Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
سلو داركم بالحزن كم من مدامعٍ ... ومن مهج سالت لبينكم حزنا
وهل أبرق الحنَّان صوَّح نبته ... بلوعة قلبٍ غير قلبي إذ حنَّا
/٤٢ أ/ وقال أيضاً: [من الطويل]
عني فيكم المشتاق فرط عنائه ... فرقُّوا لما يلقاه من برحائه
ومنُّوا بإهداء النَّسيم من الحمى ... وإن كان يذكي الوجد برد هوائه
عريب الحمى إنَّ الأسود بربعكم ... لقتلي ظبا ألحاظ عين ظبائه
أيطلق من أسر الصَّبابة مغرم ٌ ... بعادكم والشَّوق من غرمائه
سقيكم ما احمرَّ إلاَّ بما سقى ... به جفنه ترب الحمى من دمائه
لئن صوَّحت روضاته من زفيره ... لقد روَّضت ساحاته من بكائه
أأحبابنا ما حال عهد مشوقكم ... ولا حلَّ كفُّ الغدر عقد وفائه
وعبد هواكم من نواكم على شفا ... بلى فتلاوا عبدكم لشفائه
وقال أيضاً: [من مجزوء الرجز]
هم المنى والغرض ... إن أقبلوا وأعرضوا
وهم حلولٌ في الحشا ... إن خيموا أو قوَّضوا
نهوا عن الحبِّ ولـ .... ـكن نهيهم يحرِّض
ليس لقلبي عنهم ... وإن أساؤوا عوض
إن أعرضوا فللبلى ... بمهجتي تعرُّض
/٤٢ ب/ يسودُّ من سخطهم ... وجه النَّهار الأبيض
وينجلي جنح الدُّجى ... إن واصلوني ورضوا
صحَّة وجدي بهم ... في القلب منهم مرض
أصار قتلي سنَّةً ... هواهم المفترض
وقال أيضاً: [من الكامل]
أبدت لك الأيَّام أحسن منظرٍ ... في ثوب روضٍ بالنَّبات مشهَّر
стр. 1927
فالق الرَّبيع بطلق وجهك باسماً ... واسحب إلى اللَّذات ذيل مشتمِّر
واستجل من جلب الكروم كريمةً ... فيها تليق خلاعة المتوقِّر
في ليل صحو بالمدامة مشمشٍ ... ونهار غيمٍ بالأزاهر مقمر
فالرَّوض بين مدَّبجٍ ومضرَّجٍ ... والزَّهر بين مدرهمٍ ومدنَّر
والماء بين مصفَّق ومسدَّل ... والتُّراب بين ممسك ومعنبر
وكأنَّ قدَّ السَّر وقدُّ مهفهف ... نشوان من راح الصِّبا يتبختر
وكأنَّما النَّار نج في أوراقه ... جمرات نار في رداء أخضر
وترى الحمامة فوق مزهر غصنها ... تشدو مطرِّبةً كقينةً مزهر
والعندليب على الغصون مردِّد الـ ... ـنَّغمات يخطب فوق أشرف منبر
/٤٣ أ/ يا أيُّها الملك الَّذي أيَّامه ... صفو الزَّمان وغرَّةٌ في الأعصر
. من كفَّيك إذا مطرتها ... سحب النَّدى والجود عدة أنهر
ملئِّت قصر النَّيرب الموفي بإتـ ... ـقان البناء على البناء الجعفري
لو كان في أيَّام كسرى قصَّرت ... عنه أمانيه وهمَّة قيصر
هو جنَّة الدُّنيا .... كوثر ... وتراه كالمسك السَّحيق الأذفر
فرياضه من سندسٍ وحياضه ... من قرقفٍ ونسيمه من عنبر
وبه من الولدان حولك كلُّ فتَّـ .... ـان اللَّواحظ كالغزال الأحور
من آل يافث ربِّ خصر ناحلٍ ... ومؤزَّرٍ فعمٍ وطرفٍ أخزر
يسطو على ليث العرين بأبيضٍ ... من جفنه ومن القوام بأسمر
لازلت يا ملك الورى في نعمةٍ ... تبقى بشاشتها بغير تغير
وقال أيضاً: [من الكامل]
يا ظبي كم تردى الأسود وأنت في ... حرم الملاحة مستقرٌ آمن
لولا سهامفتور طرفك لم أخل ... أنَّ الجفون الفاترات كنائن
هب أنَّ طرفي بان عنه رقاده ... يا نوره إذا أنت عنه بائن
فعلام لا ينفكُّ قلبي خافقاً ... شوقاً إليك وأنت فيه ساكن؟
стр. 1928
/٤٣ ب/ وقال أيضاً: [من الرجز]
كم بين سهل المنحنى وحزنه ... من مطلق الدَّمع أسير حزنه
يصوِّح النَّبت بنار وجده ... وتعشب الأرض بماء جفنه
ومن فؤاد خافقٍ مروَّع ... بساكن الوجد ومطمئنِّه
وبي غريرٌ نهب ألباب الورى ... غير بعيد من بديع حسنه
يغني فتور طرفه واللِّين من ... قوامه عن ضربه وطعنه
فلحظه إذا رنا كعضبه ... وقدُّه إذا انثنى كلدنه
يا باخلاً بوصله إن لم تجد ... على المشوق بالمنى فمنِّه
يحسن سوء الظنِّ منك عنده ... حبًا وإن خيَّبت حسن ظنِّه
لي دم دمعٍ ناب في سقيا الحمى ... وأهله عن هاطلات مزنه
وقال أيضاً: [من الكامل]
غشُّ المفنِّد كامنٌ في نصحه ... فأطل وقوفك بالغوير وسفحه
واخلع عذارك في محلٍّ ريُّه ... بزذاذ دمع العاشقين وسحِّه
وإذا سرى سحراً طيلح نسيمه ... مالت به سكراً ذوائب طلحه
/٤٤ أ/ ما صادقٌ في الحبِّ من هو عالمٌ ... فيه بحسن صنيعه أو قبحه
جهل الهوى قومٌ فراموا وصفه ... خلِّ الهوى وجنابه عن شرحه
وبي الَّذي يغنيه فاتر طرفه ... عن سيفه وقوامه عن رمحه
ظبيٌّ يؤنِّس بالغرام نفاره ... ويجدُّ في نهب القلوب بمزحه
استعذب التَّعذيب في كلفي به ... والحبُّ لذَّة طعمه في برحه
يا شاهراً من جفنه عضباً غدا ... ماء المنيِّة بادياً في صفحه
ومعربداً في صحوه ومباعداً ... في قربه ومحارباً في صلحه
نم لا جناح عليك في سهري وما ... ألقاه في اللَّيل الطَّويل وجنحه
وسعى إليك بي العذول وإنني ... لأخيب إن ظفر العذول بنجحه
стр. 1929
طرفي وقلبي ذا يسيل دماً وذا ... دون الورى أنت العليم بقرحه
وهما بحبَّك شاهدان وإنَّما ... تعديل كلِّ منهما في جرحه
والقلب منزلك القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام فنحِّه
[٧٥٢]
محمَّد بن محمَّد بن الحسن بن الفضل بن المطلب، أبو القاسم البغداديُّ
هكذا أملى /٤٤ ب/ عليَّ نسبه لمّا سألته عنه، ويعرف بالنقّاش.
ورد هذا الشاعر الموصل من أرض الشام، سنة ثلاثين وستمائة، وسكنها ولقيته بها في التاريخ المذكور. وهل رجل طويل أشعر.
وأنشدني شعراً كبيرً في مدائح بني أيوب ملوك الشام، وادّعى أنه من إنشائه وعمله.
ولم يزل يتوصل إلى الأمراء والرؤساء، ويتقرب إليهم ويمدحهم بالشعر، لينفق سوق شعره حتى أوصلوه إلى حضرة المولى المالك، الملك الرحيم، بدر الدين- خلد الله ملكه- وزع أنَّه قد نظم في معاليه عدّة قصائد، أفردها في مجلدة، فلما سمع بها المولى المالك الملك الرحيم، خلع عليه خلعة سنية، وأثابه على مدحه له ستين ديناراً.
ثم رحل إلى مدينة السلام قاصداً مولانا وسيدنا الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله –أدام الله أيامه-. ثم إنَّني خبرت بعد رحيله إلى بغداد، أنَّه كان من أهل واسط، وأنَّ أباه كان جمالاً يكري الجمال، وأنَّه ظفر بأشعار نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي فأغار عليها، وانتحلها لنفسه، يقصد بها الناس ممتدحاً، فقيل له: إنَّك تسرق أشعار الناس /٤٥ أ/ وتدّعيها. ثم امتحن في عمل قصيدة ومعنى، فبقي أياماً لم يجبه خاطره إلى المقترح عليه.
