال زار وهنا في المنام ... يذكِّرنا لييلات الشَّام
وعيشًا بالعواصم مرَّ رغدًا ... لنا في خدمة الملك الهمام
أهيم إليك شمس الدِّين شوقًا ... فيا لله شوق المستهام!
/١٧٠ ب/ يذَّكرنيك ضرب البيض صبرًا ... وطعن السُّمر في يوم الزحام
وأوقات السُّرور وركلُّ خلٍّ ... لقيت وطيب ساعات المدام
وأذكر منك عزمًا كان أمضى ... على الأعداء من حدِّ الحسام
وأخلاقًا كنشر الرَّوض مرَّت ... معطَّرة بأنفاس الخزام
سقى مثوى العزيز سحاب دمعي ... إذا ما ضن منسجم الغمام
وحيَّا الله من حلب مقامًا ... وأجداثًا بأكناف المقام
سلام رائح منِّي وغاد ... عليهم من حمى دار السَّلام
стр. 216
ومما كتبه إلى عز الدين صدقة جوابًا عن كتاب ورد منه يذكر فيه سلام الصدر الكبير تاج الدين بن إربل: [من الطويل]
تحيَّة من بالودِّ منك كفيل ... مقيم بحفظ العهد ليس يحول
يكلِّف خفَّاق النَّسيم سلامة ... إليك فخفَّاق النَّسيم رسول
أحمِّله شوقي ولو كان ممكنًا ... عملت ببرح الشَّوق حين يقول
وأسأله حمل الجواب لو أنَّه ... مليء بإيراد الجواب حمول
/١٧١ أ/ كفى أسفًا إذ لا تزاور بيننا ... ولا رسل إلَّا أن تهبَّ قبول
رحلت فللزَّوراء نحوك لفتة ... يرقُّ لها قاسي الفؤاد عذول
سقى جانبي بغداد غادر ورائح ... من الودق لماع البروق هطول
منازل أهليك الَّذين تريدهم ... ورهطك والرَّهط ..... قليل
ولا دار من تهواه منها بعيدة ... ولا الرَّسم فيها من هواك محيل
وإن بتَّ ذا شوق إليها فشوقها ... إليك على مرِّ البعاد طويل
وعزُّ بني أيُّوب سام رواقه ... عليَّ وظلُّ وارف وظليل
تدرَّع بحسن الصَّبر فيما لقيته ... من الدَّهر إن الصَّبر منك جميل
بلى لك في خلق ابن نصر وفعله ... وقرب علاه موطن وقبيل
ولا عجب إذا أنت منها تحبُّها ... ويحنو عليها نازح ودخيل
ففي حبِّها خلَّفت قومي وجدَّلي ... عن الأهل والرَّبع الأنيس رحيل
وفارقت عليا الشَّام ..... لأجلها ... ولي في ذراه مسرح ومقيل
لك الله إذ بدِّلت عنها بإربل ... وبالرُّغم إذ عنها الخراب بديل
كرهت بناديها المقام أنيسة ... وقد أوحشت دار لها وطلول
فقد يكره المرء الَّذي فيه ضرُّه ... ويوثر فعل الأمر وهو وبيل
/١٧١ ب/ ومن يلق تاج الدِّين ماشطَّ أهله ... ولا بان عنه صاحب وخليل
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
يجدِّد شوقي طيفكم كلَّما سرى ... إليَّ ولكنَّ الخيال كذوب
لعلَّ نسيم اللَّيل في نفحاته ... يخبِّرني أنَّ اللِّقاء قريب
تمنَّيت يومًا وصلكم فحرمته ... وكل أماني العاشقين نحيب
стр. 217
ومنُّوا بلقياكم على ضعف مهجة ... متى نشدت ذكراكم فتذوب
ولا تحسبوا أن الحياة تلذُّ لي ... وأيُّ حياة للفراق تطيب
سأنكر عرفاني لكم عند سائلي ... حذارًا عليكم أن ينمَّ رقيب
وأصغي إذا الرَّاؤون أجروا حديثكم ... وأعرض كيما لا يقال مريب
وأنشدني لنفسه من صدر مكاتبة جواب أبيات لأبي المجد أسد بن إبراهيم الكاتب الإربلي النشابي كتبها إليه فأجابه الأمير على الوزن والقافية: [من الطويل]
أبا المجد شوقي جاوز المدَّ وصفه ... إليك فهل يوم اللِّقاء قريب
يقرُّ لعيني أن أراك وشملنا ... جميع وليلات مضين تؤوب
/١٧٢ أ/ فمن لي بلقيا أسعد لا عدمته ... ويدعو ودادي حبَّه فيجيب
وليس ..... ..... ... ولكنَّ صبري مذ نأيت عجيب
وأنشدني أيضًا قوله من أبيات: وقد نزل عمّكاباذ – قرية على باب إربل فيها يباع الخمر ويقصدها أهل البطالة والخلعاء من الناس وأرباب الحرف يشربون بها – وفيها شخص اسمه نيسان خمار: [من الطويل]
ولمَّا نزلنا عمّكاباذ شاقنا ... زيارة نيسان وحانته الكبرى
ذكرنا بها ليلات لهو حميدة ... تقضَّت مع الأحباب أكثرها شكرا
فيا ضيعة الأعمار إن كنت بعدها ... أعدُّ زماني كلَّه أبدًا عمرا
وحدثني أنه نزل بدير باقوقا. وكان به راهب يقال له معدان حبيسًا، له أربعون سنة، فقال: [من البسيط]
يا ساكن الدَّير إن كان ابن معدان ... أمسى حبيسًا فإنِّي المغرم العاني
وإن قضى زمنًا في الدَّير معتكفًا ... فقد قضيت مع الأحباب أزماني
/١٧٢ ب/ كيف السُّلوُّ وهل أبغي بهم بدلًا ... وحبُّهم شيعتي والشَّمر سلواني
فهم وإن هجروا في القلب منزلهم ... وهم وإن وصلوا ..... أحزاني
ويا حمامة دوح الدَّير عن شجن ... تشكو الفراق كلانا حلف أشجان
شتَّى الصَّبابة والأشواق تجمعنا ... ما شان لوعتها في نوحها شاني
لفقد طائرة نشدانها أبدا ... والأسمر اللَّدن ساجي الطَّرف نشداني
стр. 218
نائي المزار قريب الدَّار محتجب ... روحي الفداء لذاك النَّازح الدَّاني
[١٠٣]
أحمد بن عليِّ بن الحسن بن محمد بن رضى، أبو العباس بن أبي المكارم العمرانيُّ الأزديُّ الموصليُّ.
من أبناء الرؤساء والمتصرفين في جلائل الأعمال في الدولة الأتابكية ولهم المحلُّ الأسنى في الرئاسة.
وأبو العباس هو اليوم المستوفي بالديوان الملكي البدري بالموصل، وإليه الحكم والنظر في الارتفاعات.
حفظ القرآن العزيز، وقرأ طرفًا من الأدب، وعرف من الفرائض ما يحتاج إليه؛ وله اتساع تام في صناعة الحساب وضروبه والأشغال الديوانية، /١٧٣ أ/ وحل التراجم والألغاز.
لقيت أبا العباس بمدينة إربل سنة ست وعشرين وستمائة؛ فوجدته عارفًا بمقادير الناس، كثير الثناء عليهم، رئيسًا في نفسه، غاية في الذكاء والفهم، ينشئ فصولًا حسنة، ويعمل أشعارًا جيدة. ثم إنه أي لغز سمعه تسارع في حله وكشفه من غير توقف ولا فكرة كأنه يعرفه.
ومما أنشدني لنفسه، وكان قد وعده أبو الفتح نصر الله بن محمد بن عبد الكريم الجزري الكاتب المنشئ بشيء من رسائله، فاستنجزه بهذه الآيات:
[من البسيط]
قل للوزير ضياء الدِّين منبسطًا ... في القول إنَّك ذو فضل وإفضال
أحرزت قدح المعلَّى في العلاج جذعًا ... وفزت من مجدها بالشَّامخ العالي
стр. 219
خطبت منك وحسن الظَّن يشفع لي ... إليك إبنة فكر مهرها غالي
لمثلها تذهل الألباب ليس لذي ... خدر تجرِّر تيها فضل أذيال
قلَّدتني مننا بالوعد قابلها ... شكري وحقَّقت في علياك آمالي
فاشتدَّ شوقي إلى استجلاء عزمتها ... أفدي البشير بها بالأهل والمال
وله: [من الكامل]
/١٧٣ ب/ لولا تعلُّله بقرب كتابكم ... عادت حشاشته لشوق تزهق
عذر يذود عن اللِّقاء ومهجة ... سلبت قرارًا فهي وجدًا تقلق
وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
رعى الله أحبابًا ترحَّلت عنهم ... وخلَّفت قلبًا عندهم لا يفارق
وما كنت ممن نفسه بفراقهم ... تسامح لكن فيه عذري ناطق
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الوافر]
على العهد القديم وإن تناءوا ... مزارًا أو تباعدت الدِّيار
أحنُّ إليكم فأبلُّ شوقي ... من الذِّكرى وهل يغني إدِّكار
عدمت الصِّبر مذ رحلوا وبانوا ... إذا بعد الأحبَّة لا قرار
فوا أسفًا على عصر التَّصابي ... كأنَّ العيش فيه مستعار
إذا أرخى الزَّمان لنا عنانا ... يعزُّ به ومن كثب يغار
فأيَّام الثُّبور به طوال ... وأعوام السُّرور به قصار
وأنشدني لنفسه لغزًا في القبر: [من الطويل]
ومستودع كلُّ الأنام لهم به ... وثوق وفيه الغدر ضربة لازب
.. بما يحويه حينًا وبرهة ... ويتلفه فعل العدوِّ الموارب
وأنشدني لنفسه يرثي أخاه /١٧٤ أ/ أبا حامد محمد بن علي، وتوفي بمدينة إربل: [من الطويل]
رسوم عفت منكم ورسم تجددَّا ... وقلب غدا من شدَّة الوجد مكمدا
وعين بفيض الدَّمع تجري تأسُّفا ... على من ثوى في ظلمة الرَّمس ملحدا
أقول لربع كان بالحبِّ أهلًا ... فأقفر من سكَّانه وتأبدا
стр. 220
أيا منزل لأحباب لا زلت بعدهم ... خرابًا وما والاك إلا .....
