Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
وحسبك ما ألاقي من غرامٍ ... ووجدٍ لازمٍ وجوىً دخيل
ويكفي أنَّني لولا أنيني ... خفيت عن العواذل من نحولي
هبي عيني الرُّقاد ولا تشحِّي .. بطيف منك يشفي من غليلي
فإن لم تفعلي فعدي جميلًا ... ولا تستكثري نيل القليل
وممَّا صحَّ قولًا وهو حقٌّ: ... جمال الوجه أليق بالجميل
فمنِّي وانظري حالي تريها ... كحال ابن الملوح أو جميل
وأيسرها إذا فتَّشت عنها ... وإن عظمت مداراة الملول
بحقِّك يا نسيم الرِّيح عرِّج ... على تلك المعالم والطُّلول
وسلِّم إن مررت بآل سلمى ... وحييِّ عقائل الحيِّ النُّزول
/١٣ ب/ وبلِّغ ظبية الوعساء شوقي ... إذا سنحت ظباء بني عقيل
وما كلفتك الإبلاغ إلا ... لأنِّي خفت من عذر الرَّسول
وسلها عن فؤاد ضلَّ منِّي ... غداة البين في أثر الحمول
فما لي منه علمٌ منذ ولَّى ... سوى عهدي به يوم الرَّحيل
وعرِّفها حنيني وارتياحي ... إليها في الغدو وفي الأصيل
وأنِّي لست أسلو عن هواها ... ولا أصغي إلى لوم العذول
وكيف ولم يزل عمري ولوعي ... بذات الخال والخدِّ الأسيل
وتعجبني الشِّفاه اللُّعس ذهنًا ... كأنَّ بها جني الزَّنجبيل
ويعذب لي نقيُّ الثَّغر يحكي ... بريقته حباب السَّلسبيل
واهوى القدَّ ميَّاس التَّثنِّي ... رشيق الملتوى حسن المميل
ومن أغراه حبًا بعض هذا ... فليس إلى التَّسلِّي من سبيل
وليس بمنكر إن قيل عنِّي ... صبا عشقًا ولا بالمستحيل
فكم لعب الهوى قبلي قديمًا ... بألباب الرِّجال ذوي العقول
ولم أر مخلصًا لي منه إلاَّ ... إذا ما عذت بالملك الجليل
/١٤ أ/ حليف الجود بدر الدِّين ملكٌ ... تعالى عن شبيه أو عديل
стр. 1892
وعزَّ عن المفاخر والمناوي ... وجلَّ عن المباري والرَّسيل
وقصَّر عنه طوق الشُّكر لمَّا ... سميت أوصافه عن كلِّ قيل
كريمٌ كلُّ من يدعى كريمًا ... فنسبته إليه كالبخيل
إذا جادت يداه لنا غنينا ... بجودهما عن الغيث الهطول
وإن سحَّت وشحَّ فما نبالي ... بجذب العالم فينا والمحول
رزينٌ لو يوازنه ثبيرٌ ... غدا وهو الخفيف عن الثقيل
حليم عن عظيم الذنب يعفو ... ويصفح وهو ذو حدٍّ وبيل
وحزمٍ حارت الحكماء فيه ... وعزم دونه حدُّ الصَّقيل
ورأىٍ لم يفارقه صوابٌ ... وقلبٍ لم يقلَّب بالذُّحول
شجاعٌ ما تقاعد عن لقاء ... ومقدامٌ على الأمر المهور
وطلقٌ والزمان به قطوبٌ ... وماضٍ ليس يتعب بالكلول
ومبتسمٌ وغرب السَّيف يبكي ... نجيعًا من مقارفة الفلول
ولم تسمع به الأبطال إلا ... ونادت بالثُّبور وبالعويل
/١٤ ب/ وودَّع بعضهم بعضًا وقالوا ... نجاةٌ ما إليها من وصول
يقينًا منهم أن ليس يبقى ... عليهم غير نائحة ثكول
وأن سطاه مثل السَّيل سارت ... صواعقه الرَّواسي بالسُّهول
وأضحى كلُّ جبَّارٍ عزيزٍ ... لها في الحلم كالعبد الذَّليل
تأمَّل منه فردًا تلق جيشًا ... وإنسانًا تعاين ليث غيل
وإن جاورته جاوت بحرًا ... تقلُّ به مجاورة السُّيول
إذا ركبت به سفن الأماني ... تجارت فيه أمنًا بالقبول
تحبُّ عقابه العقبان علمًا ... بأن لم تخل حينًّا من قتيل
فتعشى الجوَّ أسرابًا تحاكي ... رعيلًا يقتفي أثر الرَّعيل
وتتبعه سباع الوحش تبغي ... قراها عنده كالمستنيل
فما ينفك من كرمٍ وبأسٍ ... على حالي مقامٍ أو رحيل
стр. 1893
وإن دعيت نزال سعى ولبَّى ... وبادر مسرعًا سعي العجول
ويطرب إن جرى للبيض وقعٌ ... على البيض استماعًا للصليل
وتصيبه الوغى شعفًا إذا ما ... تجاوبت المذاكي بالصَّهيل
ومادت في سماء النَّقع شهبٌ ... تلوح من الأسنَّة والنُّصول
/١٥ أ/ وليس تحرِّك الأيَّام منه ... سوى يومي نزال أو نزيل
وركب نحوه حثُّوا ركابًا ... تراوح بالرَّسيم وبالذَّميل
إذا غنَّوا به مالوا اشتياقًا ... كأنَّهم سقوا صرف الشَّمول
أتوه والرَّجاء لهم شفيعٌ ... فابوا منه بالنَّيل الجزيل
تحدِّث عنه نعمته عليهم ... وذاك على النَّدى أقوى دليل
له نسبٌ إلى الحسنى عريقٌ ... إذا ما عدَّ ذو النَّسب الأصيل
ونفسٌ عزُّها منها إذا ما انتـ ... ـمى عزٌّ إلى شرف القبيل
وليس الفخر بالآباء فخرًا ... فتتكل الفروع على الأصول
ولكن من حوى غرر المعالي ... وكملها تمامًا بالخمول
وبالغ في شتات المال جمعًا ... لشمل الحمد والمجد الأثيل
كما حاز المكارم بدر تمٍّ ... تنزه عن محاق أو أفول
مليكٌ لا يضاهيه مليكٌ ... عديم المثل مفقود العديل
ألا يا أيُّها السُّلطان حقًّا ... ومن مازال للإحسان يولى
هذا الشَّهر واسعد ... بنوروز بما تبغي كفيل
وسمعًا ............. محبٍّ ... رماه الدَّهر منه بالخمول
/١٥ ب/ وأخَّر حقَّه عنه وأخفى ... فضائله وقدَّم ذا الفضول
وحاشا عصر مثلك أن يساوى ... غزير العلم فيه بالجهول
أقلي عثرتي مولاي يا من ... سواه لم أجد لي من مقيل
فربعك لم يزل حجِّي إليه ... ولم يبرح حماك به مقيلي
وعمر شبيبتي فيكم تقضى ... وقد أصبحت أحسب بالكهول
стр. 1894
وما لي غير بابك من ملاذٍ ... وسابغ ظلِّ أنعمك الظَّليل
فهبني نظرةً اقتراحي ... وخوِّلني رضاك فذاك سولي
وعش كهفًا لملهوف وأبشر ... فداك النَّاس بالعمر الطَّويل
ودم متملكًا ما لاح برقٌ ... وما ناح الحمام على الهديل
[٧٤٣]
محمَّد بن نصر لله بن محمَّد بن القاسم بن نصر الله بن محمَّد بن
أبي القاسم بن عبد الله الأنصاريُّ المعروف بابن النابلسيِّ،
أبو بكر بن أبي الفتح الدمشقيُّ
كان مولده بدمشق سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
وهو شاعر ذو قدرة على نظم الشعر، كثير القول، /١٦ أ/ صاحب بديهة وارتجال. قصد ملوك الشام بشعره، من بني أيوب وغيرهم من الوزراء والأماثل، وربما أنشأ القصيدة من غير فكرة، ولم يضع لها سوداء، ولا يراجع نظره فيها، لتنقيح ألفاظها ومعانيها، وذلك لقوة قريحته.
شاهدته بمدينة الموصل وإربل عدّة مرات؛ فأنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، سند الملّة، ملك أمر الشرق والغرب .... أتابك طغر لتكين بلكا أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين – ضاعف الله قدرته، وأدام تمكينه ونصرته-: [من الطويل]
مكارم بدر الدِّين يشرقن في العلا ... كما أشرقت في اللَّيل زهر الكواكب
وقد حاز من دون الملوك مناقبًا ... أنافت على عد النُّجوم الثَّواقب
وإنَّ ابن عبد الله أشرف مالك ... من الصيد مشهور العلا والمناقب
فراجيه من دون البرية ظافرٌ ... بما يرتجيه من جزيل المواهب
يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلَّة خائب
يؤمِّل نعماه العفاة ويرتجي ... إليه البرايا من جميع المذاهب
/١٦ ب/ غدا كعبةً للقاصدين فلا ونت ... تخبُّ إليها تامكات الغوارب
تراه إذا ما جئته طالب النَّدى ... جميل المحيَّا باسمًا غير قاطب
стр. 1895
فملَّكه الله البلاد بأسرها ... مشارقها موصولةٌ بالمغارب
فما غيره في الصِّيد من يستحقُّها ... وليس سواه يرتجي في النوائب
فلا زال منصور اللِّواء مؤيّدًا ... وشاني علاه عرضةٌ للمصائب
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه –خلد الله ملكه-: [من الكامل]
مازلت امتدح الأنام فأنثني ... عنهم بصفقة خاسر مغبون
حتى امتدحت أبا الفضائل ذا الندى ... فظفرت منه بلؤلؤ مكنون
أغنى افتقاري جوده لمَّا غدا ... بنداه لي في الدهر خير معين
فلأثنين عليه خيرًا في الورى ... ما عشت مدة اشهري وسنيني
ولأمنحن علاه شكرًا دائمًا ... إني بذاك عليه غير ضنين
ولا سألنَّ الله أن سيمدُّه ... طول المدى بالعزِّ والتَّمكين
والله أكرم أن يردَّ دعاء من ... يدعو بصالحةٍ لبدر الدِّين
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا – أعز الله نصره-: [من الكامل]
/١٧ أ/ الصِّيد من شبه وبدر الدِّين في ... حال التَّناسب عسجد ونضار
وإذا الَّلآلئ واليرامع قِّومت ... لابدَّ أن تتباين الأسعار
وأنشدني فيه أيضًا لنفسه – أوضح الله برهانه-: [من الكامل]
بأبي الفضائل عذت في زمني فها ... أنا قد آمنت لديه كلَّ مخوف
فكأن بدر الدِّين أهلٌ في العلا ... لإغاثة المكروب والملهوف
يا أفخر الدُّر الثَّمين ومن به ... أضحى افتخار قلائد وشنوف
هل يفخر الإكليل وهو مجوهرٌ ... يومًا بمثل اللُّؤلؤ المرصوف
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا – أدام الله سلطانه- من جملة أبيات: [من الطويل]
مدائح بدر الدِّين فرضٌ على الورى ... فمن لم يفه بالمدح فيه فملحد
فهذا نبيُّ المكرمات وقبله ... أتانا نبيُّ البيِّنات محمَّد
" ﷺ ".