وكان يقول شعراً بارداً، ومما أشدني لنفسه، وزعم أنَّه له، هذه القصيدة التي أنا ذاكرها، يمدح بها الملك المعظم أبا الحسن عليّ بن الإمام الناصر لدين الله- ﵄: [من الوافر]
стр. 1930
غوادي المزن بالرَّاح امطرينا ... وبالصِّرف الحميَّا باكرينا
وروِّينا من الصَّهباء إنَّا ... إلى شرب المدامة قد ظمينا
وقد أخذت ليالي الصَّوم منَّا ... مآخذها فرحنا مجد بينا
وكاد يميتنا بعذاب قرًّ ... تطيب به لظّى للمصطلينا
فبتنا نستلذُّ النَّار فيه ... على جمر المجامر راقدينا
يكاد القرُّ يعقرنا ظهوراً ... ولذع الجمر يعقرنا بطونا
ولولا أنَّ خالقنا رحيمٌ ... لكان البرد مثوى المجرمينا
فحيِّي الشَّاربين بكأس راحٍ ... تطيب به نفوس الشَّماربينا
فقد طابت لشاربها الحميَّا ... وهلَّ هلال عيد الصَّائمينا
وآذنت اللَّيالي من شباطٍ ... بتقويضٍ وراء الظَّاعنينا
وبان الصِّنُّ والصِّنبر منه ... بسبعٍ يقتفين الأربعينا
/٤٥ ب/ وألبست الجمار الأرض وشياً ... من المنثور منثوراً فتونا
وقد حميت محدَّبةً صعيداً ... وقد بردت مقعَّرةً معينا
وجادتها السَّواري والغوادي ... فطبَّقت الأباطح والحزونا
فقهقه راعدٌ وبكى غمامٌ ... فخلنا الجوَّ مسروراً حزينا
وغنَّى بلبلٌ وشدا هزازٌ ... فماس الدُّوح من طرب غصونا
وخلنا الأرض في الدِّيباج تجلى ... عروساً من بنات المترفينا
مدعدعةً مرابيها سيولاً ... مفجَّرة رواسيها عيونا
يعاف صعيدها إلاَّ اخضراراً ... ويأبى الغصن إلاَّ أن يلينا
شاى منثورها الأزهار سبقاً ... فحاز هناك سبق السَّابقينا
يقول تأهَّبوا للورد بعدي ... فقد وافاكم والياسمينا
وثغر الزَّهر يبسم عن أقاحٍ ... يهيج به غليل العاشقينا
ووجه الأرض وضَّاحٌ طليقٌ ... لوجه فتى أمير المؤمنينا
فللملك المعظَّم نور وجهٍ ... تقرُّ به عيون النَّاظرينا
стр. 1931
إذا ما لاح عن قربٍ وبعدٍ ... تخرُّ له الملائك ساجدينا
تُعفِّر دونه خدًّا وتدمى ... على ترب المباسم لا ثمينا
/٤٦ أ/ وأحرى أن تحفَّ به ركاباً ... وأن تغدو عليه عاكفينا
وأن تدعو لدولته وتعنو ... كما ندعو ونعنو مخلصينا
له المعروف معروفٌ لديهم ... وهم فيه الكرام الكاتبونا
ولولا الله مجزيهم حساباً ... تعالى الله خير الحاسبينا
يريك سماح راحته وجدوى ... يديه كلَّ ذي كرمٍ ضنينا
تخال الغيث منهمراً شمالاً ... له والبحر منسكباً يمينا
قتولاً عند سطوته سفوكاً ... حليماً عند قدرته رصينا
رؤوفاً بالعباد لهم رحيماً ... حفيظاً في رعايتهم أمينا
سميعاً حين ندعوه مجيباً .. مثيباً حين نسأله معينا
يرى ظلم اللُّهى بالجود عدلاً ... وقتل الفقر بالنَّعماء دينا
يجود على العفاة بلا سؤالٍ ... صيانة أوجهٍ للسائلينا
ويعصم من خطوب الدَّهر جاراً ... ويرغم فيه أنف الحاسدينا
يطير إلى المريخ بغير درع ... وأسد الغاب تدَّرع العرينا
ونطرد باسمه الشَّيطان عنَّا ... غداة به نروح مسبِّحينا
وأقسم لو درى إبليس من في ... تراب آدمٍ منه دفينا
/٤٦ ب/ أطاع الله فيه وكان يوماً ... إمام السَّاجدين الرَّاكعينا
ولم يقل اللَّعين خلقت ناراً ... لآدم عزَّةً وخلقت طينا
به فخر الأئمَّة من قريشٍ ... إذا افتخرت رجال بالبنينا
أليس سليل من ملك البرايا ... وسادهم وأم المسلمينا
أبو العبَّاس مولى النَّاس طراً ... له رقُّ الخلائق أجمعينا
أتمَّ الله نعمته عليه ... وعاش معمراً في الخالدينا
стр. 1932
[٧٥٣]
محمَّد بن عثمان بن محمَّدٍ، أبو عبد الله النقجوانيُّ الملحن
نزيل الموصل.
حاذق في صنعة الغناء والألحان. كان متصلاً بخدمة بني أتابك أمراء الموصل منهم: عز الدين مسعود، ثم ولده نور الدين أرسلان شاه، ثم ولد الملك الظاهر عز الدين مسعود، ثم انقطع إلى حضرة المولى المالك الملك الرحيم بدر الدين أبي الفضائل – أعزّ الله أنصاره- وتقدّم لديه وقرّبه، وأنعم عليه إنعاماً وافراً، يعلِّم جواريه المجتمعة بمجلسه.
سألت أبا عبد الله عن ولادته، فقال: ولدت /٤٧ أ/ خامس عشري المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وله نظم غثّ، مضطرب الوزن.
أنشدني لنفسه، يمدح أتابك نور الدين أرسلاه شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي –﵁: [من الرمل]
يا مليكاً قد علا سلطانه ... شاع في كلِّ الورى إحسانه
مالك الشَّرق وسلطان الورى ... قد تعالى كلَّ يومٍ شانه
نور دين الله شمساً للعلا ... ما ونى في خلقه ديَّانه
محكمٌ في رأيه ذو حجَّةٍ ... متقنٌ قد زاده إتقانه
قد دعا الخلق إلى دين الهدى ... دعوةً طرَّزها إيمانه
نور دعواه بيانٌ واضحٌ ... مستنيرٌ ظاهرٌ برهانه
وهو في إيمانه مستيقنٌ ... زاد في إيمانه إيقانه
أصبح الإيمان عرياناً فمذ ... إتَّقى الله اكتسى عريانه
نيله في الدَّهر رايات العلا ... ممكنٌ وافقه إمكانه
فهو طودٌ شامخٌ في ملكه ... وهو دوحٌ قد علت أغصانه
مذ تولَّى الملك في إقليمه ... لم تزل معمورةً بلدانه
стр. 1933
[٧٥٤]
محمَّد بن جعفر بن محمَّد بن محمود /٤٧ ب/ بن هبه الله
أبو عبد الله بن القاضي أبي محمَّدٍ الكفر عزي الإربليّ
وقد تقدم شعر والده في مكانه.
أخبرني أنه ولد بإربل في شوال سنة أربع وثمانين وخمسمائة. تولّى كتابة الإنشاء في دولة الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁ في شهر رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه: [من البسيط]
يا من إذا جاد أغنى الخلق قاطبةً ... ومن إذا رام حفظ المال لم يطق
أمطر عليَّ سحاباً من نداك وجد ... إنَّني أخشى من الغرق
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من الطويل]
فهل أحدٌ في الخلق غيرك يرتجى ... وهل أحدٌ إلاَّك في النَّاس يقصد
فإن كان فارشدنا إليه فلم نجد ... سواك أمراً يثنى عليه ويحمد
وأنشدني قوله: [من الوافر]
له رأيٌ يفلُّ شبا الأعادي ... وعزمٌ مثل ما انتضى الحسام
له قلمٌ بأرزاق البرايا ... كفيلٌ واثقون به الأنام
وأنشدني أيضاً في الملك العزيز: يعقوب بن الملك العادل، /٤٨ أ/ وكان مختصاً بخدمته، وقد آب من سفر: [من الطويل]
أضاءت بك الأيَّام بعد ظليلها ... وعاد سرور الخلق بعد ذهابه
فأنت هلال الأرض يا خير مالكٍ ... وبحر ندى طامٍ بفيض عبابه
أجرني مجير الدِّين من حبِّ شادنٍ ... رماني بهجران وعظم مصابه
وكم لوعةٍ جرِّعتها بصدوده ... وجرَّعني مرَّ الجفاء وصابه
أيا عاذلي لا تعذل الصَّبَّ في الهوى ... كفاه مصاباً في الهوى بعض ما به
стр. 1934
فلا دافعٌ عنِّي جفاه وجوره ... سوى ملك مردي العدا باعتصابه
مليكٍ إذا رام الملوك تعزُّزاً ... تقبَّل ذلاً نعله بثوابه
ومازلت أرخي ناقتي وأحثُّها ... وأجهدها حتَّى وقفت ببابه
فبلَّغني كلَّ الأماني وزادني ... اقتراباً وإنِّي راغبٌ في اقترابه
فقد قال في شعرٍ أبو الطَّيِّب الَّذي ... يفوق بنظمٍ في الورى وانتسابه
يسير إلى إقطاعه بحسامه ... على طرفه من داره في ثيابه
فلازال في عزٍّ ونصرٍ ورفعةٍ ... وجدٍّ وتأييد ومجدٍ سما به
وأيَّده للنطق في كلِّ حالةٍ ... وبلَّغه ما يرتجي في شهابه
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الملك الأشرف: [من الطويل]
/٤٨ ب/ أيا عاذلي إنَّ الملامة تعرف ... وإنَّ استماع العذل في الحبِّ متلف
ويا سائراً إن كنت طالب حاجةٍ ... أنخها إلى كم ذا تسير وتعزف؟
فقال: إلى ملك الأنام وموئل ... العفاة هداك الله إن كنت تعرف
ألا فاستمع يا أيُّها الملك قصَّتي ... ففي شرحها السَّمع الشَّريف يشنَّف
فقال: إلى الضِّرغام في حومة الوغي ... أبو الفتح موسى مالك الخلق الأشرف
وبي من هوى ظبي لواعج لوعةٍ ... به الجسم يبلى والمدامع تذرف
فوالله ما أدري أأكشفه له ... فيسخط أم أخفيه عنه فأتلف
ولكنني أخفيه عنه فإننَّي ... وإن تلفت روحي من السُّخط أخوف
بخصر حكى جسمي نحولاً ودقَّةً ... وقدَّ كغصن البان بل هو أهيف
ومن وجهه شمس النَّهار مضيئةٌ ... ومن ريقه المعسول صهباء قرقف
فواحزني لو جاد يوماً بقبلةٍ ... ووأسفي لو كان يغني التأسُّف
فقلبي لذكر البين يخفق دائماً ... وقد طالما يدنو الوصال فيرجف
أقضِّي نهاري مع لياليَّ بالمنى ... لعلِّي يرى ذلِّي يجود ويسعف
وكم يعتدي ظلماً بقتلي تعمداً ... ومالي من يرثي لحالي وينصف
سوى ملك من آل أيوب صيغمٍ ... يجود ويحنو ثمَّ يسطو ويعطف
[إليك مليك الخلق أجهدت ناقتي ... ....... الموالي والنَّدى والتلطُّف
وجئتك أشكو جور دهري الَّذي اعتدى ... عليَّ وأنَّ الدَّهر بالحرِّ يجحف
стр. 1935
فإنَّك أوفى الخلق خلقاً وخلقةً ... وأنت أنوشروان بالعدل تخلف
وفي الحرب ضرغامٌ وفي الجود حاتمٌ ... وفي الفضل سحبانٌ وفي الحلم أحنف
وفي الملك سلمانٌ وفي العلم مالكٌ ... وفي الرَّأي هارونٌ وفي الحسن يوسف]
/٤٩ أ/ وأنشدني أيضاً لنفسه بحلب، يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من جمادى الأولى، سنة خمس وثلاثين وستمائة، يهنئ بخلعة: [من الخفيف]
هذه خلعة الرِّضا والقبول ... وهي عنوان قصدنا المأمول
منذ جاءتك دل حظُّك بالإقـ ... ـبال يا غاية المنى والسُّول
فتمتَّع بها هنيًا مليًّا ... ما تعاطى النُّدمان شرب الشَّمول
وأنشدني لنفسه في المعنى: [من مجزوء الكامل]
يا خلعةً إذ أرسلت ... شرفت على إرسالها
مذ أقبلت ولبستها ... دلَّت على إقبالها
وأنشدني لنفسه في صاحب له قد مرض، ثم أبّل من مرضه، وضمنها أبيات المتنبي: [من البسيط]
الجود عوفي لمَّا أن شفيت من الآ ... لام والمجد والعلياء والكرم
وعمَّ منك جميع الأولياء فدى ... والفضل والحلم والإحسان والنِّعم
فلا مرضت ولا زارتك حادثةٌ ... (وزال عنك إلى أعدائك الألم)
/٤٩ ب/ ما دمت في صحَّةٍ فالخلق في دعةٍ ... إذا سلمت فكلَّ النَّاس قد سلموا
وأنشدني لنفسه في صاحب له، وقد تأملت رجله: [من المنسرح]
قالوا اشتكت رجله فقلت لهم ... حاشاه أن تشتكي له رجل
لأنَّها لم تزل لمكرمةٍ ... تسعى رهام العلا لها نعل
стр. 1936
[٧٥٥]
محمَّد بن أحمد بن سعيد بن المبارك بن ثابت بن عليٍّ الأزريُّ،
أبو عبد الله بن أبي العباس.
