Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
فاعذر لخادمك المقصِّر إنَّه ... يفنٌ ضعيفٌ ما عليه جناح
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
عشر الثَّمانين قد أوهى قواي وقد ... تضاعف الضَّعف في عشر الثَّمانينا
فاسأل الله لطفًا منه يلطف بي ... باقي الحياة فقل بالله آمينا
[٧٣٣]
محمَّد بن المبارك بن عليٍّ/ ٥٦٠ ب/ حمى الله حوزته-. وكان ذا فضل وأدب، حافظًا للقرآن الكريم، شاعرًا؛ نظم أرجوزةً في النحو.
وقع إليّ قصيدة من قيله في البيت المقدّس، حين خرّبه الملك المعظم شرف الدين عيسى بن أبي بكر- صاحب دمشق-. وفي تلك السنة أخذ الفرنج- خذلهم الله تعالى- دمياط، وهي سنة ست عشرة وستمائة؛ فأنشأ أبو عبد الله هذه القصيدة:
[من الوافر]
مصاب القدس قد سلب الرُّقادا ... وقد لبس الخطيب به حدادا
وقاضيه قضى نحبًا وإن لم ... يمت لخراب ما أعلى وشادا
ونادى المسجد الأقصى أيرضى ... بهذا الفعل من فرض الجهاد
ومنبره الشَّريف يئنُّ خوفًا ... وممَّا حلَّ بالمحراب مادا
ولا ترقى لصخرته دموعٌ ... فكم قد أقرحت أسفًا فؤادا
كذا محراب داود علته ... الكآبة دمعه يحكي العهادا
ولازم باب رحمته عذابٌ ... وسطَّح الطُّور أدمعه وجادا
/ ٢٦١ أ/ وأصبحت المدارس معولات ... تريق محابر الفتيا المدادا
وما عن عين سلوان سلوٌ ... لساكنه ولو ملك البلادا
وبيت خليله وجلٌ لما قد ... أصاب سواه يرتعد ارتعادا
стр. 1857
وعند قمامة اليوم التَّهاني ... تتيه ككاعب جاءت تهادى
إذا سمعت بدمياط وما قد ... أشيع تقول بلِّغت المرادا
ولكنَّ الكنائس ضاحكاتٍ ... تعالى الله يفعل ما أرادا
ألا يا زائريه أبكوا ونوحوا ... على الإسلام وافترشوا الرَّمادا
فلو بكت العيون دمًا عليه ... تقاضى رزؤه الباكي ازديادا
فمكَّة ثاكلٌ عبرى فلمَّا ... ألمَّ بأختها لبست سوادا
فترك الحجِّ أبكى كلَّ عين ... وعن طيب الكرى اعتاضت سهادا
رضا الملك المعظَّم ذا عظيمٌ ... ولو ملك البسيطة ما أفادا
ولكن ربنا ربٌّ غفورٌ ... لطيف الصُّنع يمتحن العبادا
فخوَّلنا وبوَّأنا بلادًا ... أرانا جاحدي نعماه عادا
أبعد خراب بيت القدس خطبٌ ... أشدُّ ولو توسدنا القتادا
على الدُّنيا وما فيها عفاءٌ ... ولو نلنا بها السَّبع الشِّدادا
/ ٢٦١ ب/ وأنشدني القاضي شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن القوصي بدمشق، في المحرم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن المبارك الضرير خطيب القدس، وقد أنشدته هذين البيتين:
وما طلب المعيشة بالتَّمنِّي ... ولكن ألق دلوك في الدِّلاء
تجيء بملئها طورًا وطورًا ... تجيء بحمأةٍ وقليل ماء
فقال مجاوبًا لي ما انحصرت القسمة، بل بقي قسمان آخران، وأنشدني لنفسه بديهة: [من الوافر]
وكم من مرسلٍ دلوا تردى ... وطورًا عاد منقطع الرشاء
فأجمل في طلاب الرِّزق واعلم ... يقينا أنَّ رزقك في السَّماء
فلا حرصٌ يقيك ولا توانٍ ... يغيث فثق بسابقة القضاء
стр. 1858
[٧٣٤]
محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم بن يحيى بن عليِّ بن يحيى، أبو عبد الله ابن الأكّاف الموصليُّ المعروف/ ٢٦٢ أ/ أبو عبد الله الموصليّ المقرئ.
كان ممن قرأ على الشيخ أبي بكر يحيى بن تمام بن سعدون القرطبي الأزدي، القرآن والقراءات، وتلمذ به، وجود عليه. وكان شيخًا شيعيًا متواليًا، له أشعار في المدح وغيره. وكان يعرف بابن نصيف.
قرأ عليه القرآن، خلق كثير من أهل الموصل، وتوفي في سنة اثنتي عشرة وستمائة. أدركت آخر زمانه، وهو شيخ كبير.
ونقلت من خطه، قوله يمدح أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود- ﵁: [من الكامل]
لعداك فرط صبابتي وغرامي ... وعداك وجدي في الهوى وهيامي
يا من غدا متفرِّدًا بجماله ... صل من غدا متفرِّدًا بسقام
رشا جموح الحسن طوع يمينه ... يقتاده عنفًا بغير زمام
يرمي وترمي مقلتاه بأسهمٍ ... فسهامه موصولةٌ بسهام
كيف التَّخلص من لواحظه الَّتي ... جعلت مراميه وهنَّ مرامي
قسمًا بسحر كامن في جفنه ... ولذاك عندي أوفر الأقسام
لأصاحبنَّ الدَّهر غير مسالمٍ ... وأصول مقتدرًا على الأعوام
أأرأع يا دهري ونور الدَّين لي ... مولًى وعونٌ إن سطوت وحامي
/ ٢٦٢ ب/ ملكٌ يرى في سرجه ملكٌ له ... سيما الهدى وسكينة الإكرام
متقلِّد من عزمه ذا رونقٍ ... يرضيك في نقضٍ وفي إبرام
стр. 1859
ليثٌ العرين إذا تثنَّى في وغًى ... وإذا انثنى لندًى فبحرٌ طامي
تلقى أرسلانًا إذا اشتجر القنا ... وتأخَّر المتقدِّمون يحامي
يا آل زنكي أنتم الصِّيد الألى ... بكم حمى اللَّاجي وريُّ الظَّامي
ليقر عينًا يا فثٌ بكم فقد ... أربى على سام بفخر سامي
مولاي عوة من أتى مستمطرًا ... يرجو الرَّذاذ فجدته بركام
حكَّمته في دهره فتقهقرت ... وتقاعست عنه خطى الأيَّام
حسدتني الدُّنيا عليك وباعدت ... خدمي ولم يبعد نداك الهامي
فاعطف على العبد الَّذي أبدأته ... بسجال قربك فهو ذاو ظامي
واسلم منيع الجار مبذول النَّدى ... خصب الجناب مؤيَّد الأعلام
ونقلت من خطّه شعره، ما كتبه إلى بهاء الدين الربيب: [من السريع]
قل لبهاء الدِّين عنِّي شفاه ... يسألك الله غدًا من سماه
شيمتك العدل وفيك التُّقى ... وكلَّ أعمالك ترضي الإله
/ ٢٦٣ أ/ فاسئل عن حالي وعن قصَّتي ... وذبَّ عنِّي من أذًى قد أراه
غلمان إبن العجمي كلُّهم ... قد حلَّلوا قتلي وقالوا: الغزاه
وكيف ألقى القتل في بلدة ... ملك أبي الحارث رسلان شاه
ممهِّد الأرض بأطرافها ... وليس في الأرض مليك سواه
مجَّدك الأبطا يوم الوغى ... سائل ملوك الأرض عن ملتقاه
ما جاءه من خاف من ظالمٍ ... إلَّا أزال الظُّلم لمَّا أتأه
وإنَّني أخوف من أرنب ... يرى كلاب الصَّيد تعدو وراه
وذاك خوفي لم يكن منهم ... ما يعجز الرَّامي عمَّن رماه
وإنَّما خوفي من بطشكم ... أجتنب الشَّر وأخشى أذاه
إنههم مولاي عن فتنتي ... وردَّهم عنِّي وإلَّا فاه
قد مضَّني فرط سؤالي لهم ... وليس يزدادون إلَّا عماه
لو أنَّني قد جئت من خيبر ... كنت أداريهم بوزن البراه
وإبن غازي هو أسُّ البلا ... يؤلِّب القوم ويهوى هواه
يزوِّر الكتب كما يشتهي ... مجاهد الدِّين لهذا اتَّقاه
стр. 1860
وقد تأذَّى النَّاس من شرِّه ... فازجره عن مسك القلم والدَّواه
/ ٢٦٣ ب/ ولا خلوت الدهر من دعوةٍ ... من نالها في الخلق يعطى مناه
واسلم ودم وأبق لدى نعمةٍ ... ما سارت الركبان أرض الفلاه
[٧٣٥]
محمَّد بن محمَّد بن محَّمد بن محمَّد بن الحسين، أبو البركات ابن أبي جعفرٍ النحويُّ البغداديُّ المولد والمنشأ.
وأصله من شهرستانة، وهي بلدة عند نسا من بلاد خراسان، مما يلي خوارزم، يقال لها: رباط شهرستانة؛ بناها عبد الله بن طاهر في خلافة المأمون.
كانت وفاة أبي البركات يوم الأحد سابع عشر ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وستمائة ببغداد، ودفن بجانبها الشرقي بمقبرة الوردية. وكان مولده في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
أخذ النحو عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي، وبعده على أبي الحسن علي بن المبارك المعروف بابن الزاهدة، ولازمه حتى حصل معرفة هذا العلم، وتميّز فيه على غيره، وسمع الحديث من جماعة، وله شعر حسن.
أنشدني أبو عبد الله/ ٢٦٤ أ/ محمد بن سعيد الواسطي، قال: أنشدني أبو البركات لنفسه: [من الكامل]
لمَّا جفا من كنت آمل وصله ... ظلمًا وجدَّ فديته من ظالم
أخفيت زرقة ملبسي من حاسدي ... ولبستها من خشيةٍ في الخاتم
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني محمد بن محمد لنفسه: [من الطويل]
خليليَّ عوجا عرَّضا لي بذكر من ... بها ينقضي عمري وأدفن في رمسي
ونوحا بشجو واندبا لي فرقتي ... ليال تقضَّين فهل راجعٌ أمسي
غداة افترقنا غاب عقلي فما أرى ... لي اليوم من عقل صحيح ولا حسِّ
ألا إنَّ نور الشَّمس من نور وجهها ... فما لي أراها تستظلُّ من الشَّمس
стр. 1861
ومن شعره ما كتبه إلى بعض الصدور، وقد أهدى إليه كتابًا ألّفه لأجله:
[من الكامل]
جمَّعت من غرر البلاغة لمعةً ... أهديتها للكامل بن الكامل
أهديت للبحر الفرات لآلئًا ... والدُّرَّ في تيَّاره والسَّاحل
ولذاك صيحانيُّ تربة يثرب ... يهدى إلى نخل العراق الحامل
ومتى تأمَّلت النَّهار لديهم ... أبصرت كلَّ غريبة في الحاصل
/ ٢٦٤ ب/ وقبول ذلك جبر قلب مؤمِّل ... لقبوله وكياسةٌ في القابل
لا زال كهفًا للعفاة وملجأ ... للقاصدين وعدَّةً للآمل
ومن شعره أيضًا، وقد صنف كتابًا في الظاء والضاد، وأهداه إلى زعيم الدين يحيى بن جعفر، وكتب عليه: [من الكامل]
الفرق بين الضَّاد قل والظَّاء ... أهدي إلى ذي الطَّول والنَّعماء
يحيى بن جعفر الزَّعيم أخي التُّقى ... والمجد ربَّ جلاله وبهاء
فكأنَّني أهديت ما هو حفظه ... لكنَّني ذاكرت في إهدائي
جهد المقلِّ فهل رأيت أخا حجًى ... للبحر يهدي قطرةٌ من ماء
أم هل رأيت أخا سداد متحفًا ... للبدر حال كماله ...............