أبا حامد لو يرهب الموت ..... ... لها بك حقًّا أن يفاجئك بالرَّدى
أبا حامد لو خلَّد المرء مجده ... لكنت على المجد الأثيل مخلَّدا
أبا حامد فقت الأنام تفضُّلًا ... وفضلًا وإحسانًا وحلمًا وسؤددا
إذا افتخر الأقوام يومًا بحلَّة ... فخرتهم بيتًا كريما ومحتدا
لقد كنت لي عضبًا أصول بحدِّه ... إذا كشَّرت عن حدِّ أنياها العدا
وقد كنت لي حصنًا ألوذ بركنه ... من الدَّهر إن مدَّت حوادثه يدا
يهيج أحزاني عليك حمائم ... تحاور من شجو حمائم غردَّا
سقى الله تربًا أنت فيه موسَّد ... سحاب الرِّضا والعفو مثنى وموحدا
أيا ساكن الأرض الغريبة ميِّتًا ... عليك سلام الله وقفًا مؤِّبدا
وأنشدني لنفسه وقد أهدى إلى بعض الرؤساء طيبًا: [من الوافر]
/١٧٤ ب/ ..... بطيب ذكرك ..... ... إذا ما كان غيرك مستطيبا
وما أهدي إليك الطِّيب إلَّا ... ليكسب منهم أرجًا وطيبا
[١٠٤]
أحمد بن جعفر بن أحمد بن محمود بن هاشم، أبو الفضل الوائليُّ الهيتيُّ المعروف بالحائك.
شاب أسمر؛ وهو شاعر من المكثرين الأكياس المطبوعين، ماجن خفيف الروح، دمث مداعب، يقفو نهج أبي عبد الله الحسين بن الحجاج في أقاويله، ويتبعه في سائر مقاصده وفنونه.
قدم بغداد، وامتدح الناصر لدين الله أبا العباس أحمد – ﵁ – ومن بعده من الخلفاء، ورؤساء الحضرة والأمراء وغيرهم. وهو صاحب الكتاب الموسوم بـ "الانتصار لآل شيث على ذوي الابن والمخانيث" ناقض به كتاب الصدر أبي محمد عبد الله بن محمد بن الهروي في ذكر معائب الحاكة وسخافة عقولهم، واتضاع أقدارهم وخمولهم؛ فأنشأ أبو الفضل هذا الكتاب، أحسن ترتيبه /١٧٥ أ/ ووضعه، وأجاد ترصيفه وجمعه؛ وضمّنه كل نكتة غريبة، ونادرة عجيبة، من أحوال المخنثين،
стр. 221
وأمور البغائين، ومما اصطلحوا عليه في كلامهم ومخاطباتهم وأقوالهم؛ فجاء الكتاب لم يسبقه أحد إلى تأليف مثله أعجز من تقدمه، وجاء بعده في هذا الشأن.
وله القصيدة السائرة التي سماها "ذات الفنون وسلوة المحزون" نحا فيها نحو القصيدة السوسية التي أوّلها: [من المنسرح]
الحمد لله ليس لي بخت ... ولا ثياب يضمُّها تخت
وقصيدة أبي الفضل تربي على ثمانمائة بيت، استوعب فيها جميع أجناس الحرف والصنائع على اختلاف حروفها. وكتبت منها أبياتًا يسيرة ولم أستكثر منها شيئًا لفرط ما حشا فيها من الهزل والمجون، وفيها مدح للإمام الناصر لدين الله – ﵁.
أنشدني منها بمدينة السلام، وأولها: [من الهزج]
لحى العاذل البتّ ... على الفقر وأصبحت
وما نلت الغنى حتى ... يقول الناس أفلست
/١٧٥ ب/ ولم يدر بأنِّي ... في طلاب الحظِّ لجَّجت
فلو نال الغنى بالجدِّ ... جدًا كنت قد نلت
وما أبصرت لي ملجا ... سوى أنِّي تمسَّكت
بحبل من إمام العصر مولانا وفوَّضت
إليه الأمر لما صلح الفكر وسلَّمت
كذا أيقنت أنِّي من ... صروف الدَّهر قد فزت
وأعطيت به الأمن من الدَّهر فأنقذت
هو النَّاصر لازال ... به ينتصر الوقت
هو القبلة للخلق ... ولي أنَّي توجَّهت
بالائك يا مستخلف ... الرَّحمان قد لذت
فما في الخلق لي غيرك لا فوق ولا تحت
ولا إلَّاك لي بحر ... يروِّيني ولا قلت
ولا غير أياديك ... وآلائك أمَّلت
стр. 222
وأنت القبل والبعد ... فعش ما اتَّسع البيت
وهي طويلة، وهذا القدر يغني.
وقال أيضًا: [من البسيط]
/١٧٦ أ/ الجهل عمَّ ولو خصَّ الحجى أحدًا ... لباينوه وساموه إلى البله
والغافلون إذا ما أبصروا يقظًا ... ظنوا بيقضته ضربًا من الوله
وقال أيضًا من قصيدة: [من الطويل]
لك الخير موفور إلى م تغور ... وقربك مأثور وأنت أثير
وحتَّام [ربع] الوصل منك مصوِّح ... وعود غرامي في هواك نضير
سقاك الحيا هل نظرة تبرد الحشا ... بها ولنار الشَّوق فيه زفير
وهل تسمح الأيَّام منك بزورة ... تريني طول اللَّيل وهو قصير
فوجدي مقيم والسُّلوُّ مقوَّض ... ودمعي طليق والفؤاد أسير
وإنِّي على قرب المعاهد والنَّوى ... مقيم بعهدي ما أقام ثبير
ضنين بسِّري فيك سمح بما حوت ... يدي ..... والحادثات تجور
أعلَّل فيك النَّفس بالوعد بالمنى ... ومثلي بإدراك المرام جدير
عجبت لعزم مرهف العزم باتر ... شكيمة جفن و [هو] فيه فتور
قضى الحبُّ أن يستأسر الظَّبي ضيغمًا ... ويقضي على ..... غرير
وما الحبُّ إلاَّ لوعة تملك الحشا ... يضارع مأمور بها وأمير
/١٧٦ ب/ وأشعاره كثيرة في كل نوع، وطريقته في الخلاعة والمجانة ينفرد بها على أبناء جنسه، ولا تجري معه فيها، وخبرت عنه أنه صرف وتاب عن قول الشعر، وسلك طريق أهل الدين والخير.
أنشدني لنفسه من قصيدة مدح بها الناصر لدين الله – رضوان الله عليه – أوَّلها: [من الكامل]
الله أكبر ..... ..... ... ..... ..... .....
وفيها يقول:
يا من إذا بالغت في تمجيده ... ألفيته ..... ..... أمجدا
стр. 223
وبأي شيء قست غامر جوده ... في الخلق كان أبرَّ منه وأجودا
ما أنت إلا الجوهر الصافي الَّذي ... فاضت به الأشياء حين تولَّدا
فلذاك بتَّ من البريَّة كلِّها ... بجميع أوصاف العلا متفرِّدا
لم نتل آيًا أو حديثًا معجزًا ... إلاَّ وجدناه إليكم مسندا
وضعت بنو العبَّاس أسًّا للعلا ... فرقا أبو العبَّاس فيه وشيّدا
كلأ العباد برأفة نبويَّة ... مضريِّة الإطراق سامعة الصَّدى
ورعاهم منها بعين جفنها ... في حفظ جنب الله بات مسهَّدا
لله درك يا ابن عمِّ محمَّد ... لقد ارتديت من الفخار .....
/١٧٧ أ/ ونصرت دين الله ثم أقمته ... فليهن ما فعلت علاك محمَّدا
وجريت في سنن العلاء مشمِّرًا ... حتَّى بلغت إلى مدى عبر المدى
وظفرت بالشَّرف الَّذي ما ناله ... إلاَّك فارق فأخمصيك الفرقدا
واعلم بأنَّك ما بلغت المنتهى ... فيما حباك الله هذا المبتدا
[١٠٥]
أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن عبد الملك، أبو العباس.
كان أبوه من أهل قزوين، وابنه هذا موصليُّ المولد والمنشأ.
قرأ طرفًا من العربية على أبي حفص عمر بن أحمد النحوي، وسمع من الحديث جملة، وله قول صالح، ونظم حسن في المقطعات؛ إلَّا أنه عاجز في القصائد، ومقامه بالموصل يكتب بها القصص للناس.