стр. 1896
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا، وعمل ذلك بديهًا، يوم الميلاد: [من الكامل]
/١٧ ب/ لأبي الفضائل لا عدته سعادةٌ ... في كلِّ يوم فرحةٌ وسرور
ملكٌ على أيام دولة ملكه ... لا دكن ساطعة عليها نور
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا- ثبّت الله دولته-: [من البسيط]
أبو الفضائل بدر الدِّين أشرف من ... سعى على الأرض من حافٍ ومنتعل
يممته آملًا منه عوارفه ... فنلت منه ندىً أربى على أملي
فمن لشكري فيه أن يقوم بما ... أولى وإن كنت بالشُّكر الجميل ملي
فيا له من مليك ساد سائر أمـ ... ـلاك البريَّة في قول وفي عمل
فالله يحرسه من كلِّ حادثةٍ ... ما غردت في الضُّحى ورقاء في الأصل
وأنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير شرف الدِّين أبا البركات المبارك بن أحمد المستوفي –رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
أنكرت ما بي ولكن دمعي اعترفا ... إذ خان صبري وطرفي بالدُّموع وفى
فرحت إذا ظهرت سرِّي الدُّموع أخا ... تهتُّك في الهوى مستهترًا كلفا
إني لاستعذب التَّعذيب من قمرٍ ... لم يعره النَّقص في حسن ولا انكسفا
/١٨ أ/ ريمٌ رنا فرمى عن قوس حاجبه ... سهمًا فصادف أحشائي لها هدفا
فيا له يوسفي الحسن حاز من الـ ... ـجمال أنواعه واستكمل الطرُّفا
لدن المعاطف مثل الغصن قامته ... لكن على عاشقيه قلَّما انعطفا
عذب الرُّضاب شهيُّ الرِّيق يحسبه ... الصَّهباء والشَّهد طعما من له رشفا
قويم قدٍّ إذا ما ماس من هيفٍ ... يعلَّم اللُّدن الخطِّيَّة الهيفا
أنكرته ما ألاقي من محبته ... فقال: أنكرت من بالحال قد عرفا
ستقرع السنَّ إذا انكرت حبَّك لي ... على الَّذي أنت راج في الهوى أسفا
وسوف تصبح إذا رمت الشَّفاء من الـ ... ـغرام بي بعد ذا الإنكار حلف شفا
فقلت أترك حبًا أنت تملكني ... به وأمدح خير العالم الشَّرفا
стр. 1897
أعني أبا البركات الأريحيَّ ومن ... بجوده الغمر كلٌّ راح مغترفا
خير الورى الماجد المأمول والنَّدس الَّـ ... ذي حوى العزَّ في الأيَّام و ....
ممجَّدًا من أناس في العلا لزموا ... لغامر الجود في بذل النَّدى السَّرفا
إذا نزلت بهم يومًا لحادثة ... عرتك ألفيت منهم سادةً رؤفا
قومٌ مناقبهم مثل النُّجوم وقد ... حباهم الله منه الفخر والأنفا
إذا جرى ذكرهم في محفل فغم الـ ... ـعبير أدخلت فيه روضةً أنفا
/١٨ ب/ تبارك الله ما أجراهم سبقاً ... إلى المعالي إذا ما غيرهم وقفا
هم أنجمٌ وابن موهوب سهيلهم الَّـ ... ـذي لناظر شانيهم قد اختطفا
كريم قومٍ إذا عدَّ الكرام غدا ... أممهم إثره كلٌّ تلا وقفا
فيه يجمع ما في النَّاس مفترقٌ ... فأيُّ وصفٍ جميلٍ ما به وصفا
وأنشدني قوله يهجو أمراء إربل: [من الكامل]
أمراء إربل كلُّهم نسقٌ ... ما فيه من عنده كرم
قصرت به عمَّا يطول إلى ... كسب الثَّناء بمثله الهمم
وتكاد لو قطعت أناملهم ... من شحِّها أن لا يشحَّ دم
وأنشدني لنفسه في الأمير عز الدين محمد بن بدر الحميدي الكردي:
[من البسيط]
من مبلغٌ لابن بدر غير مكترث ... عنِّي مقالة مشهور من الدُّول
أنفقت من عمري في غير فائدةٍ ... يوماً ببابكم واخيبة الأمل
وأنشدني قوله: [من البسيط]
إنَّ ابن آدم إن أضحى وليس له ... قوتٌ وأمسى ضعيف البطش والجلد
للموت خيرٌ له إذ عيشه نكدٌ ... من الحياة ولو دامت مع الأبد
/١٩ أ/ وأنشدني من شعره لنفسه: [من الخفيف]
يا مليكاً له نواله ينشر العا ... مي وقد كان قبل عظماً رفاتاً
стр. 1898
شرف الدِّين بحر نعماك أضحى ... لجميع الورَّاد عذباً فراتاً
أنا ميتٌ وأنت عيسى ومن معـ ... ـجز عيسى أن يحيي الأمواتا
وأنشدني لنفسه ملغزاً، في فص النرد: [من البسيط]
وأسمر الجسم غرَّار يهام به ... مسدَّس الشَّكل فيه النَّفع والضَّرر
أفعاله قدريَّاتٌ فصاحبه ... لم ينجه منه في تصريفه القدر
وأنشدني لنفسه أيضاً: [من البسيط]
وقائل قم إلى رزق تحصِّله ... فقلت دعني فإنَّ الرِّزق مقسوم
ما كان لي سوف يأتيني فما لي والـ ... ـحرض الَّذي هو عند النَّاس مذموم
[٧٤٤]
محمَّد بن يحيى بن الفضل بن يحيى بن عبد الله بن القاسم بن
المظفر بن عليٍّ، أبو حامد بن أبي طاهرٍ الشهرزوريُّ الموصليُّ.
أخبرني أنه؛ ولد ثامن عشر شهر رمضان /١٩ ب/ سنة تسعين وخمسمائة. من أبناء القضاة المشهورين. وكان والده قاضي الجزيرة العمرية.
وهم أهل بيت أشهر من أن ينبه على محله في الجلالة والمكانة في العلم والجاه، وانتشر ذكرهم في الأقطار.
وأبو حامد تفقّه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ بالموصل وبغداد، ونظم شعراً كثيراً، فأجاد وأحسن. مدح الرؤساء والأمراء والملوك، وهو شاب جميل له رواء ومنظر، يتزيا بزيّ الجند؛ فيه لطافة، لقيته بمدينة السلام، متوجهاً [إلى] بيت الله الحرام- حرسه الله تعالى- سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى المولى الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، نصير أمير المؤمنين –أدام الله سلطانه-: [من الوافر].
стр. 1899
ألا يا مالكاً عمر البرايا ... بسيب نواله الجمِّ الغفير
أتيتك مستجيراً بعد ضرٍّ ... فهل لك في إجارة مستجير
عددتك للنوائب خير ذخرٍ ... وها أنا في يديها كالأسير
فلا تشمت بي الأعداء إنِّي ... على أعداك كاللَّيث الهصور
/٢٠ أ/ وسوف أصدِّق الدَّعوى بيومٍ ... عبوس في الكريهة قمطرير
وليس يطول للإنسان ذيلٌ ... إذا ما خاف من أجلٍ قصير
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الوافر]
وليلة أقبلت كالبذر نشوى ... يميِّل عطفها مرُّ الرِّياح
تعاطيني كؤوس الثَّغر لمَّا ... حماها الثَّغر بالبيض الصِّفاح
فأرشف من مراشفها الحُميَّا ... والثم من ملثَّمها الأقاحي
وجيش اللَّيل مهزومٌ وأيدي ... كواكبه تطرِّق للصباح
يقوم الدِّيك كالنشوان فيها ... ليوقظنا بتصفيق الجناح
ينادي للصباح إذا غفلنا ... عن الأقداح: حيَّ على الفلاح
فنبتكر السُّلاف بكفِّ بكرٍ ... مهفهفةٍ معاطفها رداح
على وردٍ من الوجنات غضٍّ ... وريحان به تعي وراحي
ونشر من كمال الدِّين هبَّت ... به كالمسك أنفاس الرِّياح
أبي الكرم الَّذي لولا نداه ... لما ظفر العفاة بمستباح
محمَّد الرَّسول إلى البرايا ... بآيات المكارم والسَّماح
[٧٤٥]
محمَّد بن عبد اللطيف /٢٠ ب/ بن أبي الفتح بن أبي نصرٍ،
أبو عبد الله التبريزيُّ
ويكتب في نسبته النثري؛ لتعاطيه نوع المنثور، دون المنظوم.
أخبرني، أنه ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة، بتبريز. وشدا طرفاً من العلم في
стр. 1900
صباه، واعتنى بصناعة النثر، وتعاطي الكلام المسجوع والقرائن، وكان يتبع الكلمة بما وازنها ويلحقها بأختها، تشبهاً بطريقة وطواط الكاتب، فيما ينشئه، غير أنَّه يبين فيه تكلّف وركاكة، للزومه الأسلوب الذي يتوخّاه.
وله شعر بارد، وكان ذا هوسٍ شديد في الطِّلَّسمات والنجوم، ونزل الموصل، وسكنها مدة طويلة، وانضاف إلى خدمة المولى المالك، الملك الرحيم بدر الدين أبي الفضائل –ضاعف الله جلاله- وصار أحد ندمائه، وأجرى عليه رزقاً.
ثم سافر إلى بلاد الشام، وعاود الموصل، فمكث بها أشهراً، وتوفي في ربيع الأول سنة ثماني وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك، الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، نصير أمير المؤمنين- أعز الله أنصاره-: [من الطويل]
نسيم الصَّبا عج بالخيام رسولا ... تجد عندها برد الحياة رسولا
/٢١ أ/ وحيِّ مليك الأرض تحظ بقربه ... تنل غرراً من جوده وحجولا
تأنَّ إذا بادرت نحو جنابه ... وعرِّج برفق لا يراك عجولا
فإنَّك إن لم تعتضد بجلاله ... أفادك شوب الحادثات ذبولا
وجانب ملك الأرض عند لقائه ... فأخلاقه للمكرمات هيولى
تر العدل والإحسان والعزَّ والعلا ... جائبه في سيره وخيولا
مليكٌ إذا ما جئت تطلب رفده ... أفاض من النُّعمى عليك سيولا
من النَّفر البيض الَّذين برأيهم ... يجرُّون فوق الكائنات ذويلا
هو البدر والعلياء تحوي منازلاً ... وجثته فيها تحلُّ حلولا
أرى الدهر لمَّا أن ارانا بعاده ... أحلَّ بنا ريب الزَّمان غلولا
فصرنا فروعاً لا بقاء لذاتنا ... لقضبان بان قد فقدن أصولا
الا بح بأشواقي وكرِّر مدائحي ... وبلِّغ دعائي دائماً ونصولا
فلو سامح الدَّهر الخؤون بنظرة ... وصلت إلى ذاك الجناب وصولا
وهنَّيت مولى العالمين مبشَّراً ... بفتحٍ جديدٍ أو لكنت أصولا
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من السريع]
стр. 1901
مالك لا تبكي بدمعٍ هتون ... قد كسر الموت متون المنون
/٢١ ب/ إذ قال جبريلٌ وهم صامتون ... إنَّك ميتٌ وهم ميِّتون
[٧٤٦]
محمدبن يوسف بن مسعود بن بركة بن سالم بن عبد الله بن
جساس بن قيس بن مسعود بن محمد بن خالد بن محمد بن
خالد بن يزيد بن خريد بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن
قيس بن شراحيل بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، أبو عبد
الله بن أبي المحاسن الشيبانيُّ التَّلعفريُّ الموصليُّ.