تقدم شعر والده المعروف بابن الدنيّة.
وهو من قرية تدعى أزر من قرى قوسان الأعلى من الأعمال العراقية، ويعرف بالموصلي بالباعشيقي؛ لأنه أقام بقرية من قرايا الموصل تسمى باعشيقا، برهة من الزمان فنسب إليها.
وهو شيخ مربوع مائل إلى السمرة، قدم الموصل، ولازم الإمام النقيب كمال الدين أبا الفتوح حيدر بن محمد بن زيد بن عبد الله الحسيني الموصلي –﵀ وصار من أخصّ تلاميذه عنده ونفاه الملك الرحيم بدر الدين –صاحب الموصل- حين بلغه أنه يعمل الكيمياء، /٥٠ أ/ فخرج إلى إربل، ونزل بدار حديثها، وتردد إلى جماعة من أكابرها العراقيين، فنفقت سوقه. وهو شاعر عارف متشيّع حافظ للقرآن العزيز، وقد طالع أخبار الناس وأيامهم، ومن أهل المعرفة والأدب.
أنشدني لنفسه، في شهر جمادى الأولى، بمدينة إربل سنة ثماني وعشرين وستمائة، يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المبارك بن أحمد المستوفي –﵀: [من المنسرح]
أما الأسى اليوم فهو لي داب ... إستحسن العاذلون أم عابوا
فلا تقولوا سلا فمثلي لا ... يسلو ولافي هواه يرتاب
ولا تظنُّوا فارقتكم مللاً ... كلُّ ملولٍ في الحبِّ كذّاب
تشهد لي عندكم ضمائركم ... بأنكم للفؤاد أحباب
وأنَّنا حضر الجواهر والأعـ .... ـراض منَّا لا شكَّ غيَّاب
يا جيرتي حيث لا جوار وأصـ .... ـحابي وأنَّا للصبِّ أصحاب
رحلت عن ربعكم وللدمع في الـ .... خدِّ نزولٌ بادٍ وتسكاب
стр. 1937
حتَّى لقد خلت أنَّ آذار أعداني وإن كان في .... آب
وذاك من بعد ما فرت ..... ... أظافرٌ عندكم وأنياب
/٥٠ ب/ وكنت أرجو إصلاح حالي إلى ... أن حال بالبعد ما بيننا الزَّاب
فرائق الماء في فمي كدرٌ ... مرٌّ وحلو عيشتي صاب
لو لم ينهنه عنِّي الأسى شرف الـ ... دِّين لكانت أحشاي تنجاب
هو الخصمُّ الَّذي عجائبه ... لكلِّ عجب منهنَّ إعجاب
تنوَّعت للورى مكارمه ... تنوُّعاً لا يناله عاب
لقاصديه منه سدىً وندىً ... جمٌ وجاهٌ ضافٍ وآداب
ما أسبلت دونهم له حجبٌ ... ولا ازدراهم لديه حجَّاب
كلُّ ثناءٍ على سواه يرى ... نفياً ولكن عليه إيجاب
تأتيه من كلِّ وجهه مدحٌ ... كأنَّه للمدح محراب
مباركٌ كاسمه مباركةٌ ... أفعاله والأفعال أنساب
تزداد منه ألقابه شرفاً ... إن شرَّف العالمين ألقاب
له يراعٌ يروع شانئه ... مظفَّرٌ للعداة غلاب
إذا جرى فالأرزاق جاريةٌ ... تستنُّ من خلفه وتنساب
وإن احسَّت وقوفه وقفت ... كأنَّما في الطَّريق اعتاب
من معشرٍ إن دجا الزَّمن أضاء ... ت منهم أوجهٌ واحساب
/٥١ أ/ علقت منهم بذيل ذي كرمٍ ... له المعالي والمجد أتراب
يستصغر النَّائل الجزيل لمن ... يغشاه فالذَّود عنده ناب
قد فرَّقت ماله مواهبه ... إنَّ ابن موهوبنا لوهَّاب
مولاي عطفاً بالجاه منك على ... من ماله غير بابكم باب
قد كان ألغى نظم القريض لأسـ .... ـباب أتت بعدهن أسباب
فإن وجدتم لحناً لديه ففي ... سماعكم للملحون إعراب
والعجز بالاختصار ألزمه ... لديكم والتطويل إسهاب
стр. 1938
وأنشدني أيضاً لنفسه في إنسان، اسمه يوسف يُعرّض له بطلب ثوب: [من الطويل]
يقول لي الحسَّاد من حسد بهم ... وأكبادهم غيظاً عليَّ تفور
وصلت إلى المولى الأمير بمدحةٍ ... من الشِّعر حقًا أم كلامك زور
فأين أمارات الوصول وجوده ... على كلِّ عافٍ في البلاد غزير
فقلت لهم: تالله ما أنا آسياً ... وإنِّي على ما تلفظون صبور
عسى يوسفٌ يلقى إليَّ قميصه ... فيرتدَّ أعمى الحظِّ وهو حسير
وأنشدني لنفسه في صديق، /٥١ ب/ وقد بلغه أنَّه مريض: [من البسيط]
قالوا: تمرَّض من تهوى فقلت لهم: ... أنا المريض وأمَّا ذاك حاشاه!
لو أمكنتني الليالي من عيادته ... وكيف أطمع فيما الدَّهر يأباه
خلعت منِّي على عطفيه عافيتي ... حباً وألبست جسمي ثوب شكواه
وأنشدني لنفسه، يرثي الشيخ الإمام أبا حفص عمر بن أحمد النحوي –﵁: [من الطويل]
ألا ما لنادي الفضل أصبح باكياً ... وروض النُّهى في أرضه آض ذاويا
وعهدي به من قبل يبسم نيِّراً ... فأوشك ما أمسى يعبِّس داجيا
وما ذاك إلاَّ أنَّ بدر سمائه ... عراه خسوفٌ لن يرى بعد باديا
أمن بعد مجد الدِّين تحمد لامرئٍ ... مساعٍ وإن أضحى إلى المجد ساعيا
مبيِّن أعلام العلومٍ ومظهرٍ ... دقائق سبلٍ كنَّ قبل خوافيا
ألا قاتل الله الخطوب بفعلها ... لقد هذبت طوداً من المجد عالياً
وبحر علومٍ غيضته وطالما ... رأينا به ذكر البلاغة طافيا
حسبنا الرَّدى لم يق كأس مصابه ... سوانا وما ذقنا أذاق المعاليا
/٥٢ أ/ عقرنا عليه كلَّ لبٍّ وخاطرٍ ... إذا نحن لم نعقر عليه النَّواجيا
وأبنا بحزِّ الشَّعر لا الشِّعر والحجى ... عليه وحذَّقنا الذكا لا المذاكيا
وقائلةٍ ما بال دمعك جامداً ... وكان لك الخلَّ الصَّدوق المصافيا
فقلت لها نار التَّلهُّف نشَّفت ... بإيقادها منِّي الدُّموع الجواريا
стр. 1939
كذلك شمس الإفك عند غروبها ... يرى كلُّ نجمٍ في السَّماوات هاويا
أرى معشراً من بعد موتك جادلوا ... ليرقوا من العلياء ما كنت راقيا
لعلمهم أن قد نأيت مفارقاً ... ولو كنت فيهم ما رأيت مباريا
لئن نال أهل النَّقص منصبك الَّذي ... غدا اليوم قفراً من جمالك خاليا
فغير عجيبٍ للثعالب وطؤها ... حمى أسد حاميه أصبح نائيا
وأن تسكن البوم القصور مشيدةً ... إذا لم تجد في ذروة الفخر بازيا
[٧٥٦]
محمَّد بن حيدر بن مسعود بن دلف بن عليِّ بن أبي الحسن بن
أبي البقاء بن الدُّنبدار، أبو عبد الله الواسطيُّ.
أخبرني أنه ولد سنة خمسٍ وتسعين وخمسمائة، بالمضمار، وهي محلة بواسط. وقل ما تخلو له قصيدة /٥٢ ب/ من ذكرها، ويصغرها للتحبيب.
وزعم أنَّ له نسباً متصلاً إلى ميثم التمار، غلام علي بن أبي طالب –صلوات الله عليه وسلامه-.
شاب أسمر، خفيف العارضين، قضيف البدن.
وهو شاعر مكثر مجيد مقتدر، متفنن في أقواله، لم أر أحداً من الذين ينتمون إلى هذه الصناعة، ويعزون إلى هذا الشأن؛ أقدر منه على إنشاء القوافي، وارتجال الأشعار.
وآخر عهدي به، بمحروسة إربل في رمضان سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. وأفاها مادحاً أميرها، والمستولي عليها يومئذ أبا الفضائل باتكين المستنصري، فألزم نفسه، في كل يوم إنشاء قصيدة على نظام حروف الهجاء، ما بين الخمسين والثلاثين، يمدح المستنصر بالله أبا جعفر –خلد الله دولته- إلاَّ أن شعره؛ ظاهر الكثافة، عارٍ من السهولة واللطافة، ذو قدرة على نحت القريض وارتجاله، مع معرفته بضروب آلاته، بالغ في
стр. 1940
ذلك أقصى غاياته، طوّف قطعة من بلاد العجم، وحظي بقوله من ملوكها بأوفر القسم.
ثم هاجر إلى البلاد الشامية، ومنها إلى الديار المصرية، مستمطراً سحاب جود ملوكها وأمرائها، ومنتجعاً /٥٣ أ/ بقوله ندى صدورها.