أنشدني لنفسه في الأمير شمس الدين لؤلؤ بن عبد الله أحد الأمراء بمدينة حلب، وقد كبابه الفرس: [من الطويل]
رأى طرفك الميمون بحرًا وضيغما ... وطور حجى عالي الذرى فوق متنه
/١٧٧ ب/ ونسكًا ومجدًا مشمخرًا وسؤددا ... وحلمًا حباك الله منه بمنِّه
كما فرقًا إذا لم يطق حمل هذه ... المكارم من ربِّ السَّماح وخدنه
فوقِّيت من دنياك من كلِّ آفة ... ومات الَّذي يشناك كبتًا بضغنه
стр. 224
وأنشدني لنفسه، وكتب إلى نقيب العلويين عبد المطلب بن المرتضى الحسيني الموصلي، يلتمس منه ثوبًا من أثوابه: [من الخفيف]
أنا يعقوب في التأسُّف والحز ... ن وفي الحسن أنت يوسف مصرا
واشتياقي إليك يا ابن عليٍّ ... ترك العين بالمدامع عبرى
وشفاها منك القميص لألقيه ... عليها في ساعة الحال تبرا
ومعاليكم أجلُّ إذا فهت فلم أحصها مدى الدَّهر حصرا
فسلام عليك من عبدك القنِّ سلام أذكى من المسك نشرا
وأنشدني لنفسه يهجو: [من الكامل]
صلبت أعالي سالم لمَّا غدت ... منه الأسافل بالمنىِّ تلين
فيما حوى سرواله متكرِّم ... وبما حوت كفَّاه فهو ضنين
وأنشدني قوله: [من الطويل]
/١٧٨ أ/ وأعجب ما الله حظُّ أمرئ له ... مدائح نظم في معاليك تشرق
وجودك قد عمَّ البرايا بأسرهم ... وباب الندى في وجهه منك مغلق
وأنشدني لنفسه في ..... إنسان اسمه مطر يهجوه: [من الكامل]
مطر يشحُّ ولا يسحُّ بقطره ... والغيث يحيي قطره الأقطارا
هو كاسمه مطر يصوب عذابه ... أبدًا على جلسائه مدرارا
وأنشدني ملغزًا في غلام اسمه حمزة: [من السريع]
اسم الَّذي أهواه في خدِّه ... وفي فؤادي ثمَّ في فيه
قد صدَّ عنِّي وانثنى معرضًا ... طاب تلافي في تلافيه
وأنشدني في محمد الشاعر، ويلقب حمار النصارى، وقد رآه لبوس الصليب: [من المتقارب]
تعجَّب قوم لبوس الصَّليب ... محمَّد لمَّا رآه اضطرارا
ولا ريب أنَّ النَّصارى حمير ... فكيف يكون حمار النَّصارى
стр. 225
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الخفيف]
من يبت وهو مستلذٌّ بوصل ... فلقد بتُّ كارهًا للوصل
/١٧٨ ب/ مستلذُّ بالهجر إذا ارتجى الوصل ... وأخشى في الوصل تشتيت شملي
[١٠٦]
أحمد بن عليِّ بن أحمد بن شندل، أبو العباس الأوانيُّ:
وأوانا بلدة مشهورة فوق بغداد بعشرة فراسخ.
ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة خارجها، ونشأ بها؛ وهو شاعر مكثر مداح منتجع، يمتاح بأشعاره، له بديهة في الشعر، وخاطر جيد في نظمه، يتكل على طبعه في النظم لا يستعين بغيره على عمل الشعر. وجلُّ قوله في شكوى الزمان وأهله، ولم يزل من الدهر متألمًا، ومن أبنائه متظلّمًا، لقلّة حظّه من أهل عصره، يتردّد إلى مدينة السلام، ويفد إلى أمرائها وأماثلها مستجديًا لهم بشعره وعنده دعاو عظيمة، وافتخار بقوله، ويرى تفضيل نفسه على أبي تمام والبحتري والمتنبي! حتى يسرف في القول.
لقيته ببغداد في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وستمائة، وزعم أنه لم يعرف من النحو شيئًا، ولا قرأ منه لفظة، /١٧٩ أ/ ولا طالع كتابًا قط إلا [أنه] يضع الشعر طبعًا.
سئل عن معنى "شندل" فقال: هو من أجدادي؛ وهو لقب له غلب عليه، وذلك أنه نزل إلى بئر فخرج منها وقد أصابه البرد، فمشى غير مستقيم، وقيل: كأنَّه شندل، فنحن نسمى ببني شندل.
وكان رجلًا أسمر طويلًا خالطه الشيب خبِّرت أنه توفي في الشعر الأخيرة من رمضان سنة خمس وثلاثين وستمائة.
أنشدني لنفسه في لطف التقاضي: [من الوافر]
.. ..... كأن ضبّا ... أتى يبغي مواصلة لحوت
حياء مانع حسن التَّقاضي ... وفقر يقشعرُّ من السُّكوت
стр. 226
وأنشدني له: [من الوافر]
سألت عن انتهالي من شمول ... تباعد بين قلبي والهموم
وقلت حصرت ما أوعيت منها ... بقسطاس محقٍّ مستقيم
فقلت الشُّرب من حمراء صرف ... معتَّقة على صوت قديم
يوفَّر تارةً ويقلُّ أخرى ... على قدر المسامر والنديم
وأنشدني قوله: [من الطويل]
/١٧٩ ب/ منيت بما أعيا عليَّ علاجه ... وكنت أنا الجاني فواعجبا منِّي
يقرِّبني شعري من الخصم كلَّما ... ترنَّمه والضِّغن يبعده عنِّي
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
لك الخير إن كان المراد فأغنني ... عقيب التَّمادي بالزَّهيد من البرِّ
فخذ بالرِّضا حظِّي وعجِّل بنائل ... يحيل على طرس العلا قلم الشُّكر
وأنشدني له: [من الطويل]
إذا ما سعى الإنسان في طلب العلا ... وجدَّ ولم يظفر ببعض مراده
جنى كلَّ يوم يجتليه وليلة ... ثمار التأسِّي من غصون اجتهاده
وأنشدني أيضًا لنفسه في إنسان يقلب "التقي": [الطويل]
ألا أيُّها المغترُّ في طلباته ... بكلِّ حسود في كلام منمَّق
إذا شئت أن تقضي مآربك الَّتي ... كلفت بها في مجلس فاتَّق التَّقي
وأنشدني من شعره: [من الخفيف]
ما شربنا من العلوم جليلًا ... ولو أنَّا نريد بيعًا لبعنا
فاتَّبعنا ولو سبقنا إلى ما ... قد منحنا به لكنَّا تبعنا
/١٨٠ أ/ وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
يقولون عنِّي قد أصاب بأسرهم ... إذا أنا من لفظي نظمت لهم سمطا
وألقي يدي صفرًا عقيب كلامهم ... فيا ليتهم جادوا وقالوا: لقد أخطا
стр. 227
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
أشوقًا وقلبي لا يمثِّل غيركم ... لطرفي إذا ما غاب شخصكم عنِّي
فإن نمت جاد الحلم لي بخيالكم ... وإن لم أنم أدنأكم ولهي منِّي
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
لا تنقموا يا قوم فرط تطاولي ... تجدوا على الأعراض فضل الجوهر
وتدبروا شعري الَّذي أودعته ... لفظ القديم وصنعه المتأخِّر
وأنشدني قوله من قصيدة: [من الوافر]
ولو أنَّ النجوم بغت عنادي ... لما أمنت مصافحة الرُّغام
رضعت ثديَّ أبكار المعاني ... ولكنِّي أمنت من الفطام
وأنشدني أيضًا لنفسه [من السريع]
لنا زمان حكمه نافذ ... في كل سبَّاق ومسبوق
فيفعل ..... بأبنائه ... من وامق منهم وموموق
/١٨٠ ب/ يغصُّ ذو النَّقص بمأكوله ... منا وربُّ الفضل بالرِّيق
كأنَّه آلى على نفسه ... ألا يصفِّى عيش مخلوق
وأنشدني له: [من الطويل]
لقد كنت أحكي عنكم في مجالسي ... فصول ثناء تستحبُّ وتعشق
وكان حديثي عنكم لمطارحي ... يضوع كمسك أذفر حين ينشق
فلمَّا صبحتم من صحبت من الورى ... وملتم إلى من عرضه متمزِّق
تقاعست عن ذكري لكم بفضيلة ... مخافة أن آتي بها لا أصدَّق
وقال: [من الطويل]
عشقتك عشق الطِّفل للثدي وانطوت ... ضلوعي على حبِّيك في زمن الوصل
وصدَّقت زور القول منك جهالة ... واتبعت قربي بالتَّباعد عن أهلي
стр. 228
فلمَّا حببت الغدر حبِّي للوفا ... وجرَّعتني يا هذه جرع المهل
هجرتك حتَّى لو رأيتك في الكرى ... ذممت رقادي عند جدِّي والهزل
[١٠٧]
أحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن الحسن بن عبد الواحد بن محمد بن الحصين، أبو العباس /١٨١ أ/ ابن أبي عليٍّ، الموصليُّ المولد والمنشأ، البغداديُّ أصلًا.
وجدّه أبو سعد الحسن بن عبد الواحد، كان صاحب المخزن في الأيام المستظهرية. وكان يعرف بابن الفقيه.
وأحمد هذا كان شابًا ذكيًا، صرف همته مديدة فختم فيها القرآن الكريم، وحفظ جملة من المقامات الحريرية.
وكان يتولّع بالشعر وعمله، ومات شابًا ليلة السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة بالموصل، ودفن غربيها ظاهر البلد بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد – ﵁ – وكانت ولادته في ربيع الأول سنة ستمائة.