لكن أخو الفضل العزي محقِّقٌ ... لذوي الفضائل صورة الأشياء
[٧٣٦]
محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن عليٍّ، أبو عبد الله الحربويُّ.
هو من حربا، من قرايا العراق. من أهل بغداد، وكان مرتبًا بالمدرسة النظامية، وكان أديبًا فاضلًا، يقول الشعر الحسن.
دخل بغداد، وأقام بها إلى أن مات يوم السبت الثامن والعشرين من ربيع الأول
стр. 1862
سنة ست عشرة وستمائة. وكان يؤدّب بها الأمراء والأتراك/ ٢٦٥ أ/ وينوب عن النظَّار بطريق خراسان، وكان رجلًا سليم الجانب.
وهو القائل، وقد جاءه كتاب من صديق له: [من الكامل]
وافى كتابك فابتهجت مسرَّةً ... بقدومه وتضاعفت أشواقي
وكأنَّني كنت السَّليم لبعدكم ... عنِّي وكان هو الطَّيب الرَّاقي
وافى إليَّ وفيه منك هديَّةٌ ... فيه الوفا ومكارم الأخلاق
ما زلت أرعى العين بين سطوره ... في زهر روضٍ جداول وسواقي
فكأنَّني لمَّا فضضت ختامه ... لك فيه بين زيارةٍ وتلاقي
وأنشدني محبّ الدين، قال: أنشدني الحربوي، في استرضاء قومين، كان يتردد إليهما، قاله لكل واحدٍ منهما: [من الوافر]
لهم ولكم عليَّ حقوق وبرٍّ ... ومعرفةٌ تعزُّ ولا تهون
ولكنِّي إذا أنصفت كانوا ... وكنتم بينكم فرقٌ مبين
هم العين اليسار بكلِّ حالٍ ... لديَّ وأنتم العين اليمين
قال: فلم يرض أحدهما إلَّا بانقطاعه عن الآخرين، فاعتذر إليهما بأن قال:
[من الوافر]
/ ٢٦٥ ب/ ولي عينان من كرمٍ وجودٍ ... عليَّ تكاملا بصرًا ونورا
وقد أمست جفونهما مراضًا ... ولم أر نافعًا لهما الذَّرورا
دوا إحداهما في داء أخرى ... ومثلي في القضَّية لن يجورا
يهون عليَّ أن أدعى بأعمى ... ولا أدعى بواحدةٍ بصيرا
فرضي كل واحد منهما.
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في غلام مثاقفٍ: [من المنسرح]
قد سلَّ سيف الثِّقاف منتضيًا ... من بعده مرهفًا من النَّظر
مثاقفٌ من سيوف مقلته ... قد أصبحت مهجتي على خطر
стр. 1863
ما همَّ في شدَّ عقد مئزره ... إلَّا وقد حلَّ عقد مصطبري
يكاد في حفي من يثاقفه ... بالسَّيف يحصي مغارر الشَّعر
كأنَّما وجهه لمبصره ... في وجهه غيمةٌ على قمر
[٧٣٧]
محمَّد بن مطرٍ البغداديُّ.
كان عاملًا بتكريت، من قبل أمير المؤمنين الناصر لدين الله- ﵁. وكان فيه فضل ومعرفة، شاعرًا متصرفًا؛ ومن شعره/ ٢٦٦ أ/ ما كتبه إلى شهاب الدين أبي عبد الله عمر بن القاسم التكريتي الفقيه الشافعي: [من الخفيف]
ما يقول الإمام وفَّقه الله لسبل الهدى وفعل الصَّواب
في فتًى مات عن فتاةٍ رداح ... ذي قوام بريقه كالسَّراب
ولها حقُّها من المهرعينٌ ... وكتابٌ بنسخه في الكتاب
بشهود لا ينكرون مقالًا ... مع مرِّ السِّنين والأحقاب
وله والدٌ وما كا ... ن له قبل موته والذَّهاب
من حدادٍ ولا متاعٍ نراه ... تحت حرزٍ له ولا بوَّاب
هل يجوز التماسها من أبيه ... حقَّها خالصًا بغير عقاب
ثمَّ ما خلَّف الفتى من نتيج ... بين حيٍّ بلاحق الأنساب
أفتنا أيُّها الإمام سريعًا ... واكتسب أعظم الجزا والثَّواب
فأجاب أبو عبد الله ارتجالًا على وزن الشعر ورويّة: [من الخفيف]
قل لمن ألغز الخطاب الَّذي فا ... ق وقد فاق فوق كلِّ خطاب
سائلًا عن فتًى كريم وقد ما ... ت بلا علَّة من الأسباب
/ ٢٦٦ ب/ عن فتاة إذا أتاها مريدٌ ... أخذ المهر منه من لا يحابي
وله والدٌ كريمٌ من الكرم ... له اشتقَّ اسمه في الصِّحاب
ثمَّ أم توطا لتبرز منها ... مزنة تجتلى بغير نقاب
مهرها أربعون ممن أتاها ... أو ثمانون في القياس الصَّواب
فاجتنبها وصن جنابك عنها ... فهي للقتل خدعةٌ كالسَّراب
стр. 1864
هاك ما حاك فيه فكري سريعًا ... وبديهًا سطَّرته في الجواب
أيُّها السَّيِّد المؤمَّل شمس الدِّين ما هكذا حسبت حسابي
[٧٣٨]
محمَّد بن الخضر بن محمَّد بن الخضر بن عليِّ بن عبد الله بن تيمية، أبو عبد الله ابن أبي القاسم الحزّاني الواعظ الحنبليُّ، الخطيب الكفر جديانيُّ.
خطيب حرّان ومحدّثها وعالمها على المذهب الأحمدي، وكفر جدايا قرية من قرى حرَّان. وكان واعظًا مفسِّرًا حافظًا عالمًا.
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي- أيده الله تعالى- قال: أخبرني إبراهيم الصريفين، أنه سئل عن نسبه إلى يتيمَّة، /٢٦٧ أ/ فقال: هي جدتي، وكانت من أهل العلم، واعظة البلد- يعني حرّان- فعرفنا بها.
وتفقه أبو عبد الله بمدينة السلام على أبي الفتح نصر بن فتيان النهرواني المعروف بابن المنى، وسمع بها أبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطي، وأبا الحسن سعد
стр. 1865
الله بن نصر الدجاجي، وأبا الفضل أحمد بن صالح بن شافع، وأبا بكر عبد الله بن حمد بن النقور، وأبا القاسم يحيى بن ثابت بن بندار وغيرهم- رحمه الله تعالى-.
كانت له معرفة حسنة بالتفسير والوعظ والأحاديث. وكان من صلحاء الناس ذا قبول عندهم؛ من تصنيفه، كتاب سمّاه: ((تحفة الخطباء من البريّة في الخطب المبنرية)).
وكان مولده في شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. وكانت وفاته بحران فيما بلغني يوم الخميس وقت العصر عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة- ﵁.
ومن شعره قوله: [من الطويل]
إذا جنَّ ليلي جنَّ قلبي بذكركم ... فيغلبني وجدٌ بكم وبكاء
وتعتاض عيني عن لذيذ رقادها ... بحرِّ دموعٍ وقعهنَّ شفهاء
وتضعف عن حمل التَّجلُّد قوَّتي ... إذا مضَّني داءٌ وعزَّ دواء
/ ٢٦٧ ب/ ويظهر لي صدق الَّذي قال قبلنا ... وهل لقوي لا أستجد بقاء
أنشدني الشيخ الحافظ محبّ الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي بها، في سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الخضر بن محمد بن تيميّة لنفسه ببغداد: [من الطويل]
أرى قوَّتي في كلِّ يومٍ وليلةٍ ... تؤول إلى نقصٍ وتفضي إلى ضعف
وما ذاك من كرِّ اللَّيالي ومرِّها ... ولكن صروف الدَّهر صرفًا على صرف
стр. 1866
فراقٌ وهجرٌ واخترام منيةٍ ... وكيد حسودٍ للعداوة لا يخفي
وذاك دخيلٌ للفؤاد مقلقل الـ ... ـضُّلوع يجلُّ الخطب فيه عن الوصف
وعشرة أبناء الزَّمان ومكرهم ... وواحدةٌ منها لهذا الهوى يكفي
بليت بها منذ ارتقيت ذرى العلا ... كما البدر في النُّقصان من ليلة النِّصف
وما برحت تترى إلى أن بليت من ... تضاعفها ضعفًا يزيد على ضعف
وأصبحت شبهًا بالهلال صبيحة الـ ... ـثلاثين أخفاه المحاق عن الطَّرف
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن أياس بن عبد الله الحرَّاني بحلب، قال: أنشدني أبو عبد الله بن تيمية لنفسه: [من المتقارب]
/ ٢٦٨ أ/ إذا دهمتك عظام الأمور ... فشاور لها العقلاء الألبَّا
ولا تستبدَّ بها دونهم ... فتلقى خسارًا عظيمًا وتبَّا
فقد أمر الله خير الأنام ... وأزكى البريَّة عقلًا ولبَّا
بأن يستشير أصيحابه ... فشاورهم مستجيبًا ولبَّى
وقوله أيضًا: [من البسيط]
قدمت من سفر الدُّنيا على ملكٍ ... يعدُّ للوافدين البرَّ والنِّعما
يقري الضيوف بإحسان وتكرمةً ... قرى الكريم ويوليه المنى كرما
وما قدمت عليه مسلفًا عملًا ... أرجو به من عطاء فضله قسما
لكن بفقري وإفلاسي ومسكنتي ... وسيئاتي الَّتي تستوجب النِّقما
أرجو تجاوزه عمَّا أتيت به ... من القبيح وإن جاز المدى عظما
وحسن ظنِّي به ركني ومعتصمي ... حسبي بظنِّي به في ذاك معتصمًا
وقال أيضًا: [من المتقارب]
دنت رحلتي وتدانى المسير ... وزادي من النُّسك نزرٌ حقير
وقلبي على جمرات الأسى ... من الخوف من خالقي مستطير
وكم زلَّةٍ قد تقحَّمتها ... فدمعي لها وعليها غزير
стр. 1867
/ ٢٦٨ ب/ مضى عمري وانقضت مدَّتي ... ولم يبق من ذاك إلا اليسير
كأنِّي بكم حاملين السَّرير ... لشخصي وناهيك ذاك السَّرير
يقلُّونه شرجعًا مثقلًا ... علومًا لجنبيه فيها صرير
إلى منزل ليس في ربعه ... أنيسٌ يساكنه أو نصير
سوى عملٍ صالحٍ بالتُّقى ... فنعم الأنيس ونعم الخفير
وقال لما فرغ من تحرير تفسير القرآن الذي ألّفه: [من الرمل]
أيُّها النَّاظر بعدي في كتابي ... مستفيدًا منه مرغوب الطِّلاب
قاطفًا منه ثمارًا سقيت ... باجتهادي ماء شيبي وشبابي
اهد لي منك دعاءً صالحًا ... واصلاٍ تحت أطباق التُّراب
[٧٣٩]
محمَّد بن يوسف بن الدّخوار، أبو عبد الله السكاكينيُّ.