لقيته في شوال سنة خمس وعشرين وستمائة، بمحروسة إربل. وافاها صحبة فلك الدين بن المسيري، وهو متوجه معه نحو مدينة السلام، ثم لقيته مرة أخرى بإربل سنة ثلاث وثلاثين؛ فأنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي –﵀: [من الكامل]
لا ترجني للَّهو واللَّذَّات ... واستبقني وقفاً على الحسرات
الحبُّ أحكم في قلوب بني الهوى ... بتقلُّب الحركات والسَّكنات
حكم التَّفرُّق أن أبيت مسهَّدًا ... قرح الجفون مرقرق العبرات
يا شيم برق الشَّرق هجت لمهجتي ... أسفاً ورعت جموعنا بشتات
أحدثت لي ظمأ الفؤاد وريًّه ... من ماء دجلة أو من الدَّرجات
زدني بومضك جنَّةً أدنى بها ... أمد الدُّمى وزيارة الدَّمنات
فلكم لنا في واسطٍ من مألفٍ ... أمست معارف آيه نكرات
يا مجمع اللَّذَّات هل لزماننا ... من رجعة يا مجمع اللَّذَّات
أيَّام يدعوني الهوى فيقودني ... طوعاً إليه تعرُّض الظَّبيات
من كلِّ من لعب الصِّبا بقوامها ... لعب الصَّبا بمهفهف البانات
/٥٣ ب/ لولا مواثقها الَّتي أوثقتني ... لم اغترب متقسِّم العزمات
ولما رأيت الفوز قطع مفاوزٍ ... وارتحت بالرَّوحات والغداوات
إنَّ الَّتي نظرت إليك أظنُّها ... رمت الفؤاد بأسهم النظرات
كحلت جفونك بالسُّهاد مراض أجـ ... ـفان لها بالسِّحر مكتحلات
ريميَّة اللَّفتات في تركيَّة اللَّـ ... ـحظات من عربيَّة النُّطقات
حجبت حواجبها كراك فنقَّطت ... عيناك ما عرَّقن من نوبات
لم أنس يوم وداعها وتأمُّلي ... مقلاً بماء جفونها شرقات
والبين يظهر ما تجنُّ صدورنا ... من فيض أنفسنا على الوجنات
لا تنكروا تصفير لونٍ مقطِّرٍ ... عبراته بتصعُّد الزَّفرات
стр. 1941
إنَّ الهوى يقضي الهوان لأهله ... وتغيُّر الألوان والحالات
يا دهركم من غصَّة جرَّعتني ... بفتى جزعت لبينه وفتاة
أوهت سطاك تجلُّدي وفللن غر ... ب مهنَّدي وحنت قويم قناتي
وتركنني رهن الصُّروف تنوشني ... أحداثها لولا أبو البركات
الكافل الكافي بصيِّب راحة ... مخلوقة للبرِّ والصَّدقات
كادت أنامله وقد جادت على الأ ... حياء تحيي غابر الأموات
/٥٤ أ/ وصلت صلات يمينه وأتى بها ... موصولةٌ بالصَّوم والصَّلوات
وقفت قوافينا مناقبه وقد ... وقف الثَّراء على ذوي الفاقات
لم تخب نار قرى تشبُّ ولا لها ... قلبٌ له يومٌ عن الإحنات
من ناطقين عن العلاء بسرِّه ... فمصدَّرٌ ماضٍ وآخرات
قومٌ إذا مطرت سحاب أكفِّهم ... رفَّت من الآمال كلُّ رفات
يتسابقون إلى النَّدى فنديُّهم ... أبداً يحجُّ إليه ذو الحاجات
إن انكروا فعلى العداة وإنَّهم ... لا يعرفون المطل يوم عدات
وإذا الزَّمان ترادفت أزمانه ... كفَّت أكفُّهم أذى الأزمات
حمدوا مساعي للمبارك لم تزل ... محمودةً مرفوعة الدَّرجات
وهب ابن موهبٍ لنا من حلمه ... ستراً لما يبدو من العوردات
إنَّ الكلام وإن أصاب مواقعاً ... من سامعيه لمشبه العثرات
وإذا أتيت به المبارك فاستعن ... بالصفح واجمع ما تشاء وهات
يا من كسى دست الوزارة رونقاً ... غربت به الدُّنيا من التَّبعات
كنت المليَّ بحقِّها فوليتها ... وبلغت منها غاية الغايات
ما هبت أمراً هيب يوم حكومةٍ ... كلاَّ ولا هبناك يوم هبات
/٥٤ ب/ ولقد عنيت بها وغيرك ما اعتنى ... بسوى الكؤوس ورنَّة القينات
إن صغت تبر المدح فيك فإنَّني ... رصَّعته بالدُّرِّ من لفظاتي
حكمٌ حكمن على القلوب ولم يمن ... في نظمهنَّ مصدِّق اللَّهجات
ستر البديع عن الجهول جمالها ... ستر البراقع أوجه الفتيات
جاءتك سوداء السُّطور وإنَّها ... بيضاء مثل الدُّرِّ في الظُّلمات
стр. 1942
نشرت صحائفها ففاح بذكركم ... عرفٌ لها متأرِّج النَّفحات
أنهضتني لمَّا قعدت وطالما ... انطقتني بالحمد بعد صمات
وفتحت باباً ما تبوأها أمرؤٌ ... إلاَّ رآها معدن الخيرات
يأوي إليها السَّاغبون فتنثني ... محفوفةً بأطايب الشَّهوات
فرَّقت فيها ما تجمَّع من لهى ... وجمعت شمل المجد بعد شتات
فاليوم أغفر سيِّئات زماننا ... وأعدُّ مدح علاك من حسناتي
وأنشدني لنفسه، يمدح فلك الدين المسيري: [من البسيط]
على ملاعب ألاَّ في وخلاَّني ... تحيَّةٌ من فؤاد المدنف العاني
أرضاً با رضت قلباً لست أملكه ... جهدي وحيَّيت من بالوصل أحياني
/٥٥ أ/ أبيت فيها بلا واشٍ أحاذره ... أجرُّ في اللُّهو أذيالي وأرداني
طوراً إلى فتيات الخدر ملتفتي ... وتارةً حفظ ندماني بإدماني
تجلو عليَّ كؤوس الرَّح آنسةٌ ... هيفاء لم تهف من قلبي بإنسان
الشَّمس من وجهها تبدو ومن يدها ... تهدى إلى غير .... ولا واني
أمسى بسنجار أحبابي ولي وطنٌ ... بواسطٍ ولباناتٌ بحرَّان
يا قصر حيَّاك من دمعي أوائله ... فإنَّ آخر دمعي أحمرٌ قاني
ولا دنت منك أنفاسي فإنَّ بها ... من السَّموم أماراتٌ لنيران
أأستلذُّ حياةً بعدما عدمت ... عيناي منك دمى أدمين أجفاني
ويا فتاة ... أسترجعي زمناً ... ولَّى بميَّالة العطفين مذعان
بيضاء في اللَّيلة الظَّلماء تحسبها ... بدر التَّمام على غصن من البان
تخال جامد درٍّ من مقبَّلها ... يذوب في عسلٍ لم يجنه جاني
دعوتها فأجابتني بتلبيةٍ ... جواب وافٍ بعهدي غير خوَّان
ولي رسولٌ إليها غير متَّهمٍ ... يتلو عليها صباباتي وأشجاني
فأقبلت ينثني خمر الشباب بها ... فاعجب لصاحبه في زيِّ سكرانٍ
أقول للَّيل لو يصغي إلىَّ وقد ... زارت وكلُّ رقيبٍ نحونا راني
стр. 1943
/٥٥ ب/ يا أيُّها الليل طل إن رمت عازمةً ... وأحسن لما يلتقي الحسنى بإحسان
إنَّ الَّتي صرمت حبلي وأحسبها ... تخشى العدا واصلتني بعد هجران
الحزن والحسن مقسومان لي ولها ... رزقاً ولابن المسيري رفعة الشَّان
الواهب المال يبتاع الثَّناء به ... وصاحب المنهل الطَّامي لظمان
ومن بجمِّ أياديه وأنعمه ... آنست مجمع أوطاري وأوطاني
بنى له رتبةً في المجد شاهقةً ... شمَّاء لم يلفها من قبله باني
ما قطَّ قطُّ يراعاً ثمَّ خطَّ به ... إلاَّ جرت منه للإحسان عينان
ولا امتطى واحدا ً يوماً ثلاثته ... إلاَّ وأسقت له ... وأسقاني
حبرٌ أحبِّر فيه كلَّ قافيةٍ ... في راحتيه لمن يرجوه بحران
إذا نظرت إليه يوم نائلةٍ ... رأيت مناخ برٍّ غير منَّان
يعطي ويعلم أنَّ الحمد مكتسبٌ ... باقٍ وأنَّ هواه متجرٌ فاني
يجزي على الخير خيراً وهو معترفٌ ... به ويغفر جرم المذنب الجاني
يا من أياديه عندي غير واحدةٍ ... ومن أناديه في سرِّي وإعلاني
ومن إذا راعني دهري لحادثةٍ ... أحدثت من برِّه لي خير أعوان
/٥٦ أ/ إن تنأ دارك عن داري فإنَّ لناً ... قلبين عند مزار عندها داني
ولو تمكَّنت من شوقٍ يؤرِّقني ... إليك أودعت طيَّ الطِّرس جثماني
مالي أبيت من الآمال في شغلٍ ... عنها وقرب مكاني منك إمكاني
ولي قصائد لو ألقى النَّبيَّ بها ... لكنت أجدر أن أدعى بحسَّان
وعدتني منك مركوباً وإنَّ لنا ... يوم الرَّحيل لتوديعاً بإرنان
فامنن بأدهم مثل اللَّيل ينظرني ... في سرجه زمني في عين خزيان
أو أشهبٍ في ظلام النَّقع تحسبه ... صبحاً يفرِّقه من خيل خاقان
أو أشقر من دم الأعداء صبغته ... يدافع الخطب عنِّي منه ركنان
بغدان حنَّت إلى لقياك ثانيةً ... فسر وصل بعد صرمٍ حبل بغدان
إبسط بها يد منٍّ منك قابضةً ... ثناء من ماله في فنِّه ثاني
стр. 1944
وألق الخليفة طلق الوجه مبتسماً ... حتَّى يضيق بأفق الشَّرق بدران
واسدد برأيك أمراً لا سداد له ... وافتح بنطقك فيه باب برهان
سيرفع الوزر عن بغداد مقدمنا ... إذا استقلَّ على دستٍ وزيران
وأنشدني أيضاً فيه يمدحه: [من الطويل]
أتعلم ذات الخدر أيُّ مودع ... أشارت إليه بالبنان المقمَّع