ومما أنشدني لنفسه – رحمه الله تعالى -: [من الرمل]
ورشيق القدِّ من مبسمه ... سفت مسكًا وترشَّفت مداما
عرض الوصل فلمَّا رمته ... منع الوصل وأعطاني السَّقاما
اطلع البدر لنا من وجهه ... ثمَّ غشَّاه من الفرع ظلاما
كالطَّلا الوسنان إلاَّ أنَّه ... ما رعى شيحًا ولا ساف خزامى
ما رأينا قبله من رشأ ... جعل الثَّغر على الجيد نظاما
/١٨١ ب/ كلَّما عرَّضت شكوى حبِّه ... ملأ القلب من الجفن سهاما
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الكامل]
ملك الزَّمان بأسره ... من قادني في أسره
فنهاره من وجهه ... وظلامه من شعره
والرَّاح من وجناته ... وحبابها من ثغره
стр. 229
والسِّحر من لحظاته ... وسقامنا من خصره
[١٠٨]
أحمد بن عبد الله بن الزبير بن أحمد بن سليمان أبو العباس الشيبانيُّ الخباوريُّ.
زعم أنه من قرية بالخابور تدعى الحدقانية قريبة من المجدل.
شاب أسمر اللون قصير مقرون الحاجبين، يتزيا بزي ذوي التصوف، كثير التنقل والأسفار لا يستقر في مدينة إلاّ قد أذهب جدة عمره في الغربة، وأقبل على الأشغال؛ وحصل في سفره أدبًا وفقهًا.
وهو فقيه شافعيُّ المذهب، خلافيٌّ عالم فاضل جدلي مناظر حافظ للقرآن العزيز /١٨٢ أ/ يقرأه للسبعة والعشرة، من أحسن الناس قراءة للقرآن في زمانه، وأطيبهم صوتًا، درس القصيدة الشاطبية حفظًا جيدًا على الإمام أبي الحسن علي بن محمد السخاوي المقرئ النحوي؛ وله يد في علم الإعراب وغيره.
وهو مع ذلك فيه لطافة وحسن عشرة وكياسة ودماثة أخلاق، جواد النفس، وأي شيء يحصل له من عرض الدنيا لا يستبقي منه شيئًا إلا يخرجه، وذلك لسفه نفسه.
ولد سنة ستمائة بالحدقانية. وكان والده من ..... من سواد البصرة، ويقول النزر من الشعر نحو البيتين والثلاثة. شاهدته بإربل وحلب والموصل وبغداد.
أنشدني قوله: [من الطويل]
نعمنا بجمع الشَّمل مع من نحبُّه ... زمانًا وأشقانا القضا فتفرَّقنا
فقل لصروف الدَّهر ما شئت فاصنعي ... فقد كان ما خفنا وما منه أشفقنا
стр. 230
وقال: [من الوافر]
مررت على ديار قد عفاها ... وغيَّرها البلى بعد النَّعيم
تذَّكرت الشَّباب بها وأهلي ... وجيراني وأروح النَّسيم
/١٨٢ ب/ وهاجت عبرتي زفرات حزن ... يجدِّدهن إخلاق الرُّسوم
[١٠٩]
أحمد بن عبد الله بن شعيب بن محمد بن عبد الله أبو العباس بن أبي محمد التميميُّ.
سمع الحديث الكثير وطلبه بنفسه ورواه عن مشايخ دمشق والواردين عليها من الأقطار، ومن مشايخه الحافظ أبو محمد القاسم بن علي الدمشقي، وأبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، وأبو جعفر أحمد بن علي بن إسماعيل القرطبي، والأمير عزيز بن شداد بن باديس الحميري، وأبو البركات أسعد بن المنجا التنوخي، وحنبل بن عبد الله بن الفرج البغدادي، ..... النساخ وغيرهم.
وحفظ القرآن العزيز على والده وجوده على علم الدين السخاوي، وقرأه بالقراءات السبع المشهورة، وعلى تاج الدين الكندي بالسبع وغيرها، وعلى الشيخ أبي محمد عبد الخالق بن يونس بن موقا الإسكندري.
وأخبرني أنه ولد في أوائل سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وشخص إلى الديار المصرية؛ فسمع من أصحاب السفلي، وقرأ أدبًا وفقهًا وحصل أشياء /١٨٣ أ/ حسنة من الحديث والقرآن والقراءات، وكتب بيده شيئًا كثيرًا من الأدب والحديث.
أنشدني لنفسه في الإمام العالم تقي الدين بن الصلاح، وفي علم الدين السخاوي عند فراغه عليها قراءة مسلم: [من البسيط]
جزيت خيرًا تقيَّ الدِّين سيَّانا ... يا قاصدًا ما له مثل يماثله
يا من تجمَّع فيه ما تفرَّق من ... كلِّ العلوم فما تخفى فضائله
فتحت للناس بابًا مغلقًا أبدًا ... على الصَّحيح فما خلق يزاوله
فمسلم لو رآكم، قال مفتخرًا: ... هذا الَّذي طال علمًا من نطاوله
هذا الَّذي بيَّن المخفيَّ من علل الحديث حتَّى بدا للخلق قائله
стр. 231
يا طالب العلم يمِّمه تجده على ... حالاته متقنًا فيما يحاوله
ما للفتاوى له مثل يسطِّرها ... كلاَّ ولا في الورى قرم يساجله
يا ابن الصَّلاح غدا علم الشَّريعة في ... أمن من الخوف محروسًا دلائله
يبيضُّ من نور فتواه المداد إذا ... عاينت ما هو مبديه وباذله
قد فاق في العلم كلَّ الحاسدين له ... ومن يعادي فما تخفى شمائله
ومن يرد كيد عثمان بمنقصة ... فاعلم أخي بأنَّ الله خاذله
/١٨٣ ب/ فما له مشبه في فضله أحد ... إلا علىُّ الرِّضا حقًّا يعادله
ذاك الإمام العليم العالم العلم الحبر السَّخاوي الَّذي عمَّت فواضله
ذاك الذَّي ساد أهل الأرض كلَّهم ... ولم يزل للعلا تبنى محافله
فعشتما في سرور دائمًا أبدًا ... ما غرَّدت سحرًا شجوًا بلابله
ودام نفعكما للنَّاس ما شرقت ... شمس النهار وما دارت أصائله
وقال أيضًا: [من الطويل]
سقاه الصِّبا كأسًا من الحسن مترعا ... وروَّاه من ماء الشَّباب فأمرعا
وأطلع بدرًا من فناء ..... ضياؤه ... يشأبه بدرالتمِّ حسنًا ومطلعا
.. كأنَّ الشَّمس أرخت رداها ... عليه فأعطته الملاحة أجمعا
سقاني وروَّاني مدامة ثغره ... فلمت وصالي بعد ما قد تقطَّعا
كأنَّ مجاج النَّحل من طعم ريقه ... مخالط مسك عرفه قد تضوَّعا
له قامة مثل القضيب إذا انثنى ... وعينان كالهنديِّ في حومة الوغى
لقد ذقت من هجرانه ما أذابني ... وصيَّرني حلف السَّقام مروَّعا
ووَّكلني رعي النُّجوم مسهَّدًا ... طوال اللَّيالي آفلات وطلَّعا
فيا عاذلي رفقًا بقلب معذَّب ... رهين عذاب لم يزل متَّصدِّعا
[١١٠]
/١٨٤ أ/ أحمد بن جعفر بن الحسين بن محمد بن الحسن، أبو العباس الموصليُّ.
رجل سوقي عامي يتعيش تارةً في التجارة، ومرّة في صنعته؛ وهي نسج الآلة التي
стр. 232
تكون للدواب.
وهو أوحد زمانه فيما يعانيه من الفقر الضرب خيط، وقد فرغ من صنعته أشياء عجز عنها المتقدمون في هذا الشأن.
وهو على غاية ما يكون من الذكاء والفطنة، ويحفظ جملة من الأشعار والحكايات الرائقة والنوادر. وصار له بذلك الحفظ والأنسة طبع مؤات، وخاطر مساعد في قرض الأشعار؛ وربما أتى في خلل أبياته التي ينظمها لحن لكونه لم يقرأ من علم النحو شيئًا.
أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
نزل الشَّيب عظَّم الله أجري ... ما بلغت المنى ولا صحَّ نذري
كم حملت الأثقال كرهًا وقاسيت ... أمورًا من بعضها عيل صبري
لو تلاقي صمُّ الجبال الَّذي قد ... نال قلبي لفكَّ صلد الصَّخر
كنت أرجو صلاح ابني من الله ... وهذا أمر به جبر كسري
/١٨٤ ب/ ثمَّ أرجو الخلاص من زوجة لي ... فانقضى العمر بالمنى واعمري
وأرى الدَّهر معكسي في أموري ... يا لقومي ما مالي وما للدهر
أترى طالعي يدلُّ بهذا ... أم طباع الزَّمان يا ليت شعري
قيل إنَّ الزَّمان حلو ومر ... ما شربنا إلَّا كؤوس الصَّبر
من غلام رَّبيته لي عدوًّا ... كنت أرجوه ملحدي في قبري
وعجوز قد عمِّرت لعنائي ... وشقائي ومحنتي ولضرِّي
عمرها في القياس مذ عهد نوح ... ورأوها يوم القتال ببدر
قد سقاني كلاهما السُّمَّ والحنظل ... قهرًا صرفًا وقد بان سكري
قلت فيها شعرًا بجهدي فصارت ... مثل صخر وصرت مثل أخت صخر
غير أن الخنساء تمدح صخرًا ... وأنا أهجو ما يحيِّر فكري
هي سورة هود وقول رسول الله: ... قول به الرَّكائب تسري
أشغلتني عن عيشتي ومعاشي ... بهموم قد حار فيهنَّ أمري
إن قضى الله بالفراق وفيَّ ... رمق عدت كالعزيز بمصر
стр. 233
أحمد الدَّهر بعد ذمٍّ قديم ... ثمَّ أمحو ذاك العتاب بشكر
وأنادي لمن ترى الملك عرى ... صرت وحدي وأخليت سرِّي
/١٨٥ أ/ فارقتني قرينة السُّوء لا كان ... زمان كانت به خلف ظهري
إن جرى خلف ما أقول فبالله ... اكتبوا من ذي على لوح قبري:
مات هذا ولم ينل بعض ما رام ... وكم هكذا تقيل بقفر
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الهزج]
عذولي قلَّ يا أشعب ... ترفَّق ويك لا تتعب
تظنُّ القلب يسلوه ... وموتي في الهوى أقرب
فلا تذكر لي سعدي ... ولا ليلى ولا زينب
فمن عاين محبوبي ... فعذري عنده أصوب
له وجه كبدر التَّم كم ... من عاشق غرَّب
وكم زرفن صدغيه ... وكم أرخى وكم عقرب
وكم يقتلني تيهًا ... وكم يرضى وكم يغضب
فيا أعذب ما عذَّب ... وما أطيب ما أطنب
فصبرًا ويك يا قلبي ... فقد عزَّبك المطلب
فلا تذكر لي راحًا ... فظنِّي ريقه أعذب
ولا تذكر ريحانًا ... فريَّاه لنا أطيب
/١٨٥ ب/ وحملي للهوى صعب ... وسلواني له أصعب
لأنِّي سرت في الحبِّ ... وكان البدر في العقرب
وأحلف أنني أسلو ... إذا عاينته أكذب
يقول الشيخ في حبِّي ... سريحي ما له مذهب
стр. 234
[١١١]
أحمد بن عمر بن أحمد بن ابي شاكر، أبو محمَّد الفقيه الحنفيُّ الكفرعزِّيُّ.