من أهل حلب، كان أصله فارسيًا.
وكان شاعرًا ينتجع بشعره ويرتزق به، وكان فقيرًا مملقًا، شديد الفاقة، ذا عائلة، وعنده دينٌ وخير. وكان مع خيره/ ٢٦٩ أ/ ودينه بذيء اللسان، هجاءً شرِّيرًا، يتقى شره. وتوفي في سنة أربع وخمسين وستمائة.
أنشدني من نظمه أبو الوليد عبد الملك بن يوسف بن عبد الملك بن رستم ابن علي الديلمي الحلبي بها، في سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني ابن الدخوار لنفسه، يمدح السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب- صاحب قلعة حلب، رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
يا آمل البان ما بالبان مذ بانوا ... أهل الحمى لك أوطار وأوطان
ولا مغاني الغواني بعد بعدهم ... يغني مغازلها منهنَّ غزلان
ففيم يصبيك ربعٌ لا أنيس به ... للصبِّ إلَّا صباباتٌ وأشجان
نعم هي الدَّار من نعمان لو جمعت ... نعمٌ نعمت بها يومًا ونعمان
وأين منك لياليها الَّتي سلفت ... وللصِّبا من قلوب العير أعوان
من كلِّ خودٍ رداحٍ في لواحظها ... أسياف فتكٍ لها الأجفان أجفان
стр. 1868
تبدو فتغدو لديها الشَّمس كاسفةً ... وينثني خجلًا من قدِّها البان
إنسيَّةٌ ما لعين بعد رؤيتها ... خوف الفراق بسحِّ الدَّمع إنسان
أقول للبين إذ بأنت ظعائنه ... وللحداة وقد سنُّوا النَّوى شان
/ ٢٦٩ ب/ رفقًا عليَّ فلي إن رمتم تلفي ... ببينها من غياث الدِّين سلطان
من مالك ما لصرف الدَّهر خيفته ... إلَّا على حائن عاداه عدوان
بحرٌ إذا هطلت جودًا أنامله ... فالبحر منحسرٌ والغيث خجلان
وإن غزا ظلَّت الأرضون راجفةً ... واستشعر الثَّقلان الإنس والجان
مؤيَّد الرَّأى والرَّايات منتصرٌ ... للنصر في نصله إن سلَّ برهان
في درعه ليث حرب كلُّ منزلة ... أضحى بها مستقرًا فهي حفان
للدِّين منه وللدُّنيا إذا انتصرًا ... يوما وغى وحجًى أمنٌ وإيمان
يا ابن الذي لم تكن تلفى خزائنه ... لها إذا قدم العافون خزان
وابن الهمام الَّذي أغماد صارمه ... لدى القرى والوغى بدنٌ وأبدن
إليك أشكو زمانًا لا يقوم بما ... حمِّلت من ثقله رضوى وثهلان
حظٌّ غدا كحضيض الأرض منتقلًا ... وهمَّه همُّها للعلو كيوان
فمن زماني بإسعادي ترى رجلًا ... لجامح الفضل إذ ناداه إذعان
فما ألم بمن وافاك منتصرًا ... كلٌّ ولا مسَّ من يرجوك حرمان
واستجلها بنت فكرٍ لا يدنسها ... تبذل فهي يا مأمون بوران
/ ٢٧٠ أ/ لها بكلِّ لسانً صان روايةٌ ... نعم وفي كلّ قلب دان ديوان
لفارسيٍّ به يبدو إذا فخرت ... قيسٌ وإن لم تلده العرب عدنان
وأنشدني أبو الفتح بن بيان بن علي الحلبي بها، في شوال سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الدخوار لنفسه: [من الطويل]
أتطمع أجفاني بطيب رقاد ... وقد سلَّمتهن النَّوى بقتاد
وآمل دهري على البين مسعدًا ... وقد عزَّ ما بيني وبين سعاد
فلا مخبرٌ إلَّا صبا كلَّما بدت ... نوافحها شبًّ الأسى بفؤادي
стр. 1869
ولمع بريقٍ مستطير كأنَّه ... لبعد المدى في اللَّيل قدح زناد
فيا ريح هل تلقينها بتحيَّة ... ويا برق هل تعتادها بودادي
ويا طيفها هل لي إليك وسيلة ... فتدنو بك الأيَّام بعد بعاد
وأنشدني أيضًا أبو الفتح، قال: كان ابن الدخوار، قد مدح القاضي زين الدين- قاضي حلب- فلم يجزه، وكان قد تردد إليه مرارًا فلم يعطه شيئًا، فقال فيه: وأنشدنيه: [من البسيط]
/ ٢٧٠ ب/ رددتني عنك يا هذا بلا صلة ... وقد علمت بإعساري وإعدامي
وعاد برقك عندي خلَّبا ونبًا ... قصدي فيا لسراب غرَّ بالظَّامي
يا مشبه البحر أظما ما يكون به ... السَّاري إذا لجَّ في تياره الطَّامي
تبًا لشعري أما تجدي جوائزه ... سوى التَّفكير في نقضي وإبرامي
وهكذا السَّهم ما أنهاه حامله ... للنزع إلَّا وأدمى إصبع الرَّامي
فإن سمت بك زين الدِّين مرتبةٌ ... فليس تهوى من الدُّنيا سوى السَّامي
إذ لا غناك ولا فقري فإن عظما ... بين الأنام سوى أضغاث أحلام
وله وقد استهدى بعض الأشراف مركبّا، وضمن البيت الثالث: [من الكامل]
أضحت دواتي بالبياض مناطةً ... يا ابن المشاعر والمحصَّب من منى
وامتاز خطَّي بالسَّواد لشقوتي ... فظللت أنشد في التَّضادد معلنا:
يا قلبه القاسي ورقًّة خدِّه ... هلَّ نقلت إلى هنا ممَّا هنا
وقال أيضًا: [من السريع]
في فم من أهوى وفي خدَّه ... ستَّة أنواع وأجناس
شذًا وشوٌ وطلًا عزَّرت ... بالورد والنَّرجس والآس
[٧٤٠]
/ ٢٧١ أ/ محمَّد بن نصر الله بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد، أبو عبد الله بن أبي الفتح الشيبانيُّ الموصليُّ.
стр. 1870
وقد تقدّم شعر عمَّه أبي السعادات المبارك بن محمد.
كانت ولادته بالموصل في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وتوفي صبيحة يوم الإثنني ثاني جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
كان يتعاطى فن الترسل والشعر، ويدّعي الفصاحة في النثر؛ ذا حمق ورقاعة، كثير العجب بنفسه، متكبر على أبناء جنسه.
وخبرت عنه، أنه كان يطعن في القرآن، ويتسامح في حقِّ العلماء الأعيان، ويضع منهم، ويعرض بحمقه عنهم؛ وله تواليف منها كتاب سمّاه: ((غرّة الصباح في أوصاف الإصطباح)) ذكر ما قيل في الصبوح وأيام الربيع، وما وصفت به الخمر من طيب أنفاسها، واختلاف ألوانها وأجناسها، وما يلتئم بذلك من لطافة ندمانها، ومحاسن قيانها، ونعت الساقي، وما يوصف به من الحسن والجمال، والظرف والكمال، وأورد فيه مقطعات من أقاويل الشعراء، ورتبها على حروف/ ٢٧١ ب/ المعجم، ثم أتبع كل حرف من الحروف بشيء من شعره. وكتاب ((الأنوار في نعت الفواكه والثمار)) ذكر ما قيل في الرياحين والفواكه والأزهار، وما قالت الشعراء من محاسن أقوالهم. وكتاب: ((روضة النديم)) مجموع أشعار مرتّب أبوابًا.
شاهدته عدّة مرّات بمجلس والده وعمّه أبي الحسن علي بن محمد، ولم أكن من قبل أعلم أنَّ له شعرًا، فلما وقع الاجتماع به، سألته أن ينشدني شيئًا من شعره، فأجاب إلى ذلك، ووعدني أن يكتب لي منه جزءًا، فلم تطل به الأيام حتى انتقل إلى جوار ربّه- رحمه الله تعالى-.