أخبرني، أنه ولد في خامس عشري جمادى الآخرة، سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالموصل. وكان أبوه شاعراً من أهل تلعفر.
ومحمد هذا، شاب أسمر لطيف الخلقة مكتنز، بذيء اللسان، بهيّ الشعر، مدّاح هجاء. له هجاء شنيع، لم يسلم منه أحد، وله في كل صنف من المنظوم: كالموشح، والدوبيت، والمواليا، والرجز، والمزدوج، وكان وكان؛ وغير ذلك، إلاَّ أنَّه غير مرضي الطريقة؛ بتبذله وانهماكه في الشرب، والتظاهر بالخلاعة، والتهتك والفسق والقمار والسرقة، وأشياء مما تقارب هذه الأشياء المنكرة التي لا تليق بذوي
стр. 1902
الفضل والأدب فهي التي /٢٢ أ/ أهبطته وأسقطته في أعين الناس.
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك العالم العادل المؤيد الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين أتابك طغرل تكين أبا الفضل غرس أمير المؤمنين- خلد الله دولته- وأنشه إياها بظاهر الموصل، في الجوسق المعمور ببستانه، وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة: [من الخفيف]
لا تلمه على الهوى فافتضاحه ... صونه فيه والفساد صلاحه
كلكم معشر العواذل في نهـ ... ـج على العاشقين ضاق انفساحه
خنتم المستهام ظلماً وجرتم ... وزعمتم بأنَّكم نصّاحه
عذبت طيبة مطارحة العشـ ... ـق فصعبٌ على المحبِّ اطِّراحه
وقليلٌ إلى مواسمه بالـ ... ـعين منه غدوُّه ورواحه
يا خليي سر بي متى ما تبدَّت ... لمعٌ منه هان لي إيضاحه
سل نسيم الصَّبا إذا ريض في مسـ ... ـكيِّ روض الحمى الأريض جماحه
ألريَّا هذا الذي فيه من ريَّـ ... ـا أم الزَّهر فتَّحته رياحه
جاده طيَّبٌ من المزن يحكي ... صوبه دمع مقلتي وانسفاحه
ورعى الله عهد ذات جمالٍ ... جال في كشحها الهضيم وشاحه
/٢٢ ب/ غادةٌ خال خدِّها أين لثمي ... منه في خدِّها وأين امِّساحه
شعرها والظَّلام منه كسى جسـ ... ـمي سقاماً أم وجهها وصباحه
ربَّة المبسم الذي راحة الأر ... واح في أن تريحها منه راحه
هبك بالوصل تبخلين وشرط الـ ... ـحبِّ أن تهجر السَّماح ملاحه
أجناحٌ على الخيال إذا ما ... زار وهناً واللَّيل وحفٌ جناحه
أرسليه فوانعطافك لاريـ .... ـع برعبٍ ومقلتاك سلاحه
واسأليه يجبك كيف رقادي ... فلقد طال عن جفوني انتزاحه
حسب قلبي بأنَّه بالأسى قد ... أعجزت فيك كلَّ آس جراحه
وفؤادي بأنه جدَّ فيه الـ ... ـوجد لمَّا جناه منه مزاحه
لك منِّي الهوى الذي راق حسناً ... ولبدر الدِّين الرَّحيم امتداحه
ملكٌ فاتكٌ جوادٌ لمن زا ... غ ومن زار بأسه وسماحه
стр. 1903
بالمعالي ارتداؤه فله اللّـ ... ـه نصيرٌ وبالفخار اتِّشاحه
ضمنت كفُّه الأماني وقالت ... للبرايا: العافي عليَّ نجاحه
أيُّ باب للرزق أغلقه الدَّهـ ... ر وما كان عنده مفتاحه
كلَّما قلَّ ماله بالعطايا ... زاد من صدره الرَّحيب انشراحه
/٢٣ أ/ ولعمري أبو الفضائل ما يذخر ... مالاً صان العلا مستباحه
غيث جذب يسدي الأيادي نداه ... ليث حرب يردي الأعادي كفاحه
ما دجا ليل عثير النَّقيع إلاّ ... وأضاءت سيوفه ورماحه
نشر الجود عنه نشر ثناء ... أرج الأرض بالشَّذا نقَّاحه
فاللَّيالي والإنس والجنُّ والطَّيـ ... ر مع الوحش كلُّهم مدَّاحه
لم يدبر تدبيره الملك لا منـ .... ـصوره قبله ولا سفَّاحه
مستهامٌ بالبرِّ ما ألفت غيـ .... ـر شتات الكنوز بالبذل راحه
فإذا لامه على الرِّفد لاح ... زاد في بذله اللُّهى إلحاحه
مكرماتٌ قلب المآثر والمجـ .... ـد بها اليوم جمةٌ أفراحه
ملك الأرض دعوةً من وليٍّ ... لاح لمَّا إليك مال فلاحه
فو رأى الجوهريُّ أشعاره فيـ ... ـك لكانت قد أودعتها صحاحه
علَّمتني صفاتك الشِّعر حتَّى ... عذبت راحه وراق قراحه
فرفضت العلا ولا كنت يوم الـ ... ـفضل ممَّن يبينه فصَّاحه
إن حبست الثَّناء عنك إلى حـ ... ـين أرى جسمي الرَّدى يجتاحه
جدت لي بالنَّوال عفواً وإحسا ... نك كم عمَّ آملاً سحَّاحه
/٢٣ ب/ دمت للملك ما تغنَّت من الطَّيـ ... ـتر على الدَّوح عجمه وفصاحه
في سرورٍ قد قارنت غراراً تشـ ... ـرق منه طول المدى أوضاحه
وأنشدني لنفسه أيضاً، يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي بإربل –رحمه الله تعالى-: [من الكامل]
لو كان طيفك زائري يا هاجري ... ما أسبلت صوب الدُّموع محاجري
لكن غرامي طال فيك وإنَّه ... لمَّا رأيتك رب طرفٍ قاصر
يا مالكاً رقَّ القلوب وباسطاً ... فيها ظلامة حاجبٍ أو ناظر
стр. 1904
عجبي لقدِّك كيف أصبح عادلاً ... من تحت طرفك وهو أفتك جائر
من للمقيَّد في هواك ووجده ... مترادفٌ من هجرك المتواتر
لو لم تته عجباً بحسن كامل ... ما بتُّ فيك حليف حزن نافر
أنت المعزُّ لمن تشاء وها أنا الـ ... ـمشغوف منك بحاكمٍ وبآمر
أرسلت صدغك آيةً ثعبانه ... في فترة الجفن الأغنِّ السَّاحر
صوِّرت لي صنماً فزاد ضلالتي ... لمَّا عكفت عليه لهو السَّامري
لو لم أرح وأنا المطيع للوعةٍ ... أضرمتها لأخذت أخذ القادر
/٢٤ أ/ ورضاب ثغرك وهي أيُّ أليةً ... ميني بها وأعوذ منه ضائري
إن الذي عاهدته وعهدته ... منِّي لذو صدقٍ وسقمٍ ظاهر
أتهمت إذا اتهمت قلبي بالقلى ... فهدمت منه أخاً الغرام العامري
أيجوز عندك نهر سائل مدمعي ... جار على رسم الخدود الدَّاثر
حتَّى م تصبح في وصالي زاهداً ... وأبيت في وله لعيني فاجر
أصبو إلى ريق بثغرك باردٍ ... وأخاف من لحظً بطرفك فاتر
ومن البليَّة لوم ذي لؤم لحاً ... ..... وعذار خدِّك عاذري
ماذا عليه وقد رآني راضياً ... بالعذر منك ومنه شيب غدائري
يا ساكباً منِّي السَّواد وهادماً ... ركني أتئذ إن ابن أحمد ناصري
شرف الورى والدِّين والباني العلا ... المطرى بجود كالسحاب الماطر
صدرٌ يحدِّث مورداً سير العلا ... والمجد عنه واردٌ عن صادر
غيث النَّدىِّ لكلِّ عاتق غارمٍ ... هو معتقٌ بندى يديه الغامر
يا باغي العلم المصون وخائفاً ... باغي العدا من كلِّ ضار ضائر
يمِّم أبا البركات تظفر عنده ... بالفضل بل بمضاء جدًّ قاهر
لولاه كان الدَّهر أفرغ فارغٍ ... لكن غدا بثناه أفغر فاغر
/٢٤ ب/ ومن الفريضة شكر اهجر هاجر ... لخناً وبالإحسان أجهر جاهر
ما روضةٌ ضحكت ثغور أقاحها ... أصلاً بدمع بكا السَّحاب الباكر
وشَّى الرَّبيع لها مفوَّف حلّة ... قد رصِّعت من حليه بجواهر
وغدت تلامح زهرها شمس الضُّحى ... من خلف سجف الغيم بين ستائر
стр. 1905
حتَّى إذا ما اليوم رقَّ رداؤه ... وأنهار جرف نهاره المتقاصر
باتت خدود شقيقها محميَّةً ... من عين نرجسها بطرفٍ ساهر
وجرى النَّسيم بها تجرُّ عليله ... ذيلاً ويخطو فيه خطو العاثر
متحمِّلاً في برده من عرفها ... أرجاً ينمُّ على شذاها العاطر
كثنا ابن أحمد ذي المكارم والعلا ... نشراً وقف نسمع حديث النَّاشر
عن ذي جبين بالبشاشة سافرٍ ... طلق الضِّياء لكلِّ ذنبٍ غافر
متبرِّع متورِّع فاعجب له ... من ذاكر من لم يسله وشاكر
حاز الصِّفات فما يشقُّ غباره ... من فاق من آت ولامن غابر
يسمو به في كلِّ يوم تشاجرٍ ... قلمٌ يطول على القنا المتشاجر
يسطو إذا ما ثار نقع مسائلٍ ... قد أشكلت بشباه سطوه ثائر
قلمٌ لجوهر كلِّ مجدٍ حارزٍ ... فالدَّهر منه مدير لحظ خازر
/٢٥ أ/ يجريه حكم أغنَّ سام داره ... عمرت على فلك السَّماء الدَّائر
سار إلى سرِّ الفخار وآسر ... ما ندَّ من مثل العلاء السَّائر
قل للمثير عجاج عجز خلفه ... ويروم معجزة بغير مآثر
أينال ما قد نال أصلع حاسرٌ ... عن ساعديه وأنت اطلع حاسر