وكفر عزَّة قرية من قرايا إربل.
وأبو شاكر جدُّه الأعلى كان رجلًا مغربيًا. قدم من الغرب إلى كفر عّزة وتديَّرها، وأعقب بها أولادًا.
رجل طويل أسمر اللون مائل إلى الصفرة، بوجهه آثار جدري، صالح صدوق في علمه، حافظ للمذهب، أخذ الفقه عن عبد الرحمن بن محمد الفقيه الحنفي البغدادي، وسمع الحديث بإربل. وهو مدرس أصحاب أبي حنيفة بها، ويلم بعمل الشعر لغرض يتفق وقوعه، أو سب من الأسباب.
وكان مولده تقديرًا في سنة سبع وستين وخمسمائة؛ ولما تغلب التتار – خذلهم /١٨٦ أ/ الله تعالى – إلى مدينة إربل وتملكوها. ثم ترحلوا عنها، توجه إلى بلاد الشام، وذلك في سنة أربع وثلاثين وستمائة، فنزل دمشق وأقام بالمدرسة المنسوبة إلى قايماز النجمي مدرسًا فقه أبي حنيفة – ﵁.
ولم يزل كذلك إلى أن اعتراه مرض وطال به وأضرّ، وكان ولده الأوسط أبو عبد الرحمان عبد الصمد ينوبه في التدريس.
وتوفي ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وستمائة، ودفن ظاهر البلد، بمقبرة الصوفية – رحمه الله تعالى -.
стр. 235
أنشدني لنفسه في الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي – أبقاه الله تعالى – وكان يومئذ متمرّضًا: [من الرمل]
ليس للمولى شبيه في الورى ... غير قلب المرء في جملته
فصلاح النَّاس في صحَّته ... وسقام النَّاس في علَّته
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا، وقد غاب عنه مدّة: [من الطويل]
إذا كان طفل ليس يعلم ما الَّذي ... يضرُّ ولا ما فيه نفع معجَّل
يقاسي عناء عن فطام فكيف من ... يفارق مولاه إذا كان يعقل
/١٨٦ ب/ وأنشدني لنفسه، وقد جاء إلى دار الوزير بحجبه البواب: [من الطويل]
أيا أيُّها المولى الذي عمَّ جوده ... جميع بني الدُّنيا وعزَّ عديله
ألا إنَّ ..... الثَّواب لضدِّه ... مفيدكم فاستبدلوا من يزيله
فعنوان ما عند الفتى ما لغرَّته ... كما أنَّ بادي كلِّ أمر دليله
وأنشدني لنفسه يلغز في بغل المدار: [من الطويل]
وما راحل جدًّا مقيم حقيقة ... يديم السُّرى عن أرضه ليس يبرح
إذا نظر المسرى تقاعس وانثنى ... من السَّير فافهم ما أقول فتنجح
وإن عينه كلَّت عن النَّظر الذي ... به يرشد السَّاري يمرُّ ويسرح
له سائق في رأسه شدَّ رأسه ... ولم ير ميت وهو للحيِّ يكدح
إذا ما عكست الأمر يا سيِّد الورى ... تراه عن الدُّنيا الدَّنيَّة يفصح
وأنشدني أيضًا له لغزًا في الديك: [من الطويل]
وما قائم في ليلة متهجِّد ... ويزني نهارًا والخلائق تشهد
ولا عقر في ذا الوطء والحدُّ ساقط ... ولا غسل فيه كيف ذا الأمر يوجد
يبرُّ إذا ما كان طفلًا بأمِّه ... وتحنو عليه الأمُّ خوفًا وترعد
/١٨٧ أ/ إذا ما أتى حولًا عليه يكن لها ... عقوقًا ويجفوها ملالًا ويحقد
يرى وطئها حلًا له لا بشبهة ... وليس ..... ولا هو ملحد
стр. 236
إذا ما عكست الأمر يا خير ذا الورى ... يكن حظ من يشناك أو لك يحسد
[١١٢]
أحمد بن عيسى بن سعد بن حمدان، أبو العباس.
شاب ربعة أسمر قد وخطه الشَّيب من أبناء الموصل. ولد بها سنة تسعين وخمسمائة، كذلك أخبرني من لفظه.
أحرز جملة من الفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁ – وكلّف نفسه نظم الشعر يمدح به الناس لابتغاء الرفد، ويتراءى إلى طريق المتصوفة، ويذهب إلى التشيع.
لقيته بمدينة إربل سنة ثماني وعشرين وستمائة، وأنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي – رحمه الله تعالى -: [من المتقارب]
إذا الخطب وافى على غرة ... وجرَّد للقتل في النَّاس عضبا
وأمسى الزَّمان وقد بدِّلت ... مفارقه السُّود بالهول شهبا
/١٨٧ ب/ وكرَّت على الحرِّ نوباته ... فغادرنه بيد البؤس نهبا
فجود المبارك لي جنَّة ... بها أتَّقي الدَّهر خطبًا فخطبا
وجدواه إن عضَّ ناب الزَّمان ... تعمُّ البريَّة شرقًا وغربا
به انقاد جامح دهر إليَّ ... وسالمني بعد ما كان حربا
فلسنا نرى حاتمًا ذا السَّماح ... يباريه إذ جاء عفوًا وكعبا
وكنا قديمًا نلوم الزَّمان ... ونوسعه في التَّصاريف عتبا
إلى أن علمنا بأنَّ الوزير ... من أبنائه فمنحناه حبًّا
فلا زال عرفك للمدلجين ... دليلًا وربعك للوفد رحبا
إليك ارتمت بي صهابيَّة ... تخبُّ الفيافي والبيد خبَّا
مرافقها محكمات القوى ... إذا انبعثت خلتها الرِّيح هبَّا
стр. 237
إذا مأتشكَّت كلال السُّرى ... وألقت إلى الأرض جنبًا فجنبا
أقول لها إن بلغت الوزير ... بنا بعدها لا تراعين قلبا
فتى شاع سؤدده في البلاد ... فأصبح للجود والمجد ربًّا
يفرِّق أمواله تاجرًا ... لجمع المحامد ناهيك كسبا
غدا ليل حظِّي به مقمرًا ... وسهَّل لي ذلَّ ما كان صعبا
/١٨٨ أ/ وغضُّ الأمانيِّ لما ذوى ... بماء الرَّجاء له عاد رطبا
وإن نكَّد المنُّ بر الرِّجال ... ترى برَّه الجمَّ للنَّاس عذبا
إذا القوم عدُّوا مزايا الكرام ... تكون مزاياه أوفى وأربى
رفيع العماد طويل النِّجاد ... خدين النَّدى جوده لن يغبَّا
إذا ما دعاه عفاة الزَّمان ... لبذل الصَّنائع يا بشر لبَّا
عقيلة قوم به أنجبت ... وقد كان آباؤه قبل نجبا
وعلَّمني الشِّعر مدح امرئ ... به الدَّست يزداد تيهًا وعجبا
إذا الدَّهر ألَّب أحداثه ... ورجَّا جموع الرَّزايا وعبَّا
لجأنا إلى معقل من حماه ... به يعصم الناس عجمًا وعربا
فمت كمدًا يا زماني العنود ... أمنت الخطوب به واقض نحبا
فقد صرت في مانع لا يرام ... إليه [فلا] تستطيعنَّ وثبا
[أنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
وما ذات طوق مسَّها البين فانثنت ... مرزَّأة بعد التألف والجمع
صدوح على الأفنان بالبان سحرة ... ترتل ألحانًا بأيمن ذي الجزع
يجاوبها في الثكل أمثال حالها ... ويسعدها بالنَّوح في الدوح والسجع
بأوجع من قلبي غداة تحملت ... ركائب من أهوى وغودرت في الرّبع
أذيل دموعي علّها أن تعينني ... فتصر نار الوجد عن شدّة اللذع
وكنت بأحبابي على الدهر ظاهرًا ... وحسبك أني عدت متخذًا دمعي]
стр. 238
[١١٣]
أحمد بن محمد بن سعيد بن عنتر بن إبراهيم بن يوسف بن محمد بن يعقوب ابن فارس بن رملي بن نجدة بن بشرى بن خضري، أبو السعادات بن أبي بكر الواسطيُّ.