ومن شعره، ما نقلته من خط يده يصف الخمر، من قطعة وأوردها في كتابه ((غرّة الصباح)): [من الكامل]
باكر بها قبل الصَّباح نديمي ... بنت الكروم وأمُّ كلِّ كريم
صفراء في حلل الكؤوس مزاجها ... من قبل كون الشَّمس من تسنيم
стр. 1871
كانت وليس من الكواكب كوكبٌ ... مقصورةً في جنَّة ونعيم
حتَّى إذا فضَّ الختام تكوَّنت ... شمسٌ وزيِّنت السَّما بنجوم
وتنفَّست فتنفَّست أرواحنا ... وتحرَّكت شوقًا لكلِّ قديم
/ ٢٧٢ أ/ جاء النَّسيم بها إليَّ ولم تزل ... نفسي مرنَّحةً لكلِّ نسيم
وسعى بها ريمًا أغنَّ ومن رأى ... شمسًا مطالعها بكفِّ الرِّيم
يشدو على كأس المدام كأنَّه ... صوت المخيَّب فيه والمزموم
ووددته لو كان يمزج كأسه ... من ريقه برحيقه المختوم
ونقلت أيضًا من خطّه قوله: [من الخفيف]
إسقياني فالصبح مرخي اللِّثام ... بنت كرم شجَّت بماء غمام
خنريسا تدني السرور وقد أصـ ... ـبح عن شربها بعيد المرام
شبه نار الخليل في بردها وهـ ... ـني كنار الكليم في الأضرام
وفتاة مذكراتٌ لها الأفعال ... لكن مؤنثات الأسامي
زعموا أنَّها حلالٌ فدعني .. من حلال في شربها أو حرام
واقتصد في الملام إنِّي خليعٌ ... مستمرٌ على سماع الملام
وأدرها حتَّى تراني لا أفـ ... ـرق بين الأعراف والأنعام
ليِّن العطف بعد طول جماحي ... أخرس اللَّفظ بعد حسن كلامي
وقال أيضًا: [من السريع]
قد أسفر الصُّبح لنا عن نقاب ... وزفَّت الكأس ورقَّ الشَّراب
/ ٢٧٢ ب/ فقم بنا نشرب من قهوة ... تلمع بالشُّرب كلمع السَّراب
من قبل أن تلفظ شمس الضُّحى .. من أعين النَّرجس درَّ السَّحاب
أما ترى الكأس وإيماضها ... كالسَّيف والكأس لها كالقراب
فهزَّها في كأسها هزَّةً ... تجن بها أثمار شرخ الشَّباب
وقال يمدح: [من مجزوء الرمل]
стр. 1872
يا مليكا زانه جو ... دٌ وحلمٌ وحياء
والَّذي يكفي لمن نـ ... ـائل جدواه الثَّناء
والَّذي يومان دا ... ءٌ للبرايا ودواء
إصطبح دام لك الإقـ ... ـبال واجتدَّ البقاء
في نعيم لا يدانيـ ... ـه زوالٌ وانقضاء
دمها يسقي سرورًا ... إن سقى الأشجار ماء
وافن أيامك لهوًا ... قبل أن يأتي الفناء
قهوةً تذكر إسما ... عيل حيَّاه الفداء
إنَّما العيش استماعٌ ... وانخلاعٌ وانتشاء
وقال خمرية: [من الخفيف]
/ ٢٧٣ أ/ يا نديمي قد أقبل الصُّبح في الشَّرق ... وولَّت حنادس الظَّلماء
فالق ثوب الوقار عنِّي ودعني ... من ملام يزيد في إغرائي
واسقنيها حتَّى تراني لا أفـ ... ـرق بين الخضراء والغبراء
من مدامٍ أيدي المزاج عليها ... سمط درٍّ كأنجم الجوزاء
فهي شمسٌ لكن بغير مغيب ... ولهيبٌ لكن بغير انطفاء
وهي نوحيَّة الغراس فلو تنـ ... ـطق قصَّت سوالف الأنباء
أطربت كأسها فلو لم تدرها ... كفُّ ساق دارت على النُّماء
عجبًا ما رأيت والكأس تجلى ... وهي شيءٌ من أعجب الأشياء
مجمع النَّار والزُّجاج مع الما ... ء ودٌّ يدور فوق الماء
يا له منظرًا وعيشًا لو أن الله لم يبل جمعنا بالفناء
وقال أيضًا: [من مخلّع البسيط]
للروض عند الصَّباح طيب ... نمَّت إلينا به الجنوب
واستمتع الطَّرف من كراه ... فملَّت المضجع الجنوب
والطير فوق الغصون تدعو ... طاب لكم وقتكم فطيبوا
والكأس في كفِّ ذي قوامٍ ... يخجل من لينه القضيب
/ ٢٧٣ ب/ لولا لباسٌ يقيه طرفي ... لكاد من لحظه يذوب
стр. 1873
ما سعد الوالدان فيه ... إلِّا لتشقى به القلوب
راحٌ إذا الرَّاح أبرزتها ... صبا إلى شربها اللَّبيب
لها إذا الماء جال فيها ... في قعر كاساتها وثوب
إذا سرت في عروق شخص ... هانت على قلبه الخطوب
وقائلٍ: تب، فقلت: كلَّا ... هيهات عن شربها أتوب
إذا استقام الأنام طرّا ... قل لي لمن تغفر الذُّنوب
وله أيضًا من أبيات فيها: [من الخفيف]
فكأنَّ الصَّهباء في الحسن السَّا ... في لها والحباب فوق المدام
شمس ظهرٍ في كفِّ بدرٍ عليه ... سمط درٍّ تحكي نجوم الظَّلام
وقال فيها أيضًا: [من الرمل]
باكر الشَّرب الكرام ... فاسقني طاب المدام
من كميت خسرويٍّ ... قبل أن يدنو الحمام
قهوةً عتَّقها في ... دنَّها سامٌ وحام
شجَّها أحور قد أد ... نف عينيه السَّقام
/ ٢٧٤ أ/ فاسقنيها بقنان ... بعدها طاسٌ وجام
وأدرها مترعاتً ... زانها ميمٌ ولام
فالرُّبى قبَّلها الزهـ ... ـر وحيَّاها الغمام
وجيوش الصُّبح قد أقـ ... ـبلن إذ ولَّى الظَّلام
خمسةٌ في ستَّةٍ والـ ... ـقوم عن ذاك نيام
فإذا ما زدت كأسًا ... فعلى الدُّنيا السَّلام
وقال فيها أيضًا: [من مجزوء الرجز]
طاب الصَّبوح فاشرب ... هذا أوان الطَّرب
ودع ديار لعلعٍ ... وخلِّ ذكر الربرب
من قهوةٍ صافية ... تفوق ماء السحب
صفراء مثل الياسميـ ... ـن أو كصافي الذَّهب
стр. 1874
تريك في الظَّلماء إن ... شجَّت شواظ اللَّهب
ترقص من فوق أعا ... ليها لآلي الحبب
كراكبٍ مستعجلٍ ... قلوصه في خبب
فالغيم في تصعُّد ... والغيث في تصبُّب
/ ٢٧٤ ب/ والعيش واللَّذَّة في ... احتساء بنت العنب
يديرها مقرطقٌ ... نشوان تركي النَّسب
ولا تؤخِّر عاجلًا ... لآجل مغيَّب
وثق بربِّ غافرٍ ... لكلِّ عبدٍ مذنب
وقال فيها أيضًا: [من الكامل]
قم يا ندييم للمدام فاتها ... عجلان فالأيَّام في غفلاتها
واشرب على طيب الرِّياض وسقنِّي ... صفراء كالأقمار في هالاتها
كرخنَّةً لا تعتزي مع جهلها ... بسنيِّها إلَّا إلى خاناتها
أو ما ترى الأوتار حيث ترجَّعت ... فأجابت الأطيار في نغماتها
فابق البلابل في احتساء سلافة ... لا تنزل الأحزان في ساحاتها
والبس لأيَّام الصَّبوح غلائلًا ... شيعيَّةً في كلِّ ما أوقاتها
واخلع عذارك في الصَّبوح تنل من الأ ... فراح في الدُّنيا منى لذَّاتها
قال أيضًا يعنيها: [من الكامل]
ذكر المدامة في الصَّبوح فعرَّجا ... ورأى الصِّباح وقد بدا متبلِّجا
وتصعَّدت أنفاسه طربًا وقد ... صاح الهزار على الغصون وهزَّجا
/ ٢٧٥ أ/ وتلاعبت أشجانه لمَّا رأى ... زهر الرِّياض المستنير مدَّبجا
وتنفَّست أنفاس علويِّ الصَّبا ... فغدا به ربع الصِّبا متأرِّجا
فغدا إلى الخّار يصحب فتيةً ... شمَّ الأنوف مصوَّرًا ومتوَّجا
عافت نفوسهم الدَّنيَّة فالدُّجى ... من نور أوجههم تراه مسرجا
وقال فيها أيضًا: [من مجزوء الرمل]
يا لبيني باكري الرَّا ... ح بمحكوك الزُّجاج
стр. 1875
واصبحي الشَّرب فقد أيـ ... ـقضهم صوت الدَّجاج
وأديريها كميت اللَّون شجَّت بالمزاج
قهوةً لم تبصر النَّا ... ر ولا ضوء السِّراج
فإذا ما دارت الكا ... سات من قبل الأجاج
فأمري المطرب أن يقـ ... ـطع إرسال الحجاج
ويغني بانخفاض الـ ... ـصَّوت من غير انزعاج
لا تضق ذرعًا نعم ... كل ضيقٍ لانفراج
وقال أيضًا: [من الرمل]
يا نديمي قم بنا مصطحبًا ... غرَّد الطَّير فهات القدحا
/ ٢٧٥ ب/ واسقنيها بنت كرمٍ لم يدع ... من قواها الدَّهر إلَّا شبحا
تطرد الهمَّ إذا ما عبَّها ... شاربوها وتفيد الفرحا
وتعوِّض عن مثاني معبدٍ ... بمثاني عندليبٍ صدحا
وقال في مثله: [من مجزوء الرمل]
غرَّد الطَّير الفصاح ... فاسقني لاح الصَّباح
وأدرها قهوةً يعـ ... ـذب فيها الافتضاح
خدرها الدَّن مدى الأز ... مان والقار الوشاح
جسمها من ألطف الأ ... شياء والطَّبع السَّماح
إنما اللَّذة في الدُّنيا سماعٌ واصطباح
وقال في المعنى: [من مجزوء الخفيف]
إسقني يا ابن معبد ... من شراب مورَّد
قهوةً تذكر المسيـ ... ـح بشيرًا بأحمد
من يدي شادن حييَّ الطَّرف بضِّ المجرَّد
فجيوش الظَّلام مثـ ... ـل طريد مشرد
والعصافير ضللن ... بين مغنٍ ومنشد
/ ٢٧٦ أ/ واصطخاب الأوتار بيـ ... ـن مثنى ومفرد
стр. 1876
ويد اللَّهو والتَّهتُّك جرَّت بمقودي
فاعص فيها قول العدا ... وملام المنفنِّد
واصطحبها وغنِّني ... فلقد طاب مشهدي
عين قري عين أسعدي ... طلع البدر فاسجدي
وقال أيضًا: [من مجزوء الرمل]
إسقني قد أسفر الصُّبـ ... ـح سلاف الخندريس
ودع الربع وتذكا ... ر سعادٍ ولميس
بين مزمارٍ وعودٍ ... ونديمٍ وجليس
قهوةً عتَّقها في ... هيت بهرام المجوسي
فأدرها في قنان ... وبواطٍ وكؤوس
فهي في الدَّنِّ عروسٌ ... خدَّررها لعروس
وإذا أودعت الأقـ ... ـداح أزرت بالشُّموس
تم الجزء السادس من قلائد الجمان
/ ٢٧٦ ب/ وتمَّ بتمامه الجزء الثالث من الأصل
ويتلوه إن شاء الله الجزء السابع، بقية من اسمه محمد
والحمد لله أولًا وآخرًا
وصلى الله على محمد النبي الأميّ وآله وصحبه وسلَّم
стр. 1877
/١ ب/بسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيقي إلا بالله
[تتمة حرف الميم]
[تتمة ذكر من اسمه محمد]
[٧٤١]
محمَّد بن حيدر بن محمَّد بن زيد بن محمَّد بن محمَّد بن زيد بن أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الله، أبو طاهر بن أبي الفتوح الحسينيُّ العلويُّ الموصليُّ.