شرف المعالي اسمع ثناءً لم يكن ... لولاك يجري خاطراً في خاطري
قد كنت صنت قصائدي في خدرها ... فأبانها مدح الهزبر الخادر
إليك أشكو جور دهرٍ زائغٍ ... بأذاه عن غير فكم هو زائري
فعساك تنجد ربَّ صبرٍ عابرٍ ... ممَّا يكابده ودمع غائر
اجبر بصنعك سؤر ما أبقاه من ... عمري زمانٌ كالعقاب الكاسر
واسعد بها يا ذا النَّدى رائيَّةً ... آنست منها كلَّ معنى نافر
أتقنت محكمها بحذقٍ صناعة ... من ذي ضميرٍ كالجواد الضَّامر
إن قال في هذي البريَّة شاعرٌ ... أختاً لها فحشرت محشر كافر
زارت على بعد المزار وخلفها ... من فرط شوقي أيُّ حاد زاجر
فانظر لنظرتها بناظر مرتضٍ ... راضٍ لها نظر الصَّفوح العاذر
لازلت تبلغ ما ترنَّم طائرٌ ... ما شئت من أملٍ بأيمن طائر
стр. 1906
/٢٥ ب/ وأنشدني أيضاً لنفسه، غزل ابتداء قصيدة: [من الكامل]
حتى م أرفل في هواك وتغفل ... وإلى م أهزل من جفاك وتهزل
يا مضرماً بصدوده في مهجتي ... حرقاً يكاد لهنَّ يذبل يذبل
القلب دل عليك أنَّك في الدُّجى ... قمر السَّماء له لأنَّك منزل
هب أن خدَّك قد أصيب بعارضٍ ... ما نال صدغك راح وهو مسلسل
قسماً بحاجبك الذي لم ينعقد ... إلا أرانا السَّبي وهو محلَّل
وبماء ثغرك من سلافة ريقه ... عذبت فقيل هو الرَّحيق السَّلسل
لولا مقبَّلك المنظَّم عقده ... ما بات من يهواك وهو مقبَّل
حزني وحسنك إن لغا من لا مني ... ونحوت هجري مجملٌ ومفصل
لو كنت في شرع المحبَّة عادلاً ... يا ظالمي ما كنت عنِّي تعدل
ألحى عليك ولو درى بصبابتي ... لأراحني من لومه من يعذل
أوما العجيب أنَّ دمعي معربٌ ... عن سرِّ ما أخفيه وهو المهمل
أضحى ويا لك من بلاء هاتكاً ... سرَّ الهوى وعليه أصبح يسبل
يا آمري بسلوِّه ليغرَّني ... إنَّ السُّلوَّ كما نقول لأجمل
/٢٦ أ/ لكن يعزُّ خلاص قلب متيَّمٍ ... تركته أيدي الهجر وهو مبلبل
هيهات كلاَّ لا نجاة لمن غدا ... من جسمه في كلِّ عضوٍ مقتل
وأنشدني لنفسه في الملك الأشرف مظفر الدين، وكان معه في الخيمة، بحباب التركمان بين حماة وحلب، عند رجوعه من جهاده، وقد لسعته عقرب في كفه، فأنشأ ارتجالاً: [من السريع]
يا ملك الأرض وكهف الورى ... ومن إلى ساحته المهرب
ما لسعت كفَّك عن هفوة ... أقسم منها هذه العقرب
لكن رأته وهو سمٌّ على ... مالك لا يرقى ولا يذهب
فأقبلت تشتاق من بعضه ... باللسع شيئاً علَّها .....
стр. 1907
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الكامل]
سل عن دمي ليلى إذا هي أقبلت ... بين النِّساء وخدُّها كالعندم
ومتى أبت إلا الجحود وانكرت ... فانظر على وجناتها أثر الدَّم
يا للرجال وإنَّها لعجيبةٌ ... ما مثلها أبداً إليه مقسَّم
/٢٦ ب/ أخشى قناة قوامها ومقاتلي ... غرضٌ لما في لحظها من أسهم
وأهاب عقرب صدغها ويدي على ... وما أرسلت من شعرها من أرقم
ما ذاك من سفه ولكن لا هو ى ... ما لم يذر ربَّ البصيرة كالعمى
ومعنَّفي جهلاً على عشقي له ... اذكى بمرِّ العذل نار تألُّمي
ناديته قسها إلى شمس الضُّحى ... حسناً فإن هي لم ترد نوراً لم
وأنشدني لنفسه أيضاً، يهجو ابن عنين الشاعر: [من الطويل]
أرى أبن عنين لا كلا الله نفسه ... أخاف الورى طرًّا بمرِّ هجائه
ولم يهملوه خشيةً منه إنَّما ... رواه مهينًا ذمُّه كثنائه
وأنشدني أيضاً لنفسه من أبيات: [من الطويل]
تتيه على عشَّاقها كلَّما رأت ... حديث صفات الحسن عن وجهها يروى
فتاةٌ لها في مذهب الحبِّ حاكمٌ ... بقتل الورى أعطى لواحظها فتوى
يرنِّحها سكر الشَّباب فتنثني ... بقدٍّ إذا ماست تكاد بأن تلوى
ولو لم يكن في ثغرها نبت كرمةٍ ... لما أصبحت أعطاف قامتها نشوى
وأنشدني لنفسه، يمدح أهل البيت /٢٧ أ/ صلوات الله عليهم وسلامه-:
[من الخفيف]
خلِّني من حديث زيد وعمرو ... واسع بي يا نديم نحو العمر
واسقني قهوةً إذا ما تبدَّت ... في الدُّجى خلتها عمود الفجر
بنت كرمٍ ما لي إذا بتُّ منها ... صاحياً فرد ليلة من عذر
فأدر لي في جامد الفضَّة البيـ ... ـضاء من كأسها مذاب التِّبر
стр. 1908
ثمَّ قل للَّذي يلوم عليها ... خلِّني أيُّخا العذول وزري
أإذا كنت ذا ضلال وإثمٍ ... تغتدي أنت نائماً في قبري
قسماً لا ثنيت عنها إلى المو ... ت عناني فدع ملامي وزجري
أنا راضٍ أن ألتقي الله فرداً ... والحميَّا ما بين سحري ونحري
فأدرها في كأسها واسقنيها ... ليلة القدر أو ليالي العشر
من يدي فاتر اللَّواحظ معسو ... ل الثَّنايا أحوى دقيق الخصر
تحسب الكأس وهي في يده تشـ .... ـرق شمسًا تلوح في كفِّ بدر
لا حياةٌ لغير من لم يبت يحـ ... ـيي الدَّياجي ما بين عود وزمر
في رياضٍ خضر يطوف بها البيـ ... ـض مع السُّمر بالكؤوس الحمر
بين دوحٍ تميل منه غصوناً ... مورقاتٍ ريح الصَّبا حين تسري
/٢٧ ب/ كلَّما حركت أنامل شادٍ ... وتراً جاوبته ألحان قمري
[٧٤٧]
محمَّد بن العباس بن أبي الفضل بن أبي القاسم بن أبي محمَّدٍ،
أبو عبد الله الموصليُّ الحكم.
تولّى في الدولة البدرية الحكومة في الملاعب والحرف والصنائع، كصنعة المنافقة، والصرَّاع. وذوو الشطارة والسعادة، وأصحاب المعالجة، يرجعون إلى كلامه، ويقتدون بقوله، وإليه الحكم في ذلك. ويكتب خطاً حسناً، ويقول الشعر الرائق.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين، وعضد الإسلام والمسلمين، تاج الملوك، شرف السلاطين أتابك طغرل تكين أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين –خلد الله دولته- وكبت أعداءه وحسدته-: [من الكامل]
ألاَّ سألت الربع والأطلالا ... فعسى المعالم أن يجبن سؤالا
هي وقفةٌ إمَّا لإدراك المنى ... أو أن تضاعف عندك البلبالا
стр. 1909
أمّا الخليط نأى بقلبك عاجلاً ... وحنين قلبك زاده إعجالاً
جعلوا السُّها نصب المطيِّ وحجَّبوا ... في كلِّ سجفٍ للحدوج هلالا
/٢٨ أ/ فأذل دموعاً صنتها فلطالما ... أذرفت قلبك مدمعاً هطالا
وأجنح لترجيع الحمام فطالما ... بكت الهديل فأبكت الأطلالا
ما هذه في الربع أول وقفة ... المشتاق تهمل دمعه إهمالا
فاعص العواذل ما استطعت فقلَّما ... يدعى ملولاً من عصى العذَّالا
ومتى أضرَّبك الهوى فاجنح إلى ... ملك تصادف عنده الإحلالا
ملكٍ لو ادَّعت السَّماء تطاولاً ... بمكارمٍ لسما السَّماء وطالا
أسدٍ وما الأسد الهزبر وإنَّنا ... لنجلُّه عن مثله إجلالا
وأنشدني لنفسه أيضاً، مبدأ قصيدة: [من الرجز]
أشاقك البرق بتيماء ومض ... أم استباك السِّرب صبحًا إذ عرض
لا تبعثنَّ الطَّرف إثر غادر ... فربَّ رامٍ سهمه أخطا الغرض
ما من وفى بعهده ووعده ... دهراً لمن خان الحفاظ ونقض
وافه الوعد المطال فاستعر ... صبراً وإن عزَّ عليك فافترض
يا بأبي الناشد قلباً بالحمى ... ضلَّ ولمَّا يبغ عنه [من] عوض
كلَّفه حمل الهوى من كلف ... النَّاشط من عقاله حين نهض
/٢٨ ب/ بانوا فأي كبدٍ لم تستعر ... ناراً وأيٌّ دمع عينٍ لم يفض
وأنشدني أيضاً لنفسه من أخرى: [من البسيط]
نعم نعمت صباحاً أيُّها الطَّلل ... لأهلك الأهل إن حلُّو وإن رحلوا
سجيَّةٌ من كريم لا يغيِّره ... نأى الأحبَّة إن جاروا وإن عدلوا
ما لاح برقٌ ولا ناحت مطوَّقةٌ ... إلاَّ صدفت فلا ميلٌ ولا ملل
أعلِّل النَّفس والعذَّال تكثر من ... لومي وأني يفيد اللَّوم والعذل
واكتم الوجد وهو الدَّمع يفضحه ... كأن دمعي رقيبٌ حين ينهمل
يا صاحبيَّ أناةً بالمطيِّ ولو ... لوث الأزار فبي عن وخدها شغل
هل شيَّع الركب من دعواه صادقةٌ ... في الحبِّ أم كلُّهم للوجد منتحل