هكذا أملى عليَّ نسبه /١٨٨ ب/ والده أبو بكر محمد بن سعيد – رحمه الله تعالى – وزعم أنهم يرجعون في النسبة إلى بعض الأكاسرة، ومولده بالهمّامية، وبها منشأه؛ وهي قرية من قرايا واسط.
شاب مائل إلى الشقرة أزرق، نزل البياض بعارضيه؛ وهو فقيه شافعي المذهب، عالم مناظر، أصولي نحوي، ذو فنون في كل نوع من العلوم الأدبية والدينية مع حفظه للكتاب الكريم. وفيه عشرة وحسن صحبة لأصدقائه، وأقام بمدينة إربل زمانًا.
ثم سافر عنها وقدم بغداد وسكنها برهة من الزمان؛ فقلده الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله – خلد الله ملكه – قضاء واسط وأعمالها وذلك في شعبان سنة تسع وعشرين وستمائة؛ وربما سمحت قريحته بشيء من النظم في غرض يقع له، وشعره يتقاصر عن معرفته وفضله.
أنشدني لنفسه: [من الرجز]
مهفهف القدِّ أسيل خدُّه ... إذا استدار الصُّدغ فيه وانعطف
قد بات يسقيني المدام باردًا ... من ثغره الألمى اللَّذيذ المرتشف
ما مال بي داعي الغرام غرَّة ... إلاَّ ثناه الدَّل عجبًا فانصرف
/١٨٩ أ/ ولا نهاني عنه دين وازع ... إلاَّ وأغراني به حسن الوطف
وأنشدني لنفسه من قطعة: [من الطويل]
وأسمر ممشوق القوام تخاله ... إذا نظرت عيناه بالسِّحر ينظر
يقرُّ له بالحسن طوعًا حواسد ... إذا مرَّ في ثوب الملائك يخطر
стр. 239
وأنشدني أيضًا قوله من أبيات: [من الطويل]
فإن أنت أحببت الوصال بزورة ... يعود ذويُّ الغصن أخضر مائس
وإلاَّ فجلبات الوزارة خالع ... وثوب الحجر لا شك لابس
[١١٤]
أحمد بن أبي الفرج بن منيع بن المفرِّج، أبو العباس الدنيسريُّ
شاب قصير لطيف الخلقة أسمر اللون. كان شاعرًا فطنًا متوقد الخاطر، صاحب معان صحيحة، وألفاظ فصيحة، غزير الشعر، جيد البديهة والفكر، منقاد الطبع في كل ما يتوخاه من أنواع القريض. يزاحم الشعراء ويجري معهم في أساليبهم ويسلك بمنهجهم فيما يأتون به، فيقرون له بالتقدم، ويشهدون له بالحذق؛ وهو أشعر /١٨٩ ب/ أبناء زمانه، وأغوصهم على المعاني واستنباطها.
قدم الموصل سنة إثنتين وعشرين وستمائة، وأقام بها مدّة، وامتدح بها جماعة من أهلها من الصدور والسُّوقة. وكان رقيق الحال، بادي الحرف صعلوكًا، يستجدي بشعره الرفيع والوضيع طلبًا لشيء من عرض الدنيا، يعبّر به وقته وزمانه.
ثم سار عنها إلى إربل، فلبث فيها شهورًا يمدح الناس، ثم عاد إلى الموصل، ورحل منها إلى دنيسر، فلم يمكث با إلاَّ قليلًا حتى توفي هناك وذلك سنة ست وعشرين وستمائة وقد جاوز الثلاثين.
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
أيموت فيك المستهام بدائه ... وبفيك عين حياته ودوائه
صبُّ أقام من الغرام على شفا ... إذا شفَّه فغدا عديم شفائه
يمسي ويصبح فالهيام أقل ما ... يلقاه بين صباحه ومسائه
стр. 240
إن شئت تعلم كيف بات على الهوى ... سل من يبيت معانيًا لعنائه
عجبًا له يشكو تباعد حبِّه ... عنه وما ينفكُّ من أحشائه
رشا يشوب وصاله بصدوده ... مللًا ويعقب سخطه برضائه
/١٩٠ أ/ لولا تملُّكه الفؤاد وقد رنت ... سوداؤه ما حلَّ في سودائه
لم تصف أيَّامي بشهد وصاله ... إلاَّ وكدَّرها بصاب جفائه
ملك الجمال فلو رأى سلطانه ... ملك الجمال لسار تحت لوائه
قبس الملاحة فاستقلَّ كيوسف ... في حسنه لمَّا ارتدى بردائه
يرتجُّ في خطواته ويميس في ... خطراته ويلوح في استجلائه
والدِّعص من أردافه والغصن من ... أعطافه والبدر من لألائه
سجدت لديه الشَّمس حيث طلوعها ... من وجهه وغروبها في مائه
كم أكثروا فيه الملام وليس لي ... من حبِّه جلد على إصغائه
(أأحبُّه وأحبُّ فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه)
وأرى السُّلوَّ وحلٌّ عقد تصبُّري ... متولِّد من شدِّ بند قبائه
وأنشدني أيضًا من قصيدة أولها: [من البسيط]
لولا تألُّق برق أنت شائمه ... ما سحَّ ساكب دمع العين ساجمه
إيها عدمتك طرفًا ما رمقت به ... إلا تحلَّل من صبري عزائمه
ولا جنى بطموح اللَّحظ مجترمًا ... إلا وحاق بجثماني جرائمه
هتكت بالدَّمع ما في القلب مستتر ... من الهوى وهو خافي الوجد كاتمه
/١٩٠ ب/ كم استجرت من البلوى بشرع هوى ... فما أجار ولكن جار حاكمه
لله شادن ذاك الحيِّ كيف غدت ... تفرُّ من سحر عينيه ضراغمه
أظنُّ أنَّ رقاه غير مطلقة ... فلو تكون لأنحتها تمائمه
عذب المقبَّل لولا خمر ريقته ... لما انثنى ثمل الأعطاف لائمه
شكى إلى حاجبيه ظلم ناظره ... قلبي فما كشفت عنه مظالمه
يا من أحلَّ سهام اللَّحظ في كبدي ... يكفي الَّذي فتكت فيها صوارمه
стр. 241
لم لا ترقُّ لجسم أنت عائده ... من سقمه وفؤاد قلَّ راحمه
ذللت في عزِّ دهر لست منتصفًا ... من ظلمه وكذا من عزَّ ظالمه
وأنشدني أيضًا لنفسه في غلام اسمه علي: [من مخلّع البسيط]
نفَّر نومي غزال أنس ... كالظَّبي في شدَّة النِّفار
له على عاشقيه نصر ... من جفنه وهو في انكسار
أعار ورد الرِّياض لونًا ... من خدِّه غير مستعار
وعلَّني من لماه كأسًا ... ألذَّ طعمًا من العقار
فبي خمار فليت داوى ... بها الَّذي بي من الخمار
ما انسدل الشَّعر منه ليلًا ... على جبين من النَّهار
/١٩١ أ/ إلَّا غدا الوجد في انتهاك ... عليه والصبر في استتار
أذاقني من هواه ما من ... سميِّه ذاق ذو الخمار
فكلَّما سمته وصالًا ... سلَّ من الجفن ذا الفقار
وقال يداعب بعض أصدقائه بديهة: [من المتقارب]
أيا شرف الدِّين يا ذا الَّذي ... محاسنه ليس فيهنَّ ريبه
تحذلقت دهرك حتىَّ وقعت ... على رغم أتقك في وسط خربه
ولو تم دسَّك في مجلس ... لبعض الملوك لأعطاك قربه
وله وهو مما كتبه إلى شمس الدين بن البهاء أسعد السنجاري الشاعر كاتب الإنشاء بماردين: [من الطويل]
كتبت ولي قلب على البعد شيِّق ... وصدر على رحب من الهمِّ ضيِّق
وليس بخاف عنك مضُّ صبابتي ... وخطُّ غرامي في الرِّقاع محقَّق
رمتني يد الأيَّام منك بفرقة ... وقد كنت قدمًا من فراقك أفرق
فما شاقني من بعد بعدك منظر ... ولا راق لي يا شمس من فيه رونق
/١٩١ ب/ يجدِّد إخلاق الغرام تذكُّري ... خلائقك اللاَّتي بها تتخلَّق
إذا ما بدا القطب الجنوبيُّ هيجت ... جنوني إلى الشَّهباء شهب تألَّق
وما خطرت ما ماردين نسيمة ... على الشَّرق إلاَّ كدت بالدَّمع أشرق
стр. 242
وما ذكرتك النَّفس إلا كأنَّني ... أحسُّ بقلبي من عل يتحلَّق
عسى الدَّهر يوليني بقربك منَّة ... وتسمح لي الأيَّام أو تتصدق
وعلَّ صباح الغرب يجلو دجى النَّوى ... فتسفر شمس الوصل منك وتشرق
وقال يمدح الأمير ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطايا – أدام الله إقباله – ويهنئه ببناء دار استجدّها: [من الخفيف]
شيَّد الله بالسَّعادة دارًا ... ظلت فيها لها وللدين ركنا
أصبحت إربل قصيدًا وأضحت ... لك بيتًا وأنت للبيت معنى
إن سمت رفعة فما زال يسمو ... بك ربع تحل فيه ومغنى
هي دار الخلود لا زلت تبقى ... ألف عام بها وضدُّك يفنى
قد أتيناك للهناء ولكن ... هي أولى بركنها أن تهنَّا
وقال غزلًا: [من الخفيف]
/١٩٢ أ/ ذلَّتي من مدلَّل ذي دلال ... ربَّ جفن مكحَّل كالهلال
ذي عذار مزرَّد مستدير ... تحت صدغ مسلسل فوق خال
بت فيه مسهَّدًا ذا اشتغال ... بفؤاد مبلبل ذي اشتعال
حاز روحي فأصبحت في يديه ... كأسير مكبَّل في عقال
وأنشدني لنفسه ابتداء صدر كتاب: [من الطويل]
كتبت وبي من لاعج الشَّوق غفلة ... فلم أدر ما أملي عليَّ ضميري
ولولا زفير ..... عدته صبابتي ... محوت بتقطير الدُّموع سطوري
وأنشدني لنفسه يهنئ بخلعة حمراء: [من السريع]
يا شرف الدِّين الَّذي للندى ... سحابة من كفِّه تقطر
خلعتك الحمراء من أنفس الحسَّاد لا زلت بهم تظفر
تفنى أعاديك بها حسرةً ... لأنَّها موتهم الأحمر
وأنشدني لنفسه في ابن عنين الشاعر وأخيه: [من الوافر]
أصاب النَّاس من ولدي ... عنين شدَّة وشقا
قد اجتمعا على ضرٍّ ... عظيم الخطب واتَّفقا
стр. 243
كأنَّهما عدمتهما ... على الإفساد قد خلقا
/١٩٢ ب/ فذا الأعراض يقطعها ... وهذا يقطع الطرقا
وأنشدني لنفسه في شخص أعرج: [من الخفيف]
أعرج ربُّ عاهة لا كفاني الله فيه شماتة الحسَّاد
لم تزل رجله تكفَّ أذى نيكٍ إلى أبت عن الانقياد
لم تزل رجله تكف أذى نيك إلى أن أبت عن الانقياد
[١١٥]
أحمد بن معدِّ بن عليِّ بن رافع بن فضائل بن عليِّ بن حمزة بن أحمد بن حمزةً بن عليِّ بن أحمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ، أبو عقيل البغداديُّ العلويُّ الموسويُّ.