وقد سبق نسبه بتمامه، عند ذكر والده.
تولى نقابة العلويين بالموصل ثلاث نوب في الدولة الأتابكية؛ ثم في الأيام البدرية.
كانت ولادته سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وأخبرني الأمير مبارز الدِّين أبو المفاخر بدران بن فتوح بن سلطان ..... بحلب؛ قال: توفي النقيب أبو طاهر محمد بن حيدر الحسيني بالموصل، يوم الأحد سلخ جمادى الأولى، ودفن يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة على والده بتربة كان والده أنشأها قبلي المدينة في سنة إحدى وأربعين وستمائة - رحمه الله تعالى-.
أنشدني لنفسه، يمدح بدر الدِّين لؤلؤ بن عبد الله - صاحب الموصل-:
[من الطويل]
رعى الله أكناف الحمى وسقاها ... من المزن ماروى صدي رباها
ولا برحت [أ] يدي الصبا بربوعها ... تحوك بهي الروض طول مداها
/٢ أ/ مراتع غزلان من الإنس قد حوت ... محاسن تصبي من تراه يراها
стр. 1878
مواقف فيها للمحب مواقف ... بها هجر الأجفان طيب كراها
دعاني بها داعي الصبا فأجبنه ... إجابة من لم يعتلق بسواها
وقمت مقامًا لم يقمه متمم ... على بعد من يهوى وطول نواها
وكم لمت قلبي لومًة بعد لومة ... على ترك أسباب الهوى فأباها
وكيف يرى ترك التي هي شغله ... ومن هي داء النفس ثم دواها
فحينئذ قال الوشاة وأكثروا ... مقالتهم حتى استمس قلاها
وما أنًا ممَّن يدخل العذل قلبه ... ولا أنا من يصغي لقول عداها
وما أنا ممَّن ينقض الهجر عهده ... ولا أنا من أضحى يملُّ هواها
طبعت على حفظ الوداد وحب من ... اياديه أعلاني سني علاها
مليك به طالت حياتي واعشبت ... ربوعي بعد المحل حين سقاها
بسحب من الإكرام والبذل والحيا ... افاض علينا جودها ونداها
دعاني ولائي فاستجبت مسارعًا ... إلى خير داع للقلوب دعاها
لك الله من ملك تعالت صفاته ... وجلت معاليه وزاد سناها
/٢ ب/ لقد عَّز من والاه حقًا وذلَّ من ... يناوي علاه غبطًة وسفاها
سمت بك بدر الدِّين همة مالك ... بنى رتب العلياء ثمَّ رقاها
إليك انتهت آمالنا ورجاؤنًا ... وكفك أولاها الغنى وكفاها
وكفك راعى حوزة الدِّين وانبرى ... لها عزمك الماضي فعز حماها
فيا من به قد أسفر الصبح وانجلت ... غيابة دنيانا وزاد ضياها
أهني بك النيروز يا خير مالك ... به لذت الدنيا ولذَّ جناها
فدم وابق ما دام الضياء واقبل الـ ... ـمساء وأولتنا السماء حياها
وأنشدني أيضًا يمدحه – ثبت الله دولته -: [من الطويل]
تحيَّة مهجور إلى خير هاجر ... تهيجه الذكرى إلى غير ذاكر
على أنه لو شق قلبي وجدته ... به ماثلًا أو في ضميري وخاطري
وكيف أرى السلوان عمَّن أعزَّني ... بإنعامه الفياض عزَّة قادر
له من ثنائي ما استطبت سماعه ... ومن مدحي ما حبرته خواطري
ومن دعواتي المستجابة في الدجى ... وما باطني بالله إلا كظاهري
стр. 1879
دعاني هواه فاستجبت مسارعًا ... لأنِّي أراه من أجلِّ ذخائري
/٣ أ/ لك الله من ملك به سمت العلا ... وعم نداه كل باد وحاضر
علوت علو النجم مجدًا وسؤددًا ... بما أنت قد أوليته من مفاخر
ودانت لك الدنيا وأصحب صعبها ... ونلت الذي تهوى بأسعد طائر
ولولاك بدر الدِّين ما التذوارد ... بورد ولا ساغت مصادر صادر
فلا زلت محمي الجناب من الردى ... تبيد العدا بالمرهفات البواتر
وكذَّب ظن الحاسدين بعكس ما ... أسروه من داء دخيل مخامر
وقام منار الدِّين واستوسق الهدى ... بصحة ملك ما له من مناظر
لقد عزَّ من والاك عزًا مؤَّبدًا ... وذلَّ الَّذي ناواك ذلَّ الأصاغر
بنفسي أقيه كلَّ أمرٍ يخافه ... ومن عزَّ من قومي وجلَّ عشائري
وأنشدني أيضًا فيه يمدحه – أعز الله أنصاره -: [من الخفيف]
من لصبٍّ أضحى أسير الأماني ... موثقًا في حبائل الهجران
كلَّما رام أن يبوء بعبء الـ ... ـحب يومًا زلَّت به القدمان
كيف يرجو الوصال من خصمه المحـ ... ـبوب أم من له بيوم التداني
كان لي في الهوى زمان مضى يذ ... مم والآن قد حمدت زماني
/٣ ب/ يا خليليَّ أسعداني على الحـ ... ـبِّ وكفَّا الملام لا تعذلاني
وذراني وما أحب ومن أهو ... ى وشان الغرام يومًا وشاني
إنَّ لي في الَّذي أروم حديثًا ... فاق طيبًا على استماع الأغاني
غير أني لا أستلذ بحال ... أصبح السر فيه كالإعلان
والذ الهوى وأطيب ما فيه ... جحود يفضي إلى كتمان
يا أساة الغرام دائي الَّذي أسـ ... ـقم جسمي علاجه أعياني
أين منِّي السلوهيهات يا صا ... ح ودمعي يلج في الهملان
وفؤادي يكاد من شدَّة الشو ... ق حصاه يذوب بالخفقان
يا ليالي الحمى فهلاَّ تعوديـ ... ـن ويومي به أما لك ثاني
стр. 1880
لنعيد السرور بدءًا كما كا ... ن ونرمي الفراق بالحدثان
ويوالي ذكر الصِّبا ومغانيـ ... ـه فيا حبَّذا بها من مغاني
كلَّما رمت أنثني عن هوى النفـ ... ـس شاني قسرًا إليه عناني
لا أرى أنَّني أشق عصا اللَّذَّ ... ة يومًا بالمنع والعصيان
مثل ما أوجب التُّقى طاعة الما ... لك بدر الدِّين العظيم الشان
ملك أصبحت محاسنه تتـ ... ـلى وتروى حقًا بكلِّ لسان
/٤ أ/ همه في اقتناء ما يكسب الأجـ ... ـر وجبر الكسر أو فكِّ عاني
جوده كالسحاب قد طبق الأر ... ض وعم القاصي وخص الدَّاني
طالما أعجز الملوك من الملـ ... ـك وأعيى بناؤه كلَّ باني
ملك قد سما علوًا وعزًّا ... وعلا قدره على كيوان
من تراه يحصي مكارمه الغـ ... ـرَّ وما فيه من بديع المعاني
فهو خصب الأنام إن أجدب العا ... م وأمن من حادثات الزمان
مذ علا ما يزال متصل الإمـ ... ـداد في كلِّ ساعة واقترن
ببقاء الملك الَّذي خصَّه اللـ ... ـه وإبلاغه جميع الأماني
وقال يهنئه – أدام الله أيامه -: [من الطويل]
أهنِّي بك الشهر الَّذي جاء مقبلًا ... هنًاء له الأسماع تزهى وتطرب
وأثني على الملك الَّذي أنت ربه ... ثنائي الَّذي قد يستطاب ويعذب
أيا مالكًا أعيى الأنام ببذله ... فلم يبق راجٍ في الورى يتعتب
ويا من رضاه بات أمنًا لآمن ... ومن سخطه ما فيه منجى ومهرب
/٤ ب/ إليك انتهت آمالنا ورجاؤنا ... فأنت لنا كنز الحياة ومطلب
فلا زلت منصور اللِّواء مؤيَّد الـ ... ـعلاء ومن سامي معاليك يطلب
وقال يمدحه – أعز الله نصره – من أبيات: [من الخفيف]
إنَّني مذعن بعجزي عن شكـ ... ـر أياد أوليت من إحسان
كيف أحصي قطر السماء وماذا ... ك بحاز في قدرة الإنسان
يا مليك الأنام يا أعظم الخل ... ـق محلًا يعلو على كيوان
أنا راجٍ بأن تعيش مدى الدهـ .... ـر وتحيا في غبطةٍ وتهاني
стр. 1881
ومنها قوله:
إن سلطاننا الَّذي خصَّه اللـ ... ـه بفضلٍ يقوم بالبرهان
وبآي بصدقها انزل اللّـ ... ـه قديمًا في محكم القرآن
كفَّ عنِّي ندى يديك فقد خفت .... ـت لإفراطه من الطغيان
وبأنِّي أقول ما قال من يعـ ... بد عيسى في السِّرِّ والإعلان
يا ملاذ المخوف يا كعبة الآ ... مال يا غاية المنى والأماني
سر براياتك الَّتي حفَّها اللّـ .. ـه بنصرٍ يعنو له الثَّقلان
/٥/أوقال يمدحه، ويهنئه بشهر رجب: [من البسيط]
يا مالكًا جلَّ قدرًا واعتلى شرفًا ... ففات بالمجد سبقًا سائر الأمم
وخصَّه الله بالفضل الَّذي اعترفت ... به ملوك جميع العرب والعجم
أنت الّذي جادني من فيض راحته ... سحبٌ بها عدت في أمر من العدم
لك الهناك بشهرٍ جاء يشفعه ... بشراكم بدوام العزِّ والنِّعم
وقال يمدحه، ويهنئه بعيد الفطر: [من المتقارب]
أيا مالكًا في العلا أوحد ... ومن جوده للورى مقصد
ألا لعن الله راجي سواك ... وطرف بصيرته أرمد
ولو جاز في شرع خير الورى ... بأنِّي سوى الله من يعبد
لكنت أميل بذكري لكم ... وعند مديحي لكم أسجد
أيا من سحائب نعمائه ... يروِّي الورى بحره المزبد
أهنِّي بكم فضل عيد الفطور ... فإنَّ فضائله ترشد
ولازال سلطانكم دائمًا ... مدى الدَّهر والدَّهر لا ينفد
/٥/ب وأنشدني لنفسه، يصف سيفًا أهدي [إلى] الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، أبي جعفر المنصور –﵀: [من الخفيف]
أنا إن فلَّت القواضب في الهيـ ... ـجاء يومًا فإنني لا أفلُّ