/٥٦ ب/ وفيٌّ وكلٌّ بالمواثيق غادرٌ ... وحافظ أسرار الحبيب المضيِّع
وهل أنكرت أنِّي على بعد دارها ... أخو كبد حرَّى وقلبٍ موزع
بسنجار أحبابٌ له وبواسطٍ ... صبابته لا بالعذيب ولعلع
يهيج له تذكار هاتين جنَّةً ... ويطر به سجع الحمام المرجَّع
أبيت اجتناب العذل إن بتُّ ليلةً ... ولم يمل من تذكار نطقك مسمعي
ولا مسَّ عيني نومها إن تمتَّعت ... بغيرك يا ذات الحجاب الممنَّع
حننت إلى قصر الفتاة ودونه ... مفاوز قفر موحش دون بقلع
إذا ظمئ الرُّواد فيها تعلَّلو ... بها من تعالي آلهاً المترفِّع
أحبُّ بها طلق الأسرَّة إن أقل ... يجبني وإن أشك الهوى يتوجَّع
وأين الَّذي إن قلت قال وإن أرع ... يروَّع وإن ابثتته مؤلماً يعي
غدا نفسي تلك الرسوم فإنَّه ... سمومٌ وسقتها سحائب ادمعي
منازل لا أمسي بعيش مكدَّر ... مهينٍ ولا أضحي بسربٍ مروَّع
تغازلني الغزلان فيها وإنَّها ... لخير ظباءٍ ظلن في خير مرتع
ولمَّا براني جورٌ كلِّ مقنَّعٍ ... تقنَّعت عن كلٍّ بدر مقنَّع
تلفَّتُّ للتوديع خوف وشاتناً ... تلفُّتها نحوي بقلبٍ مصدَّع
/٥٧ أ/ فلم أر إلاَّ أدمعاً مثل أدمعي ... وقلباً لقلبي من أسى وتفجُّع
يشيِّعني منها بنانٌ مخصَّبٌ ... فقل في قتيل من ... المشيِّع
تناسيت أهلي إن تناسيت ليلةً ... رأيت بها شمس الضُّحى ملء مضجعي
ومنها:
стр. 1945
سأركب ظهر الهول في متنٍ صافنٍ ... من الخيل سبّاقٍ إلى القصد مسرع
أخوض به طوراً فجاجاً وتارةً ... أسير به في واضح النَّهج مهيع
وانصب نفسي للهجير ولا أرى ... ...... لقومي ومربع
عسى كامنٌ كابن المسيريِّ يجتني ... ثناي ويدني من أحبَّاي مرجعي
ومنها:
وليلٍ قطعنا فيه كلَّ تتوفةٍ ... بكلِّ طويل الباع أشوس أروع
رأينا النُّجوم الزُّهر فيه كأنها ... حبابٌ على كأس المدام المدعدع
أديرت عليه فيه من سأم السُّرى ... كؤوساً حسوناها بإرخاء انسع
فلو كنت فينا خلت أنَّ رحالنا ... محاريب قومٍ ساجدين وركع
سئمنا به التَّعريس حتَّى انجلى لنا ... سنى صبحه من وجهك المتشعشع
وأنشدني لنفسه، وقد استدعاه /٥٧ ب/ صديق له، إلى مجلس شراب ولم يمكنه الحضور فيه: [من البسيط]
إن قصَّرت قدمي والقلب في شغل ... عنكم فلا حملت من فوقها قدمي
وإن جرى قلمي والقلب في شغلٍ ... عنكم فلا قبضت كفِّي على قلمي
تصدُّني عنك أحوال لهيبتها ... قلبي لها أذنٌ إن حدَّثت بفمي
فدونكم والحميَّا إنَّها مزجت ... ولست حاضرها من حبِّكم بدمي
ما قصَّر الكأس عنِّي دونكم كسلٌ ... إلاَّ وطال على ندمانكم ندمي
وأنشدني لنفسه في صديق مرض ولم يتمكن من عيادته لسبب ما: [من الوافر]
سمعت بأنَّ عبد الله يشكو ... فضقت وقد سمعت بذاك ذرعا
وبتُّ وقد منعت سواك منِّي ... لما خبِّرته بصراً وسمعا
وعزَّ عليَّ عزَّ الدِّين ألاَّ ... أطيق أردُّ عنك الضُّر نفعا
ألست أخا اليد البيضاء عندي ... أقرُّ بها ولا اسطيع دفعا
ومن عمَّت شمائله وطابت ... لنا فزكا بها أصلاً وفرعا
وأقسم بالكؤوس مدعدعاتٍ ... يحسِّيني بها وتراً وشفعا
/٥٨ أ/ وبالنِّعم الَّتي قلَّدتنيها ... ولست أرى لها ما عشت منعا
стр. 1946
لقد صدع المخبِّر لي فؤاداً ... جعلتك خير ثاو فيه صدعا
ولو مكِّنت من قلقٍ عراني ... على رأسي لكنت إليك أسعى
وأنشدني قوله في صديق له، اسمه أبو بكر، كان كثير المكاتبة إليه ثم قطعها عنه: [من الطويل]
منحت أبا بكرٍ إخائي ومدحةً ... لأوصافها مثل الجمان المبدَّد
وقد .... أبناء الزَّمان مودَّتي ... وقلت لآمالي على مثله اعقدي
فمن سنَّ قطع الكتب بيني وبينه ... أخان أبو بكر عهود محمَّد
وأنشدني لنفسه في فلك الدين بن المسيري، وقد نقم على أستاذ دارٍ له رباه صغيراً، فكان تركيًا اسمه "أقش": [من الكامل]
يا أيُّها الفلك المدِّبر ملـ .... ـك الشَّام وهو لدسته صدر
غلمانك التُّرك النُّجوم إذا ... حضروا واقشٌ بينهم بدر
/٥٨ ب/ ولقد مضى ليل السِّرار وما ... للبدر بعد سراره ستر
أعززت جانيه وليس له ... نابٌ به يفري ولا ظفر
وكفلته طفلاً فشبَّ كما ... تهوى إليه النَّهيُّ والأمر
كذب الوشاة به وما كذبوا ... إلاَّ ليصدق عندك الهجر
حاشاك لا تحنوا وقد ... موَّلته وبنانه صفر
وأنشدني لنفسه، وقد عمل لفلك الدين بن المسيري، سماع بدمشق في دار حسنة البناء، وحضر جماعة من الشعراء، فامتدحوه ووصفوا الدار بحسن بنائها:
[من المنسرح]
لله يا دار من بناك فقد ... سلكت نهجاً من قبل ما سلكا
أما كفاك الذي منحت به ... حتى أطلت سقوفك الفلكا
وأنشدني لنفسه، وقد نادم في بستان جماعة، منهم رجل يلقب العفيف، وقد استحضر قينة يقال لها كوكب: [من السريع]
стр. 1947
وجنَّة بتُّ بها اجتني ... لذاذة المأكل والمشرب
/٥٩ أ/ عاف عفيف الدين فيها التُّقى ... بكوكبٍ واغترَّ بالملعب
فقلت في اللَّيلة يا قومنا ... قد رجم الشَّيطان بالكوكب
قال: فقيل لي: أطلت الفكرة في المعنى، حتى أجدته. فارتجلت:
قالوا: عفيفٌ، فقلنا: ... من التُّقى والأمانة
دانت لديه المخازي ... لمَّا ابته الدِّيانه
مذبات فينا رجمنا ... بكوكبٍ شيطانه
وأنشدني أيضاً لنفسه في العفيف، وقد سأل غلاماً اسمه أبو بكر، يريد به الفاحشة: [من الطويل]
سمعت لأهل السُّنَّة اليوم مأتماً ... وخطباً جليلاً حاق بالعبد والحرِّ
يقولون: ما ارتدَّ العفيف وبدِّلت ... عقيدته إلا بنسك أبي بكر
وأنشدني لنفسه في ابن دنينير الشاعر، وكان كثير الأذية للناس: [من السريع]
يا قوم ما لابن دنينير قد ... شنَّ عليكم غارة الفتك
أتى مكانٌ لامرئٍ لم يزل ... أبوه بين الصَّرف والصَّكِّ
/٥٩ ب/ وأنشدني لنفسه فيه أيضاً: [من السريع]
يا ابن دنينيرٍ اطلت الأذى ... للنَّاس في سرٍّ وإجهار
واسم أبيك الشَّيخ مستحقرٌ ... فكيف لو كنت ابن دينار
وأنشدني قوله في مغنية اسمها قمر: [من الكامل]
لله ليلتنا وقد كسفت ... قمر السَّماء بوجهها قمر
стр. 1948
وترنَّمت فينا فمن طرب ... كادت نجوم الأفق تنتشر
في فتية مثل الكواكب إن ... جادوا فجود أكفِّهم بدر
فيهم لنور الدِّين مرتبةٌ ... تنحطُّ منها الأنجم الزُّهر
ذاك الأمير ابن الأمير ومن ... ببقائه الأيَّام تفتخر
وأنشدني لنفسه في غلام مشبب جميل الصورة: [من البسيط]
واسمر تخجل السَّمراء قامته ... من طيب أنفاسه الأرواح تستلب
أمسى يشبِّب والشَّادي يرجِّع الـ ... ـحاناً فلم يك إلا زيره الطَّرب
لو انصفوه لصاغوا الزِّير من ذهبٍ ... وقد يقلُّ لهذا الأسمر الذَّهب
وأنشدني قوله في مغنٍ يعرف بشمس الدين بلبل: [من المتقارب]
/٦٠ أ/ أرى الشَّمس قد بزغت في الدُّجى ... تبيِّض من ليله الأليل
ولم أر شمساً لسمارها ... تحدِّث من نغم البلبل
وأشدني لنفسه في أخوين مطربين، يعرف أحدهما بالشمس، والآخر بالقمر بمجلس الملك الناصر- صاحب حماة- وقد سئل ذلك، فقال ارتجالاً: [من الكامل]
وعصابة مثل الكواكب قد ... جمعوا لدينا الشَّمس والقمرا
فترى القلوب لذا منازله ... ويروح هذا السَّمع والبصرا
وأنشدني لنفسه في غلام، خلع عليه الملك الناصر جبة حمراء، وكان يحبه: [من الكامل]
ومترَّك الألحاظ هزَّ قوامه ... تيه الصِّبا كالغصن هزَّته الصَّبا
عقر القلوب وقد تقمَّص أحمراً ... فحسبته بدمائهنَّ تجلببا
وأنشدني أيضاً لنفسه في مشبب يعرف بابن سلطان: [من السريع]
إنَّ ابن سلطان وأنفاسه ... يحيى بها من هو مقبور
/٦٠ ب/ كأنَّه والزِّير في كفِّه ... ينفخ إسرافيل والصُّور
وأنشدني أيضاً من شعره، في مطرب حسن الصوت والوجه: [من المنسرح]
يا مطرباً لحنه ونغمته ... تحلُّ عقد العقول والمهج
إيَّاك والفتك في القلوب فما ... أفتاك في سلبها بلا حرج.