كلٌّ يلوم النَّوى يوم الفراق وما ... يجني التَّباعد إلاَّ الخيل والإبل
стр. 1910
كم ليلة بتُّها والنَّجم يلحظني ... شزراً وجفني بالتَّسهيد مكتحل
حتَّى إذا رقد الواشي وأمكن من ... ليلى المزار و .... بيننا السُّبل
زارت على وجل خوف الرَّقيب وما ... أحلى الزِّيارة حيث الزَّائر الوجل
بيضاء تسفر عن بدر وتبسم عن ... درٍّ يجيب ليلاً شعرها الوجل
في وجهها خفرٌ في طرفها حورٌ ... في قدِّها خفَّةٌ في ردفها ثقل
/٢٩ أ/ لها من الظَّبي جيدٌ والمها حدقٌ ... والخيزرانة قدٌّ والنَّقا كفل
تمشي ودل الصِّبا يثني معاطفها ... كأنها شاربٌ من ريقها ثمل
وتحمل الرِّيح ريَّاها إذا انبعثت ... من خدرها فيضوع الحيُّ والكلل
وأنشدني لنفسه من قصيدة أخرى: [من الطويل]
هلا ليس ما دون الثَّنَّية منزل ... وصبراً فهل غير الثَّويَّة منهل
أناق لئن قصَّرت عن غاية المدى ... فعزمي أهدى ما امتطيت وأهمل
حرامٌ عليَّ النَّوم يا ميُّ بعدها ... إذا لم أنل من هذه ما أؤمِّل
وبي فرط وجد حلَّ بين جوانحي ... وصدري فلا ينأى ولا ينتقَّل
متى شمت من أطلال برقة بارقاً ... دعاني هوى خلَّفته ثم أول
ومن ولهي بالربع لم أر منزلاً ... بتيماء إلاّ قلت حيِّيت منزل
فلولا الهوى العذريُّ لم أدر ما الهوى ... ولولا الحمى النَّجديُّ ما عجت أسأل
خليلي هلاَّ تعذران أخاكما ... على دائه فالعذر بالحرِّ أجمل
أجدَّ كما أنِّي جليدٌ على الهوى ... وما كلُّ من يستحمل الضَّيم يحمل
منعت جفوني من أن تطعم الكرى ... كأنَّ سهاداً بالجفون موكل
وقلت ارتقب طيف الخيال وإنَّني ... لفرط غرامي بالمنى اتعلَّل
/٢٩ ب/ وأنشدني لنفسه: [من المنسرح]
صدَّ فليس الصُّدودمن شانه ... ولجَّ في هجره وعدوانه
ريمٌ رماني عن قوس حاجبه ... سهماً مراشاً بهذب أجفانه
عذَّب قلبي على العذيب فمن ... ينصف قلبي من جور جيرانه
стр. 1911
ولو لوى باللَّوى ثنيت على ... تلك الثَّنايا صدور ركبانه
يا بأبي قدَّه الَّذي يفضح الـ ... ـغصن إذا ماس فوق كثبانه
أنست منه النِّفار إذ كلُّ إنـ ..... ـسان له رائدٌ بإنسانه
يا سعد من يسعد المحبَّ وقد ... أشقاه محبوبه بهجرانه
فانظر عياناً واضع استماعاً فما ... قام دليلٌ إلاَّ ببرهانه
لو عدل القلب في الحكومة ما ... شكوت قاضيه ظلم أعوانه
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
تناءت فلم يضمن لها القلب سلوةً ... ولمَّا يزدها البعد إلاَّ تدانيا
وإنِّي وإيَّاها على القرب والنَّوى ... صبوران إن موتاً وإمَّا تلاقيا
[٧٤٨]
محمَّد بن سليمان بن كمشتكين /٣٠ أ/ بن إسفنديار المجلّد،
أبو عبد الله الموصليُّ
كانت صنعته في ابتداء أمره تجليد الكتب والدفاتر، ثم تركها وصار يكتب القصص، ويقول الشعر، ويمدح به الرؤساء والأكابر؛ وله بديهة في النظم، وخط حسن. ولقي جماعة من الشعراء، وأخذ عنهم من أشعارهم.
وهو شيخ ممتَّع بإحدى عينيه، أبيض اللون، تعلوه صفرة. وتوفي بسنجار في سنة ستٍّ وثلاثين وستمائة، وقد نيّف على التسعين.
أنشدني لنفسه، في المولى المالك، الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، قطب المعالي، ناصر الحق أتابك طغر لتكين بلكا، نصير أمير المؤمنين –أيد الله سلطانه- حين عمل القنطرة والشباك بالباب العمادي. وكان يجلس به يحكم بين الناس في قضاياهم: [من الكامل]
لو أنَّ كسرى في زمانك لم يكن ... أذكى بسلسلة إلى الإيوان
شبَّاكنا في كلِّ عامودٍ له ... يا سيٍّد الأملاك سلسلتان
وأنشدني لنفسه أيضاً: [من الخفيف]
стр. 1912
من مجيري من طرفه النِّبال ... ومعيني على صروف اللَّيالي
بدر تمٍّ حوى جميع المعاني ... غصن بان يهتزُّ كالعسَّال
/٣٠ ب/ حلَّل الهجر واستحلَّ دم ... الصَّبِّ وهذا في الشَّرع غير حلال
أتمنَّى وصاله كلَّ عامٍ ... وأرجِّي خياله في الخيال
ولقد كان قبل هذا التجنِّي ... مستهاماً بزورتي ووصالي
في زمان يفوق كلَّ زمانٍ ... وليال كأنهنَّ اللآلي
وجبينٍ كالبدر يحمل شمساً ... من عقارٍ من غيره ما حلالي
وإذا أعوز المدام علينا ... علَّني من رضابه السَّلسال
وأنشدني لنفسه: [من مخلع البسيط]
دبَّ على خدِّه عذارٌ ... كأنَّه اللَّيل غير سار
فلم يزل واقفاً حيياً ... يطلب إذناً من النَّهار
وأنشدني من شعره: [من مخلع البسيط]
كان وما في العذار نبتٌ ... مواصلاً دائم الوداد
فمذ بدا الشَّعر في المحيَّا إز ... داد في التِّيه والتَّمادي
فليت خدَّيه ما أريعت ... ولا اكتست حلّة السَّواد
وأنشدني لنفسه أيضاً: [من الكامل]
إن كان نزعكم الجواب تقاطعاً ... فأنا الودود مكاتبٌ ومواصل
/٣١ أ/ أو كنتم لم تسألوا عن حالنا ... فأنا المحبُّ مخاطبٌ ومسائل
وأنشدني لنفسه في إنسان يعرف بالقوام بن حمدان: [من الخفيف]
يا قواماً للفسق لا للدين ... ومحلاًّ للشكِّ لا لليقين
وأميناً قد كان يا ليت شعري ... أخؤونٌ يدعى بعدل أمين
فلك العذر في فعالك هذا ... ليس يرجى الوفاء من يقطين
أيُّ فضلٍ يعزى إليك وقد ... أصبحت ياءً ما بين تاءٍ وسين
стр. 1913
وحدثني، قال: بات محمد بن يوسف بن عراج الشاعر عندي ليلةً، فسرق مني كساء، وكان أبو محمد شاعراً أيضاً، فقلت فيه: [من المجتث]
لنجل عرّاج نجلٌ ... من كلٍّ خير تعرَّى
لصٌّ كمثل أبيه ... والإبن بالإرث أحرى
فالأب يسرق شعراً ... والنجل يسرق تبرا
قال: فبلغت الأبيات إلى أبيه، فأنفذ الكساء.
[٧٤٩]
محمَّد بن الحسين بن محمَّد بن الحسن بن الحسين، الإربليُّ
المولد والمنشأ.
وأصل آبائه من أهل همذان ويعرفون ببني بسريان، من يت دين وتصوف
وأبو عبد الله هذا؛ شاب فاضل، عنده أدب وسكون، حافظ للقرآن الكريم، يشدو شيئاً من فقه الإمام الشافعي –﵁ ويكتب خطاً رائقاً، ويقول الشعر الحسن في الزهديات.
انتقل هو وأهله إلى دنيسر حدثاً، ودرس الفقه بها على الشيخ الإمام أبي محمد حمد بن حميد بن محمود الدُّنيسري، الخطيب المدرس، فلمّا جاء الخوارزمية، وقصدوا البلاد، سافر إلى حلب في سنة ستٍّ وثلاثين وستمائة، فنزل في بعض مدارسها، يرتزق من جامكيها.
أنشدني لنفسه: [من البسيط]
يومٌ يمرُّ ويومٌ بعده يأتي ... ينغِّصان حياتي ثمَّ لذَّاتي
والنَّفس في دعة ممَّا يراد بها ... مشغولةٌ بأمانيٍّ وفرحات
فبينما الموت إذا حطَّت ركائبه ... نحوي بغير احتشام أو تحيَّات
وقال حتَّى متى ترجو البقاء بها ... أما علمت بأيامي وساعاتي
стр. 1914
فاستنقذ الرُّوح ثمَّ اسكنني ... في قعر لحدٍ بدارٍ عند أموات
/٣٢ أ/ سلاهم الأهل والأحباب كلُّهم ... كأنَّ ما عرَّفوهم بعض أوقات
[٧٥٠]
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن محمَّد بن الجارود، أبو عبد الله
المارانيُّ القاضي الكفر عزّيُّ
ولد بكفر عزّة، قرية من قرايا إربل، ونشأ بها، وقرأ فقه الإمام الشافعي –﵁ على الشيخ الإمام أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك الإربلي. وتقلّد القضاء بإربل في أيام الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁ بعد القاضي أبي محمد جعفر بن محمد بن محمود الكفرعزي. وكان نائبه.
ولم يزل متولياً، إلى أن توفي ليلة السبت ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وستمائة، فجأة –﵁ وقد جاوز الثمانين بقليل. وكان من ظرفاء الحكام، ومحاسن الأنام، متحلياً بالنزاهة، معتلياً في ذروة النباهة؛ شيخاً لطيفاً كيساً، فكهاً رزيناً متواضعاً، بهي المنظر، دمث الأخلاق، فيه أدب وحسن عشرة، وطيب محاضرة وتودد.