بين حدَّيّ من لظى إن تأمَّلـ ... ـت ونوحٌ في فلكه مستقلُّ
وفخاري بأنَّني عدت في كـ ... ـفِّ إمامٍ له الثُّريَّا محلُّ
стр. 1882
ملكٌ ذلَّت البرايا لديه ... وبحقٍّ لبأسه من يذلُّ
هو روح الزَّمان مستنصرٌ با ... لله من عقد ملكه لا يحلُّ
وقال من أبيات: [من الكامل]
ما أنت أول مولع بغرامه ... كلاَّ ولا علق الهوى بزمامه
فاصبر على مضض التَّلوُّو آملًا ... ممَّن تحبُّ فإن يفي بذمامه
واقنع بليت وربما ولعلَّما ... سمح الذي يقوى بقرب لمامه
إيَّاك أن تصغى لقول مفنِّد ... واش ولا تك سامعًا لملامه
إنِّي عهدت أخا الهوى لا ينثني ... عمَّا يروم ولو مني بحمامه
كيف الوصول إلى شحيحٍ ما يرى ... نيل المحبِّ تعلُّلًا بكلامه
/٦ أ/ ومما كتبه إلى الملك الرحيم بدر الدِّين –ضاعف الله اقتداره، وأعلى مساره-: [من المنسرح]
يا مالكًا اصبحت أنأمله ... تفتح باب الرَّجاء للراجي
وظلُّه ملجأ المخوف ومنـ ... ـجاةٌ لمن ظنَّ أنَّه ناجي
ما بال حظِّي عادت محاسنه الـ ... ـبيض كليلٍ سواده داجي
وأنشدني قوله فيه: [من مجزوء الكامل]
إفتح دواتك بالسُّعو ... د ووقِّع الدُّنيا عطايا
كم في يراعك للنُّفو ... س من التَّمنِّي والمنايا
ولكم أشاد من البنا ... ء بما أباد من السَّرايا
وإذا دحا ثمَّ انتحى ... أبدى لك النّكت الخفايا
وقال فيه: [من الوافر]
صباحًا بالمسَّرة والتَّهاني ... لملك ماله في الدَّهر ثاني
مليك سحب كفَّيه توالت ... فروَّت للأباعد والأداني
فلا زالت له الأيَّام طوعًا ... تدين له على مرِّ الزَّمان
ولا برحت له الأفلاك تجري ... بإقبال يخلَّد غير فاني
стр. 1883
/٦ ب/ وقال فيه أيضًا: [من مجزوء الكامل]
يا من به وبعدله ... وببذله كمل الزَّمان
ومن الذي لولا إيا ... لته لما ظهر الأمان
يا مالكًا ملكت أيا ... ديه المكرَّمة الحسان
رقَّ الأنام بأنعمٍ ... عن شكرها قصر اللَّسان
وقال فيه أيضًا: [من مجزوء الكامل]
يا من طوالع جوده ... هزمت جيوش الفقر طردا
يا ذا الذي اضحى ونا ... ئله إلى العافين نقدًا
يا ذا الفضائل قد سبقـ ... ـت ملوكها عنقًا وشدَّا
في حلبة المجد الأثيـ ... ـل وفيهم قربًا وبعدًا
فليهنك الشهر الذي ... أولاكم ظفرًا وسعدًا
لازال ملكك دائمًا ... وحسود مجدك ليس يهدا
وقال فيه أيضًا: [من المنسرح]
يا مالكًا أخجلت سحابة جد ... واه سحاب السَّماء إذا هطلا
فذاك يروي ظمآنه ظمًا ... وهذه بالمطار حيَّ هلا
/٧ أ/ يا واحدًا في العلاء منفردًا ... ومن غدا بالفخار مشتملًا
كم نعمة قد أنعمت طائلة ... عليَّ حتَّى جعلتني خجلًا
وكم لباسٍ ألبستني فعلًا ... قدري فأصبحت في العلا مثلًا
لازلت في نعمةٍ مخلدةٍ ... دائمةٍ تورث العدا نهلا
وله جواب كتاب: [من الطويل]
وقفت على مكتوبه فوجدته ... كنور رياضٍ باكرته سواجمه
له أرجٌ أذكى من المسك نشره ... لعرض أمين الدِّين صينت معالمه
وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]
стр. 1884
لولا معالجة الصدو ... دلما حلا أبدًا وصال
ممَّن غدت أجفانه ... من هدبها ريش النِّبال
ومن الَّذي لولاه ما ... عرف التَّقاطع والملال
يا من به داء الغرا ... م فإنَّه الدَّاء العضال
وقال أيضًا، ابتداء كتاب إلى بعض الأكابر: [من الطويل]
/٧/ب سلامٌ على من عطَّر الأفق نشره ... وفاق جميع العاملين علاه
ومن بات محسود الفضائل واللُّهى ... ومن ظلَّ مذموم الفعال سواه
ومن بتُّ أرجو قربه ودنوَّه ... ومن بتُّ أخشى بعده ونواه
فللَّه ما تحوي الأضالع من جوى ... دخيل وشوق لا يصاب دواه!
إلى الصَّدر شمس الدِّين ذي الفضل والنُّهى ... ومن عمَّ جدواه وفاض نداه
وقال أيضًا: [من البسيط]
لولا لواعج أشواق تجاذبني ... يومًا غليكم لما أصبحت مكتئبًا
ولا غدوت مريضًا لا شفاء له ... حتَّى جعلت دموعي للشِّفا سببًا
وقال أيضًا: [من الخفيف]
لسن ممَّن يعدّ ما تذهب الأيَّـ ... ـام من عمره بلا لقياكم
لا ولا يلتهي عن الحزن والبلـ ... ـوى ونار الجوى بلا ذكراكم
فبحقِّ الوداد والسَّبب الأ ... وَّل عودوا عن الجفا حاشاكم
وقال أيضًا: [من الكامل]
ما كنت في عيشٍ أسرُّ به ... إلا عليَّ أصبح السَّببا
من بات بالعلياء مُتَّصفًا ... وغدا إلى الإحسان مُنتسبا
/٨ أ/ وقال أيضًا: [من البسيط]
يا أوحد الدِّين إِّني جدُّ منتظرٍ ... لما وعدت وراج منك إنجازًا
ففز بما أنت توليه فخير فتَّى ... يولي الجميل فأضحى بالعلا فازا
стр. 1885
[٧٤٢]
محمَّد بن الحسن بن عبد القاهر بن الحسن بن القاسم بن
المظفر بن عليٍّ، أبو السعادات بن أبي عليٍّ القاضي الشَّهرزوري الموصلُّي.
كان والده يتقلد القضاء بالموصل، وكاذلك كان عمّه وجدّه وأسلافه؛ وهم أهل بيت عريق في القضاء، أشهر من أن ينبَّه عليه، والقضاء يتردّد فيهم على قديم الزمان وحديثه.
وأبو السعادات أخبرني؛ أنَّه ولد في ليلة النصف من شعبان سنة تسع وثمانين وخمسمائة.
حفظ القرآن، وسمع جملة من الحديث، وقرأ فقه الإمام الشافعيّ –﵁ على الشيخ العلامة أبي المعالي موسى بن يونس بن منعة بن مالك الفقيه المدرس. وأخذ عنه علم الأصول والخلاف، وغير ذلك من العلوم الشرعية.
ثم تصدَّر للتدريس، فدرس بالمدرسة الكماليّة /٨ ب/ بالموصل. وهو فقيه مدرّس، عالم مناظر، قيّم بعلم الأدب والنحو، شاعر مجيد، له اعتناء بكلام الصوفية من الحكماء، ومعرفة بوصف الخيل ونعوتها، واختلاف أجناسها.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، نصير أمير المؤمنين –خلّد الله دولته-: [من الطويل]
هو القدُّ يسبي المستهام رشيقه ... ويصبيه منه عطفة ويروقه
ويهوى اعتناق السَّمهريَّ لأجله ... ويطربه بان الحمى ويشوقه
ويقلق وجدًا كلَّما عنَّ عارضٌ ... تذكِّره ثغر الحبيب بروقه
وتغريه إن هبت من الغور نفحةٌ ... كأن بها حادي الغرام يسوقه
ولم ير زهر الرَّوض إلا وهاجه ... وأبدى جواه ورده وشقيقه
стр. 1886
كذا كلُّ عذريِّ الصَّبابة شأنه ... وجزب الهوى من قلبه وفريقه
وربَّ خليِّ القلب أضحى معنِّفي ... ويزعم أنِّي خلُّه وشقيقه
يجرِّ عني كأس السُّلوِّ وإنَّه ... ليعلم أنِّي لست ممَّن يذوقه
ولو كان لي في سلوة الحبِّ مذهبٌ ... سلوت ولكن سدَّ عنِّي طرقه
أبى الله إلاّ أن أبيت متيمًا ... أخا زفرة يتلو الزَّفير شهيقه
/٩ أ/ أقضِّي الدُّجى في سوء حظِّي تفكُّرًا ... وقلبي قد استولى عليه خفوقه
يهدِّدني بالهجر من لا أصدُّه ... ويظلمني في الحلم من لا أطيقه
وكيف احيالي والزَّمان معاندي ... وقد كسدت فيه لذي الفضل سوقه
إذا رمت أمرًا كان عكسي مرامه ... وإن سمته برِّي بدالي عقوقه
ولم يبق لي كهفٌ الوذ بظلِّه ... جديرٌ بحمد للثَّناء خليقه
سوى ملك مازلت أدعى بعبده ... على أنَّني من جور دهري عتيقه
وإن كنت بالإحسان منه مقيَّدًا ... فإنِّي من صرف الخطوب طليقة
مليك إذا ما سابق العيس باسمه ... حداها دنا من كلِّ نأيٍّ سحيقه
لأنَّ لها علمًا بذلك إنَّما ... تصادفن من بحر السَّماء عميقه
وفي جودة فضل على البحر إنه ... إذا فاض لم يخش الهلاك غريقه
متى حئته مسترفدا لنواله ... حبا كبه من غير مطل يعوقه
ومازال تفريق الصِّلات صبوحه ... وتأليف شمل المكرمات غبوقه
فمن لآمه في البذل فهو عدوُّه ... ومن لم يلمه فيه فهو صديقه
وهذا من الأوصاف أعدل شاهد ... يدلُّ على أنَّ السَّماح عشيقه
/٩ ب/ عنا خيفةً من بأسه كلُّ ماردٍ ... وذل له صعب الحران نزوقه
وعاد لها ما بعد ما كان مرهفًا ... لدى عزمه ماضي الغرار ذليقه
أخو فتكات في العدا ليس تتَّقى ... بردٍّ ومقدور القضاء رفيقه
وقورٌ إذا طاشت حلوم ذوي النُّهى ... رعاه رصينٌ من حجاه وثيقه
يرنِّحه مرُّ الثَّناء بسمعه ... كما رنَّحت حاسي السُّلاف رحيقه
ويعجبه في الرَّوع أن حسامه ... يكون دماء المارقين خلوقه
ويلتذُّ إن عدَّت فضائل مجده ... وإن كان لا تحصى بعد حقوقه
стр. 1887