стр. 1949
أمسيت فينا فناب وجهك في اللَّيل مناب الشُّموع والسُّرج
وأنشدني له فيه أيضاً: [من المتقارب]
لنا مطربٌ من سنى وجهه ... يبيَّض وجه الدُّجى المظلم
تكاد إذا ما شدا ترقص السَّـ .... ـماء وتنتثر الأنجم
يهيم الحليم بألحانه ... ويفهم من لم يكن يفهم
وأنشدني لنفسه فيه أيضاً: [من الكامل]
ومطرب عذبت لنا ألفاظه ... تهتزُّ من ألحانه الجدران
ودَّت عيون النَّاظرين جماله ... من نطقها لو أنَّها آذان
وأنشدني لنفسه، وقد حضر مجلساً في جوسق بدمشق /٦١ أ/ مع أميرين، يلقب أحدهما بدر الدين، والآخر بهاء الدين، وهنالك غلام حسن الصورة، يقال له: سعدون، فسأله الأمير: أن يشبّه محاسنه بشيء من أزهار الجوسق، فقال ارتجالاً:
[من السريع]
وجوسقٍ مرَّت لنا نزهةٌ ... فيه بأنواع الرَّياحين
لم أر شيئاً فيه إلاَّ وبي ... مثاله من وجه سعدون
من وجنةٍ كالورد محمرةٍ ... وحاجبٍ كالآس مقرون
وسايره الأميران المقدم ذكرهما في البستان حتى وقفوا على ماء يترقرق على الحصى، فقال بديهة: [من السريع]
وربَّ ماءٍ .... وهو من .... فوق الحصى مندفقٌ يجري
لو أنه مال لشبهته ... يد البها أو راحة البدر
وسأله راجح الحلي الشاعر: أشربت الخمر قبل اليوم؟ فأنكر، وأنشد بديهة:
[من البسيط]
/٦١ ب/ يا راجح القول في سرٍّ وفي علن ... وواحد النَّاس من أنثى ومن ذكر
هذي المدامة من أخلاقك اعتصرت ... حتَّى تصابي إليها أوقر البشر
وأنشدني لنفسه، وقد اجتاز برأسٍ عين سنة عشرين وستمائة، وجرى بينه وبين قاضيها كلام، ونهض من عنده مغضباً، فلقيه فيما بعد القاضي راكباً على بغلة،
стр. 1950
فاستوقفه، وأنشده ارتجالاً: [من البسيط]
عاتبت بغلة قاضينا وقلت لها ... إلى متى أنت من مولاك في دأب
قالت: فقد جاء في القرآن ملتزمٌ ... بالوالدين ومالي أن أعقَّ أبي
فشكاه القاضي، إلى شاعر هناك، يقال له برهان الدين عثمان بن عطية، فلما عتبه، أنشده ارتجالاً لنفسه: [من الطويل]
أعثمان إن كان القريض فضيلةً ... يقربها في كلِّ مجتمعٍ تروى
فممَّ بمرأى إدَّعيت اجتنابه ... ومالك فيه حجَّةٌ تثبت الدعوى
وإن كان نظم الشعر غير فضيلةٍ ... فإنِّي وإياك اتفقنا فلم أزوي
/٦٢ أ/ وأنشدني لنفسه أيضاً، وقد حضر مع راجح الحلي الشاعر، مجلس شراب، فمد له قدحاً يشربه، فقبله، وأنشده ارتجالاً: [من الوافر]
كأن الرَّاح في كفَّيك تبرٌ ... يجود بها بلا من علينا
فلا شكرٌ يغرُّ يديك منَّا ... كما إحسانها يترى إلينا
وأنشدني أيضاً لنفسه، يمدح الإمام المستنصر بالله أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين، خليفة الله في العالمين –﵀ ويحرضه على أعدائه، وأخذ بلادهم:
[من السريع]
في صهوات الشُّزَّب الضُّمَّر ... مطَّلب النَّصر لمستبصر
وفي الرُّدينيات نيل المنى ... ومنشأ العزَّة والمفخر
لا تغترر بالخدع من صاحبٍ ... من يغر بالعلياء لا يغرر
إن معطاه كؤوس السُّرى ... تسرُّ قلب الخاطر المخطر
وخوض هول الأرض لا يرتضى ... إلاَّ لجرَّار القنا مجتري
الدَّهر وآراؤه ... محمودة المورد والمصدر
/٦٢ ب/ لله كم من مهمهٍ جئته ... بهمَّةٍ تهزأ بالأنسر
تؤنسني الوحدة في منزلٍ ... والرفق ما في البلد المقفر
وجنح ليلٍ جنحت رفقتي ... فيه إلى الأزهار والمزهر
بتنا على اللَّذات أسرارنا ... مسروروٌ بالخمر والميسر
стр. 1951
تقدِّح الأقداح من لهونا ... شرار حقد الكبد الموغر
وضجَّة الأوتار ما بيننا ... وأنزه الصَّاحي من المسكر
ليل حميدٌ ما زجرنا به ... مهرَّيةً في المهمه الأغبر
ولا اصطحبنا منه في غارةٍ ... غازين بالأبيض والأسمر
مارسني الدَّهر ومارسته ... والحرُّمين يحمد في المخبر
أقصى قصاراي به عزمةٌ ... حكيت الملك على قيصر
ما أنا ممَّن همُّه بلغةٌ ... يبلغ منها إرب المقتر
إذا نبا بي موردٌ عافه .. خلقي ولو كان من الكوثر
لا أحمد النَّهضة إلاَّ إلى ... خليفة الله أبي جعفر
الآمر الأمَّة بالعرف والـ ... ـمعروف والنَّاهي عن المنكر
والصائم القائم والعالم الـ .... ـحاكم في الغيَّب والحضَّر
/٦٣ أ/ وعاقد الرَّايات سوداً يقرِّ ... بن العدا من موتها الأحمر
في جحفلٍ جبريل من جنده ... يموز بالنَّصر ولا يمتري
لوامع البيض وبيض الظُّبا ... فيه كبرق العارض الممطر
كأنَّ فتح الطير من فوقه ... مخلوقةٌ من ذلك العسكر
كأن غرثي الوحش سرَّت به ... سرب قطاً بالماء مستبشر
كأن فيه الخيل جوَّالةً ... ضراغمٌ ثرن فلم تثأر
تهتزُّ فيه كلُّ خطيَّة ... سمراء هزَّ الغصن الأخضر
شنَّ به المنصور نصراً لمن ... يعدُّ دعواه ولم يغدر
لا غرو أن ...... بطش من ... أعراقه تغلق بالمئزر
مبتهج الوجه إذا أمَّه ... ذو أملٍ مرتفع العنصر
زرناه بالزَّوراء فاستبشرت ... آمالنا بالنَّائل الأوفر
وأصبح المعروف من تيهه ... يعلو على المشئم والممصر
فيا أمير المؤمنين الَّذي ... جبينه كالقمر المسفر
стр. 1952
************
ورأييه في فضل ........ ... يزهر مثل الكوكب النيِّر
/٦٣ ب/ عز لبلاد الله من حاكم ... بالجور فيها لحكم مستنكر
وأجبر بعدل منك كيس امرئ ... لولاك لم يؤس ولم يجبر
يا ملكاً أنمل راحاته ... سحائبٌ أنشئن من أبحر
رع كل باغ ما بي إذا ... صال فمثل الأسد القسور
ليثٌ على السرج له غرَّةٌ ... كالبدر في دائرة المغفرة
فالأرض إرثٌ لك من دوننا ... يا ابن الصَّفا والرُّكن والمشعر
من لي بأن أنظر راياتكم ... مرفوعة تنشر في شيزر
في فيلق تجري كرجل الدَّبى ... معتصماً بالعدد الأكثر
تحتل من أرض حماة الحمى ... حلول حام غير مستنكر
ويلتقي حمص بملمومةٍ ... تدمِّر الأعداء عي تدمر
ضراغمٌ تطلب من جلِّق ... عرين ثاوٍ غير مستنفر
وترجم القصرين من بعدها ... عزائمٌ طالت فلم تقصر
تجتذب النيل إلى دجلة ... كما مضى في سالف الأعصر
لوارث البردة من أحمد ... ...... للسيف والمنبر
/٦٤ أ/ ومنقذ الأمَّة من غيِّهم ... ومنصف الأعمى من المبصر
هناك ينجو الشَّرق من مشرقٍ ... ويبرأ الغرب من البربر
[٧٥٧]
محمد بن سعيد بن يحيى بن عليِّ بن الحجّاج بن محمد بن الحجاج، أبو عبد الله بن ابي المعالي الدبيثيُّ الواسطيُّ.
стр. 1953
وجده الأعلى كان من دبيثا؛ قرية الحجّاج من طريق الجبل، بينها وبين واسط عشرة فراسخ.
شيخ صالح فاضل، عدل ثقة من مشاهير أصحاب الحديث وعلمائهم وأعيانهم وحفاظهم، قد جمع عدّة كتب منه: تأريخاً ذيّل به على تاريخ السمعاني المذيل على تاريخ الخطيب؛ وقرئ عليه، وكتب به عدة نسخ.
وكانت ولادة أبي عبد الله يوم الاثنين سادس عشري رجب سنة ثماني وخمسين وخمسمائة، بواسط. وتوفي ببغداد يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة.
وسمع الحديث الكثير على مشايخ واسط، وبغداد، والحجاز، وطلبه بنفسه، وسمع بواسط أبا طالب محمد ابن علي الكتاني، وأبا العباس هبة الله بن نصر الله بن مخلّد /٦٤ ب/ وجماعة آخرين. وبالحجاز من عبد المنعم بن عبد الله الفراوي، وببغداد من أبي السعادات نصر الله بن عبد الرحمن القزاز وغيرهم؛ وألّف التاريخ.
وهو شيخ ثقة حافظ ذو معرفة، وضبط وعلم بالتواريخ والوقائع، واسع الرؤية، له أشعار متضمنة الزهد، والوعظ، وما يتصل بهذه الأنواع.
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
سبيلك يا نفسي إذا رمت مخلصا ... وراحة سرَّ أن تقلّي من الطمع
وأن تقنعي بالقصد في كل حاجة ... ولا تيأسي في الحادثات إذا تقع
وإن مس دهرٌ بالمساءة فاصبري ... وزيدي خضوعاً للإله فقد نفع
стр. 1954
ولا تظهري الشَّكوى لخلق فلن تري ... لأمر قضاه الله من دافعٍ دفع
فما العسر باقٍ مثلما اليسر لم يدم ... ولا المرء يبقى فاتركي الحرص والخدع
وأنشدني لنفسه أيضاً: [من الطويل]
سيذري دماً بعد الدُّموع كآبةً ... على خوضه في اللَّهو من كان لاهيا
ويندم من قد كان يسعى لنفسه ... بأهوائها إذ بان في النار هاويا
ويعلم عقبى حاله كلُّ خالعٍ ... عذار الحيا يوم الحساب الملاقيا
فقل لمجدٍّ في الحرام مسارعٍ ... ترفَّق قليلاً سوف ترحل ....