أنشدني لنفسه، وأوائل هذه الأبيات /٣٢ ب/ إذا جمعت تكون بيت شعرٍ، وهو:
[من المجتث]
إنَّ الصَّلاح مجيري ... من نكبة الحدثان
وهي جواب أبيات كبتبها إليه الصّلاح أحمد بن عبد السيد بن شعبان الإربلي، وهما بالديار المصرية، فقال القاضي: [من المجتث]
إنِّي أحبُّ فتاةً ... كأنَّها غصن بان
نمَّت بوجدي عليها ... سحائب الأجفان
стр. 1915
أهوى فريدة حسنٍ ... هيفاء شتَّى المعاني
لمياء لو شفتاها ... قبَّلتها شفتاني
صدَّت فبان اصطباري ... بالبين والهجران
لا تلحني يا عذولي ... فالبين قد اضناني
حسبي الَّذي أنا لاقٍ ... من الوجوه الحسان
من البدور اللَّواتي ... بهنَّ صبري فإني
جزعت منهن َّ جداً ... ولأن صعب جناني
يهوين قتلي وأهوى ... بهنَّ فرط هواني
رعى الإله زماناً ... قضَّيت فيه الأماني
/٢٣ أ/ يا من يسائل عنِّي ... حالي عجيب البيان
من لي بخلٍّ أمينٍ ... خليله في أمان
نبيل قدرٍ نبيه ... صدرٍ عظيم الشَّان
نبني المدائح فيه ... وجوده خير باني
كتبت سرًّا وجهراً ... عنه فهلاَّ كناني
به أدافع ضرِّي ... وشرَّ أهل زماني
هذا ولي من نداه ... وفهمه بحران
أهواه طبعاً ولكن ... لو أنَّه يهواني
لكنت في خفض عيش ... ولذَّة وأمان
حتَّى يقول عذولي ... ويلاه واحرماني
ديوان مدحي فيه ... مذهَّب العنوان
ثمَّ الثَّناء عليه ... كنغمة العيدان
الموت والبعد عنه ... يا صاحبي سيَّان
نعم وفيه خصال ... خفيفة الأوزان
إن الصلاح مجيري ... من نكبة الحدثان
/٣٣ ب/ وأنشدني لنفسه من قصيدة، يمدح بها بعض الرؤساء: [من الرجز]
لا تلح من حنَّ إلى أحبابه ... وشفَّه الشَّوق إلى أترابه
стр. 1916
وخلِّه يبكي إذا جنَّ الدُّجى ... وارث له وكفَّ عن عتابه
ولا تحمِّله على أحزانه ... حزناً فقد كفاه بعض ما به
أنَّي يلام مستهامٌ مدنفٌ ... حلف أسى غرامه يغر به
انحله البين ولم يبن له ... مساعدٌ على جوى إكتئابه
وأنشدني أيضاً قوله: [من مخلّع البسيط]
إن كنت خلِّي فخلِّ دمعي ... يجري كحرِّ الفراق سكبا
ولا تلم مغرماً كئيباً ... منِّي ببين الحبيب صبَّا
إذا دعاه الغرام سرًا ... أجابه معلناً ولبَّى
وأنشدني له في الشيب والوعظ: [من المتقارب]
مشيبٌ أتى وشبابٌ رحل ... أحلَّ العناء به حيث حل
وعمري تقضَّي بلا طاعةٍ ... فويحك يا نفس ماذا الزَّلل؟
وذنبك جمٌّ ألا فارجعي ... وعودي فقد حان وقت الأجل
/٣٤ أ/ وديني الإله ولا تقصري ... ولا يخدعنَّك طول الأمل
فما لك غير التُّقى مسعدٌ ... ولا صاحبٌ غير حسن العمل
وأنشدني لنفسه من أبيات ابتداؤها: [من البسيط]
لا تكثر العي في عذلي وفي فندي ... وقل عني فما أصغي إلى أحد
هلاَّ نهضت إلى عذلي وما قدحت ... نار الصبابة بالأشواق في كبدي
أيَّام اغدو سليم القلب في دعةٍ ... من الغرام وحلمي في الهوى بيدي
وشادن قدُّه كالغصن معتدل ... من فوق متَّزر كالحقف منعقد
أحوى مريض بحاري اللحظ مقلته ... تعلم النَّافثات السِّحر في العقد
يزورُّ عنِّي إذا ما جئت أعتبه ... وليس يعلم ما عندي من الكمد
قد كنت قبل النَّوى والبين ذا جلد ... فمذ نأى خانني بعد النَّوى جلدي
стр. 1917
[٧٥١]
محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكرٍ، أبو عبد الله بن
أبي محمدٍ الإربلي الكفر عزيُّ
стр. 1918
وقد سبق ذكر والده في موضعه.
أخبرني والده؛ أن ولادة محمد كانت سهرة يوم الاثنين ثاني صفر سنة إثنتين وستمائة.
وهو من فتيان /٣٥ ب/ إربل، وأحد من إعتني بقول الشعر، تأدب على أبي عبد الله أحمد بن الحسين بن الخباز النحوي بالموصل. وأخذ طرفاً من فقه الإمام أبي حنيفة –﵁.
وهو شاعر، طويل اللسان، ذو إحكام في قوله وإتقان، يجيد معانيه في الهجاء، ويتصرف فيهنّ كيف شاء، سمح الخاطر منقاده، ذكي الطبع وقاده.
أنشدني لنفسه في الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي –﵀: [من الكامل]
لا نال قلبي منكم ما أمَّلا ... إن كان يوماً من محبَّتكم سلا
وحرمت ما أرجوه من لقياكم ... إن حلَّ في قلبي سواكم أو حلا
أحبابنا عودوا إلى عهد الصِّبا ... وعدو بوصلكم المحبَّ المبتلى
وإذا بخلتم بالوصال فحمِّلوا ... ريَّاكم ريح الصَّبا والشَّمالا
حمَّلتم المشتاق أثقال الهوى ... لمَّا تبدَّى ركبكم متحمِّلا
وسفحتم دم أدمعي لمَّا غدا ... سفح الغوير لكم برغمي منزلا
من ذا يعيد ليالياً انفقتها ... سرفاً وعهد صبًّا مضى وتبدَّلا
علِّقتكم طفلاً فشيَّب لمَّتي ... طول التَّجنِّي والتَّجنُّب والقلى
/٣٦ أ/ رقُّوا لرقِّ حليف وجد ما عصى ... أمر الغرام ولا أطاع العذَّلا
واغنَّ معتدل القوام مهفهف ... منعته نخوة حسنه أن يعدلا
فتن الورى بجمالٍ وجهٍ ما بدا ... إلاَّ وكبَّرا من رآه وهلَّلا
وأغار غزلان الصَّريم تلفُّتاً ... وأعار أغصان الأراك تفتُّلا
стр. 1919
لمَّا بدا عاينت سنَّة وجهه ... كالبدر في أفق الملابس يجتلى
ورأيت أنَّ الرُّشد في دين الهوى ... لمَّا رأيت الصُّدع منه مرسلا
أضحى ضنيناً بالسَّلام وطالما ... أمسى يعاطيني الرَّحيق السَّلسلا
في روضة حاك الرَّبيع لربعها ... حبراً وحاكى النَّشر منها المندلا
فكأنَّما جود ابن موهوب غدا ... دون السَّحاب بريَّها متكفِّلا
مولى إذا ما جئته تلقً امرءاً ... يلقاك بارق بشره متهلِّلا
يقظان ما ينفكُّ يسدي نعمةً ... ويكفُّ حادثة ويوضح مشكلا
مغرىً بحبِّ المكرمات فما يرى ... إلاَّ بأبكارً العلا متغزِّلا
ما أمَّه يبغي نداه مؤمِّل ... إلاَّ أعادته يداه مؤمَّلا
يجلو بطلعته الظَّلام إذا دجا ... ويفوق نائله السَّحاب المسبلا
في كفِّه القلم الَّذي قد غادرت ... حدَّاه حدَّ الحادثات مفلَّلا
/٣٦ ب/ وإذا امتطى القرطاس وهو بكفِّه ... راع الصَّوارم والرِّماح الذبلا
يحيى به العافي وقد ضنَّ الحيا ... ويردُّ في يوم الهياج الجحفلا
يا أيُّها المولى الوزير ومن غدت ... بنداه أخلاف الأماني حفَّلا
بك أصحب ... الحرون وأحسن الدَّ ... هر المسيء بنا وأصبح مجملا
ولديك أضحى مخصباً أملي وكم ... أمسي وأصبح عند غيرك ممحلا
قد سرت فينا سيرةً عمريَّةً ... كادت لها الآيات أن تتنزَّلا
وعممت مبتدئاً بنعماك الورى ... فملكت أحرار الكلام تفضُّلا
حتى لقد ظنُّوا السُّؤال محرَّمًا ... فيهم ومالك للعفاة محلَّلا
فاستجل من غرري غريزة خاطرٍ ... عذراء يرجو ربها أن تقبلا
ويرى الثَّناء وكلَّ مدحٍ فاخرٍ ... من دون أوصاف الوزير وإن علا
وأنشدني فيه أيضاً، يمدحه حيث تقلّد الوزارة للملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁: [من الكامل]
стр. 1920
أمَّا الزَّمان فقد وفى بوعوده ... وذوى من العدوان مورق عوده
/٣٧ أ/ وتردَّت الدُّنيا ملاءة بهجةً ... والدَّهر قد نجمت نجوم سعوده
بعلا أبي البركات أصبح خالياً ... من منصب العلياء عاطل جيده
شرفت بطلعته الوزارة مثلما ... شرفت بنو أيَّامه بوجوده
أمسى حفيًّا بالرِّعيَّة فاغتدى ... متتَّبَّعًا فيها رضا معبوده
خلق التَّواضع للوزير خليقةٌ ... قسمًا وأضحى الدَّهر بعض عبيده
لقن الشَّجاعة والسَّماح يراعه ... عن سيل واديه وبأس أسوده
وغدا مصيب الرَّأي في تحريفه ... ومبيَّض الآمال في تسويده
يا أيُّها المولى الوزير ومن له ... مجدٌ يغيض الدَّهر جفن حسوده
ما قال فيك وإن تناهى مادحٌ ... إلاَّ وفضلك من أدل شهوده
هنِّئت بالعام الجديد ودمت ما ... دام الزَّمان مبشّراً لخلوده
وسلمت محروس الجناب من الرَّدى ... ما طرَّب القمريُّ في تغريده
وأنشدني لنفسه فيه أيضاً، ويلتمس منه فروة: [من مجزوء الكامل]
يا ماجداً لبَّى ندا ... هـ المعتفي قبل النِّدا
ومن استرقَّ بجوده ... ونواله حرَّ الثَّنا
/٣٧ ب/ الله أدعو أن يزيـ ... ـدك رفعةً فوق السَّما
لازلت محروس الجنا ... ب ممتَّعًا طول البقا
البرد قد وافى يجرِّ ... ر ذيل تيه واعتدى
وجيوشه قد أقبلت ... فاستوعبت كلَّ الفضا
والصَّبر منذ راى بقا ... ء البرد آذن بالفنا
فانعم عليَّ بفروةٍ ... تعدى على برد الشِّتا
واسلم ودم في نعمةٍ ... عمر الزَّمان بلا انقضا
وأنشدني أيضاً لنفسه، ما كتبه إليه، يطلب منه تحقيقه: [من السريع]
يا شرف الدِّين الجواد الَّذي ... يمناه بالمعروف معروفه
ومن له نفسٌ على كلِّ أنـ ... ـواع التُّقى والبرِّ موقوفه
عبدك لا شيء على رأسه ... هامته في الحكم مكشوفه