من أولاد الإمام موسى بن جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب – صلوات الله عليهم -.
شاعر من شعراء البغداديين، جزل القول، يسلك في أشعاره مسلك العرب ويذهب مذهب الحيص بيص في استعمال الألفاظ الحوشية، ويتبادى في إنشاده، ويتشدق في إيراده وأكثر قوله في الافتخار بنفسه وأهله.
أنشدني لنفسه بمدينة الموصل سنة ثلاثين وستمائة: [من الوافر]
/١٩٣ أ/ لعمرك ما جنيت على أناس ... جناية من يؤوب على هوان
ولكنِّي فضلت فكان فضلي ... عليهم مدره الحرب العوان
ولمَّا أن علوتهم رموني ... بعرض حين أعجزهم بياني
فذوقوا حرها ودعوا علاها ... فليس مكانكم فيها مكاني
стр. 244
وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]
لأن أبيت خميص البطن منحجرًا ... عاري الجوانب خصَّافًا من الورق
خير وأكرم لي من أن أرى سفهًا ... ذا بطنة في بداء اللُّؤم والرَّنق
وأنشدني من قوله أيضًا: [من الطويل]
كأنِّي بهذا القصر قد باد أهله ... وأسلمه للحادثات منازله
وأصبح قفرًا تحجل الطير حوله ... وينتابه من الظِّباء مطافله
مضى قبلنا قرن فقرن وإنَّنا ... لنأمل ما ذو المس في الدهر آمله
ألم تك فيما قصَّه الله ملهدى ... شفاء لداء حالفته مفاصله
ففي قوم نوح ثمَّ عاد جلية ... تريك اغترار المرء أين مقاتله
وقوم أثاروا الأرض ثم ابتنوا بها ... معاقل لو ينجى يزيد معاقله
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
/١٩٣ ب/ أتعمر دارًا إذا تولَّى جديدها ... وأصبح معمورًا لديها صعيدها
وقد غالت الأيَّام من كان قبلنا ... شقيًّا وما نال الخلود سعيدها
وإلاَّ فأين الملك قيصر والألى ... وأين تولَّى عادها وثمودها
وأين الملوك الشُّمُّ من آل جفنة ... وكسرى أنو شروان طار عمودها
وسابور والأملاك آل محرق ... أبادهم والمرسلات مبيدها
فأضحوا كأن لم يضربوا بمهادها ... مصائب ملك لا يرام حريدها
فإنَّك عن إيماض برق للاحق ... بهم والموالي كالعبيد عبيدها
فبادر فحتف المرء يعقد حبله ... بأعناق آجال الرِّجال يؤودها
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
كتاب أرسلوه إلى الرِّباب ... أسيرك قد ثوى تحت التُّراب
ففي نظري إليك حياة نفسي ... وفي فيك الشِّفاء من الرُّضاب
стр. 245
وأنشدني قوله: [من الطويل]
مرى الشَّوق غرب العين فهو هموع ... وصدَّع واهي القلب فهو وجيع
وليس لأيَّام الحمى ومقيلنا ... بظلِّ ..... السُّتور رجوع
ألا يا حمامات بنجد ترنَّمي ... فقد هاجني منك الغداة سجوع
/١٩٤ أ/ سقيت من الوسميِّ صوب سحائب ... لها بعد إقلاع السَّحاب ربيع
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
يا هند ويحك أنجزي الوعدا ... وصلي الكئيب قتلته عمدا
وارعي عهودًا في الهوى سلفت ... إن الكريم لحافظ عهدا
قد لامني من كان ينصحني ... فيكم وقلت وقال لو أحدى
لو أن كفِّي لا تطاوعني ... فيكم جذذت بنانها جذَّا
أسقاك ربُّك صوب غاديه ... وأدام عيشك رافقًا رغدا
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
ألا يا ليت أيَّام التَّصابي ... رجعن ومورق الخود الكعاب
ويوم بالثَّنيَّة حيث تمشي ... قطوف الخود دانية الحقاب
لها جيد كجيد الظَّبي حقًّا ... وناظرة المهاة لدى الهضاب
وفوهًا فيه كالعسل المصفَّى ... على برد القلال على شراب
لقاؤك يا سليمي بنت عمرو ... حياة المرء من تحت التراب
[١١٦]
أحمد بن محمد بن أبي الوفاء /١٩٤ ب/ ابن الخطاب بن محمد بن عليِّ بن الحسن، ويلقب الهزبر، أبو الطَّيِّب الموصليُّ المعروف بابن الحلاويِّ.
стр. 246
أخبرني أنه ولد آخر سنة ثلاث وستمائة، وهو من أشهر بيت بالموصل وأقدمه. وكان يقول الشعر منذ كان حدثًا، وطاوعه طبعه في نظمه، ورزق منه حظًا لم يرزقه أحد من أبناء جنسه وأقرانه.
ورحل عن الموصل سنة إحدى وعشرين وستمائة إلى بلاد الشام، وسكن دمشق واتصل بالملك الناصر صلاح الدين أبي المكارم داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب سلطانها، وصار من جملة شعرائه، وأخص جلسائه ومدحه بعدة قصائد واكتسب منه رزقًا صالحًا، وسار في صحبته إلى الديار المصرية.
ثم فارق خدمته سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ينتقَّل في البلاد ويمدح الملوك، وكبراء الأنام، وحظُّه فوق شعره.
شاهدته بالموصل سنة اثنتين وثلاثين وستمائة شابًا جميلًا، وأنشدني لنفسه يمدح المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين أبا الفضائل حسام أمير المؤمنين – أعّز الله أنصاره وشيّد فخاره – من /١٩٥ أ/ قصيدة مطلعها:
[من الطويل]
إلى م السُّرى هل مطلع الشَّمس قصدنا ... فقلت لها بل قصدنا مطلع البدر
إلى ملك لولا مواهب كفِّه ... لظلَّ بنو الآمال عن منهج البرِّ
مليك إذا ما المزن ضنَّ بدرِّه ... يجود علينا مزن كفَّيه بالدُّرِّ
قريب النَّدى في السِّلم من كلِّ وافد ... بعيد المدى في الحرب من كلٍّ ذي غمر
فما حجبت أبوابه دون سائل ... ويحجب في يوم الوغى بالظُّبا البتر
جزيل الجدى مردي العدا موضح الهدى ... بعيد المدى داني النَّدى وافر الوفر
стр. 247
مفيد الورى قطب الوغى أسد الشَّرى ... قليل الكرى جم القرى هاطل الدَّرِّ
بطيءٌ عن الثَّغر الشَّهيِّ بروده ... سريع إلى الحصن الممنَّع والثَّغر
إذا قطَّب الجاني ..... بأسه ... تلقَّاه منه العفو في حلل البشر
له الصَّوت في النَّادي، له الصِّيت في النَّدى ... له الرأي بعد الرَّأي والأمر ...