/٦٥ أ/ وأنشدني من شعره أيضاً: [من الطويل]
يغر الفتى طول السَّلامة لاهياً ... وينسى هجوم الموت مع ظلمة القبر
وأهوال ما يلقى ويوم حسابه ... إذا برز الجبَّار للفصل والأمر
وصيحة أهل النار في النار والبكا ... إذا عاينوا أهل المفازة والغفر
فيا ربِّ وفِّفنا لخير طريقةٍ ... ومنِّ بما يرضيك يا عالم السِّرِّ
وأنشدني لنفسه أيضاً: [من الكامل]
إني نظرت مفكراً في مبدأي ... وتنقُّلي في الخلق والأحوال
حتى عقلت وصرت أعلم أنه ... لابد لي من منتهى ومال
وكأن ما قد كان لم يك صائراً ... فيما مضى متحقِّقاً لزوال
أيقنت أنِّي لا محالة ذاهبٌ ... متحلِّل التَّركيب غير محال
ومن شعره، يمدح المستنصر بالله: [من الطويل]
إمام هدى أحيا به الله خلقه ... وأغناهم بالبرِّ منه وبالفضل
وأعطاهم فوق الذي كان ظنَّهم ... من الطول والإحسان والأمن والعدل
به ازدانت الدنيا وزاد جمالها ... وظلَّ بنوها من أياديه في ظل
فلا زال في ملك عقيم ونعمةٍ ... تدوم وفي عمر مديد وفي بذل
/٦٥ ب/ وبلَّغنا فيه الذي نرتجي له ... من النَّصر والتمكين رب له يعلي
وله: [من الطويل]
خليليَّ إن جار الزَّمان أو اعتدى ... فلوذا بحسن الصَّبر فيه وسالما
стр. 1955
فمن سالم الأيَّام نال مرامه ... وكان من المكروه .... وسالما
وقال: [من الطويل]
عليك بحسن الصَّبر في كل حالةٍ ... وإن كان طعم الصَّبر في حمله صبرا
فلن يعدم الإنسان نيل مرامه ... إذا قطع الأيام مستعملاً صبرا
وعدِّ عن الأطماع وأقنع بدونها ... فكم أهلكت حرصاً وكم قتلت صبراً
وقال: [من الطويل]
خبرت بني الأيام طرّاً فلم أجد
صديقاً صدوقاً مسعداً في النَّوائب
وأصفيتهم منِّي الوداد فقابلوا ... صفاء ودادي بالقذى والشَّوائب
وما اخترت منهم صاحباً وارتضيته ... فاحمدته في فعله والعواقب
وقال: [من البسيط]
يا من يكاثر بالإ خوان معتقداً ... أن المودَّة من أسباب قوَّته
لا تغترر ببني الأيام معتمداً ... على مودَّة من تغري بصحبته
/٦٦ أ/ وكن على حذر ممن تعاشره ... فالدَّهر أنكد أن تصفو لعشرته
كم من خليلين طال الودُّ بينهما ... عادا عدوَّين كلُّ حلف جفوته
[٧٥٨]
محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر بن عليِّ بن عبد السلام، أبو نصرٍ البصريُّ.
لقيته بمدينة السلام سنة أربع وعشرين وستمائة؛ وهو كهل طويل. وذكر لي أنه قرأ القرآن العزيز بالروايات العشر والسبع والشواذ.
وهو تاجر يسافر [إلى] البلاد، وينتقل في طلب المعاش والتجارة، وله شعر قصره على فن التغزل والنسيب؛ ولم يمدح أحداً ولا هجاه إلاَّ بقول الشعر تأدباً،
стр. 1956
الألحان. وهو
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
حتَّى م أعذل في الهوى وأعنَّف ... تالله إنَّ عواذلي قد أسرفوا
قالوا: اصطبر واسل الحبيب تكلُّفاً ... وأبى الهوى أن يقتضيه تكلُّف
أنَّى وكيف لي السُّلوُّ وها أنا ... في الحب مسلوب الحشاشة مدنف
أخفى الغرام تستراً من كاشح ... فتذيعه عنِّي جفونٌ وكف
/٦٦ ب/ يا للرجال سبى فؤادى شادنٌ ... غنج اللَّحاظ رخيم دل أهيف
خنث الشَّمائل عذبةٌ أخلاقه ... من خدِّه ورد الشَّقائق يقطف
ملك القلوب بحسن لطف خلاله ... فكأنَّه ربُّ الملاحة يوسف
جاوزت في حبيبه كل نهايةً ... فصبابتي أنهى حديث يوصف
أشكوا غليه لعلَّه أن يرعوي ... لسكايتي وأودُّلوا يتعطَّف
وبليَّتي ونحول جسمي أنَّه ... في وصل مثلي زاهدٌ متعفِّف
وحياته قسماً وحسبي أنني ... بحياتي في الحب براً أحلف
لا خنته جهدي ولا عن حكمه ... أبداً ولو ذقت الرَّدى اتخلَّف
وأنشدني لنفسه في الغزل: [من مجزوء الرمل]
غفل الواشي فزارا ... لابس الليل إزارا
بدر تمَّ لو رآه الـ ... ـبدر إجلالاً توارى
في الدُّجى يسري فخلت الليل إذا وافى نهارا
فاتر الطَّرف كساه السِّـ ... ـحر غنجاً وأحورارا
قلت: أهلاً ب حبيبٍ ... لا أرى عنه اصطبارا
/٦٧ أ/ مالكي تفديك روحي ... ذبت شوقاً وانتظارا
فسقاني من رضاب ... خلته صرفاً عقارا
عطل الكاسات لمَّا ... خمر عينيه أدارا
стр. 1957
وانتقلنا اللَّثم حتى خالنا الصَّاحي سكارى
يا لها فرصة عمرٍ ... ليتها عادت مراراً
ليلةٌ ضاهيت فيها ... ليلة القدر افتخارا
[٧٥٩]
محمد بن أحمد بن أبي بكرٍ، أبو حامدٍ الجرباذقانيُّ.
وجرباذقان بليدة بين أصفهان وهمذان.
ففيه شافعي، جيد المعرفة في المذهب، فاضل في علم الأصول والخلاف، وله شعر يقصر عن معرفته وعلمه. وسألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه من قصيدة أولها: [من البسيط]
أحبابنا بالحمى بالله ما الخبر ... هل يعتريكم سلامٌ فائحٌ عطر
أم أنتم ذهَّلٌ عن فحصكم أثري ... وما لودَّ إلينا بالرِّضا نظر
ما هكذا الودُّ للخلاَّان منعقدٌ ... بالله صحبي أروني كيف أصطبر
/٦٧ ب/ ومنها:
ثغر المودّة للأحباب مبتسمٌ ... لكنَّ عيني بكاها مسَّه الأثر
على فؤادي فنون الجور من زمنٍ ... بأن دمي في عهده هدر
ومنها:
ابيت في ترحةٍ والقلب منصدعٌ ... والدَّهر هيهات لا يبقى ولا يذر
ومن مديحها:
غوث البريَّة دستور الممالك من ... ذا عنده للندى عظمٌ ولا خطر
عين المعالي حليف العزِّ مصطنع ... سيَّان عند نداه العين والمدر
стр. 1958
[٧٦٠]
محمد بن عبد الواحد بن محمد بن الحسين، أبو عبد الله الموصلي.
تفقه على مذهب الإمام الشافعي، وقرأ طرفاً من علم النحو والعربية على جماعة من أدباء الموصل.
وكان شاباً خفيف العارضين، نحيفاً، أبيض اللون، تعلوه صفرة. وكان ترامى إلى العلوم الرياضية، ويدّعي معرفتها. وكان فيه ذكاء حسن، وكان بيني وبينه عشرة وصحبة. وكان في خلواته بارعاً ... /٦٨ أ/ جاد خاطره بشيء من النظم، في غرض يقع لا بأس به.
كانت ولادته ليلة عرفة سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وتوفي آخر النهار يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة سنة ثماني عشرة وستمائة بالموصل.
أنشدني لنفسه، ما خلا البيت الأول وهو للأمير أبي العباس عبد الله بن المعتز:
من معيني على السَّهر ... وعلى الهممِّ والفكر
فنظم أبو عبد الله على الوزن والقافية: [من مجزوء الخفيف]
من غزالٍ قد اشتهر ... حسنه واسمه عمر
قد براني في ضرر ... من هواه على خطر
فكم الحسن قد سطر ... حاجبيه وما اقتصر
ليس في خدِّه شعر ... نوره يقمر القمر
ليته زار في السَّحر ... والكرى يفهم الخبر
[٧٦١]
محمد بن عليِّ بن عبد الله بن سليمان بن عليِّ بن عبد الحميد بن أبي العافية، أبو عبد الله البلنسيُّ العمريُّ.
من أولاد عمر بن الخطَّاب – ﵁.
стр. 1959
رأيته شاباً طويلاً، أشقر /٦٨ ب/ أزرق العينين، بمدينة إربل، في أوائل رجب سنة ثماني وعشرين وستمائة. وهو من أهل القرآن والمعرفة بالنحو والأدب. وذكر أنه قرأ العربية على أبي الحجاج يوسف بن محمد الأندي. وعلى ذهنه قطعة صالحة من أشعار الندلسيين.
وله تصانيف في الأدب، عدّد لي أسماءها منها: كتاب "النكت الغريبة في شرح الجزولية"، وكتاب "الشافعي في علم العروض والقوافي"، وكتاب "الروض الممطور في أوصاف الخمور"، وما يتعلق بها في الشذوذ".
وله شعر مليح، وقول عذب. وسألته عن مولده، فقال: ولدت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
ومهفهف سفك الدِّماء بلحظه ... جارت على كلفي به فتكاته
رقَّت محاسن وجهه فكأنَّما ... ماء الحياء غذيت به وجناته
رشاً إذا أهدى السَّلام بمقلة ... ولَّى وقد عبثت بنا لحظاته
نمَّ العذار على مورِّد خدِّه ... ولوت بعقرب صدغه نوناته
نشوان لكن من خمار خفونه ... من أين للقلب العميد نجاته!
/٦٩ أ/ أنت الكمال وغصن قدِّك ناعمٌ ... لا تبخلنَّ فقد زهت ثمراته
الحسن مالٌ والزَّكاة فريضةٌ ... لا يزك مالٌ لم تؤدَّ زكاته
وأنشدني لنفسه أيضاً: [من الكامل]
يا سيداً ساد الورى قسماً بمن ... خلق الهوى إنِّي إليك متيِّم
جرحت ظبا ألحاظ جفنك مهجتي ... فعساك تأسوا ما جرحت وترحم
وأنشدني لنفسه أيضاً، وكان قد أهدى إليه بعض العلماء شربة ماء: [من البسيط]
يا خير من كتبت يمناه بالقلم ... وخير من قد غدا يمشي على قدم
تغضي العيون حياءً من مهابته ... بحر العلوم وبحر الجود والكرم
أهديت لي شربة ماء إن شربت بها ... ماء سوى حبِّك المفروض في الأمم
стр. 1960
شرَّفتني بالَّتي تحيا النُّفوس بها ... يسقيك من كل عذب بارد شبم
بالورد قد طيبت لكن نوافجها ... طيَّبتها منك بالأخلاق والشِّيم
لا زلت في نعمةٍ تترى مجدَّدةٍ ... عليك ما لاح بدرٌ في دجى الظُّلم
[٧٦٢]
محمَّد بن عليِّ بن أحمد /٦٩ ب/ بن عبد الله بن عليِّ بن أبي طالب بن أبي الفرج بن مخلد بن كرمٍ، أبو عبد الله الخزرجي الأنباري.
كانت ولادته بمدينة السلام، سابع عشري رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، بجانبها الغربيّ، في جوار محمد بن بشار بالقرية.