ودعوه ببدر الدِّين لمَّا تمكَّنت ... يد الإفك بسطًا وادلهم غسوقه
وطال عماد الشِّرك واشتدَّ أزره ... وعزَّ حماه واشرأب بسوقه
وزحزح عن دين الهدى كل غمَّة ... بهمَّته العليا وفرَّج ضيقه
وعاد دجى الإيمان أبلج واضحًا ... كذي البدر لا يبقى الظَّلام شروقه
أمولاي سمعًّا من عبيد لسانه ... بشرك لا ينفك رهنًا صدوقه
أعيذك أن ترضى لغرس غرسته ... بنعماك أن يظما وتذوى عروقه
وحاشاك من إهماله وهو مخلصٌ ... يديم انتسابًا في الولاء عريقه
/١٠/ يبثُّ فنونًا من صفاتك شعره ... ويسأل حرًّا من نداك رقيقه
وقد وفدت مولاي بنت قريحتي ... بمدحٍ كنشر المسك فاح سحيقه
يهنِّيك بالنَّيروز يا خير مالك ... هناءً حكى وشي الرِّياض أنيقه
سلمت مطاع الأمر ما هبَّت الصَّبا ... وما ماس مخضر الأراك وريقه
وأنشدني أيضًا لنفسه يمدحه – أدام الله أيامه، وبلغه مرامه-: [من البسيط]
أشاقك البرق نجديًّا تألُّقه ... وراقك الحزن لمَّا لاح أبرقه
وراع لبَّك ظبي الحيِّ ملتفتًا ... يخاف من أعين الواشين ترمقه
أوفى على شرف يختال في صلفٍ ... كالبدر في سدف لم يخف شرقه
وهز من قدِّه لدنًا ومقلته ... غصبًا ومن طرفه سهمًا يفوِّقه
وكان من سوء حظِّ المستهام به ... لمَّا تعرَّض فرط الوجد يقلقه
وقوس حاجبه بالوتر موترةٌ ... فما تزال بنبل اللَّحظ ترشقه
حتَّى إذا استحكمت أسباب محنته ... وشفه بيد البلوى تعلُّقه
وغرَّ ناظره بالسِّحر ناظرهٌ ... وصار منكره علمًا يحقِّقه
ألقاه مضنى على فرش السِّقام فما ... أبقى النُّحول له حقًّا يؤرِّقه
/١٠ ب/ يا سعد اصغ لقول من أخي ثة ... يوليك نصحًا فخير القول أصدقه
إيَّاك ريم الحمى إن جزت واديه ... فكم به من أسير ليس يطلقه
ومدنف ما دنا منه مخاطبه ... إلاَّ وكاد من الأنفاس يحرقه
واحفظ فؤادك واحذر فهو ذو حيلٍ ... خفيَّة المكر يدري كيف يسرقه
وصف لديه غرامي واشك ما لقيت ... نفسي إليه عسى الشَّكى ترقِّقه
стр. 1888
واذكر له يوم بان السَّفح كم سفحت ... عيني من الدَّمع في خدِّي ترقرقه
وقد حدا بالنَّوى الحادي على مضض ... منِّي وزمَّت لوشك البين أينقه
وقل إذا لان في استعطافه وبدًا ... عند المقال له سمعٌ يصدِّقه
متى توفِّي ديون الوصل طالبها ... من بعد ما شاب بالهجران مفرقه
وقد تقضَّت حياتي بالمنى سفهًا ... وضاع عمري الَّذي قد كنت أنفقه
وما تدرَّعت ثوب الصَّبر في زمني ... إلا وكفُّ عواديه تمزُّقه
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من البسيط]
لا تقلقن إذا نالتك نائبةٌ ... واصبر لمكروه ما أبدى لك القدر
فللَّيالي صروفٌ في تقلبها ... عجائبٌ ليس يأتي مثلها بشر
وما صفت هذه الدُّنيا لصاحبها ... إلاّ واعقب منها صفوها الكدر
فلا تكن جزعًا مما أصبت به ... فربَّ عسر أتى من بعده يسر
/١١ أ/ وربَّما أخفق السَّاعي بقدرته ... فيما يروم ووافى العاجز الظَّفر
أنشدني القاضي أبو السعادات محمد بن الحسن الشهرزوري لنفسه، يمدح بدر الدِّين لؤلؤ صاحب الموصل: [من البسيط]
هو المحبُّ حليف الهمِّ والفكر ... وما دهى قلبه شيءٌ سوى النَّظر
كم كان يحذر حتَّى حلَّ في شرك الـ ... ـبلوى ولم تغن عنه شدَّة الحذر
وصار ذا ذلَّة من بعد عزَّته ... دهرًا وبدِّل صفو العيش بالكدر
بالله يا هاجر المشتاق صل دنفًا ... قد باع طيب كرى الأجفان بالسَّهر
واستبق مقلته كيما يراك بها ... فلذة العين فيها غاية الوطر
وكل يوم جلت رؤياك ناظره ... فيه فذلك محسوبٌ من العمر
ولا تطع قول اش ظل يحسده ... عليك في حبِّه يا ضرَّة القمر
سلمت مما أقاسي من جوى وأسى ... تبيت بينهما روحي على خطر
إلى متى أنا ظمآنٌ إليك وما ... أروى بقربك في وردي وفي صدري
ألم يحط لك علمٌ أن لي وزرًا ... به أمنت صروف الدَّهر والغير
حلف النَّدى الملك بدر الدِّين من وسمت ... أيَّامه في جبين الدَّهر كالغرر
/١١ ب/ قالوا: هو البحر إن عدَّ الكرام وهم ... نهرٌ وكيف يقاس البحر بالنَّهر
стр. 1889
عجبت منهم ومن تشبيه نائله ... بالبحر والفرق باد غير مستتر
ذا راكب الأمل الرَّاجي نداه على ... أمن وذاك عظيم الخوف والعرر
ثمَّ الغريب لديهم ذكر حاتمهم .. منهم بجود على العافين مشتهر
هلاَّ رأوا جوداك الهامي وقد بدرت ... كفَّاك مولاي بدر الدِّين بالبدر
وشبَّهوك بليثٍ عند سطوته ... وذاك منهم دليل العيِّ والحصر
لأنَّ أيسر عبدٍ من عبيدك لو ... رآه ليث الشرى ولَّى من الخور
وقاس رأيك أقوامٌ بقيسهم ... هيهات ليس رماح الخطِّ كالإبر
متى ادلهم ظلام الخطب في سبب ... وحلَّه منك رأىٌ وهو لم ينر
واستعظموا أحنفًا في الحلم واعتقدوا ... أن ليس مثلٌ له يأتي من البشر
وأنت احلم منه والَّذي نزلت ... في حقِّه معجز الآيات والسُّور
مولاي يا ملكًا عمَّت مواهبه ... طوائف النَّاس من بدو ومن حضر
منحتني بجواد لو أسابقه ... بالريح لم تتعلَّق منه بالأثر
رحب اللَّبان أسيلُ الخدِّ منهرت الـ ... ـشِّدقين حلو المحيَّا غير منبهر
ضافي السَّبيب كمين اللَّون محكمةٌ ... أرساغه في وظيف محكمٍ عجز
/١٢ أ/ من فوق خضر كأمثال الزَّبرجد في ... ألوانها وهي في الأجسام كالحجر
فحدتنا كزهر الرُّوض فوَّقه ... كفَّ الحيا فبدا كالأنجم الزُّهر
من كلِّ معنىً لطيف رائق حسن ... في نثر منتظمٍ أو نظم منتثر
عروس فكر إلى علياك أحملها ... من فوقه من بديع القول بالدُّرر
لازال عزُّك محروسًا بأربعةٍ ... بالسَّعد والنصر والإقبال والظَّفر
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الرجز]
تاه على العاشق باحتشامه ... واعتقد الصُّدود من إنعامه
وكلَّما طالعه بقصَّة ... يذكر ما يلقاه من غرامه
وقَّع أعلاها له علامةً ... دلَّت من الهجر على دوامه
стр. 1890
يا قاتل الله الهوى كم دنف ... به معنى القلب مستهامه
عوَّضه عن عزِّه بذلَّة ... وبالهوان المحض عن إكرامه
من مبلغي إلى الحمى تحيةًّ ... عنِّي وأشواقي إلى خيامه
معرضٌ بذكر ظبي جفنه ... أعارني النحول من سقامه
إن جرَّد السَّيف فمن مقلته ... أو سدَّد الرُّمح فمن قوامه
لم أنسه وافى بغير موعد ... ليلًا وواشي القوم من نوَّامه
/١٢ ب/ فبتُّ طول ليلتي مرتشفًا ... لريقه أشرب من مدامه
فقام والنُّعاس في أجفانه ... أذياله تعلق في أقدامه
لو فهم العاذل ما فهمته ... من حسنه أقصر عن ملامه
لاسيَّما إذا بدا مبتسمًا ... فإنَّ هتك السِّتر في ابتسامه
وأنشدني لنفسه، يصف مجمرة الطيب: [من الطويل]
ومودعة كتمان سرٍّ وشت به ... وأدته ما بين النَّدامى مفصَّلًا
توهَّمتها عند الحفاظ جميلةً ... فألفيتها عند الإذاعة أجملا
تنمُّ بما فيها إذا كان ساكنًا ... فؤادًا لها نارٌ وتكتم إن خلا
تزيل بريَّاها الهموم كأنَّها ... سلوُّ محبٍّ لم يكن في الهوى سلا
وأنشدني لنفسه، وذكر أنه صنع ذلك بديهةً: [من الكامل]
كلَّمته فتكلَّلت وجناته ... عرقًا ولم ينطق لفرط حيائه
فظننت أن الورد ذاك وفوقه ... بعد الغمام بقيةٌ من مائه
وقال أيضًا، يمدح الملك الرحيم بدر الدِّين /١٣ أ/ أبا الفضائل صاحب الموصل –خلد الله سلطانه- ويهنئه فيها بشهر رجب وبالنيروز لاتفاقهما في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، موازنًا لقصيدة أبي عبادة البحتري –﵀: [من الوافر]
(أكنت معنِّفي يوم الرَّحيل ... وقد لجَّت دموعي في الهمول)
رويدك ربَّه الطَّرف الكحيل ... فكم غادرت من دنفٍ نحيل
стр. 1891
وحسبك ما ألاقي من غرامٍ ... ووجدٍ لازمٍ وجوىً دخيل
ويكفي أنَّني لولا أنيني ... خفيت عن العواذل من نحولي
هبي عيني الرُّقاد ولا تشحِّي .. بطيف منك يشفي من غليلي
فإن لم تفعلي فعدي جميلًا ... ولا تستكثري نيل القليل
وممَّا صحَّ قولًا وهو حقٌّ: ... جمال الوجه أليق بالجميل
فمنِّي وانظري حالي تريها ... كحال ابن الملوح أو جميل
وأيسرها إذا فتَّشت عنها ... وإن عظمت مداراة الملول
بحقِّك يا نسيم الرِّيح عرِّج ... على تلك المعالم والطُّلول