стр. 1921
وهو على كثرة تثقيله ... يرجو من الإنعام تخفيفه
فاسمح بها واسمع ثناءً له ... أجاد فيه الفكر تأليفه
واسلم ولازالت صروف الرَّدى ... عنك مدى الأيَّام مصروفه
/٣٨ أ/ وأنشدني له فيه من أبيات، حين وثب عليه ذلك الشخص وجرحه، وقتل شخصاً آخر، وكان اسم المقتول غزالاً: [من البسيط]
لئن فدى الله إسماعيل من كرمٍ ... بالذّبح واستعظمته الإنس والجان
لقد فداك بإنسانٍ ولا عجبٌ ... أن يفتدى بجميع الخلق إنسان
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الطويل]
أحنُّ إلى بان العذيب واثله ... واشتاق ريَّاه وكثبان رمله
واصبوا إلى آصاله وهجيره ... وكذر لياليه وبارد ظلِّه
أأحبابنا عودوا وعودوا متيَّماً ... بحبُّكم لا يستفيق لعذله
أضرَّ به إعراضكم عن وداده ... وعجَّل صرف الدَّهر تشتيت شمله
وقد كان ذاعرٍّ منيعٍ فباعه ... رجاء رضاكم في هواكم بذلِّه
صبورٌ على جور الهوى وعذابه ... وقورٌ على حلم الزَّمان وجهله
ويحمل فيكم لا عدمتم فؤاده ... غراماً يهدُّ الرَّاسيات بثقله
ولولاكم لم يسفح الحزن دمعه ... على السَّفح من حزن الغوير وسهله
وكيف احتيالي في اللِّقاء وبيضكم ... وسمرٌ كم كلٌّ يذاد بمثله
/٣٨ ب/ حرامٌ على عيني أن تردا الكرى ... إذا لم أفز ممَّن أحبُّ بوصله
وأغيد ممشوق القوام رشيقه ... مليح التَّثنِّي وافر الرِّدف عبله
أحلَّ دمي من غير جرمٍ سوى الهوى ... وقد كان قبل اليوم غير محلِّه
إذا جئت أشكو ما بقلبي يرقُّ لي ... ويخلط لي جدَّ الحديث بهزله
ويطمعني حتَّى أقول ملكته ... ويؤنسني من طوله طول مطله
وإن عقد الزُّنَّار حلَّ تصبُّري ... ويعقد عن جفني الكرى عن حلِّه
стр. 1922
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
فؤادٌ على مرِّ اللَّيالي يعذَّب ... وقلبٌ على نار الأسى يتقلَّب
وأنت لحيني معرضٌ متجنِّبٌ ... بنفسي وأهلي المعرض المتجنِّب
مر الوجد يفعل ما يشاء بمهجتي ... فإنَّ عذابي في تجنِّيك يعذب
ولا تخش من قلبي سلوَّا عن الهدى ... وأنت على ما كان منك محبَّب
إذا كان طرفي موردي منهل الرَّدى ... فمن اشتكى أم من ألوم وأعتب
صددت فصفو العيش فيك مكدَّرٌ ... وبنت فضوء الصَّبح بعدك غيهب
وإن عاد يوماً وجه ودِّك مقبلاً ... تبسَّم لي وجه الزَّمان المقطَّب
سقيت الحيا الغوريَّ يا أربع الهوى ... وجادك من دمع المحبِّين صيِّب
/٣٩ أ/ وحيَّتك أنفاس النَّسيم عليلةً ... تميل بها الأغصان نشوى وتطرب
وناحت بأعلى دوحتيك حمائمٌ ... تهيِّج أشواق المحبِّ فيندب
ولا برحت فيك الرِّياض أنيقةً ... فإنَّك ملهى للحبيب وملعب
عهدتك دهراً للبدور مطالعاً ... وصرف الرَّدى عن ساحتيك منكِّب
فمذ رحلوا أضحى بك الدَّهر ناصباً ... خيام عفاء بالرِّياح تطنَّب
رعى الله ليلات بمنعرج اللَّوى ... تقضَّت وظلُّ العيش إذ ذاك مذهب
ليالي ترعى العهد لمياء في الهوى ... وتصبو إلى وصلي سليمى وزينب
تقضَّت على رغمي قصاراً حميدةً ... فبعداً لنفسٍ بعدها ليس تذهب
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
وظبي غرير غرَّني لين لفظه ... وإجماله المشفوع لي بجماله
فهمت به مستعذباً مبدأ الهوى ... وأنساك الشَّيطان ذكرً ماله
وما خلت أنَّ الحين في سيف لحظه ... وخطِّ عذاريه ونقطة خاله
فلمَّا رآني واثقاً بحيائه ... وأنَّ فؤادي موثقٌ بحباله
تجاهل عنِّي معرضاً فكأنَّني ... من الدَّهر يوماً ما خطرت بباله
وخلفني لا آبساً من جفائه ... ولا طامعاً في زور زور خياله
стр. 1923
/٣٩ ب/ أروح بقلبٍ خافق من صدوده ... واغدو بظنٍّ مخفقٍ من وصاله
فيا حالياً بالحسن رفقاً بعاطلٍ ... من الصَّبر عان في يد الشَّوق واله
ويا غصناً هاجت عليه بلابلي ... وجار على ضعفي بحسن اعتداله
تعطَّف على قلبٍ يقلِّبه الأسى ... وصل دنفاً أنت العليم بحاله
وأنشدني أيضاً من قيله: [من الطويل]
أأحبابنا إنِّي على ما عهدتم ... وإن لم تزالوا هاجرين مقيم
وعندي فنونٌ من أسى وصبابة ... وبي من هواكم مقعدٌ ومقيم
وقلبي الَّذي حدِّثتم عنه إنَّه ... سليمٌ من الوجد القديم سليم
ودادي وجسمي من وفائي وغدركم ... بعهدي صحيحٌ في الهوى وسقيم
أحنُّ إليكم كلَّما ذرَّ شارقٌ ... وأصبو إذا هبَّت صباً ونسيم
وأحيا بذكراكم إذا ما ذكرتكم ... ولو أنَّ عظمي في التُّراب رميم
فلا غرو وإن انكرت ما بي أو صبا ... فؤادي وأضحى بالهموم يهيم
فقد يجهل الإنسان من ألم الهوى ... ويصبو إلى الأحباب وهو حليم
وأنشدني لنفسه يهجو: [من السريع]
لا تعجبوا من جاهلٍ أحمقٍ ... بدِّل دائماً عزُّه
/٤٠ أ/ إن كان قد صدَّره عجزه ... دهراً فقد أخره عجزه
وأنشدني لنفسه يهجو: [من المتقارب]
وبلدة سوءٍ لها حاكمٌ ... طويل العناء لتقصيره
إذا أخطأ الشَّرع في حكمه ... تداركه بمعاذيره
يزيد ثراءً على نقصه ... كما زاد الاسم بتصغيره
وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
قد دفعنا إلى زمان لئيمٌ ... لم ننل منه غير غلِّ الصُّدور
ومنينا من الورى بأناسٍ ... جعلتهم أعجازهم في الصُّدور
стр. 1924
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض أصدقائه، يلتمس منه كتاب البديع، وهو الذي صنّفه أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزري: [من السريع]
مولاي عزَّ الدِّين يا من له ... مالٌ مذال وجنابٌ منيع
ومن أياديه وأخلاقه ... يخجل منها جعفرٌ والرَّبيع
قاسم ما تملكه كفُّه ... وللندى بين البرايا مشيع
عبدك مولاي به حاجةٌ ... دعت إلى نسخ كتاب البديع
/٤٠/ فجد به عاريةً واغتنم ... ثناء عبد شاكر للصنيع
واسلم ولازلت مدى الدَّهر في ... ظلٍّ ظليَّل ومحلٍّ رفيع
وقال أيضاً: [من الكامل]
لو أن طيفهم يزور لماماً ... لشفى أخا لممٍ وبلَّ أواما
ولو أنَّهم رقُّوا لرقِّ سليمهم ... بعثوا إليه مع النَّسيم سلاما
قومٌ لجارهم الأمان من الرَّدى ... إلاَّ إذا كان الغريم غراما
من كلِّ قدٍّ أهيف وكحيلة ... هزُّوا وسلُّوا ذابلاً وحسما
ساروا بدوراً في بروج هوادج ... وكسى وجوههم الكسوف تماما
شاموا البروق من الحجاز لوامعاً ... فغدوا لذلك هاجرين الشَّاما
بلغوا من الحرم المعظَّم منزلاً ... ومن المقام مخيَّماً ومقاما
لا كان قلبي إن عصى في حبِّهم ... أمر الصَّبابة أو أطاع ملاما
وقال أيضاً: [من الطويل]
ترى من لصبٍّ بان عنه سكونه ... هواك وإن لم يحظ بالقرب دينه
مسهَّد جفن نام عنه سميره ... ونمَّت عليه بالشؤون شؤونه
له جسد هو ميت خافٍ ... على نظر العوَّاد لولا أنينه
/٤١ أ/ وداء الهوى باديه أيسره الضَّنى ... واقتله للمستهام دفينه
غدا عنده عذباً أليم عذابه ... وعزاً له إذ كان يرضيك هونه
وألفاك مطلوبًا لك القتل فاستوى ... لديه مناه في الهوى ومنونه
وبي منك طرفٌ بابليٌّ فتوره ... يزيد فؤادي صبوةً وفتونه
стр. 1925
محاسن هذا الكون أنت مغيضها ... ومورد بحر الحبِّ قلبي معينه
فشمس الضُّحى من نور وجهك نورها ... وبان اللِّوى من لين عطفك لينه
فما شاهدٌ إلاَّ بحسنك شاهدٌ ... ولا غائبٌ إلاَّ إليك حنينه
وقال أيضاً: [من الخفيف]
هل إلى ثغرك المنيع طريق ... أم لطيف الخيال منك طروق
يا ابنة العامريِّ عهدي على النا ... ي جديدٌ وعقد ودِّي وثيق
وفؤادي فداك عان أسيرٌ ... مستهامٌ ومع عيني طليق
لك حسنٌ بالحبِّ يغري ولي و ... دٌّ عن الصَّبر والسُّلو يعوق
هل ترى وقفةً بنهر المعلَّى ... يلتقي شائقٌ بها ومشوق
فأبثَّ الوجد الَّذي هو للُّـ ... ـبِّ رحيقٌ وفي الضُّلوع حريق
وأرى شاهداً بعين عياني ... من ثناياك ما حكته البروق
/٤١ ب/ وبي الأهيف الَّذي لحظه والـ ... ـقدُّ ذا راشقٌ وهذا رشيق
راح في حسنه غريباً وإن كا ... ن شقيقاً لوجنتيه الشقيق
ثغره لؤلؤٌ وسافح دمعي ... في ثرى السَّفح لؤلؤٌ وعقيق
كلُّ معنى من الجمال بديعٌ ... من معاني جماله مسروق
فيه يهفو لبُّ الحكيم ويجفو ... في هوى مثله الصَّديق الصَّدوق
وقال أيضاً: [من الطويل]
أرقت لبرق من دياركم عنَّا ... ألمَّ فكم أضنى فؤاداً وكم عنَّى
بدا حاكياً تلك الثُّغور ابتسامه ... وعاد نحيلاً حاكياً جسمي المضنى
وسلَّ كسيف الهند من غمد أفقه ... اختلاساً لقتل الغمض في مقتلي وهنا
فلو لم يحل من دونه دم عبرتي ... جعلت له جفني غراماً به جفنا
أأحبابنا قضَّيت فيكم شبيبتي ... ولم تشفعوا يوماً بحسنكم حسنا