وهو رجل صالح عفيف، نشأ في طاعة الله تعالى وحفظ القرآن المجيد، وسمع الحديث الكثير على جماعة من مشايخ بغداد الثقات؛ كأبي الفرج بن الجوزي، وأبي القاسم يحيى بن أسعد بن بوش البغدادي، ومكيّ الغراد، وعبد الرحمن بن عيسى البغدادي، وأبي علي عمر بن علي بن عمر الحربي الواعظ وغيرهم، مما ينيِّف على خمسين شيخاً.
اجتمعت بأبي بعد الله بمدينة إربل، وهو مقيم بها، فانتظمت بيني وبينه مودة.
أنشدني لنفسه أشعاراً في أغراضه، فمن ذلك قوله: [من المديد]
يا خليَّ البال عن كمدي ... بأبي السُّبطين خذ بيدي
أنا في داء أعالجه ... لا أرى الشكوى إلى أحد
مغرمٌ قد قلَّ ناصره ... مستهامٌ ناحل الجسد
ربَّ ليلٍ بتُّ ساهره ... عن غرامٍ حلَّ في كبدي
/٧٠ أ/ وأنشدني أيضاً: [من المنسرح]
يدَّبر الله ما يشاء وفي ... تدبيره للعباد إحسان
يقيم أرزاق خلقه وله ... في كل وقتٍ من أمره شان
стр. 1961
[٧٦٣]
محمد بن عمر بن محمد بن علي بن محمد بن المبارك بن محمد المهتدي بالله بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهديِّ بن المنصور بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو عبد الله بن أبي حفصٍ العباسيُّ.
هكذا نسب لي نفسه.
شيخ رأيته بمدينة إربل في جمادى الأولى، سنة سبع وعشرين وستمائة. وذكر لي، أنَّه كان بالموصل معلّم صبيّة لكتب العامة، ثم ترك صنعة التعليم، وعاد إلى وطنه بغداد، فصار بها يؤدّب أولاد أمرائها بالخط.
أنشدني لنفسه، يمدح القاضي شهاب الدين أبا المناقب محمود بن أحمد بن بختيار الزنجاني: [من البسيط]
علوُّ مجدك أجرى السَّعد في الأفق ... فأبشر بيمن وإقبال على نسق
واسعد به يا شهاب الدين وابق لنا ... يا أبيض الوجه والإحسان والخلق
لأنت مولى إذا عدَّت مناقبه ... فبلَّجتك ضياء الصُّبح في الفلق
سامي المناقب محسود المراتب محـ ... ـمود العواقب محمولٌ على الحدق
/٧٠ ب/ إن قال أو صال أو سالت عوارفه ... لدى المرا والوغى والنائل الغدق
كالغيث .... كالعضب مندلق ... واللَّيث منطلق والغيث مندفق
أغنت عوارفه فقرى وعاش بها ... أهلي ومات بها ضدِّي من الفرق
فما اصطبحت بكأس من عوارفه ... إلاَّ وقد بثَّ في جلباب مندفق
كم نلت ما رمت من إنعام راحته ... فنال أقصى المنى في ملكه وبقي
في ظل مالكنا رقاً وموسعنا ... رزقاً ومنذنا .... من العلق
النَّاصر الملك الدَّاعي إلى الرَّشد النَّاهي عن الفند الهادي إلى الطرق
خليفة الله ظل الله ناصر ديـ ... ـن الله أحمد كهف الواهن الفرق
لا زال عصمة ملهوفٍ وكعبة معـ ... ـروف يحجُّ إليها كل مرتزق
стр. 1962
[٧٦٤]
محمد بن عليِّ بن شمَّاس بن هبة الله، أبو عبد الله بن أبي الحسن الإربيليُّ.
وقد تقدم شعر والده، وشعر أخيه.
أخبرني أنه؛ ولد في شهر ذي الحجّة سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وهو الأكبر من أولاد الوزير أبي الحسن علي بن شماس. وهو حسن المذاكرة بأيام الناس وأخبارهم، وقال أشعاراً غير أنَّها ذهبت، ولم يظهر لي منها شيء.
ومن شعره، يهجو علي بن /٧١ أ/ النفيس. كان من أولاد نصارى رومايا، قرية من بلد قلعة ألقى من أعمال الموصل.
وكان قديماً من الجزيرة العمرية. وكان هذا المهجو بإربل قد استولى على مملكة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين – ﵁ – وحكم فيها، واستفحل أمره، وظلم الناس ظلماً فاحشاً حتى غلب على السلطان مظفر الدين، وانقاد له في جميع ما يأمره وينهاه، وحصل أموالاً جمّة، ومات على أقبح موتة، وأراح الله المسلمين من ظلمه. فأنشدني أو عبد الله فيه لنفسه: [من الخفيف]
قد كرهت الولاء لمّا تسمَّى ... بعليٍّ هذا الوضيع الرَّذيل
إنَّ يوماً يكون فيه رفيعاً ... عند هذا الورى ليوم ثقيل
إنَّ ملكاً يكون فيه مشيراً ... مثله في الأنام ملكٌ علي
ما احتيال ............... ..........................
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
بكت عيني حذار البين حتَّى ... جرت بعد الدُّموع لها الدِّماء
وعوِّدت التئام الشَّمل جهدي ... وليس لصحبةٍ أبداً بقاء
стр. 1963
[٧٦٥]
/٧١ ب/ محمَّد بن عليِّ بن يحيى بن محمد بن الحسن بن يوسف بن عبيد الله، ابو عبد الله بن أبي الحسن الشلمانيُّ.
كان ولده من قرية من قرايا فنك، تدعى شلما، من عمل الجزيرة العمرية. وقد سبق شعره أبيه في موضعه.
وأبو عبد الله ذو طبع في الشعر، إلا أن شعره ضعيف؛ لكونه لم يشتغل بالعربية. نزل إربل، وتولّى بها عملاً، ثم حبس، وطالت مدته في الحبس.
أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفى من الحبس، يشكو حاله، وما يلاقي من الضائقة والفاقة: [من الخفيف]
شرف الدين لا برحت بإحسا ... نك تحيي من كان ميتاً كسيرا
أنت بحرٌ والبحر يمنح ما يأ ... تيه درّاً ولؤلؤاً منثورا
إن أكن في الحديد أصبحت فرداً ... عاري الجسم جائعاً مكسورا
فلي الله ثمَّ أنت ومن كنـ ... ـت له مسعداً فعزَّ ظهيرا
قيَّدتني أطواق إحسانك لمَّا ... ضنَّ من كنت أرتجيه نصيرا
وملكت القياد منِّي فأصبحـ ... ـت بجدواك منعماً محصورا
قست ما كان من زماني فلم أحـ ... ـظ ..... منكم هباً منثوراً
[٧٦٦]
/٧٢ أ/ محمَّد بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن ثابت بن مزاحم بن عياش بن وديعة، أبو عبد الله الموصليُّ.
تقدّم شعر أبيه، وكان من النيل.
стр. 1964
وكانت ولادة محمد بالموصل، في منتصف ذي القعدة يوم الاثنين ضاحي نهار سنة ثمانين وخمسمائة.
شاب ضعيف العينين، وقد وخطه الشيب، مربوع. سمّى نفسه شاعر أهل البيت. يلحن في إنشاده.
وحكى أنه وقف على منجم طرقي، فأراد أن يعبث به، فقال: نجّم لي، وذكر غير اسمه، واسم أمّه.
فقال له المنجم: قل الصحيح.
فقال: فقلت له، اسمي الحقيقي.
فقال: أنت تكون تجمع ألواح الصبيان، وتصر معلماً.
قال: فكنت بعد ذلك بمدّةٍ طويلة كما قال.
وكان يؤدّب الصبيان بالموصل.
وهو شاعر غزير الشعر، طبعه مجيب في النظم، مدح أهل البيت – صلوات الله عليهم – بقصائد شتى، اشتهرت عنه، وترك التأديب، ثم اشتغل بالتنجيم، وعرف منه طرفاً جيداً وكتب التقاويم الحسنة.
أنشدني لنفسه من قصيدة، يمدح بها مولانا وسيدنا الإمام المفترض الطاعة على كافة الأنام المستنصر بالله أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور – رحمه الله تعالى -.
/٧٢ ب/ يقول فيها: [من السريع]
وربَّ عنس صرت في ظهرها ... جائلة في مهمه الأنهر
لا تشتكي فرط وجى لا ولا ... ترعى من الحوذان والعرعر
جاريه كالطَّير في جوِّها ... لغامها من طحلب أخضر
تؤمُّ بي نحو إمام النَّدى ... خليفة الله أبي جعفر
الظَّاهر الأنساب من هاشمٍ ... رب الجبين الواضح الأزهر
стр. 1965
هو الإمام النَّبويُّ الذي ... عنصره من أشرف العنصر
وإلى أمور الدين عن جدِّه ... العبَّاس بل عن أحمد المنذر
حامي حمى البطحاء والرُّكن والـ ... ـحطيم والكعبة والمشعر
واللاَّبس البردة والحامل الـ ... ـقضيب والرَّاقي على المنبر
ذو التاج والمغفر لا .... ... ..... بربِّ التاج والمغفر
من في فناه مهبط الوحي والتَّبجيل والتَّفضيل والمفخر
من نور رب العرش أنواره ... كذاك لا تخفى على المبصر
مالك أعناق ملوك الورى ... منشي زمام الرِّمم الدُّثَّر
ذو الجحفل الجرَّار والعسكر الساري من الأملاك في عسكر
/٧٣ أ/ تخفق في الآفاق راياته ... باسم منصور ومستنصر
إذا جرت في معرك خليه ... بغير هام الشُّوس لم تعثر
توسم في الأرض المحاريب فالثغور باللَّثم لها تمتري
يظل من فوق الثَّرى دونها ... يسجد وجه الملك الأصفر
سيوفه مذ لم تزل والقنا ... بالدَّم غن يدع بها يقطر
وبيضه حمرٌ وأرماحه ... سمرٌ بغير الهام لم تثمر
حاز على عشر بحار وفي كل الورى سبع من الأبحر
وحيث جادت كفُّنه بالحيا ... فالعارض الهتَّان لم يذكر
يغني بعيد الدار بالوابل الـ ... ـمدرار من مثر ومن مقتر
يعلم ما في السرِّ وحياً من اللـ ... ـه وقد يخبر بالمضمر
أضحت به بغداد كالخلد للسَّاكن والدِّجلة كالكوثر
فنشرها أذكى من المسك للنَّاشق والكافور والعنبر
خليفة الله الذي حبُّه ... في اليوم ينجيني وفي المحشر
من لا يواليك غداً في لظى ... يكبُّه الله على المنخر
فقت على كيوان في رتبة الـ ... ـفخر وجاوزت مدى المشتري
/٧٣ ب/ وأصبح المرِّيخ في هوَّةٍ ... منك على الأعداء كالقسور
فارق وطل واسعد وسد وابتهل ... وعش ودم واسم وجد وافخر
следующие страницы →