وسلِّم إن مررت بآل سلمى ... وحييِّ عقائل الحيِّ النُّزول
/١٣ ب/ وبلِّغ ظبية الوعساء شوقي ... إذا سنحت ظباء بني عقيل
وما كلفتك الإبلاغ إلا ... لأنِّي خفت من عذر الرَّسول
وسلها عن فؤاد ضلَّ منِّي ... غداة البين في أثر الحمول
فما لي منه علمٌ منذ ولَّى ... سوى عهدي به يوم الرَّحيل
وعرِّفها حنيني وارتياحي ... إليها في الغدو وفي الأصيل
وأنِّي لست أسلو عن هواها ... ولا أصغي إلى لوم العذول
وكيف ولم يزل عمري ولوعي ... بذات الخال والخدِّ الأسيل
وتعجبني الشِّفاه اللُّعس ذهنًا ... كأنَّ بها جني الزَّنجبيل
ويعذب لي نقيُّ الثَّغر يحكي ... بريقته حباب السَّلسبيل
واهوى القدَّ ميَّاس التَّثنِّي ... رشيق الملتوى حسن المميل
ومن أغراه حبًا بعض هذا ... فليس إلى التَّسلِّي من سبيل
وليس بمنكر إن قيل عنِّي ... صبا عشقًا ولا بالمستحيل
فكم لعب الهوى قبلي قديمًا ... بألباب الرِّجال ذوي العقول
ولم أر مخلصًا لي منه إلاَّ ... إذا ما عذت بالملك الجليل
/١٤ أ/ حليف الجود بدر الدِّين ملكٌ ... تعالى عن شبيه أو عديل
стр. 1892
وعزَّ عن المفاخر والمناوي ... وجلَّ عن المباري والرَّسيل
وقصَّر عنه طوق الشُّكر لمَّا ... سميت أوصافه عن كلِّ قيل
كريمٌ كلُّ من يدعى كريمًا ... فنسبته إليه كالبخيل
إذا جادت يداه لنا غنينا ... بجودهما عن الغيث الهطول
وإن سحَّت وشحَّ فما نبالي ... بجذب العالم فينا والمحول
رزينٌ لو يوازنه ثبيرٌ ... غدا وهو الخفيف عن الثقيل
حليم عن عظيم الذنب يعفو ... ويصفح وهو ذو حدٍّ وبيل
وحزمٍ حارت الحكماء فيه ... وعزم دونه حدُّ الصَّقيل
ورأىٍ لم يفارقه صوابٌ ... وقلبٍ لم يقلَّب بالذُّحول
شجاعٌ ما تقاعد عن لقاء ... ومقدامٌ على الأمر المهور
وطلقٌ والزمان به قطوبٌ ... وماضٍ ليس يتعب بالكلول
ومبتسمٌ وغرب السَّيف يبكي ... نجيعًا من مقارفة الفلول
ولم تسمع به الأبطال إلا ... ونادت بالثُّبور وبالعويل
/١٤ ب/ وودَّع بعضهم بعضًا وقالوا ... نجاةٌ ما إليها من وصول
يقينًا منهم أن ليس يبقى ... عليهم غير نائحة ثكول
وأن سطاه مثل السَّيل سارت ... صواعقه الرَّواسي بالسُّهول
وأضحى كلُّ جبَّارٍ عزيزٍ ... لها في الحلم كالعبد الذَّليل
تأمَّل منه فردًا تلق جيشًا ... وإنسانًا تعاين ليث غيل
وإن جاورته جاوت بحرًا ... تقلُّ به مجاورة السُّيول
إذا ركبت به سفن الأماني ... تجارت فيه أمنًا بالقبول
تحبُّ عقابه العقبان علمًا ... بأن لم تخل حينًّا من قتيل
فتعشى الجوَّ أسرابًا تحاكي ... رعيلًا يقتفي أثر الرَّعيل
وتتبعه سباع الوحش تبغي ... قراها عنده كالمستنيل
فما ينفك من كرمٍ وبأسٍ ... على حالي مقامٍ أو رحيل
стр. 1893
وإن دعيت نزال سعى ولبَّى ... وبادر مسرعًا سعي العجول
ويطرب إن جرى للبيض وقعٌ ... على البيض استماعًا للصليل
وتصيبه الوغى شعفًا إذا ما ... تجاوبت المذاكي بالصَّهيل
ومادت في سماء النَّقع شهبٌ ... تلوح من الأسنَّة والنُّصول
/١٥ أ/ وليس تحرِّك الأيَّام منه ... سوى يومي نزال أو نزيل
وركب نحوه حثُّوا ركابًا ... تراوح بالرَّسيم وبالذَّميل
إذا غنَّوا به مالوا اشتياقًا ... كأنَّهم سقوا صرف الشَّمول
أتوه والرَّجاء لهم شفيعٌ ... فابوا منه بالنَّيل الجزيل
تحدِّث عنه نعمته عليهم ... وذاك على النَّدى أقوى دليل
له نسبٌ إلى الحسنى عريقٌ ... إذا ما عدَّ ذو النَّسب الأصيل
ونفسٌ عزُّها منها إذا ما انتـ ... ـمى عزٌّ إلى شرف القبيل
وليس الفخر بالآباء فخرًا ... فتتكل الفروع على الأصول
ولكن من حوى غرر المعالي ... وكملها تمامًا بالخمول
وبالغ في شتات المال جمعًا ... لشمل الحمد والمجد الأثيل
كما حاز المكارم بدر تمٍّ ... تنزه عن محاق أو أفول
مليكٌ لا يضاهيه مليكٌ ... عديم المثل مفقود العديل
ألا يا أيُّها السُّلطان حقًّا ... ومن مازال للإحسان يولى
هذا الشَّهر واسعد ... بنوروز بما تبغي كفيل
وسمعًا ............. محبٍّ ... رماه الدَّهر منه بالخمول
/١٥ ب/ وأخَّر حقَّه عنه وأخفى ... فضائله وقدَّم ذا الفضول
وحاشا عصر مثلك أن يساوى ... غزير العلم فيه بالجهول
أقلي عثرتي مولاي يا من ... سواه لم أجد لي من مقيل
فربعك لم يزل حجِّي إليه ... ولم يبرح حماك به مقيلي
وعمر شبيبتي فيكم تقضى ... وقد أصبحت أحسب بالكهول
стр. 1894
وما لي غير بابك من ملاذٍ ... وسابغ ظلِّ أنعمك الظَّليل
فهبني نظرةً اقتراحي ... وخوِّلني رضاك فذاك سولي
وعش كهفًا لملهوف وأبشر ... فداك النَّاس بالعمر الطَّويل
ودم متملكًا ما لاح برقٌ ... وما ناح الحمام على الهديل
[٧٤٣]
محمَّد بن نصر لله بن محمَّد بن القاسم بن نصر الله بن محمَّد بن
أبي القاسم بن عبد الله الأنصاريُّ المعروف بابن النابلسيِّ،
أبو بكر بن أبي الفتح الدمشقيُّ
كان مولده بدمشق سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
وهو شاعر ذو قدرة على نظم الشعر، كثير القول، /١٦ أ/ صاحب بديهة وارتجال. قصد ملوك الشام بشعره، من بني أيوب وغيرهم من الوزراء والأماثل، وربما أنشأ القصيدة من غير فكرة، ولم يضع لها سوداء، ولا يراجع نظره فيها، لتنقيح ألفاظها ومعانيها، وذلك لقوة قريحته.
شاهدته بمدينة الموصل وإربل عدّة مرات؛ فأنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، سند الملّة، ملك أمر الشرق والغرب .... أتابك طغر لتكين بلكا أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين – ضاعف الله قدرته، وأدام تمكينه ونصرته-: [من الطويل]
مكارم بدر الدِّين يشرقن في العلا ... كما أشرقت في اللَّيل زهر الكواكب
وقد حاز من دون الملوك مناقبًا ... أنافت على عد النُّجوم الثَّواقب
وإنَّ ابن عبد الله أشرف مالك ... من الصيد مشهور العلا والمناقب
فراجيه من دون البرية ظافرٌ ... بما يرتجيه من جزيل المواهب
يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلَّة خائب
يؤمِّل نعماه العفاة ويرتجي ... إليه البرايا من جميع المذاهب
/١٦ ب/ غدا كعبةً للقاصدين فلا ونت ... تخبُّ إليها تامكات الغوارب
تراه إذا ما جئته طالب النَّدى ... جميل المحيَّا باسمًا غير قاطب
стр. 1895
فملَّكه الله البلاد بأسرها ... مشارقها موصولةٌ بالمغارب
فما غيره في الصِّيد من يستحقُّها ... وليس سواه يرتجي في النوائب
فلا زال منصور اللِّواء مؤيّدًا ... وشاني علاه عرضةٌ للمصائب
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه –خلد الله ملكه-: [من الكامل]
مازلت امتدح الأنام فأنثني ... عنهم بصفقة خاسر مغبون
حتى امتدحت أبا الفضائل ذا الندى ... فظفرت منه بلؤلؤ مكنون
أغنى افتقاري جوده لمَّا غدا ... بنداه لي في الدهر خير معين
فلأثنين عليه خيرًا في الورى ... ما عشت مدة اشهري وسنيني
ولأمنحن علاه شكرًا دائمًا ... إني بذاك عليه غير ضنين
ولا سألنَّ الله أن سيمدُّه ... طول المدى بالعزِّ والتَّمكين
والله أكرم أن يردَّ دعاء من ... يدعو بصالحةٍ لبدر الدِّين
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا – أعز الله نصره-: [من الكامل]
/١٧ أ/ الصِّيد من شبه وبدر الدِّين في ... حال التَّناسب عسجد ونضار
وإذا الَّلآلئ واليرامع قِّومت ... لابدَّ أن تتباين الأسعار
وأنشدني فيه أيضًا لنفسه – أوضح الله برهانه-: [من الكامل]
بأبي الفضائل عذت في زمني فها ... أنا قد آمنت لديه كلَّ مخوف
فكأن بدر الدِّين أهلٌ في العلا ... لإغاثة المكروب والملهوف
يا أفخر الدُّر الثَّمين ومن به ... أضحى افتخار قلائد وشنوف
هل يفخر الإكليل وهو مجوهرٌ ... يومًا بمثل اللُّؤلؤ المرصوف
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا – أدام الله سلطانه- من جملة أبيات: [من الطويل]
مدائح بدر الدِّين فرضٌ على الورى ... فمن لم يفه بالمدح فيه فملحد
فهذا نبيُّ المكرمات وقبله ... أتانا نبيُّ البيِّنات محمَّد
" ﷺ ".
следующие страницы →