وما نلت من مأمول وصلكم منى ... ولا ذقت من روعات هجركم أمنا
أسرتم وقيدتم فؤادي بحبِّكم ... فها هو لا يرجو فداءً ولا منَّا
стр. 1926
سلو داركم بالحزن كم من مدامعٍ ... ومن مهج سالت لبينكم حزنا
وهل أبرق الحنَّان صوَّح نبته ... بلوعة قلبٍ غير قلبي إذ حنَّا
/٤٢ أ/ وقال أيضاً: [من الطويل]
عني فيكم المشتاق فرط عنائه ... فرقُّوا لما يلقاه من برحائه
ومنُّوا بإهداء النَّسيم من الحمى ... وإن كان يذكي الوجد برد هوائه
عريب الحمى إنَّ الأسود بربعكم ... لقتلي ظبا ألحاظ عين ظبائه
أيطلق من أسر الصَّبابة مغرم ٌ ... بعادكم والشَّوق من غرمائه
سقيكم ما احمرَّ إلاَّ بما سقى ... به جفنه ترب الحمى من دمائه
لئن صوَّحت روضاته من زفيره ... لقد روَّضت ساحاته من بكائه
أأحبابنا ما حال عهد مشوقكم ... ولا حلَّ كفُّ الغدر عقد وفائه
وعبد هواكم من نواكم على شفا ... بلى فتلاوا عبدكم لشفائه
وقال أيضاً: [من مجزوء الرجز]
هم المنى والغرض ... إن أقبلوا وأعرضوا
وهم حلولٌ في الحشا ... إن خيموا أو قوَّضوا
نهوا عن الحبِّ ولـ .... ـكن نهيهم يحرِّض
ليس لقلبي عنهم ... وإن أساؤوا عوض
إن أعرضوا فللبلى ... بمهجتي تعرُّض
/٤٢ ب/ يسودُّ من سخطهم ... وجه النَّهار الأبيض
وينجلي جنح الدُّجى ... إن واصلوني ورضوا
صحَّة وجدي بهم ... في القلب منهم مرض
أصار قتلي سنَّةً ... هواهم المفترض
وقال أيضاً: [من الكامل]
أبدت لك الأيَّام أحسن منظرٍ ... في ثوب روضٍ بالنَّبات مشهَّر
стр. 1927
فالق الرَّبيع بطلق وجهك باسماً ... واسحب إلى اللَّذات ذيل مشتمِّر
واستجل من جلب الكروم كريمةً ... فيها تليق خلاعة المتوقِّر
في ليل صحو بالمدامة مشمشٍ ... ونهار غيمٍ بالأزاهر مقمر
فالرَّوض بين مدَّبجٍ ومضرَّجٍ ... والزَّهر بين مدرهمٍ ومدنَّر
والماء بين مصفَّق ومسدَّل ... والتُّراب بين ممسك ومعنبر
وكأنَّ قدَّ السَّر وقدُّ مهفهف ... نشوان من راح الصِّبا يتبختر
وكأنَّما النَّار نج في أوراقه ... جمرات نار في رداء أخضر
وترى الحمامة فوق مزهر غصنها ... تشدو مطرِّبةً كقينةً مزهر
والعندليب على الغصون مردِّد الـ ... ـنَّغمات يخطب فوق أشرف منبر
/٤٣ أ/ يا أيُّها الملك الَّذي أيَّامه ... صفو الزَّمان وغرَّةٌ في الأعصر
. من كفَّيك إذا مطرتها ... سحب النَّدى والجود عدة أنهر
ملئِّت قصر النَّيرب الموفي بإتـ ... ـقان البناء على البناء الجعفري
لو كان في أيَّام كسرى قصَّرت ... عنه أمانيه وهمَّة قيصر
هو جنَّة الدُّنيا .... كوثر ... وتراه كالمسك السَّحيق الأذفر
فرياضه من سندسٍ وحياضه ... من قرقفٍ ونسيمه من عنبر
وبه من الولدان حولك كلُّ فتَّـ .... ـان اللَّواحظ كالغزال الأحور
من آل يافث ربِّ خصر ناحلٍ ... ومؤزَّرٍ فعمٍ وطرفٍ أخزر
يسطو على ليث العرين بأبيضٍ ... من جفنه ومن القوام بأسمر
لازلت يا ملك الورى في نعمةٍ ... تبقى بشاشتها بغير تغير
وقال أيضاً: [من الكامل]
يا ظبي كم تردى الأسود وأنت في ... حرم الملاحة مستقرٌ آمن
لولا سهامفتور طرفك لم أخل ... أنَّ الجفون الفاترات كنائن
هب أنَّ طرفي بان عنه رقاده ... يا نوره إذا أنت عنه بائن
فعلام لا ينفكُّ قلبي خافقاً ... شوقاً إليك وأنت فيه ساكن؟
стр. 1928
/٤٣ ب/ وقال أيضاً: [من الرجز]
كم بين سهل المنحنى وحزنه ... من مطلق الدَّمع أسير حزنه
يصوِّح النَّبت بنار وجده ... وتعشب الأرض بماء جفنه
ومن فؤاد خافقٍ مروَّع ... بساكن الوجد ومطمئنِّه
وبي غريرٌ نهب ألباب الورى ... غير بعيد من بديع حسنه
يغني فتور طرفه واللِّين من ... قوامه عن ضربه وطعنه
فلحظه إذا رنا كعضبه ... وقدُّه إذا انثنى كلدنه
يا باخلاً بوصله إن لم تجد ... على المشوق بالمنى فمنِّه
يحسن سوء الظنِّ منك عنده ... حبًا وإن خيَّبت حسن ظنِّه
لي دم دمعٍ ناب في سقيا الحمى ... وأهله عن هاطلات مزنه
وقال أيضاً: [من الكامل]
غشُّ المفنِّد كامنٌ في نصحه ... فأطل وقوفك بالغوير وسفحه
واخلع عذارك في محلٍّ ريُّه ... بزذاذ دمع العاشقين وسحِّه
وإذا سرى سحراً طيلح نسيمه ... مالت به سكراً ذوائب طلحه
/٤٤ أ/ ما صادقٌ في الحبِّ من هو عالمٌ ... فيه بحسن صنيعه أو قبحه
جهل الهوى قومٌ فراموا وصفه ... خلِّ الهوى وجنابه عن شرحه
وبي الَّذي يغنيه فاتر طرفه ... عن سيفه وقوامه عن رمحه
ظبيٌّ يؤنِّس بالغرام نفاره ... ويجدُّ في نهب القلوب بمزحه
استعذب التَّعذيب في كلفي به ... والحبُّ لذَّة طعمه في برحه
يا شاهراً من جفنه عضباً غدا ... ماء المنيِّة بادياً في صفحه
ومعربداً في صحوه ومباعداً ... في قربه ومحارباً في صلحه
نم لا جناح عليك في سهري وما ... ألقاه في اللَّيل الطَّويل وجنحه
وسعى إليك بي العذول وإنني ... لأخيب إن ظفر العذول بنجحه
стр. 1929
طرفي وقلبي ذا يسيل دماً وذا ... دون الورى أنت العليم بقرحه
وهما بحبَّك شاهدان وإنَّما ... تعديل كلِّ منهما في جرحه
والقلب منزلك القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام فنحِّه
[٧٥٢]
محمَّد بن محمَّد بن الحسن بن الفضل بن المطلب، أبو القاسم البغداديُّ
هكذا أملى /٤٤ ب/ عليَّ نسبه لمّا سألته عنه، ويعرف بالنقّاش.
ورد هذا الشاعر الموصل من أرض الشام، سنة ثلاثين وستمائة، وسكنها ولقيته بها في التاريخ المذكور. وهل رجل طويل أشعر.
وأنشدني شعراً كبيرً في مدائح بني أيوب ملوك الشام، وادّعى أنه من إنشائه وعمله.
ولم يزل يتوصل إلى الأمراء والرؤساء، ويتقرب إليهم ويمدحهم بالشعر، لينفق سوق شعره حتى أوصلوه إلى حضرة المولى المالك، الملك الرحيم، بدر الدين- خلد الله ملكه- وزع أنَّه قد نظم في معاليه عدّة قصائد، أفردها في مجلدة، فلما سمع بها المولى المالك الملك الرحيم، خلع عليه خلعة سنية، وأثابه على مدحه له ستين ديناراً.
ثم رحل إلى مدينة السلام قاصداً مولانا وسيدنا الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله –أدام الله أيامه-. ثم إنَّني خبرت بعد رحيله إلى بغداد، أنَّه كان من أهل واسط، وأنَّ أباه كان جمالاً يكري الجمال، وأنَّه ظفر بأشعار نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي فأغار عليها، وانتحلها لنفسه، يقصد بها الناس ممتدحاً، فقيل له: إنَّك تسرق أشعار الناس /٤٥ أ/ وتدّعيها. ثم امتحن في عمل قصيدة ومعنى، فبقي أياماً لم يجبه خاطره إلى المقترح عليه.
وكان يقول شعراً بارداً، ومما أشدني لنفسه، وزعم أنَّه له، هذه القصيدة التي أنا ذاكرها، يمدح بها الملك المعظم أبا الحسن عليّ بن الإمام الناصر لدين الله- ﵄: [من الوافر]
стр. 1930
غوادي المزن بالرَّاح امطرينا ... وبالصِّرف الحميَّا باكرينا
وروِّينا من الصَّهباء إنَّا ... إلى شرب المدامة قد ظمينا
وقد أخذت ليالي الصَّوم منَّا ... مآخذها فرحنا مجد بينا
وكاد يميتنا بعذاب قرًّ ... تطيب به لظّى للمصطلينا
فبتنا نستلذُّ النَّار فيه ... على جمر المجامر راقدينا
يكاد القرُّ يعقرنا ظهوراً ... ولذع الجمر يعقرنا بطونا
ولولا أنَّ خالقنا رحيمٌ ... لكان البرد مثوى المجرمينا
فحيِّي الشَّاربين بكأس راحٍ ... تطيب به نفوس الشَّماربينا
فقد طابت لشاربها الحميَّا ... وهلَّ هلال عيد الصَّائمينا
وآذنت اللَّيالي من شباطٍ ... بتقويضٍ وراء الظَّاعنينا
وبان الصِّنُّ والصِّنبر منه ... بسبعٍ يقتفين الأربعينا
/٤٥ ب/ وألبست الجمار الأرض وشياً ... من المنثور منثوراً فتونا
وقد حميت محدَّبةً صعيداً ... وقد بردت مقعَّرةً معينا
وجادتها السَّواري والغوادي ... فطبَّقت الأباطح والحزونا
فقهقه راعدٌ وبكى غمامٌ ... فخلنا الجوَّ مسروراً حزينا
وغنَّى بلبلٌ وشدا هزازٌ ... فماس الدُّوح من طرب غصونا
وخلنا الأرض في الدِّيباج تجلى ... عروساً من بنات المترفينا
مدعدعةً مرابيها سيولاً ... مفجَّرة رواسيها عيونا
يعاف صعيدها إلاَّ اخضراراً ... ويأبى الغصن إلاَّ أن يلينا
شاى منثورها الأزهار سبقاً ... فحاز هناك سبق السَّابقينا
يقول تأهَّبوا للورد بعدي ... فقد وافاكم والياسمينا
وثغر الزَّهر يبسم عن أقاحٍ ... يهيج به غليل العاشقينا
ووجه الأرض وضَّاحٌ طليقٌ ... لوجه فتى أمير المؤمنينا
فللملك المعظَّم نور وجهٍ ... تقرُّ به عيون النَّاظرينا
следующие страницы →