ألا أيَّها الملك الَّذي حد َّحده ... فأصبح نسر الطَّرف منه على النَّسر
لقد قمت للدين الحنيف بعزمة ... أقامت قلوب المشركين على ذعر
فضلت ملوك الأرض طرًّا بأربع ... غدا فخرها يسمو على كلِّ ذي فخر:
فبأسك للباغي وعرضك للثنا ... وعفوك للجاني وجودك للفقر
/١٩٥ ب/ فما مخدر شهم النِّضال مذرَّب النِّصال تراع الأسد منه على صعر
بأمنع بأسًا منك في حومة الوَّعى ... إذا الحرب ماست في غلائلها الحمر
وما روضة غناء مرَّت بها الصَّبا ... عبيرية الأرجاء مسكيَّة النَّشر
بأعطر من أبكار مجدك كلَّما ... جلين على الأسماع في حلل الشِّعر
وما شامخ لو شاء رقَّ على الحيا ... مواهبه سام على الأنجم الزُّهر
بأثبت حلمًا منك لا طائش الحجى ... ولا مانع الحسنى ولا حرج الصَّدر
وما الغيث منهلُّ العزالي سحابه ... يسحُّ بها في الودق منبجس القطر
بأسمح كفًا منك في حالة النَّدى ... إذا هطلت كفَّاك بالنَّائل الغمر
وإن كنت يوم الرَّوع في العين واحدًا ... فأنت من الإقدام في جحفل مجر
ألا أيَّها الملك الرَّحيم الَّذي غدت ... خلائقه أبهى سناءً من الزَّهر
مدحتك من قبل احتلامي منطقًا ... على صغر في السِّنِّ لا صغر القدر
فعلَّمني مدحيك ما أنا قائل ... من السَّائرات الزُّهر والمدح الغر
فأكرم ملك صافحتني هباته ... وأوَّل ملك سار في مدحه شعري
وقد جئت صفر الرَّاحتين مؤمِّلًا ... سحاب ندى ينهل بالبيض والصُّفر
ولا زلت محروس الجناب مؤيدًا ... يطالعك التأييد من حلل النَّصر
/١٩٦ أ/ فبأسك للطَّاغي وجدواك للنَّدى ... ويمناك لليمنى ويسراك لليسر
وأخبرني أبو الطيب أنه كان بسنجار مقيمًا؛ فجاء البشير من الموصل بإبلال
стр. 248
الملك الرحيم بدر الدين من المرض الذي لحقه، وركوبه للناس؛ فعملت هذه القصيدة بسنجار، وقصدته إلى الموصل فاستحسنها، وأسنى لي الجائزة، وأوّلها:
[من البسيط]
وافى البشير بما كنَّا نحاوله ... ونال أقصى المنى من بات يأمله
وأسفر البدر في لألاء غرَّته ... فأشرقت بمحيَّاه منازله
تكاملت في بروج العزِّ أسعده ... وتمَّ في أعين النُّظَّار كامله
وغير نكر ذا ما البدر عاوده ... تمامه وزها بالسَّعد آفله
بدا فأخمد نار الشِّرك مطلعه ... من بعد ما عمَّت الدُّنيا زلازله
ولاح كالرُّمح أهداه مثقَّفه ... أو صفحة السَّيف هزَّته صياقله
فريح جيش الرَّدى من بعد ما شرعت ... إلى وجوه معاليه عوامله
وفاه كلُّ لسان كان ذا خرس ... في مجده بالَّذي قامت دلائله
/١٩٦ ب/ من بعد ما كتم الأخبار ناقلها ... وجمجم القول في علياه قائله
فليسخ بالمال للقصاد مانحه ... وليوف بالنَّذر للرَّحمان باذله
وليهن ذا الدِّين والدُّنيا وساكنها ... نصر من الله قد لاحت مخايله
إذ صح للملك كافيه وكافله ... وقام بالعبء حاميه وحامله
ملك الملوك الَّذي لولاه ما اتَّضحت ... سبل السَّماح ولم تسلك مجاهله
أبو الفضائل والملك الذي سمقت ... به على الفلك الأعلى فضائله
ملك سمت بالنَّدى والبأس همَّته ... فليس في الأرض من خلق يماثله
حامي المماليك خوَّاض المهالك مغور المعارك لا تلوي عواسله
لولاه ما طابت الدُّنيا ولا حسدت ... أواخر الدَّهر لولاه أوائله
له من المدح حاليه وعاطره ... وللمعادين خاليه وعاطله
أنرقب الغيث في أرض أنأمله ... من بعد ما هطلت فينا أنامله
يا راكب القفر خوف الفقر منتجعًا ... يطوي السَّباسب كالبازيِّ بازله
عرج على ساحة الحدباء تلق بشها ... غيث السماح الذي يغنيك وابله
وثق بنيل المنى إن زرت ساحتها ... فثم داني النَّدى ما خاب سائله
حتَّى إذا عدت في الرَّكب الَّذي رحلت ... قيلة الخطو من ..... رواحله
стр. 249
/١٩٧ أ/ قل للملوك دعوا كسب الثَّناء له ... فما تليق به إلَّا شمائله
هل فيكم من له جود كنائله ... أم فيكم من سجاياه تساجله
يا مالك الأرض قصدي أنت مانحه ... بالنُّجع منك وحبلي أنت واصله
وأنشدني لنفسه أيضًا بحلب المحروسة في العشر الوسطى من جمادى الآخرة بالحاضر السليماني سنة خمس وثلاثين وستمائة يمدح بدر الدين أبا الفضائل لؤلؤ بن عبد الله – صاحب الموصل -: [من الطويل]
حكاه من الغصن الرَّطيب وريقه ... وما الخمر إلَّا وجنتاه وريقه
هلال ولكن أفق قلبي محلُّه ... غزال ولكن سفح دمعي عقيقه
وأسمر يحكي الأسمر اللَّدن قدُّه ... عذار أشقا قلب المحبِّ رشيقه
على خدِّه جمر من الحسن مضرم ... يشبُّ ولكن في فؤادي حريقه
أقرَّ له من كلِّ حسن جليله ... ووافقه من كلِّ معنى دقيقه
بديع التَّثنِّي راح قلبي أسيره ... على أن دمعي في الغرام طليقه
على سالفيه للعذار جديده ... وفي شفتيه للسُّلاف عقيقه
/١٩٧ ب/ يهدِّد منه الطَّرف من ليس خصمه ... ويسكر منه الرِّيق من لا يذوقه
على مثله يستحسن الصبُّ هتكه ... وفي حبِّه يجفو الصَّديق صديقه
من التُّرك لا يصبيه وجد إلى الحمى ... ولا ذكر بانات الغوَّير تشوقه
ولا حلَّ في حي تلوح قبابه ... ولا سار في ركب يساق وسيقه
ولا بات صبًّا بالفريق وأهله ... ولكن إلى خاقان يعزى فريقه
له مبسم يسبي المدام بريقه ... ويخجل نوَّار الأقاحي بريقه
تداويت من حرِّ الغرام بثغره ... فأضرم من ذاك الحريق رحيقه
إذا خفق البرق اليمانيُّ موهنًا ... تذكَّرته فاعتاد قلبي خفوقه
حكى وجهه بدر السَّماء فلو بدا ... مع البدر قال الناس: هذا شقيقه!
وأشبه زهر الرُّوض حسنًا وقد بدا ... على عارضيه آسه وشقيقه
رآني خيالًا حين وافى خياله ... فأطرق من فرط الحياء طروقه
стр. 250
وأشبهت منه الخصر سقمًا فقد غدا ... يحمِّلني كالحصر ما لا أطيقه
فما بال قلبي كلُّ حبِّ يهيجه ... وحتَّى م طرفي كل حسن يروقه
فهذا ليوم البين لم تطف ناره ... وهذا فبعد البعد ما جفَّ موقه
ولله قلبي ما أشدَّ عفافه ... وإن كان طرفي مستمرًّا فسوقه
/١٩٨ أ/ أرى النَّاس أضحوا جاهليَّة ودِّه ... فما باله عن كلِّ قلب معوقه
فما فاز إلاَّ من يبين صبوحه ... شراب ثناياه ومنها غبوقه
وآخر يسعى للمواهب والنَّدى ... هدته إلى الملك الرَّحيم طريقه
إلى بحر جود يغرق الوفد فيضه ... ويحمده في كلِّ وقت غريقه
إلى الغيث أحيا بالحيا كلَّ وجهة ... فما أخلفت للشَّائمين بروقه
وكيف يقاس الغيث منه بنائل ... يسحُّ بمال لا بماء دفوقه
إلى كسرويٍّ عدله ونجاره ... يعزُّ على كسرى الملوك لحوقه
إلى سائق في حلبة الجود والنَّدى ... شا النَّاس مأمون العثار سبوقه
إلى والد للجود برٍّ بأهله ... يعزُّ على غرِّ المساعي عقوقه
إلى واجب في كلِّ أرض مديحه ... كما وجبت في ساكنيها حقوقه
إلى واهب الجرد الجياد يؤمُّها ... نداه ومعطي الذَّود يرغو أفيقه
إلى جوهر أعيا البحار فريدة ... إلى نيِّر عمَّ البلاد شروقه
مليك إذا كرَّرت أوصاف مجده ... فسحقًا لنشر المسك يهدى سحيقه
يفوق على صيد الملوك مكارمًا ... وما فيهم من حاله من يفوقه
لهم من حديث المكرمات كذوبه ... ولكن لبدر الدِّين منه صدوقه
/١٩٨ ب/ بديع المعاني مشرق الوجه طلقه ... جزيل النَّدى سامي النِّجار عريقه
يسوق جزيلات العطايا إلى فتىً ... غدا نحوه حسن الرَّجاء يسوقه
أفاد ندى كفَّيه حتَّى عدوَّه ... ويعظم أن يلحاه فيه صديقه
إذا وثق الغرُّ الملوك بخائن ... فليس بغير المشرفيِّ وثوقه
لقد سبق الآجال ماضي حسامه ... فخلِّق لكنَّ الدِّماء خلوقه
به اتَّسعت لي كل أرض نزلتها ... وفرِّج لي من كلِّ أمر مضيقه
أطاع لساني فيه للقول حرُّه ... وساعدني للشِّعر فيه رقيقه
следующие страницы →